← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الموت ونهاية العبادة أمر الرقابة، وأمر العبادة، وأمر الوحدانية لله ينبغي علينا جميعاً أن نحققه، ولكن هل نحققه في يوم، أو في شهر، أو في لحظات معينة، أو في مواسم نأتي بها من عند أنفسنا؟ ما هي الغاية؟ لقد أفصحت عنها الآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وهذا يبين أن عبادة الإنسان لله، وقيامه بالواجب عليه ليس محدوداً بحد، ولا مغيئاً بغاية، لا يحول عن العبادة، ولا الطاعة، ولا القيام بأمر الله إلا الموت، إلا مغادرة هذه الحياة، والموت تلك الحقيقة المرة القاسية التي هي في الحقيقة ثقيلة على نفوس الناس، ولا يريدها الناس بفطرهم، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] حقيقة كتبها الله على الناس جميعاً، يموت الأغنياء، ويموت الفقراء، ويموت الأقوياء، ويموت الضعفاء، يموت الملوك وغير الملوك، يموت المسئول وغير المسئول، يموت الكبير والصغير والذكر والأنثى، إذاً هذه نهاية كل الناس داخلها. الموت كأس وكل الناس شاربه والقبر بابٌ وكل الناس داخله

стр. 247

معنى اليقين في الآية السؤال الذي نسأله: ثم ماذا بعد ذلك؟ أيقنا أن هذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عنا ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين كما فسره أهل العلم وأهل التفسير: الموت، كما فسر ذلك فيما نقل البخاري عدد من الصحابة ﵃ وعدد من التابعين كـ قتادة والحسن وعكرمة ومجاهد وسالم وغيرهم أن اليقين هو الموت، وقد دل على ذلك في كتاب الله ، قال الله عن أهل النار عافانا الله وإياكم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦] هذه حال أهل النار والعياذ بالله لا يصلون، لا يؤدون الزكاة، يقعون فيما حرم الله ، يكذبون بيوم الدين، لا يبالون بالبعث والنشور، لا يستعدون للقاء الله، ألهتهم هذه الحياة بمغرياتها ومادياتها وشهواتها. فينبغي علينا أيها الإخوة! أن ننتبه لهذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] فاليقين هنا الموت كما في آية الحجر التي معنا. وقد جاءت السنة أيضاً في بيان أن اليقين الموت، عندما دخل النبي ﵊ على عثمان بن مظعون وقد مات، قال: ﴿أما هو فقد أتاه اليقين، ولكني أرجو الله له الخير﴾ فنبه على أن اليقين هنا هو الموت، وهنا لطيفة: أن اليقين هنا هو الموت خلافاً لما عليه بعض أهل الإلحاد الذين يقولون: إن اليقين هو المعرفة، يقولون: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ما هو اليقين عندكم؟ قالوا: المعرفة، تتدرج في سلم المعرفة حتى تعرف الله -كما يقولون- وحتى تصل إلى درجة تسقط عنك فيها التكاليف، وحتى تصل إلى درجة والعياذ بالله يكون العبد فيها معبوداً والمعبود عابداً والعياذ بالله كما قالوا: العبد ربٌ والرب عبدٌ يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ أو قلت ربٌ أنى يكلف حمقٌ وجهلٌ وسفسطةٌ وفلسفة خلاف دين الله ، وما على ذلك من غلاة المتصوفة الذين يرون أن اليقين هنا هو المعرفة، أو أن الإنسان يعبد الله يصلي حتى يصل إلى درجة معينة، ثم تسقط عنه التكاليف، فهذه الآية ردٌ عليهم، وهذه الآيات والأحاديث تدل على أن عبادة الإنسان وطاعته تجب عليه ما دام عقله معه، وما دام يعيش على هذه البسيطة يجب عليه أن يقوم بعبادة الله، وليس معنى ذلك -كما قلت يا إخوان- أن ندخل المسجد فلا نخرج منه، أو أن نمسك المصاحف فلا نتركها، لا. بل نفهم العبادة، ونفهم الدين على أنه مجالٌ واسعٌ في كل مجال من المجالات حتى الأعمال الوظيفية يخلص فيها العبد النية لله ، فتندرج ضمن العبادات، وهذا أمرٌ ينبغي أن نتنبه له.

стр. 248

الموت والاتعاظ به الموت تلك الحقيقة التي نغفل عنها لما كبلنا بالماديات والأعمال والشهوات والوظائف والمناصب والكراسي، فأصبح بعض الناس يغفل، أما يفكر أين أبوه؟ أين أجداده؟ أين الناس الذين قبله؟ أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ وأين منهم أكاليلٌ وتيجان وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان أتى على الكل أمرٌ لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا فإذاً علينا أن نستعد لهذه القضية ولهذه الحقيقة التي نحن قادمون عليها، ولكن ماذا بعد الموت أيها الإخوة؟ الموت باب وكل الناس داخله فليت شعري بعد الموت ما الدار؟! الدار دار نعيمٍ إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء ﴿لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه﴾ هذه أسئلةٌ ينبغي أن نعد لها جواباً، وينبغي علينا أيها الإخوة ألا نطيل الأمل [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]] هذه الدنيا إن أسعدتنا قليلاً بهذه الشهوات فإنها لن تدوم، هذه الشهوات لن تدوم، هذه الماديات لن تدوم، إما تنتقل عنا، أو ننتقل عنها، فينبغي علينا أن نعتبر، وأن نعد العدة لما بعد هذه الحقيقة التي سنقدم عليها، وأن يكون عند الإنسان إحساسٌ بها، وقد غفلنا عنها، والله لما أهملنا الصلوات الخمس مع الجماعة، ولما أذن المؤذن ونحن سادرون وغافلون ومنهمكون في دنيانا، غفلنا عنها لما ضيعنا أبناءنا وأسرنا، كثير من أبناء المسلمين وقعوا فيما حرم الله، بدل أن يعرفوا طريق المساجد عرفوا طريق قرناء السوء، المسكرات، المخدرات، المشكلات، المصائب التي جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم فساداً عريضاً.

стр. 249

الاستعداد للموت يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من قصرنا في معاملاتنا، أكلنا الربا، وتساهلنا في الرشوة، ووقع بعضنا في الخيانة، يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من بخلت بزكاة مالك، ويا من ضيعت عمرك ووقتك عبر محرم من المحرمات أغنيات ماجنة، أو منظر محرم، أو فيلم يذكي فيك الغريزة، ويبعدك عن ربك، ألم تعلم أن أوقاتك محسوبة عليك، وأن ساعاتك مدونة عليك، وأن الله سائلك عن كل دقيقة؟ الوقت يمر، الوقت يمضي، فعليك أن تتزود من محطة من المحطات التي ينبغي أن تتزود فيها من الأعمال الصالحة، لا يمر علينا العمر هكذا، لا تمر علينا هذه الأعمار نمسي ونصبح ونحن في عجلة من الزمن لا ندري إلى أين نحن صائرون، ألا نعتبر بما يقع من الحوادث والكوارث عند الناس، نسمع هكذا أن فلاناً مات، وأن فلاناً انتقل من هذه الحياة، ألا نصور أنفسنا مكانهم؟! ثم نعلم أننا محشورون، وقائمون أمام الله في موقف عظيم، وقبله موصدون وموضوعون في حفرة ضيقة لا أنيس فيها إلا العمل الصالح، هل سأل الإنسان نفسه هذه الأسئلة؟ فإن ذلك يدفعه إلى العمل الصالح أن يقول خيراً، أن يحب الخير للناس، أن يطهر قلبه من الأحقاد والضغائن والحسد والغيبة والنميمة، أن تتقي المرأة ربها، فتلتزم بحجابها وعفافها وحيائها وحشمتها، وبعدها عن الاختلاط بالرجال وإبداء الزينة أمامهم، كل هذه أمورٌ ينبغي أن نستعد بها وفيها أمام ربنا جل وعلا. هذه القضايا الثلاث أيها الإخوة الكرام: قضية العبادة، وقضية الوحدانية والربوبية، وقضية الموت والنهاية، كل تلك قضايا تضمنتها هذه الآية العظيمة، وهي آية كريمة ينبغي أن نقف عندها طويلاً، وأن نعرض أنفسنا وأعمالنا وأقوالنا عليها، وأن ننظر في أنفسنا، وأن نحاسبها: هل نحن حققنا هذه الأمور أم نحن قصرنا فيها؟ وحري بالعبد وعلى من علم عظمة الله، وعلم قدرة الله، وعلم واجبه تجاه ربه جل وعلا، وشكر نعمة الله عليه الذي خلقه ورزقه وحباه وكلأه وهيأ له النعم؛ أن يقوم في هذه الأيام بعبادة الله، فإن العمر قصير، آجالٌ محدودة، وأنفاس معدودة، أجل مقسوم، ووقت محسوم، ثم بعد ذلك سؤالٌ وحشرٌ ونشرٌ وجنةٌ أو نارٌ، عذاب ٌلا نعيم بعده، أو نعيمٌ لا عذاب بعده. نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن حقق هذه الأمور كلها بمنِّه وكرمه، كما نسأله تعالى بأسمائه الحسنى أن يرزقنا حسن عبادته، وأن يرزقنا القيام بها على الوجه المطلوب، كما نسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتوب علينا إنه جوادٌ كريم، كما نسأله تعالى أن يوفقنا للاستعداد للقائه، وأن يحسن خاتمتنا وعاقبتنا، وأن يصلح فساد قلوبنا وأعمالنا إنه جوادٌ كريم، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم دائماً وأبداً على طريق الخير والحق والإرشاد والتذكير، والتعاون على البر والتقوى، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم في دار كرامته كما جمعنا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك. شكر الله لكم حضوركم وإنصاتكم، وبارك الله فيكم، وشكر الله لإخواننا المسئولين في الخطوط السعودية الذين أتاحوا لي هذا اللقاء الطيب المبارك، والذين ترك بعضهم أعماله، وأتى وشرفنا في هذا اللقاء الأخوي، شكر الله للجميع، وجعل ذلك في موازين الأعمال، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 250

الأسئلة .

стр. 251

السبيل إلى مجاهدة النفس السؤال ما هو السبيل إلى مجاهدة النفس، وإخلاص النية في جميع الأقوال والأفعال؟ وجزاكم الله خير الجزاء على إجابة هذا السؤال؟ الجواب أحمد الله تعالى، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. لا شك أن هذه الطرق الثلاث، أو هذه القضايا الثلاث الرئيسية التي ذكرناها ضمن الحديث تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج إلى عمل؛ لأن هناك أعداء يريدون إشغالنا عما خلقنا له. إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فشياطين الإنس والجن مع النفس الأمارة بالسوء والهوى كل هؤلاء حريصون على إضلالنا وإبعادنا، وأن نكون معهم في نار جهنم والعياذ بالله! كما حرص الشيطان الرجيم -أعاذنا الله منه- على إغواء بني آدم، وأنه سيأتيهم من أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم إلى آخر ما ذكر الله عنه، فينبغي على العبد أن يجاهد نفسه، وطرق مجاهدة النفس تأتي ضمن عدة أمور: الأمر الأول: الدعاء والالتجاء إلى الله ، فهو سبحانه الذي يعين، ولهذا كان الرسول ﷺ يكثر من دعاء: ﴿اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ ويقول: ﴿يا معاذ! إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده الأمر الثاني: أن يأخذ الإنسان بطرق مكافحة الشيطان، أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم دائماً وأبداً، ويسأل الله دائماً أن يعيذه من شرور نفسه وسيئات عمله، وأن يدله على الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه، ثم عليه أن يأخذ بعوامل الثبات، يقبل على كتاب الله ، يقوي الإيمان في قلبه عن طريق تقوية الإيمان المعروفة: قراءة القرآن، الأذكار الشرعية، صلاة الفرائض وصلاة النوافل، والصدقات، والتطوع، والواجبات، وأيضاً من ذلك أن يشتغل الإنسان بالطاعات، ويبتعد عن المعاصي، فإن المعاصي تقرب الإنسان مما يبعده عن الله ، وتأخذ به رويداً رويداً حتى تقذف به بعيداً عن جادة الصواب والعياذ بالله، ولهذا يجب على المسلم ألا يستقل صغيرة، لا يقول أنا لم أصلِّ السنن، وهذه سنن ويتساهل فيها، عليه أن يأخذ نفسه بالجد، ولا يضع لنفسه ثغرة من الثغرات، فإن الشيطان حريص أن يتسلل منها إلى قلبه، وإلى دينه وإيمانه. الأمر الثالث: عليه أن يلتمس الجلساء الصالحين، وهذه قضية مهمة. إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي إذا مشى الإنسان مع الذين يصلون ويذكرون الله ويطيعون الله؛ صار منهم، وإذا مشى مع الذين يلعبون ويلهثون ويلغون ويرابون ويسكرون ويعبثون في هذه الدنيا؛ أصبح منهم، فالتمس لك قريناً صالحاً، والتمس لك خلاً صادقاً وفياً، فإن هذا مما يعينك على مجاهدة نفسك، لازم العلماء، استفد منهم عبر مجالستهم، أو مجالسة أصواتهم والاستفادة منهم عبر محاضراتهم وندواتهم. الكتاب الإسلامي، الشريط الإسلامي، الالتزام بالرفقة الصالحة، كل ذلك ومما يعين على مجاهدة النفس، البعد عن المعاصي، لا نستمرئ المعاصي، إذا كثر إمساسنا للمعاصي، قل إحساسنا لها، ولهذا تجد بعض الناس الذين واقعوا كثيراً من المعاصي يعدونها سهلة، وإن كان ثبت ﴿أن الإنسان المنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال له هكذا فطار، والمؤمن يرى ذنوبه كأنه جبل يريد أن يقع عليه﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠ - ٦١] هذه بعض الوصايا التي تعين الإنسان على أن يسلك مجاهدة النفس، وطريق الثبات، وعليه أن يسأل الله دائماً وأبداً الثبات على الحق، فمن نحن عند أفضل الخلق على الإطلاق الذي قام الليل حتى تفطرت قدماه؟ وكان يقول: ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك﴾ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه! فقلوبنا نحن قاسية الآن، وعلينا أن نسأل الله الثبات، ثم علينا أيها الإخوة أن نتذكر الموت، نزور المقابر، نتذكر الآخرة، نأخذ برصيد، لا تشغلنا هذه الحياة بزخارفها وشهواتها، كل ذلك بإذن الله عونٌ على مجاهدة الإنسان نفسه، وسيره على الطريق المستقيم، نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل ذلك؟

стр. 252

واجب رجل الخطوط الجوية تجاه دينه السؤال ما هو واجب رجل الخطوط السعودية تجاه دينه لكونه أول واجهة لهذا البلد الإسلامي الذي حباه الله تعالى بنعمة الإسلام؟ الجواب الحقيقة هذا سؤال غاية في الأهمية، وليته كان عنوان المحاضرة، لكن أشير إشارة بشيء على ما ينبغي أن يكون عليه المسلم. أولاً: المسلم أياً كان موقعه مطالبٌ بالالتزام بهذا الدين، والقيام بما أوجب الله عليه، وأن يكون متحلياً بما فرض الله عليه، متخلياً عمَّا حرم الله عليه، فكيف بالرجل الذي يقوم بعمل من أهم الأعمال، ومن أكثرها ملامسةً للجمهور، وهي في الحقيقة الواجهة -كما تفضل الأخ- التي يواجهها أي قادم لهذه البلاد، بل هي حلقة الوصل في الحقيقة بين المسافرين وبين محطات سفرهم. عليه أولاً: أن يستشعر أنه عضوٌ في مجتمعٍ شرفه الله بالإسلام، نحن في هذه البلاد شرفها الله وحرسها، وأدام عليها نعمة العقيدة والإيمان، ونعمة تحكيم شريعة الإسلام، ووفق ولاة أمرها إلى ما فيه الخير للمسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وجزاهم خيراً على ما قدموا ويقدمون من خدمات جُلَّى للمسلمين، أقول نحن في هذه البلاد لسنا كغيرنا، ومن الخطأ أن نكون كغيرنا، نحن في هذه البلاد دستورنا كتاب الله وسنة نبيه ﵊، منهجنا منهج الإسلام، يجب علينا أن نتمسك به، وأن نلتزم به، وأن يُرى الإسلام متمثلاً في كل مجال من المجالات، وفي كل مكان من الأمكنة في هذه البلاد المباركة، وهذا ولله الحمد والمنة موجود في جملته، ولكن الكمال لله وحده، والقصور من طبع البشر، يحصل فينا قصور وأخطاء، ولكن علينا أن نحاسب أنفسنا، وأن نصلح من أخطائنا، وألا نستمر فيما عرفنا أنه خطأ محض، والحمد لله فإن الله قد شرفنا بهذا الدين، وأكرمنا أيضاً بنعمة العقل والتمييز والإدراك والتفريق بين الحق والباطل. أقول: إن عضو الخطوط السعودية أول ما ينبغي أن يحمله: إيمانه وعقيدته والتزامه بالإسلام الذي يجعله لا يمارس عملاً يخالف هذا الدين، لا يقع في أمر يخالفه ويحرمه الإسلام، هذا جانب مهم عليه أن يتمثل هذا الدين وهذه العقيدة في كل مكان. الأمر الثاني: عليه أن يلتزم بالإسلام ظاهراً وباطناً، ثم عليه أن يعتز بذلك لا ينظر لنفسه على أنه دون غيره، وأن المكانة واللياقة والمكان العظيم والتقدم إنما هو في غير ما تقوم به، الذي أعلمه أن الخطوط السعودية ولله الحمد والمنة تكاد تكون من أفضل الخطوط في العالم من حيث الإمكانات المادية، بل ومن حيث الالتزام أيضاً، وهي أسلم ولله الحمد والمنة من غيرها، أو من كثير من الخطوط فيما يعرض فيها، لكن مع ذلك كلنا يدرك أن ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وأن ما يحصل من أمور تخالف الإسلام وتخالف الشريعة، وهي ولله الحمد والمنة معدودة بالأصابع وقليلة ينبغي علينا ألا نيأس في حلها، ونحمد الله أن ولاة أمرنا يفتحون صدورهم، ويحبون كل ما فيه إبداء النصح لهم، وإبداء النصح فيما فيه الخير لهذه البلاد أمام الشعوب الإسلامية؛ لأن الشعوب الإسلامية حينما تأتي إلى هذه البلاد كأنها تريد أن ترى جيل الصحابة، وجيل العهد النبوي الذي كان فيه النبي ﷺ ، فينبغي أن نكون عند حسن الظن، أنا ألخص الأمر في أمور حتى لا يضيع الوقت. أولاً: يعلم أنه عضو مسلم تسلح بالعقيدة. ثانياً: عليه أن يلتزم بالإسلام ظاهراً وباطناً. ثالثاً: عليه أن يمثل واجهة لهذا الدين، الذي يحضر إلى هذه البلاد يرى في رجل الخطوط السعودية المسلمة الالتزام بالإسلام حقيقة، فلا يخالف شيئاً من الإسلام، لا يكذب في حديثه، لا يخلف في موعده، لا يقع فيما يخالف السلوك الإسلامي الحسن، ينبغي علينا أن نتخلق مع القادمين والمسافرين والمغادرين، لا سيما الذين يأتون من الحجاج والمعتمرين أن نتمثل أمامهم بأحسن صورة بالأخلاق الطيبة، بالتعامل الحسن، والتفاني في خدمتهم، واحتساب هذا عند الله ، فهذا أمر يؤجر عليه الإنسان، أيضاً جانب الخلق جانب مهم، أيضاً معالجة بعض الظواهر التي نراها، وهي في الحقيقة معروفة، ينبغي علينا أن نلتزم بكل ما يمليه علينا ديننا وكفى. هذا هو المطالب به رجل الخطوط السعودية من حيث كونه يحمل الإيمان في جنبيه، ويحمل العقيدة بين جوانحه وتعاليم الإسلام في سلوكه وأخلاقه وأعماله الظاهرة والباطنة، لكن السؤال الذي نطرحه: هل طُبِّقَ هذا؟ وهل قمنا بهذا أم لا؟ هذا سؤال يطرحه كل فرد من أفراد مؤسسة الخطوط العربية السعودية على نفسه، والحقيقة لا نعدكم شيئاً آخر، وإنما نحن منكم وفيكم، وأنتم منا وفينا، وكلنا أسرة واحدة، والإنسان يكمل نقص أخيه، الخطأ ولا شك موجود والتقصير حاصل، لكن علينا من الآن أن نسعى بجد واجتهاد، وأن نفتح مجالات الإصلاح قدر المستطاع، والحمد لله سرنا ما لقينا من إخواننا في التوعية، وأيضاً بلغنا الكثير من المبادرات الطيبة التي قام بها المسئولون في الخطوط السعودية، والمسئولون في هذه البلاد وفقهم الله قاموا بخطوات جبارة، فقد سمعنا أموراً سرتنا كثيراً فيما يتعلق بصون حرمات المسلمين وسلامة أعراضهم من أمور قد يراد بها غير ذلك، ولكن ولله الحمد والمنة وقفوا؛ لأن هذه أمور تخالف عقيدتنا، وتخالف شريعتنا، وتخالف إسلامنا، ولا شيء إلا وفي الإسلام له حل، وفي تعاليم الإسلام له علاج، لكن علينا بالصدق مع الله ، والمبادرة والعزم، وإنكم لفاعلون إن شاء الله، لكن الذي أوصي به الإخوة الأفاضل الملتزمين الطيبين أن يسعوا في حل ذلك بالطرق السليمة، وأن يدعُوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يغمروا الناس بحسن أخلاقهم وحسن تعاملهم وتفانيهم في العمل ليكونوا قدوة عملية ليستطيعوا من خلالها الوصول إلى تحقيق المجالات التي ينبغي أن تصلح، وهي ولله الحمد والمنة في طريقها إلى الإصلاح، وولاة الأمر كما نحسبهم كذلك، ولا نزكيهم على الله لا يألون جهداً في تحقيق كل ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، والحمد لله.

стр. 253

استخدام الممتلكات العامة في الأغراض الشخصية السؤال يقول: فضيلة الشيخ/ عبد الرحمن السديس المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرتم في المحاضرة القيمة أن الشخص في عمله يعتبر في عبادة، فما حكم استخدام الهاتف لأغراض شخصية؟ وكذلك الأمر بالنسبة لأدوات المكتب ومحتوياته؟ الجواب لا شك أن مراقبة الله يجب أن تكون في كل مجال، وفي كل أمر، وفي كل نهي، وفي كل فعل، وفي كل ترك، وفي كل مكان من الأماكن ينبغي أن يتقي اللهَ العبدُ، وأن يقوم بواجبه، وأن يعلم أن الله مطلعٌ عليه، ومن أهم ما يميز الموظف المسلم أمانته ونزاهته وخوفه من الله، وقيامه بعمله على الوجه المطلوب، وعدم استغلال عمله لأغراضه الشخصية، ولهذا فالذي أراه أنه لا يجوز للفرد العامل في مؤسسة، أو دائرة حكومية، أو غير ذلك أن يستغل ذلك في أموره الشخصية، بل عليه أن يتقي الله ، وأن يعلم أن الله سائله عن كل ذلك لا السيارات، ولا الهواتف، وغير ذلك من الإمكانات، اللهم إلا إذا كان في حدود عمله، أتصل بالهاتف في حدود عملي، أذهب في السيارة التي أعطيتها في حدود عملي، وما يسمح لي مجالي، وما يراه ولاة الأمر عني، فهذا أرجو ألا حرج فيه إن شاء الله، أما استغلال أموال المسلمين في أمورنا الشخصية، فلا ينبغي، ولا يليق، وينبغي أن يعلم أن الله سائله عن ذلك، وعليه أن يتحلى بالأمانة والنزاهة والإخلاص أولاً لله ، ثم القيام بما أسند إليه من أعمال -أسندها إليه ولاة الأمر- لأنه عند حسن الظن، أما إذا كان خائناً، وإذا كان يستغل الأمور لصالحه وأموره الشخصية، فهذا في الحقيقة قصر في شيء من الأمانة، ووقع في شيء من الخيانة، اللهم إلا ما يمليه عليه عمله، والله أعلم.

стр. 254

حكم الوقوف لبعض الأشخاص السؤال ما حكم الرجل الذي يحب أن يقف الناس له وهو جالس على مكتبه؟ الجواب على كل حال نحن قدمنا في أن الإنسان ضعيف، الإنسان خلقه الله ، وكلنا يعرف أساس خلقه قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:٥ - ٧] لماذا التكبر؟ ولماذا الغطرسة؟ ولماذا الغرور؟ ولماذا النظر إلى الناس، والتعامل معهم معاملة الخيلاء، والبطر، وحب الذات والنفس؟ كل ذلك في الحقيقة ضعف إيمان، وفي الحقيقة أيضاَ يدل على أن الإنسان لم يتفكر في خلقه، رأى بعض السلف رجلاً متكبراً، فقال: أنت من أنت؟ أنت أصلك نطفةٌ قذرة، وآخرك جيفةٌ مذرة، وبين جنبيك تحمل العذرة، فلماذا التكبر؟ وقد ورد: ﴿من أحب أن يتمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار﴾ الحاصل أن على العبد أن يتسم بالتواضع لله ، ويعلم أنه إن لم يسخر عمله ومنصبه ومكانته وكرسيه لخدمة الناس ونفعهم والتواضع لهم، وسماع أقوال الناس، وكون بابه مفتوحاً لجميع الناس، فإن معنى ذلك أنه وقع في أمر يبعده عنهم ويبغضه لهم، والمتكبر بعيد من الله، بعيد من الناس ويمقته الناس على عمله؛ لأنه في الحقيقة تعدى قدره، لماذا يشمخ الإنسان بنفسه؟ ولماذا يتطاول على الناس؟ من هو؟ هو والناس سواء، الناس سواسية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. أقول إن هذا الأمر لا ينبغي، ولا يليق، بل إن على الإنسان أن يتسم بالتواضع، ولكن لا ينظر الإنسان الفقير إلى هؤلاء، لا تنظرون إلى من هو فوقكم، وإنما انظروا إلى من هو دونكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم، إذا رأيت أن هذا متكبر، فانظر إلى آلاف الناس الفقراء والمساكين والمتواضعين، وهذا إنما في الحقيقة يجني على نفسه، وكفى بالكبر مرضاً وداءً وإثماً أنه كان سبباً في إنزال إبليس وإبلاسه وإبعاده من رحمة الله ؛ لأنه تكبر على الله وأبى عن السجود لآدم ﵇.

стр. 255

حكم الوساطة السؤال ما حكم ما يحدث في الدوائر الحكومية من الوساطة للتوظيف أو العلاوات أو غيرها؟ الجواب على كل حال دائماً الصراحة محببة للنفوس تدل في الحقيقة على أن هناك من يتمحض النصح بين جوانبه، وحاجتنا إلى العنصر الصريح أكثر من حاجتنا إلى المجامل؛ لأن المجامل أحياناً يضرنا على حساب مصلحة الجميع، فيظهر لك الشيء على أنه حسن، وهو غير حسن، ويبدي لك الحسن سيئاً، بينما العنصر الصريح والحمد لله اكتشفت مواهب من طرح هذه الأسئلة شكر الله لهم وجزاهم الله خيراً، وهذا دليل على الإيمان في نفوسهم، وتقدير أيضاً للمسئول، فهذا لا ينافي أننا مع إبداء النصح أننا لا نحب المسئول، أو لا نطيعه ولا نمتثل أمره فيما يتمشى مع الشرع. أقول: إن الواسطة، ليست أمراً خاصاً في دائرة، أو مؤسسة، أو مكان، هذا أمر يعم الناس جميعاً، الحقيقة فيه تفصيل فيما يعرف بالشفاعة وهي شرعية، قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء﴾ فإذا كان الإنسان مظلوماً، ويشفع له ليرد ويبعد عنه الظلم، أو كان حقه التقديم فيؤخر، إلى آخره، أو منع من حقه، فلا مانع من الشفاعة له، أو كان هناك فرص متاحة، ويريد أن يشفع له في هذا، فهذا لا بأس به. أما الواسطة التي فيها ظلم للناس، وفيها رفع للناس على حساب آخرين، وفيها إعطاءٌ للناس على حسب مراتبهم وأماكنهم، وإهانة ودوس على حق الضعيف المحتاج، فهذا أمر لا يجوز، فإذا كانت لا تحق باطلاً، ولا تبطل حقاً، فأرجو أن الأمر فيه سعة إن شاء الله. لعل فيما حصل إن شاء الله كفاية وبركة، ولا نحب أيضاً أن نطيل عليكم، ولا نحب أيضاً أن نتخطى الجدول المرسوم، فقد اطلعت على جزأين في الجدول الذي أعده الإخوة لنا، إنما إن شاء الله هذا لقاء تعقبه لقاءات إن شاء الله مني، أو من غيري من الإخوة. نسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، ويرزقنا وإياكم العمل الصالح والعلم النافع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 256

تحقيق العبودية لقد خلق الله الإنسان لحكمة عظيمة تتجلى في قول المولى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فهذا هو واجب المسلم في الحياة، ولقد عرّف العلماء العبادة بمفهومها الشامل. وهناك من أساء فهم العبادة فأحدث ما أحدث -والعياذ بالله- وأخرجها عن شروطها التي وردت عن محمد ﷺ ، وعن مقتضاها الشرعي في الشريعة الإسلامية.

стр. 257

الحكمة من خلق الإنسان الحمد لله الذي خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أكمل الخلق عبودية لله، وأعظمهم طاعة له، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تأسى به واهتدى بهديه إلى يوم المعاد، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم لم تخلقوا عبثاً ولن تتركوا سداً، وإنما خلقتم لمهمة عظيمة، وغاية جسيمة شريفة، ألا وهي تحقيق العبودية الحقة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وبعبادة الله وحده لا شريك له أمر الناس كلهم، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، وقال : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].

стр. 258

العبادة حق الله على العباد وعبادة الله وحده لا شريك له، خلاصة دعوة الرسل وأولها وأصلها، يقول عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وكل رسول يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]. إخوة العقيدة: إن عبادة الله هي أوجب الواجبات، وآكد الحقوق، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، كما صح في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ الذي أخرجه البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل ﵁، كما إنها وسام العز والشرف في الدنيا والآخرة، وقد وصف الله بها أكرم خلقه وصفوتهم من الملائكة والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما وصف بها خاتمهم وأشرفهم محمداً ﷺ في أكمل أحواله وأشرف مقاماته، فهنيئاً لمن اتصف بها حقاً، مشاركة خير خلق الله في هذه المنزلة العظيمة والمكانة السامية.

стр. 259

تعريف العبادة أيها المسلمون: إن العبادة التي أمرنا بها كلمة جامعة وعبارة شاملة ونطاق واسع، فهي ليست محصورة بعدد من الشعائر، وليست مقصورة على نوع من المكان، ومرحلة من الزمان، وليست محدودة بجملة من الأعمال، بل هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وهي بهذا التعريف تشمل كل ما يصدر عن المسلم من الأعمال القلبية والبدنية والمالية المشروعة، حتى العادات تتحول إلى عبادات إذا قارنتها نية صالحة، ولا تنقطع العبادات إلا بالموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وعبادة الله وحده، هي السر في انتصارات المسلمين وعزتهم وأمنهم وتمكينهم في الأرض.

стр. 260

مفهوم العبادة الخاطئ عند الناس وقد أساء كثير من الناس اليوم في مفهوم العبادة، وقصروها -جهلاً منهم وضلالاً- على عدد من الأعمال التعبدية، وجهلوا بعد مراميها وكثرة متضمناتها، وسعة أبعادها، ولسان حال الكثير منهم يقول: الدين في المسجد ليس إلا -والعياذ بالله- ويبرز هذا جلياً في الناحية العملية التطبيقية، فهل عبد الله حق عبادته من أدخل في عبادته غيره، وجعله شريكاً له يدعوه ويستغيث به، ويعول في أموره عليه؟ وهل عبده حق عبادته من زاد في دين الله، وأحدث في شريعته ما لم يأذن به؟ وهل عبده من دنس معاملاته وأخلاقه بالمعاملات المحرمة، فبيعه وشراؤه وسائر معاملاته لا تسلم من الطرق المحرمة، فأكل الربا والتحايل على أكله، وغش المسلمين وظلمهم وخديعتهم ديدنه وطريقته. أين العبادة في أفعال هؤلاء الذين آثروا الحياة الدنيا وخدعوا بحطامها وشهواتها وهي وبال عليهم وحسرة وندامة يوم القيامة، يوم يقفون أمام جبار السماوات والأرض، ويسألهم عن أموالهم من أين اكتسبوها وفيما أنفقوها؟ وهل عبد الله حق عبادته من ضيع وقته وأفنى عمره في معصية الله، باللهو واللغو القولي والعملي؟ أين نصيب العبادة في أوقات هؤلاء؟! أنسوا أن الله سائلهم عن أعمارهم فيما أفنوها؟ وأوقاتهم فيما شغلوها؟ إن هؤلاء وأمثالهم قد تركوا عبادة الله، وأصبحوا عبيداً لأهوائهم وعبيداً لشياطينهم؟ وقد حذرنا الله من عبادة الشيطان والهوى فقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١] وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]. فاتقوا الله -أيها المسلمون- وقوموا بواجب الله عليكم في عبادته، فأنتم تعاهدونه في كل ركعة من ركعاتكم على ذلك حينما تقرءون قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولكن قل من يتنبه لها ويفهمها ويعمل بمقتضاها، والله المستعان! اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين وحزبك المفلحين، وارزقنا العمل لوجهك الكريم، واجعلنا ممن عبدك حق عبادتك يا كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 261

شروط صحة العبادة الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن العبادة لا تسمى عبادة ولا تنفع صاحبها عند الله إلا إذا توفر فيها شرطان: أولهما: أن تكون خالصة لله وحده، ليس فيها شرك ولا رياء ولا سمعة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه﴾. ثانيهما: المتابعة للنبي ﷺ ، وذلك بأن تكون الأعمال على وفق سنة رسول الله ﷺ وهديه، سليمة من شوائب البدع والمحدثات، وقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ وفي رواية مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾. فاتقوا الله عباد الله واعبدوه حق عبادته، وابتغوا بأعمالكم كلها وجه الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من عبد الله حق عبادته، الذي قام في عبادة ربه حتى تفطرت قدماه، نبينا محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن صحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل كيدهم في نحورهم يا رب العالمين. اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، وأعداء المسلمين، اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل، اللهم اكفِ المسلمين شرورهم يا أرحم الراحمين، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين، اللهم منّ على المسلمين جميعاً في كل مكان، بصلاح قادتهم وعلمائهم ونسائهم وشبابهم يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 262

محاضرة في منى إن شعيرة الحج هي تلكم العبادة العظيمة التي أشاد الإسلام بفضلها، وضمن الله الجنة لمن قام بها على وجهها الشرعي. إن هذه العبادة تمثل جوانب شتى في حياة المسلم، منها تذكر المسلم بالغاية التي خلق لها، ومنها ينطلق إلى تصحيح العقيدة وإفراد الخالق بالعبودية. والدعوة إلى الوحدة والتحام الصف. ويجب استغلال مثل هذه المواسم في المسارعة إلى الخيرات ومحاسبة النفس وتغيير وإصلاح الأوضاع.

стр. 263

فضل الحج ومنزلته في الدين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله، وصفوته من رسله، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، ممن دعا بدعوته واستقام على سنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأعتذر للتأخير الذي حصل، والحمد لله أنه لم يكن طويلاً، ولعل هذا التأخير يكون باعثاً على الشوق للسماع والعناية به، أضف إلى ذلك الأجر والثواب الذي يعده الله جل وعلا لمن حضر مثل هذه المجالس مخلصاً للنية، ورابط وتعب حرصاً على سماع الذكر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. أيها الإخوة في الله: يطيب لي في هذا اللقاء الطيب المبارك أن أتوجه إلى الله جل وعلا بالشكر والثناء؛ أن منَّ علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك، الذي يجمع بين شوق المكان في مهبط الوحي ومنبع الرسالة، هذا البلد الأمين الذي شرفه الله وعظمه وأعلى ذكره، وفضله على بقاع العالمين. ثم في هذا الزمان المبارك الذي نعيشه هذه الأيام وهو موسم الحج إلى بيت الله الحرام، تلكم العبادة العظيمة التي ضمن الله الجنة لمن أداها على وجهها الشرعي، دليل ذلك قول المصطفى ﷺ في حديثه كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: ﴿من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾ وفيهما عنه ﵁: ﴿والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾. إننا في هذا اليوم المبارك في أول أيام التشريق، وفي ليلة الثاني من أيام التشريق، هذه الأيام المباركة التي يعم فيها الخير، ويقبل الناس فيها من الحجاج وغيرهم على عبادة ربهم، ويقطعون أيامهم ولياليهم بذكره جل وعلا، كما قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] وقال النبي ﷺ : ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ﴾. فنلتقي في هذه الليلة بعد أن منّ الله على الجميع بأداء هذه العبادة العظيمة وبعد أن وقف الحجاج بـ عرفة، ذلكم الموقف العظيم الذي يباهي الله به ملائكته ويقول: ﴿انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم﴾. وما من يوم يعتق الله عبيداً من النار أكثر من يوم عرفة، وما رؤي الشيطان أصغر ولا أحقر ولا أدحر منه من يوم عرفة إلا ما خزي يوم بدر، فبعد وقوف المسلمين هذا الموقف العظيم، يلتجئون فيه إلى الله جل وعلا، ويفوضون أمورهم إليه وحده جل وعلا، ويطّرحون بين يديه رغبة فيما عنده وخوفاً من عذابه. إن هذا اليوم كفيل أن يعتني به المسلمون ولا سيما من الحجاج، فيقفون في هذا اليوم مخبتين لربهم جل وعلا، خاضعين أذلاء منكسرين بين يديه، فبعد وقوفنا هذا الموقف العظيم الذي أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ألا يحرمنا فضله وجوده وكرمه ومغفرته في ذلك اليوم، وأن يجعل الجميع من عتقائه من النار وما ذلك على الله بعزيز. ثم في هذا اليوم الذي بعد يوم عرفة الذي هو يوم النحر، يوم الحج الأكبر، الذي يقبل فيه الحجاج لقضاء بقية مناسكهم محلين هذا البقعة -أعني: منى - برمي جمرة العقبة، متقربين إلى الله جل وعلا بذبح هديهم وذبح ضحاياهم وما إلى ذلك من العبادات القولية والفعلية. إن لقاءنا في هذه الأيام المباركة له مذاق خاص، وطعم خاص، إن مما ينبغي علينا ونحن هنا أن نستشعر عظمة هذه الأيام ومكانتها عند الله ، وأسأل الله سبحانه بعد أن منّ علينا بهذا اللقاء الطيب المبارك في هذه الأيام المباركة، وفي هذه المواسم الفاضلة أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يكون الحاضرون في هذا المكان وفي هذا الموسم معاهدين الله جل وعلا أن يبدءوا صفحة جديدة من حياتهم، وأن يتوبوا إلى ربهم جل وعلا، وأن يقلعوا عن الذنوب والمعاصي، وأن يستقيموا على شرع الله سبحانه، ويعقدوا العزم والتصميم على ألا يعودوا لمعصية الله مطلقاً. ثم أشكر الإخوة الكرام في هذه المؤسسة العريقة "الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الذين قاموا بهذا الواجب وفقهم الله للقيام بمضاعفة الجهد؛ لأن هذا عمل من أهم الأعمال التي يقوم عليها عماد الدين، ويقوى بها عموده، ويدحض الباطل وأهله، فشكر الله سعيهم وحرصهم على إتاحة هذا اللقاء بهذه النخبة الطيبة وهذا العدد المميز الذي لم أكن -يعلم الله- أتوقعه. وأسأل الله أن يجعلني عند حسن الظن لإبداء بعض الخواطر التي تجول في النفس؛ رغبة في إصلاح الحال، والتنبيه على ما ينفع الحاضرين، وما ينفع أمتهم، رغبة في أن نبدأ صفحة جديدة بعد موسم هذا الحج المبارك.

стр. 264

واجب الحجاج بعد حجهم الذي يظهر لي أن موضوع الإخوة الذي رغبوا في الحديث عنه هو ما يناسب الحال، وهو أننا نعيش في هذه الأيام قرب إنهاء موسم الحج؛ فيحتاج الحجاج وغيرهم أن يذكّروا بالواجب عليهم بعد حجهم، وهل ينتهي الواجب عليهم بعد أداء هذه الشعائر أم أن رسالة الإسلام باقية ما بقوا على قيد الحياة؟ لا ريب أن حمل رسالة الإسلام والعمل به وبأركانه وواجباته، وحمل رسالة الدعوة ومعارف هذا الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل والعمل الصالح مطلقاً لا ريب أنه يصاحب المسلم في حياته كلها، والإنسان لا يعمل أعمالاً ولا يقول أقوالاً إلا وقد نظر الإشارة الشرعية لأقواله وأفعاله، وتأمل النصوص والأوامر التي إن استقام عليها فتكون استقامته استقامة صحيحة، قائماً بما جاء به كتاب الله ومتبعاً لسنة رسول الله ﷺ . إن من يقرأ كتاب الله ويتأمل النصوص والأوامر الإلهية التي وردت فيه، يجد أنها تذكر المسلم بالحكمة النبيلة والغاية السامية التي أوجد من أجلها في هذه الحياة، ليعلم معناها ويعمل بمقتضاها، ألا وهي عبادة الله جل وعلا، يقول سبحان: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ويقول جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] كل هذه النصوص -وغيرها كثير وكثير- تشد المسلم بالغاية، وتربطه بالمنهج الذي خلق في هذه الحياة من أجله، ذلكم المنهج الذي ينبغي ألا يغيب عن المسلم طرفة عين، وأن يختلط في جسمه وروحه، ويسري فيها سريان الدم في جسمه. فإذا كان الدم إذا انتهى انتهى الإنسان، وإذا كان القلب وهو الشريان المتدفق إذا وقف نبضه وقف الإنسان عن هذه الحياة ومات، فكذلكم الأعمال الصالحة فإنها بمثابة المحرك للمسلم في هذه الحياة، والمسلم عليه أن يستشعر عبادة الله وطاعته والعمل الصالح مدة حياته، يقول سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. فهذه النصوص تدل المسلم وترشده على أن مقامه في هذه الحياة كلها ينبغي أن يكون بطاعة الله، بما يقرب إلى الله من العمل الصالح الذي توفر فيه إخلاص العمل لله، الصواب على سنة رسول الله ﷺ ، أما أن يفهم المسلمون أن الإقبال على الله، وعبادة الله والالتجاء إليه والعمل بشرعه أن ذلك كله محصور بسويعات قليلة وأيام معينة؛ فذلك من سوء فهمنا لشعائر ديننا، ومن سوء فهم المسلمين الذين يفعلون هذه الأفعال لمقتضى نصوص الشرع المطهر. وهذا -والعياذ بالله- من إغواء عدو الله الشيطان لكثير من المسلمين؛ فصدهم عن دينهم، ولقد عمل وسعى جهده -أعاذنا الله من حبائله وتلبيساته- أن يضل الناس كلهم عن المنهج الذي خلقوا للسير عليه، وعن السنة التي ألزم العباد بالسير على ضوئها دون زيادة ولا نقصان، فكثير من الناس ممن وقعوا في حبائل الشيطان أبعدوا عن هذا الدين، وصدوا عنه صدوداً كبيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودليل ذلك أن فئاماً من البشر ومجموعات كثيرة ممن ينتسبون إلى الإسلام جهلوا حقيقة الإسلام، وأصبحوا يعملون أعمالاً تناقض الإسلام، بل تهدم الإسلام عياذاً بالله.

стр. 265

الحج دعوة إلى تصحيح العقيدة ومن يتأمل حال كثير من المسلمين من الحجاج وغيرهم، يجد أن كثيرين منهم يحتاجون إلى إعادة بناء للأصل الذي بني عليه هذا الدين، وهو العقيدة الصحيحة التي تستقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتؤخذ مما عمله سلف هذه الأمة وساروا عليه في القرون الثلاثة المفضلة. فما يفعله كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام من مناقضة هذا الأصل، والوقوع فيما يخالفه جملة وتفصيلاً، من التوجه إلى غير الله جل وعلا، وسؤال غير الله سبحانه ما لا يقدر عليه إلا الله، والاستعانة بغير الله سبحانه، وطلب المدد وقضاء الحوائج وتفريج الكروب من الأموات والأحياء، أو من الملائكة والأنبياء، وهذا موجود في بقاع كثيرة من البقاع التي تنتسب إلى الإسلام وتظهره وتتسمى به. إن أولئك مدعوون أن يجدّدوا هذا الأصل، وأن يسيروا على طريق صحيح في هذا المجال؛ لأنه القاعدة التي تبنى عليها عبادات الإسلام، وتبنى عليها جميع الأمور، فإذا صلحت صلح سائر الأعمال، وإذا فسد فسدت سائر الأعمال فقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]. فالحج يا إخوة الإسلام! دعوة إلى تصحيح العقيدة، ودعوة إلى أن يلتزم المسلم عقيدة الإسلام، ومن يتأمل آيات الحج في كتاب الله وشعائر الحج، والعبادات التي يعملها المسلم في حج بيت الله الحرام، يجد أنها كلها تقرر هذا القاعدة قال الله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦]. ومن يتأمل الآيات -كلها في كتاب الله- التي تتحدث عن هذه الفريضة العظيمة يجد أنها تحوم حول تقرير هذه القاعدة ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١] ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]. وما إلى ذلك من النصوص التي تربط المسلم بوحدانيته لله، وأنه لم يقرر الحج أصلاً ولم يفرض في شريعة الإسلام إلا ليتوجه المسلمون إلى ربهم وحده، لا يتعلقون بغيره، ولا يلتجئون إلى سواه، يعلنونها صريحة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. كل ذلك يقرر نفي الشريك عن الله وتصحيح العقيدة التي أمر الناس أن يتنبهوا لها، يقول النبي ﷺ : ﴿إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله﴾ فهل استشعر المسلمون وهم يؤدون هذه المناسك من طواف، وسعي، وذبح، ورمي، وما إلى ذلك من الأمور؟ هل استشعروا أن كلها تحوم حول تحقيق العقيدة وحول صحة العقيدة، وربط المسلم بالله الواحد القهار لا شريك له جل وعلا؟

стр. 266

دعوة إلى التسلح بالعقيدة فهذا الأمر -أيها الإخوة في الله- أمر ينبغي أن ينتبه له حجاج بيت الله، وأن يعملوا بداية من موسم الحج إذا كان فيهم قصور من هذه الناحية، سواء من ناحية العلم والرغبة والعمق في القراءة في كتب أهل العقيدة الموثوقين، والقراءة على أهل العلم الموثوقين المعروفين بصحة العقيدة، فيجب على المسلمين ويجب على شباب الإسلام أن يكونوا متسلحين بالعقيدة، وهذا الدعوة ليست دعوة نظرية وإنما هي دعوة عملية، ينبغي أن يقبل المسلمون -ولا سيما علماؤهم وشبابهم- إلى الاستقاء من نمير هذه العقيدة الصافية، وأن يقرءوا فيها كثيراً، وأن يقرءوا على أهلها ليقارعوا مناوئيها ومخالفيها؛ لأننا في عصر تكالب فيه أعداء هذه العقيدة التي سار عليها سلف هذه الأمة، تكالبوا للنيل منها والقضاء عليها، ورموها بسهامهم من هنا وهناك، مشككين المسلمين -ولا سيما الناشئة- بصلاحيتها مدخلين شيئاً من الشبهات وشيئاً من الوساوس في صفوف المسلمين وبلاد المسلمين التي التزمت هذا النهج. فيجب على المسلمين -ولا سيما خاصتهم- أن يتقوا الله سبحانه وأن يدرءوا عن هذه العقيدة أعداءها، وأن يصدوا عنها من يريد النيل منها، وهذا يقتضي أن يقبل شباب المسلمين على النهل من هذه العقيدة والقراءة في كتب العقيدة، ودعوة الناس إلى العقيدة، وبناء مناهجهم في الدعوة إلى الله، وفي العلم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لتكون مبنية على دعوة الناس لتحقيق هذه القضية التي دعا إليها رسل الله، وكانت الأصل الذي بنيت عليها دعوات الرسل والمصلحين في قديم الزمان وحديثه. وأي منهج وأي طريق على غير هذا الطريق؛ فإنه طريق مخالف لمنهج رسل الله الذي دعا إليه جميع رسل الله قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].

стр. 267

صفحة جديدة لتصحيح العقيدة كما يتأكد في حق المسلمين الذين نشئوا على أمور تخالف العقيدة؛ أن يفتحوا صفحة جديدة من موسم الحج -الذي هو دعوة لتصحيح العقيدة- ويبدءوا صفحة جديدة في حياتهم، فيعلقوا جميع أمورهم بالله، فلا يجوز في شريعة الإسلام أن يتجه المسلم إلى غير الله جل وعلا، في طلب حاجة أو في قضاء مهمة أو في تفريج كربة وما إلى ذلك من الأمور، فالسؤال لله، والدعاء لله وحده، والآمال والآلام ينبغي أن يتوجه بها إلى الله جل وعلا الذي يكشف الضر، ويجلب الخير ويدفع الشر، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه جل وعلا. فمن الخطأ العظيم ومن المحادة لله ورسوله أن يشرك بالله غيره، وأن يدخل مع الله سبحانه تعالى شريك، ولله المثل الأعلى الذي لا يشركه فيه أحد جل وعلا ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. وهذه أيها الإخوة الكرام: القاعدة التي ينبغي أن نعيها وأن نعيشها بعد موسم الحج وفي موسم الحج وأثنائه، وقبل موسم الحج، أعني أنها ينبغي أن ترتبط بحياة المسلم من حياته إلى وفاته، إذ ليس في دين الإسلام مناسبات لله ومناسبات لغير الله، وأوقات يتوجه بها إلى الله وأوقات أخر يتوجه بها إلى غير الله كما يفعله كثير من جهلة المسلمين. فدين الإسلام -يا إخوة الإسلام- مبني على تحقيق العبادة لله وحده، العبادة التي تعايش المسلم وتخالط روحه وقلبه وحياته كلها إلى أن يتوفاه الله قال الله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].

стр. 268

دعوة إلى الأعمال الصالحة والعقيدة هي أساس الأعمال التي بني هذا الحديث على إقرارها والتأكيد عليها بعد موسم الحج، وأن موسم الحج يجب أن يكون انطلاقة للبدء والالتزام بالأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها، ومن يتأمل نصوص كتاب الله يجد أنها أمرت المسلمين بالعمل الصالح ولم تحدد له زمناً، ولم توقت له وقتاً، ولم تطلب له أجلاً ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] فقد أقسم الله سبحانه على أن جميع بني الإنسان في خسارة، إلا المؤمنين الذين التزموا الإيمان والعمل الصالح، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وليس في زمن محدد، بل العبرة بعموم الأوامر التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ . وقد جاء الأمر صراحة بالعمل الصالح يقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].

стр. 269

قضايا تنم عن سوء الفهم للدين وهناك قضية خطيرة تنم عن سوء فهم المسلمين لدينهم، ولا يمكن أن يقف المسلمون سداً منيعاً أمام أعدائهم وينصروا دين الله وهم يتجهون إلى الله في أيام ويقبلون على معصيته في بقية العام، فإن هذه رزية وبلية بلي به المسلمون نتيجة الجهل بدين الله، ونتيجة ضعف البصيرة في دينه. يجب على المسلمين أن يأخذوا من هذه المواسم انطلاقة للأعمال الصالحة، وأن يجعلوها تغيراً في حياتهم كلها، وفرصة للتوبة إلى الله، والإقلاع عن الذنوب، والتوبة الصادقة منها، والعزم على عدم العودة إليها مرة أخرى. ومن دنس عقيدته أو تساهل فيها أو كان مفرطاً في الولاء لها والدفاع عنها؛ فعليه أن يبدأ توبة جديدة؛ ليكون جندياً للدفاع عن هذه العقيدة التي تواجه حرباً لا هوادة فيها من أعداء المسلمين وإن تسموا باسم الإسلام. كذلك يجب على من قصر في لون من ألوان العبادات لا سيما الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو غير ذلك من الأمور أن يتق الله فيبدأ بالتوبة الصادقة إلى الله جل وعلا؛ لأن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، أما الرجوع إلى المعاصي بعد الحسنات فإنها أمارة على رد العمل عياذاً بالله. يقول بعض السلف: إن الله لم يجعل لعمل المسلم أجلاً سوى الموت، وتلا قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. وشتان وهيهات أن يقدم المسلمون الذين أساءوا فهم دينهم وأقبلوا على ربهم في موسم، وهجروا بيوت الله ونسوا الله سبحانه، ونسوا شرعه، ونسوا دينه في بقية حياتهم، هيهات أن يقدموا لأمتهم نصراً، وهيهات أن يقدموا لأمتهم خيراً لا سيما في هذا الزمن الذي تكالب فيه أعداء هذه الأمة على اختلاف مقاصدهم، وشعاراتهم للنيل منها، وإبعادها عن دينها، وبث المنكر والفساد في ربوعها، وبين شبابها ومجتمعاتها؛ ليقضوا على البقية الباقية من إيمان هذه الأمة. إنه لا يمكن أن يقدم المسلمون خيراً لأمتهم إلا إذا ساروا على ما سار عليه سلفهم، وقد كان سلفهم يعبدون الله حتى لو قيل لأحدهم: إن الساعة تقوم غداً لم يستطع أن يزيد على العمل الذي يعمله شيئاً؛ لأنه عمل كثيراً ولم يبق إلا مغفرة الله ورحمته. فما بال المسلمين اليوم على بعدهم عن الله سبحانه، وعلى ما في مجتمعاتهم وما في حياتهم من بعد عن الله، ما بالهم يطلبون النصر من الله جل وعلا وقد فرطوا بأسباب النصر، وأكبر من ذلك الإيمان بالله؟ ولن يعود النصر ولن تصلح حال المسلمين ويستفيدوا من مواسم الحج ومواسم الخير والفضيلة؛ إلا إذا بالإيمان الذي حرك الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﵊ الذين كانوا رهباناً بالليل قياماً، وعبادةً، وتهجداً، وطاعة، وقراءة للقرآن، وكانوا أسوداً في النهار في الوغى يقاتلون لإعلاء كلمة الله، فهل المسلمون اليوم يعملون هذه الأعمال أو عشر معشار هذه الأعمال؟!

стр. 270

الجد في تحقيق نهضة الأمة إن الواقع -أيها المسلمون- يقتضي أن يجدّ الجميع لنهضة هذه الأمة وإيقاظها من رقدتها، وإبعادها عن جمرتها، والسير قُدماً في تحقيق العمل للإسلام، وليحمل كل منا رسالة الإسلام على قدر استطاعته، وليجعل من هذه المواسم فرصة للانطلاقة في حياته. إن هذه المواسم مواسم للتزود من الأعمال الصالحة، وليست مواسماً للعمل المجرد ثم الرجوع إلى المعاصي، وإن من يعزم على الرجوع إلى المعاصي بعد الحج؛ فتلك أمارة على رد عمله عياذاً بالله؛ لأن من علامة قبول الحسنة أن يستمر المسلم على عمل الحسنات والبعد عن السيئات، فكما أن الحسنات تذهب السيئات فكذلك السيئات تقضي على الحسنات.

стр. 271

استغلال الفرص للمسارعة في الخيرات يجب علينا أن نأخذ من موسمنا الذي كاد أن يتقوض قيامه وأن تنصرم أيامه، أن نأخذ منه حافزاً وفرصة للتزود في هذه الحياة للعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، وليكن فرصة لمحاسبة النفس وأطرها على شريعة الله، وليحاسب كلٌ منا نفسه حساباً دقيقاً قبل أن توزن أعمالها، فلا ينفعها والله حينئذ إلا رجحان الأعمال الصالحة. إننا قادمون على مواقف عظيمة -أيها الإخوان- قادمون على الله في يوم عصيب لا يخفى على الجميع هوله، ولا تخفى على الجميع مواقفه العظيمة التي لا يتحملها الإنسان، وإن هذا الموسم ليجسد صورة لذلك اليوم العظيم باجتماع الناس في مكان واحد وانشغال كل واحد منهم بنفسه، والزحام الهائل، إننا قادمون على أيام عظيمة، ومواقف رهيبة لا تنفعنا فيها والله إلا الأعمال الصالحة قال الله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف:٨ - ٩] فليتق الله كل واحد منا، وليستشعر هذا اليوم الذي أمامه، والذي لا ينفعه فيه إلا عمله الصالح قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨] لا ينفعكم في هذه المواقف إلا العمل الصالح، ولا ينجوا إلا من أخذ كتابه بيمينه، وملأ صحيفته بالأعمال الصالحة، ولن يكون كذلك إلا إذا عمّر حياته كلها بالعمل الصالح، واستمر على العمل الصالح طيلة حياته، ولم يفعل ما يفعله الجهلة الذي لا يقبلون على الله إلا في أوقات قليلة، فيدبرون عنه في مواسم وأعوام طويلة، إن هذا من الجرأة على حدود الله، ومن المحادة لله. ومن الاستهزاء بشريعة الله أن يعمل المسلم أوقاتاً بالطاعات ثم يرجع إلى المعاصي.

стр. 272

التوبة ومحاسبة النفس إن المسلم الذي يريد أن يقبل حجه، وأن يكون حجه مغفوراً هو المسلم الذي يحاسب نفسه ويتقي الله ، فما كان من عمل صالح فليستمر وما كان من سوء وتقصير فليتب إلى الله، وليفتح صفحة جديدة في حياته، كل منّا مقصّر، وكل منّا خطّاء، وكل منا يواقع ألواناً من الذنوب، والبشر هذا طبعهم، وتلك سجيتهم، ولكن على المسلم ألا يبتعد عن الله، وألا ينسى الله جل في علاه، وأن يأخذ من هذه المواسم مرحلة ومحطة للتزود بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله، وليجدّ في حسن الختام في ختام ذلك الموسم؛ فإن الأعمال بالخواتيم. وإنني لأطالب كل حاجّ -وأخص كل من يسمع هذا الكلمة، وحضر هذا المجلس- أطالبه بأن يتقي الله ، وألا يخرج من هذا المكان إلا وقد عاهد ربه وأخذ على نفسه العهد أن يكون تائباً إلى الله، جاعلاً من هذا الموسم فرصة للعمل الصالح والانطلاقة إلى الله والعمل للآخرة. وإنني لأناشد كل مقصر وأولهم المتحدث أن يقبل على الله ، وأن يتوب إلى ربه وأن يفتح صفحة جديدة بعد أن تخفف من أحماله، وبعد أن تخفف من بعض ذنوبه، فيا لها من فضائل! ويا لها من مواسم! هذه المواسم التي تتنزل فيها الرحمات، وتغفر فيها الزلات، ويباهي الله ملائكته، بحجاجه وعباده، ويقول: انظروا إلى عبادي ويشهدهم أنه قد غفر لهم، وأنه أعتقهم من النار بمنه وكرمه. إنه لمن المخادعة للنفس، ومن المخجل بعد هذا الخير العميم وهذا الفوز العظيم أن نحاجّ الله وأن نقبل على سالف حياتنا البعيدة عن الله، وأن نستمر في معصية الله، وأن تستمر الأمة في أوضاعها المتردية وفي أحوالها المزرية. إن على الأمة إذا أرادت الخير لنفسها، والحل لمشكلاتها أن تجعل من هذه المواطن فرصة للرجوع إلى الله وتحكيم شريعة الله، والبعد عن غير الله سبحانه، والإقبال على الله جل وعلا، والاعتصام بحبل الله وحده.

стр. 273

واجب الشباب نحو دينهم وإن على شباب المسلمين أن يعلموا أن رسالتهم عظيمة، ومسئوليتهم جسيمة، وأن أحوال الأمة الإسلامية لن تحل بعد توفيق الله ومنه وكرمه إلا بأكتافهم وسواعدهم، فليتقوا الله فيها، وليتعلموا أحكام دينهم، وليبنوا حياتهم على صحة العقيدة وقوة الإيمان، وليجعلوا من شباب الصحابة الذين حركهم الإيمان وسيرهم التقى، وحثهم على العمل الصالح في حياتهم كلها، أن يجعلوهم خير قدوة، وأسوة فيسيروا على خطاهم، وأن يبتعدوا عن كل ما حرم الله، ويزنوا خطاهم بميزان الكتاب والسنة فما وافقها أخذوه وما خالف شيئاً من ذلك تركوه وابتعدوا عنه.

стр. 274

مسئولية كل مسلم إن مسئولية النهوض بالأمة من كبوتها، وإيقاضها من غفلتها، مسئولية كل من قال ربي الله وحمل رسالة الإسلام، وإن المسئولية تتضاعف وتتجاسم على حسب قوة الإنسان وعمله، وعلى حسب مكانته ومنصبه وجاهه، فأروا الله من أنفسكم خيراً، وأروا دينكم دفاعاً، وأروه التزاماً بمنهجه، وخذوا من هذه المواسم فرصة للانطلاقة والتوبة، واختموا أعمالكم بالاستغفار والتوبة، يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠] وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨] إلى قوله سبحانه ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠] الآية. فهي فرصة أن نتوب إلى الله في هذه السويعات القليلة، وأن نأخذها عهداً على أنفسنا، وتوبة إلى ربنا، إن كنا صادقين في معاهدتنا، فوالله لا خير في كثرة الكلام، ولا خير في المحاضرات والندوات إن لم تكن حافزاً على العمل، وإن لم تكن منطلقاً للتمكين، والدعوة إلى الله جل وعلا، واتباع ذلك بالعمل. أما الكلام فقد عرفه الجميع، وقد قامت الحجة فيجب علينا أن نعمل، وإلى متى يظل المسلمون على أحوالهم؟ وإلى متى ينسحب الغيورون؟ وإلى متى يحوقل المحوقلون؟ إننا مع ذلك بحاجة إلى الانتفاضة والعمل، بحاجة إلى تقوى الله جل وعلا والصدق مع الله سبحانه، والإخلاص لدينه وشرعه، فوالله إن هذه لرسالة عظيمة يجب على كل مسلم أن يعمل بها. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، وعملنا صالحاً مقبولاً، وأن يجعل الجميع من التائبين الهداة المهتدين المقبلين على ربهم طيلة حياتهم، الذين كتب الله لهم الخير، وكتب لهم الهداية، وكتب لهم بمنه وكرمه رحمته وجنته وما ذلك عليه جل وعلا بعزيز. ونسأله تعالى أن يجعل السامعين جميعاً من المنتفعين، وأن يجعلنا من العاملين بما نسمع، وأن يجعل كلامنا حجة لنا لا علينا، وأن يجعل للأمة الإسلامية من هذه المواسم المباركة انطلاقة وتوبة إلى الله ورجوعاً إليه جل في علاه. ونسأله تعالى أن يختم للجميع بخاتمة القبول والمغفرة والرحمة، وأن يجعلنا جميعاً ممن تقبل حجهم، وممن رجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، وممن قال فيهم النبي ﷺ : ﴿من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾. وأن يهيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، وأن يصلح قادتها ويوفقهم للبطانة الصالحة، ويوفقهم للحكم بشريعته والسير على سنة نبيه ﷺ ، وأن يوفق العلماء لبيان الحق والدعوة إليه، وأن يوفق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر -وكلنا يجب أن نكون كذلك- لمضاعفة الجهد وحث الخطى وتقديم الخير لهذه الأمة، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 275

الأسئلة

стр. 276

حكم لبس الساعة للرجل السؤال ما رأي فضيلتكم بلبس الساعة للرجل في يده، وهل فيها شيء من النهي؟ الجواب الأصل أن يسير المسلم في حياته على ضوء الدليل، ما كان من الأمور الواجبة أو من الأمور المستحبة التي جاءت النصوص بإقرارها أو الأمر بها فإنه يلتزم ذلك، وإذا كانت هناك نصوص واضحة في النهي عن المحرمات أو المكروهات أو ما إلى ذلك فإنه يجتهد في تركها، ولا أعلم دليلاً يمنع من لبس الساعة في اليد للرجل، فالأمر في هذه الأمور وأمثالها كالساعة أو النظارة أو نحوها الأمر فيه سعة، ولا ينبغي أن تكون مجالاً للإنكار من بعض الناس، ومن حرم فعليه الدليل. وإذا كان الإنسان يتورع عن بعض الأمور المباحة فلا ينبغي له أن يلزم الناس بذلك، فالأمر في هذه الأمور واسع ولا حرج فيه إن شاء الله تعالى، كما لاتؤثر الساعة على الإحرام كما يتصور بعض الناس. السؤال هل في لبس الساعة شيء من الأشياء التالية: التشبه بالنساء، التشبه بالإفرنج، التشبه بأهل النار لأن الحديد حلية أهل النار، هل يجوز لبسها أم لا، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أما التشبه بالنساء فالساعة ليست من خصائص النساء حتى نقول إن فيها تشبهاً، إلا إذا قصد اللابس تخير الساعات ذات العرف العام عند الناس أنها تلبسها النساء ويبالغ في جمالها ورونقها فهذا شيء آخر، كل بقصد نيته، أما مجرد لبسها لغرض معرفة الوقت فهذا لا حرج فيه إن شاء الله، ولا ينبغي المغالاة وأن تكون فرصة للتزين، والإنسان ليس هذا قصده، ولكن الأولى أن تكون دليلاً للإنسان يعرف بها وقت الصلاة وما إلى ذلك. وليس فيها تشبه بالأعداء أيضاً، وليس فيها تشبه بأهل النار، ولا أعرف أن في هذا حديثاً صحيحاً. وعلى كل حال فالإنسان عليه أن يعمل الأمور قدر استطاعته، وأن يسير فيها النصوص، أما الأمور المباحة والطيبات فالعمل بها لا حرج فيه إن شاء الله، وأما من أراد أن يتورع فباب التورع مفتوح، ولا ينكر أحد على أحد في هذا المجال والله أعلم.

стр. 277

حكم الصلاة خلف أصحاب الطرق السؤال هل يجوز الصلاة خلف أصحاب الطرق الذين يأمرون الناس بزيارة القبور؟ الجواب هذا السؤال سؤال عام فقول السائل: الذين يأمرون الناس بزيارة القبور، إذا كان قصده الزيارة الشرعية، فهذا لا بأس به، والزيارة الشرعية: أن يزور الرجل المقابر ويسلم على أهلها كما هي سنة النبي ﷺ ، بأن يزور المسلم المقابر ويدعو لأهلها ويقول: ﴿السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم﴾. فهذا سنة حث النبي ﷺ عليها، وأخبر أنها تذكر الآخرة. أما الزيارات الشركية والبدعية للقبور التي يفعلها بعض الجهلة من الطرقيين وغيرهم، الذين يظنون أن بعض أصحاب القبور يستطيعون أن يشفوا المرضى أو يقضوا الحوائج، ويأمرون الناس بالذهاب إلى المقابر، قبر الولي الفلاني أو السيد الفلاني ويطلبون منهم المدد وما إلى ذلك، فإن هذا شرك ولا تجوز الصلاة خلف من هذا حاله. أما إذا كانت مجرد معصية لا تصل إلى حد الشرك فالأمر فيه سعة، وينبغي للمسلم أن يسعى للفضل؛ لأن الصلاة عمود الإسلام، فيبحث عمن يرتضي دينه واستقامته والتزامه وعقيدته، ويصلي خلفه، وأصحاب الطرق الغلاة لا تجوز الصلاة خلفهم؛ لأن عندهم كثير من الشركيات، ويظنون بالأولياء ويعتقدون بهم، والطرق الصوفية كثيرة، منها: الطريقة التيجانية، والشاذلية، والقادرية، وما إلى ذلك من طرق الصوفية وفي الغالب أنها طرق بدعية شركية، ينشئون الناس على أن للولي تأثيراً في الكون، وأنه ينفع أو يضر، ويغلون في محبتهم -والعياذ بالله- وقد يصرفون لهم شيئاً من أنواع العبادة، فمن كانت هذه حاله فلا تجوز الصلاة خلفه، والله أعلم.

стр. 278

وقفات مع قضايا مهمة الهجرة النبوية من أعظم الأحداث التاريخية في تاريخ الإسلام، ولذلك كان لابد من الوقوف مع هذا الحديث عدة وقفات. ومن ذلك: ما نستفيده من خروج النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق معتمداً على الله ، وكذلك ما تدل عليه مواقف الصحابة من بذل وتضحية في دين الله، فيجب على المسلم أن يعتز بتاريخه، ومن ذلك التوقيت بالتاريخ الهجري.

стр. 279

وقفات مع الهجرة النبوية إن الحمد لله، نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونثني عليك الخير كله، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالمال والأهل والمعافاة، كبت عدونا، وأظهرت أمننا وجمعت فرقتنا ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد والشكر على ذلك كثيراً، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ونشهد أن لا إله إلا أنت سبحانك أنت الواحد فلا شريك لك، والأحد فلا نِدَّ لك، شرعت الهجرة والجهاد، لدرء الشر والفساد ووعدت عبادك المؤمنين بالنصر والفتح المبين، والعز والتأييد والتمكين. ونشهد أن نبينا محمداً عبدك ورسولك، ومصطفاك وخليلك، شكر نعمتك وحقق عبادتك، وبلغ شريعتك، ونصح خليقتك، وهاجر وجاهد لإعلاء كلمتك، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:- فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، فإنه حقيق أن يتقى، بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل:٥٢]. أمة الإسلام: في مطلع كل سنة هجرية، ومع إطلالة كل عام جديد، تبرز في تاريخنا الإسلامي المجيد أحداث عظام ووقائع جسام، لها مكانتها عند أهل الإسلام، ولها أثرها البالغ في عز هذه الأمة، ونصرها وقوتها، وصلاح شريعتها في كل زمان ومكان، وتحقيقها سعادة البلاد والعباد في أمور المعاش والمعاد. أيها الإخوة في الله: ما أجمل أن نقف بعض الوقفات مع عدة قضايا مهمة، جديرة بالتنبيه والإشادة، وحرية بالتذكير والإفادة، لا سيما ونحن نعيش مع إشراقة عام هجري جديد، علَّ هذه الوقفات تكون سبباُ في تحريك الهمم واستنهاض العزائم للتمسك الجاد بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مصدر العزة والقوة والتوفيق في الدارين، والخير والسعادة في الحياتين.

стр. 280

الهجرة تعلمنا الاعتماد على الله إخوة العقيدة والإيمان: وإن أول هذه الوقفات الجديرة بالتنويه والعناية، والاهتمام والرعاية، مع حدث لا كالأحداث، حدث غير مجرى التاريخ، حدث يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والصبر والفداء، والعزة والقوة والإخاء، والتوكل على الله وحده مهما بلغ كيد الأعداء، ذلكم هو حدث الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تحية، ذلكم الحدث الذي جعله الله طريقاً للنصر والعزة والكرامة، ورفعاً لراية الإسلام، وتشييداً لدولته، وإقامة صرح حضارته على العقيدة الخالصة والوحدة الصادقة: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. أيها المسلمون: إنه لما اشتد أذى الكفار برسول الله ﷺ بـ مكة، أذن الله له بالهجرة إلى المدينة النبوية المنورة، فخرج ﵊ من بيته يتحدى أعداءه، ويفوت الفرصة عليهم في تدبيرهم ومكرهم: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. فخرج رسول الله ﷺ وبرفقته صاحبه الصديق ﵁، الذي ضرب مثلاً رائعاً في نصرته وفدائه لرسول الهدى ﷺ بأبي هو وأمي، وشفقته على حياته، ففي الغار يقول أبو بكر الصديق ﵁: [[يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا]] فيجيبه المصطفى ﷺ بجواب الواثق بنصر الله، المطمئن لوعد الله: ﴿يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ الله أكبر! ياله من درس عظيم في نصرة الله جل وعلا لأوليائه، وعدم تخليه عنهم لا سيما في الشدائد!

стр. 281

الهجرة مثال للبذل والتضحية وفي موقف عبد الله بن أبي بكر ﵄ في خدمة رسول الله ﷺ وصاحبه مثل يحتذى لشباب الإسلام في أثرهم البالغ في الاضطلاع بأمر الدعوة إلى الله، كما أن في موقف أسماء بنت أبي بكر ﵄ ما يقرر مكانة المرأة المسلمة وأثرها العظيم في نجاح الدعوة وإعداد الدعاة، وكم في الهجرة النبوية من دروس تحتذى وعبر تقتفى، لو رجع المسلمون لدينهم واعتزوا بتاريخهم وثوابتهم، وأمعنوا النظر في سيرة رسولهم ﷺ ، لا سيما والأمة الإسلامية اليوم تعيش في عالم عصفت فيه أمواج المحن، وهبت فيه أعاصير الفتن، حتى أصبحت أمتنا حبلى بالمشكلات، وثكلى بالفتن والمعضلات، ضعف وفرقة وخلافات، ذلة ومهانة ومنازعات، حروب ونكبات، كوارث وتحديات، ما هي آخر الأنباء في أرضنا المباركة، فلسطين المسلمة المجاهدة؟ وقدسنا السليب وأقصانا الحبيب؟ ما هي أوضاع إخواننا في العقيدة وأحوال الأقليات الإسلامية في كثير من بقاع العالم؟ إلى أي حال أدى الشقاق والنزاع بين أبناء الإسلام؟! كيف ومن دروس الهجرة وثمراتها ترسيخ مبدأ الأخوة الإسلامية والوحدة الإيمانية؟ إلى أن يحد من كيد سيطرة أعداء الإسلام وغزوهم عسكرياً وفكرياً وثقافياً وخلقياً وإعلامياً لبلاد الإسلام، كل ذلك وغيره من غيوم الفتن وسحب المحن، يتطلب من أمة الإسلام حلولاً عاجلة مع إطلالة هذا العام التي ترتسم على محياه بسمات التفاؤل، وتبرق في آفاقه فلول من الآمال العريضة، والتطلعات لمستقبل أفضل، تتبدد فيه سحب الآلام والأحزان عن كل بلاد الإسلام وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 282

من معاني الهجرة هجر المعاصي أمة الهجرة والجهاد: إن من أبرز ما يصور معاني الهجرة -يا رعاكم الله- الأخذ بتعاليم الإسلام التي جاء بها صاحب الهجرة ﷺ ، والتجافي عن الهبوط إلى مستنقعات المعاصي والآثام، وهذه هجرة لا يعذر مسلم في تركها لقوله ﷺ : ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه﴾ أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ومن أكبر ما يترجم عناية الأمة بالهجرة النبوية، هو التمسك بمنهج صاحب الهجرة ﵊، والتزام سنته وأطر النفوس على الهجرة في كل صورها ومعانيها، إما بمعناها الشرعي الخاص، بالانتقال إلى حيث العزة والمنعة وإقامة الدين، أو بمعناها العام بهجر المعاصي بكل أنواعها، وإن وقائع الهجرة النبوية -يا عباد الله- ليست قصصاً تورد ولا روايات تسرد، ولانعوتاً ومدائح تردد، ولا احتفالات تقام، لكنها عقيدة وانتماء، وعمل واهداء، واتباع واقتداء، وجهاد وافتداء، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. يا أمة محمد ﷺ : إن في هذا الحدث العظيم من الدروس والعبر ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه لتحقق لها عزها المنشود، ومجدها المفقود، ومكانتها المرموقة بين العالمين، ولعلمت علم اليقين وهي تعيش على أبواب قرن جديد، بل على مفترق طرق وتشعب سبل، أنه لا حل لمشكلاتها، ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها، والتزامها بإيمانها وعقيدتها، فوالله ثم والله ما قامت الدنيا عبر التاريخ إلا بقيام الدين، ولا نال العز والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات هيهات أن يحل أمن وأمان، ورخاء وسلام واطمئنان، إلا باتباع نهج الأنبياء ﵈: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. إنه متى تذكر المسلمون هذه الحقائق الناصعة، وعملوا على تطبيقها في واقع حياتهم، كانت هي السلاح الفاعل التي تقاتل به، والحصن الحصين، والدرع الواقي المتين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة، والتكتلات العالمية والمؤامرات الدولية، والصراع التي تعيشه قوى الأرض جميعاً، فالقوة لله وحده: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:١٦٥].

стр. 283

وقفة مع كتابة التاريخ بالهجري معاشر المسلمين: الوقفة الثانية، وقفة مع قضية تعبر عن اعتزاز هذه الأمة بشخصيتها الإسلامية، وتبرهن للعالم بأسره عن استقلال هذه الأمة بمنهجها المتميز المستقى من عقيدتها وتاريخها وحضارتها وثوابتها، إنها قضية أجمع عليها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁، إنها التوقيت والتاريخ بالهجرة النبوية المباركة، وكم لهذه القضية من مغزى عظيم، يجدر بأمة الإسلام اليوم تذكره، لاسيما وقد فتن بعض أبنائها بتقليد غير المسلمين والتشبه بهم في تاريخهم وسلوكهم. أين عزة الإسلام؟ وأين هي شخصية أهل الإسلام؟ هل ذابت في خضم مغريات الحياة؟ إننا أمة ذات أمجاد وحضارة، وتاريخ وأصالة، وثوابت راسخة، ومنهج متميز، منبثق من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ وسيرة سلفنا الصالح. لسنا بحاجة إلى تقليد غيرنا، بل غيرنا -في الحقيقية- بحاجة إلى أن يستفيد من أصالتنا وحضارتنا، لكنه التقليد والتبعية، والإعجاب والمجارات والانهزامية، والتشبه الأعمى من بعض المسلمين هداهم الله، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].

стр. 284

نصر الله لأوليائه أيها الإخوة المسلمون: وثالث هذه الوقفات مع حدث عظيم في شهر الله المحرم، فيه درس عظيم على نصرة أولياء الله، وانتقام الله من أعدائه مهما تطاولوا، إنه حدث قديم، لكنه بمغزاه متجدد عبر الأمصار والأعصار، إنه يوم انتصار نبي الله وكليمه موسى ﵇، وهلاك فرعون الطاغية، وكم في هذه القصة من الدروس والعبر، والعظات والفكر للدعاة إلى الله في كل زمان ومكان. فمهما بلغ كيد الأعداء وأذاهم وظلمهم وتسلطهم، فإن نصر الله قريب، وهو درس لكل عدو لله ولرسوله، ممن مشى على طريق فرعون، أن الله منتقم من كل طاغية وظالم، طال الزمان أو قصر، إن يوم الهجرة ويوم عاشوراء -يا عباد الله- يومان من أيام النصر الخالدة، ألا فلتقر أعين أهل الحق ودعاته بذلك، فالعاقبة للمتقين، ولينتبه لذلك -قبل فوات الأوان- أهل الباطل ودعاته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [المرسلات:٢٦]. وإن في الحوادث لعبراً، وإن في التأريخ لخبراً، وإن في الآيات لنذراً، وإن في القصص لمدّكراً ومزدجراً: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. تلكم -أيها المسلمون- إشارات عابرة، ولمحات عاطرة، ووقفات مهمة عاجلة، يحتاج المسلمون إلى التذكير بها وهم يستقبلون عامهم الهجري الجديد، الذي نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعله عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين في كل مكان، وعام ذل وهوان لأعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان، كما نسأله سبحانه أن يجعله عام يقظة رشيدة، ونقطة تحول سديدة، وفتح صفحة جديدة، صلاحاً لأحوال المسلمين في كل مكان، وهزيمة ساحقة لأعداء الله ورسوله والمؤمنين. كما نسأله سبحانه أن يجعل مستقبل أيامنا خيراً من حاضرها، وحاضرها خيراً من ماضيها، وأن يعيد هذا العام على أمة الإسلام بالخير واليمن والبركات إنه سميع قريب مجيب الدعوات. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطايا والسيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 285

الحث على صيام يوم عاشوراء الحمد لله الذي لم يزل بالمعروف معروفا، وبالكرم والإحسان موصوفاً، أحمده سبحانه وأشكره، كل يوم هو في شأن، ييسر عسيراً ويجبر كسيراً، ويغفر ذنوباً ويستر عيوباً، ويكشف كروباً، ويدفع خطوباً، ويغيث ملهوفاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً خالصةً لمن فطر السماوات والأرض حنيفا، ً وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، جعله الله صادقاً أميناً شريفاً عفيفاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً وسلاماً تزيدهم تفضيلاً وتكريماً وتشريفاً. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أيها الإخوة في الله: ووقفة رابعة مع فاتحة شهور العام، شهر الله المحرم، إنه من أعظم شهور الله جلَّ وعلا، مكانته عظيمة، وحرمته قديمة، هو رأس العام، ومن أشهر الله الحرم، فيه نصر الله موسى وقومه على فرعون وملئه، الأعمال الصالحات فيه لها فضل عظيم، لا سيما الصيام، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ وأفضل أيام هذا الشهر -يا عباد الله- يوم عاشوراء. في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿قدم النبي ﷺ المدينة، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منكم، فصامه ﷺ وأمر بصيامه﴾. وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام عاشوراء، فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله﴾ الله أكبر! يا له من فضل عظيم لا يُفوته إلا محروم! وقد عزم ﷺ على أن يصوم يوماً قبله، مخالفة لأهل الكتاب، فقال ﷺ : ﴿لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع﴾ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄. لذا ينبغي على المسلمين أن يصوموا ذلك اليوم، اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، مخالفةً لليهود وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى ﷺ ، حقاً إنه عمل قليل وأجر كبير وكثير من المنعم المتفضل سبحانه. إن ذلك -أيها الأحبة في الله- لمن شكر الله على نعمه، واستفتاح هذا العام بعمل من أفضل الأعمال الصالحة التي يرجى فيها ثواب الله تعالى، فالكيس الواعي، والحصيف اللبيب، يدرك أنه كسب عظيم يجب ألا يسقطه من حسابه، فأين المشمرون المخلصون؟! نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، بمنه وكرمه. واعلموا -رحمكم الله- أن الله أمركم بالإكثار من الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين النبي الهادي المصطفى الأمين، صاحب المعجزات الدائرات، والآيات البينات، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واخذل الكفرة والطغاة والظالمين يا رب العالمين. اللهم أمِّنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، والمضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن اليهود المعتدين يا قوي يا عزيز: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →