Полный текст (1 023 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الهجرة مثال للبذل والتضحية
وفي موقف عبد الله بن أبي بكر ﵄ في خدمة رسول الله ﷺ وصاحبه مثل يحتذى لشباب الإسلام في أثرهم البالغ في الاضطلاع بأمر الدعوة إلى الله، كما أن في موقف أسماء بنت أبي بكر ﵄ ما يقرر مكانة المرأة المسلمة وأثرها العظيم في نجاح الدعوة وإعداد الدعاة، وكم في الهجرة النبوية من دروس تحتذى وعبر تقتفى، لو رجع المسلمون لدينهم واعتزوا بتاريخهم وثوابتهم، وأمعنوا النظر في سيرة رسولهم ﷺ ، لا سيما والأمة الإسلامية اليوم تعيش في عالم عصفت فيه أمواج المحن، وهبت فيه أعاصير الفتن، حتى أصبحت أمتنا حبلى بالمشكلات، وثكلى بالفتن والمعضلات، ضعف وفرقة وخلافات، ذلة ومهانة ومنازعات، حروب ونكبات، كوارث وتحديات، ما هي آخر الأنباء في أرضنا المباركة، فلسطين المسلمة المجاهدة؟ وقدسنا السليب وأقصانا الحبيب؟ ما هي أوضاع إخواننا في العقيدة وأحوال الأقليات الإسلامية في كثير من بقاع العالم؟ إلى أي حال أدى الشقاق والنزاع بين أبناء الإسلام؟! كيف ومن دروس الهجرة وثمراتها ترسيخ مبدأ الأخوة الإسلامية والوحدة الإيمانية؟ إلى أن يحد من كيد سيطرة أعداء الإسلام وغزوهم عسكرياً وفكرياً وثقافياً وخلقياً وإعلامياً لبلاد الإسلام، كل ذلك وغيره من غيوم الفتن وسحب المحن، يتطلب من أمة الإسلام حلولاً عاجلة مع إطلالة هذا العام التي ترتسم على محياه بسمات التفاؤل، وتبرق في آفاقه فلول من الآمال العريضة، والتطلعات لمستقبل أفضل، تتبدد فيه سحب الآلام والأحزان عن كل بلاد الإسلام وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 282
من معاني الهجرة هجر المعاصي
أمة الهجرة والجهاد: إن من أبرز ما يصور معاني الهجرة -يا رعاكم الله- الأخذ بتعاليم الإسلام التي جاء بها صاحب الهجرة ﷺ ، والتجافي عن الهبوط إلى مستنقعات المعاصي والآثام، وهذه هجرة لا يعذر مسلم في تركها لقوله ﷺ : ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه﴾ أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
ومن أكبر ما يترجم عناية الأمة بالهجرة النبوية، هو التمسك بمنهج صاحب الهجرة ﵊، والتزام سنته وأطر النفوس على الهجرة في كل صورها ومعانيها، إما بمعناها الشرعي الخاص، بالانتقال إلى حيث العزة والمنعة وإقامة الدين، أو بمعناها العام بهجر المعاصي بكل أنواعها، وإن وقائع الهجرة النبوية -يا عباد الله- ليست قصصاً تورد ولا روايات تسرد، ولانعوتاً ومدائح تردد، ولا احتفالات تقام، لكنها عقيدة وانتماء، وعمل واهداء، واتباع واقتداء، وجهاد وافتداء، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
يا أمة محمد ﷺ : إن في هذا الحدث العظيم من الدروس والعبر ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه لتحقق لها عزها المنشود، ومجدها المفقود، ومكانتها المرموقة بين العالمين، ولعلمت علم اليقين وهي تعيش على أبواب قرن جديد، بل على مفترق طرق وتشعب سبل، أنه لا حل لمشكلاتها، ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها، والتزامها بإيمانها وعقيدتها، فوالله ثم والله ما قامت الدنيا عبر التاريخ إلا بقيام الدين، ولا نال العز والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات هيهات أن يحل أمن وأمان، ورخاء وسلام واطمئنان، إلا باتباع نهج الأنبياء ﵈: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].
إنه متى تذكر المسلمون هذه الحقائق الناصعة، وعملوا على تطبيقها في واقع حياتهم، كانت هي السلاح الفاعل التي تقاتل به، والحصن الحصين، والدرع الواقي المتين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة، والتكتلات العالمية والمؤامرات الدولية، والصراع التي تعيشه قوى الأرض جميعاً، فالقوة لله وحده: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:١٦٥].
стр. 283
وقفة مع كتابة التاريخ بالهجري
معاشر المسلمين: الوقفة الثانية، وقفة مع قضية تعبر عن اعتزاز هذه الأمة بشخصيتها الإسلامية، وتبرهن للعالم بأسره عن استقلال هذه الأمة بمنهجها المتميز المستقى من عقيدتها وتاريخها وحضارتها وثوابتها، إنها قضية أجمع عليها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁، إنها التوقيت والتاريخ بالهجرة النبوية المباركة، وكم لهذه القضية من مغزى عظيم، يجدر بأمة الإسلام اليوم تذكره، لاسيما وقد فتن بعض أبنائها بتقليد غير المسلمين والتشبه بهم في تاريخهم وسلوكهم.
أين عزة الإسلام؟ وأين هي شخصية أهل الإسلام؟ هل ذابت في خضم مغريات الحياة؟ إننا أمة ذات أمجاد وحضارة، وتاريخ وأصالة، وثوابت راسخة، ومنهج متميز، منبثق من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ وسيرة سلفنا الصالح.
لسنا بحاجة إلى تقليد غيرنا، بل غيرنا -في الحقيقية- بحاجة إلى أن يستفيد من أصالتنا وحضارتنا، لكنه التقليد والتبعية، والإعجاب والمجارات والانهزامية، والتشبه الأعمى من بعض المسلمين هداهم الله، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 284
نصر الله لأوليائه
أيها الإخوة المسلمون: وثالث هذه الوقفات مع حدث عظيم في شهر الله المحرم، فيه درس عظيم على نصرة أولياء الله، وانتقام الله من أعدائه مهما تطاولوا، إنه حدث قديم، لكنه بمغزاه متجدد عبر الأمصار والأعصار، إنه يوم انتصار نبي الله وكليمه موسى ﵇، وهلاك فرعون الطاغية، وكم في هذه القصة من الدروس والعبر، والعظات والفكر للدعاة إلى الله في كل زمان ومكان.
فمهما بلغ كيد الأعداء وأذاهم وظلمهم وتسلطهم، فإن نصر الله قريب، وهو درس لكل عدو لله ولرسوله، ممن مشى على طريق فرعون، أن الله منتقم من كل طاغية وظالم، طال الزمان أو قصر، إن يوم الهجرة ويوم عاشوراء -يا عباد الله- يومان من أيام النصر الخالدة، ألا فلتقر أعين أهل الحق ودعاته بذلك، فالعاقبة للمتقين، ولينتبه لذلك -قبل فوات الأوان- أهل الباطل ودعاته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [المرسلات:٢٦].
وإن في الحوادث لعبراً، وإن في التأريخ لخبراً، وإن في الآيات لنذراً، وإن في القصص لمدّكراً ومزدجراً: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١].
تلكم -أيها المسلمون- إشارات عابرة، ولمحات عاطرة، ووقفات مهمة عاجلة، يحتاج المسلمون إلى التذكير بها وهم يستقبلون عامهم الهجري الجديد، الذي نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعله عام خير وبركة ونصر للإسلام والمسلمين في كل مكان، وعام ذل وهوان لأعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان، كما نسأله سبحانه أن يجعله عام يقظة رشيدة، ونقطة تحول سديدة، وفتح صفحة جديدة، صلاحاً لأحوال المسلمين في كل مكان، وهزيمة ساحقة لأعداء الله ورسوله والمؤمنين.
كما نسأله سبحانه أن يجعل مستقبل أيامنا خيراً من حاضرها، وحاضرها خيراً من ماضيها، وأن يعيد هذا العام على أمة الإسلام بالخير واليمن والبركات إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطايا والسيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 285
الحث على صيام يوم عاشوراء
الحمد لله الذي لم يزل بالمعروف معروفا، وبالكرم والإحسان موصوفاً، أحمده سبحانه وأشكره، كل يوم هو في شأن، ييسر عسيراً ويجبر كسيراً، ويغفر ذنوباً ويستر عيوباً، ويكشف كروباً، ويدفع خطوباً، ويغيث ملهوفاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً خالصةً لمن فطر السماوات والأرض حنيفا، ً وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، جعله الله صادقاً أميناً شريفاً عفيفاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً وسلاماً تزيدهم تفضيلاً وتكريماً وتشريفاً.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة في الله: ووقفة رابعة مع فاتحة شهور العام، شهر الله المحرم، إنه من أعظم شهور الله جلَّ وعلا، مكانته عظيمة، وحرمته قديمة، هو رأس العام، ومن أشهر الله الحرم، فيه نصر الله موسى وقومه على فرعون وملئه، الأعمال الصالحات فيه لها فضل عظيم، لا سيما الصيام، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾ وأفضل أيام هذا الشهر -يا عباد الله- يوم عاشوراء.
في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿قدم النبي ﷺ المدينة، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منكم، فصامه ﷺ وأمر بصيامه﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام عاشوراء، فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله﴾ الله أكبر! يا له من فضل عظيم لا يُفوته إلا محروم! وقد عزم ﷺ على أن يصوم يوماً قبله، مخالفة لأهل الكتاب، فقال ﷺ : ﴿لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع﴾ أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄.
لذا ينبغي على المسلمين أن يصوموا ذلك اليوم، اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده، مخالفةً لليهود وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى ﷺ ، حقاً إنه عمل قليل وأجر كبير وكثير من المنعم المتفضل سبحانه.
إن ذلك -أيها الأحبة في الله- لمن شكر الله على نعمه، واستفتاح هذا العام بعمل من أفضل الأعمال الصالحة التي يرجى فيها ثواب الله تعالى، فالكيس الواعي، والحصيف اللبيب، يدرك أنه كسب عظيم يجب ألا يسقطه من حسابه، فأين المشمرون المخلصون؟!
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، بمنه وكرمه.
واعلموا -رحمكم الله- أن الله أمركم بالإكثار من الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين النبي الهادي المصطفى الأمين، صاحب المعجزات الدائرات، والآيات البينات، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاة صلىَّ الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واخذل الكفرة والطغاة والظالمين يا رب العالمين.
اللهم أمِّنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، والمضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن اليهود المعتدين يا قوي يا عزيز: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 286
إخلاص العبادة لله وحده
إن التوحيد أوجب الواجبات على العبد، وما من رسول إلا ودعا قومه إلى التوحيد الخالص، فلا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وقد دلت على ذلك الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة.
стр. 287
التوحيد أوجب الواجبات على العبد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أَمَرَنا بإخلاص التوحيد له، وأوجب علينا طاعته وعبادته، وحذرنا من الإشراك به والوقوع في معاصيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، وحبيبه وخليله المجتبى، أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ودعا إلى الدين الحق عقيدةً وشريعةً، عبادةً وأخلاقاً ومنهجَ حياة، دعا ﵊ لتثبيت العقيدة ثلاثة عشر عاماً في مكة، وواصل ذلك في المدينة، وما ذاك -أيها المسلمون- إلا لأن العقيدة هي القاعدة والأساس والأصل لدين الإسلام، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وتمسك بسنته إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون في هذه البقعة المباركة: أيها المسلمون في أرجاء العالم الإسلامي بأسره! اتقوا الله واشكروه على ما مَنَّ به عليكم مِن نعمة الإسلام.
عباد الله: اعلموا -رحمكم الله- علمَ يقينٍ يتبعه عمل أن أوجب الواجبات على العبد معرفة توحيد الله وما يضاده ويناقضه من الشرك، ولاسيما في هذا الزمن الذي طغت فيه موجات الفتن والشهوات والشبهات، وفي هذا العصر الذي قامت فيه أعاصير الفسق والفساد، وانتشر فيه الجهل واتباع الأهواء، وكثرت الفرق والطرق الضالة والمذاهب والأحزاب المنحرفة ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] وثارت فيه براكين الإلحاد والكفر والزندقة والمنكرات والبدع والمعاصي والخرافات، وتكتَّل فيه أعداء الإسلام والمسلمين -على اختلاف مللهم- على الأمة الإسلامية حتى كبرت المحنة وعظمت المصيبة وعاد الإسلام غريباً بين أهله، ومِن هنا زادت الأهمية وعظم الواجب على العباد في تحقيق التوحيد بأنواعه -توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات- وإخلاص العبادة لله وحده، والبُعد عن الشرك ووسائله وأسبابه، والحرص على سد الذرائع والطرق الموصلة إليه.
стр. 288
أدلة وجوب صرف العبادة لله وحده
أيها المسلمون! لقد امتلأت الأدلة السمعية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالحث على وجوب صرف العبادة لله وحده لا شريك له يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ويقول سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] وبين ﵎ أن توحيد الله في العبادة هو أول ما دعا إليه الرسل أقوامَهم قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وكل نبي من أنبياء الله يدعو قومه بادئاً بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وهذا خاتم الأنبياء وأفضلهم محمد ﷺ أمره الله بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١١ - ١٤].
فالعبادة -يا عبد الله- بجميع أنواعها لا بد أن تُصرَف لله وحده ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله كائناً مَن كان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فلا نَذْر إلا لله، ولا دعاء إلا له، ولا ذبح إلا له، ولا استغاثة ولا استعاذة ولا استعانة ولا حلف إلا به، ولا توكل إلا عليه، سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً.
стр. 289
تلازم التوحيد الخالص مع النصر والتمكين
تلك أهم مقومات عقيدة المسلمين التي بها قوام أمرهم وصلاح حالهم، وبها قوتهم وعزتهم وانتصاراتهم وأمنهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
وما انتصر المسلمون السابقون على أعدائهم وفتحوا البلاد في مشارق الأرض ومغاربها إلا بهذه العقيدة الصحيحة الصافية من شوائب الشرك والخرافات، ولا خلاص ولا مناص مما يعيشه المسلمون اليوم من فتن وتناحر وتدهور وذلة، ولا حل لمشكلاتهم كلها إلا بالعودة الصحيحة الصادقة إلى العقيدة الإسلامية وتحكيم شرع الله في كل كبير وصغير من أمورهم، وإننا لنحمد الله أن وفقنا في هذه البلاد المباركة للسير على هذا الطريق الذي جدده وأعلى كيانه الإمامان العظيمان: محمد بن سعود، ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة ونفع بذراريهم، فسارا بهذه البلاد على طريق العقيدة الصحيح السلفي النقي من الشوائب، ولا تزال بلادنا والحمد لله وستزال بمشيئة الله وعونه تنعم بذلك قادةً وعلماءَ وشعباً إلا أننا نلمس قصوراً ظاهراً من بعض أبناء المسلمين وتساهلاً بيِّناً من آخرين في أمر هذه العقيدة، وهي مسئوليتنا جميعاً لإعادة ما اندرس من أمرها وإبعاد ما عَلِق بها وران عليها من مُحدثات، وتتجسد هذه المسئولية على العلماء وطلبة العلم الذين يملكون سلطان البيان والبلاغ.
стр. 290
إصلاح التوحيد يا حجاج بيت الله الحرام
أيها المسلمون حجاج بيت الله الحرام: تنبهوا جيداً لأمر العقيدة، واعلموا أن أول المهمات على الحاج: إصلاح عقيدته، والبُعد عن الشرك ووسائله، ومن تأمل حال الحجيج اليوم في هذا الأمر عظُم أساه واشتد أسفه؛ وذلك لأن الكثير منهم يقع في الشرك بالله شَعَرَ أو لَمْ يشعر، فكثيراً ما نسمع دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله من الأشخاص الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم بل ربما يكونون من الأموات، وهذا من أعظم أبواب الشرك بالله، وكثيراً ما نسمع الحلف بغير الله وكثيراً ما نشاهد البدع والخرافات القولية والعملية.
فاتقوا الله أيها المسلمون، اتقوا الله يا حجاج بيت الله الحرام، أصلحوا عقيدتكم ما دمتم في زمن الإمهال، ووالله لا ينجو من أهوال يوم القيامة وتضاربه إلا صاحبُ القلب السليم المفعم بنور العقيدة الصافية.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم احفظ على هذه البلاد عقيدتها، اللهم احفظ عليها أمنها وإيمانها، اللهم قِها شر أعدائها، اللهم أصلح قادتها ووفقهم لتأييد الحق وأهله ودحر الباطل ومروجيه.
اللهم من أرادنا وأراد عقيدتنا بسوء فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، اللهم اجعل كيده في نحره يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه كان غفاراً.
стр. 291
القرآن والسنة يحذران من الشرك بالله
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة فأشاد صرح التوحيد وأعلى مناره، وطمس الشرك ومحا آثاره، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وأطيعوه وأنيبوا إليه وأسلموا له، واحذروا من الشرك فإن الشرك محبطٌ للأعمال مفسدٌ للأحوال، وأهله أشطن وأشر وأظل مَن على وجه الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] وقد كثرت الأدلة الشرعية على التحذير من الشرك وما يجره على العباد من خزي وعذاب يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦] ويقول : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ويقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] ويقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وفي الحديث الصحيح في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿اجتنبوا السبع الموبقات: وذَكَرَ أولها وأكثرها وأشيعها، وهو: الشرك بالله ﴾ والموبقات: هي المهلكات.
وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار﴾.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿مَن مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار﴾ رواه البخاري.
وإن مما يَحُزُّ في النفس -مع عظيم هذا الوعيد- ما نشاهده ونلمسه في كثير من البقاع من انتشار الشرك بالله وعبادة غير الله من مثل القبور والتواصي بها وسؤالها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وشفاء المرضى، وإدرار الرزق وغير ذلك من الأمور التي لا يملكها إلا الله .
فاتقوا الله -عباد الله- وحققوا توحيده قولاً وعملاً واعتقاداً، واحذروا الشرك أكبره وأصغره؛ تُقْبَلُ أعمالُكم، وتُغفَر زلاتكم، وتصلح أحوالكم في الدنيا والآخرة.
عباد الله: صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله أكمل الخلق توحيداً كما أمركم الله بذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ على محمد وآله وصحبه، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر الصحابة والتابعين، اللهم ارضَ عنا معهم برحتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل -اللهم- ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم أيد بالحق إمامنا وعلماءنا وولاة أمرنا، اللهم أعزهم بالإسلام، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهم اجعلهم صالحين مصلحين هادين مهتدين يا رب العالمين!
اللهم عليك بأعداء الدين أينما وُجِدوا وحيثما حلوا، اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل، اللهم اجعل الدائرة عليهم، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم مُنَّ على المسلمين بصلاح قاداتهم وعلمائهم وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم وَلِّ علينا خيارنا، وارزق ولاة أمرنا البطانة الصالحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر يا رب العالمين!
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 292
الحج المبرور
إن الله جعل الحج إلى بيته ركناً من أركان هذا الدين؛ لأنه به يكتمل دين الإسلام الحنيف، على ملة إبراهيم ﵇.
وقد بين الشيخ في هذه المادة وجوب الحج، ومنافعه، وما ينبغي للعبد أن يفعله في الحج اقتداءً برسول الله ﷺ .
стр. 293
حج بيت الله استجابة لندائه
الحمد لله، أحمده تعالى وأشكره، وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض على عباده حج بيته الحرام، فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وامتن عليهم بالحرم الآمن، الذي خص بالمحامد والفضائل العظيمة، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة:١٢٥]، ويقول : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]، ويقول: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧]، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وخليله وصفيه ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه على دينه، المتمسكين بسنته، المهتدين بهديه، الداعين بدعوته إلى يوم المعاد، وسلم تسليماً.
أما بعد:
أيها المسلمون حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، والوقوف عند حدوده، والتزام هديه في كل أخذٍ وطرح، وفي كل قول وفعل.
عباد الله! لقد منَّ الله على عباده بمواسم الخير، وأوقات الفضل والإحسان، وأزمنة الجود والغفران، ومن هذه الأوقات الفاضلة؛ ما نعيشها في هذه الأيام، من موسم الحج إلى بيت الله الحرام، هذا الموسم العظيم الذي يفيض الله فيه من رحماته على عباده، ومن نفحات بره وجوده وأسراره على خلقه، ويُباهي به الملائكة، ويقول: ﴿انظروا إلى عبادي! أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق يرجون رحمتي ومغفرتي ولو كانت ذنوبهم عدد الرمل لغفرتها لهم﴾.
أيها الإخوة! في هذه الأيام المباركة يتجه المسلمون إلى بيت الله الحرام؛ لأداء فريضة من فرائض الله، تاركين في سبيل ذلك أوطانهم، وأولادهم، وأموالهم، متجهين إلى مكان واحد، في زمن واحد؛ قاصدين رباً واحداً، وهدفاً واحداً؛ فإذا وصلوا إلى الميقات، خلعوا ثيابهم المألوفة، ولبس كل واحد منهم إزاراً ورداءً شبيهة بأكفان الموتى، وكأنهم مسافرون إلى الآخرة، واقفون في عرصات القيامة لا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي، والمشرقي والمغربي؛ فالكل جاء يقطع البلاد جواً وبراً وبحراً؛ لحضور هذا التجمع الإسلامي الكبير، ً استجابة لنداء الله على لسان خليله وشوقاً إلى لقائه ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] ويدخلون في حرم الله مُحرمين خاضعين خاشعين متذللين، قد تركوا ما فاتهم، واتجهوا إلى الله بقلوبهم وأبدانهم، ويترقبون في تلك المشاعر العظيمة من الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بـ عرفة، والمبيت بـ مزدلفة ومنى، ورمي الجمار، وذبح الهدي على اسم الله، والحلق أو التقصير وغيرها من أعمال الحج إلى أن يُودعوا البيت، كل ذلك بقلوبٍ خاشعة، وأعينٍ دامعة، وألسنةٍ مكبرة مهللة ملبية داعية.
يالها من مواقف عظيمة! تُسكب فيها العبرات، ويُتاب فيها من السيئات، ويُكثر فيها من الصالحات؛ لتقال العثرات، وتُغفر الخطيئات، وتُستر الزلات بعفو الله ولطفه.
стр. 294
الحج المبرور وشروطه
.
стр. 295
الإخلاص وعدم الشرك بالله
أيها المسلمون حجاج بيت الله الحرام! إن أوجب الواجبات عليكم تحقيق التوحيد، وإخلاص العقيدة، وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والخرافات، فإن من يقع في الشرك بالله فلا ينفعه عمله ولا يجزئ حجه؛ لأنه ليس على أصلٍ ثابت من العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة.
ومن الواجبات -أيضاً- إخلاص العمل لله ، وابتغاء المسلم بحجه وجه الله والدار الآخرة، وليحذر الحاج -كل الحذر- أن يريد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة والمباهاة.
عباد الله! يقول الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، ويقول المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه﴾ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾ متفق عليه.
﴿وسئل النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور﴾ متفق عليه.
من هذه النصوص المباركة يتبين أن الحج المقبول عند الله هو الحج المبرور الذي لا يرتكب صاحبه فيه معصية من الرفث والفسوق والجدال بالباطل.
والرفث يا عباد الله! فُسِّر بالجماع قبل التحلل من الإحرام، ويلحق بذلك كل كلام فاحش.
أما الفسوق: فهو العصيان؛ ويدخل في ذلك جميع المعاصي من الظلم والسب وإيذاء المسلمين بغير حق، والسخرية والكذب والغيبة والنميمة كما يدخل فيه إيذاء المسلمين والحجاج بالقول أو بالعمل، بالمشاعر والطرقات، وفي الطواف والسعي، وحين رمي الجمار وفي غير ذلك من الأماكن، كما يدخل فيه مزاحمة المسلمين والتعرض لأذاهم، ويدخل فيه -أيضاً- كل ما يدعو لجلب الفوضى والإخلال بالأمن واستغلال موسم الحج لغير ما شرعه الله وسنَّه رسول الله ﷺ .
стр. 296
متابعة النبي ﷺ في أداء مناسك الحج
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! أدوا مناسك حجكم على ما أمره الله، وعلى ما سنه رسول الله ﷺ وهو القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾.
حافظوا على أوامر الله ، وأدوا فرائضه، واحذروا معصيته في هذه البقاع المباركة، وتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، وعاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة؛ تكونوا بإذن الله ممن حاز على ثواب الحج المبرور.
ألا إن مما يحز في نفس كل مسلم، ويحق أن يأسى ويأسف له واقع كثير من حجاج زماننا هذا، فهم تجسموا المشاق، وتحملوا الصعاب، وأتعبوا أبدانهم، وتركوا أوطانهم، وأنفقوا أموالهم ومع ذلك كله لا يؤدون الحج على الوجه المطلوب، ويقعون في مخالفات كثيرة، ويقعون في الأذى لعباد الله نتيجة الجهل بأحكام هذا الركن العظيم.
فتفقهوا في دينكم، وتعلَّموا مناسك حجكم، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
نسأل الله لنا ولحجاج بيت الله الحرام وللمسلمين عامة العلم النافع والعمل الصالح.
اللهم وفق حجاج بيتك الحرام لأداء المناسك، واكتب لهم القبول والبر والمغفرة يا رب العالمين، اللهم قِهم الأذى والشر يا رب العالمين!
عباد الله! استغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود.
стр. 297
نفقة الحج بين الحلال والحرام
الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله واشكروه على سوابغ نعمه، ومنها: ما يسره لكم من الوصول إلى بيته الحرام، والاجتماع أمام هذه الكعبة المشرفة في هذا المكان المبارك الذي يُرجى فيه غفران الذنوب وإجابة الدعاء.
عباد الله! بادروا بالتوبة إلى الله من جميع الذنوب، وحافظوا على أوامر الله وعلى رأسها الصلاة مع جماعة المسلمين بخشوعها وأداء أركانها وواجباتها وسننها؛ فإن بعض الحجاج هداهم الله يتساهل في ذلك وهذا منكر عظيم.
كما يجب على الحاج أن يختار النفقة الطيبة لحجه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وفي الحديث: ﴿إذا خرج الرجل بنفقة طيبة فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وحجك مبرور، وإذا حج بالنفقة الخبيثة ينادي: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأجورٌ غير مبرور﴾ وقال الشاعر:
إذا حججت بمال أصله سحتُ فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل طيبةٍ ما كل من حج بيت الله مبرور
فعلى المسلم الحذر من خبيث النفقة، واختيار الطيب، ونحن في عصر عزت فيه النفقة الطيبة، نتيجة انتشار الأموال المحرمة، وكثرة طرقها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 298
منافع الحج وحكمه
واعلموا أن من أوجب الواجبات عليكم: إتباع الأعمال الصالحة ببعضها، من ذكر الله، والتلبية، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، والدعاء، ففي الحديث: ﴿إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله﴾ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
فاستفيدوا -رحمكم الله- من منافع الحج العظيمة، ففيه امتثال لأمر الله، وإعلان لتوحيده، وفيه تفكر لأحوال الأنبياء والمرسلين، وأخص منهم إبراهيم الخليل الذي رفع القواعد من البيت وإسماعيل، وكذلك محمد ﷺ الذي عاش في مكة، وبلَّغ الدعوة، وأصابه من الأذى ما الله به عليم، فلنا به القدوة الحسنة.
وينبغي علينا تذكر هذه المواقف العظيمة؛ ففيها من المنافع الدينية والدنيوية والاجتماعية والصحية ما لا يعد ولا يحصى، فالسعيد من وفق لاغتنامها.
وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا محمد، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن صحابته أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.
اللهم وفق المسلمين لما تُحب وترضى، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً يا رب العالمين!
اللهم وفق الحجاج والمعتمرين وارزقهم القبول والتوفيق والسداد يا رب العالمين!
اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم وفقه ووفق جميع ولاة أمورنا، اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره، نتيجة ما قدموا ويقدمون لحجاج بيت الله الحرام، من تسهيل ورعاية، اللهم اجعله في موازينهم يا رب العالمين!
اللهم أصلح علماءنا وشبابنا ونساءنا يا رب العالمين!
اللهم دمر اليهود وأعوانهم، اللهم عليك بهم جزاءً بما قاموا ويقومون من إحراق المقدسات، وقتل الأبرياء، وتشريد المسلمين، اللهم عليك بجميع أعدائك عاجلاً غير آجل، اللهم أنزل عليهم بأسك يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم اجعلنا ممن وفق للعمل الصالح يا رب العالمين!
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 299
خطبة عيد الأضحى
إن الله سن سنناً، وشرع أحكاماً قدراً وكوناً، ومن حكمه أن شرع لهذه الأمة مواسم تزداد فيها الطاعة، وأياماً يفرحون بها وفق شرع الله، وإن من هذه الأيام عيد الفطر وعيد الأضحى، وقد تكلم الشيخ عن عيد الأضحى وسننه وآدابه، وأحكامه، ثم ذكر وصايا ذكَّر فيها المسلمين بإخوانهم في كل مكان.
стр. 300
حقيقة العبد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً مبرأةً من الشك والشرك والريب والنفاق، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، بعثه الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً، لا إله إلا الله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا إله إلا الله الولي الحميد، الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكرٌ وكبر، الله أكبر عدد ما لاحت بوارق السعادة على من قصد البلد الحرام، وما دامت عليهم في تلك الرحاب الطاهرة مواهب ذي الجلال والإكرام، الله أكبر عدد ما أحرموا وصلوا إلى البيت وطافوا بالكعبة وسعوا بين الصفا والمروة، الله أكبر عدد ما رفعوا أصواتهم بالتلبية، وعدد ما ذبحوا وحلقوا ورموا وشربوا من ماء زمزم.
الله أكبر عدد ما تحركت قوافل الحجيج، آمةً هذا البيت العتيق، الله أكبر عدد ما انطلقت مواكبهم من مكة إلى منى، ومنها إلى عرفة، الله أكبر عدد ما باتوا بـ مزدلفة، وذكروا الله عند المشعر الحرام، الله أكبر عدد ما أثابوا وودعوا، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد:
أيها المسلمون في بلد الله الحرام: أيها الحجاج الكرام! أيها الإخوة في الله في مشارق الأرض ومغاربها! اتقوا الله ﵎، فتقوى الله جماع كل خير، وسياجٌ من كل شر، اتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كنتم تنشدون خيري الدنيا والآخرة، وترمون السعادة والفلاح في العاجل والآجل، فعليكم بتقوى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٢ - ٥].
عباد الله: من نعم الله على عباده أنه شرع لهم مواسم مباركة، يفرح فيها الطائعون ويسر فيها المؤمنون، لما فيها من النفحات وتنزل الرحمات، وكثرة البركات ورفعة الدرجات، وتكفير السيئات، ومن هذه المواسم ما شرعه الله لعباده من الأعياد الشرعية، التي تعود عليهم كل عام مرتين، وتتكرر عليهم بالخير والفضل والإحسان كل سنةٍ في وقتين اثنين، في الفطر بعد رمضان، وفي الأضحى بعد يوم عرفة.
في الأعياد يظهر المسلمون شعائر دينهم، ويتعارفون ويتآلفون وتسود بينهم حياة الصلة والمحبة والوئام، ويجتمعون على ذكر الله ، وتكبيره، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وإننا لنحمد الله سبحانه حق حمده على ما مَنَّ به علينا من إدراك عيد الأضحى المبارك، هذا العيد الذي يعود كل عامٍ بخيره وبركته على المسلمين عامة، وعلى حجاج بيت الله الحرام خاصة، حيث يتقرب فيه الجميع إلى الله، بأعمالٍ جليلة، وعبادات عظيمة.
أمة الإسلام: ما أشد حاجتنا اليوم إلى التعرف على المغزى الحقيقي في العيد، وعلى الأثر الإيماني والاجتماعي منه، وما الدروس والعبر التي يجب أن يخرج بها المسلمون من مرور العيد عليهم، وكيف ينبغي أن تكون حياتنا وأخلاقنا في العيد، إنه ليس العيد السعيد بالتحلي بالجديد والتنعم بالغيد وخدمة العبيد، إنما السعيد حقاً من جعل الإيمان والتقوى شعاره فيما يبدأ وما يعيد، فهل أدرك المسلمون حقيقة العيد؟ وهل فهموا حكمة التشريع منه؟ وهل تفطنوا لآثاره واستناروا بعبره؟
إنهم إن أرادوا ذلك فعليهم أن يروضوا أنفسهم على الخير فعلاً وإسداءً، وقياماً بصنائع المعروف التي تضفي على المجتمع طابع الترابط والتآلف والتآخي، وتقيه مصارع السوء، وأوائل الشرور، ليفتش كل مسلمٍ عن جيرانه وأقاربه وإخوانه، فيسأل عن أحوالهم، ويتفقد شئونهم، ويسد حاجاتهم، ويعينهم في إدخال البهجة والسرور على قلوب أبنائهم، يسعفهم بالكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والبشاشة المؤثرة، ليتذكر كل مسلمٍ يجتمع بأسرته يوم العيد أطفالاً يتامى، ونساءً أيامى، لا يجدون ابتسامة الأب الحنون، وحنان الأم الرءوم، ليتذكر جموعاً من إخوانه المسلمين، في بقاع كثيرة من العالم، يعيشون أوضاعاً مؤلمة، ومآساً مبكية، إشراقة العيد عندهم يخيم عليها الحزن والأسى، وأيامه تصطلي بالألم وتفقد طعم الأمن والاستقرار.
стр. 301
تذكر مآسي المسلمين
ما هي أحوال إخوانكم في فلسطين، حيث البطولة والشجاعة هذه الأيام ضد أعداء الله ورسوله والمؤمنين؟! إخوان القردة والخنازير وسفكة الدماء، وخونة العهود ونقضة المواثيق، وقتلة الأنبياء والصلحاء، شذاذ الأصقاع وحثالة العالم، وأسافل الناس من اليهود الصهاينة، إن إخوانكم هناك بحجارتهم، وانتفاضتهم حول المسجد الأقصى الجريح، يحتاجون إلى الدعم مادياً ومعنوياً، والإحساس بالشعور المشترك والهدف الواحد، فالعمل على تحرير المسجد الأقصى من براثن اليهود مسئولية المسلمين جميعاً.
ما هي أنباء إخوانكم المجاهدين في أفغانستان، الذين يئنون تحت أقدام الغزاة الملحدين؟!
يستجدون منكم نخوتكم وأخوتكم، ويحتاجون إلى الدعاء والكساء والدواء والغذاء، والمساهمة والفداء، مع أن بوارق نصرهم تلوح بالأفق -ولله الحمد والمنة- وصدق الله حيث يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣].
ولا تنسوا كل من تجمعكم بهم رابطة العقيدة، فوق كل أرض، وتحت كل سماء.
стр. 302
الصراع قائم بين الحق والباطل
أمة الإسلام: الصراع بين الحق والباطل، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، قائمٌ مستمرٌ إلى قيام الساعة، ليميز الله الخبيث من الطيب، فهاهم أعداء دينكم -يا عباد الله- على اختلاف توجهاتهم مجمعون على حرب الإسلام والكيد لأهله، فكونوا على وعيٍ وحذرٍ وفطنة من الأخطار التي تهدد أمتكم في شتى أقطارها، ونواحي حياتها، هاهم أهل الإلحاد والشيوعية، وأصحاب الشرك والوثنية، ودعاة الصهيونية واليهودية، وأنصار التثليث والنصرانية، وأهل الفساد والإباحية يشنون الحرب على الإسلام، ولسان حالهم ومقالهم يقول: "دمروا الإسلام، أبيدوا أهله، اقضوا على تعاليمه واطمسوا أنواره"، لا بلغهم الله ذلك.
وأناسٌ خرجوا في عقب الزمان يعلنون الحرب على الإسلام، ويطالبون بنبذه والتخلي عنه، والسير وراء الشعارات البراقة، والرايات الخدَّاعة، زاعمين أن الإسلام رجعية وتأخر، لا يليق بهذا العصر الحديث، وآخرون يشنون الحرب على الإسلام ومقدساته، ويسعون إلى تعكير أمن حجاج بيت الله الحرام، ويصرفون تعاليم الإسلام إلى تقديس الذوات، ورفع الشعارات، والسعي وراء التظاهرات والتجمعات، وتشجيع المسيرات والهتافات، مع نيلهم من كلام رب الأرض والسماوات، وطعنهم في صفوة الأمة وأفضل البريات، وتشكيكهم في قدسية الحرمين الشريفين، ومحاولة بث الشغب والعدوان فيهما، فيا لجرأتهم على حدود الله! ومخالفتهم لإجماع عباد الله! ويا لشناعة إلحادهم في حرم الله!! وعماهم عن قول الحق جل في علاه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
стр. 303
السلاح الحقيقي
إخوة الإسلام! حجاج بيت الله الحرام! من منبر المسجد الحرام، لابد أن تدركوا وأنتم تجتمعون في هذه البقاع الطاهرة، والمشاعر المقدسة، وقد تجلت فيكم مظاهر الوحدة الإسلامية بأسمى صورها، أنه لا عز للبشرية، ولا فلاح للإنسانية، إلا بتطبيق الإسلام وتحكيم الشريعة، لابد من اليقين الجازم، أنه لا يمكن أن تحقق أمة الإسلام اليوم نصراً على عدو، أو استعادةً لمجد، أو استرداداً لحقوق، أو استعادةً لمغتصبات، أو جمعاً لكلمة، أو وحدةً لصف، دون أن تسير على الثوابت والأصول التي سار عليها أسلافها من قبل.
فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، بماذا انتصر المسلمون الأوائل؟!
وبأي سلاحٍ حاربوا في غزوات الإسلام، ومعاركه الفاصلة عبر التاريخ؟!
إنه سلاح الإيمان الذي بتوفره وتمكنه في القلوب يغلب كل سلاحٍ مادي عرفته البشرية، بإذن الله القوي العزيز الذي تتضاءل أمام قوته وجبروته قوة الشرق والغرب قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤].
فحذارِ يا أمة الإسلام: أن يضعف اليقين، ويموت الأمل بنصرة هذا الدين، ويتطرق اليأس إلى نفوس المسلمين، إن مشكلات المسلمين وإن كثرت، وآلامهم وإن استمرت؛ فهي سحابة صيف يوشك أن تنقشع بإذن الله؛ متى ما نصروا دين الله، وأووا جميعاً إلى حماه قال : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
إخوة الإيمان: إن أجل نعمة أنعم الله بها علينا نعمة الإسلام، التي هدانا إليها وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ما هي أحوال العالم قبل الإسلام؟
وما هي مظاهر الحياة في الجاهلية؟
شركٌ ووثنية، ظلمٌ وجهلٌ وبغي، قتلٌ وتسلطٌ وفساد، حتى أذن الله بانبثاق فجر الهدى، وإشعاع نور الإيمان، بمبعث سيد الأولين والآخرين ﵊.
فحذارِ أن تتساهلوا بدينكم، وتعيدوها جاهليةً أشر من الجاهلية الأولى!
стр. 304
العقيدة الصحيحة
إخوة العقيدة: إن أول واجبٍ عني به هذا الدين تحقيق الوحدانية لله رب العالمين، وحدانية الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فكان أصل الدين وأساس الملَّة، وقاعدة الإسلام، العقيدة الصحيحة لها القدح المعلَّى، والنصيب الأكبر من اهتمام الكتاب والسنة، قولاً وعملاً ودعوة.
يا أمة محمدٍ ﷺ : لقد قام هذا الدين على أصل إفراد الله بالعبادة فلا أنداد ولا شركاء: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨]، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦].
فواجب العباد أن يحققوا شهادة التوحيد علماً بمعناها وعملاً بمقتضاها، فلا معبود بحقٍ إلا الله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] فلا يجوز صرف شيءٍ من ألوان العبادة، صلاةً ودعاءً، ذبحاً ونذراً، استغاثةً واستعانةً وحلفاً، لغير الله كائنٌ ما كان، ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فمالك الضر والنفع هو الله سبحانه، لا إله غيره ولا رب سواه، وبذلك يعلم أن ما يفعله عباد القبور والأضرحة من صرف العبادة لها، وسؤال أصحابها شفاء المرضى، وقضاء الحوائج، وتفريج الكروب ودفع الخطوب، والعون والمدد، أنه منافٍ لعقيدة التوحيد، وصاحبه على خطرٍ عظيم، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
تلكم هي العقيدة الصحيحة، في جانب توحيد العبادة، أما توحيد ربنا بأسمائه وصفاته، فالمسلم يؤمن بما سمى الله به نفسه، من الأسماء الحسنى الواردة في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، ويصفه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تمثيل ولا تكييفٍ ولا تعطيل ولا تحريف قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فلا يجوز تمثيل الله بخلقه، كما لا يجوز نفي صفات الكمال عنه، بل نثبت لله الأسماء والصفات إثباتاً بلا تمثيل، وننفي عنه ما لا يليق به تنزيهاً بلا تعطيل، فالمسلم يقف عند ما حده الشرع، لا يزيد عليه ولا ينقص منه، ودين الله وسطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، والمسلم الحق يجرد المتابعة لرسول الهدى ﷺ ، فلا يحدث في دين الله شيئاً لم يكن عليه سلف هذه الأمة، وأهل القرون الخيرة، يقول ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أخرجه مسلم في صحيحه.
بهذه العقيدة الصافية عزت الأمة وسادت، وفتحت البلاد وقادت العباد، ووالله ثم والله ثم والله لن تقوم للمسلمين قائمة إلا بتحقيق هذا الأصل العظيم، والجانب المهم في دينها القويم.
стр. 305
الحكمة من خلقنا
عباد الله: إياكم والغفلة عن سر خلق الله لكم في هذه الحياة، والإعراض عن حكمة وجودكم! فالله خلقكم في أحسن تقويم، وأمدكم بالسمع والبصر والفؤاد والعقل والجوارح؛ لا ليستكثر بكم من قلة، ولا ليتعزز بكم من ذلة، ولا ليستقوي بكم من ضعف، حاشاه سبحانه! بل خلقكم ابتلاءً وامتحاناً ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، فهل أدرك ذلك أصحاب التكاثر والتفاخر، وأهل المراتب والقصور والمراكب، وأرباب الثراء والمال، والمفتونون في الدنيا، والمتنعمون بالقوة والشباب والصحة والفراغ؟
أنسوا أن الله سبحانه جامع الناس ليوم لا ريب فيه؟!
في موقفٍ رهيب يقول ﷻ فيه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] أغفلوا عن يومٍ يجعل الولدان شيباً؟! يوم يجمع الله الأولين والآخرين لفصل القضاء، ففريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير، يوم تنصب الموازين وتتطاير الصحف، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله، كفى ركضاً وراء المادة، وجنوناً في حب الدرهم والدينار، إنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
стр. 306
أركان الدين
أيها المسلمون: يقوم صرح دينكم على أركانٍ خمسة، أهمها بعد الشهادتين الصلاة المفروضة، التي هي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، من حفظها فقد حفظ دينه، ومن تركها فلا حظ له في الإسلام، فحافظوا -رحمكم الله- على عمود دينكم، أقيموا الصلاة في أوقاتها، أدوها مع جماعة المسلمين في بيوت الله، حافظوا على أركانها وواجباتها وشروطها، وسننها وخشوعها، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإنه قوام الإسلام، وصمام الأمان في المجتمعات.
قوموا بواجب الدعوة إلى الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، أدوا زكاة أموالكم طيبةً بها نفوسكم، فما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، وإن في حياة الجفاف والقحط والجدب والمجاعة، وهلاك الزروع والثمار والمواشي التي أصابت المسلمين في هذا الزمن، عبرة لمن يعتبر وذكرى لمن يزدجر.
صوموا شهركم يا عباد الله! وحجوا فرضكم، وأفشوا السلام بينكم، واصبروا على ما أصابكم، وتعاونوا على البر والتقوى، قوموا ببر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء والأيتام، غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم وجوارحكم عن المحرمات، أوفوا المكاييل والموازين والمقاييس، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، وقروا اليمين بالله في الخصومات والمنازعات، احذروا الوقوع في المعاصي، فإن لها شؤماً عظيماً على المجتمعات، وتسلحوا بسلاح الإيمان والتقوى للخروج من مآزق الإيمان، والطرق الصادة عن الكتاب والسنة، اقضوا على المظاهر الاجتماعية المخالفة لتعاليم الإسلام، كغلاء المهور، ورد الأكفاء، والمغالاة في تكاليف الزواج، حلوا مشكلاتكم بأنفسكم، مستنيرين بهدي الكتاب والسنة، اجتنبوا ما حرم الله عليكم، من الشرك والقتل والسحر والشعوذة، وإتيان الكهان والعرافين، جددوا التوبة من ذنوبكم، احذروا الربا والزنا، والمسكرات والمخدرات، والرشوة والتزوير والغش والخديعة، اجتنبوا الغيبة والنميمة والكذب والبهتان وقول الزور والحديث في أعراض المسلمين، احذروا الحسد والأحقاد والضغائن والسخرية بالمسلمين، احذروا الرياء والسمعة، اصدقوا إذا حدثتم، أوفوا إذا عاهدتم، أدوا إذا أؤتمنتم، احرصوا على اجتماع القلوب، واسعوا في جمع الكلمة وتوحيد الصفوف: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
بارك الله لي ولكم في القرآن والعظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 307
من السنن في العيد
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، شهادة أرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالهدى واليقين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎ وأطيعوه، وراقبوه ولا تعصوه، واشكروه شكراً يوافي نعمه، ويكافئ مننه، والهجوا بالثناء والشكر لله جل وعلا، أن بلغكم هذا اليوم العظيم، وهذا الموسم الأغر الكريم، واعلموا -رحمكم الله- أن يومكم هذا يومٌ مبارك، رفع الله قدره وأعلى مكانه وأظهر فضله، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيداً للمسلمين، حجاجاً ومقيمين، في هذا اليوم يتكامل عِقد الحجيج بـ منى، بعد أن وقفوا بـ عرفة، وباتوا بـ مزدلفة، في هذا اليوم العظيم يتقرب المسلمون إلى ربهم؛ بذبح ضحاياهم اتباعاً لسنة الخليلين: إبراهيم ومحمدٍ صلى الله عليهما وسلم، فقد أمر الله خليله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه وفلذة كبده، فامتثل وسلم، لكن الله سبحانه بلطفه ورحمته فداه بذبحٍ عظيم، فكانت سنة جارية، وشرعةً سارية، عملها نبينا محمد ﷺ ، ورغب فيها، ففي الصحيحين ﴿أنه ﵊، ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر﴾.
ومن فضل الله على عباده أن يسر لهم في الأضاحي، حيث تجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، كما في حديث أبي أيوب ﵁.
فلنتق الله يا عباد الله! ولنحذر من البخل والشح في مال الله، فقد أعطانا الكثير وطلب منا القليل، ولنضحي في هذه الأيام المباركة عن أنفسنا وأهلينا وأبنائنا، ففضل الله واسعٌ وله الحمد والمنة، وليحذر من أراد أن يضحي من العيوب التي تمنع الإجزاء، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحاح، ولا يجزئ من الإبل إلا ماله خمس سنين، ومن البقر إلا ما له سنتان، ومن المعز إلا ما تم له سنة، ولا من الضأن إلا ما تم له نصف سنة، والسنة في نحر الإبل قائمةً معقولة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم على جنبها الأيسر، موجهةً إلى القبلة، ويقول عند ذبحها: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، والسنة أن يوزعها أثلاثاً، فيأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً ويتصدق بثلث، ووقت الذبح يمتد من بعد الفراغ من صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح من أقوال العلماء، فلا تحرموا أنفسكم ثواب الله في هذه الأيام المباركة، وتقربوا إلى الله بالعج والثج فما عمل في هذه الأيام المباركة عملٌ أحب إلى الله من إراقة الدم، وكثرة ذكره وتكبيره، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
стр. 308
أعمال الحج يوم العيد وبعده
حجاج بيت الله الحرام يفيضون في هذا اليوم إلى منى، لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، استناناً بسنة نبيكم ﷺ ، القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره، والحلق أفضل، وبعد ذلك يباح للمحرم كل شيء، حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويسمى هذا التحلل الأول، ويسن له بعد ذلك التطيب والتوجه إلى مكة لطواف الإفاضة وهو ركنٌ من أركان الحج لا يتم إلا به، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] ثم يسعى المتمتع سعي الحج، وكذلك المفرد والقارن إن لم يسعيا مع طواف القدوم، وبعد ذلك يرجع الحجاج إلى منى، للإقامة بها ليالي أيام التشريق، والرمي والمبيت ليالي أيام التشريق واجبٌ من واجبات الحج، ثم بعد الرمي في اليوم الأولين، من أيام التشريق، يجوز لمن أراد التعجل أن يخرج من منى قبل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث، فهو أفضل وأعظم أجراً، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].
فعليكم -عباد الله- بتطبيق سنة رسول الهدى ﷺ ، وشغل هذه الأيام المباركة بالذكر والتكبير، لقوله ﷺ : ﴿أيام التشريق، أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله ﴾ ثم إذا أردتم الرجوع إلى دياركم يجب أن تطوفوا للوداع، وهو واجبٌ من واجبات الحج، لحديث ابن عباس ﵄، قال: ﴿أُمر الناس أن يكون أخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض﴾ تقبل الله منكم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وعملنا وعملكم خالصاً صالحاً مقبولاً.
حجاج بيت الله الحرام: يا من لبيتم نداء ربكم! وجئتم إلى هذا المكان المبارك؛ تاركين أوطانكم وأموالكم، وأعمالكم وأولادكم، لبوا نداء ربكم في كل أمرٍ فاتبعوه، وفي كل نهيٍ فاجتنبوه، قولوها دائماً وأبداً: لبيك اللهم لبيك، إجابة بعد إجابة، في كل أمرٍ من أموركم، تذكروا باجتماعكم هذا يوم يجمع الله الأولين والآخرين مما يدفعكم إلى العمل بهذا العمل العظيم، ولتبقى عليكم آثار الحج المباركة بعد عودتكم إلى دياركم؛ بالاستمرار على طاعة الله، والبعد عن معاصيه، فإن مسئولية صلاحية المجتمعات، وأمانة العمل للإسلام، منوطة في عنق كل من انتسب للإسلام، كلٌ على حسب مكانته، فقادة المسلمين وولاة الأمر فيهم يطبقون في شعوبهم شرع الله، ويسوسون رعاياهم بحكم الله، وإن من التحدث بنعم الله، التنويه بما حبا الله هذه البلاد المباركة، من ولاة أمرٍ يعلنون الإسلام، ويعتزون به، ويحكمونه ويدعون إليه، وينصرون أهله ويقومون بخدمة الحرمين الشريفين، ويرعونهما إعماراً وتوسعةً وتطهيراً، صيانةً ونظافةً وتطويراً، ويتشرفون بخدمة حجاج بيت الله الحرام، فيذللون الصعاب أمامهم شقاً للطرق والأنفاق، وجلباً للماء العذب الزلال، وتوفيراً للمواد الغذائية، والتموينية والصحية، فولاة أمرنا -أيدهم الله بنصره وتوفيقه- حماة لهذا الدين، أنصارٌ لأهله، دعاة إلى عقيدة التوحيد، ينفذون شرع الله، ويطبقون حدوده، والله نسأل أن يثبتهم على الإسلام، ويزيدهم من الهدى والتوفيق، ويرزقهم البطانة الصالحة، إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 309
دور الدعاة في إصلاح المجتمع
هذا وإن من أكبر الوسائل لصلاح المجتمع قيام علماء المسلمين بواجبهم في الدعوة والبلاغ والبيان، وتعليم الشعوب الإسلامية أحكام دينهم، وإذا قصر أرباب هذا الشأن بواجبهم، ولم يرعوا العهد والميثاق الذي أخذه الله عليهم فإن الأحوال سوف تتفاقم شراً، وتزداد تدهوراً لا سمح الله.
стр. 310
دور الدعاة والشباب في الدعوة
على الدعاة إلى الله أن يجتمعوا صفوفهم، ويوحدوا كلمتهم، ويتنازلوا عن الخلافات الجانبية، فكفى فرقةً ونزاعاً، ولم يعد الوقت وقت خلافات ودعوةٍ للذات، ولا ريب أن ما قذف به العلم الحديث من الوسائل الجديدة وآلات التقنية الحديثة لا ريب أنه ينبغي أن تستغل لخدمة الإسلام، فوسائل الإعلام الحديثة يجب أن تسخر للدعوة إلى الله، ونبذ ما يخالف شريعة الله، وأن تكون صروحاً للدعوة إلى الفضيلة، والتحذير من الرذيلة، فيكفي عبرةً وعظة ما تموج به مجتمعات الفساد، ومستنقعات الرذيلة، مجتمعات الزهري والسيلان والهربز والإيدز، وعصابات المخدرات والمسكرات، وفلول المروجين والمهربين والمدمنين.
يجب على المسلمين أن يعنوا بالأسرة المسلمة، كنواة للتربية الصالحة، وتربةٍ خصبة للتعليم والتنشئة على الإسلام، كما يجب أن تكون الجرعات العلمية التي يتناولها أبناء المسلمين في مدارسهم وجامعاتهم قائمةً على إشباع نهم الطلبة من علم الكتاب والسنة، فهذا والله هو الطريق السليم لنصرة دينهم وخدمة بلادهم، مع أن هذا لا ينافي تضلعهم فيما يحتاجه المسلمون، من علم الطب والصناعة والاقتصاد وسواها.
أما شباب الإسلام، فمهمتهم هي المهمة الكبرى، وواجبهم في الاستقامة على هذا الدين كبيرٌ وعظيم.
الله الله أيها الشباب المسلم في سلوك طريق الإسلام الصحيح! لا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، استغلوا صحوة الأمة ورجعتها بالتوجه الصحيح للإسلام الصحيح الحق، لتعيدوا مجد أسلافكم، من شباب هذه الأمة وسلفها الصالح، وحذارِ من الاغترار بالصحة والفتوة، والاسترسال في حياة الترف والدعة فإنها أسبابٌ للغفلة عن الله والدار الآخرة.
стр. 311
دور المسلمة في الإسلام
وأنتِ أيتها الأخت المسلمة! اعلمي أن رسالتك في الإسلام عظيمة، يجتمع فيك حنان الأمومة وعطف الزوجية، ولَطَافة البنوة، وشفقة الأخوة، أنتِ في الإسلام اللؤلؤة المكنونة، والدرة المصونة، فواجبك على تقويم نفسك على شريعة الله، التزاماً بالحجاب والعفاف والحشمة والحياء، وفي أسرتك بالتربية الصحيحة، والعناية والرعاية الدقيقة، كل ذلك من المسئوليات العظيمة، الملقاة على عاتقك، فتفرغي لذلك، واحذري دعاة الضلال والسفور والإباحية، واعتزي بتمسكك بتعاليم دينك، التي تضمن لك عيشةً هانيةً رضية، في ظل المحافظة والستر والحياء، بعيداً عن الرذيلة والفساد والإباحية.
أمة الإسلام: بمعرفة كل فرد في المجتمع الإسلامي دوره في الصلاح والإصلاح، وتطبيق ذلك واقعاً عملياً يعود للإسلام عزه ومجده، وللمسلمين قوتهم ومكانتهم، وهذا أمل كل مسلم، وما ذلك على الله بعزيز.
فما علينا إلا أن نصدق مع الله، ونتوب إليه توبةً نصوحاً، ونفتح صفحةً جديدة للعمل بالإسلام، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة، صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم عليك بالشيوعيين والملحدين واليهود وسائر الكفرة المعاندين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!!
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم أيده بالإسلام، وأعزه بالإسلام، اللهم اجعل عمله في رضاك، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام، وصلاح المسلمين، اللهم اكتب على أيديهم جمع كلمة المسلمين يا رب العالمين!
اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره، جزاء ما قدموا ويقدمون لحجاج بيتك الحرام، اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم، وفي صحائف حسناتهم، يا حي يا قيوم!
اللهم ولِّ على المسلمين في كل مكان خيارهم، وأصلح قادتهم وعلماءهم وشبابهم ونساءهم، يا رب العالمين!
اللهم اجعل عيدنا سعيداً، وعملنا صالحاً رشيداً.
اللهم أعد هذا العيد السعيد على الأمة الإسلامية وهي ترفل بثوب العز والنصر على الأعداء يا قوي يا عزيز!
اللهم أقر أعيننا بإعادة المسجد الأقصى إلى بلاد المسلمين، ونصرة إخواننا المجاهدين في أفغانستان، وفي فلسطين، وفي غيرها من بلاد المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!
اللهم تقبل من حجاج بيتك الحرام مناسكهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أعنهم على الإتمام، وارزقهم القبول والتوفيق، يا حي يا قيوم! اللهم أعدهم إلى بلادهم سالمين غانمين مأجورين غير مأزورين.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار! ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم! وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 312
أخطاء شائعة في الصلاة
إن الصلاة التي تحكم الصلات بين المخلوق وخالقه، وتحقق الأثر البالغ في نفس المصلي؛ فتنهاه عن المنكر وتأمره بالمعروف وتعينه على أمور دينه ودنياه هي الصلاة الشرعية المقامة على ضوء معالم الكتاب العزيز والسنة النبوية، وذلك باستكمال آدابها ومستحباتها، وشروطها وأركانها.
والصلاة الشرعية تمثل دواءً ناجعاً للمشكلات النفسية، والتوترات العصبية، والقلق والاكتئاب.
стр. 313
الصلاة علاج روحي ناجع
الحمد لله، جعل الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات وغرة الطاعات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، أفضل البرية وسيد البشر، القائل فيما صح عنه من الخبر: ﴿وجُعلت قرة عيني في الصلاة﴾.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المُسداة، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: أقول بعد الوصية بتقوى الله: إن الإنسان في خضم مشاغل الحياة المادية، وما تورثه في النفس البشرية؛ من مشكلات نفسية، وتوترات عصبية، يحتاج حاجة ملحةً إلى ما ينفس عن مشاعره، ويفرج من لأْوَائِهِ ومصائبه، ويبعث في نفسه الطمأنينة القلبية، والراحة النفسية، بعيداً عن العُقد والقلق والاكتئاب، وهيهات أن يجد الإنسان ذلك إلا في ظل دين الإسلام، وعباداته العظيمة، التي تمثل دواءً روحياً ناجعاً، لا نظير له في الأدوية المادية!!
ألا وإن أعظم العبادات أثراً في ذلك: الصلاة بنوعيها: فرائض ونوافل، يقول الله سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
ويقول جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
ويقول النبي ﷺ لـ بلال ﵁: ﴿أقم الصلاة، أرحنا بها﴾ ﴿وكان ﵊ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ رواه: الإمام أحمد، وأبو داوُد عن حذيفة ﵁.
وما ذلك -يا عباد الله- إلا لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولأن للقيام بين يدي الله في الصلاة أثراً عظيماً في إصلاح النفس الإنسانية، بل وكافة المجتمعات البشرية.
ولكن -يا عباد الله- ما هي الصلاة التي تُحكم الصلات بين المخلوق وخالقه؟ ما هي الصلاة التي تحقق الأثر البالغ في نفس المصلي، فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتعينه على أمور دينه ودنياه، عملاً بالواجبات والمباحات, وبُعداً عن المحرمات والمكروهات؟
أهي الصلاة جسداً بلا روح؟
وقالَباً بدون قلب؟
وحركاتٍ بدون خشوع؟
وعادة لا عبادة؟
وصورة لا حقيقة؟
وألفاظاً ومبانٍ، لا مقاصد ومعانٍ؟
لا.
وكلا؛ ولكنها الصلاة الشرعية النبوية، المُقامة على ضوء معالم القرآن العزيز، ومنهاج السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
إن الصلاة التي يريدها الإسلام هي التي تمثل المعراج الروحي للمؤمن، حيث تعرج به روحه كلما قام لله مصلياً؛ في فريضة أو نافلة، منتقلة من عالم المادة إلى عالم السمو والطهر والصفاء والنقاء، وفي ذلك مصدر السعادة والسرور، ومبعث الطمأنينة والحبور.
إخوة الإسلام: لا يخفى على كل مسلم بحمد الله مكانة الصلاة في دين الله، ومنزلتها في شرع الله، فهي عمود الإسلام, والفاصل بين الكفر والإيمان، ومنزلتها في الإسلام بمنزلة الرأس من الجسد، فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له، لا دين لمن لا صلاة له والعياذ بالله، ونصوص الشرع في ذلك متظافرة بحمد الله.
وإذا كان الأمر بهذه الأهمية والخطورة، فإن الذي يحز في النفس، ويؤلم القلب، أنه لا يزال في عداد المنتسبين إلى الإسلام من لا يرفع رأساً بها، فما بال أقوام يعيشون بين ظهراني المسلمين، قد خف ميزان الصلاة عندهم، وطاش معيارها، بل لربما تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
فهل ينتهي أولئك قبل أن يحل بهم سخط الله، وتعاجلهم المنية، وهم على هذه الحال السيئة؟!
أيها الإخوة المصلون: لتهنكم الصلاة! ويا بشرى لكم بما شرح الله صدوركم لهذه الفريضة العظيمة! وهنيئاً لكم ثواب الله وفضله العاجل والآجل، لقيامكم بهذا الواجب الشرعي العظيم!
стр. 314
إرشاد إلى مسائل مهمة في الصلاة
يا أيها المصلون: لتعلموا أن للصلاة المقبولة شروطاً وأركاناً، وواجبات وآداباً، لا بد من الوفاء بها، كما أن هناك مسائل مهمة، وأخطاء شائعة في هذا الفريضة؛ يحتاج المصلون إلى أن يعوها ليطبقوها.
وقد ورد في المسند: ﴿إن أشد الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته﴾ وذلك بعدم تمام ركوعها وسجودها وخشوعها.
كما ورد: ﴿إن المصلي لينصرف من صلاته، وما كُتب له إلا ربعها، أو خمسها، حتى بلغ عشرها﴾.
وهذا يدعو المسلم المصلي إلى أن ينتبه لشأن صلاته، حتى لا يخسر الثواب ويبوء بالعقاب.
وهذه مسائل مهمة موجزة يحسن التنبيه عليها في هذا الموضوع:
الأمر الأول: الطهارة باطناً وظاهراً، فالطهارة شرط مهم للصلاة، ولا تقبل الصلاة إلا بها، فواجب المصلي أن يتعاهد أمر طهارته ووضوئه، فلا يتساهل في ذلك، ولا يزيد إلى حد الوسوسة.
ومما يؤسف له في ذلك أن بعض العامة لا يُعنى بالوضوء والطهارة، بل إن بعضهم ليتيمم مع قرب الماء، أو إمكان الوصول إليه، وهذا تفريط ظاهر.
الأمر الثاني: استقبال القبلة: وهو كذلك شرط مهم من شروط الصلاة، ومن كان في الحرم لزمه أن يتوجه إلى عين الكعبة، وبعض المصلين -هداهم الله- يجهل ذلك أو يتساهل فيه.
الأمر الثالث: ستر العورة: وهو كذلك من الشروط المهمة، وما يفعله بعض المصلين من التقصير في هذا الأمر بلبس الثياب الشفافة، أو السراويل القصيرة التي يُرى من خلالها لون البشرة وتُميز صفتها أمر ينبغي التنبه له.
والمرأة في الصلاة عليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها، إلا أن يكون عندها رجال من غير محارمها، أو تكون في المسجد الذي هو مظنة رؤية الرجال لها، فيجب عليها -والحالة هذه- أن تستر وجهها، وتأتي متبذلة محتشمة، غير متبرجة ولا متطيبة؛ لترجع مأجورة غير مأزورة.
الأمر الرابع: العناية بتسوية الصفوف: فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يسوي الصفوف بنفسه، كما ورد التشديد على من لمن يهتم بذلك، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿عباد الله! لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بين قلوبكم﴾ وهذه مسئوليةٌ ينبغي أن يتعاون عليها الإمام والمأموم، بالحث والتواصي؛ ولكن يُحذر الإيذاء، ويدفع العنت، وهذا من فقه المصلي وحكمته.
الأمر الخامس: لب الصلاة وروحها، ألا هو الخشوع فيها، يقول سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢].
فأين الخشوع عند أولئك المتكاسلين عنها، المستسهلين لها، الذين يتضايقون ويتبرمون ويودون الراحة منها؟!
وأين الخشوع عند أولئك المتشاغلين فيها؟ صلاتهم عبث وحركة، التفات وتمايُل، نقرٌ وعجلة، قلوبهم في كل وادٍ تهيم، وعقولهم في كل مكان تسرح، فصلاة كهذه خداج لا تمام.
فواجب المصلي أن يلازم الخشوع وحضور القلب، وأن يأخذ بالأسباب التي تعينه على ذلك، ويحذر الصوارف عنه.
والطمأنينة -أيها المصلون- ركن عظيم من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، وقد ابتلي كثير من الناس لضعف الإيمان، وقلة الفقه، وتمكن الدنيا في النفوس بالتساهل فيها والعياذ بالله، وقد قال النبي ﷺ للمسيء في صلاته؛ لسرعته وعدم طمأنينته: ﴿ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ﴾ متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
الأمر السادس الذي ينبغي التنبه إليه: وجوب متابعة الإمام، يقول ﵊: ﴿إنما جُعل الإمام ليؤتم به﴾ فلا يجوز التقدم عليه ومسابقته، بل إن ذلك قد يكون سبباً في رد الصلاة وبطلانها، وقد ورد الوعيد الشديد على مَن هذه حاله.
يقول ﵊ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ﴿أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار﴾.
وقال الإمام أحمد ﵀: ليس لمن سبق الإمام صلاة.
وأمرٌ هذه خطورتُه، وتلك عقوبته، ينبغي للمصلي أن يتنبه إليه جيداً، ولا يستهويه الشيطان -أعاذنا الله منه- الذي يريد أن يفسد على المصلين صلاتهم.
وحال كثير من المأمومين في هذا الأمر يؤلم ويؤسف، فالله المستعان!
فلنتق الله -يا عباد الله- في أمورنا عامة، وفي صلاتنا خاصة؛ فإن حظ المرء من الإسلام على قدر حظه من الصلاة، ولنفكر في حالنا ماذا جنينا من جراء التهاون بشعائر الإسلام كله، ولا سيما الصلاة؟!
إن أمةً لا يقف أفرادها بين يدي الله في الصلاة؛ لطلب الفضل والخير منه؛ لجديرة ألا تقف ثابتة في مواقف الخير والوحدة والنصر والقوة؛ لأن هذه كلها من عند الله وحده.
فإذا أصلحنا ما بيننا وبين الله، أصلح الله ما بيننا وبين الناس، وإن مَرَدَّ تَرَدِّي كثير من الأوضاع في شتى البقاع لِتَرَدِّي أبنائها في أودية المخالفات، وعدم القيام بما هو من أوجب الواجبات، ألا وهو الصلاة.
واللهُ المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويرزقهم الفقه في دينه، والبصيرة فيه، وأن يجعلهم محافظين على شعائر دينهم، معظمين لها، قائمين بعمودها على خير وجه، إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 315
السر في الأمر بإقامة الصلاة
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- واحرصوا على إقامة صلاتكم؛ فإنها نور لكم في الأرض، وذُخر لكم في السماء، وإن المتأمل في آيات التنزيل ليجد أن الأمر بالصلاة يأتي دائماً بأسلوب الإقامة، وفي ذلك زيادة معانٍ على مجرد الأداء؛ لأن الإقامة تعني الإتمام والعناية.
وإن مسئولية المصلين لعظيمة بالنسبة لأنفسهم تعاهداً لها، وعناية بها، وبالنسبة لغيرهم من معارف وأقارب، وأبناء وجيران؛ من حيث أمرهم ونصحهم في هذا الموضوع العظيم.
وعلى أئمة المساجد دور كبير؛ لأنهم يضطلعون بمهمة كبرى، فعليهم أن يقوموا بها عناية بالصلاة، وتفقيهاً بأحكامها وحِكَمِها على حسب قول المصطفى ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ ولا بد من تحقيق التعاون بين الأئمة والمأمومين، وذلك بقيام كل برسالته؛ لتتحقق النتائج المرجوة بإذن الله.
بقي ملحظ مهم في هذا الموضوع، وهو أن من المسائل التي فيها سعة، وقد وقع الخلاف فيها بين الأئمة؛ لا سيما في أمور السنن والمستحبات، لا ينبغي أبداً أن تكون محل شقاق ونزاع، وتنافرٍ بين المسلمين، كما لا يليق التشديد والإنكار فيها، ولا ينافي ذلك الحرص على السنة.
فاتقوا الله -عباد الله- وتفقهوا في أحكام دينكم.
وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير من قام بالصلاة، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك.
اللهم وفق جميع ولاة أمر المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجمع قلوبهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا قوي يا عزيز.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
ربنا اجعلنا مقيمي الصلاة، ومن ذريتنا، إنك أنت السميع العليم.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 316
ومن دخله كان آمنا
إن الله اختار مكة المكرمة لتكون مكاناً يعبد فيه وخصه عن سائر بقاع الأرض، فجعل في هذا المكان البركة في المطعم والمشرب، وجعل أفئدة الناس تهوي إليه، ومن خصائصه أيضاً أن الله جعله أمناً للخائف، وليس ذلك في عهد النبي ﷺ فقط، بل من قبل أن يأتي النبي ﷺ بمئات السنين، وما زالت حرمته إلى اليوم.
стр. 317
خصائص الحرم المكي
الحمد لله المتفرد بالخلق والاختيار، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] أحمده تعالى على نعمه الغزار، وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، سبحانه هو الله الواحد القهار، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى المختار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ واشكروه على نعمه الظاهرة والباطنة.
عباد الله: إن المتأمل في أحوال هذا الكون، يجد أنَّ من أعظم الدلائل على وحدانية الله، وأكبر الشواهد على ربوبيته وكمال حكمته وعلمه وقدرته، أنه جل وعلا يختار ما يشاء من الأشخاص والأمكنة، ويخص ما يريد من الأشياء والأزمنة، لمقاصد عُظمى تقوم عليها مصالح العباد، فلا شريك له سبحانه يختار كاختياره، ويدبر كتدبيره: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨].
ومن ذلك اختياره -سبحانه- للملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، فاصطفى -سبحانه- الأنبياء من ولد آدم، واختار الرسل منهم ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] واختار من الرسل أولي العزم، واختار من أولي العزم الخليلين إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام، ومن ذلك اختياره ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة، ثم اختار من بني كنانة قريش، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمداً ﷺ ، واختار له أصحاباً هم أفضل الأمة بعده، واختار أمته وفضلها على سائر الأمم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فلله القدرة النافذة، والحكمة البالغة فيما يخلق ويختار، وإن مما اختاره الله لعباده من الأمكنة المباركة هذا البلد الحرام، خير الأماكن وأشرف البقاع على الإطلاق، اختاره الله لنبيه محمد ﷺ ، وجعل عرصاته مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من كل فجٍ عميق، فيدخلونه متواضعين متذللين متجردين عن لباس أهل الدنيا.
стр. 318
الأمان لمن دخل البلد الحرام
عباد الله! لقد جعل الله هذا البلد حرماً آمناً، ومكاناً مباركاً، وهدى للعالمين، يجدون عنده الهدى بدين الله، هو أول بيتٍ وُضع في الأرض للعبادة، وخُصِّص لها، فلا يخرج به عنها بحال من الأحوال، من دخله كان آمناً، فهو بمثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض سواه، وقد بقي هكذا منذ أن رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل ﵉، وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وقد بقيت حُرمة هذا البيت سارية، وستبقى -بإذن الله- إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها وهو خير الوارثين، فقد حماه الله فلم يغلب عليه جبَّار، ولم يعلو فيه صوت على صوت الحق، ولم ترتفع فيه راية غير راية التوحيد، ولم يُرفع فيه شعارٌ مناهض للإسلام.
لقد كان الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أبيه أو أخيه في البلد الحرام والشهر الحرام فلا يعرض له، كيف وقد امتن الله بذلك على الناس بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] ويقول جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء﴾ [القصص:٥٧] بل لقد تعدَّى الأمر الإنسان إلى الحيوان والطير والنبات والزرع والشجر والمال والجماد، أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: ﴿إن هذا البلد! حرَّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُسفك فيه دم، ولا يُعضد فيه شوك، ولا يُنفَّر فيه صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرّفها﴾.
стр. 319
تكفير الذنوب وتعظيم الحسنات
كما جعل المولى -جل وعلا- قصد هذه البقعة المباركة؛ مكفراً للذنوب، ماحياً للأوزار، حاطاً للخطايا، بل لم يرضَ لقاصده ثواباً دون الجنة، فلو لم يكن هذا البلد الأمين خير البلاد وأحبها إلى الله لما جعلها مناسك لعباده، وفرض عليهم قصدها، وجعل ذلك ركناً من أركان الإسلام، وأقسم به جل وعلا في موضعين من كتابه الكريم، في سورتي البلد والتين، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على المستطيع السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها سواها، وجعل فيها من المقاصد والخصائص والمزايا الجم الوفير، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، كما في المسند والنسائي وابن حبان بسند صحيح، وهي قبلة المسلمين، ومهوى الأفئدة، ومهبط الوحي، ومهد الرسالة، ومنبع النور، ومصدر إشعاع الهدى للبشرية قاطبة.
стр. 320
الحرم منطقة أمن ودار سلام
إخوة الإيمان! لقد جعل الله للناس منطقة أمان، ودار سلام، وواحة اطمئنان، تلكم هي هذه البقاع الطاهرة، يستوي في ذلك جميع عباد الله ممن تشرَّف بالإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
ولقد كان النهج الأمني الذي شرعه الله في البيت الحرام سابقاً لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام يلقى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتُحقن فيها الدماء، ويجد كل مسلم فيها مأواه.
следующие страницы →