Полный текст (1 023 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
حقيقة محبته ﷺ
إن المعول -أيها المحبون رعاكم الله- على صدق المحبة ولوازمها وحقيقتها بالاتباع والاهتداء والتأسي والاقتداء، يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].
ومن الأسف أن أعداء الملة وخصوم السنة وسماسرة الخرافة، تمكنوا في غفلة من المصلحين أن يصدعوا البناء، ويشوبوا الصفاء، ويكدروا النقاء، ويتركوا دينهم لعباً ولهواً ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
فكيف -يا أحباب رسول الله ﷺ يترك ميراث النبوة نهباً للعوادي؟! وكيف يكون التبديل والتغيير في دين الله في غفلة وسكون؟! وكيف يمهد للجاهلية الأولى أن تعود من جديد؟!
ألا فليفقه المسلمون سيرة رسولهم ﷺ فقهاً مؤصلاً بالدليل والبرهان، والسير على منهج سلف الأمة ﵏، قبل أن تأخذ السبل الملتوية بهم فتطيح بهم بعيداً عن جادة الحق والهدى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤].
стр. 492
اتباع السنة هو مصدر عز الأمة وصلاحها
أمة الإسلام! لقد جربت الأمة هذه المظاهر والشكليات بعد انحسار القرون الثلاثة المفضلة، فلم تحقق عزة، ولم تورث منعاً، ولم تعد مقدسات، وإذا كانت الأمة في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها تتحدث عن سيرة المصطفى ﷺ ؛ فكيف يطيب الحديث والذكريات؟ وكيف يحلو الكلام والمناسبات ومقدسات المسلمين يعيث فيها أعداء الإسلام والمسلمين؟
كيف يجمد الحديد وأعداء الإسلام من الملحدين يصرون على صلفهم وعدوانهم ضد إخواننا في الشيشان المجاهدة؟ كيف يحلو الكلام وأعداء الإسلام من الوثنيين يمعنون في حقدهم السافر ضد إخواننا في كشمير؟ كيف وكيف وقضايا المسلمين معلقة وأوضاعهم متردية إلا من رحم الله؟ ألا حق أن نذرف الدموع الحراء على أحوال السنة الغراء!
إن الأمة بحاجة ماسة إلى تجديد المسار، وتصحيح المواقف، والوقوف طويلاً للمحاسبة والمراجعة، نريد من مطالعة السيرة ما يزيد الإيمان، ويزكي السريرة، ويعلو بالأخلاق، ويسمو بالقيم، ويقوم المسيرة.
ويخطئ كثيراً من يظن أن انتكاسات الأمم، وهزائم الشعوب، وزوال الحضارات؛ راجعٌ إلى ضعفٍ مادي، أو نقصٍ حربي أو تقني؛ ولكن الحقيقة أن ذلك راجع إلى التفريط في الثوابت ودخول النقص في المبادئ والمعتقدات.
إن عز الأمة وسعادتها وصلاحها وهدايتها مرهونٌ باتباع سنة المصطفى ﷺ ، وشواهد ذلك جلية في نصوص الشرع وحوادث التاريخ.
فيوم أن كانت الأمة متمسكة بإسلامها الحق، مهتدية بنور الوحيين، مقتفية آثار النبوة؛ دانت لها المشارق والمغارب، وتحققت لها العزة والمجد المؤثل، والشرف المؤصل اجتمعت كلمتها، وتوحدت صفوفها، ولم تجد البدع والأهواء طريقاً إلى مجتمعها وتمر القرون، وتمضي الأعصار والسنون، وتبتلى هذه الأمة بالفرقة والاختلاف في أمور دينها، حتى تسربت إلى صفوف الأمة ألوانٌ من العقائد المنحرفة، وتسللت عبر الحصون ضروبٌ من الطوق الفاسدة التي تشوش على الأمة في أعز ما تملك في عقيدتها، واتباعها وحبها لرسولها ﷺ ، وأضل سرادق الخرافة عقول كثيرٍ من أبناء أهل الديانة، مما يجسد المسئولية على حماة السنة وحراس الملة أن يهبوا من رقدتهم، ويبذلوا مزيداً من الجهود المنسقة في الدعوة إلى الكتاب والسنة، والتحذير مما يخالفها، والذب عن سنة المصطفى ﷺ تعلماً وتعليماً، ودعوة وجهاداً.
يقول الإمام النيسابوري ﵀: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله.
ألم يئن الأوان -يا أمة الإسلام- أن تجتمع القلوب، وتتوحد الدروب على الكتاب والسنة بمنهج سلف الأمة؟ وإذا كانت الأمة تعيش عصر الانفتاح والعولمة فإن ترميم بنائها من الداخل ضمانة -بإذن الله- لوجود الحصانة من التأثير السلبي ضد عقيدة الأمة وقيمها ومثلها، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق الاتباع، والحذر من الابتداع، ولو كان خيراً لسبقونا إليه والله المستعان!
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة:١٢٨ - ١٢٩].
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو البر الرحيم.
стр. 493
فضل الصحابة وآل البيت
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم كتابه المبين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل العاقبة الحميدة للمتقين المتبعين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة الأحبة في الله: إن شأن المسلم الحق التمسك بالثوابت التي كان عليها خير القرون، وهم سادات المحبين، ولا شك أنهم أحب لرسول الله ﷺ ممن جاء بعدهم، وهيهات أن يأتي أدعياء المحبة في أعقاب الزمن بمحدثاتٍ يزعمون أنها ترجمان المحبة، وهي لا تزيدهم من المحبة إلا بعداً، ولطالما كان سبباً في توسيع هوة الفرقة في الأمة، وإن من يدعو إلى الاعتصام بالوحيين داعية وفاق وخير للأمة، لا من يتعصب لهواه على حساب هداه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
أخي المحب المبارك: ومما يلحق بمنزلة المصطفى ﷺ المختار مكانة أهل بيته الأطهار، وصحابته الأبرار، وآله الأخيار، وزوجاته أمهات المؤمنين، وحبهم ومعرفة قدرهم وفضلهم جميعاً، وعدم تنقصهم أو الوقيعة بهم؛ فإن ذلك أمارة الخسران، والكف عما شجر بينهم؛ فإنه علامة الإيمان، والترضي عنهم جميعاً ﵃ وأرضاهم، وجمعنا بهم مع رسولنا الحبيب ﷺ في دار كرامته بمنه وكرمه.
стр. 494
فضل الصلاة والسلام على رسول الله
ألا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل ما تقرب به المتقربون، وعبر به الصادقون عن محبتهم لرسولهم ﷺ كثرة الصلاة والسلام عليه؛ فقد أمر الله بذلك بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، كما حث رسول الله ﷺ على ذلك وأخبر أن فيه الأجر العظيم، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ وروى الإمام أحمد والنسائي بسندٍ صحيح عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات﴾، ولما قال له أبي بن كعب ﵁: ﴿إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت -إلى قوله- أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك﴾ رواه الإمام أحمد والترمذي بسندٍ صحيح، والحاكم ووافقه الذهبي.
فيا من يريد الخير في الدارين! أكثر من الصلاة والسلام على سيد الثقلين، لكن ذلك الأجر مرهونٌ بالإخلاص والمتابعة، والالتزام بالصلوات المشروعة دون المبتدعة، وأجمعها الصلاة الإبراهيمية، التي يقرؤها المسلم في تشهده: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
فأكثروا -رحمكم الله- من الصلاة على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلاة متبعٍ له، مقتفٍ لسنته.
اللهم صل على محمدٍ ما ذكره الذاكرون الأبرار، وصل على محمد ما تعاقب الليل والنهار، وصل على محمدٍ وعلى المهاجرين والأنصار.
اللهم صل على نبينا محمد ما ازدهرت النجوم، وتلاحمت الغيوم.
اللهم صل وسلم على صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود.
اللهم صل وسلم وبارك على صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والمقام الأطهر، والمجد الأظهر.
اللهم ارزقنا شفاعته، وأوردنا حوضه، وأسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، إنك أكبر مسئول، وخير مأمول.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين،،واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين والمضطهدين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 495
مفاهيم صحيحة للإجازة
ناقش الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض المفاهيم التي تتعلق بواقع الناس في الإجازة الصيفية، وقد بين الآثار السلبية لغياب الضوابط الشرعية لاستغلال الإجازة.
стр. 496
الإجازة الصيفية ومهمة المسلم في الحياة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم على كل نفس بما كسبت، والرقيب على كل جارحة بما اجترحت، والمتفضل على عباده بنعمٍ توالت وكثرت، سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا الأرض تحركت أو سكنت، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الذي تمت ببعثته النبوة وختمت، وسطعت به أنوار الشريعة وكملت، وعلت به راية الملة وارتفعت، وحيرت معجزاته العقول وبهرت، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين زكت نفوسهم وطهرت، وعلت هممهم في نصرة الدين وانتهضت، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تلاحمت الغيوم وانسكبت، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- فما للنفوس لا تتزود من التقوى وهي مسافرة؟!
وما للهمم عن ركب المتقين فاترة؟!
وما للألسن عن شكر نعم الله قاصرة؟!
وما للعيون إلى زهرة الدنيا الفانية ناظرة، وعن طريق الهداية الواضحة حائرة؟!
ألا فاتقوا الله ربكم، وعظموا نواهيه وأوامره، وتدبروا آياته؛ فكم فيها من موعظة وعبرة زاجرة!
أيها المسلمون: متى ما استمسكت الأمة بعقيدتها وثوابتها؛ صلحت أحوالها، واستتبت أوضاعها، وتلاشت عن مجتمعاتها الظواهر المخالفة لدينها.
ومتى فرطت في إسلامها، وأرخت الزمام لأبنائها يخبطون خبط عشواء في دخيل الأفكار، وهزيل المناهج، ومستورد الثقافات، وانفتاح على العالم دون ضوابط شرعية وآدابٍ مرعية؛ تفشت بينها الظواهر المخالفة لشريعتها، مما يترك آثاراً سلبية على أفرادها ومجتمعاتها, ويحتاج إلى التصدي والعلاج من قبل الغيورين عليها، والمهتمين بشئونها وأوضاعها.
معاشر المسلمين: ظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، وقضية تربوية مهمة وخطيرة؛ هي برسم الخطط والمناهج وإعداد الدراسات والبرامج لتأصيلها والعناية بها حفية وجديرة، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حينما تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافحة على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيراً من الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات.
يوافق ذلك فرغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل، وحيث قد أعد كثير من الناس برامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثير منهم قد حزم حقائب السفر أو سافر فعلاً.
يترجم ذلك الكم الهائل المتهافت على مكاتب الحجوزات والمطارات للسفر عبر الأجواء والمحيطات، في مراكب تمخر عباب الجو والبحر والفيافي لشتى القارات، وقد أعد هؤلاء وأولئك أمتعة الترحال إلى هنالك وهناك.
لذا أستلطفكم -يا راعاكم الله- لنضع هذا القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مع إلماحة يسيرة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية، لهذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه المحاور الموجزة المهمة.
стр. 497
ثبات المسلم على مبادئه
المحور الأول: مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ فهي سر وجوده، ووسام عزه، وتاج شرفه، وإكسير سعادته، تلكم هي عبوديته لربه وتسخيره، كلما أفاء الله عليه بالقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وإن أمارة المسلم الحق: بقاؤه ثابتاً على مبادئه وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، فخوراً بمبادئه وثوابته، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فحيثما ما كان وحل، وأينما وجد وارتحل، فإنه يضع العبودية لله شعاره، وطاعته لربه دثاره، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه، الإيجابي في انتمائه.
ومن أسوأ ما أصيبت به الأمة في أعقاب الزمن: انتشار الانتماء السلبي وغلبة الفكر الهامشي الذي طغى على كثير من جوانب الحياة؛ مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجاً في تكوين شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعية ممقوتة، وانسياق محموم، ولهث مذموم، خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، حتى ضاعت عندهم الهوية الدينية، وفقدت معالم الشخصية الإسلامية.
مما يتطلب إذكاء روح العزة الإيمانية في نفوس أبناء الأمة المحمدية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 498
الوقت هو الحياة
المحور الثاني يا إخوة الإيمان: الوقت: فهو مادة الحياة، والزمن: فهو وعاء العمر، فالواجب استثماره في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه؛ فإن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر ﵊، خرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة ﵁.
يقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: السَّنَةُ شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها.
ألا فليعلم ذلك من أهدروا أوقاتهم، وبددوا أعمارهم في غير مرضاة مولاهم.
стр. 499
الفراغ سلاح ذو حدين
المحور الثالث: الفراغ: فهو نعمة من نعم الله، يجب شغله بكل وسيلة شرعية؛ وذلك بالقيام بالعبادة بمفهومها الواسع، أو على أقل تقدير بالأمور المباحة شرعاً دون ما هو محرم، ففيما أحل الله غنية عما حرم.
وقد أرشد المولى جل وعلا نبيه ﷺ بقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨].
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ خرجه البخاري من حديث ابن عباس ﵄.
ويقول ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها- وفراغك قبل شغلك﴾ خرجه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس ﵄.
وكم كان الفراغ سبباً في الانحراف بكل ضروبه، والفساد بشتى صوره، عند عدم استثماره فهو منّة ونعماء، لكن إذا استغل في معصية الله فهو نقمة وبلاء.
стр. 500
الترويح المباح
المحور الرابع يا إخوة العقيدة: الترفيه البريء والترويح المباح: لا غضاضة على الإنسان فيه؛ بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، كما في حديث حنظلة: ﴿ولكن ساعةً وساعة﴾.
يجب أن يكون لك ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعاً، فالإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً.
أما أن يستغل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل والمبادئ فلا.
وكلا!!
وإن رغمت أنوف من أناس فقل يا رب لا ترغم سواها
стр. 501
مع السفر والمسافرين
المحور الخامس: مع السفر والمسافرين: فالسفر في هذا الدين لا بأس فيه؛ بل قد يكون مطلوباً لمقاصد شرعية، يقول الثعالبي ﵀: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه إلى شكر نعمه.
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار
وقد قيل:
لا يصلح النفوس إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال
فالماء الدائم يأسن، والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لمل الناس منها.
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
стр. 502
من أحكام السفر
السفر في الإسلام له حدود مرعية، وضوابط شرعية، منها: أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة، وبؤر مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمة ضرورة مع القدرة على إظهار شعائر الإٍِسلام، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية، أخرج الترمذي وأبو داود بسند صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أنا بريء من رجل يبيت بين ظهراني المشركين﴾ وقد استثنى أهل العلم من ذلك الداعية إلى الله، والمضطر لعلاجٍ أو نحوه.
стр. 503
السياحة وآثارها
المحور السادس يا رعاكم الله: مع السياحة: وما أدراكم ما السياحة؟!
لفظة براقة، وعبارة أخاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقاً ومغرباً؛ جهاداً في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم وحسن تعاملهم.
стр. 504
السياحة المباحة والسياحة المحرمة
نعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي النبيل، إننا جميعاً مع السياحة بمفهومها النقي النظيف، المنضبط بالضوابط الشرعية، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كثراً، عبوا من ثقافة الغير حتى ثملوا، وزعموا -وبئسما زعموا- أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيام سوداء، وليال حمراء، ومجانبة للفضائل ونبذ للحياء، وإعلان بالفضائح ومجاهرة بالقبائح.
إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة، وإفرازاتها المنتنة، لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة، والمجتمعات المحافظة.
نعم لسياحة التأثير لا التأثر، والاعتزاز لا الاهتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفلات، كيف وقد ثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أن أعداء الإسلام يستهدفون أفواجاً من السياح المسلمين للوقيعة بهم، فيبهرونهم عن طريق الغزو الفكري والأخلاقي ببلادهم، ويستغلون كثيراً من السائحين اقتصادياً وأخلاقياً، ويجرونهم رويداً رويداً إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور، والتبرج والاختلاط والسفور.
بل قد يرجع بعضهم متنكراً لدينه ومجتمعه وبلاده وأمته، أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الهزبر والإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟!
إننا نناشد المسافرين والسائحين أن يتقوا الله في أنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم، ونقول لهم: قبل أن ترفعوا أقدامكم: فكروا أين تضعوها؟
فمن مشى غرة في موضع زلقاً
نعم.
سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا حجر عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم، داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثاً عن دين يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.
فكونوا أيها المسافرون سفراء لدينكم وبلادكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، كونوا دعاة لدينكم بأفعالكم وسلوككم، لا تبخلوا على أنفسكم باصطحاب رسائل تعريفية بالإسلام ومحاسنه وتعاليمه السمحة، فو الله: ﴿لَأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾.
стр. 505
سمعة المسلمين مرهونة بأخلاق سائحيهم
حذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات وصرعى ملذات!
بل أفهموه بسلوككم أنكم حملة رسالة، وأرباب أعلى هدف وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة وشريعة خالدة ودين يرعى العقيدة والمبادئ والقيم، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.
أمة الإسلام: ومما ينبغي التحذير منه براءةً للذمة، ونصحاً للأمة، ما تعمد إليه بعض الشركات والمؤسسات السياحية من الدعوة إلى السفر إلى بلاد موبوءة، وإظهارها بدعايات مزركشة، وإعلانات مزخرفة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب.
إنها تمثل قنابلَ موقوتةً، وألغاماً مخبوءة، لنسخ المبادئ ودوس القيم والأخلاق والفضائل.
ألا وإن من التحدث بنعم الله وشكر آلائه سبحانه ما حبا الله بلادنا المسلمة المباركة -حرسها الله- من مقومات شرعية وتأريخية وحضارية، تجعلها مؤهلة لتكون بلد السياحة النظيفة النقية، فهي -بإذن الله- قادرة على إعطاء مفهوم صحيح، ووجه مشرق للسياحة التي خيل لبعض المفتونين المنهزمين أنها صناعة الفجور والإباحية والانحلال.
أوليس الله قد منّ على بلادنا بالحرمين الشريفين مهوى أفئدة المسلمين ومحط أنظارهم؟!
أوليست بلادنا تنعم بحمد الله بالأجواء المتنوعة التي تشكل منظومة متألقة، ومجموعة متكاملة، يقل نظيرها في العالم؟!
فمن البقاع المقدسة إلى الشواطئ الجميلة، والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الحضارة المادية وإفرازاتها، إلى الجبال الشم الشاهقة ذات المنظر الجميل، والهواء العليل، والأودية الخلابة، والسهول الجذابة، والجداول المنسابة، مروراً بالمصائف الجميلة، والصحاري البديعة، والقمم الرفيعة، والوهاد الواسعة، والبطاح الشاسعة ذات الرمال الذهبية العجيبة.
وأهم من هذه المقومات المادية والحسية: المقومات المعنوية والمميزات الشرعية والخصائص الإسلامية والحضارية، والآداب العربية الأصيلة التي تحكي عبق التأريخ والحضارة المعطرة بالإيمان، الندية بالمروءة والإحسان.
فهل بعد ذلك يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير بتأثيرات عقدية وثقافية، وانحرافات أخلاقية وسلوكية، ومخاطر أمنية وأمراض صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي العقول والحجى؟!
وبذلك يتحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والنقاء، والفضيلة والخير والحياء، التمتع بأجواء سياحية مباحة، ويسد الطريق أمام الأبواق الناعقة والأقلام الحاقدة، التي تسعى لجر هذه البلاد المباركة وأهلها إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش أصالتها وثوابتها، فماذا يريد هؤلاء؟!
وماذا يقصد أولئك؟!
فلنشكر الله على نعمه وآلائه، ولنحافظ عليها بطاعته واتباع أوامره، حفظ الله لهذه البلاد عقيدتها وقيادتها، وأمنها وإيمانها من كيد الكائدين، وسائر بلاد المسلمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
стр. 506
الشباب والإجازة بين السلب والإيجاب
الحمد لله؛ أعاد وأبدى، وأنعم وأسدى، أحمده تعالى وأشكره على آلائه التي لا نحصي لها عداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكرمْ به رسولاً وعبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين أكسبهم شرفاً ومجداً، والتابعين ومن تبعهم بأمثل طريقة وأقوم سبيل وأهدى.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة الأحبة في الله! المحور السابع مع الشباب من الأبناء والبنات.
أهدي الشباب تحية الإكبار هم كنزنا الغالي وسر فخاري
هل كان أصحاب النبي محمد إلا شباباً شامخ الأفكار
الشباب عماد الأمة، وقلوبها النابضة، وشرايينها المتدفقة، وعقولها المتلألئة، هم جيل اليوم، ورجال المستقبل، وبناة الحضارة، وصناع الأمجاد، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فلا بد من تربيتهم تربية صحيحة شاملة، وشغل أوقاتهم بطريقة متوازنة، فهذه الأشهر التي يمرون بها في فراغ من المشاغل الدراسية النظامية لا بد أن يستثمرها أولياء أمورهم في برامج حافلة، تكسبهم المهارات، وتنمي فيهم القدرات، تقوي إيمانهم، وتثقل فكرهم، وتثري ثقافاتهم.
فأين الآباء والمربون عن إعداد البرامج الشرعية المباحة؟! وهي كثيرة بحمد الله، كحفظ كتاب الله واستظهار شيء من سنة رسوله ﷺ ، وتعلم العلم النافع، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام قديماً وحديثاً، والاطلاع على السير والتأريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة، وفي محافظة على دينهم وأخلاقهم، وصلة لأقاربهم وأرحامهم؛ حتى لا يقعوا فريسة في دهاليز الإنترنت، وشبكات المعلومات، وضحايا في سراديب القنوات والفضائيات، وأرصفة البطالة واللهو والمغريات.
стр. 507
الزواج ومنكرات الأفراح
ومما يسر المسلم أن تشغل الإجازة بالزواجات للشباب والفتيات، وتلك قضية مهمة، لكننا نوصي المسلمين بالتزام منهج الإسلام في ذلك، وعدم الخروج على تعاليمه بالإسراف والبذخ والمغالاة والسهر، والتكاليف الباهظة، والحذر من منكرات الأفراح التي يفعلها بعض ضعيفي الديانة هداهم الله!
ومن المحاور المهمة في هذه القضية: أن يعلم العبد أنه يُراقَبُ من قِبَلِ رَبِّه ومولاه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، إن الله كان عليكم رقيباً.
ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!
стр. 508
الشعور بآلام المسلمين
أمة الإسلام: وأهم هذه المحاور: أن المسلم المرتبط بإسلامه وإيمانه يكون شعوره مع شعور إخوانه المسلمين، يتذكر أحوالهم ومآسيهم؛ لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد، فهل من الإحساس بشعورهم إهمال قضاياهم؟!
أين الأحاسيس المرهفة، والمشاعر الفياضة؟!
أين الذين يفكرون بأحوال إخوانهم في العقيدة، ويهتمون بمقدسات الأمة وما يمر به المسجد الأقصى المبارك، وما تضج به فلسطين المسلمة؛ حيث شلالات الدم المتدفقة هذه الأيام؟!
وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية واليهودية الدولية بخافٍ على ذوي النخوة والمروءة.
وقل مثل ذلك في الشيشان الصامدة، وكشمير المجاهدة، في الوقت الذي يفكر فيه كثيرون بالتمتع بإجازاتهم في منتجعات ليست للكرام ولا كرامة، فالله المستعان!
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى طراً، وأفضل الخليقة شرفاً وطهراً، صلاةً تكون لكم يوم القيامة ذخراً، فقد أمركم بذلك ربكم ﵎ في تنزيل يتلى ويقرا، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وادحر الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم عليك باليهود المعتدين، وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم اهتك أستارهم، وافضح أخبارهم، وأبن عوارهم، يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم إنا نسألك عيش السعداء, ونزل الشهداء، والنصر على الأعداء، يا سميع الدعاء!
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسائر الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 509
نهاية العام دروس ووقفات
ما أسرع مرور الأيام والليالي؛ فها نحن في نهاية عام هجري، وبهذه المناسبة نتذكر هجرة النبي ﷺ ، وكيف أن هذه الحادثة غيرت مجرى التاريخ.
وفي هذا الدرس ذكر الشيخ حفظه الله دروساً ومواقف من الهجرة النبوية، كما تحدث عن فضل شهر الله المحرم وصيام يوم عاشوراء.
стр. 510
دروس ومواقف من الهجرة النبوية
الحمد لله مقدر المقدور، ومصرِّف الأيام والشهور، ومجري الأعوام والدهور، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، إليه تصير الأمور، وهو العفو الغفور.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنفع صاحبها يوم يُبَعْثر ما في القبور، ويُحَصَّل ما في الصدور، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المجتبى، والحبيب المصطفى، والعبد الشكور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما امتدت البحور، وتعاقب العشي والبكور، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم النشور، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فهي أربح المكاسب، وأجزل المواهب، وأسمى المناقب، وبها تنال أعلى المراتب، وتتحقق أعظم المطالب.
عباد الله: تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام إشراقة سنة هجرية جديدة، وإطلالة عام مبارك بإذن الله، بعد أن أفلت شمسُ عام كامل مضى بأفراحه وأتراحه، فقوِّضت خيامه، وتصرَّمت أيامه، فالله المستعان عباد الله!
ما أسرع مرور الليالي والأيام! وتصرُّم الشهور والأعوام! لكن الموفق الملهم من أخذ من ذلك دروساً وعبراً، واستفاد منه مُدَّكَراً ومُزدَجَراً، وتزود من الممر للمقر؛ فإلى الله سبحانه المرجع والمستقر، والكيس المُسَدَّد مَن حاذَرَ الغفلة عن الدار الآخرة، حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غرة، فيكون بعد ذلك عظة وعبرة، واللهَ نسأل أن يجعل من هذا العام نصرة للإسلام والمسلمين، وصلاحاً لأحوالهم في كل مكان، وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالخير والنصر والتمكين إنه جواد كريم.
إخوة الإسلام: حديث المناسبة في مطلع كل عام هجري ما سطره تأريخنا الإسلامي المجيد من أحداث عظمية، ووقائع جسيمة، لها مكانتها الإسلامية، ولها آثارها البليغة في عزِّ هذه الأمة وقوتها، وصلاح شريعتها لكل زمان ومكان، وسعيها في تحقيق مصالح العباد، في أمور المعاش والمعاد.
معاشر المسلمين: ما أجمل أن نشير إشارات عابرة لعدد من القضايا المهمة الجديرة بالإشادة والتذكير ونحن في بداية هذا العام الجديد؛ علها تكون سبباً في شحذ الهمم، واستنهاض العزمات، للتمسك الجاد بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وحاملة على الاتعاظ والاعتبار، ووقفات المحاسبة الدقيقة، ونظرات المراجعة المستديمة في الأمة؛ تجريداً للمواقف، وإصلاحاً للمناهج، وتقويماً للمسيرة في كافة جوانبها.
стр. 511
العقيدة الإسلامية هي الرابطة التي لا تنقطع
أمة الإسلام: ودرس آخر من دروس الهجرة النبوية يتجلى في أن عقيدة التوحيد هي الرابطة التي تتضاءل أمامها الانتماءات القومية، والتمايزات القبلية، والعلاقات الحزبية.
إن طريق الأمة للتبجيل والتكريم مدين بولائها لعقيدتها، وارتباطها بمبادئها.
يُقال ذلك -أيها المسلمون- وفي الأمة في أعقاب الزمن منهزمون كُثُر أمام تيارات إلحادية وافدة، ومبادئ عصرية زائفة، تُرفَع شعارات مصطنعة، وتطلق نداءات خادعة، لم يجنِ أهلها من ورائها إلا الذل والصغار، والمهانة والتبار، والشقاء والبوار؛ فأهواء في الاعتقاد، ومذاهب في السياسة، ومشارب في الاجتماع والاقتصاد، كانت نتيجتها التخلف المهين، والتمزق المشين.
وفي خضم هذا الواقع المزري يحق لنا أن نتساءل بحرقة وأسى: أين دروس الهجرة في التوحيد والوحدة؟!
أين أخوة المهاجرين والأنصار من شعارات حقوق الإنسان المعاصرة ومدنيته الزائفة؟!
فقولوا لي بربكم: أي نظام راعى حقوق الإنسان وكرمه أحسن تكريم، وكفل حقوقه كهذا الدين القويم؟!
فلتصغ منظماتُ حقوق الإنسان العالمية إلى هذه الحقائق، وتطَّرح الشائعات المغرضة عن الإسلام وأهله وبلاده؛ إن أرادت توخي الصدق والموضوعية.
стр. 512
الهجرة النبوية تغيير لمجرى التاريخ
إخوة العقيدة: وأول هذه الإشارات مع حدث الساعة وحديثها، الحدث الذي غير مجرى التاريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء.
إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقاً للنصر والعزة ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيساً في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات، والآثار النيرات، والدروس والعبر البالغات، ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق؛ لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها ولا صلاح لأحوالها؛ إلا بالتمسك بإسلامها، والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق بشيراً ونذيراً ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين.
وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين.
إذا تحقق ذلك -أيها المسلمون- وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة، وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به، والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة، والصراع العالمي العنيف، فالقوة لله جميعاً، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
стр. 513
عزة الأمة تكمن في تحقيق كلمة التوحيد
أمة التوحيد والوحدة: لقد أكدت دروس الهجرة النبوية أن عزة الأمة تكمن في تحقيق كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة عليها، وأن أي تفريط في أمر العقيدة، أو تقصير في أخوة الدين مآله ضعف الأفراد، وتفكك المجتمع، وهزيمة الأمة.
وإن المتأمل في هزائم الأمم وانتكاسات الشعوب عبر التاريخ؛ يجد أن مرد ذلك إلى التفريط في أمر العقيدة، والتساهل في جانب الثوابت المعنوية، مهما تقدمت الوسائل المادية.
وقوة الإيمان تفعل الأعاجيب، وتجعل المؤمن صادقاً في الثقة بالله، والاطمئنان إليه، والاتكال عليه، لا سيما في الشدائد.
ينظر أبو بكر الصديق ﵁ إلى مواضع أقدام المشركين حول الغار، فيقول: ﴿يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فيجيبه ﷺ -جواب الواثق بنصر الله-: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!﴾ الله أكبر! ما أعظم لطف الله بعباده، ونصره لأوليائه!
وفي هذا درس بليغ لدعاة الحق وأهل الإصلاح في الأمة: أنه مهما احلولكت الظلمات فوعد الله آت لا محالة: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠].
стр. 514
دروس من مواقف التضحية والفداء في الهجرة
إن هذه الإلماحة إلى درس الهجرة في التضحية والبذل والفداء، ومراعاة كرامة الإنسان والحفاظ على حريته وحقوقه يجر -يا رعاكم الله- إلى تذكر أحوال إخواننا في العقيدة، في بقاع شتى من العالم، حيث حلت بهم مصائب وبلايا، ونكبات ورزايا.
سائلوا أرض النبوَّات، ومهد الحضارات، ومنطلق الرسالات، وبلاد المعجزات؛ فلسطين المجاهدة: ماذا تعاني من صلف يهودي سافر، ومن حقد صهيوني أرعن؟!
سائلوا الشيشان وكشمير وغيرهما عن الأوضاع المأساوية؟
علَّ دروس الهجرة النبوية تحرك نخوة، وتشحذ همة، وتنهض عزماً، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 515
موقف عبد الله بن أبي بكر
إخوة الإيمان: في مجال تربية الشباب والمرأة، وميدان البيت والأسرة، يبرز الأثر العظيم في حدث الهجرة المصطفوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ففي موقف عبد الله بن أبي بكر ﵄ في خدمة ونصرة صاحب الهجرة ﵊ -بأبي هو وأمي- ما يجلي أثر الشباب في الدعوة، ودورهم في الأمة ونصرة الدين والملة.
أين هذا مما ينادي به بعض المحسوبين على فكر الأمة وثقافتها من تخدير الشباب بالشهوات، وجعلهم فريسة لمهازل القنوات، وشبكات المعلومات في الوقت الذي يُعدُّون فيه للاضطلاع بأغلى المهمات بالحفاظ على الدين والقيم والثبات على الأخلاق والمبادئ أمام المتغيرات المتسارعة، ودعاوى العولمة المفضوحة؟
стр. 516
موقف أسماء بنت أبي بكر
أيها الإخوة والأخوات: وفي موقف أسماء بنت أبي بكر ﵂ -ورضي الله عن آل أبي بكر وأرضاهم- ما يجلي دور المرأة المسلمة في خدمتها لدينها ودعوتها، فأين هذا من دُعاة المدنية المأفونة الذين أجلبوا على المرأة بخيلهم ورجلهم، زاعمين -زوراً وبهتاناً- أن تمسك المرأة بثوابتها وقيمها، واعتزازها بحجابها وعفافها؛ تقييد لحريتها وفقد لشخصيتها؟! وبئس ما زعموا.
خرجت المرأة من البيت تبحث عن سعادة موهومة، وتقدمية مزعومة، وهي تظنها في الأسواق والشوارع والملاهي والمصانع، فرجعت مسلوبة الشرف، مدنسة العرض، مغتصبة الحقوق، عديمة الحياء، موءودة الغيرة، وتلك صورة من صور إنسانيات العصر المزعومة، وحريته المأفونة، ومدنيته المدعاة.
ألا فليعلم ذلك اللاهثون واللاهثاث وراء السراب الخادع، والسائرون خلف الأوهام الكاذبة.
стр. 517
التاريخ الهجري في حياة المسلمين
أيها الأحبة في الله: وإشارة أخرى إلى أمر يتعلق بحدث الهجرة النبوية في قضية تعبر بجلاء عن اعتزاز هذه الأمة بشخصيتها الإسلامية، وتثبت للعالم بأسره استقلال هذه الأمة بمنهجها المتميز المستقى من عقيدتها وتاريخها وحضارتها، إنها قضية إسلامية وسنة عُمَرية، أجمع عليها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁، إنها التوقيت والتاريخ بالهجرة النبوية المباركة.
وكم لهذه القضية من مغزىً عظيم يجدر بأمة الإسلام اليوم تذكره والتقيد به؟! كيف وقد فُتن بعض أبنائها بتقليد غير المسلمين والتشبه بهم في تاريخهم وأعيادهم؟! أين عزة الإسلام؟! وأين هي شخصية المسلمين؟! هل ذابت في خضم مغريات الحياة؟!
فإلى الذين تنكروا لثوابتهم، وخدشوا بهاء هويتهم، وعملوا على إلغاء ذاكرة أمتهم، وتهافتوا تهافتاً مذموماً، وانساقوا انسياقاً محموماً خلف خصومهم، وذابوا وتميعوا أمام أعدائهم.
ننادي نداء المحبة والإشفاق: رويدكم، فنحن أمة ذات أمجاد وأصالة، وتاريخ وحضارة، ومنهج متميز منبثق من كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ .
فلا مساومة على شيء من عقيدتنا وثوابتنا وتاريخنا، ولسنا بحاجة إلى تقليد غيرنا، بل إن غيرنا في الحقيقة بحاجة إلى أن يستفيد من أصالتنا وحضارتنا؛ لكنه التقليد والتبعية، والمجاراة والانهزامية، والتشبه الأعمى من بعض المسلمين هداهم الله، وقد حذر ﷺ أمته من ذلك بقوله فيما أخرج الإمام أحمد، وأهل السنن: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ والله المستعان!
стр. 518
فضل شهر الله المحرم
أيها الإخوة المسلمون: وثالث هذه الإشارات إلى حدث عظيم في شهر الله المحرم، فيه درس بليغ على نصرة الله لأوليائه، وانتقامه من أعدائه مهما تطاول، إنه حدث قديم؛ لكنه بمغزاه متجدد عبر الأمصار والأعصار.
إنه يوم انتصار نبي الله وكليمه موسى ﵇، وهلاك فرعون الطاغية، وكم في هذه القصة من الدروس والعبر والعظات والفكر للدعاة إلى الله في كل زمان ومكان؟! فمهما بلغ الكيد والأذى والظلم والتسلط فإن نصر الله قريب، ويا لها من عبرة لكل عدو لله ولرسوله ممن مشى على درب فرعون؛ أن الله منتقم من الطغاة الظالمين، طال الزمان أو قصر!
فيوم الهجرة ويوم عاشوراء يومان من أيام النصر الخالدة.
ألا فليقر أعيناً بذلك أهلُ الحق ودُعاتُه، فالعاقبة للمتقين، وليتنبه لذلك قبل فوات الأوان أهلُ الباطل ودُعاتُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] وإن في الحوادث لَعِبَراً، وإن في التاريخ لَخَبَراً، وإن في الآيات لَنُذُراً، وإن في القصص والأخبار لَمُدَّكَراً ومُزْدَجَراً: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١].
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمالنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم اجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا إنك خير مسئول وأكرم مأمول.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل الذنوب والخطايا والسيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان تواباً.
стр. 519
فضل صيام يوم عاشوراء
стр. 520
فضل صيام يوم عاشوراء
الحمد لله الملك القدوس السلام، مجري الليالي والأيام، ومجدد الشهور والأعوام، أحمده تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل شهر المحرم فاتحة شهور العام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الأنام، وبدر التمام، ومسك الختام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله: وتمسكوا بدينكم، فهو عصمة أمركم، وتاج عزكم، ورمز قوتكم، وسبب نصركم.
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة في الله: إشارة رابعة إلى فاتحة شهور العام؛ شهر الله المحرم، إنه من أعظم شهور الله جل وعلا، عظيم المكانة، قديم الحرمة، رأس العام، من أشهر الله الحرم، فيه نصر الله موسى وقومه على فرعون وملئه.
ومن فضائله: أن الأعمال الصالحة فيه لها فضل عظيم، لا سيما الصيام، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل﴾.
وأفضل أيام هذا الشهر -يا عباد الله- يوم عاشوراء، في الصحيحين: عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿قدم النبي ﷺ المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال ﷺ : نحن أحق بموسى منكم، فصامه ﷺ وأمر بصيامه﴾.
وفي صحيح مسلم: عن أبي قتادة ﵁، أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: ﴿أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله﴾ الله أكبر! يا له من فضل عظيم، لا يفوته إلا محروم!
وقد عزم ﷺ على أن يصوم يوماً قبله مخالفة لأهل الكتاب، فقال ﷺ : ﴿لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع﴾ خرَّجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄.
لذا فيستحب للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم اقتداءً بأنبياء الله، وطلباً لثواب الله، وأن يصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده مخالفة لليهود، وعملاً بما استقرت عليه سنة المصطفى ﷺ .
فياله من عمل قليل، وأجر كبير وكثير من المنعم المتفضل سبحانه!
إن ذلك -أيها الأحبة في الله- لَمِن شُكْر الله على نعمه، واستفتاح هذا العام بعمل من أفضل الأعمال الصالحة التي يُرجى فيها ثواب الله ، والكيِّس الواعي والحصيف اللبيب يدرك أنه كسب عظيم ينبغي أن يتوج به صحائف أعماله.
فيا لَفوز المشمرين!
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم بمنه وكرمه.
هذا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل الطاعات، وأشرف القربات، كثرة صلاتكم وسلامكم على خير البريات، صاحب المعجزات الباهرات، والآيات البينات، فقد أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، ذوي المقام العلي؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق إمامنا وولي أمرنا.
اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ .
اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم مجري السحاب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، اهزم أعداء الدين يا رب العالمين.
اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك.
اللهم أنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق.
اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وكشمير، والشيشان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسن، وقنا عذاب النار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 521
وقفة قبل أن تسافر !!
إن للسفر فوائد كثيرة منها: الترويح عن النفس، والتفكر في مخلوقات الله وغيرها الكثير، ولكن بعض الناس جعل السفر وسيلة لارتكاب المحرمات والفواحش.
وقد تحدث الشيخ حفظه الله عن السفر واضعاً إياه في الميزان الشرعي، فذكر أحكامه، وضوابطه، وبعض آدابه، وذكر بعض الوصايا للمسافر، كما ذكر بعض محاذير السفر ثم دعا للسفر والسياحة إلى بلاد الحرمين، وذكر بعض مميزاتها.
стр. 522
الرحلات في ميزان الشريعة
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور النهار على الليل ومكور الليل على النهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الأنصار، وعمر الأرض بالديار، وباعد بين الأقطار، وكتب على الناس الأسفار، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى المختار، خير من حل وارتحل، ومكث وانتقل وسار ونزل، أقام فكان الخير في إقامته، ورحل فكان الظفر في رحلته، دلنا على الخير في سفرنا وحضرنا، وإقامتنا وظعننا، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الأبرار، ومن اهتدى بهديه وسار على أثره واقتدى به في حضره وسفره ما تعاقب الجديدان الليل والنهار.
أما بعد:
فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله في كل ما نأتي ونذر، والاستجابة له سبحانه في كل ما نهى وأمر، ولزوم تقواه في الحضر والسفر، لتكن التقوى شعارنا ودثارنا: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾.
أيها المسلمون: قضية مهمة وخطيرة، وظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، جديرة برسم الخطط والمناهج، وإعداد العدد والبرامج لتأصيلها والعناية بها، وبذل مزيدٍ من الجهد حيالها والاهتمام بها، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حين تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافح على بعض أقطار المعمورة؛ مما يحمل كثيراً من الناس إلى الهروب على المصائف والمتنزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات؛ تذهب إلى المطارات فتجد ركاماً من البشر وفئاماً من الناس يسابقون الريح، وينافسون الآلات سرعة واشتغالاً، قد حملوا حقائبهم، ونقلوا أغراضهم، وأعدوا عدتهم لأسفارٍ كثيرة، ورحلاتٍ طويلة؛ اشرأبت أعناقهم وتطلعت أنفسهم إلى سياحة أثيرة، وتنقلاتٍ مثيرة، مع تباينٍ في حقيقة أسفارهم، واختلافٍ في آرائهم وأفكارهم.
ويتملكك العجب وأنت تقرأ عن السفر والمسافرين الإحصاءات المذهلة، والأرقام الهائلة، ولا ينتهي عجبك وأنت ترى تلك الوفود وقد أقفلت الحجوزات، وتزاحمت على البوابات، وتسارعت لامتطاء المركبات، وكل ما يستهويهم هو تحقيق الرغبات، بل لعل بضعهم ينسى في سبيل ذلك عقيدته وقيمه وأخلاقه، فيجعلها في عداد المخلفين والمخلفات، ولا يمنحها تأشيرة سفرٍ معه، فينزع رداء التقوى وجلباب الحياء قبل أن يطاول الفضاء.
وفي خضم هذه المشاهد والمناظر، ودوامة تلك الأحوال والمظاهر، وحيث إن الإجازة الصيفية هي الوقت الذي يحلو فيه السفر، وتعذب فيه الرحلات، ويحرك في عصى الحل والترحال، والسفر والانتقال، تعالوا -يا رعاكم الله- لنضع هذه القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مع إلماحة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية في هذه القضية الواقعية، ولنذكِّر أنفسنا وإخواننا المسلمين ببعض الوصايا النافعة، والملامح الماتعة، التي ينبغي أن يتذكرها المسافرون في أسفارهم، والمرتحلون في تنقلاتهم.
стр. 523
إباحة الترويح على النفس
إخوة العقيدة: إن الإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا على أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم وأن يعملوا بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً، فالترفيه البريء والترويح المباح لا غضاضة على الإنسان فيه، بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، وأهدافٍِ مرعية، لكن يجب أن يكون كل ترفيه وترويح في حدود ما هو مباحٌ شرعاً، أما أن يستغل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل، فلا.
وكلا!!
стр. 524
الأسفار في الإسلام
أيها الإخوة المسلمون: إن السفر في الإسلام لا بأس به، بل قد يكون مطلوباً لأغراض شرعية.
يقول الثعالبي ﵀: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه شكراً على نعمه، وقد قيل:
لا يصلح النفوس إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال
إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملها الناس من عجم ومن عرب
стр. 525
الضوابط الشرعية للسفر
لكن السفر في الإسلام له حدودٌ مرعية، وضوابط شرعية منها:
أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاعٍ موضوعة، ومستنقعاتٍ محمومة، وأماكن مشبوهة فلا.
ما لم يكن ثَم ضرورة، مع المحافظة على شعائر الإسلام، لاسيما الصلاة، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية؟!
وقد ذكر أهل العلم شروطاً ثلاثة لجواز السفر إلى بلاد غير المسلمين:
أولها: أن يكون عند الإنسان دينٌ يدفع به الشهوات.
ثانيها: أن يكون عنده علمٌ يدفع به الشبهات.
ثالثها: الضرورة الشرعية كعلاجٍ ونحوه.
فيا أيها المسافرون: هلا سألتم أنفسكم إلى أين تسافرون؟
ولماذا تسافرون؟ أفي طاعة الله أسفاركم، أم إلى معصيته ارتحالكم؟
فإذا كان سفركم طاعة لله في منع ما يسخط الله فالحمد لله، وامضوا على بركة الله تكلؤكم عناية الله، وإن كان سفركم في معصية الله وفي غير طاعته ورضاه فاتقوا الله واستحيوا من الله، فإنه يراكم ومطلع عليكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
يا أيها المسافرون: اجعلوا سفركم ابتغاء مرضاة الله، وإن كنتم تنوون في أسفاركم المعاصي فأنتم مدعوون إلى الرجوع عنها وتغيير هذه النية السيئة، مدعوون إلى التوبة والإنابة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨].
أخي المسافر المبارك: إن المسلم الواعي هو من أعمل فكره، وأخذ من أحداث الناس عبرة، فكم من أناسٍ سافروا طلباً لاقتراف الحرام، وبحثاً عن المعاصي وقبيح الآثام، فكان جزاؤهم الخيبة والخسران، أصابتهم الأمراض المستعصية، وانتقلت إليهم الجراثيم المعدية، بما كسبت أيديهم، وبما اقترفوا من معصية باريهم.
أتفرح بالذنوب وبالمعاصي وتنسى يوم يأخذ بالنواصي
стр. 526
وصايا للمسافر
أيها المسافرون: تحلوا بآداب السفر، قدموا الاستخارة والاستشارة، ولا تنسوا دعاء السفر، وحسن اختيار الرفيق، وتفقد المركبة، والأخذ بوسائل السلامة والأمان، وعدم تجاوز السرعة النظامية، فإن في الحوادث -لاسيما حوادث السيارات- لعبراً عليكم بأداء حق الطريق، والمحافظة على البيئة، واجعلوا سفركم دراسة في سفر الحياة، وقراءة وتدبراً في دفتر الكون.
وكتابي الفضاء أقرأ منه سوراً ما قرأتها في كتابي
وتفكراً في ملكوت الله وعظيم خلقه وبديع صنعه.
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار
أيها المسافرون: ولما كان السفر قطعة من العذاب كما أخبر به المصطفى الأواب، فيما أخرجه الشيخان في صحيحهما؛ جعل الله له رخصاً تيسره مِنَّة منه ورحمة، فاحرصوا على الأخذ برخص السفر؛ فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.
واقتفوا هدي نبيكم ﷺ في السفر، فقد كان من هديه ﷺ قصر الصلاة الرباعية ركعتين، وإذا اشتد به السفر جمع بين الظهرين والعشائين، وكان يقتصر على صلاة الفريضة، ولم يكن يصلي الراتبة إلا الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن يدعهما حضراً ولا سفراً.
ورخص للمسافر أن يمسح على الخفين ثلاثة أيامٍ بلياليها، ونهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، خرَّجه الشيخان في صحيحيهما.
стр. 527
محاذير في السفر
أخي المسافر الكريم: تجنب المحاذير الشرعية من منكرات الحظر والسفر التي نهانا عنها الله جلَّ وعلا في كتابه، وحذرنا منها رسوله ﷺ ؛ تجنب الشرك بالله، فلا تخف إلا الله، ولا ترجو إلا الله، فلا تسافر إلى الأضرحة والقبور، ولا تدع أحداً من دون الله.
إياك والربا، اجتنب المرابين والربا، ولا تقربوا الزنا فإنه من أقبح الأمور وأعظم الآثار والشرور.
حذاري من الخمور والمسكرات وتعاطي المخدرات، فإنها خرابٌ للدين ودمارٌ للعقل، وكيف يسعى في جنونٍ مَنْ عَقِل إنها بغيضة إلى الرحمن، ورجسٌ من عمل الشيطان.
لا تتعامل بالحرام، ولا تتاجر فيما يسخط الملك العلام، فقد ذكر ﷺ : ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!﴾ خرَّجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
لا تسافر مع الذين أترعت قلوبهم بحب الشهوات، ولا ترافق الذين خلت أفئدتهم من مراقبة رب الأرض والسماوات: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧].
أيها المسلمون: من الناس من يطلق لنفسه وأسرته العنان في السفر إلى بلاد موبوءة؛ ليفتن نفسه بالشهوات المحرمة، والأفعال الآثمة، والمظاهر المخزية، والأعمال المردية، في مواخير الفجور والزنا، وحانات الغي والخنا، في دهاليز الميسر والقمار، وفي مستنقعات العار والشنار، بعيداً عن أنظار الخيرين، وأهل الفضل المصلحين، فاحذروا مواقع الزلل وأماكن الخطأ والخطل.
بل لقد وصل الحال ببعضهم وببعضهن أن تنزع جلباب حيائها قبل أن تغادر أرض بلادها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا من أخفيت نواياك في سفرك عن البشر! ويا من قصدت مكاناً لا تقع فيه تحت عينٍ ونظر! ألا تخشى سطوة رب البشر، وأنت تبارزه بالقبائح، وتعامله بالفضائح؟!
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
стр. 528
حكم السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة ملجئة
أمة الإسلام: إن سفر المسلم إلى ديار غير المسلمين لغير غرض شرعي ترجحت مصلحته وظهرت فائدته؛ لهو ضرر محض على الدين والنفس والعرض والمثل والأخلاق والقيم، فإنه -مع ما يظن من معاقرة لأنواع الفواحش والمنكرات، وتضييع للفرائض والواجبات- مخاطرة بالنفس غير مأمونة، بتعريضها لمواطن الريب والشبهات، وأماكن الهلكات وبؤر الدركات، هذا فضلاً عما يحيط بالمرء من أخطار لصوص القلوب، وسُرَّاق الجيوب، والغفلة عن رقابة علام الغيوب.
ألا فليتذكر هؤلاء وأولئك الموت والفناء، وليشعروا بمآسي إخواننا المسلمين البرآء في فلسطين وكشمير والشيشان وكوسوفا؛ فأين الأحاسيس المرهفة؟ والمشاعر الفياضة؟ فأناس يحملون قضايا أمتهم ويفكرون بمآسي إخوانهم في العقيدة، وآخرون كثيرون يفكرون في قضاء إجازاتهم في منتجعاتٍ ما، فالله المستعان!
стр. 529
السياحة بين المباح والمحذور
وإن مما يتذرع به بعض الناس للسفر والرحلات: دعواهم الاصطياف والسياحة، وما أدراكم ما السياحة؟ لفظة براقة، وعبارة أخاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقاً وغرباً جهاداً في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم وأخلاقهم وحسن تعاملهم، فنعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي.
إننا جميعاً مع السياحة بمفهومها النقي المنضبط بضوابط الشريعة والآداب المرضية، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كثر، عبوا من ثقافة الغير عباً حتى ثملوا، وزعموا -وبئس ما زعموا- أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيامٍ سوداء، وليالٍ حمراء، ومجانبة للحياء.
إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة وإفرازاتها المنتنة؛ لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة والمجتمعات المحافظة.
نعم لسياحة التأثير لا التأثر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفتاح والانفلات؛ كيف وقد ثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أن أعداء الإسلام يستهدفون أبناء المسلمين السائحين للوقيعة بهم، والنيل من أخلاقهم وعقيدتهم، عن طريق الغزو الفكري والفساد الأخلاقي، ويستغلون كثيراً من السائحين اقتصادياً وخلقياً، ويجرونهم رويداً رويداً إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور.
بل قد يرجع بعضهم متنكراً لدينه ومجتمعه، وأمته وبلاده!! أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟!
إننا نناشد المسافرين والسائحين أن اتقوا الله في أنفسكم وفي أسركم وفي مجتمعاتكم وأمتكم، ونذكركم قبل أن ترفعوا أقدامكم فكروا أين تضعوها؟
نعم.
سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا غضاضة عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثاً عن دينٍ يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.
فكونوا -أيها المسافرون- سفراء لدينكم وبلادكم وأمتكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، وحذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات، وصرعى ملذات!
بل أفهموه بسلوككم وعرفوه بأخلاقكم أنكم حملة رسالة، وأرباب أعلى وأغلى هدفٍ وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة، وشريعة خالدة، ودينٍ يرعى العقيدة والقيم، والمثل والأخلاق والفضائل، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.
ألا فاتقوا الله -عباد الله- واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون.
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا في سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجرنا من العذاب الأليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه كان حليماً غفوراً.
стр. 530
السياحة والتنزه في أرض الحرمين
الحمد لله تعاظم ملكوته فاقتدر، وعزَّ سلطانه فقهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بتقواه في الحضر والسفر، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتصلت عينٌ بنظرٍ وأذن بخبر، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
أيها الإخوة في الله: إن من التحدث بنعم الله وشكر آلائه سبحانه ما حبا الله بلادنا الطيبة المباركة -حرسها الله- من مقوماتٍ شرعية وتاريخية وحضارية، تجعلها مؤهلة لتكون بلد السياحة النظيفة النقية، فهي -بإذن الله- قادرة على إعطاء مفهومٍ صحيح ووجه مشرقٍ للسياحة التي خيل لبعض المفتونين أنها صناعة الفجور والانحلال، والفسق والضلال.
أوليس الله قد منَّ على بلادنا بالحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين، ومحط أنظارهم في العالمين؟!
شعائر الإسلام فيها ظاهرة، وأنوار التوحيد في سمائها باهرة! أوليست بلادنا تنعم -بحمد الله- بالأجواء الممتعة المتنوعة، والأماكن الخلابة المتعددة، التي تشكل منظومة متألقة يقل نظيرها في العالم؟! فمن البقع المقدسة، إلى الشواطئ الجميلة والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الحضارة المادية، وإفرازاتها الحسية والمعنوية، إلى الجبال الشم الشاهقة، ذات المنظر الجميل، والهواء العليل، والأودية الخلابة، والأماكن الجذابة مروراً بالمصائف الجميلة، والصحاري الممتدة، ذات الرمال الذهبية العجيبة.
يتنقل المرء في روابيها، ويتنزه في نواحيها، يسعد في أجوائها، ويسافر إلى جميع أنحائها، فلا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفرٍ مباح في محيطها المبارك، أو اصطحابهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة وفي سياحة مشروعة بريئة، توصل فيها الأرحام، وتحصل فيها الراحة والاستجمام، مع المحافظة على الخير والفضيلة، والبعد عن أسباب الشر والرذيلة، وأهم من هذه المقومات المادية والحسية المقومات المعنوية والمميزات الحضارية الشرعية، والخصائص الإسلامية، والآداب الأصيلة العربية، التي تحكي عبق التاريخ والحضارة المعطرة بالإيمان، الندية بالمروءة والإحسان في بلادنا السياحة الروحانية، والنزهة الربانية، والمتعة الإيمانية.
فهل بعد ذلك يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير في تأثيراتٍ عقدية وثقافية، وانحرافاتٍ فكرية وأخلاقية وسلوكية ومخاطر أمنية، وأمراضٍ صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي الحجى، ولا يغيب عن أولي النهى، وبذلك يتحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والفضيلة والنقاء، والخير والحياء والصفاء التمتع بأجواءٍ سياحية مباحة، ويسد الطريق أمام الأبواق الناعقة، والأقلام الحاقدة، التي تسعى لجر هذه البلاد المباركة إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش أصالتها وثوابتها.
ألا فلنشكر الله على نعمه وآلائه، ولنحافظ عليها بطاعته واتباع أوامره واجتناب نواهيه، حفظ الله لهذه البلاد عقيدتها وقيادتها وأمنها وإيمانها، وحماها من كيد الكائدين، وسائر بلاد المسلمين بمنه وكرمه.
وأخيراً: أيها الإخوة المسافرون: إذا قضى أحدكم نهمته من سفره؛ فليعد إلى أهله وبلده، وليقل: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون.
وختاماً: أيها المسافرون! نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، نستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم في الحل والترحال، وأن يعيدكم إلى أهلكم سالمين غانمين، مأجورين غير مأزورين، إنه خير المسئولين وأكرم المأمولين.
ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير من أقام وسافر، وجاهد وهاجر، النبي المصطفى والرسول المجتبى، إمام المتقين، وأفضل المقيمين والمسافرين، كما أمركم بذلك ربكم رب العالمين، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا.
اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى.
اللهم وفقه ونائبه إلى ما فيه خير البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم اصرف عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار.
اللهم يا سميع الدعاء! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا ذا المن والعطاء! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تنصر إخواننا المسلمين المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان.
اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بالصهاينة فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين يا ذا الجلال والإكرام
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →