← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وصايا للمسافر أيها المسافرون: تحلوا بآداب السفر، قدموا الاستخارة والاستشارة، ولا تنسوا دعاء السفر، وحسن اختيار الرفيق، وتفقد المركبة، والأخذ بوسائل السلامة والأمان، وعدم تجاوز السرعة النظامية، فإن في الحوادث -لاسيما حوادث السيارات- لعبراً عليكم بأداء حق الطريق، والمحافظة على البيئة، واجعلوا سفركم دراسة في سفر الحياة، وقراءة وتدبراً في دفتر الكون. وكتابي الفضاء أقرأ منه سوراً ما قرأتها في كتابي وتفكراً في ملكوت الله وعظيم خلقه وبديع صنعه. تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار أيها المسافرون: ولما كان السفر قطعة من العذاب كما أخبر به المصطفى الأواب، فيما أخرجه الشيخان في صحيحهما؛ جعل الله له رخصاً تيسره مِنَّة منه ورحمة، فاحرصوا على الأخذ برخص السفر؛ فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. واقتفوا هدي نبيكم ﷺ في السفر، فقد كان من هديه ﷺ قصر الصلاة الرباعية ركعتين، وإذا اشتد به السفر جمع بين الظهرين والعشائين، وكان يقتصر على صلاة الفريضة، ولم يكن يصلي الراتبة إلا الوتر وسنة الفجر فإنه لم يكن يدعهما حضراً ولا سفراً. ورخص للمسافر أن يمسح على الخفين ثلاثة أيامٍ بلياليها، ونهى أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، خرَّجه الشيخان في صحيحيهما.

стр. 527

محاذير في السفر أخي المسافر الكريم: تجنب المحاذير الشرعية من منكرات الحظر والسفر التي نهانا عنها الله جلَّ وعلا في كتابه، وحذرنا منها رسوله ﷺ ؛ تجنب الشرك بالله، فلا تخف إلا الله، ولا ترجو إلا الله، فلا تسافر إلى الأضرحة والقبور، ولا تدع أحداً من دون الله. إياك والربا، اجتنب المرابين والربا، ولا تقربوا الزنا فإنه من أقبح الأمور وأعظم الآثار والشرور. حذاري من الخمور والمسكرات وتعاطي المخدرات، فإنها خرابٌ للدين ودمارٌ للعقل، وكيف يسعى في جنونٍ مَنْ عَقِل إنها بغيضة إلى الرحمن، ورجسٌ من عمل الشيطان. لا تتعامل بالحرام، ولا تتاجر فيما يسخط الملك العلام، فقد ذكر ﷺ : ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!﴾ خرَّجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. لا تسافر مع الذين أترعت قلوبهم بحب الشهوات، ولا ترافق الذين خلت أفئدتهم من مراقبة رب الأرض والسماوات: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧]. أيها المسلمون: من الناس من يطلق لنفسه وأسرته العنان في السفر إلى بلاد موبوءة؛ ليفتن نفسه بالشهوات المحرمة، والأفعال الآثمة، والمظاهر المخزية، والأعمال المردية، في مواخير الفجور والزنا، وحانات الغي والخنا، في دهاليز الميسر والقمار، وفي مستنقعات العار والشنار، بعيداً عن أنظار الخيرين، وأهل الفضل المصلحين، فاحذروا مواقع الزلل وأماكن الخطأ والخطل. بل لقد وصل الحال ببعضهم وببعضهن أن تنزع جلباب حيائها قبل أن تغادر أرض بلادها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا من أخفيت نواياك في سفرك عن البشر! ويا من قصدت مكاناً لا تقع فيه تحت عينٍ ونظر! ألا تخشى سطوة رب البشر، وأنت تبارزه بالقبائح، وتعامله بالفضائح؟! ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

стр. 528

حكم السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة ملجئة أمة الإسلام: إن سفر المسلم إلى ديار غير المسلمين لغير غرض شرعي ترجحت مصلحته وظهرت فائدته؛ لهو ضرر محض على الدين والنفس والعرض والمثل والأخلاق والقيم، فإنه -مع ما يظن من معاقرة لأنواع الفواحش والمنكرات، وتضييع للفرائض والواجبات- مخاطرة بالنفس غير مأمونة، بتعريضها لمواطن الريب والشبهات، وأماكن الهلكات وبؤر الدركات، هذا فضلاً عما يحيط بالمرء من أخطار لصوص القلوب، وسُرَّاق الجيوب، والغفلة عن رقابة علام الغيوب. ألا فليتذكر هؤلاء وأولئك الموت والفناء، وليشعروا بمآسي إخواننا المسلمين البرآء في فلسطين وكشمير والشيشان وكوسوفا؛ فأين الأحاسيس المرهفة؟ والمشاعر الفياضة؟ فأناس يحملون قضايا أمتهم ويفكرون بمآسي إخوانهم في العقيدة، وآخرون كثيرون يفكرون في قضاء إجازاتهم في منتجعاتٍ ما، فالله المستعان!

стр. 529

السياحة بين المباح والمحذور وإن مما يتذرع به بعض الناس للسفر والرحلات: دعواهم الاصطياف والسياحة، وما أدراكم ما السياحة؟ لفظة براقة، وعبارة أخاذة، لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقاً وغرباً جهاداً في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم وأخلاقهم وحسن تعاملهم، فنعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد الشرعي. إننا جميعاً مع السياحة بمفهومها النقي المنضبط بضوابط الشريعة والآداب المرضية، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كثر، عبوا من ثقافة الغير عباً حتى ثملوا، وزعموا -وبئس ما زعموا- أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيامٍ سوداء، وليالٍ حمراء، ومجانبة للحياء. إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة وإفرازاتها المنتنة؛ لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة والمجتمعات المحافظة. نعم لسياحة التأثير لا التأثر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفتاح والانفلات؛ كيف وقد ثبت -بما لا يدع مجالاً للشك- أن أعداء الإسلام يستهدفون أبناء المسلمين السائحين للوقيعة بهم، والنيل من أخلاقهم وعقيدتهم، عن طريق الغزو الفكري والفساد الأخلاقي، ويستغلون كثيراً من السائحين اقتصادياً وخلقياً، ويجرونهم رويداً رويداً إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور. بل قد يرجع بعضهم متنكراً لدينه ومجتمعه، وأمته وبلاده!! أين العقول المفكرة عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات؟! إننا نناشد المسافرين والسائحين أن اتقوا الله في أنفسكم وفي أسركم وفي مجتمعاتكم وأمتكم، ونذكركم قبل أن ترفعوا أقدامكم فكروا أين تضعوها؟ نعم. سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح، فلا غضاضة عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثاً عن دينٍ يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام. فكونوا -أيها المسافرون- سفراء لدينكم وبلادكم وأمتكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، وحذار أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات، وصرعى ملذات! بل أفهموه بسلوككم وعرفوه بأخلاقكم أنكم حملة رسالة، وأرباب أعلى وأغلى هدفٍ وأشرف غاية، وأصحاب شخصية فذة، وشريعة خالدة، ودينٍ يرعى العقيدة والقيم، والمثل والأخلاق والفضائل، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة. ألا فاتقوا الله -عباد الله- واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون. اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا في سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجرنا من العذاب الأليم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه كان حليماً غفوراً.

стр. 530

السياحة والتنزه في أرض الحرمين الحمد لله تعاظم ملكوته فاقتدر، وعزَّ سلطانه فقهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرنا بتقواه في الحضر والسفر، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما اتصلت عينٌ بنظرٍ وأذن بخبر، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. أيها الإخوة في الله: إن من التحدث بنعم الله وشكر آلائه سبحانه ما حبا الله بلادنا الطيبة المباركة -حرسها الله- من مقوماتٍ شرعية وتاريخية وحضارية، تجعلها مؤهلة لتكون بلد السياحة النظيفة النقية، فهي -بإذن الله- قادرة على إعطاء مفهومٍ صحيح ووجه مشرقٍ للسياحة التي خيل لبعض المفتونين أنها صناعة الفجور والانحلال، والفسق والضلال. أوليس الله قد منَّ على بلادنا بالحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين، ومحط أنظارهم في العالمين؟! شعائر الإسلام فيها ظاهرة، وأنوار التوحيد في سمائها باهرة! أوليست بلادنا تنعم -بحمد الله- بالأجواء الممتعة المتنوعة، والأماكن الخلابة المتعددة، التي تشكل منظومة متألقة يقل نظيرها في العالم؟! فمن البقع المقدسة، إلى الشواطئ الجميلة والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الحضارة المادية، وإفرازاتها الحسية والمعنوية، إلى الجبال الشم الشاهقة، ذات المنظر الجميل، والهواء العليل، والأودية الخلابة، والأماكن الجذابة مروراً بالمصائف الجميلة، والصحاري الممتدة، ذات الرمال الذهبية العجيبة. يتنقل المرء في روابيها، ويتنزه في نواحيها، يسعد في أجوائها، ويسافر إلى جميع أنحائها، فلا بأس بإدخال الفرح على الأهل والأولاد في سفرٍ مباح في محيطها المبارك، أو اصطحابهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة وفي سياحة مشروعة بريئة، توصل فيها الأرحام، وتحصل فيها الراحة والاستجمام، مع المحافظة على الخير والفضيلة، والبعد عن أسباب الشر والرذيلة، وأهم من هذه المقومات المادية والحسية المقومات المعنوية والمميزات الحضارية الشرعية، والخصائص الإسلامية، والآداب الأصيلة العربية، التي تحكي عبق التاريخ والحضارة المعطرة بالإيمان، الندية بالمروءة والإحسان في بلادنا السياحة الروحانية، والنزهة الربانية، والمتعة الإيمانية. فهل بعد ذلك يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير في تأثيراتٍ عقدية وثقافية، وانحرافاتٍ فكرية وأخلاقية وسلوكية ومخاطر أمنية، وأمراضٍ صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي الحجى، ولا يغيب عن أولي النهى، وبذلك يتحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والفضيلة والنقاء، والخير والحياء والصفاء التمتع بأجواءٍ سياحية مباحة، ويسد الطريق أمام الأبواق الناعقة، والأقلام الحاقدة، التي تسعى لجر هذه البلاد المباركة إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش أصالتها وثوابتها. ألا فلنشكر الله على نعمه وآلائه، ولنحافظ عليها بطاعته واتباع أوامره واجتناب نواهيه، حفظ الله لهذه البلاد عقيدتها وقيادتها وأمنها وإيمانها، وحماها من كيد الكائدين، وسائر بلاد المسلمين بمنه وكرمه. وأخيراً: أيها الإخوة المسافرون: إذا قضى أحدكم نهمته من سفره؛ فليعد إلى أهله وبلده، وليقل: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وختاماً: أيها المسافرون! نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، نستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم، ونسأل الله أن يحفظنا وإياكم في الحل والترحال، وأن يعيدكم إلى أهلكم سالمين غانمين، مأجورين غير مأزورين، إنه خير المسئولين وأكرم المأمولين. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير من أقام وسافر، وجاهد وهاجر، النبي المصطفى والرسول المجتبى، إمام المتقين، وأفضل المقيمين والمسافرين، كما أمركم بذلك ربكم رب العالمين، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم وفقه ونائبه إلى ما فيه خير البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم اصرف عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار. اللهم يا سميع الدعاء! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا ذا المن والعطاء! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تنصر إخواننا المسلمين المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان. اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بالصهاينة فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين يا ذا الجلال والإكرام ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 531

وماذا بعد شهر رمضان ؟ رمضان شهر يرجع فيه الناس إلى الله، ولكن سرعان ما يعودون إلى أحوالهم الأولى بعد انقضائه، وهذه ظاهرة تحتاج إلى جهد من أجل علاجها، وقد حاول الشيخ حفظه الله في هذه المادة علاج هذه المشكلة.

стр. 532

رحيل الشهر الكريم الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين. أشهد أن لا إله إلا الله أصدق القائلين وأعدل الحاكمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خيرة المرسلين، وقائد الغر المجلين. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله في السر والعلن ينجيكم من هلاك الهالكين، ويتولاكم فيما يتولى به عباده الصالحين. ها قد رحل عنا هذا الشهر ومضى مع الراحلين، ورحيله خير شاهد على أن الله يرث الأرض ومن عليها وهو خير الغالبين. مضى هذا الشهرُ الكريم وقد أحسن فيه أناسٌ وأساء آخرون، وهو شاهدٌ لنا أو علينا، شاهدٌ للمشمِّر بصيامه وقيامه، وعلى المقصِّر بغفلته وإعراضه، ولا ندري -يا عباد الله- هل سندركه مرة أخرى، أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرِّق الجماعات. فسلام الله على شهر الصيام والقيام، لقد مر كلمحة برق، أو غمضة عين، كان مضماراً يتنافس فيه المتنافسون، وميداناً يتسابق فيه المتسابقون، فكم من أكُفٍّ ضارعةٍ رُفعت! ودموعٍ ساخنةٍ ذُرِفت! وعَبَراتٍٍٍ حرَّاءَ قد سُكِبَت؟! وحُق لها ذلك في موسم المتاجرة مع الله، موسمِ الرحمة والمغفرة والعتق من النار. معاشر المسلمين: لقد مر بنا هذا الشهر المبارك كطَيف خيال، مر بخيراته وبركاته، مضى من أعمارنا وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه فيه، فليفتح كل واحد منا صفحة المحاسبة لنفسه: ماذا عمل فيه؟ ماذا استفاد منه؟ ما أثره في النفوس؟ وما ثمراته في الواقع؟ وما مدى تأثيره على العمل والسلوك والأخلاق؟

стр. 533

من يحمل هَمَّ القبول ؟ إن السؤال المطروح الآن بإلحاح: هل أخذنا بأسباب القبول بعد رمضان، وعزمنا على مواصلة الأعمال الصالحة، أو أنَّ واقعَ كثير من الناس على خلاف ذلك؟! هل تأسينا بـ السلف الصالح ﵏، الذين تَوْجَل قلوبهم وتحزن نفوسهم عندما ينتهي رمضان؟ لأنهم يخافون أن لا يُتَقَبَّل منهم عملهم، لذا فقد كانوا يكثرون الدعاء بعد رمضان بالقبول. ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ عن معلى بن الفضل، أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، كما كانوا ﵏ يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من ردِّه. سألت عائشة ﵂ الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق رسول الله ﷺ عن قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] ﴿أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ قال: لا. يا ابنة الصديق؛ ولكنهم الذين يصلُّون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يُتَقَبَّل منهم﴾. ويقول علي بن أبي طالب ﵁: [[كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]]]. وعن فَضالة بن عبيد قال: [[لو أني أعلم أن الله تقبل مني مثقال حبة خردل أحبُّ إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]]]. وقال عطاء: [[الحذر: الاتقاء على العمل أن لا يكون لله]]. وقال ابن دينار: [[الخوف على العمل أن لا يُتَقَبَّل أشد من العمل]]. إخوة الإيمان: وماذا بعد شهر رمضان؟ ماذا عن آثار الصيام التي صنعها في نفوس الصائمين؟ لننظر في حالنا، ولنتأمل في واقع أنفسنا ومجتمعاتنا وأمتنا، ولنقارن بين حالنا قبل حلول شهر رمضان وحالنا بعده: هل ملأت التقوى قلوبنا؟ هل صلحُت أعمالنا؟ هل تحسنت أخلاقنا؟ هل استقام سلوكنا؟ هل اجتمعت كلمتنا وتوحدت صفوفنا ضد أعدائنا، وزالت الضغائن والأحقاد من نفوسنا؟ هل تلاشت المنكرات والمحرمات من أسرنا ومجتمعاتنا؟

стр. 534

الثبات بعد رمضان أيها المسلمون: يا من استجبتم لربكم في رمضان استجيبوا له في سائر الأيام: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٧]. أما آن أن تخشع لذكر الله قلوبنا؟! وتتوحد على الصراط المستقيم دروبنا؟! أيها الإخوة في الله: لقد جاءت النصوص الشرعية بالأمر بعبادة الله والاستقامة على شرعه عامة في كل زمان ومكان، ومطلقة في كل وقت وآن، وليست مخصصة بمرحلة من العمر، أو مقيدة بفترة من الدهر، بل ليس لها غاية إلا الموت. يقول الحسن البصري ﵀: [[لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت، وقرأ قوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]]. ولمَّا سُئِل بشر الحافي ﵀ عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ رمضانُ تركوا، قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان! إخوة العقيدة: إنه إن ودَّعتِ الأمة الإسلامية شهر رمضان المبارك بعد الإقبال على الله والإكثار من الأعمال الصالحة، فينبغي أن لا يودع المسلمون صالح العمل بعد رمضان، بل يجب أن تبقى آثار الصيام شعاراً متمثلاً في حياة الفرد والأمة، وما أعطاه الصيام من دروس في الصبر والتضحية والإذعان لأمر الله والوحدة والتضامن والألفة والمودة بين أفراد هذه الأمة؛ يجب أن يستمر عليها المسلمون، وتُرى متجسدةً في حياتهم العملية بعد رمضان، وما تدنَّى واقع الأمة وأصيب المسلمون بالوهن في أنفسهم والضعف أمام أعدائهم إلا لما تخلوا عن أعز مقومات نصرهم وسيادتهم، وهو الدين الإسلامي الحق. ولِما أساء بعض أبناء الإسلام فَهمه فجعلوا للطاعة وقتاً وللمعصية أوقاتاً، وللخير والإقبال زمناً، وللشر والإدبار أزماناً، عند ذلك لم تعمل مناسبات الخير والرحمة ومواسم البر والمغفرة عملَها في قلوب كثير من الناس، ولم تؤثر في سلوكهم وأخلاقهم، ولم تُجدِ في حل مشكلاتهم وقضاياهم إلا مَن رحم الله. أيها الإخوة المسلمون: إن من شُكر الله على نعمة توفيقه للصيام والقيام؛ أن يستمر المسلم على طاعة الله في حياته كلها، فالإله الذي يُصام له ويُعبد في رمضان، هو الإله في جميع الأزمان، ومن علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها. وإن من كفر النعمة وأمارات رد العمل: العودة إلى المعاصي بعد الطاعة. يقول كعب: [[من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا خرج رمضان عصى ربه؛ فصيامه عليه مردود، وباب التوفيق في وجهه مسدود]]. وإن الناظر في حياة كثير من المسلمين اليوم في رمضان وبعد رمضان يأسف أشد الأسف لما عليه بعض الناس -هداهم الله- بعد شهر الصيام من هجر المساجد، وترك الجماعات، والتساهل في الصلوات، واعتزال الطاعات؛ من قراءة القرآن والذكر والدعاء والبذل والإحسان والصدقة، والإقبال على أنواع المعاصي والمنكرات، واستمراء الفواحش والمحرمات، وما ذاك -أيها الإخوة في الله- إلا من قلة البصيرة في الدين، وسوء الفَهم لشعائر الإسلام. وما إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والإغراق في الملذات، والعكوف على المحرمات عبر السهرات والسمرات، والخروج إلى الشواطئ والمنتزهات، ومتابعة الأفلام -وعفن القنوات- والفضائيات، إلا دليل على ضعف الإيمان في نفوس فئام من الناس؛ فلنتق الله عباد الله! فاتقوا الله -عباد الله- ولا تهدموا ما بنيتم من الأعمال الصالحة في شهر رمضان، اتقوا الله يا من عزمتم على المعاصي بعد رمضان، فرَبُّ الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب مشاهِد: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبَاُ﴾ [النساء:١]. واعلموا أن الموت يأتي بغتة، وما مرور الأعوام بعد الأعوام، وتكرار الليالي والأيام، إلا مذكِّر بتصرُّم الأعمار وانتهاء الآجال، والقدوم على الكبير المتعال. أيها المسلمون: أنسيتم أن الله افترض عليكم طاعته، وألزمكم عبادته في كل وقت؟! ألا فليَعْلَم ذلك جيداً مَن ودَّعوا الأعمال الصالحة بوداع رمضان، أفأمِنَ هؤلاء أن ينزل بهم الموت ساعة من ليل أو نهار وهم على حال لا ترضي العزيز الجبار، ولا تنفعهم يوم العرض على الواحد القهار؟! ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] نعوذ بالله من الحور بعد الكور! أما آن لنا -أمة الإسلام- أن ندرك أن ما أصابنا من ضعف وهوان؛ إنما هو من عند أنفسنا، ونتيجة لعدم استفادتنا من مواسم البر والإحسان؟! إذْ لم تعمل هذه المواسم عمَلَها في القلوب؛ فتحييها بعد مَوات، وعمَلَها في الأمة؛ فتجمعها بعد فرقة وشتات، ولم تُجْدِ في حل ما استعصى من مشكلات، وعلاج ما استفحل من معضلات، فإن ذلك دليل على عدم الوعي، وقصور الفهم للإسلام. أما إذا استقامت الأمة على العبادة، ولَمْ تَهدم ما بنته في مواسم الخير، ولَمْ يستسلم أفرادُها وأبناؤها لنزغات الشيطان وأعوانه، ولم يُبْطلوا ما عملوه في رمضان، فإن الأمة بإذن الله تُمْسِك بصِمام الأمان وحبل النجاة؛ لتصل إلى شاطئ الأمان وبر السلام بإذن الله.

стр. 535

تذكر البائسين من الإخوان وقت النعم ولنتذكر يا أمة الإسلام -ونحن نعيش فرحة العيد بالأمن والأمان- إخواناً لنا في العقيدة يحل بهم العيد وهم يعانون الحروب الطاحنة، والمآسي المستمرة، بأي حال يعيش المسلمون في الأرض المباركة فلسطين، أولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلَين هذه الأيام، ويستقبلون العيد؟! وكذا إخوانكم في بقاع أخرى؟! فتذكروا كيف يعيشون العيد مع حياة القتل والتشريد، والملاجئ والتهجير والتهديد. فلا تنسوهم رحمكم الله، في دعمكم ودعائكم. ونداءٌ مِلْؤه الحنان والإشفاق إلى الذي عزموا على العودة إلى المعاصي بعد رمضان: أن يتقوا الله سبحانه، فالعمر قصير، والآجال محدودة، والأنفاس معدودة، كفى مخادعة للرحمن، وانزلاقاً في طريق الشيطان، وعبثاً بشعائر الإسلام! إلى متى الاسترسال في الغفلة والإعراض؟! فلتعلنوها عباد الله توبة صادقة نصوحاً لا رجعة بعدها إلى الذنوب والمعاصي، فهذا والله هو الشكر الحقيقي لنعمة الصيام. وهمسةٌُ في آذان شباب الإسلام أن يتقوا الله ﵎ ويُقبلوا عليه, ويحفظوا أوقاتهم بعد رمضان، ويشغلوها بطاعة الله، فلا يغتروا بعمل المفتونين بمعصية الله، وليحذروا ما يُسِيء إلى دينهم وقيَمهم ويُضعِف الإيمان في نفوسهم، ويَئِد الأخلاق في قلوبهم وأعمالهم وواقعهم؛ مما يثير الغرائز، ويهيج المشاعر، مما يُرى ويُسمع ويُقرأ عبر وسائل الإعلام من معصية الله ، وعليهم الحذر من قرناء السوء. وعلى المرأة المسلمة أن تتقي الله ، وتستمر على طاعة ربها بعد رمضان حجاباً وعفافاً وحشمة، وأن تحذر كل الحذر من دعاة الضلال والفتنة. وعلى أرباب الأسر وأولياء الأمور أن يتقوا الله في مسئولياتهم، ويحافظوا على أماناتهم بمتابعتهم وتربيتهم والعناية بهم تحقيقاً لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيْكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يهدينا جمعياً صراطه المستقيم، وأن يثبتنا على الدين القويم، كما نسأله جل وعلا أن يرزقنا الاستمرار على الأعمال الصالحة بعد رمضان، وأن يَمُنَّ علينا بالقبول والتوفيق، إنه خير مسئول، وأكرم مأمول. بارك الله لي ولكم في الوحيَين، وبسنة سيد الثقلَين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراًً.

стр. 536

معاني العيد الحمد لله؛ تَتِمُّ الصالحات بنعمته، وتُكََفَّر السيئات وتُقال العثرات بِمِنَّته، وتُضاعَف الحسنات وتُرفَع الدرجات برحمته، سبحانه! يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات أحمده تعالى وأشكره على جزيل العطايا والهبات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بارئ النسمات، وأشهد أن نبينا محمداً عبده المصطفى ورسوله المجتبى أفضل البريَّات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والمَكْرُمات، ومن اقتفى أثرهم ما تجددت المواسم ودامت الأرض والسماوات. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، اتقوه حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واشكروه جل وعلا أن هداكم للإسلام، ووفقكم للصيام والقيام، وعلى ما تنعمون به في هذه الأيام من أيام عيد الفطر المبارك. واعلموا -رحمكم الله- أن السعيد في العيد ليس مَن لَبِس الجديد، وتنعم بالغيد، وإنما السعيد في العيد من خاف يوم الوعيد، وسَلِم من العذاب الشديد. وتذكروا أن العيد في الإسلام له حِكَم وأسرار، وكم له من مغزىً عميق بتحقيق شكر الله قولاً وعملاً؟! فتذكروا الأطفال اليتامى، والنساء الأيامى والمعوِزين، والأرامل والمساكين، وليتحرك فيكم شعور الأخوة الإسلامية، ولتلزموا طاعة ربكم في هذه الأيام، وتحذروا مِن جَعْلِها أيام غفلة واسترسال في اللهو والمعاصي، وتوسع في المباحات، ولتكن فرصة لمحاسبة النفوس، وصفاء القلوب، وتجديدها من الضغائن والأحقاد، والقيام بأعمال البر وصلة الأرحام والمودة بين المسلمين. مرَّ وهيب بن الوردي ﵀ على أناس يلهُون ويلعبون أيام العيد، فقال لهم: عجباً لكم! إن كان الله قد تقبل صيامكم؛ فما هذا عمل الشاكرين! وإن كان الله لم يتقبله منكم؛ فما هذا عمل الخائفين.

стр. 537

صيام الست من شوال واعلموا رحمكم الله أن رسولكم ﷺ نَدَبَكم لصيام ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿مَن صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾. فلا تفوِّتوا -رحمكم الله- على أنفسكم هذه الفضيلة العظيمة، فإن أحدنا لا يدري هل يدرك رمضان مرة أخرى أو لا يدركه، وكلنا بحاجة إلى سد ما نقص من صيامنا بصيام التطوع. ويجوز لمن أراد صيام ستة أيام من شوال أن يتابعها، أو يفرقها في الشهر، ولا بأس في ذلك كله بحمد الله. ألا فحاسبوا أنفسكم -رحمكم الله- بعد صيام شهركم، إذا كان أرباب الأموال وأصحاب التجارات الدنيوية ينظرون في أرباحهم بعد مواسم التجارة، فأصحاب المتاجرة مع الله أولى وأحرى أن ينظروا في أرباحهم. فانظروا ماذا قدمتم لأنفسكم في رمضان، واستمروا عليه بعده وضاعفوه، وتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات؛ فتلك والله هي التجارة الرابحة في أسواق الآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيِّد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراًَ، ومعيناً وظهيراً. اللهم ارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم كتابك وسنة نبيك ﷺ . اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام! اللهم إنا نسألك أن تنقذ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، ومن اليهود الغاصبين. اللهم عليك باليهود الصهاينة؛ فإنهم لا يعجزونك. اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، واجعلهم غنيمة للمسلمين، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يُرَد عن القوم المجرمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثننا. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالِدِينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 538

ومضى الشهر الكريم مضى شهر رمضان وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، فهنيئاً للمقبولين فيه، والخسارة والخيبة لمن رد في هذا الشهر الكريم، وإن من علامة قبول الصيام يستمر الإنسان ويستمر على العمل الصالح في بقية أيام العام.

стр. 539

وداعاً شهر الصيام الحمد لله، أحمده تعالى حمداً يستدعي مزيد الإنعام، وأشكره شكراً يرقى بقائله إلى أسمى مقام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام، مَنَّ على مَن شاء مِن عباده بحسن الصيام والقيام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله البررة الكرام وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم في التبجيل والإكرام، وسلَّم تسليماً كثيراً على الدوام. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، فإنها عروة ليس لها انفصام، وجَذوة تضيء القلوب والأفهام، وهي خير زاد يبلِّغ إلى دار السلام، مَن تحلى بها بلَغ أشرف المراتب، وتحقق له أعلى المطالب، وحصل على مأمول العواقب، وكُفِي من شرور النوائب. أيها المسلمون: المستقرئ لتاريخ الأمم والمتأمل في سجل الحضارات يُدرك أن كلاً منها يعيش تقلبات وتغيرات، ويواكب بدايات ونهايات، وهكذا الليالي والأيام والشهور والأعوام، وتلك سنن لا تتغير، ونواميس لا تتبدل: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤]. إخوة الإسلام: أرأيتم لو أن ضيفاً عزيزاً ووافداً حبيباً حلَّ في ربوعكم، ونزل بين ظهرانيكم، وغمركم بفضله وإحسانه، وأفاض عليكم من بره وامتنانه، فأحبكم وأحببتموه، وألِفَكم وألِفْتموه، ثم حان وقت فراقه، وقربت لحظات وداعه، فبماذا عساكم مودِّعوه؟ وبأي شعور أنتم مفارقوه؟ كيف ولحظات الوداع تثير الشجون، وتُبكي المقل والعيون، وتنكأ الالتياع، ولا سيما وداع المحب المُضَنَّى لحبيبه المُعَنَّى؟! وهل هناك فراق أشد وقعاً ووداعاًَ، وأكثر أساً والتياعاً من وداع الأمة الإسلامية هذه الأيام لضيفها العزيز ووافدها الحبيب شهر البر والجود والإحسان، شهر القرآن والغفران والعتق من النيران، شهر رمضان المبارك؟! فالله المستعان! عباد الله: لقد شمر الشهر عن ساق، وآذن بوداع وانطلاق، ودنا منه الرحيل والفراق، لقد قُوِّضت خيامُه، وتصرَّمت أيامُه، وأزِف رحيلُه، ولم يبقَ إلا قليلُه، وقد كنا بالأمس القريب نتلقى التهاني بقدومه، ونسأل الله بلوغه، واليوم نتلقى التعازي برحيله، ونسأل الله قبوله.

стр. 540

أحوال الناس في رمضان مضى هذا الشهر الكريم وقد أحسن فيه أناس وأساء آخرون، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، شاهدٌ للمشمِّرين بصيامهم وقيامهم وبرهم وإحسانهم، وعلى المقصِّرين بغفلتهم وإعراضهم وشحهم وعصيانهم، ولا ندري هل سندركه مرة أخرى؟! أم يحول بيننا وبينه هادم اللذات ومفرق الجماعات؟! ألا إن السعيد في هذا الشهر المبارك مَن وُفِّق لإتمام العمل وإخلاصه ومحاسبة النفس والاستغفار والتوبة النصوح في ختامه، فإن الأعمال بالخواتيم. إخوة الإيمان: لقد كان السلف الصالح ﵏ يجتهدون في إتقان العمل وإتمامه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون مِن ردِّه، يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]؟]]. ويقول مالك بن دينار ﵀: الخوف على العمل ألا يُتَقَبَّل أشد من العمل. وقال فضالة بن عبيد ﵀: [[لو أني أعلم أن الله تقبل مني حسنة واحدة، لكان أحب إلي من الدنيا وما فيها]]. الله أكبر! هذه حال المشمِّرين! فرحماك ربنا رحماك! وعفوك يا ألله لحال المقصِّرين! ألا فسلام الله على شهر الصيام والقيام! سلام الله على شهر التراويح والتلاوة والذكر والتسبيح! لقد مر كلمحة برقٍ أو غمضة عين، كان مضماراً للمتنافسين، وميداناً للمتسابقين. ألا وإنه راحلٌ لا محالة فشيعوه، وتمتعوا فيما بقي من لحظاته ولا تضيعوه، فما من شهر رمضان في الشهور عِوَض، ولا كمُفْتَرَضه في غيره مُفْتَرَض، شهر عمارات القلوب، وكفارات الذنوب، وأمان كل خائفٍ مرهوب، شهر العبرات السواكب، والزفرات الغوالب، والخطرات الثواقب، كم رُفِعَت فيه من أكُفٍّ ضارعة؟! وذَرَفَت فيه من دموع ساخنة؟! ووجلت فيه من قلوب خاشعة؟! وتحركت فيه من مشاعر فياضة، وأحاسيس مرهفة، وعواطف جياشة؟! هذا وكم وكم يفيض الله من جوده وكرمه على عباده! ويمن عليهم بالرحمة والمغفرة والعتق من النار؛ لا سيما في آخره!

стр. 541

وقفة محاسبة مع رحيل رمضان عباد الله: متى يُغفر لمن لم يُغفر له في هذا الشهر؟! ومتى يُقبل من رُدَّ في ليلة القدر؟! أورد الحافظ ابن رجب ﵀ عن علي ﵁ أنه كان ينادي في آخر ليلة من رمضان: [[يا ليت شعري مَن المقبول فنهنيه، ومَن المحروم فنعزيه]]. أيها المقبولون: هنيئاً لكم، أيها المردودون: جبر الله مصيبتكم، ماذا فات مَن فاته خير رمضان؟! وأي شيء أدرك مَن أدركه فيه الحرمان؟! كم بين مَن حظه فيه القبول والغفران؟! ومَن حظه فيه الخيبة والخسران؟! متى يصلح مَن لم يصلح في رمضان؟! ومتى يصح مَن كان فيه مِن داء الجهالة والغفلة مَرَضان؟! ترحَّل الشهر والَهْفَاهُ وانصرما واختص بالفوز بالجنات مَن خَدَما فيا أرباب الذنوب العظيمة: الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فمن أُعتق فيها من النار فقد فاز والله بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة، أين حَرَق المهتمين في نهاره؟! أين قلق المجتهدين في أسحاره؟! فيا من أعتقه مولاه من النار: إياك ثم إياك أن تعود بعد أن صرت حراً إلى رق الأوزار! أيبعدك مولاك من النار وأنت تقترب منها؟! وينقذك وأنت توقع نفسك فيها، ولا تحيد عنها؟! وهل ينفع المفرط بكاؤه وقد عظُمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟! فبادروا يا رعاكم الله! فلعل بعضكم لا يدركه بعد هذا العام، ولا يؤخره المنون إلى التمام، فيا ربح من فاز فيه بالسعادة والفلاح! ويا حسرة من فاتته هذه المغانم والأرباح! لقد دنا رحيل هذا الشهر وحان، ورب مؤمِّل لقاء مثله خانه الإمكان، فاغتنم -أيها المفرط- في طاعة المنان الفرصة قبل فوات الأوان، وتيقظ -أيها الغافل- من سِنَة المنام، وانظر ما بين يديك من فواجع الأيام، واحذر أن يشهد عليك الشهر بقبائح الآثام، واجتهد في حسن الخاتمة، فالعبرة بحسن الختام.

стр. 542

آثار الصيام

стр. 543

آثار الصيام في نفوس الصائمين أمة الإسلام: ماذا عن آثار الصيام التي عملها في نفوس الصائمين؟! لننظر في حالنا! ولنتأمل في واقع أنفسنا وأمتنا! ونقارن بين وضعنا في أول الشهر وآخره! هل عُمِرت قلوبُنا بالتقوى؟! هل صلحت منا الأعمال، وتحسنت الأخلاق، واستقام السلوك؟! هل اجتمعت الكلمة، وتوحدت الصفوف ضد أعداء الأمة؟! هل زالت الضغائن، والأحقاد، وسُلَّت السخائم من النفوس؟! هل تلاشت المنكرات والمحرمات عن المجتمعات؟! أيها المسلمون: يا من استجبتم لربكم في الصيام والقيام، استجيبوا له في سائر الأعمال وفي كل الأيام. أما آن أن تخشع لذكر الله القلوب، وتجتمع على الكتاب والسنة الدروب، لتُدْرأ عن الأمة غوائل الكروب وقوارع الخطوب؟!

стр. 544

أثر الصيام على المسلمين تجاه قضاياهم الإسلامية إخوة الإسلام، أمة الصيام والقيام: ما أجدر الأمة الإسلامية وهي تودع هذه الأيام موسماً من أعز وأحلى وأفضل وأغلى أيام وليالي العمر! ما أحراها وهي تودع شهرها أن تودع الأوضاع المأساوية والجراحات الدموية التي أصابت مواضع عديدة من جسدها المثخن بالجراح! ما أحرها أن تتخذ الخطوات الجادة والعملية لوقف نزيف الدم المسلم المتدفق على ثرى الأرض المباركة فلسطين المجاهدة، وفي بلاد الشيشان، وكشمير المسلمة! فهل يعجز المسلمون، وهم أكثر من مليار مسلم أن يتخذوا حلاً عاجلاً يحقن دماء المسلمين، ويعيدوا لهم أمنهم ومجدهم وهيبتهم بين العالمين؟! هل تودع الأمة الإسلامية -وهي تودع شهرها- التخاذل الكبير تجاه قضيتها الأولى، قضية أولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلين المسجد الأقصى المبارك، أقر الله الأعين بفك أسره وقرب تحريره، الذي يرزح تحت وطأة العدوان الصهيوني الغاشم، ويستنجد ولا مجيب! ويستغيث ولا ذو نخوة يتحرك؟! فإلى الله المشتكى، ومنه وحده الفرج، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وعلى صعيد القضية الأفغانية: هل تودع الفصائل الأفغانية خلافاتها؟ وتتحد على من يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حقناً لدماء المسلمين؟ وحفظاً على أمن بلادهم، وسلامة الشعب الأفغاني المسلم من التشرد والتهجير؟! هل تودع الأمة الإسلامية في وداع شهرها مآسي الأقليات الإسلامية في بقاع شتى من العالم؟! نرجو أن يكون ذلك قريباً بإذن الله، وهذا والله ليس بعزيز، فالآمال معقودة بعد الله على قادة المسلمين وعلمائهم وأهل الحل والعقد فيهم لبذل المزيد من الجهود لإعزاز دين الله، ونصرة قضايا المسلمين في كل مكان، لا سيما بعد ما شهد المتابعون أحداثاً عالمية، ومجريات دولية، كان لها أثر بالغٌ على أوضاع المسلمين في العالم. فهل تودع الأمة تلك الحملات الإعلامية المغرضة ضد الإسلام وأهله وبلاده ومقدساته، لا سيما بلاد الحرمين الشريفين حرسها الله؟! وهل تُسْتَثْمَر الطاقات العلمية والدعوية والتقنيات المعاصرة الإعلامية لنشر محاسن الإسلام، ورعايته لحقوق الإنسان، وإرسائه معاني الحق والعدل والسلام، ومجانبته مسالك العنف والإرهاب، في ظل تداعيات العولمة العارمة التي توشك أن تأتي على بنيان ثوابت أمتنا من القواعد، وفي ظل ما يسمى بصراع الحضارات والتلاعب بالمصطلحات؟! هل يوضع حدٌّ للإرهاب على مستوى الدولة الذي تمارسه الصهيونية العالمية على مرأىً ومسمعٍ من العالم؟! يا زعماء العالم! يا صُنَّاع القرار! يا أهل الرأي العام الإسلامي والعالمي والدولي! أيها العقلاء والمنصفون: لقد أكدت الأحداث أن من لم يتعظ بالوقائع فهو غافل، ومن لم تقرعه الحوادث فهو خامل!

стр. 545

حلول عاجلة لإصلاح أحوال المسلمين يا أهل الإسلام! يا أمة محمدٍ ﷺ : نحن أمة عُرِفَت عبر تاريخها المشرق بِعِزٍّ ومجدٍ يطاول الثريا، رفعةً وسناءً! فحرامٌ أن نضعف ونستكين، ونتحسى كأس المذلة مُتْرَعاً! لا بد أن تأخذ الأمة الإسلامية مكانتها بين الأمم؛ لتحقيق ما تنشده البشرية المضطهدة، والإنسانية الحيرى من حقٍ وعدلٍ وسلام، وانتشالها مما غرقت فيه من أوحال الضلال والشقاء، ومستنقعات الاضطراب والفوضى. وإذا كان أعداؤكم سادوا العالم وهم على مادية وضلالٍ وباطل، فما أحراكم بالقيادة والسيادة والريادة، وأنتم على منهج الشهد الزلال، منهج الإيمان والحق والتقوى. لا بد من صياغة الجيل المعاصر على منهج الوسطية والاعتدال، ووضع دراساتٍ استراتيجية، واتخاذ آليات عملية؛ للنهوض بمستوى الدعوة الإسلامية، ووقاية الأمة من شرور التشرذم، والخلافات الجانبية، التي عانت الأمة منها طويلاً، والمشكلات المفتعلة التي تمثل طعنةً نجلاء في خاصرة هذه الأمة. حقاً إن على أهل الإسلام جميعاً أن يعلموا أنه لا صلاح لأحوالهم التي يطلبون لها الحلول العاجلة إلا بالتمسك بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، في عالمٍ يموج بالإلحاد والوثنيات والانحراف والمتغيرات. ووالله وبالله وتالله! إن فساد العقائد والأخلاق، والتخلي عن الثوابت العقدية والمناهج الشرعية لَهُوَ سبب هزائم الأمم، وانتكاسات الشعوب، وتدهور الحضارات! وتلك مسئولية الأمة بأسرها! فهل يعي المسلمون مكانة عقيدتهم؟! ويتَّحدوا على ما كان عليه سلفهم الصالح ﵏؛ ليتحقق الخير للبلاد والعباد؟! هذا هو الأمل، وعلينا الصدق والعمل. نسأل الله أن يتقبل منا جميعاً صيامنا وقيامنا ودعاءنا، وأن يمن علينا بالقبول والمغفرة والعتق من النار بمنه وكرمه، وأن يجبر كسرنا على فراق شهرنا، ويعيده علينا أعواماً عديدة، وأزمنةً مديدة، وعلى الأمة الإسلامية وهي ترفل في حلل العز والنصر والتمكين، وقد عاد لها مجدها وهيبتها بين العالمين، إنه خير مسئول وأكرم مأمول. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل الآثام والخطيئات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.

стр. 546

الإرشاد إلى بعض الأعمال الصالحة في ختام شهر الصيام الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تُرفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قاضي الحاجات، والعالم بالخفايا والمكنونات، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، سيد البريات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والمكرومات، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما دامت الأرض والسماوات. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واستودعوا شهركم عملاً صالحاً يشهد لكم عند الملك العلام، وودِّعوه عند فراقه بأزكى تحية وأوفر سلام. قلوب المتقين إلى هذا الشهر تَحِنُّ، ومن ألم فراقه تأسى وتَئِنُّ، كيف لا يجري المؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع؟! إن قلوب المحبين لألم فراقه تَشَقَّقُ، ودموعَهم للوعة رحيله تَدَفَّق، فالله المستعان وهو وحده الموفِّق!

стр. 547

الاستغفار والشكر والتوبة أيها الإخوة الصائمون: لقد شرع لكم مولاكم في ختام شهركم أعمالاً عظيمة تسد الخلل وتجبُر التقصير، وتزيد في المثوبة والأجر، فندبكم في ختام شهركم إلى الاستغفار والشكر والتوبة: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 548

زكاة الفطر كما شرع لكم زكاة الفطر شكراً لله على نعمة التوفيق للصيام والقيام، وطُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، وتحريكاً لمشاعر الأخوة والألفة بين المسلمين، وهي صاعٌ من طعامٍ من برٍ أو نحوه من قوت البلد، كالأرز أو غيره، فيجب إخراجها عن الكبير والصغير والذكر والأنثى، كما في حديث أبي سعيدٍ وابن عمر ﵃. ويُستحب إخراجها عن الحمل في بطن أمه، والأفضل إخراجها ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، وإن أخرجها قبل العيد بيومٍ أو يومين فلا حرج إن شاء الله، والسنة أن يخرجها طعاماً، كما هو نص حديث المصطفى ﷺ وعمل السلف الصالح ﵏، وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵀ يكتب في نهاية شهر رمضان إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر. فأدُّوا رحمكم الله زكاة الفطر طيِّبة بها نفوسُكم، فقد أعطاكم مولاكم الكثير وطلب منكم القليل.

стр. 549

الثبات والاستمرار على الأعمال الصالحة أيها الإخوة في الله: الله الله! في الثبات والاستمرار على الأعمال الصالحة في بقية أعمالكم، واصِلُوا المسيرة في عمل الخير وحُثُّوا الخطى في العمل الصالح؛ لتفوزوا برضا المولى جل وعلا، فلديكم من الأعمال الصالحة ما يُعَد من المواسم المستمرة؛ هذه الصلوات الخمس المفروضة، وهذه نوافل العبادات من صلاة وصيام وصدقة، وهكذا سائر الأعمال الصالحة. واعلموا أنه لئن انقضى شهر رمضان المبارك؛ فإن عمل المؤمن لا ينقضي إلا بالموت، ومن علامة قبول الحسنة: الحسنةُ بعدها، ورب الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيبٌ مشاهد، وبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!

стр. 550

خدمة المعتمرين والزائرين لبيت الله الحرام ألا وإن من التحدث بآلاء الله: ما نَعِم به الصائمون والمعتمرون من أجواءٍ آمنة، وخدماتٍ متوفرة، وأعمالٍ مذكورة، وجهودٍ مشكورة، لم تكن لتحصل مع هذا العدد الهائل لولا توفيق الله أولاً وآخراً، ثم ما من به سبحانه على الحرمين الشريفين وروُّادِهما من هذه الولاية المسلمة التي بَذَلت وتبذل كل ما من شأنه تسهيل أمور العُمَّار والزُّوَّار، جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، وزادها خيراً وهدىً وتوفيقاً بمنه وكرمه، وأدام عليها خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، ورعاية قضايا المسلمين في كل مكان، والشكر لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، شكراً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين. هذا واعلموا رحمكم الله أن من خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم: كثرة صلاتكم وسلامكم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا. اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم هيئ له البطانة الصالحة، وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا. اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم اعتق رقابنا من النار. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين. اللهم اجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين. اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك اللهم أن تحرر المسجد الأقصى من براثن اليهود المعتدين يا قوي يا عزيز. اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات يا ذا الجلال والإكرام. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم انصرهم في فلسطين، وكشمير، والشيشان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. اللهم كن للمشرَّدين والمهجَّرين الأفغان، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 551

حرب الشائعات منذ أن خلق الله الخليقة وجد الصراع بين القوى، صراع يستهدف أعماق الإنسانية، ويؤثر في كيان البشرية، وإذا كانت الحروب والأزمات والكوارث والنكبات تستهدف بأسلحتها الفتاكة الإنسان من حيث جسده وبنائه، فإن هناك حرباً سافرة، مستترة، تتولد على ضفاف الحوادث والملمات، وتتكاثر في زمن التقلبات والمتغيرات، وهي أشد ضراوة وفتكاً؛ لأنها تستهدف الإنسان من حيث عمقه وعطائه، وقيمه ونمائه، ألا وهي حرب الشائعات، فكم أفسدت من أمم ومجتمعات، والتاريخ الإنساني خير شاهد على هذا.

стр. 552

خطورة الشائعات على الأمم والمجتمعات إن الحمد لله، جل من رب وتعالى من إله، هو سبحانه رب كل شيء ومليكه ومولاه، وهو العلي الأعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والنجوى، والمؤمَّل لكشف كل بلوى، ورفع كل لأوى، سبحانه وبحمده ليس في الكون رب سواه فيدعى، وليس في الوجود إله غيره فيرجى، وليس في الملأ حكم غيره فترفع إليه الشكوى، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، بلغ رسالة ربه فما ضل وما غوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. صلى الله عليه وعلى آله أنوار الهدى، وصحبه مصابيح الدجى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: خير الوصايا وصية رب البرايا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء:١٣] فاتقوا الله رحمكم الله، فبالتقوى العصمة من الفتن، والسلامة من المحن. يقول طلق بن حبيب ﵀: [[اتقوا الفتن بالتقوى]]. أيها المسلمون: منذ أن خلق الله الخليقة وُجِد الصراع بين القوى، صراع يستهدف أعماق الإنسانية، ويؤثر في كيان البشرية، وإذا كانت الحروب والأزمات، والكوارث والنكبات تستهدف بأسلحتها الفتاكة الإنسان من حيث جسده وبنائه، فإن هناك حرباً سافرة مستترة، تتوالد على ضفاف الحوادث والملمات، وتتكاثر في زمن التقلبات والمتغيرات، وهي أشد ضراوة وأقوى فتكاً؛ لأنها تستهدف الإنسان من حيث عمقه وعطائه، وقيمه ونمائه، أتدرون يا رعاكم الله، ما هي هذه الحرب القذرة؟ إنها حرب الشائعات. الشائعات من أخطر الحروب المعنوية، والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميراً، وأعظمها وقعاً وتأثيراً، وليس من المبالغة في شيء إذا عدت ظاهرة اجتماعية عالمية، لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية، وأنها جديرة بالتشخيص والعلاج، وحرية بالتصدي والاهتمام لاستئصالها والتحذير منها، والتكاتف للقضاء على أسبابها وبواعثها، حتى لا تقضي على الروح المعنوية في الأمة التي هي عماد نجاح الأفراد، وأساس أمن واستقرار المجتمعات، وركيزة بناء أمجاد الشعوب والحضارات.

стр. 553

موقف الإسلام من الشائعات معاشر المسلمين: المستقرئ للتاريخ الإنساني يجد أن الشائعات وجدت حيث وجد الإنسان، بل إنها عاشت وتكاثرت في أحضان كل الحضارات، ومنذ فجر التأريخ والشائعة تمثل مصدر قلق في البناء الاجتماعي، والانتماء الحضاري لكل الشعوب والبيئات، ولمّا جاء الإسلام اتخذ الموقف الحازم من الشائعات وأصحابها، لما لنشرها وبثها بين أفراد المجتمع من آثار سلبية على تماسك المجتمع المسلم وتلاحم أبنائه وسلامة لحمته والحفاظ على بيضته، بل لقد عدَّ الإسلام ذلك سلوكاً مرذولاً منافياً للأخلاق النبيلة، والسجايا الكريمة، والمثل العليا التي جاءت بها وحثت عليها شريعتنا الغراء من الاجتماع والمحبة والمودة والإخاء، والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء. وهل الشائعة إلا نزف لتلك القيم، ومعول هدم لهذه المثل، كما حذر الإسلام من الغيبة والوقيعة في الأعراض، والكذب والبهتان، والنميمة والقالة بين الناس، وهل الشائعة إلا كذلك، وأمر بحفظ اللسان، وأبان خطورة الكلمة، وحرم القذف والإفك، وتوعد محبي رواج الشائعات بالعذاب الأليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]. وحث على التثبت والتبين في نقل الأخبار، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] قرأ حمزة والكسائي: (فتثبتوا). وأخبر سبحانه أن الإنسان مسئول أمام الله ومحاسب عن كل صغير وجليل فقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. والشائعة مبنية على سوء الظن بالمسلمين، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث﴾ كما نهى الإسلام أتباعه أن يطلقوا الكلام على عواهنه، ويلغوا عقولهم عند كل شائعة وتفكيرهم عند كل ذائعة، أو ينساقوا وراء كل ناعق، ويصدقوا قول كل دعي مارق. أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع﴾ وفي رواية: ﴿كفى بالمرء إثماً﴾ وسداً للباب أمام الوشاة المغرضين، ونقلة الشائعات المتربصين، ومنعاً لرواج الشائعات، والبلاغات المجهولة الكيدية المغرضة، والأخبار الملفقة المكذوبة على البرآء الغافلين، يقول ﷺ فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن أسامة بن زيد ﵂: ﴿ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت﴾. إخوة العقيدة: إذا كان في دنيا النبات طفيليات تلتف حول النبتة الصالحة لتفسد نموها؛ فإن الشائعات ومروجيها أشد وأنكى، لما يقومون به من خلخلة البُنى التحتية للمجتمع، وتقويض أركانه وتصديع بنيانه. فكم تجنّوا على أبرياء، وأشعلوا نار الفتنة بين الأصفياء، وكم نالوا من علماء وعظماء، وكم هدمت الشائعة من وشائج، وتسببت في جرائم، وفككت من أواصر وعلاقات، وحطمت من أمجاد وحضارات، وكم دمرت من أسر وبيوتات، وأهلكت من حواضر ومجتمعات، بل لرب شائعة أثارت فتناً وبلايا، وحروباً ورزايا، وأذكت نار حروب عالمية، وأججت أوار معارك دولية، وإن الحرب أولها كلام، ورب كلمة سوء ماتت في مهدها، ورب مقالة شر أشعلت فتناً، لأن حاقداً ضخمها ونفخ فيها.

стр. 554

بيان خبث ودناءة مروج الشائعة عباد الله: إن مروج الشائعة لئيم الطبع، دنيء الهمة، مريض النفس، منحرف التفكير، صفيق الوجه، عديم المروءة، ضعيف الديانة، يتقاطر خسة ودناءة، قد ترسب الغل في أحشائه، فلا يستريح حتى يزبد ويرغي، ويفسد ويؤذي. فتان فتاك، ساع في الأرض في الفساد، يجر الفتن للبلاد والعباد، إنه عضو مسموم، ذو تجاسر مذموم، وبذاء محموم، يسري سريان النار في الهشيم، يتلون كالحرباء، وينفث سمومه كالحية الرقطاء، ديدنه الإفساد والهمز. وسلوكه الشر واللمز، وعادته الخبث والغمز، لا يفتؤ إثارة وتشويشاً، ولا ينفك كذباً وتحريشاً، ولا يبرح تقولاً وتهويشاً، فكم حصلت وحصلت من جناية على المؤهلين الأتقياء، بسبب شائعة دعي مأفون، ذي لسان شرير وقلم أجير، في سوء نية، وخبث طوية، وهذا سر النزيف الدائم في جسد الأمة الإسلامية.

стр. 555

نماذج من حرب الشائعات في التاريخ إخوة الإيمان: ومنذ فجر التأريخ، والشائعات تنشب مخالبها في جسد العالم كله، لا سيما في أهل الإسلام، يروجها ضعاف النفوس والمغرضون من أعداء الديانة، ويتولى أعداء الإسلام عبر التأريخ لا سيما اليهود، قتلة الأنبياء ونقضة العهود، كبر الشائعات بغية هدم صرح الدعوة الإسلامية، والنيل من أصحابها، والتشكيك فيها، ولم يسلم من شائعاتهم حتى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فقد تعرضوا لجملة من الافتراءات والأراجيف ضد رسالتهم تظهر حيناً وتحت جنح الظلام أحياناً: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧].

стр. 556

الشائعات ضد الأنبياء السابقين فهذا المسيح ﵇، تشكك الشائعات المغرضة فيه وفي أمه الصديقة: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨]. والكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ﵇، نموذج من نماذج الطهر والنقاء ضد الشائعات المغرضة التي تمس العرض والشرف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].

стр. 557

حادثة الإفك والسيرة العطرة لرسول الهدى ﷺ أنموذج يحمل في طياته نماذج حية، لتاريخ الشائعة والموقف السليم منها، فقد رميت دعوته المباركة بالشائعات منذ بزوغها، فرمي بالسحر والجنون والكذب والكهانة، وتفنن الكفار والمنافقون الذين مردوا على النفاق في صنع الأراجيف الكاذبة، والاتهامات الباطلة ضد دعوته ﵊. ولعل من أشهرها قصة الإفك المبين، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الشائعات، وهي تتناول بيت النبوة الطاهر، وتتعرض لعرض أكرم الخلق على الله ﷺ وعرض الصديق والصديقة، وصفوان بن المعطل ﵃ أجمعين، وتشغل هذه الشائعة المسلمين بـ المدينة شهراً كاملاً، والمجتمع الإسلامي يصطلي بنار تلك الفرية، ويتعذب ضميره، وتعصره الشائعة الهوجاء عصراً، ولولا عناية الله لعصفت بالأخضر واليابس، حتى تدخل الوحي ليضع حداً لتلك المآساة الفظيعة، ويرسم المنهج للمسلمين عبر العصور للموقف الواجب اتخاذه عند حلول الشائعات المغرضة. قال الله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٦ - ١٧]. تقول عائشة ﵂: [[فمكثت شهراً لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم]]، حتى برأها الله من فوق سبع سموات، ﵂ وأرضاها. ومن ذلك -يا عباد الله- استغلال الكفار والمنافقين لحادث موت رسول الله ﷺ ؛ حين أخذوا يشنون الحرب النفسية ضد المسلمين، عن طريق الشائعات المغرضة، زاعمين أن الإسلام قد انتهى ولن تقوم له قائمة، حتى أثّر ذلك على بعض الصحابة ﵃، وظل الناس في اضطراب حتى هيأ الله الصديق أبا بكر ﵁، فحسم الموقف بتذكير الأمة بقول الحق ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].

стр. 558

العصر الحاضر ورواج الشائعات أمة الإسلام: وتتطور الشائعات بتطور العصور، ويمثل عصرنا الحاضر عصراً ذهبياً لرواج الشائعات المغرضة، وما ذاك إلا لتطور التقنيات وكثرة وسائل الاتصالات، التي مثلت العالم قرية كونية واحدة، فآلاف الوسائل الإعلامية، والقنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، تتولى كبر نشر الشائعات المغرضة، والحملات الإعلامية المحمومة، في صورة من أبشع صور الإرهاب النفسي والتحطيم المعنوي، له دوافعه المشينة، وأغراضه المشبوهة، ضد عقيدة الأمة ومثلها، وثوابتها وقيمها، إنها ألغام معنوية، وقنابل نفسية، ورصاصات طائشة تصيب الأمة في مقتلها وتفعل في عرضها مالا يفعله العدو بمخابراته وطابوره الخامس، مركزة على شائعات الخوف والمرض، وإثارة القلق والرعب والحروب، وزرع بذور الفتنة، وإثارة البلبلة بين الناس، لا سيما في أوقات الأزمات، يوافق ذلك فراغ عند المتلقي وفضول، وبطالة وخمول، فتسري الشائعة في الناس مسرى الهواء، وتهيج فيهم هيجان البحر المتلاطم، وتكمن خطورتها أنها سلاح جنوده مغفلون أغرار، سحرتهم الشائعات ببريقها الخادع، فأصبحوا يرددونها كالببغاوات، دون أن يدركوا أنهم أدوات يستخدمون لمصالح أعدائهم وهم لا يشعرون.

стр. 559

الآثار السلبية للشائعات كم كان للشائعات آثارها السلبية على الرأي العام، وصناع القرار في العالم. وكم كانت سبباً في أن يصرف الأعداء جبهة الأمة الداخلية عن مشكلاتها الحقيقية؛ لإغراقها في مشكلات مفتعلة، علاوة على تمزيق الوحدة الإسلامية، والعمل على تفتيت الجبهة الداخلية. يا أمة محمد ﷺ : الشائعات جريمة ضد أمن المجتمع، وصاحبها مجرم في حق دينه ومجتمعه وأمته، مثير للاضطراب والفوضى في الأمة، وقد يكون شراً من مروجي المخدرات، فكلاهما يستهدف الإنسان، لكن الاستهداف المعنوي أخطر وأعتى. وإنك لتأسف أشد الأسف ممن يتلقى الشائعات المغرضة، وكأنها حقائق مسلمة، يجلس أحدهم الساعات الطوال أمام أجهزة الشبكات المعلوماتية بوجهها الكالح وما يعرف بجهاز الإنترنت، عبر مواقعه المشبوهة، فيلطخ سمعه وبصره من الشائعات الباطلة، وتلفيق التهم الصفيقة، مما تجفل القلوب من مجرد سماعه، وتتحرج النفوس المؤمنة من مطالعته فضلاً عن البوح به، وما درى من هم هؤلاء الجبناء خفافيش الظلام! إنهم أدوات في أيدي ما يعرف بـ اللوبي الصهيوني العالمي، ضد أمن الأمة ومجتمعاتها الإسلامية. وإنه ليخشى ممن أدمن النظر فيها، أن يخسر دينه ودنياه وآخرته، وأن يلتبس عليه الحق بالباطل؛ فينحرف عن جادة الصواب والعياذ بالله، وهل يجوز لنا ويليق بنا نحن أهل الإسلام أن نتخلى عن شيء من ثوابتنا؟ أو أن تهتز بعض قناعتنا؟ أو أن نظن غير الحق بأحد من علمائنا، وفضلائنا بمجرد وشاية كاذبة أو شائعة مغرضة؟ أين عقولنا وتفكيرنا؟ بل أين ديننا وإيماننا أن نتلقف كل شيء تحت شعار قالوا وزعموا؟! يقول الإمام الذهبي ﵀: ولو أن كل عالم تركنا قوله بمجرد خطأ وقع فيه، أو كلام الناس فيه ما سلم معنا أحد، ونعوذ بالله من الهوى والفظاظة، فالله المستعان. عباد الله: ومن هنا تدركون -يا رعاكم الله! - خطورة هذه الحرب ضد دين الأمة وأمنها ومجتمعاتها مما يتطلب ضرورة التصدي لها وأهمية مكافحتها، والتخطيط لاستئصال جرثومتها، حتى لا تقضي على البقية الباقية من تماسك المجتمع وتلاحم أفراده، وواجب علماء الأمة ودعاتها وطلاب العلم فيها وشبابها في ذلك كبير وعظيم، فإنهم مستهدفون فعليهم أن يدركوا أبعاد المؤامرة، وأن لا يكونوا ميداناً خصباً لتواجدها وانتشارها بينهم، وأن يحرصوا على التثبت والتبين، وأن يحذروا مسالك التأويل والهوى، واتباع المتشابه، وأن يقفوا في الأحداث على علم وبصيرة، ويكفوا ببصر نافذ ونظر ثاقب وحسن ظن، بعيداً عن إيغار الصدور، وبث الشائعات والشرور، معتصمين بالكتاب والسنة، متخذين من موقف السلف الأنموذج عند الفتن. الأمة مطالبة كلٌ في مجاله، للقضاء على هذه الظاهرة التي لها آثارها المدمرة ضد أمن الأمة واستقرار المجتمع، كما أن على البيت والمسجد والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام دوراً كبيراً في الحفاظ على سلامة المجتمع من شرورها وأخطارها، بدءاً بالوعي وتقوية الوازع الإيماني، وتبيين الحقائق ونشرها، وعدم التساهل في نقل الكلام وبث الأنباء، لا سيما في أوقات الأزمات، وعدم التهويل والإثارة في التعليقات، والمبالغة في التحليلات المشبوهة، وإيجاد صيغة علمية، وآلية عملية، للحوار الحضاري والموقف السليم في الأحداث والمتغيرات، واختلاف الظروف والمستجدات، بإخلاص وصدق وشفافية، دون تزييف أو التواء؛ رفعاً للروح المعنوية، وبعداً عن الخور والضعف والانهزامية، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه كان حليماً غفوراً.

стр. 560

وسائل مواجهة حرب الشائعات الحمد لله مبدع الكائنات وبارئ النسمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جزيل العطايا والهبات، وواهب الخيرات والبركات، أمر بالصدق وحرم الأكاذيب والشائعات، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أفضل البريات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أولي والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن دينكم الإسلامي الحنيف رسم المنهج الصحيح لمواجهة أخطار الشائعات، قاصداً من ذلك بناء المجتمع المسلم المتماسك، فأقام الضمانات الواقية والحصانات الكافية، التي تحول دون معاول الهدم والتخريب، ومستنقعات الترويج والتأليب، أن تتسلل إليه أو تؤثر عليه، في غفلة من أهل الوعي والصلاح، فتتناثر حبات عقده الناصع، وتتشتت لبنات بنائه المحكم، فلا يقوى على التصدي لعاتيات العواصف والفتن، وتلاطمات أمواج المحن، فيوشك أن تغرق سفينته، أو يتغير مسارها الصحيح، أو تحدث فيها الشروخ والخروق، فتطوح بها بعيداً عن شاطئ السلامة وساحل النجاة.

стр. 561

تربية النفس على الخوف من الله أيها الإخوة الأحبة في الله: وإن من أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات، تربية النفوس على الخوف من الله، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذناً لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبين وطلب البراهين الواقعية، والأدلة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يسد الطريق أمام الأدعياء الذين يعملون خلف الستور، ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور، ضد كل مصلح ومحتسب وغيور.

стр. 562

الاستنكار على الحملات الإعلامية ضد الإسلام وأهله ألا وإن من العدل والإنصاف استنكار تلك الحملات الإعلامية المغرضة، والشائعات والأراجيف الباطلة، ضد عقيدتنا وشريعتنا، وضد بلادنا الإسلامية، والمسلمين الذين يشرفون بالانتساب إلى هذا الدين القويم. وإن الطعن في بلاد الإسلام وعلماء الإسلام، ليس المقصود منه أشخاصهم وأعيانهم، وإنما ما يحملونه من عقيدة ومنهج، وإن الحملات المسعورة، ضد بلاد الحرمين أدام الله عزها وحفظ لها أمنها وإيمانها، لن تهز بإذن الله من قناعاتها بثوابتها، ولن تكون سبباً في التنازل عن شيء من عقيدتها ومواقفها، فلا مساومة على شيء من مثلنا وقيمنا. والسؤال الملح، ماذا يريد المهاجمون من بلاد الحرمين حرسها الله؟ ومن يقف وراءهم؟ ولمصلحة من يهرفون بما لا يعرفون، ويهذون بما لا يدرون؟ ولن يضر البحر أمسى زاخراً أن رمى فيه غلام بحجر ألا فلنتق الله عباد الله! ولنقم بواجبنا تجاه دين الله، تعلماً وتعليماً، وإصلاحاً ودعوة، فما أحوج العالم اليوم إلى فهم الصورة الحقيقية عن الإسلام والمسلمين، وما أحرى وسائل الإعلام العالمية المعاصرة في أن تسهم في تحقيق ذلك، ألا فلنكن صفاً واحداً أمام أعدائنا، ولنسر على منهجية صحيحة، تحقق المصالح وتدرأ المفاسد عن أمتنا ومجتمعاتنا بإذن الله، ولنتلاحم مع ولاة أمور المسلمين وعلمائنا الراسخين، أمام طوفان الفتن، ولا نقبل فيهم قول الوشاة المغرضين، وما أشد حاجة الأمة وقد ظهرت الفتن بقرنها، واستشرفت بزمامها إلى ربان مهرة، يقودون سفينتها إلى شاطئ السلامة والنجاة!؛ فإنه إذا كثر الملاحون غرقت السفينة، والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان بمنه وكرمه. ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي الأواب، كما أمركم بذلك المولى العزيز الوهاب، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنها معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين من اليهود والمفسدين، وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في دينهم في كل مكان. اللهم انصرهم في فلسطين والشيشان، وكشمير والأفغان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا وللمسلمين من كل هم فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، يا قوي يا عزيز. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وارزقه البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 563

سمة الاعتدال والوسطية إن سمة الاعتدال والوسطية تتجلى في صور سماحة الإسلام، وهذه السمة هي علامة لهذه الأمة التي نشرت الحق والعدل والسلام، وما وصلنا إلى ما نراه اليوم إلا نتيجة لترك الوسطية والبعد عنها إلى التطرف، والأمل في الخروج من هذا هو في عودة أمة الوسطية.

стр. 564

سمة الوسطية في هذه الأمة الحمد لله تفرد بالربوبية والألوهية كمالاً، واختص بالأسماء الحسنى والصفات العلى جلالاً، أحمده تعالى وأشكره على سوابغ نعمه إفضالاً، وجزيل عطائه نوالاً، وأسأله المزيد من فضله دعاءً وابتهالاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتمسك بالإسلام وسطية واعتدالاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث بأوسط شريعة وأكملها خلالاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أكرم بهم صحباً وأنعم بهم آلا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً تترى غدواً وآصالا. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ﵎، تحلوا بها أقوالاً وأفعالاً، فكم أورثت مالاً، وتوجت جمالاً، وشرفت خصالاً، ووقت زيغاً وضلالاً، وأصلحت حالاً ومآلاً. أيها المسلمون: من الحقائق والمسلمات لدى ذوي البصائر والحجا، أنه بقدر تمسك الأمم بمميزاتها الحضارية، والتزام المجتمعات بثوابتها وخصائصها القيمية؛ بقدر ما تحقق الأمجاد التأريخية والعطاءات الإنسانية، ولئن برزت في عالمنا المعاصر صور وظواهر من الانحرافات تهدد الأمن الدولي، وتعرض للخطر وعدم الاستقرار السلام العالمي؛ فإن مرد ذلك إلى التفريط بالمبادئ الحضارية، والتهاون بالمثل والقيم الإنسانية. ومن يجيل النظر في جوانب عظمة هذا الدين الذي أكرمنا الله به وهدانا إليه -وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله- يجد أن هناك سمة بارزة، وميزة ظاهرة، كانت سبباً في تبوء هذه الأمة مكانتها المرموقة بين الأمم، ومنحها مؤهلات القيادة والريادة للبشرية، ومقومات الشهادة على الناس كافة، لعلكم يا رعاكم الله، أدركتم ما هذه الميزة الحضارية إنها سمة الاعتدال والوسطية، التي تجلي صور سماحة الإسلام، وتبرز محاسن هذا الدين، ورعايته للمثل الأخلاقية العليا والقيم الإنسانية الكبرى، يقول الحق ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤]. ولما كان من الضرورة بمكان تحديد هذا المصطلح على ضوء المصادر الشرعية، منعاً للخلط في المفاهيم واللبس في التصور، وحتى نقف على حقيقة الوسطية ومجالاتها لنظهر الصورة المشرقة لسماحة هذا الدين، في الوقت الذي اشتدت فيه الحملة على الإسلام ورمي أتباعه بمصطلحات موهومة، وألفاظ مغرضة، لتشويه صورته والتنفير منه؛ تصيداً لأخطاء بعض المنتسبين إليه، في زمن انقلبت فيه الحقائق وانتكست فيه المقاييس، وبلي بعض أهل الإسلام بمجانبة هذا المنهج الوضاء، فعاشوا حياة الإفراط والتفريط، وسلكوا مسالك الغلو أو الجفاء، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والمنبَتُّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. معاشر المسلمين: ولقد عني علماء الإسلام ببيان حقيقة الوسطية الواردة في آية البقرة، وهي لا تخرج عن معنيين مشهورين يؤديان معنىً واحداً. أولهما: (وسطاً) أي خياراً عدولاً، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨] وقول الأول: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم وهو قول جمهور المفسرين، والذي رجحه الإمامان الحافظان ابن جرير وابن كثير رحمهما الله. والثاني: أنهم وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، جاء هذا في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية. والوسطية يا عباد الله! منهج سلف هذه الأمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. ويقول الإمام الشاطبي ﵀: إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الوسط العدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحاً ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه. ويقول الإمام العز بن عبد السلام ﵀: وعلى الجملة فالأولى بالمرء ألا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة، أو درء مفسدة مع الاعتقاد المتوسط بين الغلو والتقصير. ويقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى غلو وإما إلى تقصير، والحق وسط بين ذلك.

стр. 565

مجالات وسطية الإسلام إخوة العقيدة: وتتجلى وسطية الإسلام في مجالاته كلها:
следующие страницы →