Полный текст (1 023 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تربية النفس على الخوف من الله
أيها الإخوة الأحبة في الله: وإن من أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات، تربية النفوس على الخوف من الله، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذناً لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبين وطلب البراهين الواقعية، والأدلة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يسد الطريق أمام الأدعياء الذين يعملون خلف الستور، ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور، ضد كل مصلح ومحتسب وغيور.
стр. 562
الاستنكار على الحملات الإعلامية ضد الإسلام وأهله
ألا وإن من العدل والإنصاف استنكار تلك الحملات الإعلامية المغرضة، والشائعات والأراجيف الباطلة، ضد عقيدتنا وشريعتنا، وضد بلادنا الإسلامية، والمسلمين الذين يشرفون بالانتساب إلى هذا الدين القويم.
وإن الطعن في بلاد الإسلام وعلماء الإسلام، ليس المقصود منه أشخاصهم وأعيانهم، وإنما ما يحملونه من عقيدة ومنهج، وإن الحملات المسعورة، ضد بلاد الحرمين أدام الله عزها وحفظ لها أمنها وإيمانها، لن تهز بإذن الله من قناعاتها بثوابتها، ولن تكون سبباً في التنازل عن شيء من عقيدتها ومواقفها، فلا مساومة على شيء من مثلنا وقيمنا.
والسؤال الملح، ماذا يريد المهاجمون من بلاد الحرمين حرسها الله؟ ومن يقف وراءهم؟ ولمصلحة من يهرفون بما لا يعرفون، ويهذون بما لا يدرون؟
ولن يضر البحر أمسى زاخراً أن رمى فيه غلام بحجر
ألا فلنتق الله عباد الله! ولنقم بواجبنا تجاه دين الله، تعلماً وتعليماً، وإصلاحاً ودعوة، فما أحوج العالم اليوم إلى فهم الصورة الحقيقية عن الإسلام والمسلمين، وما أحرى وسائل الإعلام العالمية المعاصرة في أن تسهم في تحقيق ذلك، ألا فلنكن صفاً واحداً أمام أعدائنا، ولنسر على منهجية صحيحة، تحقق المصالح وتدرأ المفاسد عن أمتنا ومجتمعاتنا بإذن الله، ولنتلاحم مع ولاة أمور المسلمين وعلمائنا الراسخين، أمام طوفان الفتن، ولا نقبل فيهم قول الوشاة المغرضين، وما أشد حاجة الأمة وقد ظهرت الفتن بقرنها، واستشرفت بزمامها إلى ربان مهرة، يقودون سفينتها إلى شاطئ السلامة والنجاة!؛ فإنه إذا كثر الملاحون غرقت السفينة، والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان بمنه وكرمه.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي الأواب، كما أمركم بذلك المولى العزيز الوهاب، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنها معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين من اليهود والمفسدين، وسائر أعداء الدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في دينهم في كل مكان.
اللهم انصرهم في فلسطين والشيشان، وكشمير والأفغان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا وللمسلمين من كل هم فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، يا قوي يا عزيز.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين.
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، وارزقه البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 563
سمة الاعتدال والوسطية
إن سمة الاعتدال والوسطية تتجلى في صور سماحة الإسلام، وهذه السمة هي علامة لهذه الأمة التي نشرت الحق والعدل والسلام، وما وصلنا إلى ما نراه اليوم إلا نتيجة لترك الوسطية والبعد عنها إلى التطرف، والأمل في الخروج من هذا هو في عودة أمة الوسطية.
стр. 564
سمة الوسطية في هذه الأمة
الحمد لله تفرد بالربوبية والألوهية كمالاً، واختص بالأسماء الحسنى والصفات العلى جلالاً، أحمده تعالى وأشكره على سوابغ نعمه إفضالاً، وجزيل عطائه نوالاً، وأسأله المزيد من فضله دعاءً وابتهالاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتمسك بالإسلام وسطية واعتدالاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث بأوسط شريعة وأكملها خلالاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أكرم بهم صحباً وأنعم بهم آلا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً تترى غدواً وآصالا.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ﵎، تحلوا بها أقوالاً وأفعالاً، فكم أورثت مالاً، وتوجت جمالاً، وشرفت خصالاً، ووقت زيغاً وضلالاً، وأصلحت حالاً ومآلاً.
أيها المسلمون: من الحقائق والمسلمات لدى ذوي البصائر والحجا، أنه بقدر تمسك الأمم بمميزاتها الحضارية، والتزام المجتمعات بثوابتها وخصائصها القيمية؛ بقدر ما تحقق الأمجاد التأريخية والعطاءات الإنسانية، ولئن برزت في عالمنا المعاصر صور وظواهر من الانحرافات تهدد الأمن الدولي، وتعرض للخطر وعدم الاستقرار السلام العالمي؛ فإن مرد ذلك إلى التفريط بالمبادئ الحضارية، والتهاون بالمثل والقيم الإنسانية.
ومن يجيل النظر في جوانب عظمة هذا الدين الذي أكرمنا الله به وهدانا إليه -وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله- يجد أن هناك سمة بارزة، وميزة ظاهرة، كانت سبباً في تبوء هذه الأمة مكانتها المرموقة بين الأمم، ومنحها مؤهلات القيادة والريادة للبشرية، ومقومات الشهادة على الناس كافة، لعلكم يا رعاكم الله، أدركتم ما هذه الميزة الحضارية
إنها سمة الاعتدال والوسطية، التي تجلي صور سماحة الإسلام، وتبرز محاسن هذا الدين، ورعايته للمثل الأخلاقية العليا والقيم الإنسانية الكبرى، يقول الحق ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤].
ولما كان من الضرورة بمكان تحديد هذا المصطلح على ضوء المصادر الشرعية، منعاً للخلط في المفاهيم واللبس في التصور، وحتى نقف على حقيقة الوسطية ومجالاتها لنظهر الصورة المشرقة لسماحة هذا الدين، في الوقت الذي اشتدت فيه الحملة على الإسلام ورمي أتباعه بمصطلحات موهومة، وألفاظ مغرضة، لتشويه صورته والتنفير منه؛ تصيداً لأخطاء بعض المنتسبين إليه، في زمن انقلبت فيه الحقائق وانتكست فيه المقاييس، وبلي بعض أهل الإسلام بمجانبة هذا المنهج الوضاء، فعاشوا حياة الإفراط والتفريط، وسلكوا مسالك الغلو أو الجفاء، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والمنبَتُّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
معاشر المسلمين: ولقد عني علماء الإسلام ببيان حقيقة الوسطية الواردة في آية البقرة، وهي لا تخرج عن معنيين مشهورين يؤديان معنىً واحداً.
أولهما: (وسطاً) أي خياراً عدولاً، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨] وقول الأول:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم
وهو قول جمهور المفسرين، والذي رجحه الإمامان الحافظان ابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
والثاني: أنهم وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، جاء هذا في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية.
والوسطية يا عباد الله! منهج سلف هذه الأمة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.
ويقول الإمام الشاطبي ﵀: إن الشريعة جارية في التكليف لمقتضاها على الطريق الوسط العدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، فإذا نظرت إلى كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط والاعتدال، ورأيت التوسط فيها لائحاً ومسلك الاعتدال واضحاً، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه.
ويقول الإمام العز بن عبد السلام ﵀: وعلى الجملة فالأولى بالمرء ألا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة، أو درء مفسدة مع الاعتقاد المتوسط بين الغلو والتقصير.
ويقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: ما من أمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى غلو وإما إلى تقصير، والحق وسط بين ذلك.
стр. 565
مجالات وسطية الإسلام
إخوة العقيدة: وتتجلى وسطية الإسلام في مجالاته كلها:
стр. 566
الوسطية في مجال العبادات
ففي مجال الاعتقاد: جاء الإٍسلام وسطاً بين الملل، فلا إلحاد ولا وثنية، بل عبودية خالصة لله في الربوبية والألوهية.
وكذا في الأسماء والصفات: وسط بين أهل التشبيه والتمثيل والتحريف والتعطيل.
وفي القضاء والقدر: وسط بين نفاة القدر والمغالين فيه القائلين إن العبد مجبور على فعله.
وفي مسألة الإيمان: وسط بين من جفوا فأخروا الأعمال وأرجئوها عن مسمى الإيمان، وبين من غلوا فأخرجوا من دائرة الإيمان من عمل بعض المعاصي، ويلحق بذلك الحكم بالتكفير، فأهل الحق لا يكفرون بالذنوب ما لم تستحل، كما لم يجعلوا المذنب كامل الإيمان بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
وفي باب النبوة والولاية والصحابة توسط: فلا غلو من اتخذهم أرباباً من دون الله، ولا جفاء كما جفت اليهود، ففريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون.
وأهل الإسلام الحق يتوسطون فيؤمنون بجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وجميع كتبه ويحبون أولياءه، ويترضون عن جميع صحابته ﵃ وأرضاهم.
إخوة الإيمان: وثمة مجال آخر تتألق فيه وسطية هذه الأمة، وهو مجال العبادة ومراعاة مقتضيات الفطرة، والتناسق البديع بين متطلبات الروح والجسد، بلا غلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاز المادي، فلا رهبانية ولا مادية بل تناسقٌ واعتدال على ضوء قول الحق ﵎: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص:٧٧].
وقد رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، وأنكر على من حرم نفسه طيبات الدنيا قائلاً: ﴿أما إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾ مخرج في الصحيحين.
وعند مسلم وغيره: ﴿هلك المتنطعون﴾، وعنده أيضاً: ﴿إن هذا الدين يسر؛ فأوغلوا فيه برفق، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه﴾، وهكذا نأى الإسلام بأتباعه عن كل الكبوات والنبوات، والهزات والهفوات، التي تخل بغاية الوجود الإنساني، وتضيع حقوق الإنسان، وتفرط في تحقيق التوازن بين متطلبات روحه وجسده، حيث تأرجحت كثير من النظم المادية، كما هو ظاهر في المدنية الغربية، التي تنطلق من نظرات ومقتضيات مادية صرفة، حتى تنادى عقلاؤهم ومنصفوهم بالحاجة إلى دين يحقق التوازن بين الرغبات والتناسق بين المتطلبات، ويرتفع بالبشرية إلى مستوى إنسانيتها، وتحقيق قيمها ومثلها، وينتشلها مما تعاني منه من بؤس وطغيان وشقاء.
стр. 567
الوسطية في التحليل والتحريم والنظر والاستنباط
أمة الإسلام: ومن المجالات المهمة، التي تبرز فيها وسطية هذه الأمة ما يتعلق بالتشريع والتحليل والتحريم، ومناهج النظر والاستدلال، فتوسطت الشريعة في هذه المجالات بين اليهود الذين حرم عليهم كثيراً من الطيبات، وبين قوم استحلوا حتى المحرمات، والحكم بالتحليل والتحريم حق لله سبحانه (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [الأنعام:٥٧] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢].
وفي منهج النظر والاستنباط: وازن الإسلام بين مصادر التلقي والمعرفة، ووافق بين صحيح المنقول وصريح المعقول، وعالم الغيب والشهادة، وإعمال النصوص ورعاية المقاصد واستجلاء القواعد، وحكم الشريعة وأسرارها، ووازن يبن تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
معشر الأحبة: وفي مجال الأخلاق والسلوك مظهر من مظاهر الوسطية في هذا الدين بين الجنوح إلى المثالية والواقعية، وسطية تزكي المشاعر وتهذب الضمائر، وتسمو بالتفكير والشعور وتوازن بين متطلبات الفرد والمجتمع، وإعمال العقل والعاطفة، في تربيةٍ متوازنة وتنسيق متسق بديع، على ضوء المنهج النبوي: ﴿إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه﴾ خرجه أحمد ومسلم.
وفي النظام الاقتصادي: وازن الإسلام بين حرية الفرد والمجتمع، فيحترم الملكية الفردية، ويقرها ويهذبها بحيث لا تضر بمصلحة المجتمع، فجاء الإسلام وسطاً بين رأسمالية ترعى الفرد على حساب الجماعة، واشتراكية تلغي حقوق الأفراد وتملكهم بحجة مصلحة الجماعة.
وفي مجال: الإنفاق تتحقق الوسطية في قول الحق ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧].
قال حذيفة بن اليمان ﵁: [[هو الحسنة بين سيئتين]] والمراد أن الإسراف سيئة والتقتير سيئة، والحسنة ما بين ذلك، فخير الأمور أوساطها.
ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
стр. 568
الوسطية في مجال المعاملات
وهكذا في مجال الحرية بين الفرد والمجتمع: حرية الرأي والفكر والسلوك وغيرها؛ جعل الإسلام ضوابط شرعية لهذه الحرية، بحيث تكون ضمن دائرة المشروع، ومجانبة المحظور الممنوع.
وفي النظام السياسي: جاء الإسلام وسطاً بين النظم، مبيناً حقوق الراعي والرعية، حاضَّاً على العدل والقسط، معلياً قيم الحق والأمن والسلام، والسمع والطاعة بالمعروف، مترسماً المنهج الشوري المتكامل، سابقاً شعارات الديمقراطيات المعاصرة إلى تحقيق منافع البلاد والعباد في بعد عن الاضطراب والفوضى، محاذراً الديكتاتورية في الحكم، والاستبداد في الرأي: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آل عمران:١٥٩].
ومما يجلي وسطية الإسلام: جمعه بين الأصالة والمعاصرة، وتميزه بالثبات والمرونة، وحسن التعامل مع المتغيرات، ووضع الضوابط للاجتهاد في النوازل واستيعاب المستجدات، فهو بثوابته وأصوله يستعصي على التميع والذوبان، وبمرونته يستطيع التكيف ويواجه التطور بلا جمود ولا تحجر بل يبني الحياة على القواعد الشرعية، والنواميس المرعية التي تستجيب لحاجات الأمة في مختلف الظروف والأحوال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
стр. 569
دعوة للرجوع إلى الوسطية
الحمد لله منّ علينا فجعلنا أمة وسطاً، أحمده سبحانه تعالى أن يقول غلطاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقدس أن يقضي لغطاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، المنزل عليه قول ربه سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا منهجاً وسطاً، فلا تجاوز ولا شطط، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وحث في نصرة الدين الخطا.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! وتحلوا بالمنهج الوسط كما شرع الله، واستقيموا على الوسطية كما سن رسول الله ﷺ ، وسار على ذلك سلفكم الصالح عليهم رضوان الله.
أيها الإخوة في الله! ولم تقف وسطية الإسلام على أمور العبادات من طهارة وصلاة ونحوها فحسب، بل تعدتها إلى العادات والمعاملات واللباس والطعام والنوم وغيرها في تنظيمٍ شاملٍ لشتى مناحي الحياة.
أيها الإخوة والأخوات! وثمة مجال آخر برزت فيه وسطية هذه الأمة، في جانب من أهم جوانبها ألا وهو الجانب المتعلق بالمرأة: فجاءت هذه الشريعة الغراء والمرأة مظلومة بين جاهليتين، فكَرَّمتها وحفظت حقوقها وسمت بها أن تكون أجيرة، وصانتها من الوقوع في مستنقعات الرذيلة، وكفلت لها حريتها الشرعية، ونأت بها عن مسالك التحرر من القيم والهبوط إلى براثين الإباحية والانحلال، والانسلاخ من الفضائل وسلوك مسالك التبرج والسفور والاختلاط المحرم.
غير أن ثمة ملحظاً أخيراً مهماً يا عباد الله! وهو: أن الوسطية في الإسلام لا تخضع للأهواء والرغبات، فليست تنصلاً من الثوابت والمقومات، ولا تمرداً على المبادئ والأهداف والغايات، وإنما تضبط بضوابط الشريعة، فمن الناس من يحمل على كل ملتزم بدينه -لا سيما من أهل الخير والحسبة والإصلاح- ويصفهم بالغلو والتزمت، فمن يلتزم بالسنة باطناً وظاهراً فهو عندهم متحجر متشدد، ومن يدعو إلى الإسلام غالٍ متنطع، والغيورون عليه رجعيون متأخرون، أما المنهزمون المنفلتون من المثل، المفرطون بالقيم، المتلاعبون بالثوابت والمبادئ، فهؤلاء عندهم متمتعون بسعة الأفق، متحررون متنورون، متطورون متفتحون على الآفاق المعاصرة، واقعيون في النظر والسلوك؛ ولعمر الحق إن هذا نوع من التطرف المحموم والفكر المسموم، في مقابل نوع غير متاكفئ من الغلو المذموم، مما يحمل طلاب الوسطية على الاعتدال بين ذينك الطرفين، والدعوة موجهة من بلاد الوسطية، حساً ومعنى، مكاناً وزماناً، عقيدة ومنهاجاً، زادها الله خيراً وهدى وتوفيقاً.
إلى أن يفيء العالم إلى ظِلال هذه الوسطية المتألقة، ليحقق لنفسه ومن حوله الخير والسلام، وليعيش الناس في أمن وأمان وإخاء ووئام: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على إمام الحنيفية المبعوث بالاعتدال والوسطية، كما أمركم بذلك ربكم رب البرية، فقال تعالى في محكم تنزيله، وأصدق قيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحبه وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم هيئ له من لدنك معيناً وظهيراً يا ذا الجلال والإكرام! اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لاتباع كتابك، وتحكيم سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم فارج الهم، كاشف الغم، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، نسألك اللهم رحمة من عندك تغنينا عن رحمة من سواك، اللهم اكشف الغمة عن هذه الأمة يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، نسألك يا من لا يخلف وعده، ولا يهزم جنده، أن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان.
اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود ومن شايعهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 570
عولمة المرأة
عولمة المرأة من الشعارات الزائفة التي تنتهك من خلالها حرمة المرأة بعد أن كانت مصونة في ظل الإسلام، وتستعبد بعد أن حررها الإسلام، وتباع بأرخص سعر وقد أغلاها الإسلام وأعلاها، ومنحها آدميتها التي سلبها منها بعض المنحرفين من البشر.
فعلى المسلمين والمسلمات أن يحذروا من الخطر القادم المتمثل في التيارات التي تدعي تحرير المرأة، وإدراك أن المرأة فتنة وقد تصبح نكبة إذا تمكن الأعداء من استغلالها كما يريدون.
стр. 571
رحلة المرأة من الظلمات إلى النور
الحمد لله خلقنا من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، أحمده تعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، أسبغ علينا من فضله نعماً وآلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بحقه وثناء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل الخليقة بهاءً وأعلاهم سناءً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خيار هذه الأمة صفاءً ووفاءً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم بعث الخلائق حساباً وجزاءً، وسلم تسليماً كثيرا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون والمسلمات: اتقوا الله ﵎ رب البريات، فإنها خير ذخر يدخر في الحياة وبعد الممات، وبها تحصل البركات، وتنال الكرامات، وترفع الدرجات، وتقال العثرات، وتكفر السيئات: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥].
عباد الله! من محاسن ديننا الإسلامي الحنيف ومميزات شريعتنا الغراء أنها جاءت بالشمول والكمال، فلم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا نظمته أحسن نظامٍ وأكمله، وأتقنه وأشمله، ولله الحكمة البالغة فيما يخلق ويختار: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
معاشر المسلمين! ومن الجوانب الرئيسة التي تولاها الإسلام بالعناية والرعاية، وأحاطها بسياجٍ منيع من الصيانة والحماية، ورسم لها خير منهجٍ لما لها من الأهمية والمكانة الجانب المتعلق بالمرأة وشئونها، ومكانتها في المجتمع، ومسئوليتها في الأمة، وما لها من حقوق وما عليها من واجبات، كل ذلك لأنها اللبنة الكبرى، والنواة الأولى، والبنية الأقوى التي يرتكز عليها عمود الأسرة، وبناء المجتمع، وبالتالي نهضة الأمة، وإعلاء صرح حضارتها، ولأنها الأم الرءوم، والزوج الحنون، والأخت الكريمة، والبنت اللطيفة، بل هي المدرسة الحقيقية لإعداد الأجيال وصناعة الرجال.
معاشر الإخوة والأخوات: لقد جاء الإسلام والمرأة مهضومة الحقوق، محل الشؤم والعقوق، مهيضة الجناح، محملة الجُناح، مسلوبة الكرامة، مهانة مزدراة، محل التشاؤم وسوء المعاملة، معدودة من سقط المتاع وأبخس السلع، تباع وتُشترى، توهب وتكترى، لا تملك ولا تورث، بل تقتل وتوأد بلا ذنبٍ ولا جريرة، فلما أشرق على المعمورة نور الإسلام بحكمته وعدله، رفع مكانتها، وأعلى شأنها، وأعاد لها كرامتها، ومنحها حقوقها، وألغى مسالك الجاهلية نحوها، واعتبرها شريكة للرجل، شقيقة له في الحياة، وقد ذكرها الله في كتابه الكريم مع الرجل في أكثر من موضع، يقول سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات:١٣] ويقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]
وأوصى بها النبي ﷺ خيرا، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ ولـ أحمد وأبي داود والترمذي عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم﴾ وأعلن ﵊ حقوقها، وواجباتها ومالها وما عليها في المجمع العظيم يوم عرفة في خطبة الوداع.
стр. 572
المساواة الإسلامية بين الرجل والمرأة
إخوة الإيمان: كما ضمن الإسلام للمرأة الكرامة الإنسانية، والحرية الشرعية، والأعمال الإسلامية، التي تتفق مع طبيعتها وأنوثتها، فيما لا يخالف نصاً من الكتاب والسنة، ولا يعارض قاعدة ومقصداً من مقاصد الشريعة الغراء، في محيط النساء المصون، كما ساوى بينها وبين الرجل في عدد من المجالات.
إلا أن هذه المساواة قائمة على ميزان الشرع، ومقياس النقل الصحيح والعقل الصريح، فقد جعل الله لكل من الرجل والمرأة خصائص ومزايا ومقومات ليست للآخر، فأعطى الرجل قوة في جسده ليسعى ويكدح، ومنح المرأة العطف والحنان لتربية الأجيال وتنشئة الأبناء، وبناء الأسرة المسلمة.
أمة الإسلام! أي شيءٍ بعد هذا التكريم تريده النساء؟ وأي شيء بعد هذه الرعاية والعناية تنشده بنات حواء؟ أيستبدلن الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ أيؤثرن حياة التبرج والسفور والتهتك والاختلاط على حياة الطهر والعفاف والحشمة؟ أيضربن بنصوص الكتاب والسنة الآمرة بالحجاب والعفة عرض الحائط، ويخدعن بالأذواق الماكرة والأصوات الناعقة، والأقلام الحاقدة، والدعايات المضللة، والكلمات المعسولة الخادعة التي تطالعنا بين الفينة والأخرى، وتثار بين حينٍ وآخر؟
أيتركن التأسي بأمهات المؤمنين الطاهرات، وأعلام النساء الصالحات، ويقلدن الماجنات، ويتشبهن بالفاجرات عياذاً بالله؟!
стр. 573
المكانة الحقيقية للمرأة في الإسلام
أخواتي المسلمات! إنكن لن تبلغن كمالكن المنشود، وتعدن مجدكن المفقود، وتحققن أملكن المعقود، وطموحكن المشهود، إلا باتباع تعاليم الإسلام والوقوف عند حدود الشريعة، فذلك كفيلٌ أن يطبع في قلوبكن محبة الفضائل والتخلي عن الرذائل.
أختي المسلمة الطاهرة العفيفة، الحرة الكريمة الشريفة! مكانك والله تُحمدي، وبيتك بالله تسعدي، وحجابك تالله تصلُحي، وعفافك ورب الكعبة تريحي وتستريحي: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩].
أيتها الأخوات في الله! أنتن في الإسلام دررٌ مصونة، وجواهر مكنونة، أنفس لآلئ في أحكم صدف، وأغلى وأجل من كل الأثمان والتحف، وبغير الدين دمن في يد كل فاجر، وسلعٌ يتاجر بها؛ بل يلعب بها ذئاب البشر الجائعة، وثعالبها الخادعة، فيهدرون عفتها وكرامتها، ثم يلفظونها لفظ النواة، ويرمونها رمي القذاه، فمتى خالفت المرأة آداب الإسلام، وتساهلت بالحجاب، وبرزت للرجال مزاحمة متعطرة، غاب ماؤها، وقل حياؤها، وذهب بهاؤها، فعظمت بها الفتنة، وحلت بها الشرور والنقمة.
стр. 574
الحرب على المرأة في العصر الحديث
فيا أيتها المسلمات المعتزات بشرف الإسلام! ويا أيتها الحرائر العفيفات المصونات! أنتن خير خلف لخير سلف، تمسكن بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وكن على حذرٍ من الأيدي الماكرة، والعيون الفاجرة، التي تريد إنزالكن من علياء كرامتكن، وتهبط بكن من سماء أمجادكن، وتخرجكن من دائرة سعادتكن، وإياكن والخديعة والانهزام أمام الحرب السافرة بين الحجاب والسفور، والعفاف والإباحية، فلم يعد خافياً أن التبرج والسفور مطية الفساد وطريق الفجور.
إن أعداء الإسلام قد ساءهم وأقض مضاجعهم ما تتمتَّع به المرأة المسلمة من حصانة وكرامة، فسلطوا عليها السهام، ونصبوا لها الفخاخ، ورموها بنبلهم عن قوسٍ واحدة، ومن الغريب أن يسير في ركابهم، ويسعى في نشر أفكارهم أناسٌ من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، فيشنون الحرب الفكرية الشعواء على أخواتنا المسلمات، ماءِ وجوهنا، ومقلِ عيوننا؛ عبر العناوين الخادعة، والمقالات الساحرة هنالك وهناك، فينادون زوراً وخديعة، بتحرير المرأة، ويشيعون الشائعات المغرضة، والشبه الداحضة عن المرأة المسلمة، يقولون عن المجتمع المسلم المحافظ، إن نصفه معطل، ولا يتنفس إلا برئة واحدة، وكيف تترك المرأة حبيسة البيت ورهينة المنزل؟ وما إلى ذلك من الأقوال الأفاكة، والعبارات المضللة.
فماذا يريد هؤلاء؟ وما يروون؟ وإلى أي شيء يهدفون؟
نعم.
إنهم يهدفون إلى تحرير المرأة من أخلاقها وآدابها، وانسلاخها من مثلها وقيمها ومبادئها، وزجها في أتون الشر والفساد، يريدونها عارضة للأزياء، وسلعة للسذج والبسطاء، تزين بها أغلفة المجلات، وتروج من خلالها لسوق الدعايات والإعلانات، فمن لصلاح البيوت وسعادة الأهل وتربية الأجيال؟
خبرونا بربكم أي فتنة تقع وأي بلاءٍ يحدث إذا هتك الحجاب، ووضع الجلباب، وافترس المرأة الذئاب، نتيجة السفور والاختلاط في الدوائر والمكاتب والمدارس والأسواق؟
أما يكفي زاجراً يا عباد الله، ويشفي واعظا ما وقعت فيه المجتمعات المخالفة لتعاليم الإسلام من الهبوط في مستنقعات الرذيلة، ومهاوي الشرور وبؤر الفساد، حين أهملت أمر المرأة حتى انطلقت الصيحات المجردة، والنداءات المتكررة، مطالبة بعودة المرأة إلى حصنها وقرارها؟
هل يرضى من فيه أدنى غيرة ورجولة، ومسكة عقلٍ ومروءة، أن تصير امرأته وموليته مرتعاً لأنظار الفساق؟ وعرضة لأعين الخونة؟ وماردة مكشوفة، ولقمة سائغة أمام عديمي المروءة؟ وضعاف النفوس وقليلي الديانة؟ لقد أفادت الأوضاع السائدة إقليمياً وعالمياً أن خروج المرأة من بيتها هو أمارة الخراب والدمار، وعلامة الضياع والبوار، وعنوان انقطاع وشائج الألفة والمحبة والفضيلة، وانتشار غوائل الشرور والفساد والرذيلة بين أبناء المجتمع.
стр. 575
شعار عولمة المرأة
أمة الإسلام! أمة الطهر والعفاف والحياء والاحتشام! لقد نحا الهجوم على المرأة في الآونة الأخيرة منحى خطيراً، واتخذ منعطفاً كبيراً، يوم أن تبنته مؤتمرات دولية، ومنظمات عالمية، تحت شعار ما يعرف بعولمة المرأة، بث فيها سدنة الجريمة، وسماسرة الرذيلة سمومهم ضد المرأة المسلمة، ومن حق المسلمين الغيورين أن يتساءلوا: أمن شكٍ في ثوابتنا ومبادئنا حتى تثار قضايانا الكبرى بين الفينة والأخرى للجدل العقيم؟! والطرح الهزيل، والنقاش الذميم؟! ومنها قضية المرأة.
بأي حقٍ يجعل من المرأة شماعة تعلق عليها زبالات الأفكار والأهواء، وعفن الثقافات والآراء؟
هل من الإنصاف أو من الإسفاف أن تجعل المرأة الحرة الكريمة سلّماً لذوي المآرب المشبوهة، وجسراً يصل من خلاله ذوو الاتجاهات المغرضة، إلى جر المجتمعات المحافظة إلى مستنقعات الرذيلة والتخريب، وشرور العلمنة والتغريب، ومن ثم إلى مهاوي العدم وبؤر الفناء؟
هل من العقل والرحمة ومراعاة حقوق الإنسان أن تجعل التجارب الغربية الخاطئة أنموذجاً يقتفى، وميزاناً توزن به النماذج الاجتماعية الإسلامية؟
هل من الحوار الحضاري المزعوم أن تفرض على الأمة الإسلامية أطرٌ اجتماعية وأسرية مخالفة لمبادئها وثوابتها؟
стр. 576
مؤامرات تسمى مؤتمرات
لقد طالعتنا منظمات مشبوهة تدعي مراعاة حقوق الإنسان، في الأيام القليلة الماضية بعقد مؤتمر عن المرأة والأسرة عام (٢٠٠٠م) وقد سبقه عدة مؤتمرات هي في الحقيقة مؤامرات، وقد صدرت عنه وثيقة دولية عن المرأة والأسرة عام (٢٠٠٠م) من أوراق عمل لتحرير المرأة والأسرة، الحرية، الإنجاب خارج الشرعية الأسرية، تجريد الزواج، الإجهاض، إباحة الشذوذ، تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة، الاتجار العلني بأجساد النساء، وغير ذلك من تحسي السموم، واللهف المحموم، في تحولٍ عجيب من هذه المحافل الدولية، والمنظمات العالمية، إلى فرض آليات تمثيلية على البلاد الإسلامية.
أين مراعاة حقوق الإنسان المتمثل في المرأة التي يراد لها الاستغلال والابتذال في أسوأ صوره، وأحط معانيه؟ وبالأمس القريب شنت هذه المنظمات المشبوهة هجومها على بلاد الحرمين الشريفين -حرسها الله- زاعمة زوراً وبهتانا انتهاكها لحقوق الإنسان لتنفيذها شرع الله المطهر، تكريماً للإنسان وحفاظاً على بني الإنسان.
واليوم تتجه سهامها ضد المرأة المسلمة، الإنسان المكرم، والعنصر المحترم، هل يريدون من المرأة عام (٢٠٠٠م) أن تكون سلعة إعلامية، وملهاة جنسية؟ أين هذه المنظمات إن أرادت إنصاف المرأة ومراعاة حقوقها عن آلاف المغتصبات، وعشرات الألوف من المستحوات؟
أين هي من المرأة المنكوبة في البوسنة والشيشان؟ وفي بقاعٍ كثيرة من العالم؟
بل أين دموع تماسيحها على المرأة الغربية حيث التفكك الأسري، والتحطم الاجتماعي؟ لكنه الكيد والمؤامرة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
لقد طفح كيل القوم، وضاق عطنهم، وأخرجوا مكنونهم، ولم يعد خافياً على الغيورين حملاتهم المسمومة، وتحدياتهم المحمومة ضد المرأة المسلمة وحجابها، وعفافها وحيائها، فهل تعي المرأة المسلمة ما يخطط لها، ويكاد ضدها، ويدبر حيالها، من وسائل الفتنة بها ولها، فلا يزيدها ذلك إلا استمساكاً بشخصيتها الفذة، واعتزازاً بأصالتها الفريدة، وعدم الانسياق مع الانفتاح والمتغيرات، على حساب الثوابت والمبادئ واليقينيات؟
يجب ألا تزعزع هذه التحديات السافرة ثقة المرأة المسلمة بنفسها، وتمسكها بدينها، واعتزازها بثوابتها، في خضم هذه الزوابع المتكررة، والحملات المسعورة المتتالية.
стр. 577
فتنة النساء وواجب المسلمين تجاه الحملة العالمية
فيا أيها العقلاء! اعتبروا واحذروا، وعوا ولا تخدعوا، فالسعيد من وعظ بغيره، واعلموا أن نكبة الأمة اليوم في مجتمعاتها، وإخفاقها في أخلاقها، وانتكاسها في سلوكياتها، لم تكن إلا بعد أن نكبت في نظام أسرها، وفساد تربيتها لنسائها.
وقد قال الصادق المصدوق ﷺ : ﴿ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء﴾ متفقٌ عليه من حديث أسامة بن زيد ﵄، وقال ﷺ : ﴿فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾ أخرجه مسلم في صحيحه.
فهل تعمل البلاد الإسلامية والمؤسسات والمنظمات الخيرية على تبني قضايا المرأة المسلمة، ومواجهة التحديات بمزيدٍ من الدراسة والتنسيق، والتأصيل والتحقيق الدقيق، والبرامج العملية الناجحة التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النظم الاجتماعية المحافظة، هي القلعة الحامية بإذن الله من السقوط والانهيار؛ لأن الارتباط بها ارتباط وجودٍ وهوية، وهو ما يتطلب وعياً عميقا، ويقظة دائمة، ونوايا مخلصة.
وحفظ الله نساء المسلمين من كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، وكان سبحانه في عون العاملين لنصرة دينهم، وخدمة قضايا أمتهم، إنه خير مسئولٍ وأكرم مأمول.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.
стр. 578
نداءات بشأن خطورة قضايا المرأة
الحمد لله مسدي النعم والآلاء، وكاشف النقم واللأواء، أحمده تعالى وأشكره وهو ذو العز والعظمة والكبرياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا أنداد ولا شركاء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام الحنفاء، وسيد الأصفياء، وخاتم المرسلين والأنبياء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء، وصحبه الأوفياء، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ من الرجال والنساء، صلاة وسلاماً متعاقبين تعاقب الصباح والمساء، دائمين ما دامت الأرض والسماء.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، اتقين الله إماء الله، تمسكوا جميعاً بكتاب ربكم وسنة نبيكم ﷺ ، فخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها.
أيها الإخوة والأخوات في الله: إن قضية المرأة من الخطورة بمكانٍ كبير، وتحتاج إلى عرضٍ متجددٍ مركز؛ لأنها اتخذت مطية وغرضاً من أعداء الإسلام وأذنابهم، يبثون من خلاله شبههم، وينشرون أباطيلهم وسمومهم في غفلة من المسلمين، وانشغالٍ من كثيرٍ من المصلحين.
ولكي لا ينخدع بعض الدهماء والدهماوات؛ فإن على المسلمين في مختلف ثغورهم ومجالاتهم العناية بهذه القضية، وبيان منهج الإسلام فيها لنثبت للعالم بأسره أننا ولله الحمد في يقظة من أمر ديننا، وأن فتياتنا المصونات عزيزات بإسلامهن، متمسكات بدينهن، لا تنطلي عليهن أقوال الناعقين أعداء المثل والقيم والمبادئ السامية.
стр. 579
نداء إلى المسلمات والجمعيات النسائية
فإلى أخواتنا المسلمات في عالمنا الإسلامي، وإلى نصف أمتنا الثاني، يوجه هذا النداء الحاني، من هذه البقعة الطاهرة بالتمسك الحقيقي بكتاب الله، والعض بالنواجذ على سنة رسول الله ﷺ ، واتباع تعاليم الإسلام وآدابه، وإلى الجمعيات النسائية في كل مكان يوجه التحذير من مغبة مخالفة المرأة لهدي الإسلام، ويدعى بإخلاصٍ وإشفاق إلى الحذر الشديد من الانسياق وراء الشعارات البراقة، والدعايات الخلابة، والمصطلحات الأخاذة المسمومة المظللة ضد أخلاق المرأة ومثلها وقيمها.
стр. 580
نداء إلى المسئولين عن الفتاة المسلمة
وإلى المسئولين عن الفتاة المسلمة تعليماً قوامة ورعاية، أن يتقوا الله ، ويقوموا بواجبهم تجاهها، مع العناية التامة بالجوانب الإيمانية والتربوية والأخلاقية، لا بد من وضع حدٍ فاصل، وسدٍ منيع أمام السيول المتدفقة من المظاهر الفاضحة، والمناظر الماجنة، والأفلام الخليعة، والصور العارية وشبه العارية التي تقضي على الغيرة والأخلاق، وتورث الدياثة والرذيلة، وليس بخافٍ على الغيور ما تضج به الفضائيات، وتقذف به شبكات المعلومات من الرخيص المسف، والعفن والتفاهات فالله المستعان!
стр. 581
نداء إلى أولياء الأمور
أما أولياء أمور النساء من آباء وأزواج فإننا نذكرهم بواجب القوامة على المرأة امتثالاً بقوله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] فعليهم أن يتقوا الله ، ويقوا أنفسهم ونساءهم وأبناءهم عذاب الله سبحانه، وذلك بالقيام بتربيتهم، ومتابعاتهم، ومراقبتهم، وأطرهم على تعاليم الإسلام، إننا نناشد فيهم غيرتهم على نسائهم، ونخاطب فيهم شهامتهم ورجولتهم ومروءتهم، ذباً عن أعراضهم، وصوناً لمحارمهم، فضلاً عن ديانتهم وأخلاقهم.
стр. 582
التزام النساء في الجزيرة وبلاد الحرمين
ألا وإن من الإنصاف المتأصل، وشكر المنعم المتفضل، ما تتميز به بنات الجزيرة المحافظات، وفتيات بلاد الحرمين المصونات، من خصائص وميزات، أهَّلتها لأن تكون فريدة من نوعها، متميزة عن غيرها، شامة بين بنات جنسها تحلياً بالسير على المنهج الإسلامي الصحيح، في وقتٍ تقاذفت فيه المرأة في العالم أمواج الفتن وأعاصير المحن، وما ذاك إلا بتمسك ولاتها وفقهم الله بتعاليم الإسلام، وتأكيدهم التزام المرأة في هذه البلاد المباركة بالمنهج الشرعي، ومنع ما يخالفه من المظاهر والسلوكيات، فهل يعي ذلك كل دعيٍ يخالف منهج شريعتنا، ويصر على الخروج على سياسة ولايتنا وفقها الله، ونصر بها الحق وأهله؟
وأخيراً يا رعاكم الله: هل تجد هذه الكلمات المشفقات آذاناً صاغية، وقلوباً واعية؟ هذا الرجاء والأمل، وعلينا الإخلاص والعمل، ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا، وسيدنا محمد بن عبد الله رسول رب العالمين وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين والمستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في الشيشان، اللهم انصرهم في كشمير، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الرحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 583
نجاة الأمة في التمسك بالسنة
إنه لا سعادة ولا حياة ولا نجاة إلا إذا عرفنا الطريق الحق الذي لا عوج فيه، وهذا الطريق لا يُعرف إلا من سنة المصطفى ﷺ ، فلا يدخل أحد الجنة ولا ينجو إلا من اعتصم بهديه وقرأ كتاب الله وعمل به.
стр. 584
أهمية الحديث عن اتباع السنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، اللهم لك الحمد كما هديتنا للإسلام، ومننت علينا ببعثة خير الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصب على ربوبيته أعظم الدلائل، وأقام على ألوهيته الآيات الجلائل، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأواخر والأوائل، المبعوث بأكرم السجايا وأشرف الشمائل، صلى الله عليه وعلى آله أولي المكرمات والفضائل، وصحبه الذين أحبوه محبة تفوق محبة النفس والمال والولد والحلائل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وفي نصرة الحق يُجاهد ويناضل، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون! حينما يتعاظم ركام الفتن في الأمة، وتخيم على سمائها الصافية غيوم الغمة، فيلتبس الحق بالباطل، وتخفى معالم الحق على كثيرٍ من أبناء الملة، ويختلط الهوى بالهدى، فإن تقوى الله سبحانه هي التي تنير طريق الهداية، ويُبدد نورها ظلمات الجهل والغواية، من وهبه الله التقوى فقد وهبه نوراً يمشي به على درب النجاة، في سلامة من المؤثرات العقدية والمنهجية، وفي بُعدٍ عن اللوثات الفكرية والسلوكية.
ألا ما أحوج الأمة اليوم إلى أن تُعمر قلوب أبنائها بالتقوى واليقين، ليتحقق لها -بإذن الله- النصر والتمكين.
معاشر المسلمين! قضيتنا الكبرى، التي يجب ألا تُنسى في جديد التحديات، وفي زخم الحوادث والمؤامرات؛ حيث إنها الركيزة العُظمى التي تُبنى عليها الأمجاد والحضارات، بل وتتحقق بها التطلعات والانتصارات، وتخرج بها الأمة من دوامة الصراعات؛ هي أننا أمة عقيدة إيمانية صافية، ورسالة عالمية سامية، أمة توحيد خالص لله، واتباع مطلق للحبيب رسول الله ﷺ ، هذه القضية الكبرى، هي حديث المناسبة وكل مناسبة، والتذكير فيها موضوع الساعة وكل ساعة إلى قيام الساعة، وإن خيرَ ما عُني به المسلمون، وتحدَّث عنه المصلحون: العقيدة الإيمانية، والسنة المحمدية، والسيرة النبوية.
стр. 585
السنة النبوية خير مؤدب
فهي للأجيال خير مربٍ ومؤدب، وللأمة أفضل معلم ومهذب، وليس هناك أمتع للمرء من التحدث عمن يحب، فكيف والمحبوب هو حبيب رب العالمين، وسيد الأولين والآخرين؟ فهو مِنَّةُ الله على البشرية، ورحمته على الإنسانية، ونعمته على الأمة الإسلامية، فبالله ثم بمحمد بن عبد الله قامت شرعة، وشيدت دولة، وصُنِعَت حضارة، وأسست ملة من ملل الهدى الغراء، بُنيت على التوحيد؛ وهي حقيقة نادى بها الحُكماء والعقلاء، وليس هناك أحد من البشر نال من الحب والتقدير ما ناله المصطفى ﷺ ، فباسمه تلهج ملايين الألسنة، وبذكره تهتز قلوب الملايين، ولكنَّ العبرةَ أن يتحول هذا الحب إلى محض اتباع دقيق، لكل ما جاء به ﵊، كما قال الحق ﵎ مبيناً معيار المحبة الصادقة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
стр. 586
الحاجة إلى معرفة السنة في عصر التغريب
إخوة الإيمان! ولم تكن حاجة الأمة في عصر ما، إلى الاقتباس من مشكاة النبوة والسنة المباركة ومعرفة السيرة العطرة، معرفة اهتداء واقتداء؛ أشد إليها من هذا العصر الذي تقاذفت فيه الُأمةَ أمواجُ المحن، وتشابكت فيه حلقات الفتن، وغلبت فيه الأهواء، واستحكمت فيه الزعوم والآراء، وواجهت فيه الأمة ألواناً من التصدي السافر، والتحدي الماكر، والتآمر الجائر من قبل أعداء الإسلام الذين رموه عن قوس واحدة.
والذي تولى كبره منهم من لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت؛ من اليهود المعتدين، والصهاينة الغاشمين، ويوالي مسيرتهم دعاة التثليث، وعبدة الصليب، ويشد أزرهم المفتونون بهم، المتأثرون بعفن أفكارهم، وسموم ثقافاتهم، من أهل العلمنة ودعاة التغريب.
ويزداد الأسى حين يجهل كثير من أهل الإسلام حقائق دينهم، وجوهر عقيدتهم، ويسيرون مع التيارات الجارفة دون تمحيص ولا تحقيق، أو يُجمدون على موروثات مبتدعة دون تجلية ولا تدقيق، وقد صح عن المعصوم ﷺ أنه قال: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أخرجه مسلم في صحيحه.
стр. 587
الشمائل النبوية والآداب المصطفوية
أيها الإخوة في الله! يا أحباب رسول الله ﷺ ! هذه وقفات ومقتطفات مع جانب من أهم جوانب السنة العطرة، والسيرة المباركة، ذلكم هو جانب الشمائل النبوية، والسجايا المحمدية، والآداب المصطفوية، فهي نعيم وينبوع صافٍ متدفق، يرتوي من نميره كل من أراد السلامة من لوثات الوثنية، والنجاة من أكدار الجاهلية، بل هي المنظومة المتألقة، والكوكبة المتلألئة، والشمس الساطعة، والسنى المشرق، والمشعل الوضاء الذي يبدد ركام الظلم والظلام، ولئن فات كثير رؤيته ﷺ بأبصارهم فإن في تأمل شمائله لعزاء وسلوان، فالمطبقون لشمائله إن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا.
إن فاتكم أن تروه بالعيون فما يفوتكم وصفه وهذي شمائله
مكمل الذات في خَلق وفي خُلق وفي صفات فلا تُحصى فضائله
стр. 588
وقفة لمراجعة دراسة الشمائل المحمدية
إخوة العقيدة! إننا بحاجة إلى تجديد المسار على ضوء السنة المطهرة، وتصحيح المواقف على ضوء السنة العطرة، والوقوف طويلاً للمحاسبة والمراجعة، نُريد من مطالعة السنة والسيرة، ما يزيد الإيمان ويُزكِّي السريرة، ويعلو بالأخلاق، ويقوم المسيرة.
يُخطئ كثيرون حينما ينظرون إلى المصطفى ﷺ وسيرته، كما ينظر الآخرون إلى عظمائهم في نواحٍ قاصرة محدودة بعلم أو عبقرية أو حنكة، فرسولنا ﷺ قد جمع نواحي العظمة الإنسانية كلها، في ذاته وشمائله وجميع أحواله؛ لكنه مع ذلك ليس رباً فيقصد، ولا إلهاً فيعبد، وإنما هو نبي يطاع، ورسولٌ يُتبِّع.
أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ إن من المؤسف حقاً أن بعض أهل الإسلام لم يقدروا رسولهم ﷺ حق قدره، حتى وهم يتوجهون إليه بالحب والتعظيم، ذلك أنه حب سلبي لا صدى له في واقع الحياة، ولا أثر له في السلوك والامتثال.
стр. 589
من شمائله ﷺ في الدعوة إلى التوحيد
أمة الإسلام: تأملوا هديه وشمائله -بأبي هو وأمي ﵊ في جوانب الدين والدنيا بأسرها، ففي مجال توحيده لربه صدع بالتوحيد، ودعا إليه ثلاث عشرة سنة بـ مكة وعشراً بـ المدينة، كيف لا؟ وهو المنزل عليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣].
وإن أول واجب على محبيه أن يُعنوا بأمر الدعوة إلى توحيد الله التي قامت عليها رسالته ﵊، ومحاذرة كل ما يخدش صحيح المعتقد، وصفو المتابعة، من ضروب الشركيات والبدع والمحدثات.
وفي مجال عبوديته لربه قام من الليل حتى تفطرت قدماه، فيقال له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: ﴿أفلا أكون عبداً شكوراً﴾ أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 590
أخلاق النبي ﷺ ومعاملته لأهله وخدمه
يا أمة محمد ﷺ ! وفي مجال الأخلاق تجدوه مثال الكمال في رقة القلب، وسماحة اليد، وكف الأذى، وبذل الندى، وعفة النفس، واستقامة السيرة، كان ﵊ دائم البشر، سهل الطبع، لين الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح.
زانته في الخُلق العظيم شمائل يضرى بهن ويولع الكرماء
وأعظم من ذلك وأبلغ ثناءُ ربه عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
يقول أنس ﵁: [[ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أحسن من رائحة رسول الله ﷺ ، ولقد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي: أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا]].
تلك لعمر الحق عراقة الخلال، وسمو الخصال، وكريم الشمائل، وعظيم الفضائل، فسبحان من رفع قدره، وشرح صدره، وأعلى في العالمين ذكره:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
فهل من يتغنون اليوم بسيرته يقتفون أثره في هديه وشمائله؟
وهناك صفحة أخرى -يا رعاكم الله- في معاملاته لأصحابه وأهل بيته وزوجاته، يقول ﷺ : ﴿أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم﴾ أخرجه أحمد وأهل السنن، وهكذا في سياسة الدولة الإسلامية، وفي عبادته لربه، وفي نفقته وبذله، وفي قوته وجهاده، وحرصه على أداء رسالة الله، وتبليغ دعوة ربه ﵎.
стр. 591
حكمته ورفقه بالناس في الدعوة
وهاكم -رعاكم مولاكم- أنموذجاً على حكمته في الدعوة ورفقه بالمدعوين، ورحمته بالناس مسلمين وغير مسلمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
ومراعاته لحقوق الإنسان، بل ورفقه حتى بالحيوان في وقت تتغنى فيه حضارة اليوم بدوس كرامة الإنسان، وراعيةً أحط حيوان!! والله المستعان.
ويتجلى هذا الأنموذج الرائع في قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد حين نهره الصحابة ﵃ فقال ﷺ : ﴿دعوه لا تزرموه - أي: لا تنهروه-﴾، وقال لهم ﷺ : ﴿إنما بُعثتم مبشرين ولم تبعثوا معسرين﴾ وأرشده برفق وحكمة، وكانت النتيجة أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، متفق عليه.
وفي قصة ثمامة بن أثال حينما أسر وربط في سارية المسجد وهو مشرك وكان سيد قومه، ورسول الله ﷺ يمر به ويقول: ﴿ماذا عندك يا ثمامة؟ فيقول: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فيقول ﷺ بعد أن أكرمه ورفق به، وأحسن معاملته: أطلقوا ثمامة، فانطلق ثمامة فاغتسل ثم دخل المسجد وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، والله يا محمد! ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك اليوم أحب الوجوه كلها إليّ، وما كان من دينٍ أبغض إليّ من دينك، وأصبح دينك اليوم أحب الدين كله إليّ، والله ما كان من بلدٍ أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ﴾ خرجه الشيخان.
الله أكبر! تلك آثار الدعوة بالرفق والرحمة والحسنى، والبعد عن مسالك العنف والغلظة والفظاظة، وهو درس بليغ للدعاة إلى الله إلى قيام الساعة:
بنيت لهم من الأخلاق ركناً فخانوا الركن فانهدم اضطراباً
وكان جنابهم فيها مهاباً وللأخلاق أجدر أن تهاباً
ولما قيل له ﵊: ألا تدعو على المشركين؟
قال: ﴿إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة للعالمين﴾ أخرجه مسلم.
وقال لهم: ﴿ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾.
стр. 592
دعوة إلى إحياء السنة
ألا فلتعلم الإنسانية قاطبة، والبشرية جمعاء، هذه الصفحات الناصعة، من رحمة الإسلام ورسول الإسلام والسلام ﵊، الذين يجدون ذكر شمائله في توراة موسى، وفي بشارة عيسى؛ وليعلم من يقف وراء الحملات المغرضة ضد الإٍسلام، ورسول الإسلام، وأهل الإسلام، ما يتمتع به الإسلام من مكارم وفضائل، ومحاسن وشمائل، ومدى البون الشاسع، بين عالميتهم الآسنة، وعولمتهم المأفونة، في إهدار للقيم الإنسانية، وإزراء بالمثل الأخلاقية.
وهل تدرك الأمة الإسلامية اليوم الطريقة المثلى للدعوة إلى دينها، وإحياء سنة رسولها ﷺ ، إحياءً عملياً حقيقياً لا صورياً وشكلياً.
إن حقاً على أهل الإسلام وهم المؤتمنون على ميراث النبوة، أن تصقلهم الوقائع، وتربيهم التجارب، إذ لا تزال الفتن والخطوب مدلهمة على هذه الأمة.
وإذا كانت الأمة في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها تتحدث عن شمائل المصطفى ﷺ فكيف يطيب الحديث ويحلو الكلام ومقدسات المسلمين يعيث فيها أعداء الإسلام من اليهود المعتدين؟
وهاهم يُصعدون عدوانهم وإرهابهم، يجدّون في إذكاء نار الفتنة في صلف ورعونة على سمع العالم وبصره، تحدياً لمشاعر المسلمين في مسرى سيد الثقلين، وثالث المسجدين الشريفين أقر الله أعين المؤمنين بفك أسره من اليهود الغاصبين، وجعله شامخاً عزيزاً إلى يوم الدين.
كيف يجمل الحديث وأعداء المسلمين -من الملحدين- يُصرون على صلفهم وعدوانهم ضد إخواننا وحرماتنا في الشيشان المجاهدة؟
كيف يحلو الكلام والهندوس الوثنيون يُمعنون في حقدهم السافر، ضد إخواننا ومشاعرنا في كشمير المسلمة، مما ينذر بخطرٍ داهم، وحربٍ ضروس في القارة الهندية برمتها، مما يتطلب ضبط النفس، والإصغاء إلى لغة الحوار، وصوت العقل والمنطق، ورد الحقوق إلى أصحابها؟
كيف وكيف؟؟ وكثير من قضايانا الإسلامية معلقة، وأوضاع أمتنا متردية إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإن الأمة اليوم بأمس الحاجة في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخها إلى التمسك الصحيح بدينها وسنة رسولها ﷺ في محبةٍ وتآلف واعتصام، وفي سماحة ويُسرٍ ووئام، وبذلك تتحقق وحدة الصف، وجمع الشمل، وتوحيد الكلمة على منهج الكتاب والسنة لفهم سلف الأمة ﵏، فلن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وبذلك تنكشف الغمة عن هذه الأمة، وما ذلك على الله بعزيز، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل خطيئة وإثم؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 593
الاعتصام بالكتاب والسنة نجاة عند المتغيرات
الحمد لله الذي أبان الطريق وأوضح المحجة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة، وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبد الله ورسوله، كساه من حلل النبوة ما زاده مهابة وبهجة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين فدوه بكل ما لديهم من نفس ومهجة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما أمَّ هذا البيت زائر واعتمره وحجه.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! ورووا قلوبكم وأرواحكم من شمائل نبيكم ﷺ ، وتأملوا خصاله العظيمة، وشمائله الكريمة، واربطوا أنفسكم وناشئتكم وأسركم بها، رباطاً محكماً وثيقاً، يسمو عن التخصيص في أوقات، والتعيين في مناسبات؛ فليس هذا من منهج السلف الثقات.
واعلموا -رحمكم الله- أن هذه الشمائل المصطفوية، والسجايا النبوية، ينبغي أن يكون لها تأثير عملي في إصلاح المنهج، وأثر تطبيقي في إحكام المسيرة والبناء، في عصر كثرت فيه المتغيرات، وتسارعت فيه المستجدات، عبر كثيرٍ من القنوات والشبكات، فالسنة خير عاصم من شرور هذه القواصم.
وإن الأمة اليوم في حاجة أكثر من أي زمن مضى إلى الاتحاد على منهج الكتاب والسنة، حتى تتلقى الجهود في ميدان واحد، نحو الهدف السامي الذي يسعى إليه كل مسلم، لقيادة سفينة الأمة إلى بر الأمان، وشاطئ السلام، بعيداً عن كل ما يُعكِّر صفو ورودها، وإن كل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام في خدمة دينه وعقيدته وسنة رسوله ﷺ بحسب مكانه ومسئوليته، فأروا الله -أيها المسلمون- من أنفسكم خيراً.
سيروا بخطى متوازنة، يتوجها العلم الشرعي الذي من خلاله يبنى الوعي الواقعي، لتأخذ هذه الأمة دورها القيادي، ومكانها الريادي من جديد في مقدمة الركب، ولتقود البشرية الحيرى مرة أخرى إلى مواطن العز والشرف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى، صاحب الحوض المورود واللواء المعقود والمقام المحمود.
من بلغ العلا لجلاله سطع الدجى لجماله
حسنت جميع خصاله صلوا عليه وآله
صلوا عليه صلاة متبع له، محب له، مقتفٍ آثاره، متمسك بسنته، فلا إطراء ولا جفاء، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا، فقال تعالى قولاً كريماً في محكم التنزيل، وصدق القيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلَّ على نبينا محمد ما ذكره الذاكرون، وصلَّ عليه ما غفل عن ذكره الغافلون، اللهم أحينا على محبته، وأمتنا على ملته، وثبتنا على سنته، وأكرمنا بشفاعته، وأوردنا حوضه، واسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وأنلنا شرف صحبته في عليين، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا.
اللهم وفقه لما تُحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه ونائبه إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان.
إلهنا عز جارك، وجلَّ ثناؤك، وتقدَّست أسماؤك، نسألك يا من لا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، أن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في فلسطين على اليهود المعتدين، والصهاينة الغاصبين، اللهم إن اليهود قد طغوا وبغوا وأرهبوا وأسرفوا في الطغيان وأفسدوا، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجزونك، اللهم شتت شملهم، وفرِّق جمعهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين!
اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم وفق أبناءنا وفتياتنا وطلابنا وطالباتنا، اللهم بلغهم فيما يرضيك آمالهم، وحقق في طاعتك رغائبهم، وأنجح مقاصدهم، واجعل النجاح والتوفيق حليفهم في الدنيا والآخرة.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 594
ظاهرة العزوبة والعنوسة
إن من المسلَّم به أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، فإذا ما فسدت هذه اللبنة أو انعدمت فسد المجتمع أو عدم، وما نراه من ظاهرة العزوبة إنما سببه الرئيسي هو ما دخل على المجتمع من أفكار غريبة، ولوثات فكرية موبوءة، وأيضاً ما يقوم به أولياء الأمور من المغالاة في المهور، والتقيد بعادات وتقاليد مخالفة للشرع.
стр. 595
خطر تفكك النسيج الاجتماعي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فالق الإصباح، شرع لعباده النكاح، وحرَّم عليهم السفاح، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، إمام الدعاة ورائد الإصلاح، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي التقى والصلاح، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما تعاقب المساء والصباح، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله ، فإنها سبب التوفيق والنجاح، وطريق العز والصلاح، وينبوع الخير والفلاح.
أيها المسلمون: إن النسيج الاجتماعي المترابط في الأمة دعامةٌ من دعائم سعادتها واستقرارها، وركيزة من ركائز نموها وازدهارها، والمنظومة الاجتماعية الخيرة في المجتمعات قاعدة كبرى في إرساء حضارتها وبناء أمجادها، والخلل الاجتماعي في أي أمة نذير خطرٍ يُهدد كيانها لما يحدثه من صدوع عميقة في بنائها الحضاري، ونظامها الاجتماعي، مما يُهدد البنية التحتية الاجتماعية، ويستأصل شأفتها.
والمتأمل في الواقع الاجتماعي لكثيرٍ من المجتمعات يُدرك ما أحدثته المتغيرات الحضارية من نقلة نوعية في حياة الأفراد والأسر والبيوتات، انعكست آثارها السلبية على كافة المستويات، لا سيما في القضايا الاجتماعية، فبعد أن كانت قضايا الأمة الاجتماعية متسمة باليسر والسهولة انقلبت إلى صورٍ جديدة متسمة بالعنت والمشقة والتعقيد، لتظهر أنماطٌ جديدة وظواهر خطيرة يُخشى أن تسهم في خلخلة النظام الاجتماعي في الأمة، ويأتي الانفتاح العالمي، والتواصل الحضاري، بين الشعوب والمجتمعات ليسهم في إبرام هذه الظواهر وإذكاء سعير هذه المظاهر؛ مما يتطلب التأكيد على التمسك بثوابت الأمة وأصولها وأخلاقها وقيمها ونظمها.
ولعل من أبرز الظواهر والسلبيات التي أذكتها المتغيرات والمستجدات: تلك الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تعصف بكيان الأسر، وتهدد تماسك المجتمع، حتى تقلصت وظائف البيت، وضعفت مسئوليات الأسرة، وكثرت ظواهر العقوق، وتخلَّى كثير من الأبناء والآباء عن أداء الحقوق، وعلت نسبة العنوسة، وكثرت المشكلات الاجتماعية، وارتفعت معدلات الطلاق، وتعددت أسباب الانحراف والجريمة والانتحار والمخدرات والمسكرات، وجنوح الأحداث، وتشرد الأطفال والعنف العائلي، وتفككت كثيرٌ من العلاقات الاجتماعية، وضعف تواصل الأرحام وذوي القربى، وسادت القطيعة والجفاء، وعَمَّ الحقد والحسد والبغضاء، وأسندت مهمة البيت وتربية النشء للخدم والسائقين، وضعفت أواصر المودة ووشائج الأخوة، وانتشرت ظواهر البطالة والاستهلاك التفاخري بين مطرقة الديون وسندان التقسيط، وشاعت قيم الآحادية والأنانية محل القيم الجماعية والإيثارية، وأهملت قضايا المرأة في حجابها وعفافها، واشتكت كثير من المجتمعات من تبرجها وسفورها، مما يشكل أزمة اجتماعية وتربوية محدقة، ويفرز أجيالاً جديدة وفق معطيات ثقافية مخالفة لعقيدتنا، وقيمٍ مخالفة لمجتمعاتنا المحافظة، مما يتطلب من الغيورين إيلاء القضايا الاجتماعية في الأمة حقها من العناية والتركيز والاهتمام والرعاية.
стр. 596
أسباب تفشي ظاهرة العزوبة والعنوسة
معاشر المسلمين! ولنقف وقفةً مع إحدى أبرز قضايانا الاجتماعية المتعلقة بقضايا الزواج لنُشخِّص فيها ظاهرة من أخطر الظواهر الأسرية التي لها آثارها وأخطارها على الفرد والمجتمع والأمة، إنها ظاهرة ما يعرف بالعزوبة والعنوسة التي يئن من لأوائها فئام من الشباب والفتيات.
لقد أرصدت دراسات اجتماعية معاصرة نسبة الإحصائيات المذهلة في بعض المجتمعات لهذه الظاهرة، حيث بلغت في مجتمعٍ واحد (مليوناً ونصف مليون) من العوانس تنتظر كل واحدة منهن فارس أحلامها، ومن المحتمل أن يزيد العدد خلال خمس سنوات قادمة إلى أربعة ملايين أو أكثر لو استمرت معدلات الزيادة بنفس الوتيرة، ولا شك أنه مؤثر مزعج ينذر بشؤمٍ خطير، وضررٍ كبير، ما لم تتدارك هذه الظاهرة، وتشخص داءً ودواءً بحلولٍ عملية تطبيقية لا نظرية فحسب.
أمة الإسلام: إن ظاهرة العنوسة في المجتمع وعزوف كثير من الشباب والفتيات عن الزواج له مضاره الخطيرة، وعواقبه الوخيمة على الأمة بأسرها، سواء أكانت هذه الأخطار والآثار نفسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية وسلوكية، لا سيما في هذا الزمان التي كثرت فيه أسباب الفتن، وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوة، فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والردى والفساد الأخلاقي إلا التحصن بالزواج الشرعي، فالقضية إذاً -أيها الغيورون- قضية فضيلة أو رذيلة.
ومن المؤسف! أن يصل بعض الشباب إلى سن الثلاثين أو أكثر وهو لم يُفكِّر بعد في موضوع الزواج، وما انفتحت أبواب الفساد إلا لما وضعت العراقيل أمام الراغبين في الزواج، بل لم ينتشر الانحلال وتنتشر الدعارة والعلاقات المشبوهة، والسفر إلى جهاتٍ موضوعة ومستنقعاتٍ محمومة إلا بسبب تعقيد أمور الزواج؛ لا سيما مع غلبة ما يخدش الفضيلة ويقضي على العفة والحياء مما يُرى ويقرأ ويسمع من ألوان الفساد الذي قذفت به المدنية الحديثة، وحدِّث ولا كرامة! عما تبثه القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية التي تفجر براكين الجنس، وتزلزل ثوابت الغريزة، وتوجه ضد قيم الأمة وأخلاقها، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 597
تعلق الشباب بسراب تأمين المستقبل
معاشر المسلمين! وإذا التمست أسباب هذه الظاهرة نجد أن جملة منها لا تعدو أن تكون رواسب مرحلة تأريخية مرت بها كثيرٌ من المجتمعات الإسلامية، عقبها غزوٌ فكري كانت له آثارٌ خطيرة على الأوضاع الاجتماعية في الأمة؛ مما أبرز عوامل نفسية وثقافية واقتصادية، منها ما يرجع إلى الشباب والفتيات، ومنها ما يرجع إلى الأولياء، ومنها ما يعود إلى المجتمع بأسره.
فأما الشباب والفتيات فبعضهم يتعلق بآمالٍ وأحلام، وخيالات وأوهام، وطموحات ومثاليات، هي في الحقيقة من الشيطان، فبعضهم يتعلق بحجة إكمال الدراسة، زاعمين أن الزواج يحول بينهم وبين ما يرومون من مواصلة التحصيل، فمتى كان الزواج عائقاً عن التحصيل العلمي؟
بل لقد ثبت بالتجربة والواقع أن الزواج الموفق يُعين على تفرغ الذهن، وصفاء النفس، وراحة الفكر، وأنس الضمير والخاطر، ونقولها بصراحة: ماذا تنفع المرأة بالذات شهاداتها العليا إذا بقيت عانساً قد فاتها ركب الزواج؟! وأصبحت أيماً لم تسعد في حياتها بزوجٍ وأولاد يكونون لها زينة في الحياة، وذخراً لها بعد الوفاة؟!
وكم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نضارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها لتسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها، ولكن بعد فوات الأوان؟!
وكم هي الصيحات والزفرات الحراء التي أطلقت من المجربات فأين المتعقلات؟!
إن هذه المشكلة ومثيلاتها مردها إلى غبش في التصور، وخللٍ في التفكير، بل لا نبالغ إذا قلنا: إنها إفراز ضعف المعتقد، وقلة الديانة، والخلل في الموازين، وسوء الفهم لأحكام ومقاصد الشريعة الغراء.
إنه النظر المشوش حول المستقبل، والتخوف الذي لا مبرر له، والاعتماد على المناصب والماديات، والتعلق بالوظائف والشهادات، وتأمين فرص العمل زعم! مما يزعزع الثقة بالله والرضا بقضائه وقدره، ويضعف النظر المتبصر، والفكر المتعقل.
إن حقاً على الشباب والفتيات أن يبادروا عملياً إلى الزواج متى ما تيسر لهم أمره، وألا يتعلقوا بأمور مثالية تكون حجر عثرة بينهم وبين ما ينشدون من سعادةٍ وفلاح، ويقصدون من خير ونجاح، وألا يتذرعوا بما يُعبِّر عنه بتأمين المستقبل، فالله يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢].
ويقول ابن مسعود ﵁: [[لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام أعلم أني أموت في آخرها يوماً ولي طولٌ على النكاح؛ لتزوجت مخافة الفتنة]]، ويقول الإمام أحمد ﵀ في رواية المروذي: " ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام ".
стр. 598
عضل النساء عن زواج الأكفاء
إخوة الإيمان! ومن الأسباب الخطيرة في انتشار هذه الظاهرة واستفحالها عضل النساء من زواج الأكفاء، والرسول ﷺ يقول: ﴿إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض﴾ خرَّجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم بسند صحيح.
فهناك بعض الأولياء هداهم الله قد خان الأمانة التي حملوها في بناتهم وفتياتهم بمنعهن من الزواج من الأتقياء ديناً وخلقاً وأمانة، وقد يتقدم إليهن الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية، ويسألون عن ماله ووظيفته ووجاهته ومكانته، ويغفلون أمر دينه وخلقه وأمانته، بل لقد وصل ببعض الأولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته سلعة للمساومة وتجارة للمزايدة والعياذ بالله، وما درى هؤلاء المساكين أن هذا عضلٌ وظلمٌ وخيانة، وقد تكون مدرسة وموظفة فيطمع في مرتبها.
ألم يعلم هؤلاء بالاعترافات والقصص الواقعية بضحايا هذه الظاهرة؟
ألم يسمعوا الرسائل المؤلمة المفجعة التي سطرتها دموع هؤلاء؟
إنها صرخة نذير في آذان الآباء والأولياء، ورسالة عاجلة إليهم أن يتداركوا شرفهم وعفتهم وعرضهم قبل فوات الأوان.
أين الرحمة في هؤلاء الأولياء؟ كيف لا يُفكِّرون بالعواقب؟ أيسرهم أن تلطخ سمعتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟
سبحان الله!! كيف يجرؤ مسلمٌ غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها على الحكم عليها بالسجن المؤبد إلى ما شاء الله؟
ولو عقل هؤلاء لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء، فهذا عمر ﵁ يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها، ثم على عثمان ﵃ أجمعين.
وهذا سعيد بن المسيب ﵀ يزوج تلميذه أبا وادعة، وهذا ديدن السلف في عصورهم الزاهية.
إنَّ تضييق فرص الزواج علة خراب الديار، به تقض المضاجع، وتكون الديار بلاقع، وبه يُقتل العفاف، وتوأد الفضائل، وتسود الرذائل، وتهتك الحرمات، وتنتشر الخبائث والسوءات.
أيها الأولياء: اتقوا الله فيمن تحت أيدكم من البنات، بادروا بتزويجهن متى ما تقدم الأكفاء في دينهم وخلقهم، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وعضل النساء ورد الأكفاء فيه جناية على النفس، وعلى الفتاة، وعلى الخاطب، وعلى المجتمع بأمته، والمعيار كفاءة الدين، وكرم العنصر، وطيب الأرومة، وزكاء المعدن، وسلامة المحضن، وحسن المنبت، وصدق التوجه: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾.
стр. 599
غلاء المهور
أمة الخير والفضيلة! وسببٌ آخر لا يقل أهمية عن سابقه ألا وهو: مشكلة غلاء المهور، والمبالغة في الصداق في بعض الأوساط؛ حتى صار الزواج عند بعض الناس من الأمور المستحيلة، وبلغ المهر في بعض البقاع حداً خيالياً لا يُطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهل الأزواج.
ويؤسف كل غيور أن يصل الجشع ببعض الأولياء أن يطلب مهراً باهظاً من أُناسٍ -يعلم الله- حالهم لو جلسوا شطر حياتهم في جمعه لما استطاعوا.
فيا سبحان الله! أإلى هذا الحد بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟
وكيف تعرض المرأة الحرة الكريمة المحصنة العفيفة سلعة للبيع والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؛ حتى غدت كثيرات مخدرات في البيوت، حبيساتٍ في المنازل، بسبب ذلك التعنت والتصرف الأرعن.
إن المهر في الزواج -يا رعاكم الله- وسيلة لا غاية، وإن المغالاة فيه لها آثارٌ سيئة على الأفراد والمجتمعات لا تخفى على العقلاء من تعطيل الزواج أو الزواج من مجتمعاتٍ أخرى مخالفة للمجتمعات المحافظة، مما له عواقب وخيمة، فرب لذة ساعة تعقبها حسرات إلى قيام الساعة.
ولم يقف الجشع في بعض الناس عند هذا الحد، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك مما هو خروج عن منهج السلف الصالح ﵏، يقول الفاروق ﵁: [[ألا لا تغالوا في صداق النساء! فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان النبي ﷺ أولاكم بها]] وقد زوج النبي ﷺ رجلاً بما معه من القرآن، وقال لرجل: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب.
الله المستعان! كيف بحال المغالين اليوم؟ أما علم أولئك أنهم مسئولون أمام الله عن أمانتهم ورعاياهم؟
هل نُزِعَت الرحمة من قلوبهم؟ ولا تنزع الرحمة إلا من شقي.
أمة الإسلام: وعاملٌ مهمٌ في رواج هذه الظاهرة: ألا وهو ما أُحيطت به بعض الزيجات من تكاليف باهظة، ونفقات مذهلة، وعاداتٍ اجتماعية، وتقاليد وأعراف جاهلية، فرضها كثيرٌ من الناس على أنفسهم تقليداً وتبعية، مفاخرة ومباهاة، إسرافاً وتبذيراً، فلماذا كل هذا يا أمة الإسلام؟
فاتقوا الله عباد الله! وتناصحوا فيما بينكم، وتعقلوا كل التعقل في حل قضاياكم الاجتماعية، لا سيما قضايا الزواج، ولا تتركوا الأمر بأيدي غيركم من السفهاء، والدعوة موجهة للمصلحين، والوجهاء، والعلماء والأثرياء، وأهل الحل والعقد في الأمة، أن يكونوا قدوة لغيرهم في هذا المجال، فالناس تبعٌ لهم، وعلى وسائل الإعلام بكافة قنواتها نصيبٌ كبيرٌ في بث التوعية والتوجيه في صفوف أبناء المجتمع لعلاج هذه المشكلات الاجتماعية الكبيرة، واقتفاء هذه الظواهر الخطيرة.
وأنتم أيها الإخوة والأخوات! يا من ابتليتم بهذه الظاهرة صبراً صبراً، وثباتاً واستعفافاً، ورضاً بقضاء الله وقدره، وعملاً بالأسباب الشرعية، وفتحاً لآفاق الآمال الكبرى، فما عند الله خيرٌ وأبقى.
وأنتم أيها الآباء والأولياء! الأمل فيكم كبير، إننا لمتفائلون كل التفاؤل أن تفتحوا قلوبكم، وتستجيبوا لما فيه صلاح أنفسكم وأبنائكم ومجتمعاتكم، وكان الله في عون العاملين المخلصين لما فيه صلاح دينهم وأمتهم.
بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
стр. 600
علاج ظاهرة العزوبة والعنوسة
الحمد لله خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثراً.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها الإخوة الأحبة في الله! وبعد تشخيص الداء يأتي وصف الدواء، وإن الحلَّ والعلاج لظاهرة العزوبة والعنوسة في المجتمع يكمن في تقوية البناء العقدي في الأمة، والتربية الإيمانية للأجيال من الفتيان والفتيات، ونشر القيم الأخلاقية في المجتمع -لا سيما في البيت والأسرة- ومعالجة الأزمات والعواصف والزوابع التي تُهدد كيان المجتمع، وتيسير أمور الزواج، وتخفيف المهور، وتزويج الأكفاء، وترسيخ المعايير الشرعية لاختيار الزوجين، ومجانبة الأعراف والعادات والتقاليد الموروثة والدخيلة.
وتحقيق التعاون بين أبناء المجتمع، وكذا قيام وسائل الإعلام بواجبها التربوي والتوجيهي، فينبغي العناية بجمعيات إعانة الشباب على الزواج، والدلالة عليه، ومنحها فرصاً كبرى في أداء مهمتها العظمى، وكذا دعم ذوي اليسار لها، وأن يكون الوجهاء قدوة لغيرهم في هذا المجال، وكذا الاهتمام بالقضايا الاجتماعية عبر مؤسسات خيرية كبرى، وهيئات خيرية عليا.
وثمة موضوعٌ لعلاج هذه الظاهرة: ألا وهو ضرورة أن تعيد المجتمعات النظر في قضية تعدد الزوجات، على حسب الضوابط الشرعية، ومراعاة الحكمة التشريعية، فمن للعوانس والأرامل والمطلقات وذوات الأعذار والاحتياجات الخاصة؟ إنه تعدد المودة والرحمة والإحسان والعدل لا الظلم والتسلط والحيف والجور، لا سيما للزوجة الأولى، وكم يسمع من الشكاوى في ذلك، وقد قال ﷺ : ﴿من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائلٌ﴾ أي: ساقط.
رواه أحمد وأصحاب السنن.
ألا فاتقوا الله -عباد الله- واتقين الله إماء الله، ثم صلوا وسلموا جميعاً على الحبيب رسول الله، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ في علاه، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الأئمة الأربعة الخلفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن الطاهرات أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه ونائبه إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان.
اللهم عليك باليهود المعتدين، وسائر الكفرة المعاندين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الرحمين!
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
следующие страницы →