← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أسباب تفشي ظاهرة العزوبة والعنوسة معاشر المسلمين! ولنقف وقفةً مع إحدى أبرز قضايانا الاجتماعية المتعلقة بقضايا الزواج لنُشخِّص فيها ظاهرة من أخطر الظواهر الأسرية التي لها آثارها وأخطارها على الفرد والمجتمع والأمة، إنها ظاهرة ما يعرف بالعزوبة والعنوسة التي يئن من لأوائها فئام من الشباب والفتيات. لقد أرصدت دراسات اجتماعية معاصرة نسبة الإحصائيات المذهلة في بعض المجتمعات لهذه الظاهرة، حيث بلغت في مجتمعٍ واحد (مليوناً ونصف مليون) من العوانس تنتظر كل واحدة منهن فارس أحلامها، ومن المحتمل أن يزيد العدد خلال خمس سنوات قادمة إلى أربعة ملايين أو أكثر لو استمرت معدلات الزيادة بنفس الوتيرة، ولا شك أنه مؤثر مزعج ينذر بشؤمٍ خطير، وضررٍ كبير، ما لم تتدارك هذه الظاهرة، وتشخص داءً ودواءً بحلولٍ عملية تطبيقية لا نظرية فحسب. أمة الإسلام: إن ظاهرة العنوسة في المجتمع وعزوف كثير من الشباب والفتيات عن الزواج له مضاره الخطيرة، وعواقبه الوخيمة على الأمة بأسرها، سواء أكانت هذه الأخطار والآثار نفسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية وسلوكية، لا سيما في هذا الزمان التي كثرت فيه أسباب الفتن، وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوة، فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والردى والفساد الأخلاقي إلا التحصن بالزواج الشرعي، فالقضية إذاً -أيها الغيورون- قضية فضيلة أو رذيلة. ومن المؤسف! أن يصل بعض الشباب إلى سن الثلاثين أو أكثر وهو لم يُفكِّر بعد في موضوع الزواج، وما انفتحت أبواب الفساد إلا لما وضعت العراقيل أمام الراغبين في الزواج، بل لم ينتشر الانحلال وتنتشر الدعارة والعلاقات المشبوهة، والسفر إلى جهاتٍ موضوعة ومستنقعاتٍ محمومة إلا بسبب تعقيد أمور الزواج؛ لا سيما مع غلبة ما يخدش الفضيلة ويقضي على العفة والحياء مما يُرى ويقرأ ويسمع من ألوان الفساد الذي قذفت به المدنية الحديثة، وحدِّث ولا كرامة! عما تبثه القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية التي تفجر براكين الجنس، وتزلزل ثوابت الغريزة، وتوجه ضد قيم الأمة وأخلاقها، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 597

تعلق الشباب بسراب تأمين المستقبل معاشر المسلمين! وإذا التمست أسباب هذه الظاهرة نجد أن جملة منها لا تعدو أن تكون رواسب مرحلة تأريخية مرت بها كثيرٌ من المجتمعات الإسلامية، عقبها غزوٌ فكري كانت له آثارٌ خطيرة على الأوضاع الاجتماعية في الأمة؛ مما أبرز عوامل نفسية وثقافية واقتصادية، منها ما يرجع إلى الشباب والفتيات، ومنها ما يرجع إلى الأولياء، ومنها ما يعود إلى المجتمع بأسره. فأما الشباب والفتيات فبعضهم يتعلق بآمالٍ وأحلام، وخيالات وأوهام، وطموحات ومثاليات، هي في الحقيقة من الشيطان، فبعضهم يتعلق بحجة إكمال الدراسة، زاعمين أن الزواج يحول بينهم وبين ما يرومون من مواصلة التحصيل، فمتى كان الزواج عائقاً عن التحصيل العلمي؟ بل لقد ثبت بالتجربة والواقع أن الزواج الموفق يُعين على تفرغ الذهن، وصفاء النفس، وراحة الفكر، وأنس الضمير والخاطر، ونقولها بصراحة: ماذا تنفع المرأة بالذات شهاداتها العليا إذا بقيت عانساً قد فاتها ركب الزواج؟! وأصبحت أيماً لم تسعد في حياتها بزوجٍ وأولاد يكونون لها زينة في الحياة، وذخراً لها بعد الوفاة؟! وكم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نضارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها لتسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها، ولكن بعد فوات الأوان؟! وكم هي الصيحات والزفرات الحراء التي أطلقت من المجربات فأين المتعقلات؟! إن هذه المشكلة ومثيلاتها مردها إلى غبش في التصور، وخللٍ في التفكير، بل لا نبالغ إذا قلنا: إنها إفراز ضعف المعتقد، وقلة الديانة، والخلل في الموازين، وسوء الفهم لأحكام ومقاصد الشريعة الغراء. إنه النظر المشوش حول المستقبل، والتخوف الذي لا مبرر له، والاعتماد على المناصب والماديات، والتعلق بالوظائف والشهادات، وتأمين فرص العمل زعم! مما يزعزع الثقة بالله والرضا بقضائه وقدره، ويضعف النظر المتبصر، والفكر المتعقل. إن حقاً على الشباب والفتيات أن يبادروا عملياً إلى الزواج متى ما تيسر لهم أمره، وألا يتعلقوا بأمور مثالية تكون حجر عثرة بينهم وبين ما ينشدون من سعادةٍ وفلاح، ويقصدون من خير ونجاح، وألا يتذرعوا بما يُعبِّر عنه بتأمين المستقبل، فالله يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢]. ويقول ابن مسعود ﵁: [[لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام أعلم أني أموت في آخرها يوماً ولي طولٌ على النكاح؛ لتزوجت مخافة الفتنة]]، ويقول الإمام أحمد ﵀ في رواية المروذي: " ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام ".

стр. 598

عضل النساء عن زواج الأكفاء إخوة الإيمان! ومن الأسباب الخطيرة في انتشار هذه الظاهرة واستفحالها عضل النساء من زواج الأكفاء، والرسول ﷺ يقول: ﴿إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض﴾ خرَّجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم بسند صحيح. فهناك بعض الأولياء هداهم الله قد خان الأمانة التي حملوها في بناتهم وفتياتهم بمنعهن من الزواج من الأتقياء ديناً وخلقاً وأمانة، وقد يتقدم إليهن الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذار واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية، ويسألون عن ماله ووظيفته ووجاهته ومكانته، ويغفلون أمر دينه وخلقه وأمانته، بل لقد وصل ببعض الأولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته سلعة للمساومة وتجارة للمزايدة والعياذ بالله، وما درى هؤلاء المساكين أن هذا عضلٌ وظلمٌ وخيانة، وقد تكون مدرسة وموظفة فيطمع في مرتبها. ألم يعلم هؤلاء بالاعترافات والقصص الواقعية بضحايا هذه الظاهرة؟ ألم يسمعوا الرسائل المؤلمة المفجعة التي سطرتها دموع هؤلاء؟ إنها صرخة نذير في آذان الآباء والأولياء، ورسالة عاجلة إليهم أن يتداركوا شرفهم وعفتهم وعرضهم قبل فوات الأوان. أين الرحمة في هؤلاء الأولياء؟ كيف لا يُفكِّرون بالعواقب؟ أيسرهم أن تلطخ سمعتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟ سبحان الله!! كيف يجرؤ مسلمٌ غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها على الحكم عليها بالسجن المؤبد إلى ما شاء الله؟ ولو عقل هؤلاء لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء، فهذا عمر ﵁ يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها، ثم على عثمان ﵃ أجمعين. وهذا سعيد بن المسيب ﵀ يزوج تلميذه أبا وادعة، وهذا ديدن السلف في عصورهم الزاهية. إنَّ تضييق فرص الزواج علة خراب الديار، به تقض المضاجع، وتكون الديار بلاقع، وبه يُقتل العفاف، وتوأد الفضائل، وتسود الرذائل، وتهتك الحرمات، وتنتشر الخبائث والسوءات. أيها الأولياء: اتقوا الله فيمن تحت أيدكم من البنات، بادروا بتزويجهن متى ما تقدم الأكفاء في دينهم وخلقهم، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وعضل النساء ورد الأكفاء فيه جناية على النفس، وعلى الفتاة، وعلى الخاطب، وعلى المجتمع بأمته، والمعيار كفاءة الدين، وكرم العنصر، وطيب الأرومة، وزكاء المعدن، وسلامة المحضن، وحسن المنبت، وصدق التوجه: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾.

стр. 599

غلاء المهور أمة الخير والفضيلة! وسببٌ آخر لا يقل أهمية عن سابقه ألا وهو: مشكلة غلاء المهور، والمبالغة في الصداق في بعض الأوساط؛ حتى صار الزواج عند بعض الناس من الأمور المستحيلة، وبلغ المهر في بعض البقاع حداً خيالياً لا يُطاق إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهل الأزواج. ويؤسف كل غيور أن يصل الجشع ببعض الأولياء أن يطلب مهراً باهظاً من أُناسٍ -يعلم الله- حالهم لو جلسوا شطر حياتهم في جمعه لما استطاعوا. فيا سبحان الله! أإلى هذا الحد بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟ وكيف تعرض المرأة الحرة الكريمة المحصنة العفيفة سلعة للبيع والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؛ حتى غدت كثيرات مخدرات في البيوت، حبيساتٍ في المنازل، بسبب ذلك التعنت والتصرف الأرعن. إن المهر في الزواج -يا رعاكم الله- وسيلة لا غاية، وإن المغالاة فيه لها آثارٌ سيئة على الأفراد والمجتمعات لا تخفى على العقلاء من تعطيل الزواج أو الزواج من مجتمعاتٍ أخرى مخالفة للمجتمعات المحافظة، مما له عواقب وخيمة، فرب لذة ساعة تعقبها حسرات إلى قيام الساعة. ولم يقف الجشع في بعض الناس عند هذا الحد، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك مما هو خروج عن منهج السلف الصالح ﵏، يقول الفاروق ﵁: [[ألا لا تغالوا في صداق النساء! فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان النبي ﷺ أولاكم بها]] وقد زوج النبي ﷺ رجلاً بما معه من القرآن، وقال لرجل: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب. الله المستعان! كيف بحال المغالين اليوم؟ أما علم أولئك أنهم مسئولون أمام الله عن أمانتهم ورعاياهم؟ هل نُزِعَت الرحمة من قلوبهم؟ ولا تنزع الرحمة إلا من شقي. أمة الإسلام: وعاملٌ مهمٌ في رواج هذه الظاهرة: ألا وهو ما أُحيطت به بعض الزيجات من تكاليف باهظة، ونفقات مذهلة، وعاداتٍ اجتماعية، وتقاليد وأعراف جاهلية، فرضها كثيرٌ من الناس على أنفسهم تقليداً وتبعية، مفاخرة ومباهاة، إسرافاً وتبذيراً، فلماذا كل هذا يا أمة الإسلام؟ فاتقوا الله عباد الله! وتناصحوا فيما بينكم، وتعقلوا كل التعقل في حل قضاياكم الاجتماعية، لا سيما قضايا الزواج، ولا تتركوا الأمر بأيدي غيركم من السفهاء، والدعوة موجهة للمصلحين، والوجهاء، والعلماء والأثرياء، وأهل الحل والعقد في الأمة، أن يكونوا قدوة لغيرهم في هذا المجال، فالناس تبعٌ لهم، وعلى وسائل الإعلام بكافة قنواتها نصيبٌ كبيرٌ في بث التوعية والتوجيه في صفوف أبناء المجتمع لعلاج هذه المشكلات الاجتماعية الكبيرة، واقتفاء هذه الظواهر الخطيرة. وأنتم أيها الإخوة والأخوات! يا من ابتليتم بهذه الظاهرة صبراً صبراً، وثباتاً واستعفافاً، ورضاً بقضاء الله وقدره، وعملاً بالأسباب الشرعية، وفتحاً لآفاق الآمال الكبرى، فما عند الله خيرٌ وأبقى. وأنتم أيها الآباء والأولياء! الأمل فيكم كبير، إننا لمتفائلون كل التفاؤل أن تفتحوا قلوبكم، وتستجيبوا لما فيه صلاح أنفسكم وأبنائكم ومجتمعاتكم، وكان الله في عون العاملين المخلصين لما فيه صلاح دينهم وأمتهم. بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.

стр. 600

علاج ظاهرة العزوبة والعنوسة الحمد لله خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثراً. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أيها الإخوة الأحبة في الله! وبعد تشخيص الداء يأتي وصف الدواء، وإن الحلَّ والعلاج لظاهرة العزوبة والعنوسة في المجتمع يكمن في تقوية البناء العقدي في الأمة، والتربية الإيمانية للأجيال من الفتيان والفتيات، ونشر القيم الأخلاقية في المجتمع -لا سيما في البيت والأسرة- ومعالجة الأزمات والعواصف والزوابع التي تُهدد كيان المجتمع، وتيسير أمور الزواج، وتخفيف المهور، وتزويج الأكفاء، وترسيخ المعايير الشرعية لاختيار الزوجين، ومجانبة الأعراف والعادات والتقاليد الموروثة والدخيلة. وتحقيق التعاون بين أبناء المجتمع، وكذا قيام وسائل الإعلام بواجبها التربوي والتوجيهي، فينبغي العناية بجمعيات إعانة الشباب على الزواج، والدلالة عليه، ومنحها فرصاً كبرى في أداء مهمتها العظمى، وكذا دعم ذوي اليسار لها، وأن يكون الوجهاء قدوة لغيرهم في هذا المجال، وكذا الاهتمام بالقضايا الاجتماعية عبر مؤسسات خيرية كبرى، وهيئات خيرية عليا. وثمة موضوعٌ لعلاج هذه الظاهرة: ألا وهو ضرورة أن تعيد المجتمعات النظر في قضية تعدد الزوجات، على حسب الضوابط الشرعية، ومراعاة الحكمة التشريعية، فمن للعوانس والأرامل والمطلقات وذوات الأعذار والاحتياجات الخاصة؟ إنه تعدد المودة والرحمة والإحسان والعدل لا الظلم والتسلط والحيف والجور، لا سيما للزوجة الأولى، وكم يسمع من الشكاوى في ذلك، وقد قال ﷺ : ﴿من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائلٌ﴾ أي: ساقط. رواه أحمد وأصحاب السنن. ألا فاتقوا الله -عباد الله- واتقين الله إماء الله، ثم صلوا وسلموا جميعاً على الحبيب رسول الله، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ في علاه، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الأئمة الأربعة الخلفاء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن الطاهرات أمهات المؤمنين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه ونائبه إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضنا إليك غير مفتونين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان. اللهم عليك باليهود المعتدين، وسائر الكفرة المعاندين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الرحمين! عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 601

الزواج العوائق والحلول الزواج أمر تقتضيه الفطرة قبل أن تحث عليه الشريعة وتتطلبه الطباع السليمة والفطرة المستقيمة؛ لأنه حصانة وابتهاج، وسكن وأنس واندماج، به تتعارف القبائل، وتقوى الأواصر، وهو آية من آيات الله وسنة من سنن رسله، ولكن الزواج في هذا العصر أضحى مشكلة اجتماعية خطيرة، تستوجب الحلول السريعة؛ وذلك بسبب ما يحدث من العقبات والعراقيل من العادات والظواهر السيئة التي تحول دون الزواج.

стр. 602

مكانة الزواج وبعض حكمه وأسراره الحمد لله جعل لكل شيء قدراً، وأحاط بكل شيءٍ خبراً، وأسبل على الخلائق رعايته ستراً، أحمده تعالى على نعمائه شكراً، وأسلم لقضائه وقدره صبراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله إلى البشرية عذراً ونذراً، فدعا إلى الله سراً وجهراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أكرِم بهم في نصرة الدين نصراً، ونشره نشراً، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وأدم لهم أجراً. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فإنها أعظم الوصايا طراً، وأنعم بها عدة وذخراً. أيها المسلمون: لقد اقتضت حكمة الحكيم الخبير سبحانه حفظ النوع البشري، وبقاء النسل الإنساني؛ إعماراً لهذا الكون الدنيوي، وإصلاحاً لهذا الكوكب الأرضي، فشرع بحكمته -وهو أحكم الحاكمين- ما ينظم العلاقات بين الجنسين الذكر والأنثى، فشرع الزواج بحكمه وأحكامه، ومقاصده وآدابه، إذ الزواج ضرورة اجتماعية لبناء الحياة، وتكوين الأسر والبيوتات، وتنظيم أقوى الوشائج وأوفق العلاقات، واستقامة الحال، وهدوء البال، وراحة الضمير، وأنس المصير. كما أنه أمرٌ تقتضيه الفطرة قبل أن تحث عليه الشرعة، وتتطلبه الطباع السليمة، والفطر المستقيمة إنه حصانة وابتهاج، وسكنٌ وأنسٌ واندماج كم خفف هماً، وكم أذهب غماً به تتعارف القبائل، وتقوى الأواصر فيه الراحة النفسية، والطمأنينة القلبية، والتعاون على أعباء الحياة الاجتماعية، ويكفيه أنه آيةٌ من آيات الله الدالة على حكمته، والداعية إلى التفكر في عظيم خلقه وبديع صنعه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وفي الحديث عن النبي ﷺ : ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ خرَّجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ ويقول ﷺ : ﴿تزوجوا الودود الولود فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة﴾ خرَّجه أبو داود والنسائي وغيرهما. الزواج من سنن المرسلين قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] يقول عمر لـ قبيصة ﵄: [[ما يمنعك عن الزواج إلا عجزٌ أو فجور]] ويقول ابن مسعود ﵁: [[لو لم يبقَ من أجلي إلا عشرة أيام، ولي طولٌ على النكاح لتزوجت كراهية أن ألقى الله عزباً]] ويقول الإمام أحمد ﵀: ليست العزوبة من الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام.

стр. 603

مشكلات الزواج معاشر المسلمين والمسلمات: إذا كانت هذه شذرة من مكانة الزواج وآثاره، وتلك بعض حكمه وأسراره، فما بال كثيرٍ من الناس يشكو ويتبرم، وما بال المشكلات الاجتماعية تزداد وتتفاقم، والأدواء الأسرية تكثر وتتعاظم؟! حتى لقد أضحى أمر الزواج من كونه قضية شرعية وضرورة بشرية، إلى مشكلة اجتماعية خطيرة، من حيث ما أحدث فيه مما لا يمت إليه بصلة، ولا يرتبط به شرعاً ولا عقلاً لقد كثر الحديث عن مشكلات الزواج، وطفحت فيه الكتابات والمقالات، وبحت حناجر الغيورين على مجتمعهم من التحذير مما يصاحب كثيراً من الزيجات من المشكلات والتعقيدات، بل المحرمات والمخالفات، ناهيكم عن الطقوس والشكليات، والتفاخر والمباهاة، والإغراق في الكماليات. إخوة الإسلام: ولما كانت هذه المشكلة من صميم الحياة الاجتماعية، وتتعلق بحياة كل فرد وأسرة في المجتمع على مختلف الظروف والمستويات، وحيث أنها كذلك لا تزال موجودة متجددة، تتقدم الأعوام وتزداد العراقيل، وتمضي السنوات وتكثر العقبات، وكأن الطرق قد سدت أمام الراغبين في الزواج، والحواجز قد وضعت في طريقهم، والعوائق تنوعت وتعددت في دروبهم، حتى ظهر الحال بمنظرٍ ينذر بخطر العواقب وسوء المنقلب، وحتى غدت قضايا الزواج ملحة تحتاج لعلاجٍ فوري، وتصدٍ جدِّي من المسلمين جميعاً، لا سيما من ذوي المسئولية ودعاة الإصلاح؛ لذا كان لا بد من طرحها بإلحاح؛ قياماً بالواجب الإسلامي، وشعوراً بمأساة كثيرٍ من الشباب العاجزين عن الزواج، والفتيات العوانس في البيوت، الذين أصبحت تكاليف الزواج تمثل شبحاً مخيفاً لهم، وعقبة كئوداً في حياتهم، وهم لا يزالون يصطلون بنار الشهوة، ويكتوون بلظاها، ويئنون من لأوائها. إخوة العقيدة: لقد أبانت شريعتنا الغراء المنهج الواضح في هذه القضية المهمة، فقد جاءت بتيسير أمور الزواج والحث على الاقتصاد فيه، روى الإمام أحمد ﵀ من حديث عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة﴾ فالذين يخالفون هذا المنهج بالتأخير والتسويف، والإثقال والتعقيد، إنما يخالفون شرع الله وسنة رسوله ﷺ القولية والفعلية. وأستميحكم -يا رعاكم الله- أن أشير إشارات عاجلة إلى بعض الظواهر في هذه القضية المهمة، مع عدد من المشكلات والعقبات في طريق الزواج، مع إلماحةٍ يسيرة إلى آثارها السيئة على الفرد والمجتمع، وبيان المنهج السليم والعلاج القويم؛ علها تجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وعل فيها تشخيصاً للداء، ووصفاً للدواء، ومن الله أستلزم العون والتوفيق.

стр. 604

مشكلة العنوسة والعزوف عن الزواج الظاهرة الأولى وهي أول هذه المشكلات: ألا وهي ظاهرة العنوسة، وعزوف كثير من الشباب من الجنسين عن الزواج، بتعلقهم بآمالٍ وأحلام، وخيالاتٍ وأوهام، وطموحاتٍ ومثاليات، هي في الحقيقة من الشيطان فبعضهم يتعلق بحجة إكمال السُّلَّم التعليمي مثلاً، زاعمين أن الزواج يحول بينهم وبين ما يرومون من مواصلة التحصيل، وتلك شبهة واهية، فمتى كان الزواج عائقاً عن التحصيل العلمي؟ بل لقد ثبت بالتجربة والواقع أن الزواج الموفق يعين على تفرغ الذهن وصفاء النفس، وراحة الفكر وأنس الخاطر، ثم نقولها بصراحة: ماذا تنفع المرأة -بالذات- شهاداتها إذا بقيت عانساً قد فاتها ركب الزواج، وأصبحت أيماً لم تسعد في حياتها بزوجٍ وأولاد، يكونون لها زينة في الحياة وذخراً لها بعد الوفاة؟! وكم من امرأة فاتها قطار الزواج، وذهبت نظارتها، وذبلت زهرتها، وتمنت بعد ذلك تمزيق شهاداتها لتسمع كلمة الأمومة على لسان وليدها، ولكن ليت وهل ينفع ليت شيئاً؟ وكم هي الصيحات والزفرات الحراء التي أطلقت من المجربات! فأين المتعقلات؟ إن هذه المشكلة ومثيلاتها مردها إلى غبشٍ في التصور، وخللٍ في التفكير، بل لا نبالغ إذا قلنا: إنها إفراز ضعف المعتقد، وقلة الديانة، والخلل في الموازين، وسوء الفهم لأحكام الشريعة إنه النظر المشوش حول المستقبل، والتخوف الذي لا مبرر له، والاعتماد على المناصب والماديات، والتعلق بالوظائف والشهادات، وتأمين فرص العمل -زعموا- مما يزعزع الثقة بالله والرضا بقضائه، ويبعث النظر المتبصر، والفكر المتعقل. إن حقاً على الشباب والفتيات أن يبادروا عملياً إلى الزواج متى ما تيسر لهم أمره، وألاَّ يتعلقوا بأمور مثالية، تكون حجر عثرة بينهم وبين ما ينشدون من سعادة وفلاح، ويقصدون من خير ونجاح، وألاَّ يتذرعوا بما يسمونه تأمين المستقبل، فالله يقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. وصديق هذه الأمة ﵁ يقول: [[أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم من الغنى]] ويقول ابن مسعود ﵁: [[التمسوا الغنى في النكاح]]. أمة الإسلام: إن ظاهرة العنوسة في المجتمع، وعزوف كثيرٍ من الشباب من الذكور والإناث عن الزواج، له مضاره الخطيرة، وعواقبه الوخيمة على الأمة بأسرها، لا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه أسباب الفتن، وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوة، فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والفساد الأخلاقي إلا التحصن بالزواج الشرعي. فالقضية -أيها الغيورون- قضية فضيلة أو رذيلة، ومن المؤسف أن يصل بعض الشباب إلى سن الثلاثين والأربعين وهو لم يفكر بعد في موضوع الزواج، وما انفتحت أبواب الفساد إلا لما وضعت العراقيل أمام الراغبين في الزواج، بل لم ينتشر الانحلال والدعارة وما وراء ذلك وقبله من المعاكسات والمغازلات والعلاقات المشبوهة، والسفر إلى بيئاتٍ موبوءة، ومستنقعاتٍ محمومة، إلا بسبب تعقيد أمور الزواج، لا سيما مع غلبة ما يخدش الفضيلة، ويقضي على العفة والحياء، مما يرى ويُقرأ ويسمع، مع ألوان الفساد الذي قذفت به المدنية الحديثة، وحدث -ولا كرامة- عما تبثه القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، التي تفجر براكين الجنس، وتزلزل ثوابت الغريزة، وتوجه ضد قيم الأمة وأخلاقها، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 605

مشكلة عضل النساء عن زواج الأكفاء إخوة الإيمان! وهذه إشارة ثانية إلى مشكلة أخرى، وعقبة كئود، ألا وهي عضل النساء عن زواج الأكفاء، والرسول ﷺ يقول: ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض﴾ خرَّجه الترمذي وابن ماجة والحاكم بسندٍ صحيح. إن بعض الأولياء -هداهم الله- قد خانوا الأمانة التي حملوها في بناتهم وفتياتهم بمنعهن من الزواج من الأكفاء ديناً وخلقاً وأمانة، فقد يتقدم إليهم الخاطب الكفء فيماطلونه ويعتذرون له بأعذارٍ واهية، وينظرون فيه إلى أمور شكلية وجوانب كمالية يسألون عن ماله، وعن وظيفته، وعن وجاهته ومكانته، ويغفلون أمر دينه وخلقه وأمانته، بل لقد وصل ببعض الأولياء الجشع والطمع أن يعرض ابنته الحرة المسلمة الكريمة سلعة للمزايدة، وتجارة للمساومة والعياذ بالله! وما درى هؤلاء المساكين أن هذا عضلٌ وظلمٌ وخيانة، وقد تكون مدرسة أو موظفة فيطمع في مرتبها، فأين الرحمة في هؤلاء الأولياء؟ وكيف لا يفكرون بالعواقب؟ أيسرهم أن يسمعوا الأخبار المفجعة عن بناتهم مما يندى له جبين الفضيلة والحياء؟ يا سبحان الله! كيف يجرؤ مسلم غيور يعلم فطرة المرأة وغريزتها على الحكم عليها بالسجن المؤبد في بيته إلى ما شاء الله؟! ولو عقل هؤلاء لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء، فهذا عمر ﵁ يعرض ابنته حفصة على أبي بكر ليتزوجها، ثم على عثمان ﵃ أجمعين، وهذا سعيد بن المسيب ﵀ يزوج تلميذه أبا وادعة، وهذا ديدن السلف في عصورهم الزاهية. إن تضييق فرص الزواج علة خراب الديار، به تقض المضاجع، وبه تكون الديار بلاقع، وبه يقتل العفاف، وتوأد الفضائل، وتسود الرذائل، وتهتك الحرمات، وتنتشر الخبائث والسوءات. فيا أيها الأولياء: اتقوا الله في من تحت أيديكم من البنات، بادروا بتزويجهن متى ما تقدم الخطاب الأكفاء في دينهم وأخلاقهم، إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير، واعلموا أن عضل النساء ورد الأكفاء فيه جناية على النفس وعلى الفتاة، وعلى الخاطب وعلى المجتمع برمته، والمعيار كفاءة الدين، وكرم العنصر، وطيب الأرومة، وزكاء المعدن، وسلامة المحضن، وحسن المنبت، وصدق التوجه. أوصى بعض الحكماء بنيه عند الزواج فقال: يا بني! لا يحملنكم جمال النساء عن صراحة النسب، وكرم العنصر، فإن المناكح الكريمة مدارج الشرف، وأبلغ من ذلك قول المصطفى ﷺ : ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾. فيا أيها الأولياء: اتقوا الله في مسئولياتكم.

стр. 606

مشكلة المغالاة في المهور أمة الخير والفضيلة: إشارة ثالثة إلى مشكلة من المشكلات المستعصية: ألا وهي مشكلة غلاء المهور، والمبالغة في الصداق في بعض الأوساط، حتى صار الزواج عند بعض الناس من الأمور الشاقة أو المستحيلة، وبلغ المهر في بعض البقاع حداً خيالياً لا يطاق، إلا بجبال من الديون التي تثقل كاهل الزوج، ويؤسف كل غيور أن يصل الجشع ببعض الأولياء أن يطلب مهراً باهضاً من أناسٍ يعلم الله حالهم، ولو جلسوا شطر حياتهم في جمعه لما استطاعوا، فيا سبحان الله! أإلى هذا المستوى بلغ الطمع وحب الدنيا ببعض الناس؟ وكيف تعرض المرأة المسلمة سلعة للبيع والمزايدة وهي أكرم من ذلك كله؟ حتى غدت كثيرات مخدراتٍ في البيوت، حبيساتٍ في المنازل؛ بسبب ذلك التعنت والتصرف الأرعن. إن المهر في الزواج وسيلة لا غاية، وإن المغالاة فيه لها آثار سيئة على الأفراد والمجتمعات لا تخفى على العقلاء؛ من تعطيل الزواج، أو الزواج من مجتمعات أخرى مخالفة للمجتمعات المحافظة مما له عواقب وخيمة، فرب لذة ساعة، تعقبها حسرات إلى قيام الساعة. ولم يقف الجشع ببعض الناس عند هذا الحد؛ بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك مما هو خروجٌ عن منهج السلف الصالح ﵏، يقول الفاروق ﵁: [[ألا لا تغالوا في صُدق النساء، فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان النبي ﷺ أولاكم بها، لم يصدق امرأة من نسائه، ولم تصدق امرأة من بناته بأكثر من ثنتي عشرة أوقية]] ولعله لا يزيد في عملتنا المعاصرة على مائة وعشرين ريالاً فقط. وقد زوج المصطفى ﷺ رجلاً بما معه من القرآن، وقال لآخر: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾ وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، وقد أنكر ﷺ على المغالين في المهور، فقد جاءه رجلٌ يسأله فقال: ﴿يا رسول الله! إني تزوجت امرأة على أربع أواقٍ من الفضة -يعني مائة وستين درهماً- فقال النبي ﷺ : أوه! على أربع أواقٍ من الفضة؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل؟ ما عندنا ما نعطيك﴾ الله المستعان! كيف بحال المغالين اليوم؟! أما علم أولئك أنهم مسئولون أمام الله عن أمانتهم ورعاياهم؟ هل نزعت الرحمة من قلوبهم والعياذ بالله؟!

стр. 607

مشكلة الإسراف والتبذير في تكاليف الزواج أمة الإسلام! وإشارة رابعة إلى مشكلة من المشكلات في موضوع الزواج: ألا وهي ما أحيطت به بعض الزيجات من تكاليف باهظة، ونفقات مذهلة، وعادات اجتماعية فرضها كثيرٌ من الناس على أنفسهم تقليداً وتبعية، مفاخرة ومباهاة، وإسرافاً وتبذيراً. لماذا كل هذا يا أمة الإسلام؟ والله يقول: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) [الإسراء:٢٧] إنه لمما يندى له الجبين أن تصرف أموالٌ طائلة على مناسبة واحدة، في أي سبيل ذلك؟ أأغرى هؤلاء وجود المال بين أيديهم؟! إن أناساً يتخوضون في مال الله بغير حقه لهم النار يوم القيامة! ألا تعتبرون يا عباد الله بأحوال إخوانٍ لكم في العقيدة في بقاعٍ شتى من العالم ممن لا يجدون ما يسد رمقهم، ولا ما يواري عوراتهم؟! نعوذ بالله من الكفر بنعمه، ونسأله تعالى ألاَّ يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إننا والله نخشى عقوبة الله العاجلة قبل الآجلة. وهنا لفتة إلى ضرورة التعاون مع الجمعيات الخيرية لتلقي فائض الأطعمة والولائم لتوزيعها على فقراء المسلمين بدل رميها في أماكن النفايات والعياذ بالله. فاتقوا الله رحمكم الله! وتناصحوا فيما بينكم، وتعقلوا كل التعقل في أمور الزواج، ولا تتركوا الأمر بأيدي غيركم من السفهاء والقاصرات، والدعوة موجهة للمصلحين والوجهاء، والعلماء والأثرياء، وأهل الحل والعقد في الأمة أن يكونوا قدوة لغيرهم في هذا المجال، فالناس تبعٌ لهم، وعلى وسائل الإعلام بصفة خاصة بكافة قنواتها نصيبٌ كبيرٌ في بث التوعية والتوجيه في صفوف أبناء المجتمع؛ لعلاج هذه المشكلات الاجتماعية الخطيرة، وكان الله في عون العاملين المخلصين لما فيه صلاح دينهم ومجتمعهم وأمتهم. بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة، ونفعني وإياكم بالآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان حليماً غفوراً.

стр. 608

بعض المنكرات التي تقع في حفلات الزواج الحمد لله شرع لنا النكاح، وحرم علينا السفاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فالق الإصباح، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله إمام الدعاة ورائد الإصلاح، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ واقتفى أثرهم بإيمانٍ ما تعاقب المساء والصباح، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله معشر المسلمين! واشكروه على نعمه الباطنة والظاهرة، وآلائه ومننه المتكاثرة اتقوه جل وعلا في السر والعلن، واحذروا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. أيها الأحبة في الله: وإشارة خامسة إلى ما أحدثه بعض الناس في حفلات الزواج من الأمور المنكرة في الشرع، فعلاوة على الإسراف والتبذير والتفاخر والمباهاة عند بعضهم توجد أمورٌ أخرى توسع بعض الناس فيها؛ بسبب ضعف الإيمان وقلة العلم والإغراق في المادة، فمن ذلك: أن يجعل بعضهم من حفلات الزواج موسماً للاختلاط بين الرجال والنساء، وإظهار الزوج مع زوجته أمام الحاضرين وهم بكامل الزينة، وتلتقط الصور المحرمة لهم، وفي هذا من الفتن والفساد ما لا يعلمه إلا الله. ومنهم من يجعله موسم سمرٍ وسهرٍ على اللهو واللعب، إلى هزيع من الليل، فيفوت فريضة الله عليه، وصنفٌ يضيع الحياء من الله ومن عباد الله، فيجعل فرصة الزواج فرصة للعلاقات المشبوهة، واللقاءات المحرمة. وبعضهم يؤذي جيرانه وإخوانه المسلمين، وفئة تجعله فرصة للسماع المحرم للأغاني الخليعة، ورفع أصوات المعازف والمزامير المنكرة التي تذكي الشهوة، وتصد عن ذكر الله، وتكون ذريعة إلى الفساد والعياذ بالله.

стр. 609

الدعاء للزوجين وخطر التدخلات الخارجية أيها الإخوة في الله! وهاكم سادس هذه الإشارات وتمامها، فبعد أن أزيلت العقبات وحلت المشكلات في هذه القضية المهمة، وبنى الزوج بزوجته، يُدعا لهما: بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير، وتلك دعوة الإسلام التي خالف بها دعوة الجاهلية، وقولهم: بالرفاء والبنين، ويهمس في آذانهما: الله الله في الحياة الزوجية الجديدة، لتؤسسوا بنيانها على تقوى من الله ورضوان، ولتحذروا من الذنوب والخطايا والعصيان، وليحذر الوالدان والأقارب من التدخل في حياتهم الأسرية الخاصة، فكم قوضت بيوتٌ وهدمت أسر بسبب التدخلات الخارجية، وكم تعتصر القلوب أسى نتيجة الشكاوى الكبيرة التي تعصف بالأسرة، وتهدد المجتمع بالتخبيب بين الزوجين، والتفريق بين المتحابين، والله حسيب الْمُخَبِبِيْن. ألا ما أجدر الأمة الإسلامية أن تسير على منهج الإسلام؛ لتحقق الحياة الاجتماعية السعيدة الموفقة، التي ترفرف عليها رايات المحبة والوئام، وحينها قل على مشكلات الفراق والطلاق السلام، بعدما وصلت إحصاءاتها أرقاماً مذهلة تنذر بخطرٍ كبير، وشرٍ مستطير، فهل نحن فاعلون؟ وهل أخواتنا الفضليات فاعلات؟ هذا الأمل والرجاء، وعلينا الصدق في التأسي والاقتداء، والله المسئول أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعصمنا مما يسخطه ويأباه، إنه أعظم مسئول، وأكرم مأمول. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئاً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لاتباع كتابك، والسير على سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام! اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان اللهم عليك باليهود المعتدين، والصهاينة المعاندين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الرحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 610

رحيل العلماء إن موت العلماء خطب جلل تتشنف له المسامع، بل تذرف له المدامع؛ لأن بموتهم تطوى صفحات لامعة، وسجلات ناصعة، من خصال الخير المتكاثرة، فرحيل العلماء ثلمة لا تسد، ومصيبة لا تحد، وفجيعة لا تنسى، فموت العالم معناه انهيار الأمة وتهدم لبنيان أقوام وحضارات أمم.

стр. 611

مكانة أهل العلم في الأمة الحمد لله الدائم بره، النافذ أمره، الغالب قهره، الواجب حمده وشكره، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير، جلَّ ذكره، وإليه يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده جعل لكل أجلِّ كتاباً، وللمنايا آجالاً وأسباباً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، ما جن ليل وبزغ نهار، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد:- فاتقوا الله -عباد الله- فبالتقوى يُنال رضا الواحد الأحد، وبها تتحقق سعادة الأبد، وتحصل البركة في الأهل والمال والولد، فطوبى لمن جد واجتهد في توحيد ربه وتقواه وعبد، ويا بشرى له بحسن العقبى إلى أبد الأبد. أيها المسلمون! حفظ الدين أعظم مقاصد هذه الشريعة الغراء، وإن من أعظم أسباب حفظ الدين حفظه بالرجال المخلصين، والعلماء العاملين، فوجودهم في الأمة حفظ لدينها، وصون لعزتها وكرامتها، وذود عن حياضها، فإنهم الحصن الحصين، والسياج المتين، الذي يحول بين هذا الدين وأعدائه المتربصين. إخوة الإسلام! إن لله الحكمة البالغة، والقدرة النافذة في كونه وخلقه، وإن مما كتبه الله -جلَّ وعلا- على خلقه الموت والفناء، يقول سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ويقول : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، ويقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١]. وإن أعظم أنواع الفقد على النفوس وقعاً، وأشده على الأمة لوعة وأثراً، فقد العلماء الربانين، والأئمة المصلحين. ذلكم يا عباد الله! لأن للعلماء مكانة عظمى، ومنزلة كبرى، فهم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، والأمناء على ميراث النبوة، هم للناس شموسٌ ساطعة، وكواكب لامعة، وللأمة مصابيح دجاها، وأنوار هداها، بهم حفظ الدين وبه حفظوا، وبهم رفعت منارات الملة وبها رُفِعُوا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون به أهل العمى، ويهدون به من ضل إلى الهدى، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، وما عزت الأمم، وبلغت سامق القمم، وأشيدت صروح الحضارات، وقامت الأمجاد، وتحققت الانتصارات بعد الله إلا بهم، فهم أهل خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وهم مادة حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وقوت الضمائر، وزاد القرائح، ومهما صيغت النعوت والمدائح في فضائلهم فلن توفيهم حقهم.

стр. 612

مكانة أهل العلم كما في السنة النبوية العالم للأمة بدرها الساري، وسلسالها الجاري، لا سيما أئمة الدين، وعلماء الشريعة؛ ولذلك كان فقدهم من أعظم الرزايا، والبلية بموتهم من أعظم البلايا، وأنَّى للمدلجين في دياجير الظلمات أن يهتدوا إذا انطمست النجوم المضيئة. صح عند أحمد وغيره من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إنما مثل العلماء كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة﴾. يقول الإمام أبو بكر الآجري ﵀: "فما ظنكم بطريقٍ فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت فئامٌ من الناس لا بُدَّ لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ أطفئت المصابيح فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ فهكذا العلماء في الناس". وحسبكم يا عباد الله! في بيان فداحة هذا الخطب، وعظيم مقدار هذه النازلة، قول المصطفى ﷺ في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا﴾. ويُوضح ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تظهر الفتن، ويكثر الهرج، ويقبض العلم﴾ فسمعه عمر فأثره عن النبي ﷺ ، فقال: [[إن قبض العلم ليس شيئاً يُنتزع من صدور الرجال، ولكنه فناء العلماء]].

стр. 613

أقوال السلف في فضل العلماء ولقد أخبر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١] قال: [[بموت علمائها وفقهائها]]. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: [[عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله]]. وقال الحسن ﵀: "موت العالم ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار". وقيل لـ سعيد بن جبير ﵀: "ما علامة الساعة وهلاك الناس؟ قال: إذا ذهب علماؤهم". ولما مات زيد بن ثابت ﵁ قال ابن عباس ﵄: [[من سرَّه أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه]]، وقال ﵁: [[لا يزال عالم يموت وأثر للحق يدرس حتى يكثر أهل الجهل، ويذهب أهل العلم، فيعمل الناس بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل]]. وفي الأثر عن علي ﵁ قال: [[إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه]]. وقال رجل لـ ابن سيرين ﵀: إني رأيت الليلة أن طائراً نزل من السماء على ياسمينة، فنتف منها، ثم طار حتى دخل السماء، فقال ابن سيرين ﵀: "هذا قبض العلماء". فلم تمض تلك السنة حتى مات الحسن، وابن سيرين، ومكحول، وستة من العلماء بالآفاق، وقد كان السلف ﵏ يأسون أشد الأسى لفقد واحدٍ منهم، يقول أيوب ﵀: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي". وأخرج اللآلكائي: أن حماد بن زيد قال: "كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل العابد فما يرى ذلك فيه". وقال يحيى بن جعفر: "لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي: البخاري - من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم". وأورد الخطيب البغدادي عن عبد الله بن عبد الكريم قال: كان محمد بن داود خصماً لـ أبي العباس بن سريج القاضي وكانا يتناظران، ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داود، نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان محمد بن داود.

стр. 614

موت العلماء ثلمة لا تسد وقال أيوب: "إن الذين يتمنون موت أهل السنة يُريدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون"" أخرجه اللآلكائي. تشنف المسامع، بل تذرف المدامع، لذلك -أيها المسلمون- في الوقت الذي رُزئت فيه أمتنا الإسلامية في هذه الآونة الأخيرة بفقد كوكبة من علمائها وفضلائها، ووفاة نخبة من فقهائها ونبلائها، فما إن كفكفت الأمة دموعها، ولملمت ضلوعها على فقد طودٍ منهم، حتى رُزئت بفقد آخر في انفراطٍ لعقد متلألئ وضاء، وتناثر لحباته المناسقة، وبموت هؤلاء الجهابذة تُطوى صفحات لامعة، وسجلات ناصعة، من خصال الخير المتكاثرة. إنهم نماذج شامخة، وأطواد راسخة في العلم والتقوى، وأعلام بارزة في السنة والفقه والفتوى، فضائلهم لا تُجارى، ومناقبهم لا تُبارى، ثلمتهم لا تسد، والمصيبة بفقدهم لا تُحدِّ، والفجيعة بموتهم نازلة لا تنسى، وفاجعة لا تمحى، والخطب بفقدهم جلل، والخسارة فادحة، ومهما كانت الألفاظ مكلومة، والجمل مهمومة، والأحرف ولهى، والعبارات ثكلى، فلن تستطيع التعبير، ولا دقة التصوير، فليست الرزية على الأمة بفقد مال، أو بموت شاة أو بعير، كلَّا ثم كلَّا، ولكن الرزية أن يفقد عالم يموت بموته جمعٌ غفير، وبشر كثير، فموت العالم ليس موت شخص واحد، ولكنه بنيان قوم يتهدم، وحضارة أمة تتهاوى. عباد الله! وتعظم الفجيعة إذا كان من يفقد متميز المنهج، فذ العبقرية، متوازن النظرة، متماسك الشخصية، معتدل الرؤى. أمة في إمام، أئمة في رجل، نسيج بمفرده، وطراز مستقل وحده، من دعاة العقيدة الصحيحة، والمعتنين بالدليل والأثر، والمتحلين بالاعتدال والوسطية، والحريصين على الجماعة، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، على الرغم من حصول زوابع، وهبوب عواصف، وهيجان أمواج، تعرضت فيها الأمة للكثير من جوانب الخلل العقدي والفكري والأخلاقي، فما كان من هذا الطراز المتميز إلا الاجتهاد في حسن التوجيه، لتماسك بنية المجتمع، والحفاظ على أمن الأمة بصوره المتعددة، وجوانبه المختلفة، حتى لكأنهم مدارس جامعة، يصدر عنهم الرأي في النوازل، والمنهج في المستجدات، والمسلك الأسلم في المتغيرات، تمسكاً بالتأصيل الصحيح، والمنهجية المنضبطة بضوابط الشرع، فلا غرو إذاً أن يكون موتهم هزة عنيفة الوطء، شديدة الأثر، محلياً وإقليمياً وعالمياً، في الوقت الذي تُعاني فيه أمتنا الإسلامية ظروفاً عصيبة في عالم اليوم الذي يموج بالتحديات، وتكتنفه سرعة المتغيرات، وتعصف بعوامل استقراره المستجدات، وتضج فيه أنواع من الفوضى الفكرية الوافدة، والاتجاهات العقدية المتنوعة. إنَّ ما تموج به الساحة من فوضى الاجتهاد عند بعض المتعالمين، في أطروحات عرجاء، ومداولات ممجوجة، وكارثة الفوضى في الفتيا، والقول على الله بغير علم، والتلاعب بالحلال والحرام حسب الأهواء، أمام طوفان هائج من العولمة والتغريب، ومن هنا فإن غياب العلماء الراسخين، يخلي الساحة لتصدر الرويبضة، ونطق أنصاف المتعلمين، مما تحتاج معه الأمة إلى وقفات حازمة لوضع الضوابط الشرعية في المجالات كافة، حتى تعبر سفينة الأمة بأمانٍ في بحر الفتن المتلاطم، وسير المحن المتفاقم، إلى شاطئ السلامة وبر النجاة، حتى يسد الطريق أمام المصطادين في الماء العكر. أمة الإسلام! إنَّ من حسن العزاء عند فقد العلماء: أن دين الله محفوظ، وشريعته باقية، وخيره يفيض ولا يغيض، فأعلام الديانة مرفوعة بحمد الله: ﴿ولا تزال طائفة من أمتي -أمة محمد ﷺ على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك﴾ كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر ﵊، خرَّجه مسلم وغيره. وأخرج أبو داود بسند جيد، والحاكم وصححه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها﴾ ﴿وَعَلَمُ هذا الدين يحمله من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين﴾. ولم تصب الأمة بمصيبة هي أعظم من مصابها بفقد الحبيب المصطفى ﷺ ، فالمصيبة بفقد من بعده تهون، مهما كان شجاءً. كما أن من حسن العزاء أن هؤلاء العلماء ﵏ باقون بذكرهم أحياء بعلمهم، يلهج الناس بالثناء عليهم والدعاء لهم، ويجتهدون في اقتفاء آثارهم، وترسم خطاهم، علماً وعملاً، ودعوة ومنهاجاً، تشبهاً بالكرام إن لم يكونوا مثلهم، فذلك أمارة الفلاح. كما أنَّ مِنْ حسن العزاء -أيضاً- أن علماء الشريعة -ولله الحمد والمنة- مُتوافرون عبر الأعصار والأمصار، يحي الخلف منهج السلف، وأمة الإسلام أمة معطاءة، زاخرة بالكفاءات، ثرية بالعطاءات، مليئة بالقدرات، ولن يخور العزم ويضعف العطاء -بحول الله- بفقد علم بارز، ففي الأمة -بحمد لله- من سيحمل مشعل الهداية، وراية العلم والدعوة، ويسد الثغرة، وينهض بالمسئولية العلمية والدعوية، وما علينا إلا أن نسمو بهممنا، وننهض بمهماتنا في نصرة دين الله، ونفع عباد الله.

стр. 615

الحث على الدعوة وطلب العلم فيا علماء الشريعة! نناشدكم الله أن تكونوا خير خلف لخير سلف، الله الله في استنهاض الهمم، انزلوا بثقلكم إلى ميدان التعليم والتوجيه، وابذلوا وسعكم في ملء ساحة الدعوة والنصح للأمة، فقد أخذ عليكم العهد والميثاق: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] وصونوا علمكم عن الدنايا، وترفعوا عن مواطن الريب، وتحلوا بسمت العلماء الربانيين. واعلموا أن التقاعس في أداء هذه المهمة يجرئ العوام وأنصاف المتعلمين على الخوض في أمور الدين وهم ليسوا منها في ورد ولا صدر. ويا طلاب العلم! ويا شباب الإسلام! الله الله في جمع ما تناثر من عقد المحبة والصفاء، والمودة والولاء، وانتظامه فيما بينكم في نسيج وحدوي متميز، تتماسك فيه أيدينا مع أيدي ولاتنا وكبار علمائنا، قطعاً لدابر الخلاف، وحسماً لأسباب النزاع والشقاق ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣] وحذارِ من بوادر اليأس، وإطلالة التشاؤم التي قد تطفو على السطح في ميادين العلم والدعوة والحسبة والإصلاح، فإن هول الفواجع يقتضي كمال الرضا بقضاء الله وقدره، وعدم الاستسلام للجزع والتسخط، مع حسن التصرف في الأمور، وألا تغلب العواطف والانفعالات على العقل والتأصيل وحسن العمل والتدبير، فدين الإسلام دين علم وعمل، وليس خواطر وانفعالات. فبالعلم تُضبط المسيرة، وتُهدى الأمة، ولا يأس من روح الله ولا قنوط من رحمة الله، والخير في هذه الأمة باقٍ إلى قيام الساعة، والله وحده هو المسئول أن يلهمنا رشدنا، وأن يغفر لمن مات من علمائنا، ويرفع درجاتهم في المهديين، وأن يوفق الأحياء لبيان الحق والدعوة إليه، وأن يرزقهم التسديد والتأييد، ويكتب لهم القبول ودوام النفع، وأن يخلف على الأمة الإسلامية خيراً، ويحفظها من شرور الغير، وهول الفواجع، فلله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، والحمد لله على قضائه وقدره، وهو وحده المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

стр. 616

تقدير العلماء واحترامهم من تعظيم الدين الحمد لله نواصينا بيده، ماضٍ فينا حكمه، عدلٌ فينا قضاؤه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الدائم عطاؤه، العظيمة آلاؤه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المتألق نوره وبهاؤه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ما ليلٌ سجى، وما صبح بدا، وسلم تسليماً أبدياً سرمداً. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أيها الإخوة في الله! إن تقدير مكانة العلماء أحياءً وأمواتاً إنما ينبع من تعظيم الشريعة التي احتفت بهم، والدين الذي كرمهم وحفل بهم: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ومن أعلى قدر الشريعة أعلى قدر حملتها، وهذا ما تميزت به بلاد الحرمين الشريفين حرسها الله، ففيها تعانق سلطان العلم مع سلطان الحكم، في نسيجٍ مترابط، وانسجامٍ متكامل، لم يشهد التاريخ المعاصر له مثيلاً، ففتحت الأمة قلوبها ولاءً لولاتها وعلمائها، وقام ولاة الأمر فيها بتشجيع علمائها وطلاب العلم فيها، مما يمثل شاهداً من شواهد الثوابت الراسخة التي قامت عليها منهجية هذه البلاد نصرها الله ما نصر الدين. فارتقت -بحمد لله- إلى سلم التميز الفريد في عالم يموج بالفوضى والاضطرابات، وتلك نعمة نسأل الله أن يحفظها ويرزقنا شكرها، تعاوناً وتلاحماً بين الرعاة والرعية، والعلماء والعامة، والشباب والشيوخ، وأن تتواصل حلقات العطاء، وسلاسل الوفاء، أداءً لحق من سبقنا من العلماء، وربطاً للأجيال والناشئة بعلمائهم الذين تميزوا بفضل الله بالمرجعية العالمية في العلم والفتوى، لما تحلوا به من اعتقاد صحيح ومنهج سليم. والحق أنهم أتعبوا من بعدهم، وتركوا فراغاً يصعب ملئه، ولكن الأمل في الله ثم في البقية المباركة من علمائنا الأجلاء الذين نرجو أن يكونوا خير خلف لخير سلف، فلا تزال -بحمد لله- شجرة أئمة الدعوة الإصلاحية المباركة تُؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، يحملها اللاحق عن السابق، في سلاسل ذهبية في نفع البلاد والعباد، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. ألا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، كثرة صلاتكم وسلامكم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما قال ربكم جل في علاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، وأيد بالحق والتأييد إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحبه وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن له على الحق مؤيداً ونصيراً، ومعيناً وظهيراً، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، يا ذا الجلال والإكرام! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 617

المعاصي وأثرها السيئ إن سبب إهلاك الله للأمم السابقة هو الذنوب، والله جل وعلا قد وضح في كتابه العزيز أن من يعرض عن شرعه ومنهجه فإنه يسلكه عذاباً صعداً. ولقد تحدث الشيخ في هذه الخطبة عن ذلك بنوع من الاختصار، وفي نهاية الخطبة دعا إلى العودة إلى الله والتوبة النصوح.

стр. 618

المعاصي وعقوبتها إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قضى بالخير والعزِّ لأهل الطاعة والإيمان، وبالذل والهوان لأهل الشر والعصيان، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وأمينه على وحيه، بشر وأنذر، وبلغ وأسدى ونصح، وجاهد ودعا، فلم يترك خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شراً إلا حذرها منه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الذين ساروا على هديه والتزموا شريعته، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ربكم وأطيعوه، وراقبوه دوماً ولا تعصوه. عباد الله: لقد مَنَّ الله على هذه الأمة وجعلها أمة هداية وقيادة وسيادة، اختارها الله لأشرف رسالاته، واجتباها فبعث فيها أفضل رسله، وأنزل عليها أعظم كتبه، ووعدها النصر إن هي نصرت دينه، وبالكرامة والعزة إن هي تمسكت بطاعة ربها وسنة نبيها ﷺ . وقد كان لشرف هذه الأمة شرف قيادة العالم قروناً طويلة، ثم انتزعت قيادتها، ودالت دولتها، وتداعى عليها أعداؤها، وتتابعت عليها المصائب، وتلاحقت عليها المحن والنوائب، وشغل هذا الواقع المزري والوضع المتردي بال الغيورين من أبناء هذه الأمة المتطلعين لمستقبلها المشرق، وغدها المبهج بإذن الله، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي دهانا معشر المسلمين؟! وما الذي أصاب أمتنا فذلت وهانت؟! ما الدواعي والعوامل التي أوصلتها إلى حضيض الغبراء بعد أن كانت في ذرا العلياء؟! ما الذي جرها إلى هذا المنحدر السحيق، وطوح بها في أعماق هذا الواقع الغريق؟ والجواب الذي لا يختلف فيه اثنان، هو: أن سبب ذلك كله الوقوع في الذنوب والمعاصي، ومما لا يقبل الجدل أن لله تعالى في هذه الحياة سنناً لن تتغير ولن تتبدل وتتحول في الكون أو الخلق، أو في حياة الأفراد والأمم والشعوب، فالأمة التي تسير على شرع الله ونهج رسول الله ﷺ ؛ تصل إلى مبتغاها، وتنال مناها، والله يسددها وينصرها ويرعاها، وليس بين الله وبين أحدٍ من خلقه حسب ولا نسب، وإذا تركت الأمة أمر ربها وخالفت أحكام دينها، وتنكبت صراط رسولها؛ سلك الله بها طريق العناء والشقاء حتى تراجع دينها، وما أهون الخلق على الله إن هم أضاعوا أمره، وجاهروا بمعصيته، وقصروا في أحكام دينه، وهل عذبت أمة من الأمم في القديم والحديث إلا بسبب ذنوبها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله تعالى يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرم الله عليه﴾.

стр. 619

آثار المعاصي على الأمم والشعوب أمة الإسلام: إن للمعاصي والذنوب أثراً بالغاً على الأبدان والقلوب، وشؤماً واضحاً في حياة الأمم والشعوب، قال الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في ذلك ما خلاصته: ومما ينبغي أن يعلم: أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، وهل في الدنيا شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الوالدين من الجنة؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، وبدله بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧] ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطَّعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من سجيل أمطرها عليهم: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحابة العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميراً؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأسٍ شديد فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيراً؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم الرب ﵎ ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، ومضى ﵀ يعدد عقوبات الذنوب والمعاصي وآثارها على القلب والبدن في الدنيا والآخرة، مستقرئاً نصوص الكتاب والسنة ومتتبعاً أحداث الأمم والقرون وتاريخ المكذبين والمعاندين.

стр. 620

عقوبات أخرى للمعاصي ومن عقوبات المعاصي حرمان العلم والرزق، والوحشة والعسرة والظلمة ووهن القلب والبدن، وحرمان الطاعة ومحق البركة، وهوان العبد على الله، ومن يهن الله فما له من مكرم، وفساد العقل، ووهن العزيمة، والختم على القلوب، وإطفاء نار الغيرة، وذهاب الحياء، وإزالة النعم وإحلال النقم، والخوف والرعب والقلق، وعمى البصيرة، ومنع القطر، وحصول أنواع العذاب والبلاء والنكال والشقاء في الدنيا وفي القبر وفي يوم القيامة. وبالجملة: فكل شرٍ وفساد في الماء والهواء، والزروع والثمار، والمساكن والعباد والبلاد، والبر والجو والبحر، والعاجل والآجل؛ فسببه الذنوب والمعاصي، وقد امتلأ كتاب الله الكريم بما يؤكد هذه السنن لا سيما عند ذكر قصص المكذبين من الأمم السابقة ليكون فيها عبرة وعظة، ومزدجراً وذكراً: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. ويقول الله ﷻ : ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]. إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم يقول ابن عباس ﵄: [[إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق]]. وقال الحسن البصري ﵀ عن أهل المعاصي: [[إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه]].

стр. 621

عاقبة الإعراض عن ذكر الله وبعد إخوة الإسلام! أما آن لأمة الإسلام أن تدرك أن ما أصابها في هذا الزمن من ضعفٍ وفرقة واختلاف وتسلطٍ من الأعداء، إنما هو بسبب وقوع أبنائها في معاصي الله؟ أما كان الأجدر بها وهي تعايش ألواناً من العقوبات الدينية والدنيوية، الحسية والمعنوية -التي جلبتها المحرمات- أن تراجع دينها الحق وتدرك أن ما يطفح به العالم من الفوضى في كل مجالات الحياة، وما تعانيه كثيرٌ من البقاع من الحروب الطاحنة التي تقضي على الأخضر واليابس، والأمراض الفتاكة، والمجاعات الرهيبة، والفيضانات المهلكة، والزلازل والبراكين المدمرة، والحوادث المفزعة، كل ذلك بسبب ذنوب العباد، وإعراضهم عن ربهم: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن:١٧] ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧]. أما ترون -أيها المسلمون- ما نزل بالأمم والشعوب من حولكم من آلام وعقوبات، وهل كانت إلا بسبب الذنوب والمعاصي؟ فقد غرقت كثيرٌ من المجتمعات في حياة جاهلية، في عقائدها وأفكارها، وأخلاق أبنائها وبناتها، فشاع الإشراك بالله، ومخالفة سنة رسول الله، وانتهكت حرمات الله، واقترفت كبائر الذنوب الجالبة لسخط الله، وعم الفسق وانتشر الفساد في البيوت والشوارع والأسواق، كل ذلك من غير نكير ولا تغيير. بل حتى عادت بعض الذنوب اليوم مما يفاخر به بعض الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله! فحقاً إن المسلمين اليوم يعيشون عصر غربة الإسلام وفي أوساط دعاة جهنم عياذاً بالله، فما أوسع حلم الله على عباده! ألم تغن النذر يا عباد الله؟ ألم تفد العبر السالفة والمعاصرة؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. إن هذا الأمر الخطير جديرٌ أن يتدارسه المسلمون اليوم على مستوى القادة والعلماء، والمفكرين والدعاة والمصلحين؛ لإيقاف هذا الزحف الهائل الذي يعرض الأمة كلها لسخط الله العاجل قبل الآجل. هذا وإن الغيورين ليعلقون آمالاً جساماً على البعث الإسلامي الجديد، والصحوة الإيمانية الرشيدة، واليقظة الإصلاحية الحميدة التي تعم أقطار العالم الإسلامي بحمد الله وتوفيقه؛ لتعود بأبناء المسلمين وشبابهم إلى مصدر عزتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وما ذلك على الله بعزيز. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه يغفر لكم، فهو خير الغافرين.

стр. 622

دعوة للتوبة النصوح الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن المعاصي ما حلت في ديار إلا أهلكتها، ولا في قلوبٍ إلا أعمتها، ولا في أجسادٍ إلا عذبتها، ولا في أمة إلا أذلتها، ولا في نفوسٍ إلا أفسدتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها. أيها الإخوة في الله: إن المسئولية لصد وباء الذنوب وعواقبها الوخيمة على ديننا ومجتمعاتنا تقع على عاتق كل مسلم ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ كل يقوم نفسه، ويحفظ أسرته، ويربي أولاده على حب الخيرات وترك المنكرات، ويسعى حسب قدرته واستطاعته لتطهير مجتمعه ومحيطه من أدران المعاصي، والله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع. واعلموا رحمكم الله أنه ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة، فعلى الألسنة أن تلهج بالاستغفار المستمر، والتوبة الدائمة النصوح التي تحققت فيها الشروط وانتفت عنها الموانع، لعل الله يعفو ويتوب ويتجاوز إنه قد وعد عباده بذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض اللهم عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة، يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، يا رب العالمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 623

نواقض الإسلام أبان الشيخ -سدده الله- عن عظيم نعمة الإسلام وجليل قدرها، وأن هذه النعمة تستوجب منا الحرص عليها، والحذر مما يزيلها عنا، وبالتالي لابد أن نتعرف على نواقض الإسلام لنحذرها. وقد ذكر من ذلك ما اشتهر وذاع، وملأ بشهرته الأصقاع لينتبه منها ولتحذر.

стр. 624

الإسلام وأهمية معرفة نواقضه الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، أحمده تعالى وأشكره أن هدانا للإسلام: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإسلام ديناً وأمناً، وسعادةً ونجاةً يوم القيامة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله . إخوة الإسلام: لقد أكرمنا الله جلت قدرته، وتباركت أسماؤه وصفاته، بنعمة كبرى، لا مثيل لها في النعم أبداً، إنها نعمة الإسلام التي لا يعدلها أي نعمة، مَن عَقَلَها حقاً عاش في دنياه مطمئن النفس قرير العين: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. إنه دينٌ كله خير وفضل وإحسانٌ وبر وإخاءٌ وترابط وتراحم، وتواصٍ بالحق، وتواصٍ بالصبر، دينٌ أساسه عقيدة التوحيد، وشعاره المتابعة لرسول الله ﷺ ، دينٌ في غاية الكمال والجمال والجلال، دينٌ شاملٌ لجميع مصالح البشر في معاشهم ومعادهم، فلا خير إلا أمر به، ولا شر إلا نهى عنه، دينٌ وُضِع من لدن حكيم خبير، ثابتاً خالداً، صالحاً لكل زمان ومكان، صامداً صمود الجبال الراسيات، لا يتغير أبداً مهما كاد له الكائدون، وزاد عليه المبتدعون، وتأوَّلوه في غير ما وُضِع له، أو نالوا من أهله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. فيا له من نعمة عظيمة يجب عقلها، ورعايتها، وشكرها، وتذكُّرها، والتحدث بها! يا لها من نعمة يَسْعد ويَعِز بشكرها أقوام، ويَذِل بكفرها آخرون. فاتقوا الله أيها المسلمون! واشكروا الله أن جعلكم مسلمين، وحققوا إسلامكم بمحبته، والاغتباط به، والعمل بتعاليمه، والدعوة إليه، ورفض كل ما يناقضه ويخالفه. أمة الإسلام في كل مكان: إن أهم ما يجب على المسلم الموحِّد الحريص على دينه، أن يعرف عقيدته حق المعرفة، كما يعرف ما يناقضها، ولا سيما في هذا العصر الذي جهل فيه كثيرٌ من المنتسبين إلى الإسلام تعاليم دينهم، واشتغلوا بغيره من أمور الدنيا، وفي هذا الزمن الذي تداعت فيه الأمم من كل حَدَبٍ وصوبٍ على المسلمين كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وضعف فيه ولاء المسلمين لدينهم، وانتشرت بينهم الضلالات والفتن. فمعرفة نواقض الإسلام من صميم معرفة العقيدة، ولما جَهِلَها أكثر الناس اليوم ولم يعرفوها، وقعوا في الشرك الأكبر والعياذ بالله، وهم يحسبون أنهم مهتدون، وهذه القضية، أعني: قضية العقيدة ونواقض الإسلام يجب أن يهتم بها المسلمون اليوم؛ قادتهم، وعلماؤهم، ومفكروهم، ودعاة الإصلاح فيهم، كما اهتم بها أسلافهم، لا سيما وقد فَشَت واستَشْرَت في كثير من أدعياء الإسلام اليوم، ولا يُهَوِّن من شأنها ويقلِّل منها، ويرى أن غيرها في هذا الزمان أولى منها، إلا مَن هانت عنده العقيدة. إن الوقوع في نواقض الإسلام أو في بعضها خسارة عظيمة؛ إذ ليس بعد خسارة الإسلام الصحيح خسارةٌ تُذْكَر، وإذا كان على عهد رسول الله ﷺ مَن مَرَقَ مِن الإسلام لارتكابه ناقضاً من نواقضه، فكيف بهذا الزمان؟! وما أكثر الذين ضل سعيهم في هذه الحياة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤]! إما باعتقاد فاسد يعتقدونه، أو بكلمة يقولونها، أو عملٍ يعملونه. في الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ﴿إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب﴾ وفي صحيح البخاري عنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿وإن العبد ليتكلم بالكلمة مِن سَخَط الله تعالى لا يُلقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم﴾.

стр. 625

بعض نواقض الإسلام المنتشرة عباد الله: إن نواقض الإسلام كثيرة وأسباب الردة اليوم متعددة، ذكرها العلماء قديماً وحديثاً، أَذْكُر منها ما يكثر وقوعه اليوم في مجتمعاتٍ كثيرة تنتمي إلى الإسلام؛ لنكون على بينة منه لنحذره. فأعظمها وأخطرها: الشرك في عبادة الله تعالى: كصرف شيءٍ من أنواع العبادة لغير الله، مثلما يُفعَل اليوم عند الأضرحة من التقرب إلى الموتى بطلب الحاجات منهم، وصرف النذور والذبائح لهم، وهذا واقعٌ اليومَ بل وكثير فيمن يدَّعون الإسلام والعياذ بالله. ومن نواقض الإسلام: أن يجعل المرء بينه وبين الله وسائط؛ يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كما يفعله كثيرٌ من الجهلة وأرباب الخرافة، فيمن يسمونهم بالأولياء، وما أشبه الليلة بالبارحة، فما أشبه هؤلاء بمشركي القرون الأولى القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. ومن نواقض الإسلام: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم، وتفضيل مبادئهم على مبادئ الإسلام: كحال كثير من المفتونين بكفار اليوم، والمعجبين بهم نتيجة عملٍ من أعمال الدنيا الفانية، وما أكثر الذين ينادُون اليوم باللحوق بالكفار، والتخلي عن الإسلام، ويصِمُونه بأنه وراء كل تَخلف وتأخُّر: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨]. ومن نواقض الإسلام: اعتقاد أن غير هَدي النبي ﷺ أكمل مِن هديه، أو أن حكم غيره أحسن مِن حكمه، كما عليه كثيرٌ من أرباب الطرق المنحرفة، والمذاهب الطاغوتية. ومن أسباب الرِّدَّة عن الإسلام المنتشرة في صفوف كثيرٍ من أدعياء الإسلام اليوم: الاستهزاء بالدين، أو سنة المصطفى ﵊، وكثيراً ما هاجم أعداء المسلمين قديماً وحديثاً شريعةَ الله، بالاستهزاء بها، أو بشيء منها، وتنقيص أهلها، والسخرية بهم، عن طريق أعمالهم وأقوالهم وأقلامهم والعياذ بالله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. فاتقوا الله عباد الله! ألا وإن من نواقض الإسلام اليوم: اعتناق كثير من المبادئ الهدامة، والطرق المنحرفة المناهضة للإسلام، فمن صوَّب شيئاً منها أو دافع عنه، أو ظاهر أهله على المسلمين، فقد ارتد عن دين الإسلام. ومن نواقض الإسلام المنتشرة بين صفوف كثيرٍ من المسلمين اليوم: ترك الصلاة؛ فتارك الصلاة إما أن يكون تركها جحداً لوجوبها فذلكم كافرٌ بإجماع العلماء، وإما أن يكون تركها تهاوناً وتكاسلا، فهذا يُدعى لها ويُؤمر بها؛ فإن أقامها كان من المسلمين، وإن أصر على تركها فهو من الكفار والعياذ بالله. أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة﴾. وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾. ولقد عم هذا البلاء اليوم، وكثر الناس الذين لا يؤدون عمود الإسلام، وهم يقيمون مع المسلمين ويتَسَمَّون بالإسلام، فهؤلاء والعياذ بالله مرتدون عن دين الله، وعلى المسلم أن يرعى واجب الله فيهم، وأن يناصحهم، وأن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، أو يقاطعهم. فاعرفوا نواقض دينكم يا عباد الله! وما أكثرها! وإلى الإسلام من جديد! أيها المسلمون: إلى الإسلام يا مَن تخليتم عنه، أو عن بعضه! إلى الإسلام يا من وقعتم في شيء من نواقضه! اللهم بصرنا بالإسلام، وثبتنا عليه. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 626

حقيقة الإسلام وخطر الجهل بنواقضه الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] واعلموا أنكم في زمان غدا الإسلام فيه غريباً بين أهله، غريباً حتى بين المنتسبين إليه، وزَعَمَ الإسلامَ مَن هو منه براء، وأصبح الإسلام ويا للأسف مطية لكل ناعق، ولكل ضال والعياذ بالله، وتسمى به الموحد والمخرف، والمتبع والمبتدع، والمحق والمبطل. إن الإسلام ليس مجرد دعوى بلا حقيقة، وإن ارتكاب ناقضٍ من نواقض الإسلام كفيلٌ بأن يزيح هذا الشرف العظيم عن فاعله، ولو أدى كثيراً من شعائره، أو حُسِب على المسلمين وهو في الحقيقة ليس منهم. إنه لأمرٌ خطير، وموقفٌ دقيق، يحتاج إلى بصيرة نافذة، وأُفُقٍ واسع، يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والاتباع والابتداع؛ إذ كثيراً ما يلتبس هذا الموقف على كثيرٍ من الناس اليوم بسبب جهله بنواقض الإسلام، وأسباب الردة، فيظن أن مَن أدى شيئاً من شعائر الإسلام صار مسلماً، ولو ارتكب شيئاً من المكفِّرات، وهذا الظن الفاسد إنما نشأ من الجهل بحقيقة الإسلام وما يناقضه، وهذا واقعٌ مؤلم يعيشه كثيرٌ من الناس في عصرنا هذا، ممن لا يميزون بين الحق والباطل، فصاروا يطلقون اسم الإسلام على مَن يؤدي بعض شعائره، ولو ارتكب ألف ناقضٍ والعياذ بالله. نسأل الله تعالى أن يهدي المسلمين جميعاً إلى صراط الله المستقيم. وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبينا محمد كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقال ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد. وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم استعمل على جميع المسلمين خيارهم. اللهم استعمل عليهم من يطبِّق شريعتك يا رب العالمين. اللهم وفق المسلمين والمسلمات لما تحب وترضى. اللهم اهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك فوق كل أرضٍ وتحت كل سماء. اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا رب العالمين. اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين وأتباعهم يا رب العالمين. اللهم عليك بهم عاجلاً غير آجل. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرَد عن القوم المجرمين. ربنا اغفر لنا، ولوالِدِينا، ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 627

أهمية الوقت أخي المسلم: إن الوقت الذي تعيشه هو أنفس ما للإنسان، وهو لا يقدر بالأثمان، هو رأس مالك ورصيدك الذي ينفعك في الدنيا والآخرة، وقد جعل الإسلام للوقت مكانته وبين أهميته، وحث على شغله بالطاعات والقربات، وحذر من إعماله في المخالفات والمحرمات، ولذلك كان سلف الأمة يحذرون من ضياع الأوقات، وكان لهم الشأن العظيم في المحافظة على الأوقات وإعمارها بالقربات.

стр. 628

أهمية الوقت ومكانته في حياة المسلم الحمد لله رب العالمين، خلق كل شيء فقدره تقديراً؛ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً؛ أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسِع كل شيء رحمة وعلماً وتدبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله واعلموا أن الوقت الذي تعيشونه في هذه الحياة الدنيا أنفس ما للإنسان، ولا يقدر بالأثمان، وكل مفقودٍ يمكن أن يسترجع إلا الوقت، فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل، ولذلك كان على المسلم أن يحفظه فيما ينفعه في آخرته ودنياه، ويصونه عن الضياع باللهو والغفلة، ويستقبل أيامه استقبال شديد الظمأ لقطرة الماء، واستقبال الضنين للثروة النفيسة، لا يفرط في قليلها فضلاً عن كثيرها، ويجتهد أن يضع كل شيء مهما ضؤل موضعه اللائق به. أخي المسلم: إن العمر الذي تعيشه هو مزرعتك التي تجني ثمارها في الدار الآخرة، فإن زرعته بخيرٍ وعمل صالح جنيت السعادة والفلاح، وكنت مع الذين ينادى عليهم في الآخرة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وإن ضيعته في الغفلات، وزرعته بالمعاصي والمحرمات؛ ندمت على ما قدمت يداك حيث لا ينفعك الندم، وتمنيت الرجوع إلى الدنيا لتعمل ولو حسنة واحدة ولكن هيهات هيهات: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. أمة الإسلام: إن المسلم الحق يحافظ على وقته محافظة شديدة، لأن الوقت عمره، فإذا أضاع منه ولو شيئاً يسيراً في غير ما شرعه الله كان عليه حسرةً وندامةً يوم القيامة، وكل ساعة تمرُّ على ابن آدم تقربه إلى الآخرة وتبعده من الدنيا، قال أبو الدرداء ﵁: [[ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك]] وقال الحسن ﵀: [[ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا بن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة]] فغريب شأن هؤلاء الناس كيف يلهون ويلعبون، ويركضون وراء شهواتهم والموت يأتي بغتة، وينسون ويعرضون، وكل ذرة من أعمالهم محسوبة ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة:٦]. إن الإسلام -يا عباد الله- دينٌ جعل للوقت مكانته، وحث على شغله بالطاعات والقربات، وحذر أشد التحذير من إعماله بالمخالفات، وجعل من علامات الإيمان وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة، ويسير على هداها، واعتبر الذاهبين عن غدهم، الغارقين في حاضرهم، المسحورين بضيق الدار العاجلة، قوماً خاسرين سفهاء: (إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨] وفي الحديث الصحيح عن أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: ﴿لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به﴾ وإنه لمن المؤسف حقاً أن كثيراً من الناس اليوم ابتلوا بتضييع الأوقات بالمحرمات، واتباع الشهوات، والعكوف على المغريات والملهيات، في الوقت الذي نرى فيه أعداء الإسلام يبذلون قصارى جهدهم، ويُعملون كل الوسائل لصد المسلمين عن دينهم، فهل استعد كل مسلم منا للوقوف بين يدي الله، وأعد أجوبة للأسئلة العظيمة: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ بأي جوابٍ سيجيب من أفنوا أعمارهم، وقتلوا أوقاتهم، وأبلوا شبابهم فيما يسخط الله من العقائد الفاسدة، والبدع المنكرة، والأفكار الملوثة، والأخلاق السيئة، والأعمال الرذيلة؟ بأي جوابٍ سيجيب من لا يبالي بماله؛ فيكتسبه بالوسائل المحرمة، والحيل الممنوعة، وينفقه في غير الطرق المشروعة؟ ما جواب هؤلاء أمام الجبار ﷻ حين يسألهم؟ أيها المسلمون: اتقوا الله وأعدوا لهذا الأمر عدته، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا تغتروا بحلم الله ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٨ - ١٩]. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم وفقنا لشغل أوقاتنا وأعمارنا بطاعتك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم؛ إنه كان تواباً.

стр. 629

اغتنم خمساً قبل خمس الحمد لله؛ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. أيها المسلمون: إن أعماركم رءوس أموالكم، ورصيدكم الذي ينفعكم في الدنيا والآخرة، فاغتنموها بالأعمال الصالحة قبل فواتها، فقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك﴾ وقد فرط كثير من الناس في هذا الزمان في هذه الأمور فلم يرعوها حق رعايتها، فالصحة والفراغ، والشباب والغنى من أكبر النعم التي يغبن فيها الناس، ولا يقوم كثيرٌ منهم بشكرها على الوجه المطلوب، فتنقلب هذه النعم نقماً على أصحابها والعياذ بالله. عباد الله: اعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، واحذروا الشذوذ والفرقة والاختلاط، وصلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم وفق المسلمين قاطبةً إلى ما تحب وترضى يا رب العالمين! اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم وفق المسلمين قادةً وشعوباً، علماء وعامة، شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً إلى العودة الصادقة إلى دينك القويم يا رب العالمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 630

بدعة المولد إن انتشار البدع بين الناس وسريانها في قلوبهم وعقولهم كما تسري الدماء في أبدانهم ليشكل خطراً على أمة التوحيد والعقيدة، ومن تلك البدع بدعة المولد، التي يزعم أصحابها أنهم يفعلونها تقرباً إلى الله تعالى!! ولقد زين الشيطان لأصحابها، ولعب بقلوبهم فطمسها عن قبول الحق، وجعلهم ينشطون ويجتهدون في حضور هذه الاحتفالات ويتعصبون لها، ويدافعون عنها، ويتهجمون على من أنكرها، وربما تركوا كثيراً من الواجبات الشرعية، ولهم فيها شبهات داحضة، وأدلة واهية.

стр. 631

أهمية الاتباع وخطر الابتداع الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وليس لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع فيَسَّر، وحكم ودبَّر، ونهى وأمر، وأنعم علينا بنعمٍ لا تحصر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، هو بشر كالبشر، بعثه الله رحمة للعالمين، أرسله ليُطاع ويُتَّبع، لا لتُخالَف سنتُه ويُزاد فيها ويُبتَدع، فلا يصح إيمان عبدٍ به حتى يطيعه فيما أمر، ويصدِّقه فيما أخبر، ويجتنب ما عنه نهى وزجر من المعاصي والبدع الجالبة للخطر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين التزموا سنته، ووقفوا عند هديه، وسلم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما مَنَّ عليكم إذ بعث: ﴿فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١] وحققوا هذه النعمة باتباع سنة رسولكم ﷺ ، والوقوف عند هديه وشريعته، والبعد عما أحدثه أهل الأهواء من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.

стр. 632

الأمر بلزوم الاتباع من الكتاب العزيز إخوة الإسلام في كل مكان: لقد جاء الأمر بطاعة الرسول ﷺ ولزوم سنته في آياتٍ كثيرة من كتاب الله، وأحاديث شريفة من سنة رسول الله ﷺ ، وكلها نصوصٌ صحيحة في وجوب طاعته، واتباع سنته، والتسليم له دون اعتراض، وعدم الخروج على توجيهاته بأي حال، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال سبحانه محذِّراً مَن يخالف سنة رسوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].

стр. 633

الأمر بلزوم الاتباع من سنة المصطفى ﷺ كما زخرت سنة المصطفى ﷺ بِما يدل على وجوب طاعة الرسول، واتباع السنة، والتحذير من البدع في الدين. فقد أخرج الإمام الترمذي وأبو داود عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿وإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة﴾. تتجلى لكل مسلم من هذه النصوص والآيات الكريمات التي يقْصُر المقامُ عن ذكرها كلها أن المسلم مأمور بالاتباع، ومنهيٌ عن الابتداع وإحداث الأمور المخالفة للدين. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ متفقٌ عليه، وفي رواية لـ مسلم: ﴿مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أي: مردودٌ عليه غير مقبول.

стр. 634

الأمر بلزوم الاتباع من أقوال السلف الصالح وللسلف الصالح ﵏ في هذا المجال من الأقوال والأفعال ما يوضح الاتباع العام للقرون الخيرة، ويقدم للمسلمين في كل زمان ومكان المثل الأعلى الذي ينبغي عليهم أن يستلهموا منه المسار والاتجاه. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم]]. ويقول ابن عباس ﵄: [[ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن]]. وعن حذيفة ﵁ قال: [[كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة]]. وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: [[سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً، مَن عمل بها فهو مهتدٍ، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً]]. وقال الإمام مالك ﵀: [[لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها]]. وقال بعض السلف: [[الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على مَن اقتفى أثر الرسول ﵊]]. إخوة العقيدة والإيمان: واليوم لما استحكمت غُربة الدين، وقَلَّ أعوانُه وأنصارُه، وكَثُر أعداؤه وألِدَّاؤه، وضعف إيمان أهله، واشتغلوا عنه بغيره، وكَثُر دعاة السوء، وأرباب البدع والخرافة، لما حصل ذلك تغيرت الأحوال، فعاد المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وانتشرت البدع بين الناس، وسرت في قلوبهم وعقولهم، كما تسري الدماء في أبدانهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 635

الأدلة الواضحة على بدعية الاحتفال بالمولد أمة الإسلام: ومن البدع المحدَثة في دين الله التي كَثُر انتشارُها ورواجُها اليوم، بل وضربت أطنابَها في أقطارٍ كثيرة جداً من العالَم الإسلامي، واستحكمت في قلوب كثيرٍ من الناس، وعادت عندهم من المعروف الذي لا مِرية فيه: ما يُفعل في شهر ربيع الأول من الاحتفالات والاجتماعات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويسميها أصحابها: احتفالات بذكر مولد الرسول الأعظم ﷺ !! بل وصل الأمر ببعضهم أنهم يخصصون هذا الشهر لشد الرحال إلى مكة والمدينة، قرباً من مواطن المصطفى ﷺ بزعمهم! وهذا عمل لا مبرر له، وتخصيصٌ لا دليل عليه ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. فتخصيص ليالي هذا الشهر أو بعضها في الاحتفالات لا يجوز شرعاً لأمور كثيرة:- الأول: أن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة ﵃، ولا التابعون لهم بإحسانٍ في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حباً لرسول الله ﷺ ومتابعة لشرعه ممن جاء بعدهم، فيَسَعُنا ما وَسِعَهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. الثاني: ما ثبت من الآيات والأحاديث في كتاب الله وسنة رسوله التي توجب طاعة الرسول ﵊، والوقوف عند سنته، وتحذر من الابتداع في الدين. الثالث: أن الله سبحانه أكمل الدين، ورسوله ﷺ بلغ البلاغ المبين، وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، حتى جاء هؤلاء المتأخرون في القرن السادس وما بعده فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله! وكفى بهذا اعتراضاً على الله سبحانه، وتنقصاً لشرعه، وقدحاً في تبليغ رسوله ﵊. الرابع: أن إقامة مثل هذه الاحتفالات خروجٌ عن جادة الصواب، وتشَبُّهٌ بالكفار من أهل الكتاب في أعيادهم، وقد نُهِِينا عن التشبه بهم. الخامس: أن العبادات توقيفية، فليس لأحد أن يشرع فيها ولا يشرع منها إلا ما شرع الله ورسوله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. وقواعد الشريعة ومقاصد الدين تردُّ مثل هذه الاحتفالات:- فمن القواعد المقررة في الشريعة: (رد ما تنازع الناس فيه إلى الكتاب والسنة) وقد رَدَدْنا مثل ذلك إليهما، فوجدنا فيهما التحذير عن مثل ذلك. وكذلك: قاعدة (سد الذرائع)، و (إزالة الضرر)، وأكبر الضرر هو الضرر في الدين. أضف إلى ذلك ما يجري فيه من المنكرات التي أعظمها: الشرك الأكبر بالله من دعاء الرسول ﷺ ، وطلب الحاجات، وتفريج الكربات منه، وإنشاد القصائد الشركية بمدحه، والغلو فيه، كما يحصل فيها الاختلاط والإسراف، وتبذير الأموال، ورفع الأصوات بلغو القول، وساقط المقال. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه رسول الله ﷺ هو بعينه الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. وتخصيص ليلة من ليالي هذا الشهر بالاحتفالات خلطٌ وهراء لتضارب أقوال المؤرخين في تحديد يوم ميلاده ﵊، ومَن حدد ليلة بعينها للاحتفال فعليه الدليل، وليس ثمة دليل!! ولعلماء الإسلام المعروفين باتباع السنة قديماً وحديثاً مؤلفات وأقوال كثيرة في إنكار هذه الاحتفالات: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما اتخاذ موسمٍ غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيعٍ الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، فهي من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها". وقال ﵀: "إن هذا -أي: اتخاذ المولد عيداً- لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵊، وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص إلى أن قال: وأما الاجتماع في عمل المولد على غناءٍ ورقصٍ ونحو ذلك واتخاذُه عبادة فلا يرتاب أحدٌ من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي يُنهى عنها، ولا يَستحبُّ ذلك إلا جاهلٌ أو زنديق". وخشية الإطالة أحجمت عن ذكر أقوالٍ كثيرة للسلف تنهى عن مثل ذلك وتحذر منه.
следующие страницы →