Полный текст (1 023 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
أهمية الاتباع وخطر الابتداع
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وليس لأحد أن يزيد فيه ما ليس منه، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع فيَسَّر، وحكم ودبَّر، ونهى وأمر، وأنعم علينا بنعمٍ لا تحصر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، هو بشر كالبشر، بعثه الله رحمة للعالمين، أرسله ليُطاع ويُتَّبع، لا لتُخالَف سنتُه ويُزاد فيها ويُبتَدع، فلا يصح إيمان عبدٍ به حتى يطيعه فيما أمر، ويصدِّقه فيما أخبر، ويجتنب ما عنه نهى وزجر من المعاصي والبدع الجالبة للخطر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين التزموا سنته، ووقفوا عند هديه، وسلم تسليماً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما مَنَّ عليكم إذ بعث: ﴿فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١] وحققوا هذه النعمة باتباع سنة رسولكم ﷺ ، والوقوف عند هديه وشريعته، والبعد عما أحدثه أهل الأهواء من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 632
الأمر بلزوم الاتباع من الكتاب العزيز
إخوة الإسلام في كل مكان: لقد جاء الأمر بطاعة الرسول ﷺ ولزوم سنته في آياتٍ كثيرة من كتاب الله، وأحاديث شريفة من سنة رسول الله ﷺ ، وكلها نصوصٌ صحيحة في وجوب طاعته، واتباع سنته، والتسليم له دون اعتراض، وعدم الخروج على توجيهاته بأي حال، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
وقال سبحانه محذِّراً مَن يخالف سنة رسوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
стр. 633
الأمر بلزوم الاتباع من سنة المصطفى ﷺ
كما زخرت سنة المصطفى ﷺ بِما يدل على وجوب طاعة الرسول، واتباع السنة، والتحذير من البدع في الدين.
فقد أخرج الإمام الترمذي وأبو داود عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿وإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة﴾.
تتجلى لكل مسلم من هذه النصوص والآيات الكريمات التي يقْصُر المقامُ عن ذكرها كلها أن المسلم مأمور بالاتباع، ومنهيٌ عن الابتداع وإحداث الأمور المخالفة للدين.
فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ متفقٌ عليه، وفي رواية لـ مسلم: ﴿مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أي: مردودٌ عليه غير مقبول.
стр. 634
الأمر بلزوم الاتباع من أقوال السلف الصالح
وللسلف الصالح ﵏ في هذا المجال من الأقوال والأفعال ما يوضح الاتباع العام للقرون الخيرة، ويقدم للمسلمين في كل زمان ومكان المثل الأعلى الذي ينبغي عليهم أن يستلهموا منه المسار والاتجاه.
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفِيتم]].
ويقول ابن عباس ﵄: [[ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن]].
وعن حذيفة ﵁ قال: [[كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة]].
وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: [[سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سنناً، مَن عمل بها فهو مهتدٍ، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومَن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً]].
وقال الإمام مالك ﵀: [[لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها]].
وقال بعض السلف: [[الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على مَن اقتفى أثر الرسول ﵊]].
إخوة العقيدة والإيمان: واليوم لما استحكمت غُربة الدين، وقَلَّ أعوانُه وأنصارُه، وكَثُر أعداؤه وألِدَّاؤه، وضعف إيمان أهله، واشتغلوا عنه بغيره، وكَثُر دعاة السوء، وأرباب البدع والخرافة، لما حصل ذلك تغيرت الأحوال، فعاد المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وانتشرت البدع بين الناس، وسرت في قلوبهم وعقولهم، كما تسري الدماء في أبدانهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 635
الأدلة الواضحة على بدعية الاحتفال بالمولد
أمة الإسلام: ومن البدع المحدَثة في دين الله التي كَثُر انتشارُها ورواجُها اليوم، بل وضربت أطنابَها في أقطارٍ كثيرة جداً من العالَم الإسلامي، واستحكمت في قلوب كثيرٍ من الناس، وعادت عندهم من المعروف الذي لا مِرية فيه: ما يُفعل في شهر ربيع الأول من الاحتفالات والاجتماعات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويسميها أصحابها: احتفالات بذكر مولد الرسول الأعظم ﷺ !! بل وصل الأمر ببعضهم أنهم يخصصون هذا الشهر لشد الرحال إلى مكة والمدينة، قرباً من مواطن المصطفى ﷺ بزعمهم! وهذا عمل لا مبرر له، وتخصيصٌ لا دليل عليه ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
فتخصيص ليالي هذا الشهر أو بعضها في الاحتفالات لا يجوز شرعاً لأمور كثيرة:-
الأول: أن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا غيرهم من الصحابة ﵃، ولا التابعون لهم بإحسانٍ في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حباً لرسول الله ﷺ ومتابعة لشرعه ممن جاء بعدهم، فيَسَعُنا ما وَسِعَهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.
الثاني: ما ثبت من الآيات والأحاديث في كتاب الله وسنة رسوله التي توجب طاعة الرسول ﵊، والوقوف عند سنته، وتحذر من الابتداع في الدين.
الثالث: أن الله سبحانه أكمل الدين، ورسوله ﷺ بلغ البلاغ المبين، وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول ﷺ لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، حتى جاء هؤلاء المتأخرون في القرن السادس وما بعده فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به، زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله! وكفى بهذا اعتراضاً على الله سبحانه، وتنقصاً لشرعه، وقدحاً في تبليغ رسوله ﵊.
الرابع: أن إقامة مثل هذه الاحتفالات خروجٌ عن جادة الصواب، وتشَبُّهٌ بالكفار من أهل الكتاب في أعيادهم، وقد نُهِِينا عن التشبه بهم.
الخامس: أن العبادات توقيفية، فليس لأحد أن يشرع فيها ولا يشرع منها إلا ما شرع الله ورسوله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
وقواعد الشريعة ومقاصد الدين تردُّ مثل هذه الاحتفالات:-
فمن القواعد المقررة في الشريعة: (رد ما تنازع الناس فيه إلى الكتاب والسنة) وقد رَدَدْنا مثل ذلك إليهما، فوجدنا فيهما التحذير عن مثل ذلك.
وكذلك: قاعدة (سد الذرائع)، و (إزالة الضرر)، وأكبر الضرر هو الضرر في الدين.
أضف إلى ذلك ما يجري فيه من المنكرات التي أعظمها: الشرك الأكبر بالله من دعاء الرسول ﷺ ، وطلب الحاجات، وتفريج الكربات منه، وإنشاد القصائد الشركية بمدحه، والغلو فيه، كما يحصل فيها الاختلاط والإسراف، وتبذير الأموال، ورفع الأصوات بلغو القول، وساقط المقال.
هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه رسول الله ﷺ هو بعينه الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه.
وتخصيص ليلة من ليالي هذا الشهر بالاحتفالات خلطٌ وهراء لتضارب أقوال المؤرخين في تحديد يوم ميلاده ﵊، ومَن حدد ليلة بعينها للاحتفال فعليه الدليل، وليس ثمة دليل!!
ولعلماء الإسلام المعروفين باتباع السنة قديماً وحديثاً مؤلفات وأقوال كثيرة في إنكار هذه الاحتفالات:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما اتخاذ موسمٍ غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيعٍ الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، فهي من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها".
وقال ﵀: "إن هذا -أي: اتخاذ المولد عيداً- لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵊، وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص إلى أن قال: وأما الاجتماع في عمل المولد على غناءٍ ورقصٍ ونحو ذلك واتخاذُه عبادة فلا يرتاب أحدٌ من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي يُنهى عنها، ولا يَستحبُّ ذلك إلا جاهلٌ أو زنديق".
وخشية الإطالة أحجمت عن ذكر أقوالٍ كثيرة للسلف تنهى عن مثل ذلك وتحذر منه.
стр. 636
أصناف الناس الذين يحتفلون بالمولد
إخوة الإسلام: بقي أن تعلموا أن الذين يحتفلون بهذه الأمور البدعية هم ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: جَهَلَةٌ مُقَلِّدون:
لسان حالهم يقول: رأينا الناس يفعلون شيئاً ففعلناه، وكفى بهذا ضلالاًَ، قال الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
الصنف الثاني: مُرْتَزِقَةٌُ أَكَلَةٌ فُسَّاق:
يريدون إشباع شهواتهم مِن وراء هذه الاحتفالات؛ بالأكل والشرب واللهو واللعب والاجتماع الباطل.
الصنف الثالث: دُعاةُ سوءٍ وضلالٍ مُغْرِضُون:-
يريدون الدَّسَّ على الإسلام، وصرف الناس عن السنن، وإشغالهم بالبدع والخرافات.
فاتقوا الله يا أمة الإسلام! إلى متى التخبط في مثل هذه الترهات وفي مثل هذه الضلالات؟! إلى متى مثل هذا؟! أين الغيرة على عقيدة التوحيد؟! أين الرغبة في التمسك بسنة المصطفى ﷺ ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون! ﴿بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء﴾.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وارزقنا السير على سنة سيد المرسلين، وجنبنا المعاصي والبدع في الدين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 637
شبهات جواز الاحتفال بالمولد
الحمد لله الذي أمرنا بالاتباع، ونهانا عن الابتداع.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تمسك بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واعلموا أن الحق يُعْرَف بالأدلة الشرعية، لا بفعل الناس، فلا تغتروا بكثرة مَن يفعل البدع والاحتفالات، فالله تعالى قد قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
وقد زين الشيطان لأرباب هذه البدع شبهات يتبجحون بها ليلبسوا على العامة وقليلي العلم، وهي في الحقيقة أوهى من نسج العنكبوت لمخالفتها النصوص الصريحة من الكتاب والسنة.
- فمِن شبهاتهم: زعمهم أن فعلهم هذا تعبيرٌ عن الحب لرسول الله ﷺ ، والفرحة بذكرى مولده، وأن مَن لم يفعل ذلك فلا يحب رسول الله!
وتلك حجة واهية، إن يتبع قائلوها إلا الظن وما تهوى الأنفس، فحب رسول الله ﷺ إنما هو باتباع شرعه، ولزوم سنته، لا بالاحتفالات البِدْعية المنكَرة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
- ومِن شبهاتهم: أن هذه الاحتفالات بدعة حسنة:-
وذلك قولٌ باطل، فإن كل بدعة ضلالة، ومِن أين لهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن في الإسلام بدعة حسنة؟
-ومِن شبهاتهم: دعواهم أن الناس تعارفوا عليها وأصبحوا يفعلونها من غير نكير:
ويُرد على ذلك بأنَّا لم نُتَعَبَّد بأفعال الناس وعاداتهم المخالِفَة للدين، وإنما تُعُبِّدْنا بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.
ومن العجائب والغرائب أن الشيطان -لعنه الله- قد زين هذه المنكرات لأصحابها ولَعِب بقلوبهم، فطمسها عن قبول الحق، وجعلهم ينشطون ويجتهدون في حضور هذه الاحتفالات، ويتعصبون لها، ويدافعون عنها، ويتهجمون على مَن أنكرها، وربما تركوا كثيراً من الواجبات الشرعية ولا يرفعون بذلك رأسا، ولا شك أن ذلك مِن قلة البصيرة في الدين، ومِن الجهل المبين.
- ومِن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يَحْضُر بِدَعهم، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين:
وهذا من أبطل الباطل وأقبح الجهل والعياذ بالله.
стр. 638
دعوة إلى اتباع الدليل ونبذ البدع
أيها المسلمون في كل مكان: بهذه الأدلة الناصعة، وهذه الردود الواضحة؛ يتجلى لنا تهافت هذه البدعة، ودحضها، وتفنيدها، ويتبين لمن له أدنى بصيرة وإنصاف واتباع للحق أنها من الخطأ في دين الله، وأنها من الأمور المبتَدَعة، ولم يبقَ إلا أن ننادي المسلمين من هذه البقعة المباركة براءةً للذمة وإبلاغاً للأمة، أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتركوا مثل هذه الأفعال، إننا نناديهم نداء العطف والإشفاق والخوف عليهم من عذاب الله، يوم يقفون بين يديه، ويبوءون بأحمالهم وأثقالهم، وأثقالاً مع أثقالهم.
إننا ننادي من هذا المكان الذي انتشرت منه كلمة الحق ودوت في أرجاء العالم الإسلامي، ننادي نداء العقل، وترك التعصب، والبحث عن الحقيقة، واتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ننادي أن يُقْلَع عن هذه البدع، فهي لا تزيد أصحابها من الله إلا بُعداً، ولا من رسوله وسنته إلا صدوداً، وأن يأخذوا بسنة نبيهم فلَطَالَمَا شُوِّهَ الإسلامُ الناصعُ بهذه الاحتفالات والشكليات التافهة، التي شَوَّهَت جمال الإسلام، وشَوَّهَت كماله وجوهره.
إنه نداءٌ ملؤه التجرد عن التعصب والهوى، والبحث عن الحق ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠].
ألا وصلوا على النبي الأمي كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، صلوا عليه صلاةً بألسنتكم وقلوبكم، صلوا عليه صلاة المتبع له المستن بسنته ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم ارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين!
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفق ولاة أمورنا لما يرضيك.
اللهم احفظ إمام المسلمين بحفظك، واكلأه بعنايتك ورعايتك.
اللهم أيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، وأعلِ به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في كل مكان إلى العودة الصادقة إلى الدين القويم يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 639
تحديات ومآس وبشائر
في يوم عيد الأضحى يتوب المسلمون إلى ربهم بالأضاحي وغيرها من القرب التي ينبغي على المسلمين أن يتعلموا أحكامها وفقاً لهدي النبي ﷺ .
وإن مآسي أمتنا الإسلامية التي تعاني منها سواءً في كوسوفا أو كشمير أو فلسطين أو غيرها لتجعل المسلم يراجع نفسه ويسائلها عن أسباب هذه المآسي التي تقع هنا أو هناك، وما هو واجبنا كولاة وعلماء ودعاة وآمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ورجال إعلام نحو ما يجري لأمتنا.
стр. 640
ثناء وتعظيم لله رب العالمين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول وعليه المعول، وهو المرتجى ومنه المبتدى وإليه المنتهى، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء وأشرف المرسلين، الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى، هادي البرية، ومعلم البشرية، ومجدد الحنيفية، ومزعزع كيان الوثنية، ومحطم شعارات الجاهلية صلى الله عليه وعلى آل بيته الأطهار، وصحابته الأبرار، وتابعيه الأخيار، صلوات تامات شاملات متعاقبات ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليماً كثيراً.
الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!
الله أكبر كبيراً! والحمد لله كثيراً! وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً!
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله!
والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد!
لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا إله إلا الله الولي الحميد، سبحان من خلق الخلق وأحصاهم عدداً! سبحان من لم يتخذ صاحبة ولا ولداً!
الله أكبر عدد ما تحركت قوافل الحجاج شوقاً إلى البيت الحرام!
الله أكبر عدد ما اهتزت مشاعر الحجيج لرؤية البيت العتيق!
الله أكبر ما كبروا وأحرموا ولبوا! الله أكبر ما طافوا وسعوا وشربوا من ماء زمزم!
الله أكبر عدد ما خرجوا إلى منى ووقفوا بـ عرفة! وباتوا بـ مزدلفة الله أكبر عدد ما غمروا وحلقوا ونحروا وكبروا وشكروا.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد؛ الله أكبر عدد ما ذكر الله، ذاكرٌ وكبر، الله أكبر عدد ما حمد الله حامدٌ وشكر، الله أكبر عدد ما تاب تائبٌ واستغفر.
اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال.
اللهم لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو خاصة أو عامة، أو سرٍ أو علانية لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالأمن والأمان، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، بسطت رزقنا، وكبتَّ عدونا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا.
فلك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً، ولك الشكر كثيراً كما تعطي كثيرا، فأهلٌ أنت أن تُحمد، وأهلٌ أنت أن تُعبد، وأنت على كل شيء قدير.
سبحانك ربنا وبحمدك على حلمك وعلمك! سبحانك وبحمدك على عفوك ومقدرتك! سبحانك ربنا ما أكرمك! سبحانك ربنا ما أعظمك! سبحانك ربنا ما أحلمك! سبحانك ربنا ما أعلمك! سبحانك ما عبدناك حق عبادتك! سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك!
اللهم لك الحمد على ما مننت به علينا من بلوغ هذا اليوم العظيم، وعلى ما يسرت لحجاج بيتك الحرام من الوصول إلى هذا المكان المبارك، والوقوف بـ عرفة، والمبيت بـ مزدلفة، والإفاضة إلى منى بكل يسر وأمان، وراحة واطمئنان.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
أما بعد:
стр. 641
فضائل وأحكام عيد الأضحى المبارك
فيا إخوة الإسلام في بلد الله الحرام: ويا حجاج بيت الله الكرام! إخوة الإيمان في مشارق الأرض ومغاربها! أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فهي وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، يقول عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]
عباد الله: حجاج بيت الله! أتدرون ما يومكم هذا؟
إنه يوم عيد الأضحى المبارك الذي عظم الله أمره، ورفع قدره، وسماه يوم الحج الأكبر؛ لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسكهم، يرمون جمرة العقبة ويذبحون هداياهم، ويحلقون رءوسهم، ويطوفون بالبيت، ويسعون بين الصفا والمروة، في هذا اليوم المبارك ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعدما وقفوا الموقف العظيم يوم عرفة، ورفعوا أكف الضراعة، وذرفوا دموع التوبة والإنابة، وتضرعوا إلى من بيده التوفيق والإجابة، ثم أفاضوا إلى المزدلفة، وباتوا بها اتباعاً لسنة المصطفى ﷺ القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾
هذا اليوم المبارك -يا عباد الله- جعله الله عيداً يعود بخيره، وفضله، وبركته على المسلمين جميعاً، حجاجاً ومقيمين، في هذا اليوم يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح هداياهم وضحاياهم، اتباعاً لسنة المصطفى ﷺ ، فقد نحر ﷺ الهدي بيده الشريفة، في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ : ﴿ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر﴾.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
أيها المسلمون: لقد ورد الفضل العظيم والثواب الجزيل لمن أحيا شعيرة الأضاحي في الحديث عنه ﷺ حيث قال: ﴿ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة، وبكل صوفة حسنة، فطيبوا بها نفسا﴾ رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة.
стр. 642
شروط الأضحية
ومما ينبغي أن يعلم -يا رعاكم الله- أن للأضحية ثلاثة شروط:
أولها: بلوغ السن المعتبر شرعاً، وهو خمس سنين في الإبل، وسنتان في البقر، وسنة في المعز، ونصف سنة في الضأن.
ثانيها: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء، وقد بينها ﷺ بقوله: ﴿أربع لا تجزئ في الأضاحي: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء﴾ وهي الهزيلة التي لا تُنقي.
خرجه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث البراء بن عازب ﵁.
ثالثها: أن تكون الأضحية في الوقت المحدد شرعاً، وهو: من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، والأفضل في يوم العيد نهاراً، ولا بأس بالذبح ليلاً، وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، كما في حديث أبي أيوب ﵁.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 643
سنن الأضحية
أيها الإخوة المضحون: ينبغي لكم الإحسان بالذبح بحد الشفرة، وإراحة الذبيحة والرفق بها، وإضجاعها على جنبها الأيسر، والسنة أن يأكل المسلم من أضحيته ويهدي ويتصدق منها، وأن يتولى ذبحها بنفسه، أو يحضرها عند الذبح، ولا يعطي جازرها أجرته منها، يقول : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ويقول جل وعلا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] إلى قوله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٦ - ٣٧].
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 644
من مظاهر الاجتماع في عيد الأضحى
إخوة الإيمان: يعد هذا الاجتماع المهيب في هذا اليوم العظيم بآثاره الحميدة، وحِكَمه السامية، مظهراً من مظاهر الوحدة الإسلامية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] ومعلماً من معالم الأخوة الإيمانية التي جاء بها هذا الدين الإسلامي الحنيف، الذي أكمله الله وأتمه للبشرية، ورضيه لها ديناً، فلا يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
لقد جاءت هذه الشريعة السمحة، فأشرقت على أصقاع المعمورة أنوار الإيمان، ورفرفت على أرجائها رايات العز والأمن والاطمئنان، بعد أن كانت البشرية غارقة في أوحال الشرك والوثنية، ومستنقعات الرذيلة والإباحية، وأودية البغي والظلم والجاهلية، فحمل المصطفى ﷺ راية الدعوة إلى الحنيفية السمحة، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وكانت دعوته ﵊ مرتكزة على أهم قضية على الإطلاق، وأصل القضايا باتفاق، تلكم هي قضية العقيدة وتوحيد الله جل وعلا في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فلا إله غيره، ولا رب للناس سواه، بذلك أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠]
فمن الذي خلق العباد ورزقهم، وأمدهم بالأسماع والأبصار والعقول والأفكار إلا الله وحده؟ وما سواه من ملكٍ أو نبيٍ أو ولي أو بشرٍ أو حجرٍ أو شجر أو قبر أو ضريح أو سواه كائناً ما كان لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا، فالعجب أن يستمرئ أناس التقرب للمخلوق الفقير الضعيف، وينسون الخالق القوي الغني: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علواً كبيراً.
стр. 645
ضرورة التوحيد في جميع الأحوال والأفعال
إذا تقرر ذلك -يا عباد الله- فواجب العباد أن يوحدوا ربهم في جميع أفعالهم، وفي كل أحوالهم، فلا صلاة إلا لله، ولا دعاء إلا له، ولا ذبح ولا نذر ولا تقرب إلا إليه، ولا حلف ولا استعانة ولا استعاذة إلا به: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
стр. 646
التحذير من صرف العبادة لغير الله وقت الخطوب والملمات
فالتوجه إلى غير الله في الخطوب والملمات، وكشف الكروب والمعضلات، وسؤاله شفاء المرضى وقضاء الحاجات، وجلب المنافع ودفع المضار والكربات كل ذلك شركٌ فظيع، وجرمٌ شنيع إنه الذنب الذي لا يغفر، والكسر الذي لا يجبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦].
فوحدوا ربكم -يا عباد الله- وأثبتوا له الأسماء الحسنى والصفات العلى التي أثبتها لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تأويل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
احذروا إتيان السحرة والمنجمين، والكهنة والمشعوذين، وأدعياء علم الغيب والرمالين ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
стр. 647
عزة الأمة وعلاقتها بالعقيدة
معاشر المسلمين: في هذه العقيدة الصافية، وهذا التوحيد الخالص عزت هذه الأمة وسادت، وسعدت وانتصرت وقادت، اجتمعت كلمتها، وتوحدت صفوفها، وإنه لا عز للبشرية اليوم ولا صلاح ولا سعادة للإنسانية قاطبة إلا بها، فباتباع كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ يتحقق للأفراد والمجتمعات ما ينشدونه، ويؤملونه من الخير والهدى ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، ويقول ﷺ فيما صح عنه عند مسلم وغيره: ﴿وإني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله﴾ وفي رواية: ﴿كتاب الله وسنتي﴾.
ألا ما أحوج الأمة الإسلامية وهي تمر في هذه المرحلة الدقيقة واللحظات الحاسمة من تاريخها، أن تعود إلى مصدر عزتها وقوتها وانتصارها، لا سيما وهي تواجه التحديات الخطيرة، والهجمات الشرسة من أعدائها الذين يريدون نزع هويتها الإسلامية، وسلب مقوماتها، ونهب خيراتها ومقدراتها، لتكون لقمة سائغة لهم.
فيا أمة الإسلام: هذا دينكم، وشرع ربكم، وسنة نبيكم ﷺ بين أيديكم، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، فوالله وبالله وتالله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإياكم والمحدثات من المناهج والأفكار والأهواء، والطرق والآراء، فإن خير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار -والعياذ بالله-
стр. 648
مسئولية الناس في الحفاظ على عقيدتهم وأمتهم
إخوة الإسلام: لقد مرت على هذه الأمة فتراتٌ متباينة عاشت فيها بين مدٍ وجزر تقوى تارة وتضعف أخرى تتحد حيناً وتفترق أحياناً ترتبط بالوحيين فتعلو وتتمسك بهما فتنجو، وتبتعد عن النورين فتخبو، وتتساهل في شرع ربها فتكبوا.
وحينما يتأمل المسلم أوضاع أمتنا الإسلامية عبر التاريخ كله، ويديم النظر في أحوالها على امتداد القرون والدهور، واختلاف الأنظار والعصور، يدرك تماماً أنه ما تمسكت الأمة بالثوابت والأصول العقدية والمنهجية والأخلاقية لها إلا حققت آمالها، ولا انحرفت عنها إلا تصدع بنيانها، واهتز كيانها، وأصبحت فريسة في أيدي أعدائها يحتلون ديارها، ويعبثون بخيراتها ومقدراتها، ويمزقونها كل ممزق، حتى تصير أثراً بعد عين، وتمر القرون وتمضي الأعوام والسنون على هذه الأمة وترسو سفينتها على شاطئ عالمنا المعاصر بما فيه من أخطار وتحديات ودسائس ومؤامرات وتصيب الأمة ألوانٌ من المحن، وصنوفٌ من الفتن ضعف ومهانة فرقة وخلاف تفرقٌ في الكلمة تبعثرٌ في الجهود اختلال في الصفوف تسلطٌ من الأعداء غزوٌ فكري وعقائدي وثقافي وأخلاقي، وصدق الله سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
وهذا يدعو كل مسلم يمثل لبنة من لبنات المجتمع الإسلامي أن يعيد النظر في حاله، ويحاسب نفسه، ويعلم أن الطريق إلى إصلاح حال الأمة هو البداية بإصلاح النفوس، وتقويمها على ضوء الكتاب والسنة، ومنهج سلف هذه الأمة.
ومن هنا يأتي دور القادة والولاة، والعلماء، والدعاة، والمفكرين، ورجال التربية والتعليم والإعلام، وحملة الأقلام، ليؤدوا رسالتهم العظيمة، في نشر الإسلام الحق، وتربية الأجيال عليه، ويقفوا سداً منيعاً في وجه كل من أراد النيل منه والإساءة إليه.
стр. 649
مسئولية الولاة والحكام تجاه الأمة
فيا قادة المسلمين: ويا أيها الولاة والحكام! إن مسئوليتكم أمام الله عظيمة: [[فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]] سوسوا شعوبكم بكتاب الله، واحكموهم بسنة رسول الله أقيموا الدين في عباد الله أدوا الأمانة التي تحملتموها، واحكموا الناس بالعدل، وأداء الحقوق عدلاً في الرعية، وقسماً بالسوية، ومراقبة لله في كل قضية كونوا سنداً وعضداً لأهل الخير والدعوة والحسبة والإصلاح حكموا شريعة الله في أرض الله على عباد الله اتخذوا من العلماء الربانيين بطانة، ومن أهل الصلاح والنصح مستشارين تصلح أحوالكم، وأحوال شعوبكم، وتبقى مكانتكم، ويعم الأمن والأمان بلادكم، هذا واجبكم.
أما حقكم فالسمع والطاعة لكم بالمعروف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، والنصح لكم والدعاء لكم وعدم الخروج على جماعتكم، ووضع الأيدي في أيديكم، لما فيه صلاح العباد والبلاد.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 650
مسئولية العلماء تجاه الأمة
علماء الإسلام: مكانتكم في هذا الدين عظيمة أنتم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل ورواد الإصلاح، والمؤتمنون على البلاغ والدعوة والبيان، قوموا بواجبكم حق قيام، واحذروا تدنيس العلم بالأطماع الدنيوية، والمقاصد المادية كونوا قدوة صالحة للناس، فإذا صلح العلماء صلحت العامة.
هذا وإن الواجب على الناس أن يحفظوا للعلماء مكانتهم، ويعرفوا قدرهم ومنزلتهم، ويذبوا عن أعراضهم، ويحذروا من الوقيعة بهم.
стр. 651
مسئولية الدعاة إلى الله تجاه الأمة
أيها الدعاة إلى الله: أنتم سلالة أنبياء الله، وأحفاد رسل الله، قوموا بواجبكم في الدعوة إلى الله، لكن ثم لكن ثم لكن بالطريق السليم، والمنهج الصحيح، والأسلوب الحسن؛ لترتكز دعوتكم على العقيدة والإيمان، ولتزوَّد بالإخلاص والتجرد للواحد الديان، لا إلى طائفة ولا إلى مشربٍ ولا إلى مطامع شخصية، ولا منهجٍ غير منهج النبوة، لتتحد صفوفكم، ولتتوحد كلمتكم، وليكن أسلوبكم في الدعوة متوسماً الحكمة والبصيرة، والموعظة الحسنة، والرفق والمجادلة بالحسنى، وإنزال الناس منازلهم.
حذارِ من العنف والغلظة، وغلبة الحماس والعاطفة المنافية للتحصيل العلمي، والتعقل في الأمور، وبعد النظر، وسعة الأفق في الدعوة، لا تستعجلوا النتائج وقطف الثمرات، فلستم مطالبين بذلك، تدرعوا بالصبر على ما تلاقون من الأذى الحسي والمعنوي ترفعوا عن الخلافات الجانبية، والإغراق في القضايا الفرعية ركزوا على أصول الدين وقواعده الكلية ابدءوا بالمهمات والكليات، ولا تختلفوا بسبب وسائل وجزئيات.
حذار أن يشتغل بعضكم ببعض، وأن تجعلوا من الخلاف فيما فيه سعة ومندوحة طريقاً للشقاق والخلاف، وإيغار الصدور بالحسد والبغضاء، والغل والشحناء: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
واعلموا يا دعاة الإسلام! أنكم ستجدون في طريق الدعوة ألواناً من الابتلاءات، فالصبر الصبر، والاحتساب الاحتساب، وإياكم واليأس والقنوط: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
وثقوا جميعاً -يا رعاكم الله- بنصرة دين الله، وأن العزة والكرامة لأهل الإيمان طال الزمان أو قصر فتلك سنة الله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢].
في الحديث الصحيح عند الإمام أحمد والحاكم بسندٍ صحيح أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى لا يدع بيت شجرٍ ولا حجرٍ إلا دخله، بعز عزيز وذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر وأهله﴾.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 652
مسئولية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر تجاه الأمة
يا أمة محمد ﷺ : يا خير أمة أخرجت للناس! قضية تعد صمام الأمان في المجتمعات، يجب على الأمة الإضطلاع بها، وإعزاز شأنها، وتشجيع القائمين عليها مادياً ومعنوياً وأدبياً؛ تلكم هي قضية الحسبة -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فإنه قوام هذا الدين، وبه نالت هذه الأمة الخيرية على العالمين ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فالواجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، كلٌ على حسب استطاعته، على درجات الإنكار المعروفة، ولا بد من تحلي الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالرفق والعلم والحلم والحكمة، ليكون لعملهم الأثر الإيجابي في بعدٍ عن مسالك التعنيف والغلظة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 653
مسئولية رجال الإعلام تجاه الأمة
أمة الإسلام: الإعلام في هذا العصر قناة مهمة، وشريان حيوي، يؤثر سلباً أو إيجاباً على الناس في مختلف شئونهم، فالواجب على الأمة تسخير وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وسائر القنوات الفضائية للدعوة إلى الله، ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة.
فيا رجال الإعلام: اتقوا الله في مسئولياتكم أدوا أمانة الكلمة، ولا تضيعوا مصداقية الحرف، تحروا الحقائق واحذروا التهويل والاثارة اجعلوا من وسائلكم قنواتٍ للدعوة والتوجيه لما فيه صلاح البلاد والعباد في المعاش والمعاد.
هذا وإن مما ينبغي أن يعمل له المسلمون بجد وإخلاص -لا سيما أهل الثراء والمال وأصحاب المسئولية ورجال
الأعمال- الإسهام بإيجاد القنوات الإعلامية الإسلامية حتى لا تقع هذه الأمة في الانهزامية والتبعية لأعدائها.
معاشر المسلمين: الغزو الفكري والأخلاقي المركَّز ضد المسلمين عبر الوسائل المختلفة مما ينبغي أن يحذره المسلمون ويتصدوا له بالتربية الصحيحة، والعناية بتقوية الإيمان في نفوس النشء وتنشئة الأجيال على ذلك، وعدم إتاحة الفرصة لوسائل الغزو الفكري والأخلاقي أن تتسلل إلى البيوت والأسر، كما ينبغي الحذر مما تبثه بعض وسائل الإعلام المغرضة عن الإسلام وأهله، ووصفهم بأبشع الأوصاف، وإلصاق التهم بهم، وإشاعة مصطلحات موهنة يريدون بذلك تشويه صورة المسلمين، فكونوا على حذر من ذلك -إخوة الإسلام- درءاً للفساد والجريمة أن تتسلل إلى المجتمعات، فتطوح بها بعيداً عن بر الأمان وشاطئ السلام.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 654
مآسي المسلمين تقطر دماً في شتى البقاع
أمة الإسلام: إن تقليب صفحات تاريخنا المعاصر وأوضاعنا الحاضرة، يعطي صورة مأساوية لما آل إليه أمر المسلمين في كثير من الأقطار.
стр. 655
مأساة المسلمين في كوسوفا
وأول صفحة مأساوية نطرحها بكل حرارة هي القضية الساخنة في هذه الآونة قضية إخواننا المسلمين في إقليم كوسوفا المسلمة التي وصلت أوج خطورتها، وبلغت حداً لا يسع السكوت عليه، بل لا نكتفي بالشجب والإدانة والتنديد؛ لأن الأمر خطيرٌ جد خطير ضد عقيدتهم وحرماتهم وأموالهم وبلادهم ومقدراتهم، لا لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله.
إننا لنتساءل! أين العالم عن هذه المأساة؟ بل أين المسلمون عن الانتصار لإخوانهم ومعايشتهم لمآسيهم، ومشاطرتهم آمالهم وآلامهم؟ أين أدعياء حقوق الإنسان؟ أين المتبجحون بالإنسانية؟ لو قتل أو علج سجن أو أهين واحدٌ من أعداء الإسلام لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاشتغلت وسائل الإعلام بالحديث حوله، والمطالبة بالإفراج عنه والانتصار له، ولكن المسلمين لا بواكي لهم، ودماؤهم أرخص الدماء مع الأسف الشديد!
هل قتل عِلْج واحدٍ جريمة لا تغتفر
وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
حسبنا الله ونعم الوكيل إلى الله المشتكى! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أين الحمية والغيرة؟ أين الإباء والشجاعة؟ أين الشهامة والرجولة؟ أين الإسلام والإيمان؟
إن واجب المسلمين تجاه إخوانهم المستضعفين في شتى بقاع العالم الدعاء والضراعة إلى الله، أن ينصرهم، وأن يفرج عنهم، وأن يبذل المسلمون أموالهم لا سيما الأثرياء منهم لدعمهم.
стр. 656
مأساة المسلمين في بورما وكشمير
وإذا قلبت صفحة أخرى من مآسي أمتنا الإسلامية وجدت ما يماثل ذلك أو يقاربه، ما هي أحوال إخوانكم المسلمين في بورما وكشمير؟
لقد قضى عليهم الوثنيون بطمس هويتهم، وتشريدهم من ديارهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم، وعملوا فيهم قتلاً وتشريدا، وتخويفاً وتنكيلا، ونحن لا نملك إلا شجباً وتنديداً.
стр. 657
مأساة المسلمين في فلسطين
ما هي أحوال إخوانكم في فلسطين؟
في الأرض المباركة ما هي أحوال الأقصى الجريح والقدس الشريف؟
هذه إسرائيل الحاقدة، تعيث في الأرض المباركة فساداً تريد الاستيطان، والتوسع لنشر مذهبها الباطل ودينها المحرف، وبناء هيكلها المزعوم، كل ذلك بتحدٍ واستفزاز لمشاعر المسلمين، وعلى حساب المسلمين وبلادهم.
إن ذلك امتدادٌ لأحلامهم في الانتشار في العالم الإسلامي، ألا شاهت وجوه الصهاينة!
أيعجز المسلمون وهم أكثر من مليار مسلم أن يقفوا أمام هذه الحفنة المجرمة، والشذرمة الآثمة، غير أننا أصبحنا كما أخبر المصطفى ﷺ بقوله: ﴿ولكنهم غثاء كغثاء السيل﴾ فالله المستعان!
لا بد من رفع راية الجهاد في سبيل الله؛ لتحرير المقدسات الإسلامية، وإقامة علم الجهاد لدرء الشر وأهل الشقاق والفساد والكفر والعناد لا بد من رفع راية الجهاد في سبيل الله، لتحرير المقدسات الإسلامية من براثن الصهيونية الحاقدة الماكرة، ونرجو أن يكون ذلك اليوم قريباً -بإذن الله- متى ما حققنا كلمة التوحيد، ووحدنا كلمتنا عليها: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
стр. 658
مآسي المسلمين والمبشرات
أمة الإسلام: إنه كلما كثرت مآسي المسلمين فإن البشائر كثيرة، والفأل مطلوب، وأمة الإسلام أمة معطاءة، أنجبت القادة والعلماء والأبطال والعظماء والخير فيها إلى قيام الساعة، فاليأس مردود، والتشاؤم مذموم، وبشائر نصرة الإسلام كاثرة متكاثرة بحمد الله، تعم أرجاء العالم الإسلامي بل العالم بأسره، الكل يريد الإسلام ويبحث عنه لما يمتاز به من تحقيق الأمن والأمان، ومن توفر الكمال والشمول مما لا يتحقق في ظل الأنظمة الأرضية، والشعارات البشرية الجاهلية، التي بان عوارها، وثبت إفلاسها، وصدق الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] وإن المستقبل بحمد الله لهذا الدين القويم، وإن النصر والعز والتمكين للمؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشداً، وأن يتقبل من حجاج بيته الحرام حجهم، وأن يجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، إنه جواد كريم.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 659
صفة الحج إجمالاً
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات والعلى.
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وصفوته من رسله، أرسله الله هادياً ومبشراً ونذيرا، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وإخوانه وأتباعه، وسلم تسليماً كثيراً.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
حجاج بيت الله الحرام: ضيوف الرحمن! اشكروا الله على ما مَنَّ به عليكم من الإفاضة من مزدلفة إلى منى، بكل يسرٍ وسهولة، واستفتحوا أعمالكم بـ منى برمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه، ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل، وإذا فعل الحاج اثنين من ثلاثة هي: الرمي والحلق والطواف حلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء فإنها لا تحل له إلا بعد التحلل الثالث، بفعل هذه الأمور الثلاثة كلها، ومن قدم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج؛ لأن النبي ﷺ : ﴿ما سئل يوم النحر عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج﴾ وطواف الإفاضة ركنٌ من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، يقول سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] وبعد الطواف يسعى المتمتع سعياً ثانياً لحجه، وكذا المفرد والقارن إن لم يسعيا مع طواف القدوم، ثم يبيت الحجاج بـ منى ليالي أيام التشريق، ويرمون الجمرات الثلاث بعد الزوال، والرمي والمبيت بـ منى هذه الليالي واجبٌ من واجبات الحج، وإذا فعل الحاج هذه الأمور فإن أحب أن يتعجل فله ذلك، وإن تأخر فهو أفضل، يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣].
وإذا أراد الحاج الرجوع إلى أهله ومغادرة المشاعر المقدسة، وجب عليه أن يطوف للوداع لحديث ابن عباس ﵄: ﴿أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت﴾ إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
стр. 660
تنبيهات مهمات لحجاج بيت الله الحرام
ألا وإن مما ينبغي التنبيه عليه: أن بعض الحجاج -هداهم الله- يتساهلون في بعض الواجبات والرمي والمبيت بـ منى، وقد يوكلون وهم قادرون مستطيعون، وقد يغادرون قبل تمام المناسك، فهذه جرأة عظيمة على مخالفة المنهج الصحيح في هذه الفريضة العظيمة، وليتق الله المسئولون عن الحجيج من المطوفين وأصحاب الحملات، فإنهم مؤتمنون على من معهم من الحجاج.
الله أكبرالله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
حجاج بيت الله الحرام: التزموا السكينة والهدوء والنظام، واحذروا كل ما يكون سبباً في زعزعة الأمن، وجلب الخوف والفوضى، والانصراف عن المناسك.
стр. 661
نصائح وتوجيهات لعموم الناس
أيها المسلمون: تذكروا باجتماعكم هذا يوم يجمع الله الأولين والآخرين لفصل القضاء بينهم، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله.
تذكروا -يا عباد الله- يوم تحشرون إلى ربكم حفاةً عراةً غرلاً كما ولدتكم أمهاتكم، قد حفيت منكم الأقدام، وعريت منكم الأجساد، وشخصت الأبصار.
تذكروا -عباد الله- الموت وسكراته، والقبر وظلماته، والحشر وكرباته، واستعدوا لذلك بالتوبة النصوح، والعمل الصالح الذي يقربكم إلى الله.
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].
أمة الإسلام: الذنوب والمعاصي خطرها عظيم، وشغلها جسيم، ما حلت في ديارٍ إلا أهلكتها، ولا مجتمعات إلا دمرتها.
عباد الله: جاء دينكم بتحقيق المصالح ودرء المفاسد، والمحافظة على الضرورات الخمس (الدين، والنفس، والمال والنسب، والعقل) وتحريم الاعتداء عليها، وأحاطها بسياج منيع، من الحصانة والعناية والرعاية.
стр. 662
الحذر الحذر من المسكرات والمخدرات
إخوة الإسلام: المسكرات والمخدرات بأنواعها أوبئة فتاكة، وسمومٌ مهلكة، يجب التعاون البنَّاء في القضاء عليها، والحفاظ على الأجيال من الانخراط والتورط في حبائلها، وشباك مروجيها ومهربيها، ومستخدميها.
الزنا واللواط عملان شنيعان، وجرمان فظيعان، فيهما انتكاس للفطرة، ومخالفة للشرع والعقل والحكمة، وإضرارٌ بالبدن والصحة، وجلبٌ للخطر على المجتمع بأسره، ويكفي واعظاً ما أخرجته الحظيرة الشهوانية من أمراضٍ جنسيةٍ خطيرة، وما الزهري والسيلان والإيدز إلا نماذج من عقوبات الله على المرتكسين للفطرة، المنتكسين في حمأة الفساد والإباحية.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 663
الحفاظ على الأسرة المسلمة
إخوة العقيدة: الأسرة المسلمة نواة المجتمع الإسلامي بصلاحها تصلح المجتمعات، وبفسادها يفسد عمرانها، وتتقوض أركانها، لذلك فإنه يجب على أركان الأسرة -من زوج وزوجة وأولاد- أن يحققوا إصلاح أسرهم، وأن يُعْنَوا بالتربية السليمة، وأن يسدوا غارات التأثير السلبي عليها.
وإن على الزوجين المسلمين أن يقوم كل واحدٍ منهما بحقوقه وواجباته تجاه الآخر، فما حصلت المشكلات الأسرية، والمعضلات الاجتماعية، وارتفعت نسب الطلاق في كثيرٍ من المجتمعات إلى حدٍ ينذر بخطرٍ على الأسر والبيوتات، إلا بسبب عدم قيام كل واحد من الزوجين بما يجب عليه تجاه الآخر، وكم كان ذلك سبباً وراء انحراف الأحداث، وتشرد الأبناء، ووقوعهم فريسة في أيدي قرناء السوء.
فالواجب علينا أن نتكاتف -جميعاً- على حل مشكلاتنا الاجتماعية، وأن يكون أهل الحل والعقد وحملة الأقلام بإيلاء هذه الموضوعات نصيباً كبيراً من اهتماماتهم، ومن ذلك -يا عباد الله- قضايا الزواج، وغلاء المهور، ورد الاكتفاء، وعنوسة البنات، والتفاخر والمباهاة، والتكاليف والإسراف، والتبذير والبذخ وما إلى ذلك.
стр. 664
القيام بحقوق المسلم على أخيه المسلم
أيها المسلمون: ليقم كل واحد منكم بحقوق إخوانه المسلمين عليه، ومن ذلك: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس وإجابة الدعوة، وأداء الأمانة، ونشر المحبة والوئام، وتحقيق التعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء المسلم لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه بعيداً عن الأثرة والأنانية، وحب الذات، والحسد، والحقد، والبغضاء، والغيبة، والنميمة، والشحناء، والغش، والتزوير، وأكل أموال الناس بالباطل، والوقوع في المعاملات المحرمة من الربا والسرقة والغش والرشوة، ونقص المكاييل والموازين، وتنفيق السلع بالأيمان الكاذبة وغيرها.
стр. 665
القيام بحقوق الوالدين
ليقم كل واحد منكم -يا عباد الله- بحقوق الوالدين، فإن حق الوالدين عظيم، قرنه الله سبحانه بحقه، فقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] كما يجب أن يؤدي المسلم واجبه تجاه أقاربه وجيرانه، من حيث الصلة والبر والإحسان، وليحذر من قطيعة الرحم فإن شؤمها عظيم، وضررها كبير، يحل بصاحبه في العاجل قبل الآجل ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
وإن مما يؤسف له! أن هناك خللاً في العلاقات الاجتماعية بين كثيرٍ من الأقارب نتيجة شبرٍ من الأرض، أو قليل من حطام الدنيا والعياذ بالله.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 666
شباب الإسلام والقيام برسالتهم
شباب الإسلام: أنتم أمل الأمة المشرق، وعدة المستقبل الوضاء، ورجال الغد المتلألئ عليكم بالقيام برسالتكم.
أنتم أحفاد الأبطال الفاتحين، والقادة المجاهدين قوموا بواجبكم واعرفوا مكانتكم وتمسكوا بدينكم، وتلاحموا مع علمائكم، واسلكوا المنهج الوسط، فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، حذارِ من الاسترسال في الغفلة والشهوات، والانخداع بالشبهات.
стр. 667
المرأة المسلمة والحفاظ على العفاف والحشمة
أخواتي المسلمات: اتقين الله في أنفسكن، حافظن على العفاف والحياء والحجاب والحشمة، كُنَّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ حافظاتٍ للغيب بما حفظ الله أنتن في الإسلام دررٌ مصونة، وجواهر مكنونة.
وكُنَّ على حذرٍ مما يبثه أعداء الإسلام الذين يريدون جَرَّكُنَّ إلى السفور والتبرج والاختلاط، والتحرر والإباحية، ووأد المثل والفضائل والقيم، قمن برسالتكن في التربية والتنشئة لأجيالنا الصاعدة خير قيام.
стр. 668
الحفاظ على الصلاة وخطر التهاون بها
إخوة الإسلام: حافظوا على عمود دينكم وهو الصلاة، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وتخلقوا بالأخلاق الإسلامية الكريمة، والمثل والسجايا الحميدة، وحذارِ من الاكتفاء بالتسمي والمظاهر دون عملٍ ولا تطبيق، فليس الإسلام والإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
واشكروا الله على عموم نعمه وآلائه، فدينكم الإسلامي يحقق لمعتنقيه الراحة والطمأنينة بعيداً عن القلق والاضطراب، والتوتر والاكتئاب، وصدق الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧].
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!
стр. 669
الأمن في الإيمان
إن الإيمان بالله طريق للسعادة الدنيوية والأخروية، وسبيل الأمن والحياة الطيبة، فكلما اعتصمت الأمة بربها، وهبها من الأمن والعيش الهنيء الشيء الكثير.
وإن من أعظم ما يسبب اختلال الأمن والاستقرار، وحدوث المحن والاضطرابات هو انتهاك وارتكاب المعاصي والسيئات.
стр. 670
دور الإيمان في نشر الأمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من رسله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه، معلم البشرية، وهادي البرية، ومجدد لواء الحنيفية، ومزعزع كيان الإلحاد والوثنية، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى، إن تقوى الله جل وعلا سلاح المؤمنين في الأزمات، والأمة المتقية أمة منصورة، أمة عزيزة مرهوبة الجانب يهابها أعداؤها.
أيها الإخوة في الله: إن الإيمان بالله طريق للسعادة في الدنيا والآخرة، وسبيل إلى الأمن والأمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
أيها المسلمون: لقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جاهلية وضلال، في خوف وذعر واضطراب، فجاء الله بهذا الدين، وكتب لهذه الأمة الأمن والأمان، والنصرة والعزة والسعادة؛ إن هي نصرت دين الله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
فواجب المسلمين -أيها الإخوة في الله- أن يحققوا أساليب النصر، وأن يسعوا إلى كل ما من شأنه رفعة مكانتهم في الدنيا والآخرة، ولن يكون ذلك إلا بالتمسك بالإسلام، بحفظ حدود الله، وبشكر نعم الله ، وبالوقوف عند حدوده ، وبالحذر من الذنوب والمعاصي.
أمة الإسلام: ما أنعم الله على عباده نعمة بعد نعمة الإيمان أعز من نعمة الأمن في الأوطان، وهل تكون حياة وسلامة واستقرار مع الخوف والذعر والاضطراب؟!
إن عمران الحياة لا يكون إلا بالأمن، وإن الأمن لا يكون إلا بالإيمان بالله سبحانه، ونصرة دين الله جل وعلا، والاستقامة على شرعه، وطاعة رسوله ﷺ ، وإن الحياة الهانئة الطيبة الآمنة المطمئنة لا تكون إلا تحت ظلال الإيمان والعمل الصالح: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
فليكن كل مسلم عيناً ساهرةً أمينةً على تحقيق الأمن لنفسه، وتحقيق الأمن لمجتمعه، وتحقيق الأمن لأمته الإسلامية جميعاً.
следующие страницы →