← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

شباب الإسلام والقيام برسالتهم شباب الإسلام: أنتم أمل الأمة المشرق، وعدة المستقبل الوضاء، ورجال الغد المتلألئ عليكم بالقيام برسالتكم. أنتم أحفاد الأبطال الفاتحين، والقادة المجاهدين قوموا بواجبكم واعرفوا مكانتكم وتمسكوا بدينكم، وتلاحموا مع علمائكم، واسلكوا المنهج الوسط، فلا غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط، حذارِ من الاسترسال في الغفلة والشهوات، والانخداع بالشبهات.

стр. 667

المرأة المسلمة والحفاظ على العفاف والحشمة أخواتي المسلمات: اتقين الله في أنفسكن، حافظن على العفاف والحياء والحجاب والحشمة، كُنَّ مسلماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ حافظاتٍ للغيب بما حفظ الله أنتن في الإسلام دررٌ مصونة، وجواهر مكنونة. وكُنَّ على حذرٍ مما يبثه أعداء الإسلام الذين يريدون جَرَّكُنَّ إلى السفور والتبرج والاختلاط، والتحرر والإباحية، ووأد المثل والفضائل والقيم، قمن برسالتكن في التربية والتنشئة لأجيالنا الصاعدة خير قيام.

стр. 668

الحفاظ على الصلاة وخطر التهاون بها إخوة الإسلام: حافظوا على عمود دينكم وهو الصلاة، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وتخلقوا بالأخلاق الإسلامية الكريمة، والمثل والسجايا الحميدة، وحذارِ من الاكتفاء بالتسمي والمظاهر دون عملٍ ولا تطبيق، فليس الإسلام والإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. واشكروا الله على عموم نعمه وآلائه، فدينكم الإسلامي يحقق لمعتنقيه الراحة والطمأنينة بعيداً عن القلق والاضطراب، والتوتر والاكتئاب، وصدق الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧]. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! والله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 669

الأمن في الإيمان إن الإيمان بالله طريق للسعادة الدنيوية والأخروية، وسبيل الأمن والحياة الطيبة، فكلما اعتصمت الأمة بربها، وهبها من الأمن والعيش الهنيء الشيء الكثير. وإن من أعظم ما يسبب اختلال الأمن والاستقرار، وحدوث المحن والاضطرابات هو انتهاك وارتكاب المعاصي والسيئات.

стр. 670

دور الإيمان في نشر الأمان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من رسله وصفوته من خلقه وأمينه على وحيه، معلم البشرية، وهادي البرية، ومجدد لواء الحنيفية، ومزعزع كيان الإلحاد والوثنية، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى، إن تقوى الله جل وعلا سلاح المؤمنين في الأزمات، والأمة المتقية أمة منصورة، أمة عزيزة مرهوبة الجانب يهابها أعداؤها. أيها الإخوة في الله: إن الإيمان بالله طريق للسعادة في الدنيا والآخرة، وسبيل إلى الأمن والأمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. أيها المسلمون: لقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جاهلية وضلال، في خوف وذعر واضطراب، فجاء الله بهذا الدين، وكتب لهذه الأمة الأمن والأمان، والنصرة والعزة والسعادة؛ إن هي نصرت دين الله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. فواجب المسلمين -أيها الإخوة في الله- أن يحققوا أساليب النصر، وأن يسعوا إلى كل ما من شأنه رفعة مكانتهم في الدنيا والآخرة، ولن يكون ذلك إلا بالتمسك بالإسلام، بحفظ حدود الله، وبشكر نعم الله ، وبالوقوف عند حدوده ، وبالحذر من الذنوب والمعاصي. أمة الإسلام: ما أنعم الله على عباده نعمة بعد نعمة الإيمان أعز من نعمة الأمن في الأوطان، وهل تكون حياة وسلامة واستقرار مع الخوف والذعر والاضطراب؟! إن عمران الحياة لا يكون إلا بالأمن، وإن الأمن لا يكون إلا بالإيمان بالله سبحانه، ونصرة دين الله جل وعلا، والاستقامة على شرعه، وطاعة رسوله ﷺ ، وإن الحياة الهانئة الطيبة الآمنة المطمئنة لا تكون إلا تحت ظلال الإيمان والعمل الصالح: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. فليكن كل مسلم عيناً ساهرةً أمينةً على تحقيق الأمن لنفسه، وتحقيق الأمن لمجتمعه، وتحقيق الأمن لأمته الإسلامية جميعاً.

стр. 671

اختلال الأمن والاستقرار بالذنوب والأوزار أيها الإخوة في الله: إن كل ما يعكر صفو الأمن في المجتمعات يكون بمخالفة شريعة الله سبحانه، والوقوع في الذنوب والمعاصي التي هي الضرر العظيم، والشر الكبير، والخطر المستطير: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. فالمعاصي والمحرمات والذنوب والمنكرات ما كانت في ديار إلا أهلكتها، ولا في مجتمعات إلا دمرتها. فعليكم -يا عباد الله- باللجوء إلى ربكم وطاعته سبحانه، والبعد عن الذنوب والمعاصي، والبعد عن الإشراك بالله، والبعد عن كل ما يخالف عقيدة التوحيد، والبعد عن ترك الصلاة، والبعد عن كل ما حرم الله سبحانه من الربا والزنا والسرقة والخمر، وما إلى ذلك من ضروب المحرمات والمنكرات؛ التي حرمها ديننا الإسلامي الحنيف. إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم وداوم عليها بشكر الإله فإن الإله سريع النقم فإن نعم الله -يا عباد الله- على خلقه كثيرة لا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ولكن بقاء هذه النعم وقرارها، إنما يكون بشكرها، وشكرها لا يكون باللسان وحده، وإنما بالعمل بشريعة الله، والتمسك بدين الله جل وعلا، والالتزام بحدوده، والبعد عن المحرمات كلها: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].

стр. 672

الواجب عند المحن أيها الإخوة في الله: لا ريب أنكم تسمعون وتدركون ما تموج به الساحة في هذه الأيام، ولكن -أيها الإخوة في الله- ما واجب المسلمين حيال هذه الأحداث؟ إن الواجب يتلخص في الكلمة السامية التي أعلنها ولي أمر هذه البلاد حفظه الله في دينه، ونصره بشرعه، حيث بين خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ونصره والمسلمون على أعدائهم، بيَّن حفظه الله ما ينبغي للمسلمين حيال هذه القضايا التي جدَّت على ساحة الأمة الإسلامية. ولن يكون ذلك -أيها الإخوة- إلا بعودة المسلمين جميعاً إلى كتاب الله سبحانه، والالتزام بحدوده جل وعلا، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، والسعي للإصلاح بين المسلمين ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]. لقد جاءت هذه الكلمة السامية نبراساً لهذه الأمة في هذه المرحلة بالذات، وكانت بلسماً شافياً، ودواءً ناجعاً، وطريقاً واضحاً للسالكين. إنه -أيها الإخوة- بإعداد القوة حماية للدين والأموال والأعراض، والأنفس والأوطان: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. إنني من هذا المكان المبارك أؤيد باسم المسلمين جميعاً هذه الكلمات الناصحة من ولي أمر هذه البلاد -حفظه الله بشرعه وأعزه بدينه، ونصره والمسلمين على أعدائهم- فما عليكم -أيها الإخوة في الله- إلا أن تراجعوا دينكم، وتطيعوا ولاة أمركم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] وتعدوا القوة المعنوية، قوة الإيمان بالله، وقوة العقيدة الإسلامية الصحيحة، والالتزام بالإسلام، والتمسك بدين الله ، وتعملوا جاهدين لإعداد أنفسكم مادياً وحسياً وتدريبياً، لتكونوا أعضاء نافعين عند حدوث الملمات، وعند حدوث المصائب والمشكلات على أوطانكم ومجتمعاتكم. فهذا واجب كل مسلم -أيها الإخوة- أن يسعى لهذه القضايا المعروفة، وأن يجدَّ في تحقيقها، وأن يراجع حساباته، وأن يستفيد من الدروس والعبر، التي تمليها ما جد على ساحة الأمة الإسلامية، وإنني بعون الله واثق أن ما حصل للمسلمين ما هو إلا ابتلاء وامتحان، وقضاء وقدر، ينبغي علينا أن نتدرع بالصبر والإيمان، وقوة التوكل على الله، والجد للإصلاح بين المسلمين، والتعاون على البر والتقوى، وتحقيق مبدأ الأخوة في الله، بمساعدة من يستحق المساعدة، ونصرة المظلوم على الظالم، وكل ذلك أمر ينبغي أن يقوم به المسلمون ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾. وإن المسلمين لواثقون بوعد لله، وواثقون بنصر الله وأنه ناصر دينه، ومعلٍ كلمته، ومعز أولياءه، ولكنه يبتلي عباده بالنعم، ويبتليهم بالنقم لعلهم يراجعون ربهم، ويتوبون إليه، فتوبوا إلى ربكم -أيها الإخوة- جِدوا في إصلاح أنفسكم، التزموا بدينكم، ارضوا بما قضاه الله وقدَّره، واسعوا بالعناية بأنفسكم حماية لها، ولأسركم، ولمجتمعاتكم، ولدينكم، ولأمتكم الإسلامية جمعاء؛ لتكونوا أعضاء صالحين، ولبنات قوية في بناء المجتمع المسلم. نسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يهيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، ونسأله أن يعزها بالإسلام، وأن يحفظها بالإسلام، وأن يقيها من شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يكبس من أراد أن يعكر صفو أمن المجتمعات الإسلامية، أن يكبس جهوده ومخططاته، وأن يجعل كيده في نحره، وأن يكفي بلاد المسلمين عدوان الغاشمين وتربص المتربصين إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 673

رسالة عمر إلى سعد بن أبي وقاص الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله أعز جنده، ونصر كلمته، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، داعية السلام، ورافع لواء المحبة والوئام، والداعي إلى دار السلام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الإخوة في الله: اتقوا الله جل وعلا حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، من حفظ حدود الله؛ حفظه الله جل وعلا، ومن نصر دين الله؛ نصره الله . كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمير جيشه سعد بن أبي وقاص، فقال: [[أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الناس أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذاك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شر منا فلن يُسلط علينا، فرب قوم سُلط عليهم شر منهم، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم]]. أيها الإخوة في الله! هذه رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهي رسالة تمر عبر القرون، وتصل إلى أحداث المسلمين المتأخرة، فما عليهم إلا أن ينصروا دين الله، وما على قادتهم إلا أن يجتمعوا على الحق ويسعوا إليه، ويجدوا في الإصلاح بين المسلمين، أسوة بما تقوم به هذه البلاد المباركة، وولاة أمرها حفظهم الله، وعلى المسلمين جميعاً أن ينصروا دين الله، ويعلوا كلمته، فلهم من رحاب البيت العتيق، ومن جوار الكعبة المشرفة دعواتنا بملء أفواهنا وحناجرنا، ومن أعماق قلوبنا، أن يجمع الله قلوبهم على الحق، وأن يكلل مساعيهم بالنجاح والتوفيق، وأن ينصرهم على أعدائهم، وأن يأخذ بأيديهم إلى ما يحبه ويرضاه، ليعيدوا الحق إلى نصابه: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠] بارك الله مساعيهم، وبارك في جهودهم في جمع كلمة المسلمين، وفي تحقيق الخير للأمة الإسلامية، سدد الله خطاهم وأعانهم على شئون دينهم ودنياهم. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير الورى، والسراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء المسلمين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا وأراد دولتنا وأراد المسلمين بسوء في كل مكان فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم أرنا بهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه يا رب العالمين. اللهم وفق قادة المسلمين إلى تطبيق شرعك، والاجتماع على سنة نبيك ﷺ ، والسعي في إصلاح أحوال المسلمين يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم فرج هم المهمومين من إخواننا المسلمين، ونفس كرب المكروبين، ورد الغائبين إلى بلادهم يا رب العالمين. اللهم أعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارزقنا عند حدوث الفتن التمسك بكتابك وسنة نبيك ﷺ . رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. هذا وإن عليكم -أيها المسلمون- أن ترفعوا أكُفَّ الضراعة إلى الله، وتلهجوا بالدعاء أبداً ودائماً، فإن سلاح الدعاء سلاح عظيم ينصر الله به المسلمين، فارفعوا أيديكم لنصرة المسلمين، وأن يحقق الله أمن الآمنين، إنه جواد كريم. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 674

رمضان مدرسة لتجديد الإيمان رمضان بالنسبة للمسلم محطة يتزود منها بالإيمان الذي يعينه في رحلته إلى الله. وفي السنة النبوية آداب عظيمة في استقبال هذا الشهر، وكيفية التعامل معه، والاستفادة من أوقاته الثمينة. وفي هذه المادة بيان لواقع الناس مع هذا الشهر، واختلافهم في الاستعداد له. فمنهم من يفرح بحلوله ويستعد له بالأعمال الصالحات، ومنهم من يستعد له بأصناف المأكولات، والسهر أمام الفضائيات! كما احتوت هذه المادة على واجبات الأمة في الاقتداء بسنة الرسول ﷺ في الاستعداد لرمضان، وقضاء أوقاته في العبادات المختلفة.

стр. 675

واقع الأمة مع شهر رمضان الحمد لله يمن على عباده بمواسم الخير أفراحاً، ويدفع عنهم بلطفه أسباب الردى شروراً وأتراحاً، أحمده تعالى وأشكره شكراً يتجدد ويتألق غدواً ورواحاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مبدع الكائنات أرواحاً وأشباحاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله رافع لواء الدين دعوة وإصلاحاً، والهادي إلى طريق الرشاد سعادة وفلاحاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خيار هذه الأمة تقىً وصلاحاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام مساءً وصباحاً، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فهي العدة العتيدة لمن رام خيراً وصلاحاً، ونشد عزاً وفلاحاً، وقصد براً وتوفيقاً ونجاحاً. أيها المسلمون: أرأيتم بماذا تقاس أفراح أهل الإيمان؟ إنها أفراح علوية، ومسرات روحية، تطلق النفوس من قيد المطامع الشخصية، وتحررها من أسر الأغراض المادية، وتحلق بها في آفاق أسمى وأولى، وتترقى بها في طموحاتٍ أرحب وأعلى، لذلك كانت أفراح أهل الإيمان عن الملذات تتسامى، وعن المشتهيات تترفع وتتعالى، أفراح المؤمنين تتجدد بتجدد مواسم الخير والعطاء، ومناسبات الطهر والصفاء، والمحبة والمودة والإخاء، والبر والسعادة والهناء.

стр. 676

فرحة الأمة بحلول هذا الشهر الكريم إخوة الإسلام: ويا لها من فرحة غامرة تعيشها الأمة الإسلامية هذه الأيام، فهي إزاء دورة جديدة من دورات الفلك السيار، والزمن الدوار، وإن في مرور الليالي والأيام لعبراً، وفي تصرم الشهور والأعوام لمزدجراً ومدكراً. تمر الأيام وما أسرعها! وتمضي الشهور وما أعجلها! ويطل علينا موسمٌ كريم، وشهر عظيم، ويفد علينا وافدٌ حبيب وضيف عزيز، فبعد ساعاتٍ معدودات يهل علينا شهر رمضان المبارك بأجوائه العبقة، وأيامه المباركة الوضاءة، ولياليه الغر المتلألئة، ونظامه الفريد المتميز، وأحكامه وحِكَمه السامية. هو من فضل الله على هذه الأمة لما له من الخصائص والمزايا، ولما أعطيت فيه أمة محمدٍ ﷺ من الهبات وخصت فيه من الكرامات، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين﴾. فيا لها من فرصة عظيمة، ومناسبة كريمة، تصفو فيها النفوس، وتهفو إليها الأرواح، وتكثر فيها دواعي الخير، تفتح الجنات، وتتنزل الرحمات، وترفع الدرجات، وتغفر الزلات، وتحط الأوزار والخطيئات، يجزل الله فيها العطايا والمواهب، ويفتح أبواب الخير لكل راغب، ويعظم أسباب التوفيق لكل طالب، فلله الحمد والشكر على جزيل نعمائه، وترادف مننه وآلائه.

стр. 677

حاجة الأمة لهذه الفترة الروحية معاشر المسلمين: إن الأفراد والأمم لمحتاجون لفترات من الراحة والصفاء لتجديد معالم الإيمان، وإصلاح ما فسد من أحوال، وعلاج ما جد من أدواء، وشهر رمضان المبارك هو الفترة الروحية التي تجد فيها هذه الأمة فرصة لاستجلاء تأريخها، وإعادة أمجادها، وإصلاح أوضاعها. إنه محطة لتعبئة القوى الروحية والخلقية التي تحتاج إليها الأمة، بل يتطلع إليها كل فردٍ في المجتمع، إنه مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتقوية الأرواح، وإصلاح النفوس، وضبط الغرائز، وكبح جماح الشهوات، إنه مضمار يتنافس فيه المتنافسون للوصول إلى قمم الفضائل، ومعالي الشمائل، وبه تتجلى وحدة الأمة الإسلامية. الصيام مدرسة للبذل والجود والبر والصلة، هو حقاً معين الأخلاق ورافد الرحمة، ومنهل عذب لأعمال الخير في الأمة. فما أجدر الأمة الإسلامية وهي تستقبل شهرها أن تقوم بدورها! وتحاسب نفسها! وتراجع حساباتها! وتعيد النظر في مواقفها. ما أحوجها إلى استلهام حكم الصيام، والاستفادة من معطياته، والنهل من معين ثمراته ونمير خيراته.

стр. 678

أصناف الناس في استقبال هذا الشهر الكريم أمة الإسلام: بماذا عسانا أن نستقبل شهرنا الكريم، وموسمنا الأغر العظيم؟ إن الناظر في واقع الناس اليوم إزاء استقبال هذا الشهر الكريم يجدهم أصنافاً. فمنهم: من لا يرى فيه أكثر من حرمانٍ لا داعي له، وتقليدٍ لا مبرر له، بل قد يرفع عقيرته مدعياً أنه قيودٌ ثقيلة وطقوسٌ كليلة تجاوزها عصر الحضارة وتطور الثقافة وركب المدنية الحديثة. ومنهم من لا يرى فيه إلا جوعاً لا تتحمله البطون، وعطشاً لا تقوى عليه العروق. ومنهم من يرى فيه موسماً سنوياً للموائد الزاخرة باللذيذ المستطاب من الطعام والشراب، وفرصة سانحة للسمر والسهر واللهو إلى هجيعٍ من الليل، بل إلى بزوغ الفجر، ممتطين صهوة الفضائيات، وما تقذف به شتى القنوات، وما تعج به شبكات المعلومات، يتبع ذلك استغراق في نومٍ عميق نهاراً، فإذا كان من ذوي الأعمال تبرم بعمله، وإذا كان من أصحاب المعاملات ساءت معاملاته وضاق عطنه، وإذا كان موظفاً ثقل عليه الالتزام بأداء مسئولياته، وقلَّ إنتاجه وعطاؤه، وغالب هذا الصنف هم من يملأ الأسواق هذه الأيام تبضعاً وتخزيناً للمواد الغذائية المتنوعة زاعمين أن ذلك يترجم الاستقبال الأمثل لرمضان. وفي الأمة بحمد الله وهم الأكثرون إن شاء الله من يرى في رمضان غير هذا كله، وأجلَّ منه جميعه، يرون فيه دورة إيمانية تدريبية لتجديد معانٍ عظيمة في النفوس، من الإيمان العميق، والخلق القويم، والصبر الكريم، والعمل النبيل، والإيثار الجليل، والتهذيب البليغ، والإصلاح العام للأفراد والمجتمعات.

стр. 679

واجب الأمة تجاه هذا الشهر الكريم إن استقبالنا لرمضان يا عباد الله يجب أن يكون بالحمد والشكر لله جل وعلا، والفرح والاغتباط بهذا الموسم العظيم، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. والتوبة والإنابة من جميع الذنوب والمعاصي، وأي عبدٍ لم يلم بشيءٍ منها؟ كما يجب الخروج من المظالم، وأداء الحقوق إلى أصحابها، وفتح باب المحاسبة الجادة للنفوس، والمراجعة الدقيقة للمواقف، والعمل على الاستفادة من أيامه ولياليه صلاحاً وإصلاحاً، بهذا الشعور والإحساس يتحقق الأمل المنشود، وتسعد الأفراد والمجتمعات بإذن الله. أما أن يدخل رمضان ويراه بعض الناس تقليداً موروثاً وأعمالاً صورية محدودة الأثر ضعيفة العطاء، بل لعل بعضهم أن يزداد سوءاً وانحرافاً والعياذ بالله، فذلك انهزام نفسي، وعبثٌ شيطاني، له عواقبه الوخيمة على الفرد والمجتمع، وقد قال ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ ألا فلتهنأ الأمة الإسلامية جميعاً بحلول هذا الشهر العظيم، وليهنأ المسلمون قاطبة بهذا الوافد الكريم. إنه فرصة للطائعين للاستزادة من العمل الصالح، وفرصة للمذنبين للتوبة والإنابة، كيف لا يفرح المؤمن بفتح أبواب الجنان؟! وكيف لا يفرح المذنب بإغلاق أبواب النيران؟! يا لها من فرصٍ لا يرحم فيها إلا مرحوم، ولا يحرمها إلا محروم! ويا بشرى للمسلمين بحلول شهر الصيام والقيام! فالله الله عباد الله في الجد والتشمير دون استثقالٍ لصيامه! واستطالة لقيامه، واستبطاءٍ لأيامه! وحذار حذار من الوقوع في نواقضه ونواقصه! أو تعاطي مفطراته الحسية والمعنوية! وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه ﷺ قال: ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾. إخوة الإيمان! إن شهر رمضان آتٍ بعد لحظات: جاء شهر الخيرات بالبركات فأكرم به من زائرٍ هو آت فالذين يستقبلونه على أنه شهر جوعٍ ونومٍ، وحرمانٍ نهاري، وشبع وسهر ليلي، وأعمالٍ وأقوالٍ لا تجاوز اللسان، ولا يعمر به جنان، لن يستفيدوا من معطياته، ولن ينهلوا من خيراته. وأما الذين يستقبلونه على أنه مدرسة لتجديد الإيمان، ومحطة لتهذيب الأخلاق والسلوك، وتقوية الضمائر والأرواح، وانطلاقة جادة لحياة أفضل، ومستقبلٍ أكمل، فهؤلاء هم المستثمرون على الحقيقة، قد أغذوا السير وأعدوا الحياة لتروح نسماته، والنهل من خيراته وبركاته، هؤلاء هم الخليقون بالرحمات، الحقيقون بالخيرات، الجديرون بالعطايا والهبات، المبشرون بروح الجنات، هؤلاء بإذن الله هم المعول عليهم بعد الله في صلاح الأوضاع، واستنزال النصر والعزة، وكسب الجولات، في إسعاد المجتمعات، ومواجهة التحديات. وما أحوجنا إلى هذا الجيل الإيماني اليوم ونحن نواجه المؤامرات من قوى الشر والطغيان، وإن الغيور ليتساءل بحرقة وأسى: بأي حالٍ يستقبل إخواننا المسلمون في الأرض المباركة فلسطين شهر رمضان المبارك، وهم يواجهون العدوان اليهودي الغاشم ضد مقدسات الأمة ومقدراتها هناك؟! بأي حال يستقبل إخواننا في العقيدة على ثرى كشمير والشيشان وفي بقاعٍ كثيرة من العالم هذا الشهر الكريم؟!

стр. 680

مساعدة المحتاجين من الواجبات في هذا الشهر إن الواجب علينا -يا عباد الله- شكر نعمة الله على ما نعيشه من أمنٍ وأمان، وأن نقدم لإخواننا المسلمين المضطهدين في دينهم في كل مكان، ما نستطيعه من دعاءٍ وبذل وعطاء لا سيما من ذوي المال واليسار، والغنى والاقتدار، في تلمس احتياجات إخوانهم الذين تربطهم بهم عقيدة الإسلام، كيف لا وقد حلَّ فينا شهر الخير والبركة، وهو شهر الجود والبذل والعطاء، فلنتحسس إخواننا المحتاجين من قريبٍ وبعيد، فنمد لهم يد العون والمساعدة، وهذا من واجب الأخوة الإسلامية.

стр. 681

رمضان فرصة عظيمة للتوبة والإقلاع عن الذنوب وهمسة محبٍ ناصح في أذن كل من يواقع معصية، أو يقترف خطيئة، فإن شهر رمضان فرصة للإقلاع والندم والتوبة والإنابة، وهو مدرسة الصبر والتحمل والقوة والإرادة، فلنبادر جميعاً إلى الكف عن الوقوع في أي لونٍ من ألوان المحرمات في حقوق الله أو في حقوق عباد الله، لاسيما والأجواء الإيمانية والأوقات الروحانية تعين على ذلك، كيف لا والعمر قصير، والأجل يأتي بغتة. والله المستعان.

стр. 682

واجب رجال الإعلام في هذا الشهر كما أن الدعوة موجهة وبإلحاح إلى القائمين على وسائل الإعلام، والمسئولين عن القنوات الفضائية، أن يتقوا الله في الأمة في هذا الشهر الكريم، فيبثوا الخير والفضيلة، ويكفوا عن الشر والرذيلة، تأدباً مع قدسية الزمان، ورعاية لحرمة شهر رمضان، هذا إن رمنا الاستفادة من هذا الشهر الكريم، وإننا لفاعلون إن شاء الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. اللهم بلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، اللهم أهلَّ علينا شهر رمضان بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحبه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام، واغفر اللهم لنا ما سلف وكان، من الذنوب والخطايا والعصيان، اللهم اجعله شهر عزٍ ونصرٍ للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، إنك خير مسئول وأكرم مرتجى مأمول. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 683

سنة التبشير بهذا الشهر وتشويق الناس إليه الحمد لله يمنُّ على عباده بمواسم الخيرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب البريات، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث بكريم السجايا وشريف الصفات، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واشكروه على ما منّ به عليكم من قرب حلول شهر الصيام والقيام، واعلموا -يا رعاكم الله- أن إدراك شهر رمضان نعمة عظمى ومنة كبرى، فكم من أناسٍ حال بينهم وبينه هاذم اللذات ومفرق الجماعات، ولقد كان رسولكم ﷺ يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، يستحث بذلك عزائم المؤمنين، ويشرح صدور المسلمين للإقبال على طاعة رب العالمين، ويشوقهم ويرغبهم فيما عند الله من الفضل العظيم والخير العميم، فقد روى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبيهقي من حديث سلمان ﵁ قال: ﴿خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يومٍ من شعبان فقال: أيها الناس! قد أظلكم شهرٌ كريم مبارك، شهرٌ فيه ليلة خيرٌ من ألف شهر﴾ الحديث. وفي الحديث الآخر: ﴿أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله ﴾ رواه الطبراني وغيره، ورواته ثقات من حديث عبادة بن الصامت ﵁. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة﴾. فيا أيها المسلمون: أروا الله من أنفسكم خيراً، افتحوا صفحة جديدة من حياتكم، مسطرة بأحرف الخير والبر والتقوى والعمل الصالح. أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد

стр. 684

الاقتداء بالنبي ﷺ في الاستعداد لرمضان تأسوا بنبيكم ﷺ ، فقد كان ﵊ إذا جاء رمضان استعد له، لا بالمآكل والمشارب، بل بالطاعة والعبادة والجود والسخاء، فإذا هو مع ربه العبد الطائع والمنيب الخاشع، ومع عباده الرسول الجائع السخي الجواد الكريم: ﴿وكان ﵊ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾. فيا أيها المؤمنون: استعدوا لشهر رمضان واستقبلوه بالخير والعمل الصالح. إذا رمضان أتى مقبلاً فأقبل فبالخير يستقبل وأعدوا أنفسكم للتخلق بأخلاقه، والاستفادة من حكمه وأسراره، فيا من يريد تجارة لن تبور، ورزقاً لا ينفد، وربحاً لا يحد ولا يعد! في هذا الشهر تدرك، وبالصيام فيه تلحق بركب الفائزين، هاهي سوق الخير نصبت فأين المتاجرون؟ وساحة العفو اتسعت فأين المتنافسون؟ هيا أيها المؤمنون: قد فتحت أبواب الجنة، فأين الراغبون؟ ويا أيها المذنبون: قد أغلقت أبواب النار، فأين التائبون توبة صادقة نصوحاً شاملة لكل جوانب الحياة؟ نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم بمنه وكرمه. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى وأفضل من وطئ الثرى كما أمركم بذلك المولى جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله أبي القاسم، ما تعاقب الجديدان وتتابعت المواسم، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا يا رب العالمين، اللهم انصر به دينك وأعل به كلمتك، وأعز به أولياءك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لاتباع كتابك وتحكيم سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام. يا قوي يا عزيز! نسألك أن ترينا في اليهود عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك فإنهم لا يعجزونك، اللهم انصر إخواننا في فلسطين عليهم يا قوي يا عزيز، اللهم فرق جمع اليهود ومن شايعهم، وشتت شملهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم هيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كشمير والشيشان وفي كل مكانٍ يا رب العالمين. اللهم أقر أعيننا بإعادة المسجد الأقصى إلى بلاد المسلمين، اللهم أخرج اليهود منه أذلة صاغرين، اللهم اجعله شامخاً عزيزاً إلى يوم الدين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 685

يوم النحر هذه خطبة ألقيت في يوم النحر، وقد أدى الحجاج ما تيسر من أعمال الحج، وبقيت بعضها، وقد ذكر الشيخ فيها الأعمال التي يقوم بها الحجاج في يوم النحر، وفضل التكبير في أيام التشريق، وضرورة التمسك بالسنة النبوية. والخطبة بعمومها تضيف أحكاماً هامة، ومعرفة بالحج يحتاجها كل المسلمين، ودعوة إلى استحضار التاريخ العريق لهذه المشاعر، واستلهام الدروس والعبر من ذلك.

стр. 686

فضل الحج وأعماله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نحمدك ربي وأنت الرحيم البر، حمداً كثيراً يتجدد في الآصال والبكر، ونشكرك على ما مننت به علينا من حلول يوم النحر. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم بما بطن وما ظهر، سبحانه وبحمده، تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله ومصطفاه من البشر، ذو المجد الأغر، والوجه الأنور، والجبين الأزهر، والفضل الأظهر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما اتصلت عينٌ بنظر، وأذنٌ بخبر، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا إخوة الإسلام: ويا حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله الملك العلام، فإنها خير زادٍ يبلغكم إلى دار السلام، وهي السبب لتكفير الذنوب والآثام: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. عباد الله: حجاج بيت الله! اشكروا الله جل وعلا على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، حيث تعيشون هذه الأجواء الروحانية العبقة، والنفحات الإيمانية المباركة، بعد أن من الله عليكم بالوقوف على صعيد عرفة، والمبيت بـ مزدلفة، والإفاضة إلى منى، والقيام بما تيسر من أعمال يوم النحر؛ من الرمي والذبح والحلق والطواف، فيا لها من مواقف عظيمة، وأعمالٍ جليلة! حيث تسكب العبرات، وتتنزل الرحمات، وتقال العثرات، وتحل الخيرات والبركات، وتمحى الذنوب والسيئات، اشكروا الله جل وعلا أن بلغكم هذا اليوم العظيم، وهذا الموسم الكريم. لك الحمد يا رب الحجيج جمعتهم ليوم طهور الساح والعرفات واعلموا -رحمكم الله- أن يومكم هذا يومٌ مبارك، رفع الله قدره، وأعلى ذكره، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيداً للمسلمين حجاجاً ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى، في هذا اليوم المبارك يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم، اتباعاً لسنة الخليلين إبراهيم ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، فهنيئاً لكم يا حجاج بيت الله الحرام، ولتهنئي يا أمة الإسلام في هذا اليوم الأغر بحلول عيد الأضحى المبارك، أعاده الله على أمة الإسلام بالخير والنصر والعز والتمكين، ويا بشرى لكم رعاكم الله حيث تعيشون أجواءً روحانية، ولحظاتٍ إيمانية يتوجها وسام شرف الزمان والمكان، فيومكم هذا -يا عباد الله- غرة في جبين الزمان، وابتسامة في ثغر الأوان، كيف وقد جمع الله لكم فيه عيدين في عيد، إنه يومٌ تثمر فيه أغصان القلوب، وتتحات فيه أوراق الذنوب، وتجتمع الخلائق تدعو علام الغيوب، وتسأله رفع الدرجات، وتنزل الخيرات، ونجاح الطلبات والرغبات. فيه يتذكر الحاج تاريخنا الإسلامي المجيد على ثرى هذه الربى والبطاح، ألا ما أشد حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى أخذ الدروس والعبر من هذه المناسبة الإسلامية العظيمة! لتستعيد مجدها بين العالمين، وتحقق بإذن الله العز والنصر والتمكين. في هذا اليوم المبارك يتذكر المسلم عبق الذكريات الخالدة، وشذا الانتصارات الماجدة، ويسعى في تحقيق الآمال الواعدة، والأماني الصاعدة، وهو يعيش هذه الأجواء العبقة.

стр. 687

أعمال الحجاج في يوم النحر وأيام التشريق ضيوف الرحمن: حجاج بيت الله الحرام! أنتم اليوم في يوم النحر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، في هذا اليوم الأغر يتوجه الحجاج إلى منى لرمي جمرة العقبة بسبع حصياتٍ متعاقبات، فإذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة ذبح هديه إن كان متمتعاً أو قارناً، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، ثم يحلق الحاج رأسه وبذلك يتحلل التحلل الأول فيباح له كل شيء إلا النساء، ثم يتوجه الحاج إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. وبعد الطواف يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو كان قارناً أو مفرداً ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ويحسن التحلل الثاني بثلاثة أمور هي: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، فإذا فعل الحاج هذه الأمور الثلاثة حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى النساء، وإن قدم أو أخر شيئاً منها فلا حرج إن شاء الله، لأنه ﷺ ما سأل يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: ﴿افعل ولا حرج﴾. ضيوف الرحمن: حجاج بيت الله الحرام! الواجب عليكم أن تبيتوا الليلة بـ منى، اتباعاً لسنة المصطفى ﷺ ، ويوم غدٍ إن شاء الله هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة أول أيام التشريق المباركة التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] قال ابن عباس ﵄: [[هي أيام التشريق]]. وقال فيها ﷺ : ﴿أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله ﴾ خرجه مسلم وغيره. فأكثروا -رحمكم الله- من ذكر الله وتكبيره في هذه الأيام المباركة امتثالاً لأمر ربكم ﵎، واستناناً بسنة نبيكم ﷺ ، واقتفاءً لأثر سلفكم الصالح، فقد كان الصحابة ﵃ يكبرون في هذه الأيام الفاضلة، وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بـ منى فيكبر الناس بتكبيره، فترتج منى كلها تكبيراً: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلا. وقد كان من هديه ﷺ وهو القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ في هذه الأيام المباركة رمي الجمار الثلاث بعد الزوال مرتبة؛ الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى وهي العقبة، كل واحدةٍ بسبع حصياتٍ متعاقبات يكبر مع كل حصاة، والمبيت بـ منى واجبٌ من واجبات الحج، وينبغي للحجاج أن يلازموا ذكر الله وطاعته مدة إقامتهم بـ مكة المكرمة.

стр. 688

وجوب أداء المناسك وفق السنة النبوية فاتقوا الله يا حجاج بيت الله! وأدوا مناسككم على وفق سنة النبي ﷺ ، وعاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة، وتحلوا بحسن السجايا وكريم الشمائل ونبل التعامل واحذروا الإيذاء والتزاحم، وتحلوا بالرفق والتراحم وارعوا لهذا المكان قدسيته، وحافظوا على أمنه ونظامه، واجتنبوا كل ما يعكر صفو هذه الشعيرة العظيمة. ألا وإن مما يؤسف له تساهل بعض الحجاج هداهم الله بشيء من أعمال المناسك كالرمي والمبيت وغيرها، فيوكلون من غير ضرورة، بل قد يسافر بعضهم إلى بلده ولا يبيت ولا يرمي، وذلك خلاف سنة رسول الله ﷺ ، وتساهلٌ في تعظيم شعائر الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وإذا رمى الحاج وبات بـ منى في اليومين الأولين من أيام التشريق جاز له أن يتعجل ويخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني عشر ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجراً، يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]، فإذا أراد الحجاج العودة إلى بلادهم وجب عليهم الطواف بالبيت طواف الوداع، لحديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض﴾ متفق عليه، وإن أخر طواف الإفاضة وطافه مع الوداع أجزأه ذلك ولا حرج إن شاء الله. فاتقوا الله عباد الله واتقوا الله يا حجاج بيت الله، أتموا مناسككم كما أمركم بذلك ربكم سبحانه، بقوله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] واحتسبوا الأجر عند ربكم، واختموا أعمالكم بالاستغفار والذكر والتوبة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:١٩٩ - ٢٠٢].

стр. 689

من أخطاء الحجاج استعجال النفرة من منى إخوتي الحجاج: ألا وإن من الظواهر الجديرة بالمعالجة، ظاهرة استعجال بعض الحجاج بالنفرة من منى في اليوم الثاني عشر، فينتظرون وقت الرمي بعد الزوال ثم يتدافعون حتى يكاد يقتل بعضهم بعضا، وهذا من الخطأ وقلة البصيرة، فوقت الرمي واسعٌ بحمد الله فاتقوا الله عباد الله، ولا تشقوا على أنفسكم يا حجاج بيت الله، فالحج مظهرٌ من مظاهر العبودية لله، ومعلم من معالم الأخوة والتراحم بين عباد الله، واحذروا أن تكونوا ممن يحج فلا يغفر الله ذنبه، ويرجع وقد حطت عليه ذنوب. أخي الحاج المبارك: تفقه في أحكام المناسك واسأل أهل العلم عما يشكل عليك قبل وقوعك فيه.

стр. 690

حكم زيارة مسجد الرسول ﷺ وآدابها معاشر المسلمين: ومما ينبغي أن يعلم أن ما يعتقده بعض الحجاج من أن زيارة مسجد رسول الله ﷺ بـ المدينة من لوازم الحج خطأ بين، فليست الزيارة من لوازم الحج، ولا علاقة لها به، وليست واجبة، وما يذكر من أحاديث في ذلك فهي مكذوبة موضوعة لم تثبت عند المحدثين الثقات كما يروى: ﴿من حج فلم يزرني فقد جفاني﴾ ونحوه. أخي الزائر الكريم: يا من عزمت على زيارة مدينة الحبيب المصطفى ﷺ ! هنيئاً لك زيارة طيبة الطيبة، مأرز الإيمان، ومهاجر المصطفى من ولد عدنان ﵊، الحبيب المجتبى بأبي هو وأمي ﷺ ، لكن عليك أن تعلم أن من أراد الزيارة فعليه أن يقصد المسجد النبوي الشريف في أي وقت للصلاة فيه، ومن ثم السلام على رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ بأدب واحترام، وخفض صوت، ولا يلزم أن يصلي فيه أوقاتاً متعددة كما يتوهمه بعض العامة، ولا يجوز التمسح بالحجرة النبوية أو غيرها من الأماكن كما يفعله بعض الناس هداهم الله، فينبغي للحجاج أن يلتزموا في كل أفعالهم سنة الحبيب المصطفى ﷺ ، ويحذروا كل الحذر من الأمور المبتدعة والمحرمة في الشرع، لقوله ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ خرجه مسلم في صحيحه وبذلك يكون حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً ويتحقق لهم وعد الله بإعادتهم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، وما ذلك على الله بعزيز. بارك الله لي ولكم في الوحيين، ونفعني وإياكم بهدي سيد الثقلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للأوابين غفوراً.

стр. 691

واجبات الحاج بعد أيام التشريق الحمد لله يمن على من يشاء من عباده بالقبول والتوفيق، أحمده ﵎ وأشكره على أن من علينا بحلول عيد الأضحى، وقرب أيام التشريق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدانا لأكمل شريعة وأقوم طريق، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله ذو المحفد الشريف والنسب العريق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والتصديق، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ما توافد الحجيج من كل فجٍ عميق، آمين البيت العتيق، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واتقوا الله يا حجاج بيت الله، واشكروه جل وعلا على سوابغ آلائه، والهجوا بالثناء له على ترادف نعمائه، وكبروه سبحانه، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 692

أهمية إتقان بقية أعمال الحج أحبتي الكرام: حجاج بيت الله الحرام! لقد أتيتم إلى هذه البقاع الطاهرة، ملبين نداء ربكم، داعين لبيك اللهم لبيك، معلنين التوحيد الخالص لله والاستجابة المطلقة لشرعه، وها قد عملتم كثيراً من مناسك حجكم، فالله الله فيما بقي منها، فأحسنوا الختام فإن الأعمال بالخواتيم. واتقوا الله فيما أنتم مقبلون عليه من الأيام، وأعلنوها صريحة دائماً وأبداً في كل وقتٍ وفي كل آن: لبيك اللهم لبيك، إجابة بعد إجابة، لترتسم آثار الحج على محيا كل واحدٍ منكم، ليعد كل فردٍ أحسن مما كان عليه قبل الحج، ليعاهد كل حاج ربه أن يسير على الدرب المستقيم، ويلتزم الحق المبين، ويتبع سنة المصطفى الأمين، عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم.

стр. 693

مواقف وذكريات تثيرها هذه المشاعر هل تذكرتم يا حجاج بيت الله العتيق وأنتم تعيشون في هذه الأيام الخالدة أباكم إبراهيم وهو يرفع القواعد من البيت وإسماعيل ﵉؟ هل تذكرتم نبيكم محمداً ﷺ الذي وقف في هذه العرصات ودعا وجاهد لإعلاء كلمة الله، ولم يثنه ثانٍ عن الدعوة الإسلامية؟ هل تذكرتم وأنتم في رحاب هذا البيت الآمن المبارك أن له أخاً يئن تحت وطأة أعداء الأمة الإسلامية، ويستصرخكم في إنقاذه من براثن اليهودية الغاشمة، والصهيونية الظالمة؟ ذلكم هو المسجد الأقصى المبارك، أقر الله الأعين بفك أسره وقرب تحريره. ومآسي إخوانكم في العقيدة في كل مكان الذين يمر عليهم هذا العيد، وهم يعيشون حياة القتل والتشريد، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 694

أهمية الوقوف على هذه الدروس والعبر إن هذه العبر وهذه الدروس والذكريات المضمخة بأريج الإيمان وشذا العقيدة، وعبق التاريخ والأمجاد؛ مشاعل على الطريق تبعث الرجاء وتشحن الهمم، وتدفع العزائم إلى بذل كل ما يستطاع لنصرة دين الله، وخدمة عباد الله، وإعزاز دين الله، والعمل على الارتقاء بأوضاع أمتنا الإسلامية، وتحقيق وحدتها، والسعي في تضامنها، وجمع صفوفها بعدما تكشف للغيورين الظروف الحوالك التي تمر بها أمتنا الإسلامية لا سيما بعد الأحداث العالمية، والمتغيرات الدولية. ولاشك أن مناسبة الحج لبيت الله الحرام فريضة تؤكد على جوانب عظمة الإسلام، وسماحة الشريعة، وعراقة هذه الحضارة ورعايتها لحقوق الإنسان أكمل رعاية وبراءتها من كل ما توسم به عبر الحملات الإعلامية المغرضة بالعنف والإرهاب، يا لها من فريضة تدعو إلى الوحدة والتضامن، والحوار والتعاون، وسبق هذا الدين وحضارة المسلمين للعالمية الحقة بعدما ظهر عوار العولمة المفضوحة التي تساوم على ثوابتنا ومبادئنا وقيمنا. فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! افتحوا صفحة المحاسبة والمراجعة والتقويم لأعمالكم واعلموا أن هذه المناسبات ليست تغييراً مؤقتاً في حياة الناس، بل هي تغيير شامل في جميع مناحي الحياة، فيعود الحاج أحسن مما كان عليه، وتلك أمارة بر الحج وقبوله التي يسعى إليها الحجاج ويرومونها، فاستقيموا على الأعمال الصالحة وجددوا التوبة إلى الله من ذنوبكم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. نسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالقبول والتوفيق بمنه وكرمه إنه خير مسئول وأكرم مأمول. ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على سيد البشر، المصطفى الأغر، الشافع المشفع في المحشر، فقد ندبكم إلى ذلك المولى ﵎ وأمر، في أفضل القيل وأصدق الخبر، ومحكم الآيات والسور، فقال سبحانه قولاً كريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وسلم الحجاج والمعتمرين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره جزاء ما قدموا ويقدمون لحجاج بيتك الحرام، اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم يا حي يا قيوم، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين لاتباع كتابك، وتطبيق سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان، اللهم أقر أعيننا بإعادة المسجد الأقصى إلى بلاد المسلمين، اللهم لا تمكن فيه لليهود الظالمين والصهاينة الغاشمين يا رب العالمين! اللهم تقبل من حجاج بيتك الحرام حجهم، اللهم اجعل حجهم مبرورا، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، وأعدهم إلى بلادهم سالمين غانمين، مأجورين غير موزورين يا ذا الجلال والإكرام! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 695

الوقت والجائزة أيها الإخوة: لقد اعتنى الإسلام بالوقت عناية بالغة، بل لم يعرف التاريخ أمة اهتمت برعاية الوقت وصيانة الزمن كهذه الأمة، وقد أكد على ذلك كتاب الله في كثير من سوره وآياته، وسنة الرسول ﷺ في كوكبة من مشكاة النبوة. ولقد كان سلف هذه الأمة أحرص الناس على كسب الأوقات وشغلها بجلائل الأعمال، والتاريخ والحضارة الإسلامية خير شاهد لهم على ذلك، فالوقت أمره عظيم فعليه تقام الحضارات وتبنى الأمم.

стр. 696

أهمية الوقت وقيمته إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎؛ فتقوى الله سبحانه رأس كل أمر وجماع كل خير. عباد الله: إذا كان كل مسلم لا يشك في أن سر وجوده وحكمة خلق الله له في هذه الحياة إنما هي لغاية عظمى ورسالة كبرى تتمثل في تحقيق العبودية لله جل وعلا، كما لا يرتاب في أن الحياة الدنيا ما هي إلا لحظات محدودة، وأنفاسٌ معدودة، إذا كان الأمر كذلك -يا عباد الله- فإنه لا بد من استشعار أن الأزمان أوعية وخزائن للأعمال، وأن الأوقات مطايا ومراحل للآجال، يقطعها الإنسان في سفره إلى الدار الآخرة، كما أنه لا بد من معرفة قيمة الأوقات، ومنزلة هذه النعمة ومكانتها عند المسلمين، وواجبهم نحوها، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من حفظ الوقت والعناية بالزمن؛ لأنه عمر الحياة، وميدان وجود الناس، وساحة ظلهم وبقائهم.

стр. 697

أهمية الوقت في القرآن إخوة الإيمان: لقد اعتنى الإسلام بالوقت عناية بالغة، بل لم يعرف التاريخ أمة اهتمت برعاية الزمن وصيانة الوقت كهذه الأمة، فهذا كتاب الله يؤكد ذلك ويؤصل عظم مكانته وعلو قدره بأساليب مختلفة، يأتي في مقدمتها بيان أهميته وعظم المنة به، يقول جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم:٣٣] فامتن ﷻ بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي يمر به هذا العالم كله. وحسب الوقت من الأهمية أن الله سبحانه أقسم به وبأجزاءٍ منه في آيات كثيرة من كتابه الكريم: كالفجر، والليل، والنهار، والعصر، والضحى، وغيرها وما ذاك إلا لمكانة الزمن ولفت الأنظار إليه، والتنبيه على جليل نفعه وعظيم آثاره، بل لقد جاءت شعائر الإسلام وفرائضه من الصلاة والصيام والزكاة والحج ونحوها؛ لتثبت هذا المعنى العظيم، وتوقظ في الإنسان الوعي والانتباه إلى أهمية الوقت مع دورة الأفلاك وحركة الكون، وسير الشمس والنجوم واختلاف الليل والنهار.

стр. 698

أهمية الوقت في السنة إخوة العقيدة: أما السنة المطهرة فقد جاءت مؤكدة لقيمة الوقت ببيان ووضوح في كوكبة من مشكاة النبوة، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ﴾ وذلك لأن الزمن نعمة جلى ومنحة كبرى، لا يستفيد منها إلا الموفقون، أما المغبونون الخاسرون فهم المفرطون في أوقاتهم المهدرون لطاقاتهم. كما جاءت السنة لتقرير مسئولية الإنسان عن الوقت يوم العرض على الله ﷻ ، في الحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، وذكر منها: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس، وذكر منها فراغك قبل شغلك﴾ أخرجه الإمام أحمد والنسائي والبيهقي، والحاكم وصححه.

стр. 699

محافظة السلف على أوقاتهم معاشر المسلمين: لقد كان سلف هذه الأمة ﵏ أحرص الناس على كسب الوقت وشغله بجلائل الأعمال، فقد كانوا يبادرون اللحظات، ويسابقون الساعات ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على ألا تذهب برهة منه -وإن قصرت- دون أن يتزود منها بعلمٍ نافعٍ أو عمل صالح، حتى لا تتسرب الأعمار سدىً، وتذهب هدراً، وتضيع هباءً، وتمضي جفاءً، وما ذاك إلا لمعرفتهم بقيمتها؛ مما أورثهم حضارة عريقة الجذور، آتت أكلها علماً وفتحاً، وعزاً ومجداً، لم يعرف التاريخ له مثيلاً. يقول الحسن البصري ﵀: [[أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم]]. ونقل عن عامر بن قيس من التابعين [[أن رجلاً قال له: تعال أكلمك، قال: أمسك الشمس]] يعني أوقفها لي واحبسها عن المسير لأكلمك، فإن الزمن سريع المضي لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن تعويضها واستدراكها. ويقول عمر بن عبد العزيز ﵀: [[إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما]] وكانوا يجتهدون في الترقي من حال إلى حال خيراً منها، بحيث لا يمر يومٌ لا يستفيدون منه زيادة في الإيمان، ونمواً في العمل الصالح، وفي هذا يقول بعضهم: "من كان يومه كأمسه فهو مغبون" ويقول آخر: "من علامة المقت ضياع الوقت: وقال ابن مسعود ﵁: [[ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي]]. وقال بعضهم: "من أمضى يوماً من عمره في غير حقٍ قضاه، أو فرض أداه، أو مجدٍ أصله، أو حمد حصله، أو خيرٍ أسسه، أو علمٍ اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه". ومن أقوال الفاروق ﵁: [[إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً لا في عمل دنياً ولا في عمل آخره]]. تلك شذرات عبقة مما كان عليه سلفنا الصالح ﵏، حيث كان الوقت عندهم أغلى من كل جوهرٍ نفيس، بل هو الحياة كلها وكفى؛ لأن الماديات يمكن استرجاعها بينما الثانية من الزمن لا يمكن أن تعود، وكل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت، وقديماً قيل: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولله در القائل: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع

стр. 700

واجب المسلم نحو الوقت أمة الإسلام: إذا كان من مزايا الوقت المدركة أنه سريع الزوال، وأن ما مضى منه لا يمكن أن يعود أو يعوض، وأنه أنفس ما لدى الإنسان حتى إنه ليعتبر رأس ماله الحقيقي، بل هو الحياة حقاً؛ فإن على المسلم واجبات نحو وقته يجب أن يعيها وأن ينقلها من دائرة المعرفة والإدراك إلى حيز العمل والتنفيذ، يجمعها الحرص على الاستفادة من الوقت فيما ينفع في أمر دينه ودنياه، وما يعود على أمته بالخير والصلاح. وإنه لمما يؤلم القلب ويزيده أساً وحسرات وزفرات ما يلحظ اليوم عند كثيرٍ من الناس من إضاعة للأوقات تجاوزت حد التبذير إلى التبديد، ووصلت إلى مراحل من السفه البالغ؛ حتى إنك لتسمع كثيراً عبارة تدور على ألسنة بعض المغبونين الذين يحيون حياة الأنعام، ويعيشون عيش الطغام، هي عبارة: (قتل الوقت هنا وهناك) وما علم هؤلاء أن من قتل وقته إنما يقتل نفسه، ويئد كرامته في الحقيقة. والحق: أن جريمة قتل الوقت وتبذيره من أخطر الجرائم وأشدها فتكاً بالأفراد والمجتمعات، فهو وراء كل مشكلة، وسبب كل معضلة، وخلف تورط كثير من الناس في المشكلات والأخلاقيات وغيرها، مما يتطلب من المسلمين جميعاً الإعداد والتخطيط والعمل لهذه القضية المهمة تشخيصاً وعلاجاً؛ لأن ضرر أصحابها ليس على أنفسهم فحسب وإنما على مجتمعهم بأسره، ألا فليعلم ذلك من يعمرون مجالس اللهو الخاوية، ومجتمعات القيل والقال، والفضول الفارغة، ومن يجددون الساعات الطوال في الليل والنهار فيما يضر ولا ينفع، دون شعورٍ ولا مبالاة، لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة، غافلين عن حقوق الله وحقوق عباد الله، لسان حالهم: إنما الدنيا طعام وشراب ومنام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام معرضين عن واجبات الدين والدنيا، يبددون الأوقات في الأسواق والطرقات، والمقاهي والملاهي وعلى الشرفات، ويهدرون ساعات ليلهم بالسهر على إدارة مؤشرات الشاشات، والقنوات والفضائيات وما تبثه من سمٍ زعاف، في فراغٍ صارخ، وبطالة ممقوتة، أين قلوبهم حينما يسمعون بالحوادث والكوارث، أيظن هؤلاء أنهم مخلدون في هذه الحياة، ما جوابهم حين العرض على سؤال الجبار ﷻ عن ضياع الشباب وتبديد الأعمار، نعوذ بالله من الخذلان. ألا فليتق الله هؤلاء قبل أن تحل بهم ساعة الاحتضار، وتوسيد الثرى، والعرض على الجبار ﷻ حين يتمنون العودة ليعملوا ولو حسنة واحدة، ولكن هيهات: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].

стр. 701

الفراغ وضياع الأوقات مشكلة خطيرة تداهم المجتمعات أمة الإسلام: حينما يثار الحديث حول حفظ الأوقات وأهمية استغلالها في طاعة الله ومراضيه، وإبعادها عن معاصيه، تبرز على الساحة -ولا سيما في هذه الأيام- قضية كبيرة، ومشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة الفراغ، وما يعانيه كثيرٌ من الناس -ولا سيما من الشباب والفتيات- من تضييع للأوقات بسيئ الأعمال وتافه الانشغالات، إنها والله مشكلة كبيرة يجب أن تخطى بالعناية والرعاية، وخليقة أن تعد لها العدد والبرامج، وتخط لها الخطط وترسم المناهج؛ لضمان حلها والقضاء عليها، فكم جرت من فتنٍ وويلات، وأشعلت نار الشرور والبليات، وتسببت في حدوث الفساد والجرائم والمشكلات، وأسباب البلاء من الفراغ لا سيما إذا اجتمع معه الشباب والمال. فما الذي أوقع كثيراً من الناس في حبائل الشيطان وفخاخ أعداء الرحمن، وزين لهم المتعة الحرام من الزنا والفجور والمخدرات والخمور إلا الفراغ؟ وإذا وجد الفراغ في أي أمة فمن واجب الأمة الإسلامية وهي الأمينة على شرع الله، والمستخلفة في أرض الله، والوريثة لمهمة رسل الله، الأمة الجادة في حمل قضاياها، وتوحيد صفوفها فلا يعرف الهزل طريقاً إلى أبنائها، ولا اللهو والغفلة مسلكاً إلى أتباعها، أن لا تجد هذه المشكلة قراراً بين أبنائها، ولكنه داء الأمم من حولها التي تعايش الفراغ في أبشع صوره، وأوسع مراميه، لا سيما الفراغ العقدي والروحي، والفكري والنفسي.

стр. 702

عوامل ظهور مشكلة الفراغ وضياع الأوقات إخوة الإسلام: إننا حينما نلتمس الأسباب والعوامل لهذه المشكلة نجد أن أهمها ضعف الوازع الديني، والرادع الإيماني في نفوس هؤلاء الفارغين، وعدم استشعارهم لقيمة الوقت، وطول أملهم في الحياة، وعدم تذكر الموت والقبر والدار الآخرة، وقلة الخوف من الله، والتورط مع قرناء السوء ورفاق الشر والفساد، بل إن لإهمال الأبوين وعدم متابعة الأسرة المتابعة التربوية النصيب الأكبر في حصول هذه العوامل مما سبب الفراغ بشتى صوره. ومنها: الفراغ القلبي والخواء الروحي، حيث لم تعمر كثيرٌ من القلوب بالطاعة، وتحيا الأرواح بالأعمال الصالحة. وهناك الفراغ العقلي بخمول الفكر حيث لم تملأ بالوعي والعلم والمعرفة، والنظر والتأمل والابتكار فيما يوافق شرع الله جل وعلا. وهناك الفراغ النفسي؛ فإن النفس إذا لم تشغلها بالخير شغلتك بالباطل، وإن لم تزكها بالطاعة دسيتها بالمعصية، وقد قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] كما قال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]

стр. 703

علاج ظاهرة الفراغ وضياع الأوقات أيها الأحبة في الله: أما علاج هذه الظاهرة فإنه مسئولية الأسرة والمجتمع، وأهل التوجيه والتربية، وحملة الأقلام وأرباب الفكر، والمسئولين عن قنوات التثقيف والتوجيه والإعلام في إعداد كل ما من شأنه شغل فراغ أبناء المسلمين بما يعود عليهم بالنفع العظيم والخير العميم في أمور دنياهم وآخرتهم. فيا شباب الإسلام: ماذا بعد انتهاء العام الدراسي وماذا بعد فترة الاختبارات؟ ماذا أعددتم لشغل أوقات فراغكم مدة إجازتكم؟ إن واجب النصيحة في هذه الأيام ينبغي أن يركز على حفظ الأوقات واغتنامها، واستثمارها بالأعمال الصالحة التي تعود على الفرد وعلى أسرته بالخير والصلاح، وعلى مجتمعه بالسعادة والفلاح. ومن الخطر الفادح والضرر القادح أن تهمل الأوقات، وتضيع الأيام والساعات في لهوٍ وغفلة، فيا شباب الإسلام! ويا أيها الطلبة والطالبات! ماذا أعددتم في هذه الإجازة من برامج ونشاطات؟ ويا أيها الآباء والأمهات! ماذا برمجتم لشغل أوقات فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد؟ هل ركزتم على تنظيم أوقاتهم وحسن الاستفادة منها، أو شجعتموهم على حفظ كتاب الله وما تيسر من صحيح سنة رسول الله، والاطلاع على الموثوق من كتب العلم والآداب ونحوها؟ حذار أن تتركوا لهم الحبل على الغارب، تابعوهم وراقبوهم، وانظروا من يصاحبون. أيها الإعلاميون: ماذا أوجدتم لشغل أوقات الأجيال من برامج إعلامية تربوية، كم يؤسفك أيها الغيور أن يتربى بعض الناس -لا سيما من فئة الشباب من الجنسين- على مجلات منحرفة، وأفلام داعرة، ومناظر ماجنة. أيها الآباء والأمهات: اتقوا الله في أماناتكم، ربوا أولادكم على الفضيلة واحذروا من إيقاعهم في الرذيلة بجلب وسائل الفساد، ودمار الأخلاق والقيم في البيوت والأسر، حققوا حسن الرعاية لهم والعناية بهم، فقد قال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄. اللهم وفقنا إلى ما فيه حفظ أوقاتنا وشغل فراغنا بما فيه خيرنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي آنفاً وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل خطيئة وإثم فاستغفروه وتوبوا إليه، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

стр. 704

الآفات القاتلة للأوقات الحمد لله الذي أبان لنا السبل، وأرشدنا بالأنبياء والرسل، ورفعنا بدينه إلى أعلى المثل، أحمده تعالى وأشكره على نعمه التي لا تعد، وعلى إحسانه الذي لا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، ومن سار على نهجهم واقتفى. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] أيها الإخوة في الله: إن فرص استغلال الوقت كثيرة بحمد الله، فينبغي أن يحرص على الفرص الشرعية والمباحة، وليتجنب العبد استغلال وقته في المحرمات والمشتبهات، فاحذروا رحمكم الله من الآفات القاتلة للأوقات، وأخطرها الغفلة والإعراض، والتسويف والتأجيل. يقول الحسن البصري ﵀: [[إياك والتسويف فإنك في يومك ولست بغدك]] وعنه ﵀ أنه قال: [[ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى يا بن آدم أنا يومٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود في بعملٍ صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة]] وقال بعضهم: احذروا سوف فإنها من جنود إبليس. كما ينبغي الحذر من لصوص الأوقات الذين لم يكتفوا بتضييع أوقاتهم بل سطوا على أوقات الآخرين، ولعمر الحق إن سرقة الأوقات أشد من سرقة الأموال، وإن أنفس ما حفظت فيه الأوقات -يارعاكم الله- تلاوة كتاب الله وحفظ ما تيسر منه، وهذه بحمد الله جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ودورات تجويده وتعليمية منتشرة في أرجاء هذه البلاد المباركة، هذه الثورات العلمية، والمراكز الصيفية التي يقوم عليها نخبة من أهل الفضل والصلاح فيفيدون الناشئة، ويصقلون مهاراتهم ومواهبهم، ويزيدون في علومهم ومعارفهم، وتلك المعاهد الفنية والمهنية لمن يريد أن يكتسب مهارة ويجيد صنعة، وتلك أرجاء هذه البلاد الفسيحة ومناظرها الخلابة ومصائفها اللطيفة لمن أراد السياحة والنزهة البريئة، فهذه جوانب من فرص استغلال الوقت، فما أجمل الرحلة إلى بيت الله الحرام في عمرة، وإلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة، لكن يجب على من أَمَّ هذين الحرمين الشريفين أن يتأدب بالآداب الشرعية، لا سيما النساء حشمة وحجاباً وحياءً. وما أحسن القيام بزيارة ذوي القربى وصلة الأرحام، والترويح عن النفوس في حدود المباح شرعاً، ولا بأس بالسفر في محيط بلاد الإسلام مع المحافظة في ذلك كله على الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والفساد والرذيلة، أما السفر إلى البلاد الموبوءة، والأماكن المشبوهة، حيث توأد الفضائل وتهدر المبادئ والقيم فلا يرتاب أحدٌ من أهل العلم والإيمان في خطر ذلك على الأفراد والمجتمعات، وعظم تأثيره على العقيدة والأخلاق والسلوكيات، فينبغي اجتنابه والتحذير منه والله المستعان، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي البشير، والسراج المنير كما أمركم بذلك المولى اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، والمضطهدين في دينهم في كل بقعة من بقاع الأرض يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية يا ذا الجلال والإكرام! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعضكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 705

نحو طريق الخلاص يوم النحر يوم مشهود، يجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق، وفيه تظهر نعم الله العظيمة وآلاؤه الجسيمة. وفي هذا الاجتماع المبارك تطرح قضايا الأمة، وتوضع الحلول لمشاكلها، وتبين العقبات التي في طريقها.
следующие страницы →