← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الفراغ وضياع الأوقات مشكلة خطيرة تداهم المجتمعات أمة الإسلام: حينما يثار الحديث حول حفظ الأوقات وأهمية استغلالها في طاعة الله ومراضيه، وإبعادها عن معاصيه، تبرز على الساحة -ولا سيما في هذه الأيام- قضية كبيرة، ومشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة الفراغ، وما يعانيه كثيرٌ من الناس -ولا سيما من الشباب والفتيات- من تضييع للأوقات بسيئ الأعمال وتافه الانشغالات، إنها والله مشكلة كبيرة يجب أن تخطى بالعناية والرعاية، وخليقة أن تعد لها العدد والبرامج، وتخط لها الخطط وترسم المناهج؛ لضمان حلها والقضاء عليها، فكم جرت من فتنٍ وويلات، وأشعلت نار الشرور والبليات، وتسببت في حدوث الفساد والجرائم والمشكلات، وأسباب البلاء من الفراغ لا سيما إذا اجتمع معه الشباب والمال. فما الذي أوقع كثيراً من الناس في حبائل الشيطان وفخاخ أعداء الرحمن، وزين لهم المتعة الحرام من الزنا والفجور والمخدرات والخمور إلا الفراغ؟ وإذا وجد الفراغ في أي أمة فمن واجب الأمة الإسلامية وهي الأمينة على شرع الله، والمستخلفة في أرض الله، والوريثة لمهمة رسل الله، الأمة الجادة في حمل قضاياها، وتوحيد صفوفها فلا يعرف الهزل طريقاً إلى أبنائها، ولا اللهو والغفلة مسلكاً إلى أتباعها، أن لا تجد هذه المشكلة قراراً بين أبنائها، ولكنه داء الأمم من حولها التي تعايش الفراغ في أبشع صوره، وأوسع مراميه، لا سيما الفراغ العقدي والروحي، والفكري والنفسي.

стр. 702

عوامل ظهور مشكلة الفراغ وضياع الأوقات إخوة الإسلام: إننا حينما نلتمس الأسباب والعوامل لهذه المشكلة نجد أن أهمها ضعف الوازع الديني، والرادع الإيماني في نفوس هؤلاء الفارغين، وعدم استشعارهم لقيمة الوقت، وطول أملهم في الحياة، وعدم تذكر الموت والقبر والدار الآخرة، وقلة الخوف من الله، والتورط مع قرناء السوء ورفاق الشر والفساد، بل إن لإهمال الأبوين وعدم متابعة الأسرة المتابعة التربوية النصيب الأكبر في حصول هذه العوامل مما سبب الفراغ بشتى صوره. ومنها: الفراغ القلبي والخواء الروحي، حيث لم تعمر كثيرٌ من القلوب بالطاعة، وتحيا الأرواح بالأعمال الصالحة. وهناك الفراغ العقلي بخمول الفكر حيث لم تملأ بالوعي والعلم والمعرفة، والنظر والتأمل والابتكار فيما يوافق شرع الله جل وعلا. وهناك الفراغ النفسي؛ فإن النفس إذا لم تشغلها بالخير شغلتك بالباطل، وإن لم تزكها بالطاعة دسيتها بالمعصية، وقد قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] كما قال سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]

стр. 703

علاج ظاهرة الفراغ وضياع الأوقات أيها الأحبة في الله: أما علاج هذه الظاهرة فإنه مسئولية الأسرة والمجتمع، وأهل التوجيه والتربية، وحملة الأقلام وأرباب الفكر، والمسئولين عن قنوات التثقيف والتوجيه والإعلام في إعداد كل ما من شأنه شغل فراغ أبناء المسلمين بما يعود عليهم بالنفع العظيم والخير العميم في أمور دنياهم وآخرتهم. فيا شباب الإسلام: ماذا بعد انتهاء العام الدراسي وماذا بعد فترة الاختبارات؟ ماذا أعددتم لشغل أوقات فراغكم مدة إجازتكم؟ إن واجب النصيحة في هذه الأيام ينبغي أن يركز على حفظ الأوقات واغتنامها، واستثمارها بالأعمال الصالحة التي تعود على الفرد وعلى أسرته بالخير والصلاح، وعلى مجتمعه بالسعادة والفلاح. ومن الخطر الفادح والضرر القادح أن تهمل الأوقات، وتضيع الأيام والساعات في لهوٍ وغفلة، فيا شباب الإسلام! ويا أيها الطلبة والطالبات! ماذا أعددتم في هذه الإجازة من برامج ونشاطات؟ ويا أيها الآباء والأمهات! ماذا برمجتم لشغل أوقات فلذات الأكباد وثمرات الفؤاد؟ هل ركزتم على تنظيم أوقاتهم وحسن الاستفادة منها، أو شجعتموهم على حفظ كتاب الله وما تيسر من صحيح سنة رسول الله، والاطلاع على الموثوق من كتب العلم والآداب ونحوها؟ حذار أن تتركوا لهم الحبل على الغارب، تابعوهم وراقبوهم، وانظروا من يصاحبون. أيها الإعلاميون: ماذا أوجدتم لشغل أوقات الأجيال من برامج إعلامية تربوية، كم يؤسفك أيها الغيور أن يتربى بعض الناس -لا سيما من فئة الشباب من الجنسين- على مجلات منحرفة، وأفلام داعرة، ومناظر ماجنة. أيها الآباء والأمهات: اتقوا الله في أماناتكم، ربوا أولادكم على الفضيلة واحذروا من إيقاعهم في الرذيلة بجلب وسائل الفساد، ودمار الأخلاق والقيم في البيوت والأسر، حققوا حسن الرعاية لهم والعناية بهم، فقد قال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄. اللهم وفقنا إلى ما فيه حفظ أوقاتنا وشغل فراغنا بما فيه خيرنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي آنفاً وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل خطيئة وإثم فاستغفروه وتوبوا إليه، اللهم أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.

стр. 704

الآفات القاتلة للأوقات الحمد لله الذي أبان لنا السبل، وأرشدنا بالأنبياء والرسل، ورفعنا بدينه إلى أعلى المثل، أحمده تعالى وأشكره على نعمه التي لا تعد، وعلى إحسانه الذي لا يحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أهل الفضل والتقى، ومن سار على نهجهم واقتفى. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] أيها الإخوة في الله: إن فرص استغلال الوقت كثيرة بحمد الله، فينبغي أن يحرص على الفرص الشرعية والمباحة، وليتجنب العبد استغلال وقته في المحرمات والمشتبهات، فاحذروا رحمكم الله من الآفات القاتلة للأوقات، وأخطرها الغفلة والإعراض، والتسويف والتأجيل. يقول الحسن البصري ﵀: [[إياك والتسويف فإنك في يومك ولست بغدك]] وعنه ﵀ أنه قال: [[ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى يا بن آدم أنا يومٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود في بعملٍ صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة]] وقال بعضهم: احذروا سوف فإنها من جنود إبليس. كما ينبغي الحذر من لصوص الأوقات الذين لم يكتفوا بتضييع أوقاتهم بل سطوا على أوقات الآخرين، ولعمر الحق إن سرقة الأوقات أشد من سرقة الأموال، وإن أنفس ما حفظت فيه الأوقات -يارعاكم الله- تلاوة كتاب الله وحفظ ما تيسر منه، وهذه بحمد الله جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ودورات تجويده وتعليمية منتشرة في أرجاء هذه البلاد المباركة، هذه الثورات العلمية، والمراكز الصيفية التي يقوم عليها نخبة من أهل الفضل والصلاح فيفيدون الناشئة، ويصقلون مهاراتهم ومواهبهم، ويزيدون في علومهم ومعارفهم، وتلك المعاهد الفنية والمهنية لمن يريد أن يكتسب مهارة ويجيد صنعة، وتلك أرجاء هذه البلاد الفسيحة ومناظرها الخلابة ومصائفها اللطيفة لمن أراد السياحة والنزهة البريئة، فهذه جوانب من فرص استغلال الوقت، فما أجمل الرحلة إلى بيت الله الحرام في عمرة، وإلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة، لكن يجب على من أَمَّ هذين الحرمين الشريفين أن يتأدب بالآداب الشرعية، لا سيما النساء حشمة وحجاباً وحياءً. وما أحسن القيام بزيارة ذوي القربى وصلة الأرحام، والترويح عن النفوس في حدود المباح شرعاً، ولا بأس بالسفر في محيط بلاد الإسلام مع المحافظة في ذلك كله على الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والفساد والرذيلة، أما السفر إلى البلاد الموبوءة، والأماكن المشبوهة، حيث توأد الفضائل وتهدر المبادئ والقيم فلا يرتاب أحدٌ من أهل العلم والإيمان في خطر ذلك على الأفراد والمجتمعات، وعظم تأثيره على العقيدة والأخلاق والسلوكيات، فينبغي اجتنابه والتحذير منه والله المستعان، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي البشير، والسراج المنير كما أمركم بذلك المولى اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، والمضطهدين في دينهم في كل بقعة من بقاع الأرض يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اجعل لنا وللمسلمين من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاء عافية يا ذا الجلال والإكرام! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعضكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 705

نحو طريق الخلاص يوم النحر يوم مشهود، يجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق، وفيه تظهر نعم الله العظيمة وآلاؤه الجسيمة. وفي هذا الاجتماع المبارك تطرح قضايا الأمة، وتوضع الحلول لمشاكلها، وتبين العقبات التي في طريقها.

стр. 706

منزلة التقوى الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر كبيراً؛ والحمد لله كثيراً؛ وسبحان الله بكرة وأصيلاً! الله أكبر عدد ما مشى فوق السماوات والأرضين ودرج! والله أكبر بيده مفاتيح الفرج! الله أكبر ذو الملك والملكوت، الله أكبر ذو العز والجبروت! الله أكبر رب الأرباب، الله أكبر مسبب الأسباب، الله أكبر خالق خلقه من تراب! الله أكبر خلق الخلق وأحصاهم عدداً، الله أكبر هو ربنا ولن نشرك بربنا أحداً! لا إله إلا الله وحده نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله الولي الحميد، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. الله أكبر عدد ما ذكر الله ذاكرٌ وكبر، الله أكبر عدد ما حمد الله حامدٌ وشكر، الله أكبر عدد ما تاب تائبٌ واستغفر، الله أكبر أعاد علينا من عوائد فضله ما يعود في كل عيد ويظهر، الله أكبر زكَّى أبداننا من درن السيئات وطهر، الله أكبر عدد ما أشاد البيت مشيد وعمر، الله أكبر عدد ما ضحى لله مضح ونحر! الله أكبر ما ذكره الذاكرون، الله أكبر ما حمده الحامدون، الله أكبر ما شكره الشاكرون، الله أكبر ما هلله المهللون، الله أكبر ما سبحه المسبحون، الله أكبر ما توافد الحجاج والمعتمرون. الله أكبر عدد ما تحركت وفود بيت الله الحرام شوقاً إلى البيت العتيق، الله أكبر عدد ما اهتزت مشاعر الحجيج لرؤية البيت الحرام، الله أكبر عدد ما حداهم الأمل في مغفرة الزلل وقبول صالح العمل، الله أكبر عدد ما تحركت قوافل الحجيج لرؤية البيت العتيق، الله أكبر عدد ما تحركت مواكب الحجيج آمة هذه البقاع الطاهرة. الله أكبر عدد ما أحرموا ولبوا، الله أكبر عدد ما طافوا وسعوا، الله أكبر ما استلموا الحَجر وصلوا بالحِجر، الله أكبر عدد ما وقفوا بالملتزم وشربوا من ماء زمزم، الله أكبر عدد ما خرجوا إلى منى ووقفوا بـ عرفة وباتوا بـ المزدلفة، الله أكبر عدد ما رموا وحلقوا ونحروا وكبروا وشكروا وصلوا على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى ﷺ . الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد! الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المؤمنين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله إمام المرسلين وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيا إخوة الإسلام في بلد الله الحرام: ويا أيها الإخوة الحجاج الكرام! ويا إخوة العقيدة في مشارق الأرض ومغاربها! يا من تربطنا بكم أقوى العلائق، وتصلنا بكم أسمى الوشائج! أيها الأحبة في الله في كل مكان من أرض الله! إلى من يصله هذا الصوت فوق كل أرضٍ وتحت كل سماء! أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، فما قيمة الإنسان بغير التقوى، وهل لنا وزنٌ يذكر، أو سعيٌ يشكر بدون تحقيق التقوى، تقوى الله وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] إنه لا خير ولا فلاح، ولا عز ولا نجاح، ولا سعادة ولا صلاح إلا بتقوى الله. تقوى الله سياجٌ منيع من الفتن، وحصنٌ حصين من المحن، وفرقانٌ بين الحق والباطل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩]. في التقوى حبلٌ يقوى، ورزق يبقى، ويسر يغلب، وعسر يطرد ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥]. إنه مهما بلغت الأمم من الحضارة المادية، والاكتشافات العلمية، فهي خداجٌ ما لم تكن تقوى الله هي الزاد: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]. فلا سبيل إلى الخروج من المآزق، والسلامة من العوائق، والنجاة من المضائق إلا بتقوى الله جل وعلا، فحققوا التقوى رحمكم الله، بفعل الأوامر واجتناب الزواجر، واقعاً عملياً في أنفسكم وأسركم ومجتمعاتكم، تسعدوا وتنصروا وتفلحوا. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 707

تأملات في يوم النحر حجاج بيت الله الحرام: اشكروا الله على نعمه العظيمة وآلائه الجسيمة، حيث تنعمون في هذا اليوم المبارك بحلول عيد الأضحى، وحيث تعيشون أجواء الروحانية، ولحظات إيمانية يتوجها شرف الزمان وشرف المكان، فيومكم هذا -يا عباد الله- غرة في جبين الزمن، وابتسامة في ثغر هذا الأوان، يومٌ تثمر فيه أغصان القلوب، وتتحات فيه أوراق الخطايا والذنوب، وتجتمع الخلائق تدعوا علام الغيوب، وتسأله رفع الدرجات ومحو السيئات، وتنزل الخيرات وحلول البركات، ونجاح الطلبات والرغبات. في هذا اليوم المبارك يتذكر المسلم عبق الذكريات الخالدة، وشذا الانتصارات الماجدة، ويسعى في تحقيق الآمال الواعدة، والأماني الصاعدة، وهو يعيش هذه الأجواء العابقة، فيتذكر التأريخ الإسلامي المجيد على ثرى هذه الربى والبطاح، وما سجله التأريخ من بطولات النصر والجهاد والكفاح من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. في هذه الأجواء التي تزدحم فيها المشاهد والشواهد، وتختلط فيها المشاعر بالمشاعر والشعائر، وتلقي في القلب الحي النابض آمالاً كبرى بنصرة دين الله في الأرض، وانتشاره في الآفاق، وتذكره بقيمة هذه المناسبات العظيمة، وضرورة الاستفادة منها، لا سيما والأمة تعاني من الفتن ما تعاني؛ ألا ما أشد حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى أخذ الدروس والعبر من هذه المواقف العظيمة، لتستعيد مجدها بين العالمين، وتحقق لكيانها العز والكرامة، في منأىً عن التخلف والذلة والمهانة. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 708

قضية التوحيد ومنزلتها أمة الإسلام: إن قضية القضايا اتفاقاً، وأهم القضايا إطلاقاً، هي: قضية التوحيد أصل الأصول، وقاعدة الدين والملة، وأساس العبادات وسائر الأعمال، لا إله حق إلا الله، ولا معبود بحقٍ إلا الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠]. من أجل التوحيد أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، وجردت السيوف، ووقع الجهاد، وقامت سوق الجنة والنار، فالشرك في عبادة الله خطره كبيرٌ وشره مستطير، محبطٌ للأعمال، موجبٌ للحرمان من الجنة ودخول النار وبئس القرار عياذاً بالله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. فحققوا -إخوة الإسلام- التوحيد لله رب العالمين في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واحذروا الشرك أكبره وأصغره، جليه وخفيه، فمالك النفع والضر هو الله وحده، احذروا مسالك السحرة والعرافين، وإتيان الكهنة والمنجمين، وأدعياء علم الغيب والمشعوذين، وإياكم والبدع والخرافات، والشركيات والخزعبلات لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ ولا تغتروا -رحمكم الله- بما عليه عباد القبور والأضرحة، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. إن قضية التوحيد هي القضية الكبرى التي يجب على المسلمين جميعاً أن يعنوا بها غاية العناية، وإننا لنأسف أشد الأسف لتساهل كثيرٍ من المنتسبين إلى الإسلام في تحقيق التوحيد الخالص لله، أين نصيب العقيدة من مناهج الدعوة الموجودة في الساحة؟ وكم هو نصيب العقيدة في جهود الدعاة؟ إننا لا نتعدى الحقيقة إذا قلنا: إن المتأمل في ساحة الدعوة والدعاة يجد أن هناك اهتماماتٍ شتى تزاحم هذا الأصل الأصيل، فهذا في قضايا السياسة وفقه الواقع، وآخر في الفكر والثقافة، وثالثٌ في الزهد والرقائق والفضائل، وآخرون يقصرون اهتماماتهم العقدية على جانب الحاكمية، ولربما جهلوا أو تجاهلوا أبواباً أخرى، أو تأثروا بمناهج وافدة جربت سنين عدداً من تأريخ الدعوة فما سببت إلا الفتن والمحن، وسببت من المحن ما لا يعلمه إلا الله. إن علينا أن نأخذ العقيدة الصحيحة كلية من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومنهج السلف الصالح ﵏، ونأخذها من العلماء الربانيين أهل الفقه والأثر، والدليل والنظر، في بعدٍ عن الهوى والدخن، والله المستعان. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 709

أهمية دين الإسلام أيها المسلمون! نحن أمة شرفها الله بهذا الدين، فكيف نرضى بغيره بديلاً؟ كيف يحلو لبعض الأدعياء أن ينعق بشعاراتٍ جاهلية، ويرفع ألوية لا دينية؟ إنه لا دين غير الإسلام الحق جامعاً للقلوب، وموحداً للدروب، ومنقذاً من الفتن والخطوب، إن هذا الدين من السمو والشمول والكمال بحيث تتضاءل أمامه النعرات الطائفية، والدعوات العنصرية، والشعارات القبلية، والانتماءات الحزبية، التي عانت منها الأمة ما عانت حتى طوحت بها في سراديب الغواية، ومستنقعات الضلالة. لقد جربت الأمة طويلاً مناهج ومذاهب ومسالك ومشارب؛ فلم تجد فيها جمع الكلمة، ولا توحيد الصفوف، ولا استعادة الأمجاد، ولا النصر على الأعداء، بل كانت طريقاً إلى التمزق والدمار، والشقاء والبوار. لا بد أن تستيقن الأمة جميعاً أنه لا طريق إلا دين الله، ولا شرع إلا شرع الله، ولا نهج إلا نهج محمدٍ رسول الله ﵊: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 710

ضرورة الإصلاح أمة الإسلام: إن نقطة الإصلاح ونواة التطلع لواقعٍ أفضل، ومستقبلٍ مشرقٍ -بإذن الله- يجب أن تبدأ من داخل النفوس، فتعمر النفوس بالإيمان والإسلام. إن كثيراً من أجيال الأمة معزولة عن الإيمان، وتعاني من التمزق والازدواجية روحياً وفكرياً وتربوياً. إن كثيراً من الأجيال تعاني من انهزامٍ نفسي وخواءٍ روحي، وتناقضٍ بين السلب والإيجاب في قنوات التوجيه والتربية ومناهج التعليم ووسائل الإعلام، وآخرين يعانون من تذبذبٍ واضطراب، وشكوكٍ وحيرة وقلق في تحديد المسار، ومعرفة الخطأ من الصواب في مناهج الدعوة، ومسالك الدعاة، حتى تمزقت عند كثيرٍ منهم أواصر المحبة في الله، ودعائم الأخوة الإيمانية، وإن طريق الخلاص يكمن في اجتماع الأمة بجماعاتها وقياداتها أفرادها وفئاتها على العقيدة السلفية الصحيحة، فلها وحدها يكون الولاء، ومن أجلها يكون البراء والولاء والمنع والعطاء، وإذا كانت الهجمات الشرسة والتحديات السافرة التي منيت بها هذه الأمة عبر التأريخ نابعة من الدين فلا تتحقق مواجهتها إلا بالتمسك المتين بعرى هذا الدين القويم.

стр. 711

واجب العلماء في الإصلاح إن واجب علماء الأمة ودعاة الإسلام كبيرٌ جداً في رسم المنهج الحق الذي يجب أن تسلكه الأجيال المسلمة حتى تتحقق وحدة الأمة بعيداً عن النظرات العصبية، والانتماءات الحزبية. يجب أن نعنى بقضايا الاعتقاد الكلية، وبالأمور الكبرى، والأصول العظمى دون تمييعٍ للقضايا، ولا انهزامية في الطرح، ليس من الحكمة أن تضيع الأوقات وتسخر الأقلام لردود ومجادلات، وطعونٍ واتهامات، يجب أن تطرح القضايا على بساط البحث المتجرد، والنقاش النزيه، وبالمنهج العلمي الرصين مع احترام الآراء الاجتهادية، وعدم التحامل على المخالفين في المسائل الفرعية، ويعظم الأمر حينما تتهم النيات ويتعرض للمقاصد والإرادات، فالحق ليس حكراً على زيدٍ من الناس، والخلاف في المسائل الاجتهادية لا يتحول إلى خصومات وحروب سرية وعلنية. وإنه لا ينبغي الدخول في هذا المورد إلا لأهل الاختصاص، أما المتطفلون على ساحة العلم فأولى لهم ثم أولى لهم أن يشتغلوا بأنفسهم، وتقويمها علمياً وإيمانياً وخلقياً، ولا يتطاولوا على مقامات العلماء وأقدار الفضلاء. وإذا كان من حق كل أحدٍ أن ينتقد ويلاحظ فإن منهج النقد وأسلوب الملاحظة أمرٌ يجب التركيز عليه حتى لا نفسد من حيث نريد الإصلاح، ومن المعصوم عن الخطأ؟ ومن الذي ما ساء قط؟ ثم لماذا يربى الناشئة على النقد والملاحظة قبل أن ينضجوا؟ إن ذلك مسلكٌ يوغر الصدور، ويبعث الشرور، ولا يجوز أبداً أن يتحول الخلاف في المسائل العلمية وخلاف التنوع في وجهات النظر إلى أمور شخصية وانتصارات ذاتية.

стр. 712

المنهج في الإصلاح لا بد من النظر في الأوليات، والبداية في المهمات فالمهمات، حتى لا تختلط الموازين، وتختل المعايير، ثم إنه ينبغي الرجوع إلى العلماء والبعد عن الهوى، ومعرفة مسئولية القلم، وأمانة الكلمة، ومصداقية الحرف في تسخيره لخدمة العقيدة، ووحدة الصفوف، وجمع كلمة المسلمين على العقيدة الصحيحة. نعم. لا بد من تعرية كل منهجٍ دخيل، وكل فكرٍ هزيل، لكن بحسن التصوير، ودقة التعبير، وضوابط النقد ومنهجية الحوار، والحكمة ضالة المؤمن، والحق منهجه، وإخلاص النية مطيته، وليحذر طلاب العلم من القول على الله بلا علم فذلك جرمٌ فظيع، ومسلكٌ شنيع. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 713

خطر الحكم على النيات أمة الإسلام: من القضايا الخطيرة التي ينبغي التنبيه عليها: ما يقع فيه كثيرٌ من قليلي العلم والبصيرة، وضعيفي الإيمان من الحكم على معتقدات الناس ونياتهم ومقاصدهم، فيمتطون صهوة الحكم على العلماء والفضلاء، والقادة والزعماء، والدعاة والخطباء بتبديع أو تفسيق أو تضليل، بل لربما وصل الأمر إلى التكفير وإخراجهم من الملة، نعوذ بالله، أين الإيمان؟! أين الخوف من الله؟! أين استشعار رقابته سبحانه؟! ألا بئس القوم وبئس صنيعهم! نعم. لربما يلتمس ملتمس شيئاً من العذر لهذه النظرات الخاطئة؛ لغلوها في الدين بسبب الجهل وعدم الأخذ من العلماء؛ وبسبب النظرة التشاؤمية لما آلت إليه كثيرٌ من أمور المسلمين؛ بسبب إقصاء حكم الشريعة في كثيرٍ من البلاد، ووجود المظاهر المحرمة والدعوات الآثمة للإلحاد والعلمانية والإباحية، لكن منهج الدعوة في الحكمة والموعظة الحسنة يأبى أن تتحول الأفعال إلى ردود أفعال، وأن يكون التطرف اللاديني باعثاً إلى ما عرف اليوم بالتطرف الديني -وهو ما يعرف شرعاً بالغلو في الدين- حتى جنحت الدعوة إلى قتلٍ وعنفٍ وجرت من الفتن ما لا يعلمه إلا الله. وهنا أوجه الدعوة والنداء إلى القادة والزعماء، والدعاة والعلماء، وأهل الحل والعقد في الأمة: أن يقوم كل بواجبه في نصرة دين الله، وإحقاق الحق وردع الباطل، وألا يعمم الحكم على الجميع، فالتدين والمتدينون هم أهل الخير في الأمة، وليست كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء فحمة.

стр. 714

واجب الولاة والزعماء في الإصلاح فيا قادة المسلمين! ويا أيها الولاة والزعماء! إن مسئوليتكم عظيمة: [[إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]] سوسوا شعوبكم بكتاب الله، واحكموهم بسنة رسول الله، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، أدوا الأمانة التي تحملتموها، واحكموا الناس بالعدل والإنصاف، وأداء الحقوق، كونوا سنداً وعضداً لأهل الخير والدعوة والحسبة والإصلاح، حكموا الشريعة في أرض الله على عباد الله، واتخذوا من العلماء الربانيين بطانة، ومن أهل الصلاح والنصح جلساء ومستشارين، تصلح أحوالكم وأحوال شعوبكم، وتبقى مكانتكم، ويعم الأمن والأمان بلادكم. علماء الإسلام: إن مسئوليتكم في تبليغ هذا الدين كبيرة، وأمانتكم جسيمة، انزلوا إلى ميدان التوجيه والإرشاد، واحملوا سلاح الدعوة والبلاغ، واحذروا من التقصير في أداء ما حملتم، وكتمان ما أوتيتم فإن خطره كبير، واعلموا أن ضعف كثير من العامة في أمور عقيدتهم وأمور دينهم وانتشار الجهل في كثير من الناس سببه تواريكم عن الساحة، وإحجامكم عن النزول إلى الميدان، وصونوا علمكم عن مطامع الدنيا وشهواتها.

стр. 715

واجب الدعاة في الإصلاح دعاة الإسلام: دوركم كبير جد كبير، لقد حملتم شرف الدعوة، وشرفتم بتولي ميراث النبوة، فاسلكوا أثر أفضل الدعاة ﵊، ركزوا على الدعوة إلى العقيدة، واهتموا بالنوع والكيف، لا بالكثرة والكم، اجمعوا قلوبكم ووحدوا صفوفكم، فالدعوة إلى الله ليست تجمعات حزبية، ولا تنظيمات عصبية، وإنما هي رسالة صلاحٍ وإصلاح لعموم البشرية، حذار أن يوقع الشيطان بينكم، وأن يشتغل بعضكم ببعض والعدو يتفرج من حولكم، ركزوا على العلم، ولقد ثبت في الساحة أن أي دعوة لا تجعل للعلم الشرعي القدح المعلى فإنها تتعثر. ولا تستعجلوا النتائج أيها الدعاة، واسلكوا سبيل الحكمة والرفق والعقل، وبعد النظر وتحكيم المصالح الشرعية، والرجوع إلى العلماء، ومتى جنحت الدعوة إلى العنف وسلكت مسالك الاندفاع والتهور، فشلت وسببت لأصحابها الضرر العاجل، عليكم بالرفق أيها الدعاة، فما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، اتصلوا بولاة الأمور، وسدوا الفجوة التي يريد خصومكم أن ينفذوا إليكم من خلالها.

стр. 716

حقيقة الانتماء إلى الإسلام أمة الإسلام: إنه لا عز للبشرية ولا صلاح للإنسانية إلا بتطبيق الإسلام، والإسلام الحق المبني على العقيدة الصحيحة، والمتابعة للنبي ﷺ ، والسير على ما سار عليه السلف الصالح. إن كثيراً من الناس يدَّعون الإسلام ولكنه ادعاءٌ وانتماءٌ لا حقيقة، إنه لا بد من تحقيق كلمة التوحيد، ولا بد من توحيد الكلمة عليها. إن تضامن المسلمين اليوم ووحدتهم مطلبٌ جدُ مهم في عزهم وقوتهم وانتصارهم على أعدائهم، وإن الفرقة والخلاف لهما الداء العضال الذي يفتت جسد الأمة ويقطعها. فاحرصوا -رحمكم الله- على الجماعة، واحذروا الشقاق والنزاع والفرقة، فإن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وإن مما يدعم ذلك تلاحم الشعوب مع قادتهم، ومعرفة حقوق ولاة أمور المسلمين وعلمائهم، أما الولاة فحقوقهم على رعاياهم السمع والطاعة لهم بالمعروف، وعدم الخروج عليهم والتنصل من بيعتهم؛ لأن ذلك من أعظم أسباب الفتن ودواعي الفساد في البلاد والعباد؛ فبهم تأمن السبل، ويستتب الأمن، وتصان الحقوق، وتقام الحدود، وتحصن الثغور، طاعتهم في المعروف من طاعة الله ورسوله، والخروج على ولاة الأمور ومنازعتهم، وإظهار أخطائهم أمام الناس، والوقيعة في أعراضهم مخالفٌ لمنهج السلف الصالح، ولما عليه أهل السنة والجماعة، وطريق النصح المشروع ليس بالتشهير والتجريح، فهذا لا يسلكه إلا من جهل ما يترتب عليه من مفاسد في الدين والدنيا. أما العلماء فيجب معرفة قدرهم، والقيام بحقهم، والدعاء لهم، وعدم الوقيعة في أعراضهم، وإننا لنأسف أشد الأسف من أناسٍ أغرار حدثاء جهلوا مكانة العلماء فوقعوا في أعراضهم تجريحاً وتنقيصاً، رموهم سفهاً بالمداهنة والتزلف؛ لا لشيء إلا لأنهم سلكوا طريق الحكمة في معالجة الأمور. وإن التفكه بأعراض العلماء والولاة في المجالس سمٌ قاتل، وبلاءٌ ظاهر، وداءٌ عضال، وإثمٌ واضح، ففيه إيذاءٌ للمؤمنين، وغيبة للمسلمين، ووقوعٌ في أعراضهم، وكفى بذلك إثماً وخطراً، مع أن هذا المسلك لا يخدم مصلحة، ولا يحقق منفعة ولا يزول به منكر، فمن علم أنه موقوف بين يدي الله ومسئول عن قوله وفعله وقف عند حده والتزم شرع ربه، وأما من غلب عليه الجهل والهوى وأعجب برأيه، فلا حيلة فيه، ويُخشى أن يوقع نفسه وغيره في أمور لا يعلم عواقبها إلا الله، فيحصل الندم حيث لات ساعة مندم. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد!

стр. 717

أحوال المسلمين في العصر الحديث أمة الإسلام: إن تقليب صفحات تأريخنا المعاصر، وأوضاعنا المعاصرة يعطي صورة مأساوية لما آل إليه أمر المسلمين في كثيرٍ من الأقطار، ما هي أحوال إخوانكم في البوسنة والهرسك الذين وصلت قضيتهم أوج خطورتها، وبلغت حداً لا يسع السكوت عليه، بل ولا نكتفي بالشجب والإدانة؛ لأن الأمر خطير جد خطير ضد عقيدتهم وحرماتهم وأموالهم وبلادهم ومقدراتهم، لقد عمل فيهم عباد الصليب أعمالاً فظيعة؛ هدموا مساجدهم، وعبثوا بمقدراتهم، وأخرجوهم من ديارهم لا لشيء إلا لأنهم يقولون: ربنا الله، آلاف القتلى وعشرات الآلاف من الجرحى، وملايين المشردين لا لشيء إلا لإيمانهم بالله وتمسكهم بإسلامهم، ناهيك عن انتهاك الأعراض وسلب الأموال ومصادرة الحريات، وبث الرعب والقلق والاضطراب، لماذا يحصل هذا أمام سمع العالم وبصره؟! فلا مراعاة للحقوق، ولا التزام بالمعاهدات، ولا وفاء للأعراف الدولية، ولا التزام بدينٍ ولا خلق ولا رادع. إن إخوانكم هناك -يا عباد الله! ويا حجاج بيت الله! - ينادون: وا إسلاماه! يستدرون عطفكم وشفقتكم، فحذار أن تخذلوهم، إننا لنتساءل: أين العالم عن هذه المأساة؟ أين المسلمون عن الانتصار لإخوانهم؟ أين أدعياء حقوق الإنسان والمتبجحون بالإنسانية؟ لو قتل علجٌ واحدٌ من أعداء الإسلام لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاشتغلت وسائل الإعلام بالحديث حوله، والمطالبة بالإفراج عنه أو الانتصار له، ولكن الدم المسلم أرخص الدماء ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلى الله المشتكى، والمسلمون في كثير من البقاع لا بواكي لهم. هل قتل علجٍ واحد جريمة لا تغتفر وقتل شعبٍ مسلم مسألة فيها نظر إننا نطالب باسم المسلمين جميعاً، وباسم حجاج بيت الله الحرام قادة المسلمين وحكام العالم: أن يبذلوا جهودهم للإفراج عن إخواننا في البوسنة والهرسك، وأن يتدخلوا عملياً لإنقاذ البقية الباقية من إخواننا المسلمين هناك، نصرة للمظلوم وانتقاماً من الظالم. كما أن واجب المسلمين الدعاء لإخوانهم والضراعة إلى الله أن ينصرهم ويفرج عنهم، وأن يبذلوا أموالهم -لا سيما الأثرياء- لدعم إخوانهم هناك، فهم في أمس الحاجة إلى الدعاء والغذاء والكساء والماء والدواء. وإذا قلبت صفحة أخرى من مآسي المسلمين وجدت ما يماثل ذلك أو يقاربه، ما هي أحوال المسلمين في كشمير؟ لقد قضى عليهم الوثنيون لطمس هويتهم، وتشريدهم من ديارهم، وحرمانهم من ممتلكاتهم، عملوا فيهم قتلاً وتشريداً. ما هي أحوال المسلمين في بورما وفي الفليبين وفي الصومال؟ ولا ننسى قضيتنا الأولى قضية فلسطين الجريحة، والمسجد الأقصى المبارك، ما هي أحوال المسجد الأقصى يا حجاج بيت الله الحرام؟! هذه إسرائيل الحثالة البشرية والشرذمة الصهيونية من شذاذ الآفاق، وحثالة العالم، وقتلة الأنبياء، وإخوان القردة والخنازير تريد التوسع لنشر مذهبها الباطل، ودينها المحرف، وبناء هيكلها المزعوم، وإن ننسى فلا ننسى المجزرة البشعة التي وقعت لإخواننا في فلسطين في شهر رمضان المبارك وهم صائمون مصلون لله الواحد القهار. كل ذلك على حساب المسلمين وبلادهم، ما هي أفعال اليهود في فلسطين؟ إنه امتداد حلمها في الانتشار في العالم الإسلامي، ألا شاهت وجوه الصهاينة. أيعجز المسلمون وهم أكثر من مليار مسلم أن يقفوا أمام هذه الحفنة القليلة؟! ولكن إلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 718

التحذير من اليأس من واقع المسلمين أمة الإسلام: إنه كلما كثرت مآسي المسلمين فإن البشائر كثيرة، والفأل مطلوب، والخير موجود بحمد الله، فأمة الإسلام أمة معطاءة أنجبت القادة والعلماء، والأئمة والعظماء، والخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، فحذار من اليأس والتشاؤم فإن بشائر نصرة دين الله آتية ومتكاثرة، فالصحوة الإسلامية تعم أرجاء العالم بحمد الله، الكل يريد الإسلام، ويبحث عن الإسلام لما يمتاز به من تحقيق الأمن والأمان، ومن توفر الكمال والشمول، غير أن العلم والإيمان والعقيدة والصبر والرجوع إلى العلماء مما يجب أن تتحلى به الصحوة الإسلامية، كذلك ينبغي البعد عن التعجل والحماس والعواطف المتأججة. لا بد من المنهجية والتأصيل العلمي في الأمة حتى لا تتأثر الخطا، وتكبو الجهود، يجب أن يؤخذ العلم من العلماء، وأن تبنى الأمة بناءً علمياً سليماً، يقوم على القواعد والأسس من حفظ كتاب الله وحفظ متون أهل العلم، وليس العلم بمجاراة العلماء، ولا مماراة السفهاء، ولا يؤخذ من نشراتٍ أو وسائل سهلة المدخل، سريعة المخرج، هشة البناء، فتعلموا جيداً يا طلبة العلم ولا تستعجلوا التصدر، واعلموا أنه لا بد في العلم من حني الظهور وثني الركب في حلق العلماء؛ لتتحقق الاستفادة منهم على منهجٍ صحيح بإذن الله.

стр. 719

فتنة اليمن أيها المسلمون: إن من الفتن الجديدة ما وقع لإخوتنا في اليمن، وكذلك ما وقع في بلاد الأفغان، فيا قادة اليمن! إن عليكم أن تتقوا الله في أنفسكم، وأن تصلحوا ذات بينكم، ولتعلموا أن الشيطان ينزغ بينكم، إن مصلحة الشعب اليمني تقتضي إلقاء السلاح، وحقن الدماء، والتفرغ للإعمار والبناء، والقتال لا ينفع إلا العدو وحده: ﴿ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من قتل مسلم﴾ بأي حقٍ تضيع مقدرات الشعوب، وتجر الأمة إلى هرجٍ وقتل ودمار، فإلى بلاد الحكمة -كما ورد في الأثر- نطالب بالحكمة، والعقل والإصغاء إلى صوت الضمير، وتفويت الفرصة على العدو المتربص. كذلك ينبغي على إخواننا في أفغانستان أن يستجيبوا لنداء الحق والعدل، وأن يمتثلوا داعي الإصلاح، حتى يعود لجهادهم ما سطروه في تأريخنا المعاصر من أمجاد وانتصارات، وحذار من الدنيا والزعامة والكراسي فإن هذه زائلة ومن عليها: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 720

منزلة يوم النحر وأعماله الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر عدد ما ذبح المسلمون الضحايا، الله أكبر عدد ما بذلوا من الصدقات والهدايا، الله أكبر عدد ما تقربوا إلى الله بصالح الأعمال وخالص النوايا. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎ وأطيعوه وراقبوه ولا تعصوه، واشكروه جل وعلا أن بلغكم هذا اليوم العظيم، وهذا الموسم الكريم، واعلموا رحمكم الله أن يومكم هذا يوم مبارك، رفع الله قدره، وأعلى مكانه، وأظهر فضله، وسماه يوم الحج الأكبر، وجعله عيداً للمسلمين حجاجاً ومقيمين، فيه ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى، بعد أن وقفوا بـ عرفة، وباتوا بـ مزدلفة. في هذا اليوم العظيم يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح ضحاياهم اتباعاً لسنة الخليلين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، فقد أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه وفلذة كبده فامتثل وسلم، ولكن الله سبحانه فداه بذبحٍ عظيم، فكانت سنة جارية، وشرعة سارية عملها نبيكم ﷺ ورغب فيها، ففي الصحيحين: ﴿أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر﴾. ومن فضل الله على عباده أن يسر لهم في الأضاحي فتجزأ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته، فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من البخل والشح في مال الله، فقد أعطاكم الكثير وطلب منكم القليل، ضحوا في هذه الأيام المباركة عن أنفسكم وأهليكم وأبنائكم، ففضل الله واسع، وله الحمد والمنة. وليحذر من أراد أن يضحي من العيوب التي تمنع الإجزاء، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء التي لا تطيق المشي مع الصحاح، ولا يجزئ من الإبل إلا ما له خمس سنين، ومن البقر إلا ما له سنتان، ولا من المعز إلا ما تم له سنة، ولا من الضأن إلا ما تم له ستة أشهر. والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، وذبح البقر والغنم على جانبها الأيسر موجهة إلى القبلة ويقول عند ذبحها: بسم الله والله أكبر اللهم هذا منك ولك. والسنة أن يوزعها أثلاثاً، فيأكل ثلثاً ويهدي ثلثاً ويتصدق بثلث. ووقت الذبح يمتد من الفراغ من صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق على الصحيح من أقوال أهل العلم، فلا تحرموا أنفسكم ثواب الله في هذه الأيام المباركة، وتقربوا إلى الله بالعج والثج فما عمل في هذه الأيام المباركة أحب الله من إراقة دم، وإنها لتقع من الله قبل أن تقع على الأرض فطيبوا بها نفساً، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة، وبكل صوفة حسنة، كما ورد عن الرسول ﷺ . حجاج بيت الله الحرام: تفيضون هذا اليوم إلى منى لرمي الجمرة الكبرى -جمرة العقبة- بسبع حصيات متعاقبات، استناناً بسنة نبيكم ﷺ القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾. ثم بعد الرمي ينحر المتمتع والقارن هديه، ثم يحلق رأسه أو يقصره والحلق أفضل، وبعد ذلك يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويسمى هذا التحلل الأول، ويسن له بعد ذلك التطيب والتوجه إلى مكة لطواف الإفاضة؛ وهو ركنٌ من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]. ثم يسعى المتمتع سعي الحج، وكذا المفرد والقارن إن لم يسعيا مع طواف القدوم، وبعد ذلك يرجع الحجاج إلى منى للإقامة بها ليالي أيام التشريق، ورمي الجمرات الثلاث مرتبة في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، والرمي والمبيت ليالي أيام التشريق واجبٌ من واجبات الحج، ثم بعد الرمي في اليومين الأولين من أيام التشريق، يجوز لمن أراد التعجل أن يخرج من منى قبل غروب الشمس، ومن تأخر وبات الليلة الثالثة ورمى الجمرات في اليوم الثالث فهو أفضل وأعظم أجراً، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣]. فعليكم عباد الله! وعليكم حجاج بيت الله! بتطبيق سنة رسولكم ﷺ ، وشغل هذه الأيام المباركة بالتكبير والذكر، يقول ﷺ : ﴿أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله ﴾. ثم إذا أردتم الرجوع إلى دياركم يجب أن تطوفوا للوداع وهو واجبٌ من واجبات الحج لحديث ابن عباس ﵄، قال: ﴿أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض﴾. تقبل الله منكم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وعملكم صالحاً مقبولاً. حجاج بيت الله الحرام! يا من لبيتم نداء ربكم، وجئتم إلى هذا المكان المبارك تاركين أوطانكم وأموالكم وأعمالكم وأولادكم! لبوا نداء ربكم في كل أمرٍ فاتبعوه، وفي كل نهي فاجتنبوه، لبيك اللهم لبيك، إجابة بعد إجابة، قولوها وأعلنوها صريحة في كل مكان. ولتبقى عليكم آثار الحج المباركة بعد عودتكم إلى دياركم بالاستمرار على طاعة الله والبعد عن معاصيه.

стр. 721

صور من النعم في بلاد الحرمين عباد الله: إن من التحدث بنعمة الله ما حبا الله بلاد الحرمين الشريفين من نعم عظيمة، فنعمة العقيدة والإيمان، ونعمة الأمن والاطمئنان، ونعمة الولاية المسلمة التي تعلن الإسلام وتعتز به، وتحكمه وتدعو إليه، وتنصر أهله، وتقوم بخدمة الحرمين الشريفين ورعايتها إعماراً وتوسعة وتطهيراً، صيانة ونظافة وتطويراً، وما اللبنة الأخيرة التي وضعت قبل أيام إلا امتداد للجهود الجبارة التي تقوم بها حكومة هذه البلاد المباركة في إعمار الحرمين الشريفين جعله الله في موازينها. أيها المسلمون: لقد أرق وجود هذه النعم في بلاد الحرمين من الأمن والأمان والخيرات والمقدسات مضاجع كثيرٍ من الحاسدين، ممن اكتوت قلوبهم بداء الحسد والبغضاء والحقد والشحناء فعملوا على بث الدعايات الكاذبة، والشائعات المغرضة، حسداً من عند أنفسهم. نعم يا عباد الله! إننا محسودون فعلينا أن نحذر من الحاسدين الذين قد يسخرون وسائل إعلامهم للنيل من هذه البلاد، وقيادتها، وعلمائها، وسيصطلون بنار حسدهم ولن يحرقوا إلا أنفسهم وما يشعرون، فعلينا ألا ننخدع بهذه الارتجافات، والحملات الإعلامية المغرضة التي تنطلق من وسائل إعلامٍ مأجورة، ضيعت أمانة الكلمة، ومصداقية الحرف، وجانبت الموضوعية والإنصاف. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد! أمة الإسلام: الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي يشنه دعاة الرذيلة ضد المسلمين عبر الوسائل المختلفة مما ينبغي أن يحذره المسلمون، ويتصدوا له بالجرعات الإيمانية والتربوية، وعدم ترك الحبل على الغارب لهذه الوسائل أن تتسلل إلى البيوت والأسر؛ فتقضي على إيمانها وعفافها وأخلاقها، وهنا تبدو مسئولية المدرسة والبيت والأسرة كبيرة جداً. أيها المسلمون: لا زالت كثيرٌ من المجتمعات تعاني من مشكلات اجتماعية وأسرية متعددة منها غلاء المهور، والتكاليف بالزواج، وفشوا ظاهرة الطلاق وارتفاع إحصاءاتها، والخلافات الزوجية بشكل مذهل مما يتطلب من الغيورين العناية بهذه القضايا ووضع الحلول المناسبة لها تذكروا -يا عباد الله- باجتماعكم هذا يوم يجمع الله الأولين والآخرين، تذكروا الموت وكربته، والصراط وزلته، والقبر وظلمته، واستعدوا لذلك بصالح العمل.

стр. 722

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الإخوة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام هذا الدين، به نالت هذه الأمة الخيرية على غيرها، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أهميته ووجوبه، وإصلاحه للبلاد والعباد، فالواجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، كل على حسب استطاعته، على درجات الإنكار المعروفة. ولا بد من تحلي الآمرين بالمعروف، والناهيين عن المنكر بالرفق والحلم والعلم والحكمة، ليكون لعملهم الأثر الإيجابي في بعدٍ عن التعنيف والغلظة، والحق أن أهل الحسبة يبذلون جهوداً جبارة، ينبغي أن تذكر فتشكر، وينبغي أن يشجعوا مادياً ومعنوياً، وأن يكف عن تضخيم أخطائهم، وإن فضل الله على هذه البلاد أن كانت البلاد الوحيدة التي بها جهاد مستقل بكافة أعضائه وتجهيزاته ومرافقه خدمة للحسبة وأهلها، جعله الله في موازينها.

стр. 723

دور الإعلام في هذا العصر أمة الإسلام: الإعلام في هذا العصر قناة مهمة، تؤثر سلباً وإيجاباً على الناس في مختلف شئونهم، فالواجب استغلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة للدعوة إلى الله، ونشر الفضيلة، ومحاربة الرذيلة. فيا رجال الإعلام: اتقوا الله في مسئولياتكم، أدوا أمانة الكلمة، ولا تضيعوا مصداقية الحرف، تحروا الحقائق واحذروا التهويل والإثارة والشائعات، واجعلوا من وسائلكم قنوات للدعوة والتوجيه. هذا وإننا لنحمد الله أن وفق ولي أمرنا لاتخاذ الخطوات الحاسمة لمنع واستيراد كل ما يسبب ضرراً أخلاقياً ودينياً، ومما يؤثر على أمورنا، فجزاه الله خيراً، وجعل ذلك في موازينه.

стр. 724

دور الشباب في الدعوة شباب الإسلام: مهمتكم هي المهمة العظمى، فيا أيها الشباب! اتقوا الله ، أنتم أحفاد الأبطال الفاتحين، والمجاهدين الصامدين، أنتم خلفاء سعد وطارق وأسامة وصلاح الدين، فكونوا خير خلف لخير سلف. أيها الأخوات المسلمات: يا حفيدات عائشة وخديجة وفاطمة وسمية ونسيبة! اتقين الله في أنفسكن، إن واجبكن في تقويم أنفسكن على شريعة الله في الحجاب والعفاف والحشمة والحياء عظيمٌ جداً، فعليكم أن تقوموا به على خير وجه.

стр. 725

أهمية فرائض الدين أيها المسلمون: أدوا الصلاة المفروضة التي هي عمود الإسلام، والفارق بين الكفر والإيمان، واحذروا الوقوع في المعاصي، وأدوا الزكاة، وصوموا شهركم: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥] أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وبروا الآباء والأمهات، احذروا الربا، والزنا، والمسكرات، والمخدرات، والرشوة والتزوير والغش والخديعة، والغيبة والنميمة والبهتان، وأوفوا إذا عاهدتم: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. هذه إشارات عابرة ولمحات عاطرة، من باب الغيرة على دين الله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله! الله أكبر الله أكبر ولله الحمد! هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير الورى نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين، وعلي أبي السبطين، وعن السبطين العلمين، وعن العمين الكريمين، وعن أصحاب البيعة والعقبة والشجرة، وعن أمهات المؤمنين، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والدين. اللهم دمر الطغاة والملحدين، والصهاينة المعتدين، وكل من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين، والمضطهدين في دينهم في كل مكان. اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن الصهاينة المعتدين، واليهود الغاشمين، اللهم رده إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات يا حي يا قيوم! اللهم كن لإخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، وحفاة فاحملهم، وجياعٌ فأطعمهم، وعراة فاكسهم، اللهم كن لإخواننا في كشمير، وفي بورما، وفي الصومال، وفي إرتيريا والفليبين، وفي سائر البقاع التي يضطهد فيها المسلمون. اللهم أصلح أحوال إخواننا في اليمن، اللهم اجمع قلوبهم على كتابك وسنة نبيك ﷺ ، اللهم اجمع قلوب القادة الأفغان على توحيدك وكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم يسر لحجاج بيتك الحرام أداء بقية مناسكهم يا رب العالمين! اللهم ووفقهم لما تحب وترضى، اللهم اجعل حجهم مقبولاً، وسعيهم مغفوراً، وعملهم مشكوراً، يا حي يا قيوم! اللهم وأعدهم إلى بلادهم سالمين غانمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وولاة أمور المسلمين في كل مكان، وارزقهم تحكيم شرعك واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده ونائبهما إلى ما تحب وترضى، اللهم وفق سائر العلماء والأمراء والوزراء والمسئولين إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، اللهم اجزهم خير الجزاء وأوفره، جزاء ما قدموا ويقدمون لحجاج بيتك الحرام، اللهم اجعل ذلك في موازين أعمالهم، وفي صفحات حسناتهم يا حي يا قيوم، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

стр. 726

احذروا الاختلاط لم يزل الصراع بين الحق والباطل مستمراً، وإن معيار رقي الأمم والحضارات هو عقيدة تزكي النفوس، وإيمان يقوِّم الأخلاق ودين يهدي إلى الفضائل ويعصم من الوقوع في الرذائل، وإن من أهم ما جاء الإسلام بتحريمه تكريماً للمرأة وحفاظاً على مكانتها التبرج والاختلاط، وإن الدعوة إلى التبرج والاختلاط دعوة آثمة يريد دعاتها تدمير أخلاق الأمة وقيمها.

стр. 727

معيار رقي الأمم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الخلائق فأتقن ما صنع، وشرع الشرائع فأحكم ما شرع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، أقام صرح الفضيلة ورفع، ودفع أسباب الرذيلة ووضع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل التقى والحياء والزهد والورع، ومن سار على نهجهم واتبع، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎ حق التقوى. عباد الله: مقياس صلاح الأفراد والمجتمعات، ومعيار رقي الأمم والحضارات، عقيدةٌ تزكي النفوس، وإيمانٌ يقوِّم الأخلاق، ودينٌ يهدي إلى الفضائل، ويعصم من الوقوع في الرذائل، وعنوان نقاء المعدن، وزكاء العنصر، وحياة الضمير، وازع يمنعه من اقتراف الآثام وارتكاب الدنايا. وأرق الناس طبعاً، وأقواهم ديناً، وأنبلهم سيرةً، وأصلحهم سريرة من عاطفته حيةٌ متوقدةٌُ، وضميره يقظ مُرهف، يترفع به أبداً عن مقارفة الخطايا، ويستشعر الغضاضة من سفاسف الأمور، والاشمئزاز من كل المنكرات والشرور. وقليل المروءة وبليد الشعور من لا يبالي بفضيلة، ولا يتورع عن فعل رذيلة، ينفلت من الأخلاق بلا مبالاة، ويتحرر من القيم بلا اكتراث، ويتحول وحشاً كاسراً ينطلق وراء شهواته، وينساق خلف ملذاته، ويدوس في سبيلها أزكى العواطف، وأنبل المشاعر والقيم، فلا وازع يردعه، ولا حياء يمنعه، بل ولا فطرة نقية وعقلية سوية. هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحتم حياء العباد من المنعم

стр. 728

الصراع الدائم بين الحق والباطل أيها الإخوة والأخوات: ولم يزل الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة مستمراً، وقد بلغ أوج خطوته في عصر الانفتاح والانفلات، والانسياق وراء الشهوات، والاسترسال خلف الملذات، والتلاعب بالألفاظ والمصطلحات، ولقد كان التساهل بقضايا المرأة من الأسباب الرئيسة في حصول واقع منحرف، ومجتمع منجرف، وجيل عن تحصيل الخير منصرف، وإن الثالوث الخطير -الذي يمثل أخطر معاول الهدم والتدمير في المجتمع الإسلامي- كله يركز على المرأة، تبرجاً وسفوراً واختلاطاً، وذلك كله لم يأت مصادفةً، ولا اعتباطاً، وإنما نتيجة تخطيط دقيق، ومؤامرة شرسة ضد دين الأمة ومثلها وقيمها، حتى خدع كثير من المسلمين والمسلمات بشعارات براقة، ودعايات مضللة، تعد الالتزام بنهج الله وشرعه جموداً ورجعيةً، والانفلات والإباحية حريةً وتقدميةً، والانسياق وراء الشهوات رقياً وتحضراً ومدنيةً، والتبرج والسفور والاختلاط موضة، والخلاعة والفجور والانحلال فناً، والعلاقات المحرمة حباً، مما يتطلب يقظة الأجيال والمسئولين عنهم من النساء والرجال، أداءً لحق القوامة والرعاية، وامتثالاً لقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].

стр. 729

تحريم التبرج تكريم للمرأة أيها الأحبة في الله: وما حرم الإسلام التبرج والسفور والاختلاط، وشرع الحجاب إلا تكريماً للمرأة، وحفاظاً على مكانتها، وحرصاً على إقامة المجتمع النظيف، والجيل العفيف الذي لا تهيجه الشهوات، وتستثيره المغريات، وسداً لذريعة الفساد، وحثاً على اتخاذ التدابير الواقية من الوقوع في الشر والانحراف، وذلك هو هدي الإسلام في صيانة المجتمع من المزالق، وهو أهدى سبيل لسعادة البشرية جمعاء بكل عزة وإباء في عيش خير، وحياة هنيئة يظللها الإيمان، ويرفرف على جنباتها الحياء؛ إذ بدونه يفسد العيش وتظلم الحياة. فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياء أمة الإسلام: إن تبرج المرأة وزينتها وتعطرها واختلاطها بالرجال في الأماكن العامة تزاحمهم وتستهوي نفوسهم وتفتن قلوبهم، لهو دليل على ضعف الوازع الديني في نفسها، أو عدمه، وأمارة على موت الغيرة وبلادة العفة وقلة الحياء. وإذا الحياء تهتكت أستاره فعلى الحياة من الحياء عفاء إن المرأة المتبرجة المختلطة الخرّاجة الولاجة إن سلمت في نفسها، فإن الناس لا يسلمون من فتنتها، والافتتان بها، فكم فيهم من عزب لا يجد نكاحاً، وكم فيهم من شاب محترق بشهوته ولا زوجة له يسكن إليها، بل وكم فيهم من ذئب محترف، ولص متفنن بسرقة الأعراض، بارع في أساليبها واقتناصها، وقد يكون فيهم عبدٌ صالح عفيف، ورجل تقي شريف أغواه الشيطان، فذل بعد العز، وتندس بعد العفة بفعل هذه الفاتنة المفتونة، وقد قال الأول: قل للمليحة في الخمار الأسود ماذا فعلت بناسكٍ متعبد قد كان شمر للصلاة ثيابه حتى عرضت له بباب المسجد ردي عليه صلاته وصيامه لا تفتنيه بحق دين محمد

стр. 730

ما يجلبه الاختلاط من فساد معاشر المسلمين والمسلمات: اختلاط الرجال بالنساء أصل كل فساد وبلاء، ما سرى في مجتمع، ولا فشا في أمة إلا وأوردها موارد الهلاك، لما يسببه الاختلاط بين الجنسين من فتن وفظائع، ودمار يحور الديار براقع، إنه يحرك في النفوس كوامن الغريزة، ويشعل نار الشهوة الجامحة، ويؤجج عواطف الغرام، ويغري كلاً من الجنسين بالآخر، فيرخي العنان للشهوات التي لا حدود لها، يقترن بذلك مجون فاحش، في صور عارية وشبه عارية، وقصص غرامية، ومسلسلات هابطة، وما يزعم بأنه أدب مكشوف مليء بقلة الأدب، ومناظر مثيرة، ولوسائل الإعلام في ذلك نصيب وافر، فينشأ الناشئة، ويتخرج الأجيال في هذا الجو المحموم، وهذا الوضع المسموم، الذي تغلي مراجله بصور الإغراء والإثارة، التي تغتال تربيتهم، وتطفئ فيهم القوى الإيمانية والفكرية، وتقضي على صفاتهم الرجولية والأخلاقية والسلوكية، ولا يكادون يشبون عن الطوق ويبلغون الحلم حتى تغتالهم الشهوات البهيمية، لأن البضاعة معروضة، والمظاهر مغرية، والنفس أمارة غرارة، والشيطان عدو يتربص، والشهوة هائجة مائجة، والرقيب يغفل ويتشاغل، بل ويتكاسل ويتساهل، فيتحول المجتمع إلى لهو وعبث ومجون يعج بالفوضى الجنسية والعشوائية الغريزية والفسق والإباحية، فتنذره بالويل والثبور، وتجره إلى الهلاك والعطب وعظائم الأمور.

стр. 731

أدلة تحريم الاختلاط والسفور حرم الإسلام إطلاق العنان للنظر، وأمر بغض البصر، فقال : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور:٣٠ - ٣١]. إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أخذت بلا عوضٍ ولا أثمان كما نهى الإسلام عن الدخول على النساء، فقد روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو يا رسول الله؟ قال: الحمو الموت﴾ والحمو: قريب الرجل كأخيه، وابن أخيه، وعمه وابن عمه وخاله وابن خاله. والمعنى: أن خلوة الحمو أشد خطراً من خلوة الغريب، لأن دخوله لا يثير ريبة، ولا يلفت الأنظار، والناس كثيراً ما يتسامحون فيه، فشبهه بالموت في المفسدة، فالله المستعان، كيف استباح بعض الناس ذلك حتى لكأنه عاديٌ مألوفٌ! بل بعض الناس لا يتورع أن يسمح لزوجته، أو مُوليَتِه، أو يلزمها بمجالسة أصدقائه واستقبالهم، بل وتبادل الضحكات والنظرات معهم، فهل هذه أخلاق الإسلام؟! كما حرم الإسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية، فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ﴿لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر إلا مع ذي محرم﴾ وعند أحمد والترمذي والنسائي والحاكم بسند صحيح أنه ﷺ قال: ﴿ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ ولا يخفى على كل أحد ما عمت به البلوى من تساهل كثير من الناس في ذلك، لا سيما من ابتلوا باتخاذ الخدم والسائقين، الذين نراهم يروحون ويغدون وينفردون بالأسر بدون محارم، ويدخلون قعر البيوت وكأن الأمر طبيعي صائغ لا شيء فيه، ومثله الخادمات اللاتي يخالطن رب الأسرة وأبناءه من الشباب، وفي ذلك من الخطر العظيم ما لا يخفى على كل ذي غيرة، ومن التساهل الملاحظ: مصافحة المرأة الأجنبية، وهو يحصل عند كثير من الناس بسبب الاختلاط، وهذا لا يجوز حتى لو كان المصافح ابن عم، أو ابن خال، تقول عائشة ﵂: [[لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط]] رواه البخاري في صحيحه. وقالت أميمة بنت رقيقة وصاحباتها ﵅ عند البيعة: ابسط يدك -يا رسول الله- نبايعك، قال لهنَّ: ﴿إني لا أصافح النساء﴾ وعند البيهقي والطبراني ورجاله ثقات ﴿لَأَن يطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأة لا تحل له﴾.

стр. 732

المرأة ودعاة التحرير أختي المسلمة: يا فتاة الإسلام! يا سلالة الأكرمين! ويا حفيدة أمهات المؤمنين! إن بيتكِ لكِ حصن حصين، وملجأ أمين، وظل وارف، هو قوقعة الجوهرة، وصدفة اللؤلؤة، ومكنون الدرة، تزداد فيه نضارةً وبهاءً، وحسناً وضياءً، وحين تخرج منه، يخبو نورها، ويتضاءل ضياؤها، ويذهب جلاؤها، اسمعي إلى قول الحق ﵎: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإن الدعوة إلى اختلاط الجنسين، دعوة آثمة، يريد أصحابها تدمير أخلاق الأمة وقيمها، تصوروا وضع مجتمع مختلط، هائج مائج، نساؤه ورجاله في الشوارع والأزقة، والمدارس والدوائر والمؤسسات، والشواطئ والمنتزهات، تصوروا المرأة الضعيفة وهي تعمل آلة في مصنع، أو في ميدان حرب، أو تحمل الأمتعة، وتعقب في الدوائر، تصوروهن وقد أنهكهن العمل، وبرزت مفاتنهن، أوليس هذا الوضع محزناً ومؤلماً لامرأة صانها الإسلام، وكرمها وضمن لها الحقوق؟! هاهي المرأة الغربية، أما يكفي ذلك زاجراً، ورادعاً وضع المرأة الغربية؟! هاهي تصيح وتنادي، ألا ما أحسن للمرأة من بيتها وزوجها وأولادها، تربي وتبني وتنشئ الأجيال، بعدما عمت الإحصاءات وبلغت من الجرائم أرقاها وأعظمها، أرقاماً مذهلة من جراء الاختلاط والتبرج، ولكننا نعجب كل العجب حينما تطالعنا دعوات آثمة بأقلام مأجورة؛ لأناس يعيشون بين ظهور المسلمين، ومن بني جلدتهم، ويتكلمون بلغتهم، يطالبون بالاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم، وتوظيف المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل، فماذا يريد هؤلاء؟ وأي هدف يقصدون؟ ولربما اغتر بعضهم بثقافات وافدة، وأعجب بمؤهل يحمله، وشهادة زور يتصدر بها. ولكن ولله الحمد والمنة أن هذه الدعوات الآثمة لم تعد تلقى القبول إلا من قلة قليلة لا اعتبار لها. فيا أيها المرأة المسلمة: عودي إلى الله، والتزمي شرع الله، ولا تغتري ببريق الشعارات، وزائف الدعايات. ويا أيها الرجال: أين القوامة والرعاية , والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]؟ أين القيام بالأمانة والمسئولية؟ ولا نبالغ حينما نقول: إن الاختلاط والتبرج الذي حل بالمجتمعات سببه موت غيرة بعض الرجال، وبلادة إحساسهم، وسُبات ضمائرهم! وإلا فهل يرضى صاحب العفة والغيرة، والشرف والمروءة أن تكون موليته لقمة سائغة، ومائدة مكشوفة تلاحقها نظرات الناس، تلتفت لكل هامس، ولا ترد يد لامس؟! وقد قال ﷺ : ﴿صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا﴾ رواه مسلم في صحيحه. ألا فاتقوا الله عباد الله! وخذوا على أيدي سفهائكم، ولا تتساهلوا بما أوجب الله عليكم، فكلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته. أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن يحفظ مجتمعات المسلمين من أسباب الشر والفساد، بمنه وكرمه إنه جوادٌ كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 733

شبهات دعاة السفور والاختلاط الحمد لله العظيم شانه، العزيز سلطانه، الدائم بره وإحسانه، نحمده تعالى ونشكره، وشكره دليل الصدق وعنوانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة. عباد الله: يتمسك بعض المفتونين بالاختلاط، بشبهٍ هي أوهى من بيت العنكبوت، لكن قد يغتر بها بعض الجهال، ومن ذلك قولهم: إن الاختلاط موجود في عصر النبوة، فكان الرجال والنساء يختلطون في المساجد ونحوها، والحق أن ليس في ذلك مستمسك لهم، فقد كان النساء يصلين مع رسول الله ﷺ ، وهن بكامل حجابهنَّ وحشمتهنَّ وحيائهنَّ، ثم قد كان ﷺ يحث النساء في الصلاة في آخر الصفوف، يقول ﷺ : ﴿خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها﴾ رواه مسلم وأهل السنن، كما ﴿حث ﷺ الرجال على المكث في المصلى حتى تخرج النساء، حتى لا يختلطن بالرجال﴾ رواه البخاري وغيره، وعند أبي داود ﴿أنه ﷺ أمر النساء بلزوم حافات الطريق حتى لا يختلطن بالرجال﴾. هذا هو الذي ينبغي للنساء، حتى لا يفتنَّ، أو يُفتن. ومما ينبغي التنبيه عليه أن المرأة إذا صلت في الحرم، أو غيره من المساجد، فعليها أن تلتزم الأدب الإسلامي، وأن ترعى حرمة هذه البقاع الطاهرة، حتى ترجع بالأجر والمثوبة، أما إذا تساهلت بحجابها، ونبذت الحياء والحشمة، ووقعت في التبرج والزينة، فيخشى أن تأكون مأزورة غير مأجورة. ومما ينبغي ملاحظته، ضرورة تربية البنات منذ الصغر، على البعد عن الاختلاط بالرجال، حتى يتربين على العفة والفضيلة.

стр. 734

استغلال الإجازات بالطاعات والابتعاد عن الاختلاط أيها الإخوة: ولما كان الناس يعيشون هذه الأيام فرصة إجازة نصف العام الدراسي، فإنه مما ينبغي التنبيه عليه حفظ الأوقات، وشغلها بطاعة الله، والبعد عن المعاصي، وأن يلتزم الرجال والنساء، والبنات والأبناء، شرع الله في سفرهم وإقامتهم، وأن يحذروا من الأماكن الموبوءة، والبقاع المختلطة، ولقد سرنا وسر كل مسلم أن كثيراً من الناس يتوجهون إلى الحرمين الشريفين في هذه الإجازة في عمرةٍ وزيارةٍ، وذلك من نعم الله ، وهو أمرٌ طيبٌ يشجعون عليه، لكن كم نود لو التزم الناس أكثر -لا سيما النساء- بآداب هذه البقعة المباركة، فإذا أتت المرأة إلى الحرم، تأتي تفلة متبذلة، لا متعطرة ولا متبرجة، وإذا طافت لزمت الاتجاه الأيمن بعيداً عن الاختلاط بالرجال، وإذا صَلَّت، ففي آخر الصفوف، ولا تزاحم عند الأبواب، ولا غيرها، ويتأكد على أوليائهنَّ أمْرهنَّ بذلك، وإلا فبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ. ومن نعم الله على هذه البقاع المباركة، أن تميزت بمنهجها الإسلامي، فلا يسمح الاختلاط في مدارسها، وجامعاتها ومؤسساتها، وهذه نعمةٌ، نسأل الله أن يوزعنا شكرها، وأن يثبتنا عليها، وأن يزيد هذه البلاد وبلاد المسلمين من الهدى والتوفيق بمنِّه وكرمه. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الحبيب المصطفى، والنبي المجتبي، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر الملاحدة وسائر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم هيئ له في كل أموره رأياً سديداً، وعملاً رشيداً يا حي يا قيوم، اللهم اجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، ووفق علماءهم للدعوة إلى الله، وبيان الحق يا أرحم الراحمين! ووفق ولاة أمورهم للتعاون مع علمائهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفق المسلمين إلى ما تحبه وترضاه، اللهم اهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، والتبرج والسفور، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفق نساء المسلمين للالتزام بالحجاب والعفاف والحشمة، وقهنَّ شر التبرج والسفور يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم إنَّا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين على اليهود الغاصبين، وانصرهم في البوسنة والهرسك على الصرب الظالمين، وفي بلاد الشيشان على الملاحدة الشيوعيين، وفي كشمير على الظلمة الوثنيين، وفي كل مكان يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 735

أحوال الناس بعد رمضان في هذه الخطبة يتحدث الشيخ عن التمسك بالطاعة بعد رمضان، مبيناً أن من علامة قبول الطاعة أن تتبعها طاعات بعدها، فالحسنة تتبعها الحسنة، والسيئة تتبعها سيئة. ثم تكلم الشيخ عن واقع كثير من الشباب بعد رمضان، وحذر من السفر إلى بلاد الكفر.

стр. 736

الحث على التمسك بالطاعة بعد رمضان الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، واقتفى أثره ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، فتقوى الله هي وصيته سبحانه للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله: بالأمس القريب كنتم في شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، تصومون نهاره، وتقومون ليله، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعتم بها مرحلةً من حياتكم لن تعود إليكم أبداً، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خيرٍ أو شر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم إلى الدار الآخرة، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، ويحفظ عليكم ما عملتموه فيها، لتجازوا عليه في الدار الآخرة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٢٨ - ٣٠].

стр. 737

بئس القوم تركوا العبادة بعد رمضان أيها المسلمون: إنه وإن انقضى شهر رمضان المبارك، فإن عمل المسلم بطاعة ربه واستقامته على شريعة الإسلام ليس له نهايةٌ إلا عند الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. قال الحسن البصري ﵀: [[لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. فاحذروا -عباد الله- من الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان، فإن رب الشهور واحد، وبئس القوم من لا يعرفون الله إلا في رمضان، بئس القوم من لا يعرفون الله إلا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً. فاتقوا الله -أيها المسلمون- ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فإن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، وإن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها أعظم جرماً وأشد إثماً مما كان قبل ذلك، وإن أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤].

стр. 738

أحوال الناس بعد رمضان أيها الإخوة في الله: إن الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وبونا كبيراً بين حالهم في رمضان وحالهم بعده، وذلك أن المسلمين اليوم منقسمون بعد رمضان إلى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـ السلف الصالح الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى أن يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة. ومن الناس -ويا للأسف الشديد- من كان صيام رمضان أثقل عليه من الجبال الرواسي ويتمنى بزوغ هلال شوال؛ لينطلق من وثاقه، تسيره شياطين الجن والإنس؛ ليعيث في الأرض فساداً، وينتقل من معصيةٍ إلى أخرى بدون وازع من دينٍ أو خلق، وما أكثر هؤلاء اليوم الذين أشربوا في قلوبهم حب المعاصي والمنكرات، وبغض الطاعات والقربات، والعياذ بالله. فلم يكن لشهر رمضان أثرٌ في نفوسهم وقلوبهم، هجروا المساجد والمصاحف، وأقبلوا على شهواتهم وغفلاتهم، وفسادهم ومجونهم ولهوهم، هذا هو واقع كثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية، والمحسوبين عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن هذا الواقع المؤلم لا يرضي إلا أعداء الإسلام، الذين يتربصون بنا الدوائر، ويتمنون انسلاخ أبناء المسلمين من دينهم وعقيدتهم، بل ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص، ووالله إنه ليحزن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فاتقوا الله -أيها المسلمون- واستقيموا على شريعة ربكم، واستمروا على طاعته، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ووجهوا أبناءكم ومن تحت أيديكم إلى طريق الرشاد. واتقوا الله يا شباب الإسلام، فحافظوا على أوقاتكم، واعمروها بطاعة ربكم ولا تلهيكم الملهيات، فهي كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً. واتقين الله أيتها النساء المسلمات، فاستقمن على طاعة الله، وقَرْن، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. وليكن شهر الصيام ذا أثرٍ بالغ على نفوسكن، ولازمن الحياء والحشمة وغضّ البصر، واحذرنَ من مزاحمة الرجال في الأسواق والأماكن العامة، وإبداء الزينة لهم، وابتعدن عن التبرج والسفور وإظهار المفاتن، واقتدين بالصالحات السالفات من المؤمنات.

стр. 739

التحذير من السفر إلى بلاد الكفر أيها المسلمون: لقد وصل الأمر بكثيرٍ من أبناء المسلمين -الذين خلت قلوبهم من الإيمان أو كادت، والذين انطفأت جذوة الغيرة الإسلامية في نفوسهم- أنهم يستغلون هذه الأيام، أيام العيد وما بعدها، بالسفر إلى بلاد المشركين، إلى بلاد الكفر والفساد والإباحية والضلال بدعوى السياحة أو غيرها من الدعاوى المشبوهة، فيعيشون هناك بين ظهراني المشركين، بين دور الزنا والخلاعة، وبين بارات الخمور والمسكرات، مستبدلين بديار العقيدة، وديار الأخلاق والعفاف بلاد الكفر والفساد، وحيث إن هذا الأمر قد فشا في كثيرٍ من أبناء المسلمين وأسرهم؛ وجب التحذير من هذه الظاهرة لخطرها على الدين والأخلاق. سائلين الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، اللهم تقبَّل منا أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 740

لا تبدلوا نعمة الله كفراً الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين وقدوةً للخلائق أجمعين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، وتوبوا إليه واشكروه على سوابغ نعمه وآلائه، ومن شكره: المداومة على طاعته وعبادته. عباد الله: إن مقابلة نعمة التوفيق لإكمال شهر الصيام بارتكاب المعاصي بعد خروجه، يعتبر من تبديل نعمة الله كفراً، فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، فيخشى أن يرد عليه صيامه، إن هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير الآجال ومواقيت الأعمال، ثم تنقضي سريعاً وتمضي جميعاً، والذي أوجدها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيبٌ ومشاهد، فاتقوه وداوموا على طاعته واجتناب معصيته، فإن كل وقتٍ يخليه العبد من طاعة الله فقد خسره، وكل ساعةٍ يغفل فيها عن ذكر ربه تكون عليه يوم القيامة حسرةً وندامة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. أيها المسلمون: إن فضل الله عليكم متواصل، ومواسم المغفرة لا تزال متتالية لمن وفقه الله لاغتنامها، فإنه لما انقضى شهر رمضان المبارك دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه، غفر له ما تقدم من ذنبه، فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات، إلا ولله فيها عليه وظيفةٌ من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه، فاشكروا الله على هذه النعم، واغتنموها بطاعة الله، ولا تضيعوها بالغفلة والإعراض. واعلموا -رحمكم الله- أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارضَ اللهم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، على اختلاف مللهم يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضاه، اللهم جنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضاه، اللهم ارزقه السداد والرشاد، والبطانة الصالحة التي تذكره إذا نسي، وتعينه على نوائب الحق يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأصلح قادتهم وأمراءهم، وعلماءهم وشبابهم ونساءهم يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا رب العالمين، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
следующие страницы →