← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الحث على التمسك بالطاعة بعد رمضان الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، واقتفى أثره ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، فتقوى الله هي وصيته سبحانه للأولين والآخرين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله: بالأمس القريب كنتم في شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، تصومون نهاره، وتقومون ليله، وتتقربون إلى ربكم بأنواع القربات، طمعاً في ثوابه، وخوفاً من عقابه، ثم انتهت تلك الأيام الفاضلة، والليالي المباركة، وقطعتم بها مرحلةً من حياتكم لن تعود إليكم أبداً، وإنما يبقى لكم ما أودعتموه فيها من خيرٍ أو شر: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وهكذا كل أيام العمر مراحل تقطعونها يوماً بعد يوم، في طريقكم إلى الدار الآخرة، فهي تنقص من أعماركم وتقربكم من آجالكم، ويحفظ عليكم ما عملتموه فيها، لتجازوا عليه في الدار الآخرة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٢٨ - ٣٠].

стр. 737

بئس القوم تركوا العبادة بعد رمضان أيها المسلمون: إنه وإن انقضى شهر رمضان المبارك، فإن عمل المسلم بطاعة ربه واستقامته على شريعة الإسلام ليس له نهايةٌ إلا عند الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. قال الحسن البصري ﵀: [[لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]]، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. فاحذروا -عباد الله- من الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان، فإن رب الشهور واحد، وبئس القوم من لا يعرفون الله إلا في رمضان، بئس القوم من لا يعرفون الله إلا في شهر واحد، مع التقصير والتفريط، ويعرضون عنه في أحد عشر شهراً. فاتقوا الله -أيها المسلمون- ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فإن من علامة قبول الحسنة إتباعها بالحسنة، وإن الرجوع إلى المعاصي بعد التوبة منها أعظم جرماً وأشد إثماً مما كان قبل ذلك، وإن أمامكم ميزاناً توزن فيه حسناتكم وسيئاتكم: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٤].

стр. 738

أحوال الناس بعد رمضان أيها الإخوة في الله: إن الناظر المتأمل في حال كثيرٍ من المسلمين اليوم، بعد مضي شهر رمضان، يجد فرقاً شاسعاً، وبونا كبيراً بين حالهم في رمضان وحالهم بعده، وذلك أن المسلمين اليوم منقسمون بعد رمضان إلى أصنافٍ متعددة، فمنهم من استمر على طاعة الله، وتلاوة كتابه الكريم، والمحافظة على الصلوات وسائر العبادات، والبعد عن المحرمات، فهنيئاً له بقبول عمله، وهنيئاً له التأسي بـ السلف الصالح الذين كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أخرى أن يتقبله منهم، فكل أوقاتهم عبادة. ومن الناس -ويا للأسف الشديد- من كان صيام رمضان أثقل عليه من الجبال الرواسي ويتمنى بزوغ هلال شوال؛ لينطلق من وثاقه، تسيره شياطين الجن والإنس؛ ليعيث في الأرض فساداً، وينتقل من معصيةٍ إلى أخرى بدون وازع من دينٍ أو خلق، وما أكثر هؤلاء اليوم الذين أشربوا في قلوبهم حب المعاصي والمنكرات، وبغض الطاعات والقربات، والعياذ بالله. فلم يكن لشهر رمضان أثرٌ في نفوسهم وقلوبهم، هجروا المساجد والمصاحف، وأقبلوا على شهواتهم وغفلاتهم، وفسادهم ومجونهم ولهوهم، هذا هو واقع كثيرٍ من أبناء الأمة الإسلامية، والمحسوبين عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن هذا الواقع المؤلم لا يرضي إلا أعداء الإسلام، الذين يتربصون بنا الدوائر، ويتمنون انسلاخ أبناء المسلمين من دينهم وعقيدتهم، بل ويبذلون في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص، ووالله إنه ليحزن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردلٍ من إيمان، فاتقوا الله -أيها المسلمون- واستقيموا على شريعة ربكم، واستمروا على طاعته، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ووجهوا أبناءكم ومن تحت أيديكم إلى طريق الرشاد. واتقوا الله يا شباب الإسلام، فحافظوا على أوقاتكم، واعمروها بطاعة ربكم ولا تلهيكم الملهيات، فهي كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً. واتقين الله أيتها النساء المسلمات، فاستقمن على طاعة الله، وقَرْن، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. وليكن شهر الصيام ذا أثرٍ بالغ على نفوسكن، ولازمن الحياء والحشمة وغضّ البصر، واحذرنَ من مزاحمة الرجال في الأسواق والأماكن العامة، وإبداء الزينة لهم، وابتعدن عن التبرج والسفور وإظهار المفاتن، واقتدين بالصالحات السالفات من المؤمنات.

стр. 739

التحذير من السفر إلى بلاد الكفر أيها المسلمون: لقد وصل الأمر بكثيرٍ من أبناء المسلمين -الذين خلت قلوبهم من الإيمان أو كادت، والذين انطفأت جذوة الغيرة الإسلامية في نفوسهم- أنهم يستغلون هذه الأيام، أيام العيد وما بعدها، بالسفر إلى بلاد المشركين، إلى بلاد الكفر والفساد والإباحية والضلال بدعوى السياحة أو غيرها من الدعاوى المشبوهة، فيعيشون هناك بين ظهراني المشركين، بين دور الزنا والخلاعة، وبين بارات الخمور والمسكرات، مستبدلين بديار العقيدة، وديار الأخلاق والعفاف بلاد الكفر والفساد، وحيث إن هذا الأمر قد فشا في كثيرٍ من أبناء المسلمين وأسرهم؛ وجب التحذير من هذه الظاهرة لخطرها على الدين والأخلاق. سائلين الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوفقهم لما يحب ويرضى، اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، اللهم تقبَّل منا أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 740

لا تبدلوا نعمة الله كفراً الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين وقدوةً للخلائق أجمعين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، وتوبوا إليه واشكروه على سوابغ نعمه وآلائه، ومن شكره: المداومة على طاعته وعبادته. عباد الله: إن مقابلة نعمة التوفيق لإكمال شهر الصيام بارتكاب المعاصي بعد خروجه، يعتبر من تبديل نعمة الله كفراً، فمن عزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، فيخشى أن يرد عليه صيامه، إن هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير الآجال ومواقيت الأعمال، ثم تنقضي سريعاً وتمضي جميعاً، والذي أوجدها باقٍ لا يزول، ودائمٌ لا يحول، هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيبٌ ومشاهد، فاتقوه وداوموا على طاعته واجتناب معصيته، فإن كل وقتٍ يخليه العبد من طاعة الله فقد خسره، وكل ساعةٍ يغفل فيها عن ذكر ربه تكون عليه يوم القيامة حسرةً وندامة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. أيها المسلمون: إن فضل الله عليكم متواصل، ومواسم المغفرة لا تزال متتالية لمن وفقه الله لاغتنامها، فإنه لما انقضى شهر رمضان المبارك دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، فكما أن من صام رمضان وقامه، غفر له ما تقدم من ذنبه، فكذلك من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فما يمضي من عمر المؤمن ساعةٌ من الساعات، إلا ولله فيها عليه وظيفةٌ من وظائف الطاعات، فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف، ويتقرب بها إلى مولاه، فاشكروا الله على هذه النعم، واغتنموها بطاعة الله، ولا تضيعوها بالغفلة والإعراض. واعلموا -رحمكم الله- أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. وقال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارضَ اللهم عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، على اختلاف مللهم يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضاه، اللهم جنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضاه، اللهم ارزقه السداد والرشاد، والبطانة الصالحة التي تذكره إذا نسي، وتعينه على نوائب الحق يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأصلح قادتهم وأمراءهم، وعلماءهم وشبابهم ونساءهم يا رب العالمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم يا رب العالمين، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 741

أسباب السعادة وطريق الفلاح [١] كثير من الناس يظن أن السعادة هي جمع الأموال، وامتلاك المباني الشاهقة، والمراكب الفارهة، وبكثرة الحشم والخدم، وما علم هؤلاء أن السعادة الحقيقية هي بالإيمان بالله وكثرة الأعمال الصالحة، وغيرها من أسباب السعادة الكثير.

стр. 742

السعادة الزائفة الحمد لله، كتب الفلاح لعباده المؤمنين، وحكم بالفوز لحزبه المتقين، وضمن السعادة لأوليائه المخلصين، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، اللهم صلِّ وسلم على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، واتبع سنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وإن تقوى الله خير لباسٍ وزاد، وأفضل وسيلة إلى رضا رب العباد. أمة الإسلام: إن راحة الضمير وطمأنينته، وهدوء البال وصفاء النفس، وسرور القلب وزوال همومه وغمومه، هو المطلب الأعلى والهدف الأسمى الذي يسعى إليه كل واحد في هذه الحياة، فالناس كلهم ينشدون السعادة، ويرومون الخير والفلاح، ويرجون التوفيق في جميع أمورهم والنجاح. لذلك بذلوا في الحصول على هذه الغاية أسباباً متعددة، ووسائل مختلفة؛ ولكن زلت في هذا المطلب أقدام، وذلت من أجله أفهام، وكثرت بسببه الخواطر والأوهام، حتى ظن كثيرٌ من الناس لغفلة قلوبهم، وضعف عقولهم، وسطحية تفكيرهم، أن قمة السعادة والفلاح في الحصول على حظوظ الدنيا العاجلة، وشهواتها الفانية، ومنتهى آمالهم، وقصارى أمانيهم، الحصول على الأموال الوافرة والمساكن الفارهة، والمراكب الوفيرة، والترفع والجاه والشهرة، والتمتع بالملذات، والتفنن بالمشتهيات. ومن الناس من توهم أن السعادة والفوز والفلاح، تكمن في السبق في مجالات التقدم المادي، والأخذ بأسباب التحضر العصري؛ فأفنوا كل أوقاتهم وأنهكوا جميع قواهم في السعي وراء هذه الأمور، ظناً منهم أنهم بإدراكهم لها يدركون مقومات السعادة، وأسباب التقدم والصلاح، وزعموا أن هذه الأشياء الضالة المنشودة في تحقيق الفلاح، وجلب الخير، وحصول القوة والعزة، وتوفر الطمأنينة والأمان، ولقد توهموا في ذلك، وضلوا عن سواء السبيل؛ فهذه الملذات والشهوات، متاع الحياة الدنيا ويعقبها الحساب والعقاب، وقد كانت سبباً في هلاك أممٍ سالفة، وقرونٍ ماضية، وشقاء وبؤس أممٍ حاضرة، وفئام معاصرة أنهكها القلق النفسي والتوتر العصبي، والخواء الروحي؛ فلم يجدوا طريقاً للخلاص من هذه الحياة التعيسة إلا الدمار والانتحار، وصدق الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].

стр. 743

أسباب سعادة البشرية وهكذا -يا أمة الإسلام- إذا لم يكن الإيمان هو الأساس، والعقيدة الإسلامية الصحيحة هي القاعدة، عند ذاك تفتقد البشرية مقومات الحياة الطيبة، وأسباب الأمن والطمأنينة، ووسائل الكرامة والفلاح، وبتحقيق الإيمان والعمل الصالح؛ تسعد البشرية وتنعم في حياتها، فلا قلق ولا اضطراب، ولا خوف ولا حروب ولا إرهاب، يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. وما أحرى الأمة اليوم التي تنشد الخير والفلاح، والرخاء والأمن والصلاح، وقد طرقت في سبيل ذلك أبواباً، وولجت سبلاً، ولكنها باءت بالخسار ورجعت بالبوار، قد تقطعت أمامها السبل، وسدت في وجهها الطرق، فأصبحت كالغريق الذي يتخبط، لعله يمسك بحبل نجاة، أو وسيلة إنقاذ، ما أحراها أن تأخذ من شريعة الله نبراساً، ومن كتابه وسنة رسوله ﷺ طريقاً، فتأمن بذلك أن تصلح حالها، وتجتمع كلمتها، وتحقق الخير والفلاح والسعادة لمجتمعاتها، وتأمن على أنفسها وأموالها وأعراضها، ولا طريق لها إلا ذلك. ولا سعادة للبشرية إلا تحت راية الإيمان، ولا عزة ولا أمن إلا في ظلال القرآن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقد حكم الله بالفلاح للمؤمنين، وللمؤمنين وحدهم، فقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] وحكم بالخسران على جنس الإنسان إلا المؤمنين كما في سورة العصر، وحث على الأخذ بأسباب الفلاح، والعمل بوسائل الفوز والصلاح، وفي مقدمتها: الإيمان والعمل الصالح، والتوبة إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص:٦٧] وقال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. ومنها تقوى الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:١٨٩] والعمل بطاعة الله ورسوله، والبعد عن معصية الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٥ - ٣٦]. ومن أسباب الفلاح والابتهاج وانشراح الصدر وطمأنينته، وزوال همه وغمه، ملازمة ذكر الله، والإكثار منه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] * ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]. ومن وسائل الفلاح وأسباب الصلاح: تزكية النفس بالأعمال الصالحة، والأخلاق الحميدة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] ولا يحصل ذلك إلا بالعمل بالإسلام. أخرج الإمام مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه﴾. ومن أسباب الخير والفلاح: الإنفاق في سبيل الله، والبعد عن البخل والشح، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. نسأل الله أن يجعلنا من عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، وأن يوفقنا للأخذ بأسباب الفلاح والسعادة، وأن يرزقنا بمنه الحسنى وزيادة، إنه جوادٌ كريم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 744

الحث على الاستعداد ليوم الميعاد الحمد لله الرءوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صَلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا إخوة الإسلام: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن سعادة الدنيا والآخرة منوطة بالإيمان بالله، والتمسك بدينه والعمل الصالح، الذي يحقق لصاحبه الفوز الأبدي والفلاح السرمدي، يوم ينقسم الناس إلى شقيٍ وسعيد قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٢] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]. فجديرٌ بالمؤمن أن يستعد لهذا اليوم العصيب بالعمل الصالح، وسيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وعليه أن يأخذ بأسباب السعادة الحقيقية، من الإيمان والعمل الصالح، ويُسخر كل الوسائل الحديثة، لخدمة هذا الأصل، فيجمع وسائل السعادة الدنيوية والأخروية، وبذلك تتحقق الآمال، وتصلح الأحوال بإذن الله. ألا وصلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا ونبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما يرضيك، وجنبهم جميع معاصيك. اللهم وفق المسلمين قاطبة إلى العودة إلى دينك القويم، اللهم ألهمهم الأخذ بأسباب السعادة في العاجل والآجل يا رب العالمين، اللهم وفقنا لما تحب وترضى يا جواد يا كريم، اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم أصلح قادتهم وعلماءهم، وشبابهم، ونساءهم يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، اللهم وفقهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق القويم يا رب العالمين، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 745

أسباب السعادة وطريق الفلاح [٢] لقد منَّ الله على عباده المؤمنين بنعمة إرسال الأنبياء والرسل ليقودوهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وهذا هو طريق الفلاح، والطريق إلى الجنة ليس بالطريق السهل، فإن الرسول ﷺ عانى معاناة شديدة من قومه حتى أتم الله على يديه هذا الأمر، فيجب علينا الاقتداء به ﷺ لنيل السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.

стр. 746

نِعْمة إرسال الرسل الحمد لله الملك القدوس العزيز الحكيم، الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بعث رسله مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ولم يترك شيئاً يقرب إلى الله ويسعد البشرية إلا بينه وأمر به، ولا شيئاً يبعد عن الله وشرعه، إلا حذر عنه، حتى ترك أمته على محجة بيضاء، وطريقة مثلى، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه. أما بعد: فيا إخوة الإسلام: اتقوا الله ﵎، واعلموا أن أعظم منة وأكبر نعمة منّ الله بها على عباده، أن بعث فيهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وباتباعهم ولزوم هديهم؛ تنجو سفينة الأمة من عواصف المنكرات، وتسلم من أعاصير المحدثات، وبتنكب طريقهم واتباع غير سبيلهم تتقاذفها أمواج الفتن والضلال، حتى يعم الغرق الخبيث والطيب، قال تعال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. يقول الإمام العلامة ابن القيم ﵀: وإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل؛ إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح، الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأعمال والأخلاق، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عينٍ فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء، فحالُ العبد عند مفارقة قلبه ما جاء به الرسول، كهذه الحال بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا بقلبٍٍ حي. وما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها، أن يعرف من هديه ﷺ ، وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل في عِداد أتباعه وشيعته، وحزبه.

стр. 747

صفحات مشرقة من حياته ﷺ أمة الإسلام: لقد كان نبينا محمد ﷺ آخر الرسل عدداً، وأعظمهم قدراً وأبلغهم أثراً، وأعمهم رسالة، بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، والناس في أشد ضرورة إلى نور الرسالة حيث كانوا قبلها في ضلالٍ وجاهلية وشقاء، ووثنية وفرقة وعداء، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهدى به من الضلالة، وأصلح به بعد الغواية، وألف به بعد التمزق والفرقة، فتح الله به قلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، وأعيناً عمياً، وأنار به السبيل، وأقام به الحجة، حتى أصبح الناس إخواناً بنعمة الله، أعواناً في دين الله، أنصاراً لسنة رسول الله ﷺ . أيها المسلمون! يا أتباع رسول الله ﷺ : لقد جعل الله لكم في هذا الرسول قدوة، وفي أخلاقه وأفعاله وسيرته أسوة، فالحق ما جاء به، والدين ما شرعه، والباطل كل الباطل ما حذر عنه وتركه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فهو ﵊ القدوة في كل الأمور، وسنته الميزان لكل فعلٍ وترك.

стр. 748

تضحية النبي ﷺ وصبره على تبليغ الرسالة والمتأمل في سيرته ﵊ يجد أنه قد نذر نفسه لتبليغ رسالة الله، والدعوة إليه والجهاد في سبيل الله، وقد أولى عمارة القلوب بتوحيد الله وتطهيرها من التعلق بغيره كل اهتمامه، ولقي في سبيل ذلك صنوف الأذى، فصبر وصابر، وأيقن بنصر الله له، وكلما اشتد عليه الأذى القولي والفعلي كلما ازداد حلماً وصبراً وثقة بنصر الله، وكلما اشتد عليه الأذى، وكلما رماه قومه بالسحر والشعر والكهانة، ويوقعون به ألواناً من العذاب، لا يزيد على قوله: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. ويزداد الأذى الحسي والمعنوي، حتى وصل إلى إلقاء سلى الجزور عليه، وهو ساجدٌ في ظل الكعبة، بل حاولوا قتله والقضاء عليه، فلم يجد الضعف لنفسه سبيلاً، بل ضل صابراً محتسباً، راجياً أن يخرج الله من أصلاب من آذوه من يعبده لا يشرك به شيئاً، وخرج في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، فوجد ما لم يكن في حسبانه من الأذى والنكال، فرفع يديه إلى ربه، معلناً ثقته به، ومظهراً افتقاره إليه بقوله: ﴿اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدوٍ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك أو ينزل بيّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ هذه صفحة -يا أحباب رسول الله- مشرقة من كفاحه وفضله وتضحيته، فلنا فيه الأسوة الحسنة ﷺ .

стр. 749

حسن خلق النبي ﷺ وعبادته وإذا قلبت صفحة أخرى من حياته المباركة، وجدت السجايا الحميدة والأخلاق الكريمة ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قد تحلى بدماثة الخلق، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، وعلو الهمة، ورحابة الصدر، وكرم النفس، وصفته خديجة ﵂، مطمئنة له أول ما بعث، بقولها [[كلا! والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق]] وكما أنه صاحب الأخلاق العالية، فهو صاحب العبادة الخاشعة، فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وصاحب الشجاعة النادرة، فقد قاد المعارك والغزوات لإعلاء كلمة الله.

стр. 750

الرسول هو القدوة الحسنة فالواجب على كل محبٍ له، أن يجعل منه القدوة الحسنة، في العقيدة والإيمان، وفي العبادة، والأخلاق، والمعاملة، وفي التربية، والسلوك، والدعوة، والجهاد، ويأخذ منه الأسوة في البيت، والمسجد، والسوق وغيرها، فما عز الناس وصلحوا إلا يوم كانوا يتحرون القدوة الحسنة برسول الله ﷺ ، وما وهن أمرهم وظل سعيهم، إلا يوم عميت عليهم السبل وأفلتت من أيديهم سنة رسول الله ﷺ أو كادت، حين كادت ظلمات الجاهلية تخيم على القلوب من جديد، ورجعت وثنياتها تدك المعاقل والحصون، وتفرق الأمة شيعاً وأحزاباً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن العاقبة للمتقين، الذين يلتزمون سنة المصطفى الأمين، ويلزمون سنن السلف الصالحين، ويحذرون كل ما أحدث في الدين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بهدي سيد المرسلين، وارزقنا السير على سنة المصطفى الأمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 751

الحث على اتباع سنة النبي ﷺ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبيٌ شرح الله صدره ورفع ذكره، ووضع وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، ﷺ ، عليه وعلى آله وصبحه، ومن تبع سنته واهتدى بهديه. أما بعد:- فاتقوا الله -عباد الله- واتبعوا سنة رسولكم ﷺ ، فخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، واعلموا رحمكم الله أنه لا يصح إيمان عبدٍ حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به المصطفى ﵊، فوالله ما فارق الدنيا إلا وقد ترك الناس على شريعة الكمال والنقاء والطهر والصفاء، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، فمن أراد الله سعادته وهدايته، وفقه للزوم سنته، ومن أراد به غير ذلك، فليحذر أن تصيبه فتنة، أو يصيبه عذابٌ أليم، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، كما أمركم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارزقنا صدق المحبة له، وتجريد المتابعة لسنته، وأوردنا حوضه، واجعلنا في سلك شفاعته يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن يخافك ويتقيك ويتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم وفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى العودة إلى كتابك وسنة نبيك يا أرحم الراحمين، اللهم وفق المسلمين، قادة وشعوباً، علماء وعامة، شباباً وشيباً إلى ما تحب وترضى. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين، واجعلها عوناً لنا على طاعتك يا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 752

استغلال المواسم المباركة ما أكثر مواسم الخيرات، ومناسبات الجود والرحمة التي يجعلها الله لعباده فرصاً للتقرب منه، والتوبة إليه، فيغفر الله بها الزلات ويكفر السيئات، ويقيل العثرات. فعلى المسلم أن يستغل تلك الفرص، وأن يتعرض لنفحات الله؛ رجاء أن يكون من المقبولين في رحمة الله ورضوانه.

стр. 753

كيفية استغلال مواسم الخير الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، الملك العلي الأعلى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى. أحمده تعالى وأشكره، وأستعينه وأستهديه وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أرجو بها النجاة من أهوال يوم القيامة، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، أرسله الله إلى الناس كافة؛ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وترك الناس على النهج القويم، والصراط المستقيم على أبيض محجة، وأنصع رسالة، وأقوم سبيل، فصلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا كل ما يجلب سخط الله ﷻ ؛ من الوقوع في معاصيه والتقصير في طاعته. أمة الإسلام: لقد عشتم قبل أيام قليلة، مناسبة عظيمة في الإسلام، مع آثارها الإيجابية على الفرد، وعلى المجتمع، بل وعلى الأمة بأسرها، إذا أديت على الوجه الشرعي والسنن النبوي، ألا وهي مناسبة الحج إلى بيت الله الحرام، تلك المناسبة التي مرت بنا والتي يجود الله فيها على عباده، ويباهي بهم ملائكته، ويغفر زلاتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويرفع درجاتهم، ويبيض صفحاتهم، ويعيدهم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم. لقد مرت هذه المناسبة على المسلمين، ولكن ويا للأسف! لم تؤثر في حياة كثيرين منهم، ولم يستفهموا منها معانيها السامية، ومنافعها العظيمة، وآثارها الإيجابية. وليست هي المناسبة الوحيدة التي مرت، فقد مرت وتمر بنا دائماً مواسم الخير، ومناسبات الجود والرحمة، فلا تحرك فينا ساكناً، ولا تلين قاسياً؛ نتيجة ضعف الإيمان، وقسوة القلوب، وغفلة الضمائر، وموت الأحاسيس، وسوء الفهم في التطبيق لهذه الشعائر العظيمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من أعظم ما يصقل القلوب، ويجلوها مما ران عليها؛ من ظلمات الذنوب والمعاصي، ولكن: ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ.

стр. 754

حقيقة التوبة إخوة العقيدة: إن السعيد كل السعادة، من وفق في هذه المواسم المباركة، للتوبة النصوح، المستوفية لشروطها، المتضمنة الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العود إليه مرة أخرى. وإن الغانم كل الغنيمة من بدأ حياة جديدة، وفتح صفحة ناصعة بالأعمال الصالحة، بعد هذا الموسم العظيم، وعاهد ربه -عهداً أكيداً- أن يستمر على طاعته إلى الممات امتثالاً لقوله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. فإلى متى الغفلة يا عباد الله؟! وإلى متى الإعراض عن شريعة الله واتباع الأهواء والشهوات؟! إلى متى هذا كله؟! أتسركم حالتكم هذه؟! أيرضيكم ما وصل إليه العالم الإسلامي اليوم؛ نتيجة الغفلة والبعد عن الله، والفرقة والاختلاف؟! ألا يؤرقكم، ويقض مضاجعكم ما وصل إليه أعداؤكم من حال تحزن الصديق؟ وما يكيدونه لكم ولدينكم؟! والسبب أنتم أيها المسلمون! السبب ما كسبت أيديكم، وما جنته أنفسكم؛ من تفريط في جنب الله، وعدم مبالاة بأوامره، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:١٦٥].

стр. 755

المبادرة بالتوبة النصوح يا أخوة الإسلام! اتقوا الله واستمروا على الأعمال الصالحة، وابدءوها حياة جديدة، وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحاً، فإنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨] فهذا هو موسم التوبة يا عباد الله. أيها الإخوة في الله: إن التوبة إلى الله واجبةٌ على الفور، لا يجوز تأخيرها، أو التثاقل عنها، أو التسويف فيها، فإن تأخير التوبة ذنبٌ يحتاج إلى توبة، وقد رتب الله على التوبة الصادقة الفلاح والسعادة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]. وإن التوبة لن تكون نصوحاً مقبولةً حتى تكون خالصةً لله ، بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه، ولن تكون التوبة مقبولة حتى يقلع صاحبها عن المعصية، فليست التوبة أن يقول الإنسان بلسانه: أتوب إلى الله، وهو مصرٌّ على معصية الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. يا عباد الله! ليست التوبة أن يقول ذلك، وهو متهاون غير مبال بما جرى منه، من معصية الله، وليست التوبة أن يقول ذلك وهو عازمٌ على أن يعود إلى معصية الله، ومخالفة أمره، فلن تكون التوبة مقبولة حتى تتم فيها هذه الشروط، فلا تقبل توبة تارك الصلاة حتى يؤديها، ولا تقبل توبة فاعل الجرائم حتى يقلع عنها، ولا بد أن تكون التوبة قبل غلق بابها، فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، فإذا بلغت الروح الحلقوم، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء:١٧ - ١٨]. واقتدوا بنبيكم صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان دائم التوبة، أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ وعن الأغر بن يسار المزني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة﴾ رواه مسلم. فإذا كان هذا عمل رسولكم، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فكيف بحالكم أنتم، وقد رانت عليكم الذنوب العظيمة، وطغت في مجتمعكم، وانتشرت في باديكم وحاضركم! فما أحرانا -أيها المسلمون- أن نصدق التوبة مع ربنا، فكفانا بعداً عن الله، وكفانا ما نحن فيه، وما أحرى الأمة الإسلامية اليوم أن تبدأ حياة جديدة، بعد هذا الموسم المبارك، في صدق التوبة مع الله ؛ ليعود لها مجدها وعزتها وحضارتها. أيها المسلمون! بادروا بالتوبة قبل أن يفجأكم الموت، فيحول بينكم وبينها، وتموتون على معصية الله، ولا تغرنكم الأماني، ولا يغرنكم بالله الغرور، ولا يغركم بسط النعم عليكم، فالموت يأتي بغتة، وثقوا بأن التوبة النصوح تجب ما قبلها من الذنوب مهما عظمت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٩]. اللهم وفقنا للتوبة النصوح، اللهم وفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك عنا يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه، فهو خير الغافرين.

стр. 756

محاسبة النفس على ما مضى وفات الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، واشكروه على نعمه، وتوبوا إليه واستغفروه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]. عباد الله: اغتنموا فرصة الحياة القصيرة بالتزود لدار القرار، فهاهي الأيام تمضي سريعاً، والأوقات محدودة، والأنفاس محدودة، وأنتم في هذه الأيام توشكون أن تودعوا عاماً من أعماركم، هو شاهدٌ لكم، أو شاهدٌ عليكم بما أودعتموه من أعمال، وتستقبلون عاماً جديداً، فالسعيد من تذكر ما أمامه، فاستعد له، والشقي من غفل عنه وأمن من مكر الله . ولا تغتروا بحلم الله سبحانه، واعمروا أوقاتكم بطاعة الله، واستغلوا فرصة حياتكم وشبابكم وصحتكم بالعمل الصالح. أخرج البخاري ﵀ في صحيحه عن رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ﴾ يعني: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، ومن كان مقصراً في شكر ما أنعم الله به عليه، فهو مغبون، وليتذكر شباب الإسلام أنهم يودعون الإجازة الصيفية، ويستقبلون عاماً دراسياً جديداً، فليحاسبوا أنفسهم ماذا قدموا في هذه الإجازة، هل حفظوا أوقاتهم؟ هل قدَّموا لأنفسهم ما يسرهم من صالح العمل؟ هل قدموا لأمتهم الخير الذي ترجوه منهم؟ أم أنهم قد طغوا، واشتغلوا بما لا يفيدهم، وبما يضرهم، وليبدءوا حياةً جديدةً ملؤها العلم النافع، والعمل الصالح؛ ليكونوا دعاة خير وصلاح لأمتهم التي هي بأمس الحاجة إليهم. فاتقوا الله -عباد الله- وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] واعلموا أنكم قادمون -بلا شك- على ما تعملون ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. واعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على رسوله، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين! واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم منَّ عليهم بصلاح أحوالهم، وقادتهم وعلمائهم، وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى، اللهم ارزقه الهدى والرشاد، ووفقه للبطانة الصالحة الناصحة التي تحضه على الخير وتعينه عليه يا رب العالمين. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 757

أسس المنهج الحق إن المسلم في هذه الحياة بحاجة ماسة؛ ليعرف أسس المنهج الذي يسير عليه في عبادته ومعاملاته وأخلاقه وسلوكه؛ ليسير بخطىً ثابتة متوازنة على نهج واضح من الكتاب، ودليل ساطع من سنة الرسول ﷺ ، خاصة في هذا العصر الذي طغت فيه الرزايا والبلايا والفتن والمحن، ولبس لباس الإسلام كل مكار خبيث.

стр. 758

أهمية معرفة المنهج الحق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بخير شريعة وأقوم سبيل، اللهم صلِّ على نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. عباد الله! يحتاج المسلم في هذه الحياة -حاجة ملحة- أن يعرف أسس المنهج القويم، وقواعد الصراط المستقيم الذي أمرنا الله سبحانه باتباعه وسلوكه، بقوله جلَّ وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ليسير بخطىً ثابتة متوازنة على نهج واضح من كتاب الله، ودليل ساطعٍ من سنة رسول الله ﷺ ، وعمل سلف هذه الأمة ﵏، أهل القرون الثلاثة التي شهد لها المصطفى ﷺ بالخيرية، قبل تفشي العقائد الفاسدة، وانتشار الفرق الضالة المخالفة للكتاب والسنة. وتأتي أهمية معرفة المنهج الحق، وضرورة العلم بالصراط القويم في هذا الزمن، الذي طغت فيه موجات الفتن والمحن، واستحكمت فيه الفرقة والخلاف، وتكَّتل فيه أعداء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتداعوا على الأمة الإسلامية؛ فتمزق كيانها الكبير، وتفتت العالم الإسلامي أجزاءً ودولاً، وتفرَّق شيعاً ومللاً، واختلف مذاهباً ونحلاً، وتباين غايات وسُبلاً، وفسدت العقائد وانهارت الأخلاق، وتدهورت القيم، وسادت الأهواء، وفقدت الشعوب وحدتها، وبلاد الإسلام أمنها وطمأنينتها، لبس لبوس الإسلام من هم أعداؤه وأنواؤه، تسمى بالإسلام من هو حربٌ عليه وعلى أهله. أفلا يجدر بعد أن سقطت الأقنعة، وفتحت الأستار، وتكشفت الحقائق، أن يعي المسلمون حقيقة إسلامهم، ويعرفوا أعماقه، ويسبروا أغواره، ويتفهموا أبعاده، عقيدة وعبادة وسلوكاً ومنهاج حياة؟! يا أمة الإسلام! آن الأوان، وحان الوقت والزمان، أن يسير المسلمون على بصيرة وعلم في أمر دينهم بعد أن ساد الجهل، واستحكم العلم، وانطلت على السذج من الناس والدهماء من الأمة الشعارات البراقة التي يرفعها من اتخذ الإسلام مطية لأغراضه المشبوهة، وسلماً للوصول إلى أهدافه المغرضة، وصدق الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩].

стр. 759

عظم نعمة الإسلام على العباد أمة الإسلام! ما أنعم الله على عباده من نعمة هي أجلَّ وأعظم من نعمة الإسلام، ولا يتصور قدر هذه النعمة إلا من عرف ما جرَّته الجاهليات على الأمم والشعوب. ما هي الأحوال قبل أن تشرق على الدنيا أنوار دعوة الإسلام؟ وما هي الأوضاع بعد أن انحسرت عن كثيرٍ من البقاع معالم الإسلام؟! وماذا حدث بعد أن أُبعِدَ الإسلام عن الساحة، وطمست كثيرٌ من أنواره، ومحيت كثيرٌ من معالمه، وخلا الميدان من كثيرٍ من جوانبه؟ ماذا جرت الانحرافات العقدية والمنهجية والأخلاقية على الأمة الإسلامية، وأثرت في مسيرتها نحو التقدم والخير والسلام؟ ماذا قدَّم المسلمون يوم أن اكتفوا من الإسلام باسمه، ورضوا -جهلاً وسطحية- كل من ادَّعى الانتساب إليه، والتستر تحت لوائه، وغلبت الكثرة والكمية على الحقيقة والكيفية، وأصبح المسلمون غثاءً كغثاء السيل، يكتنفهم الضعف والذل، ويسودهم الخلاف والشقاق، وتلعب بهم شرذمة قليلة من أعدائهم، فتقتطع من قلب العالم الإسلامي أرضاً من أقدس الأماكن؛ لتنشأ فيها دولة إخوان القردة والخنازير عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، فضلاً عن الحروب الضارية التي يشنها الأعداء بين الفينة والأخرى على بلاد المسلمين، ناهيك عن الغزو الفكري والأخلاقي الذي يضرب أصلابه في بقاع العالم بأسره؟! ما الذي جرَّ هذه المصائب؟ وما الذي سبب هذه الأزمات والمشكلات؟ ما المخرج وما الاتجاه وما المصير؟ إنه الإسلام الحق ولا طريق غيره، ولكنه الإسلام الصحيح، إنه إسلام العقيدة والتوحيد الخالص لله رب العالمين، إسلام العبادة لتكون صواباً على نهج المصطفى الأمين ﷺ ، والانقياد الكامل لله وحده، إسلام العقيدة والعبادة، والأخلاق والأحكام، والعلم والعمل، والدعوة والجهاد. الإسلام أن يستسلم العباد كلياً لله في ذوات أنفسهم، في الصغير والكبير، في الجليل والقليل؛ بحيث لا تبقى بعد ذلك بقية ناشزة من تصورٍ أو نية، أو شعورٍ أو عمل، أو خوفٍ أو رجاء، أو رغبة أو رهبة، لا تخضع لله ولا ترضى لحكمه وقضائه. إنه الإسلام الذي جاء به الكتاب والسنة، والتزمه السلف الصالح وكفى، ليس إسلام الشعارات البراقة، والأبواق المزيفة، والدعاوى الباطلة. عباد الله! إن الإسلام الحق، ليس همهمة بالأدعية، وطقطقة بالمسابح، وتمتمةً بالتعاويذ، ليس إسلام المناسبات والتظاهرات، والزوايا والموشحات والمظاهر والشكليات، ليس إسلام الهيام والمآتم وتعليق الحروز والتمائم، والاهتمام بالأشكال وتكوير العمائم، ليس اتكالاً على أن تمطر السماء على الأرض صلاحاً وخيراً وسلاماً وعدلاً فحسب. إن الإسلام عقيدة صحيحة، وعبادة سليمة، دعوة وجهاد، ومنهاج عدلٍ وقوة وأمن وسلام، لا قتل ولا إرهاب، ولا ظلم ولا استبداد.

стр. 760

لا نصر إلا بالإسلام الحق أمة الإسلام! ما أُتي المسلمون -اليوم- من قلة العدد ولا من ندرة العُدد، إنما أتوا من قِبَلَ سوء فهمهم لدينهم، وإيثارهم التحلي به، والتسمي باسمه، دون بصيرة فيه، وعملٍ بشعائره وجوهره، وتطبيق لكل شيء فيه، فأين الإسلام ممن كذَّب بكتاب الله، واستهزأ بسنة رسول الله ﷺ ؟! وأين الإسلام ممن حاد الله سبحانه، فجعل له أنداداً وشركاء ووسائط وشفعاء؟ وأين الإسلام ممن استخف بعقيدته وشعائره، فلا بتوحيدٍ صحيح يعمل، ولا بصلاة وزكاة يقوم، ولا بعملٍ صالح يتقرب إلى الله؟ أين الإسلام من أدعيائه والمنتسبين إليه، وهم وبال عليه، وفجاً في طريقه؟! أصبح الإسلام -ويا للأسف- مطية لكل ناعق، ووسيلة لكل مارق، ووالله ما هكذا تورد الإبل. أيها المسلمون! إنه ما من مسلم يستشعر قلبه روح الإسلام يمكن أن يعمل عملاً -ولو قليلاً- يخالف شريعة ربه، فكيف جاز لمن يدَّعي الإسلام زوراً وبهتاناً أن يرتكب كل جريمة ويقترف كل عظيمة بالجسم الإسلامي؟! الإسلام أعلى وأجل، وأشرف وأكرم أن يوصم بمثل هذه المشينة. أمة الإسلام! لابد أن تستيقنوا أنه لا سعادة للبشر ولا عزة لهم ولا نصر إلا بالإسلام الحق، إسلام العقيدة والعبادة والعمل، لا خير إلا بترسم خطى المصطفى ﷺ ، والسير على ما سارت عليه القرون المفضلة. وإني أدعو من هذا المكان المبارك إلى ضرورة الفحص الدقيق في أعمال وسلوك كل من ادَّعى الإسلام؛ لكي لا يُؤخذ المسلمون على غِرة، فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، فأعداء عقيدتكم -يا عباد الله- وإن تسموا باسم الإسلام، لن يهدأ لهم بال، ولن يقر لهم قرار، حتى يحققوا مآربهم، لا بلَّغهم الله ذلك.

стр. 761

دعوة إلى تطبيق شريعة الإسلام فيا قادة المسلمين! ويا زعماء الإسلام! لا بد من الجد في تطبيق شريعة الإسلام؛ لتتحقق السعادة والأمن والصلاح للبلاد والعباد. ويا علماء الأمة! اتقوا الله -سبحانه- وجدوا في تعليم المسلمين حقيقة إسلامهم؛ حتى لا تنطلي الأفكار الهدامة ومناهج الفرق الضالة عليهم، وحتى يعرفوا عن كثب المجاهرين والمتسللين. ويا دعاة الإسلام! لا بد من الدعوة للإسلام الحق، والتمييز الدقيق والسير الرشيد على نهج الكتاب والسنة واتباع سلف هذه الأمة. ويا شباب الإسلام! ويا حملة الأقلام! ويا أيها المسئولون عن وسائل التربية والتعليم ووسائل الإعلام! إن المسئولية عظيمة، لا يسع المسلم التنصل منها أو الخروج عنها، فلا بد من رسم المناهج وإعداد الخطط؛ ليتخرج الأجيال مسلمين حقاً، ومؤمنين صدقاً، مسلحين بالعقيدة والإيمان، فلا بد من إبعاد كل ما يُنافى روح الإسلام وحقيقته وأخلاقه. إسلامكم -يا عباد الله- يستصرخكم إسلامكم -يا أمة الإسلام- يناديكم! فكونوا خير من يذود عنه، وإلا فقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 762

مسئولية حمل راية الإسلام الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. عباد الله! إن مسئولية حمل راية الإسلام -الحق- تقع على عاتق كل من تشَّرف بالانتساب إلى هذا الدين، وإنها -والله- لأمانة عظمى تنوء بحملها الهمم، ولكن الله سبحانه بتأييده وتوفيقه لعباده ييسر لهم القيام بها، فلا بد من الصدق مع الله في حمل رسالة الإسلام، وإنه وإن كثر الحديث عن الإسلام، وبدأ طلائع الصحوة الإسلامية، فإنه لا بد من التوجه السليم، والسير الصحيح على الإسلام الحق، دون تضليل ولا تزييف، ودون إفراطٍ ولا تفريط، ودون غلوٍ ولا تساهل. وإنه لمن ما يؤسف له، أن كثيراً من المنتسبين إلى الإسلام قد ترك العمل به، والانتصار له، والدعوة إليه، فعاش أكثرهم على هامش الحياة، ورضي بالمال والدنيا، رضي بالطعام والشراب، وأصبح من مسلمة الدار، لا يقدم ولا يضحي، ولا يتحرك في سبيل دينه؛ مما جعل الأعداء يجدون في نشر باطلهم في غفلة من المسلمين. فاتقوا الله يا عباد الله! واعلموا أن الله سائلكم عن هذا الدين، حفظتم أم ضيعتم، وليكن لكم في رسولكم أسوة وقدوة، فلقد كانت حياته كلها في سبيل نشر الإسلام، ألا فاقتدوا به، وعضوا على سنته ﷺ بالنواجذ. وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، فقد أمركم الله بذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. للهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم وفقهم للهدى، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم أظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمد ﷺ على الدين كله ولو كره المشركون. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 763

الإخلاص والمتابعة العبادة هي الحكمة من خلقنا وخلق الجن، والعبادة لها شرطان: الأول: الإخلاص لله ﵎ الذي هو أساس قبول الأعمال؛ فإن المخلص هو الذي تقبل أعماله، أما المشرك الذي يعمل لغير الله فهذا عمله مردود عليه؛ لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك. والشرط الثاني: متابعة الرسول ﷺ في جميع أعماله عدا الخاصة به، فإذا لم يوجد هذان الشرطان لم يقبل الله العمل.

стр. 764

الحكمة من خلق الجن والإنس إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بعبادته، وألزمنا بإخلاص العمل له، والوقوف عند سنة نبيه ﷺ ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، ورسول رب العالمين أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً؛ فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله: إنه لمن نعم الله علينا أن تتاح في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المكان المبارك، في بيتٍ من بيوت الله جل وعلا أن نلتقي في هذه الأمسية على ذكر الله جل وعلا، وعلى التذكير بموضوعين مهمين خطيرين لهما مكانتهما المرموقة، ولهما شأنهما في هذا الدين، إنه اجتماعٌ طيبٌ مبارك في هذا البيت المبارك لتحقيق التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، نسأل الله جل وعلا أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، كما نسأله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وحزبه المفلحين إنه جوادٌ كريم. أيها الإخوة في الله: لا ريب أن الله إنما خلقنا في هذه الحياة للقيام بعبادته جل وعلا، يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] ويقول جل من قائل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] ويقول جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:١ - ٢]. فالآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، التي تبين حكمة خلق الله جل وعلا لخلقه: جنهم وإنسهم، فعلى العباد أن يقوموا بهذه المهمة في هذه الحياة؛ لأن الله جل وعلا خلقنا في هذه الحياة للقيام بهذه الرسالة العظيمة، هو ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧]. فالعبرة في هذه الحياة بحسن العمل، لا بكثرته ووفرته، العبرة بحسن العمل وكونه خالصاً لله جل وعلا، لا تشوبه شائبة من شوائب الشرك بالله جل وعلا، وكذلك العبرة بحسن العمل من جهة متابعة رسول الله ﷺ ، فالإنسان في هذه الحياة عليه أن يعبد الله جل وعلا على نهج الكتاب والسنة، فلا بد في هذا العمل الذي يعمله كل عبد من شرطين أساسيين، وركنين مهمين هما موضوع هذه الكلمة في هذه الليلة. أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نسمع، وأن يكون كلامنا حجة لنا لا علينا، وأن يكون منطلقاً للعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 765

الإخلاص لله أيها الإخوة الكرام: إن الإخلاص لله جل وعلا أمره مهمٌ في هذا الدين؛ فلا يُقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لله جل وعلا. فما هو الإخلاص؟ وما صوره؟ وما سبله؟ وما الآيات الدالة عليه؟ وما الأحاديث الشريفة عن رسول الهدى ﷺ التي تبين عظم مكانته وسمو مكانة أهله؟ وما هي ثمرات الإخلاص في الدنيا والآخرة؟ وما أقوال سلف هذه الأمة عن هذا الموضوع المهم؟ وما هي العواقب الوخيمة والسلبيات الكثيرة التي يجرها التساهل في هذا الأمر على الأفراد والأمم والمجتمعات؟

стр. 766

تعريف الإخلاص الإخلاص لله يراد به: أن يبتغي الإنسان بعمله وقوله وجه الله ، فلا ينظر إلى المخلوقين؛ وإنما يبتغي بعمله وجه الله جل وعلا، وهذا يقتضي ترك الرياء والبعد عنه، والإقبال بالكلية على الله ، فيُقصد بالإخلاص إفراد الحق جل وعلا بالقصد والطاعة. ويراد به: نسيان رؤية المخلوقين بدوام رؤية الخالق جل وعلا وما يقرب إليه. ويراد به: العمل لله دون شائبة، ودون رياء وسمعة، ودون طلب لثناء الناس ومحمدتهم، وإطرائهم. فالإخلاص لله إذا كان بهذه المثابة فإنه شاقٌ على النفوس، وعظيمٌ على القلوب، ولا يقوم به إلا نفرٌ قليلٌ من الأمة؛ لأن الشيطان أعاذنا الله منه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويزين له الأمور التي تناقض شرع الله، ويبين للإنسان حسن عمله عند الناس، وأنه يعمل العمل ليبحث عن الشهرة أو ليبحث عن الثناء، أو لتتردد أصداء أعماله وأقواله في مجالس الناس، فهذا يقتضي أن يكون العبد على حذرٍ من عدو الله وعدوه، بأن يروض نفسه على الإخلاص لوجه الله جل وعلا، ابتغاءً لثواب الله، وطلباً لمرضاة الله، وبحثاً عن رضى الله جل وعلا وما يقرب إلى جنته، وبعداً عن زواجره سبحانه، وما يقرب من ناره أعاذنا الله وإياكم منها.

стр. 767

الآيات الدالة على الإخلاص لقد زخر كتاب الله جل وعلا بالنصوص الشريفة التي تبين مكانة الإخلاص وتحث عليه، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا ما توفر فيه هذا الشرط العظيم، يقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] ويقول : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣] ويقول سبحانه لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١١ - ١٢]، وقال: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤ - ١٥]. ويقول سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [الملك:٢] ويقول جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. يقول الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [الملك:٢] أي: أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وما أصوبه؟ قال: الخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله ﷺ ؛ فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، فلا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، وتلا قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]. فقوله سبحانه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِح اً﴾ [الكهف:١١٠] هو المتابعة لرسول الله ﷺ وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] هذا هو الإخلاص لله جل وعلا. ولهذا قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] قال ﵀: هذان ركنا العمل المتقبل، أن يكون خالصاً لله، وأن يكون صواباً على سنة رسول الله ﷺ ، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] وأسلم وجهه لله: بالإخلاص لله جل وعلا، وهو محسن: باتباع سنة رسول الله ﷺ . فهذان الأمران العظيمان، وهذان الركنان المهمان، من الأمور التي ينبغي الانتباه لها، وما أحسن كلمة الفضيل بن عياض ﵀؛ فإنها كلمة عظيمة، وكلمة جامعة مستقاة من نصوص كتاب الله جل وعلا، فينبغي على العباد أن يخلصوا أعمالهم لله جل وعلا وأن يتبعوا ما جاء في سنة المصطفى ﷺ ؛ فلهذين الأمرين العظيمين مكانتهما في هذا الدين، ولهذين الأمرين المهمين مجالٌ للشيطان أعاذنا الله منه، أن يتسلل إلى قلوب العباد من جهتها، فما أكثر الذين يعانون من عدم تحقيق هذين الأمرين جميعاً أو أحدهما. فالإخلاص لله: يقتضي توحيده وعبادته والبعد عن الإشراك به، وأكبر مناقضٍ للإخلاص الشرك في عبادة الله جل وعلا، فمن أشرك مع الله غيره أو من عبد غير الله، أو من التجأ إلى غير الله سبحانه في طلب نفع أو دفع ضر؛ فقد ناقض هذا الأصل العظيم، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة في التنبيه على خطورة الشرك وبيان عظم التوحيد لله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١]. فالشرك بالله: هو الذنب الأكبر والجرم الذي لا يُغفر عافانا الله وإياكم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] ويقول تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ويقول أيضاً: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فعلى العباد أن يحذروا من الشرك بالله، ويعلموا أنه أكبر ناقضٍ لهذا التوحيد وأكبر جرمٍ عصي الله به، فعليهم أن يفوضوا أمورهم لله، ولا يشركوا به، لا ملك

стр. 768

الأحاديث الدالة على عظم الإخلاص ومكانة أهله أيها الإخوة الكرام: جاءت سنة المصطفى ﵊ ببيان شأن الإخلاص، وأنه القاعدة لهذا الدين، وأن الأمور إنما تؤخذ وتناط بمقاصدها، ففي الحديث الصحيح حديث عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾. ولما سئل النبي ﵊ عن: ﴿الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال ﵊: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ وفي ذلك إشارة إلى شأن الإخلاص، وأن على الإنسان في عمله، وفي عقيدته، وصلاته، وزكاته، وفي صومه وحجة، وفي جهاده ودعوته إلى الله، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وفي صلته لرحمه، وفي بره لوالديه، في كل أمرٍ من أموره، ينبغي أن يخلص فيها لله جل وعلا، وأن من انقدح فيه غير ذلك من العمل للناس، أو لمرآتهم أو للتسميع، أو لثناء الناس ومحمدتهم، فهو للذي أشرك والله بريء منه. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة المشهور عن الثلاثة النفر الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، مَنْ هؤلاء؟ إنهم الذين آثروا حب الدنيا على العمل للآخرة، إنهم الذين لم يخلصوا لله في أعمالهم، مع أن أعمالهم أعمال خير: جهاد وقراءة قرآن وتعلم للعلم، ففي هذا الحديث العظيم: ﴿يؤتى بالعالم فيقال له: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلمته فيقال له: كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار﴾.

стр. 769

العواقب الوخيمة للتساهل في الإخلاص الأمر خطير -يا إخوتي في الله- كم منا من يعمل الأعمال الصالحة ولكن شوائب المراءاة، وطلب حب الظهور والشهرة، وكلام الناس وأقوالهم؛ تؤثر عليه بل قد يقرأ القرآن؛ ليري الناس حسن صوته، ويفتي ويعلم؛ ليقال فيه: عالم، وليقال فيه: ما شاء الله اطلاعه واسع، ومعرفته بالعلم عميقة، ومعرفته بحديث رسول الله ﷺ جيدة، وما إلى ذلك من الأمور، أو يتعلم العلم لأجل الدنيا، يتعلمه ليكون طريقاً إلى المال والمنصب والجاه والشهرة، يتعلمه لينال به شهادة عالية، ليقال: هذا فلان بن فلان يحمل شهادة كذا، ويعمل كذا وفي منصب كذا ويتقاضى مرتب كذا! وما إلى ذلك من الأمور، فهذا على خطر إن لم يخلص أعماله لله. فعلينا أن نتقي الله ، وعلينا أن نخلص أعمالنا لوجه الله ، ما أكثر الذين يصلون؛ فإذا رآهم الناس حسنوا صلاتهم، يطمئنوا في ركوعهم وسجودهم، وكأنهم خاشعون لله بينما هم لأجل نظر فلان وبصر فلان. ما أكثر الذين يتعلمون العلم ويطلبونه للدنيا والشهادة، والوصول إلى المنصب والجاه والشهرة، وليس معنى ذلك -يا إخوتي في الله- أن الإنسان لا يتعلم العلم ولا يحسن صلاته ولا يقوم بالعبادة الشرعية على وجهها المطلوب، ولكن عليه أن يكون كذلك دائماً وأبداً، وأن يخلص لله، فلا يغير من سلوكه إذا رآه الناس، ولا يحسن من صلاته إذا جالت أنظار الناس حوله، فلا مانع أن يأخذ الإنسان الشهادات العليا، ولا مانع أن يتعلم الإنسان ليصل إلى الوظيفة؛ ليستغلها في نفع نفسه ورعاية أسرته والتأثير في مجتمعه، ولكن حذاري أن يتسلل الشيطان إلى عملك الصالح فيفسده بمراءاة الناس وطلب سماعهم وثنائهم. ما أكثر الذين يقومون بالمشروعات الخيرية، من بناء المساجد وتأمين السبل، والجهاد والنفقة في سبيل الله ، ولكن يطلب ثناء الناس، لتكتب أسماؤهم ولترى أفعالهم، ولتخرج أسماؤهم في الصحف والمجلات، ولتتردد أفعالهم في مجالس الناس، فإذا قصد المسلم بعمله ذلك، فهي خسارة له، وعمله لا خير فيه، بينما إذا عمل الإنسان هذه الأعمال الطيبة، وأنفق في سبيل الله، وقدم لنفسه خيراً من المشروعات الخيرية، ولكنه قصد ما عند الله، والناس يقولون ما يشاءون، ويفعلون ما يشاءون، فإذا أثنى الناس عليه مع إخلاصه لله، فتلك عاجل بشرى المؤمن، كما أخبر النبي ﷺ ، لكن حذاري أن تعمل العمل لأجل الناس، أو تطلب ثناء الناس، بحيث إن لم يثنوا عليك ولم يمدحوك أعرضت عن طرق الخير؛ فهذا قدحٌ في الإخلاص عافانا الله وإياكم! فالإخلاص يكون في العقيدة: بإخلاص العبادة لله دون شائبة من شوائب الشرك، وصرف العمل لغير لله . وكذلك يكون في العبادات: في تحسين الصلاة، باتباع السنة فيها وتحسينها لكن ذلك لأجل أنظار الناس، ويكون كذلك في مظهر الإنسان وشكله، فيتزين ويتجمل ويتنظف لا لأن الدين أمره بذلك؛ ولكن ليلبس لباس الشهرة وليخرج للناس ليتحدث الناس في هندامه ومظهره، كذلك الإخلاص في العبادات المالية، فإن الشيطان كثيراً ما يدخل على الناس فيها، فالذين ينفقون في سبيل الله لكنهم ينفقون ليقول الناس: أنفق فلانٌ مليوناً، أو أنفق فلان أكثر من فلان، ثم يأتي المنفق الأول فيزيد ليقول الناس: زاد، كل ذلك وأصحابه على خطرٍ عظيم. فعلينا أن نحذر -يا إخوتي في الله- مغبة الرياء والعمل لقصد ثناء الناس ومحمدتهم، وليلح المسلم على ربه دائماً وأبداً، أن يرزقه الإخلاص، فحريٌ بمن رزق الإخلاص أن يُوفق لخيري الدنيا والآخرة، وحريٌ بمن فقد الإخلاص أن يصاب بخسارة الدارين، عافانا الله وإياكم والمسلمين من ذلك!

стр. 770

متابعة الرسول ﷺ أما الجانب الآخر المتعلق بهذا الموضوع المهم، فهو جانب المتابعة للنبي ﷺ ، وقد سمعتم في الآيات الكريمة التي تليت آنفاً اشتراط هذا الشرط العظيم، الذي هو المتابعة للنبي ﷺ ، فالعبرة بحسن العمل وإخلاصه وصوابه، لا بكثرته على الجهل والضلال، ماذا يقول الله فيمن هذه حاله؟ يقول : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:١ - ٣] لكن ما هي النتيجة؟ ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٤] نعوذ بالله! ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:٣] تجتهد في العمل، وتتعب وتنصب؛ لكن على غير هدى، على ضلالٍ مبين، على بدعٍ ومخالفاتٍ لهذا الدين، على بعدٍ عن سنة سيد الأولين والآخرين، نبينا وقدوتنا محمد ﷺ .

стр. 771

العبادات في دين الله توقيفية العبادات في هذا الدين توقيفية، يجب أن يأخذها المسلم من مصدريها كتاب الله وسنة رسوله ﵊؛ فلا يزيد في دين الله ما لم يأذن به الله، ولا يأتي بشيء جديدٍ في هذا الدين، فالله سبحانه يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فالدين كامل، والإسلام تام، فما علينا إلا أن نعمل بما في ديننا ونحذر من الزيادة عليه وما أكثر الزيادة التي وقع فيها كثيرٌ من المسلمين، هدانا الله وإياهم، فبضعف العقيدة، وقلة الولاء والمتابعة لرسول الله ﵊، وتقليد أعداء الإسلام، والتشبه بهم، حصل في المسلمين مجاوزة، عن الحد المرسوم لهم، الذي يجب عليهم الوقوف عنده، امتثالاً لحديث رسول الله ﵊، الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، وهو حديثٌ عظيمٌ من قواعد هذا الدين، يقول فيه النبي ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ وفي رواية مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فكل عمل ليس عليه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين فهو مردود على صاحبه كائناً من كان. فليسع الناس المصدر الأساسي كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه ﷺ في كل أمرٍ من أمورهم، في عقيدتهم يُخلصوا لله ويتابعوا سنة رسول الله ﷺ القولية والعملية، في عباداتهم يتبعون رسول الله ﷺ فهو القائل ﵊ فيما أخرجه البخاري وغيره: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وهو القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾. فالعبادات كيفيتها ومنهجها وعمل المسلم فيها يجب أن تكون على وفق السنة، فلا زيادة، ولا تشدد، ولا غلو، ولا تساهل، يجب على العباد أن يكونوا وقافين عند كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وعليهم أن يسألوا ويتعلموا ويبحثوا عن هذا الأمر ليصلوا إليه. يسألوا ما هي سنة رسول الله ﵊ في الصلاة وما هي سنته في الحج، وما طريقته ومنهجه في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الجهاد في سبيل الله وفي غير ذلك من الأمور.

стр. 772

عاقبة ترك متابعة الرسول فالمتابعة في العقيدة، والمتابعة في العبادة وفي الأخلاق والآداب والمنهج والسلوك، يجب أن تتحقق واقعاً عملياً في سلوك ومنهاج كل مسلم منا. وإذا حصل للأمة التقصير في هذين الأمرين، فهذا والله أمارة الخسارة والدمار، وفساد العاجل، والتعرض لسخط الله عاجلاً وآجلاً، فماذا يكون حال الأمة، وحال الأفراد والمجتمعات إذا غاب الإخلاص لله ؟! يعيش الناس على النفاق والمجاملات، وعلى المداهنات والمراءاة، وعلى تتبع رضى الناس ومحمدتهم، وفي الحديث: ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله رضي الله عليه وأرضى عنه الناس﴾. فالإنسان بإخلاصه لله ومتابعته لرسوله ﷺ يكون صلاح أمره. وماذا تكون حال الأمة إذا عطلت سنة رسول الله ﵊، فنخرت فيها البدع والضلالات والمحدثات والانحرافات العقدية، والمخالفة لمنهج رسول الله ﵊، فيزيد في هذا الدين ما ليس منه؟ وهذه خيانة للأمانة، ونسبة التقصير إلى المبلغ عن الله شرعه، نبينا محمدٍ ﷺ ، كما يقول الإمام مالك ﵀: [[من أحدث في هذا الدين حدثاً يرى أنه حسناً فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]]]. فالرسول ﵊؛ ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، يقول أبو ذر ﵁: [[ما مات رسول الله ﵊ وطائرٌ يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً]] وفي الحديث الآخر: ﴿علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة﴾ حتى ما يحتاجه الإنسان في شأن طهارته وآداب الخلاء، كل ذلك جاء به النبي ﷺ ، فكيف يزعم المحدثون في دين الله أن محمداً ﵊ لم يبلغ عن الله شرعه؟! أو أن هناك بدعة حسنة وما إلى ذلك من الأقاويل الأفاكة، التي لا مستند لها من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﵊، ولا عمل القرون الثلاثة الخيرة، التي شهد لها النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح حديث عبادة: ﴿خيركم قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم﴾. فهذه القرون الخيرة التي سارت على نهج الكتاب والسنة، ولم تغير ولم تبدل، حتى زين الشيطان للأمة من بعدهم، واجتهد أعداء الإسلام في بث سمومهم على المسلمين، وأصبح كلٌ ينتحل منهجاً، وكل يدعو إلى فرقة، وكل يدعو إلى بدعة، وكل يدعو إلى منهج، والمنهج واحدٌ، هو منهج كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وما سار عليه سلف هذه الأمة ﵃ وأرضاهم ورحمهم. فلا يقول قائلٌ: إن هذه الأمور قد لا تكون موجودة في البيئة التي أعيش فيها، فإن المسلم مطالبٌ أن يعي واقعه الذي يعيشه، ويعلم كل ما يناقض من هذين الأمرين العظيمين: الإخلاص والمتابعة لرسوله ﵊، فينبغي أن يكون على حذرٍ وفطنة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المخلصين المتابعين للرسول ﷺ ، وإن رغب عن ذلك أكثر الناس. نسأل الله تعالى الثبات على هذا الدين، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين، المتبعين للسنة، إنه جواد كريم، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 773

الأسئلة .

стр. 774

الدعوة إلى الله بالأشياء المباحة السؤال هل من المتابعة لرسول الله ﷺ دعوة الناس بالمسرحيات الإسلامية والأناشيد الإسلامية والرياضة؟ الجواب لا ريب أنه ينبغي على المسلمين أن يهتموا كثيراً في شأن الإخلاص لله ، والمتابعة لرسوله ﵊ في كل أمرٍ من أمورهم، والحقيقة أن هذا الموضوع موضوع خطير، وموضوعٌ مهم، وموضوعٌ لا يستغني عنه مسلمٌ أبداً، لأنه يعايش الإنسان في كل دقيقة من دقائقه، وفي كل كلمة يقولها، وفي كل عملٍ يعمله، بل في كل خطوة يخطوها، ولهذا يقول بعض السلف: "طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لله "، أي: ما أكثر الخطوات في سبيل الشيطان، وما أكثر الخطوات التي يُظَن أنها لله وهي لغيره. عافانا الله وإياكم! ويقول بعضهم: لا يزال الرجل بخيرٍ إذا قال؛ قال لله، وإذا عمل؛ عمل لله؛ ولهذا كان السلف ﵃ ورحمهم شديدي المحاسبة لنفوسهم في هذين الأمرين الخطيرين؛ ولهذا يعاتب كل واحدٍ منهم نفسه: "يا نفس أخلصي وتخلصي". فينبغي علينا جميعاً ونحن نعمل الأعمال الطيبة ونعمل الأعمال الخيرة أن نخلص فيها لله . ما أكثر الناس اليوم الذين يعملون الخير، ويطلبون العلم، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويأمون بيوت الله، ويقدمون للمسلمين خيراً؛ لكن العبرة -والله- بالإخلاص وحسن العمل، فينبغي إذا استطاع المسلم ألا تخرج أموره عن سنة النبي ﷺ كان حسناً، ولا سيما في شأن العلم والعمل والدعوة إلى الله ، وعلى الدعاة إلى الله أن يأخذوا من منهج محمد بن عبد الله عليهم الصلاة والسلام الطريق الأمثل في الدعوة إلى الله . لكن هناك أمور هي من الوسائل المباحة التي إن أخلص العباد فيها أعمالهم لله أثيبوا عليها، فلم يأت في هذا الدين منعٌ منها، ولا تحذير، فهي أمورٌ مباحة إن استخدمت في الخير كانت وسيلة للدعوة إلى الله، وإن استخدمت في الشر كانت وسيلة لإبعاد الناس عن هذا الدين، وإبعاد الشباب وغيرهم عن منهج الإسلام. فالرياضة إذا كان يقصد منها تقوية البدن، والترويح عن النفس في إطارٍ إسلامي ومحافظة فلا مانع منها، أما إذا كانت وسيلة لغير ذلك من الأمور أو تكون مدعاة لترك الصلوات، أو كشف العورات، أو ضياع الأوقات، أو ما إلى ذلك فلا خير فيها. كذلك العمل في الدعوة إلى الله ، عن طريق نشر الكتب الإسلامية والأشرطة الإسلامية، التي فيها تعليم للعلم وفيها خطبٌ ومحاضرات وندوات ودروس، بأقوال وجهود علماء موثوقين مشهورين، فهي من وسائل الدعوة إلى الله ولا ريب، فعلى المسلمين أن يقفوا ما استطاعوا حيثما وقف عنده محمد بن عبد الله ﵊. أما الأمور التي لم يأت في الدين تحريمها، فلا ينبغي التضييق فيها ولا كثرة الخلاف حولها، إلا إذا شغلت عن أمرٍ واجب أو كانت طريقاً إلى محرم، فينبغي البعد عنها واجتنابها. نسأل الله أن يوفقنا للزوم الكتاب والسنة في كل أمرٍ من أمورنا، في علمنا، وتعليمنا ودعوتنا وجهادنا وفي كل تحركاتنا وفي تصرفاتنا، فينبغي حتى في كل التحركات، حتى الأمور العادية ينبغي أن نخلص فيها لله، يقول بعض السلف: إني لأحسن قصدي في كل شيء، أو إني لأرجو أن يكون لي نية حسنة حتى في أكلي وشربي ونومي. فهكذا ينبغي ألا يضيع الإنسان أي فرصة وأي خطوة ينبغي أن تكون لله، قبل أن تضع رجلاً على الأرض وترفع الأخرى يجب أن تنظر في خطواتك وحركاتك، ينبغي أن تضع هذا المؤشر وهو مؤشر الإخلاص أمام عينيك، لتعمل به، وكذلك سنة النبي ﷺ . ولو أن المسلمين وقفوا عند الكتاب والسنة في كل أمورهم، لكان في ذلك الخير لهم، وما جاءنا التساهل شيئاً فشيئاً عن هذا الدين إلا لما ابتعدنا عن هذا المنهج وأخذنا الوسائل التي جرتنا إلى المحرم، وكانت سبباً في إبعاد كثيرٍ من الشباب والناس عن المنهج السليم في الدعوة إلى الله ؛ ولكن على الداعية إلى الله، وعلى طالب العلم أن يبذل جهده ووسعه في تحقيق الدعوة ونشرها عن أي طريق، ففي كل أمرٍ من أموره المباحة، وأموره الشرعية، ينبغي أن يستغلها في الدعوة إلى الله وعليه ألا يستقل جهده، وأن يبذل الغالي والنفيس والرخيص وكل شيء في أمر الدعوة إلى الله تعالى ما لم يكن ثمَّ محرم ومخالفة لسنة النبي ﷺ ، والأمور التي ذكرها الأخ لا أرى أن فيها خلافاً للسنة، فالمتابعة إنما تكون في الأمور العبادية والأمور التوقيفية. أما الأمور التي فيها سعة فأرجو ألا حرج فيها ما لم تكن طريقاً ووسيلة إلى أمرٍ غير محمودٍ شرعاً والله أعلم.

стр. 775

حكم ترك العمل خوفاً من الرياء وعلاج الرياء السؤال أنا شابٌ أعمل أعمالاً صالحة ولله الحمد، وأخلص فيها لله، ولكني أخاف، ويدخل الشك في نفسي هل يقبل مني هذا العمل أم لا؟ لدرجة أني أحياناً أفكر ألا أعمل هذه الأعمال خشية أن يدخل في نيتي شيء غير الله، فماذا أعمل؟ وما هو العلاج للرياء؟ الجواب هذا سؤال مهم والحديث فيه إشارات إلى هذا الأمر، لكني ألفت النظر -يا إخوتي في الله- إلى إن أمر الإخلاص أمرٌ دقيقٌ وخطير، وهو مدخلٌ من مداخل الشيطان على العبد، فالإنسان يريد أن يخلص لله جل وعلا، لكن يأتيه الشيطان، فمثلاً: يريد أن يصلي على وفق سنة النبي ﷺ لكن يأتيه الشيطان فيقول له: إنك تعمل هذا العمل للناس، وإن هذا العمل قد يكون رياء وما إلى ذلك. على الإنسان أن يعمل العمل الصالح، ولا يجعل للشيطان طريقاً إلى نفسه، عليه أن يعمل بما جاء به كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد جاء فيهما عِظم شأن الصلاة، وجاء في سنة النبي ﷺ كيفية الصلاة، فأنت إذا أديت الصلاة على وفق السنة، فلا مجال للرياء هنا، واحذر من أن يدخل الشيطان إليك، فتترك السنة خشية أن يراك الناس، ولهذا قال الإمام الفضيل بن عياض ﵀ كلمة قيمة يقول: " ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك ". ترك العمل لأجل الناس: أنت لا تريد أن تصلي صلاة على وفق السنة؛ لأجل أن يراك الناس فتترك السنة هذا هو الرياء بعينه. والعمل لأجل الناس: أنك تصلي لأجل أن يراك الناس، أو يحمدوك على حسن صلاتك، هذا هو الشرك الأصغر الذي هو الرياء، عافانا الله وإياكم، وقد يكون أكبر بحسب مراد الإنسان ومقتضيات الحال، فمثلاً حين يعمل الإنسان لغير الله ، ويعمل لأجل الناس، يعمل لأجل صاحب القبر، أو للميت أو للولي أو للنبي أو للملك أو للجان أو للسحرة أو لغيرهم، فإنه والعياذ بالله يقع في الشرك الأكبر، لأن الشرك هو صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، إذاً العمل لأجل الناس هو الشرك بالله، وترك العمل الصالح لأجل الناس رياء. فالإنسان عليه أن يكون دقيقاً في نظراته وليجمع بين متابعة السنة والإخلاص لله والحذر من دخول الشيطان، فإن هذا طريقٌ من طرق الشيطان ومدخلٌ من مداخله، فهكذا الإنسان عليه أن يروض نفسه على الإخلاص، وأن يجاهد نفسه في البعد عن الرياء. والطرق التي تضمن بتوفيق الله البعد من الرياء أولاً: الإقبال على الله، فإن العمل لأجل الله ترويض النفوس على العمل لله، فما أكثر الذين يعملون لغير الله، وما أكثر الذين يعملون للدنيا، وما أكثر الذين يعملون لمصالحهم ولشخصياتهم، ويدعون لأنفسهم ولأحزابهم وجماعتهم وما إلى ذلك، يجب أن نعمل لله، ويجب أن تكون كل أعمالنا لله ، ومحبتنا يجب أن تكون لله: ﴿ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليهما مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله﴾ لا تحب فلاناً لأجل منصبه، أو لأجل ثرائه، أو لأجل وجاهته، أو لأجل دنياه، أو لأجل نسبه ومكانته وشرفه، لا. بل تحبه لله، لأنه عبدٌ صالح؛ ولأنه مستقيم يعمل الطاعات ويبتعد عن المعاصي. ثانياً: البعد عن ثناء الناس ومحمدتهم، ولتجعل ثناء الناس وسيلة، تبعاً لا أصلاً، فإذا جمعت بين الإخلاص لله وجاءك من الناس مدحٌ وثناء، فهذا من عاجل بشرى المؤمن التي يبشر بها، فأنتم شهداء الله في أرضه، ولكن لا يؤثر هذا على إخلاصك إن لم يمدحك الناس فلن تخطب ولن تقول أو تتكلم أو تنفق أو تعمل أو تتعلم أو تدعو إلى الله، لا. فالميزان دقيق. كذلك الحذر الحذر من مصائد الشيطان، والإلحاح على الله بالدعاء أن يرزق الجميع الإخلاص، والبعد عن الشيطان ومداخله، لا بد أن ننتبه لهذه الأمور، الأخذ بعوامل الثبات على هذا الدين وتقوية الإيمان بالله ، والعمل للآخرة، ماذا يقول الله عن المؤمنين الأوائل، الذين يطعمون الطعام: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] الله أكبر! هذا هو منهج المؤمنين المخلصين، يعملون لله، ويعملون للآخرة. المرائي الذي وقع في الرياء، لو استشعر عظم شأن الرياء وخطورته، وأنه قد يحبط العمل والعياذ بالله، ما موقفه؟ لو قرأ حديث أبي هريرة في الثلاثة النفر الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، ما تأثير ذلك على قلوبنا يا إخوتي في الله؟! إذاً: يجب أن تكون العلاجات للرياء منبثقة من الكتاب والسنة، بالإخلاص لله وترويض النفس على ذلك، بالبعد عن الشيطان، بالإقبال على الله والإلحاح عليه بالدعاء، والنظر في عواقب الأمور، والتبصر في الآخرة وما أمام الإنسان، والنظر في عواقب الرياء الوخيمة التي جاء بها الكتاب والسنة، والنظر في ثمرات الإخلاص اليانعة في الدنيا وفي الآخرة، نسأل الله أن يمنحنا وإياكم الإخلاص والمتابعة، وأن يعيذنا من الرياء والسمعة والمخالفة لسنة نبينا ﷺ إنه على كل شيء قدير.
следующие страницы →