← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

العبادات في دين الله توقيفية العبادات في هذا الدين توقيفية، يجب أن يأخذها المسلم من مصدريها كتاب الله وسنة رسوله ﵊؛ فلا يزيد في دين الله ما لم يأذن به الله، ولا يأتي بشيء جديدٍ في هذا الدين، فالله سبحانه يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فالدين كامل، والإسلام تام، فما علينا إلا أن نعمل بما في ديننا ونحذر من الزيادة عليه وما أكثر الزيادة التي وقع فيها كثيرٌ من المسلمين، هدانا الله وإياهم، فبضعف العقيدة، وقلة الولاء والمتابعة لرسول الله ﵊، وتقليد أعداء الإسلام، والتشبه بهم، حصل في المسلمين مجاوزة، عن الحد المرسوم لهم، الذي يجب عليهم الوقوف عنده، امتثالاً لحديث رسول الله ﵊، الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، وهو حديثٌ عظيمٌ من قواعد هذا الدين، يقول فيه النبي ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ وفي رواية مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فكل عمل ليس عليه سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين فهو مردود على صاحبه كائناً من كان. فليسع الناس المصدر الأساسي كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه ﷺ في كل أمرٍ من أمورهم، في عقيدتهم يُخلصوا لله ويتابعوا سنة رسول الله ﷺ القولية والعملية، في عباداتهم يتبعون رسول الله ﷺ فهو القائل ﵊ فيما أخرجه البخاري وغيره: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وهو القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾. فالعبادات كيفيتها ومنهجها وعمل المسلم فيها يجب أن تكون على وفق السنة، فلا زيادة، ولا تشدد، ولا غلو، ولا تساهل، يجب على العباد أن يكونوا وقافين عند كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وعليهم أن يسألوا ويتعلموا ويبحثوا عن هذا الأمر ليصلوا إليه. يسألوا ما هي سنة رسول الله ﵊ في الصلاة وما هي سنته في الحج، وما طريقته ومنهجه في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الجهاد في سبيل الله وفي غير ذلك من الأمور.

стр. 772

عاقبة ترك متابعة الرسول فالمتابعة في العقيدة، والمتابعة في العبادة وفي الأخلاق والآداب والمنهج والسلوك، يجب أن تتحقق واقعاً عملياً في سلوك ومنهاج كل مسلم منا. وإذا حصل للأمة التقصير في هذين الأمرين، فهذا والله أمارة الخسارة والدمار، وفساد العاجل، والتعرض لسخط الله عاجلاً وآجلاً، فماذا يكون حال الأمة، وحال الأفراد والمجتمعات إذا غاب الإخلاص لله ؟! يعيش الناس على النفاق والمجاملات، وعلى المداهنات والمراءاة، وعلى تتبع رضى الناس ومحمدتهم، وفي الحديث: ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله رضي الله عليه وأرضى عنه الناس﴾. فالإنسان بإخلاصه لله ومتابعته لرسوله ﷺ يكون صلاح أمره. وماذا تكون حال الأمة إذا عطلت سنة رسول الله ﵊، فنخرت فيها البدع والضلالات والمحدثات والانحرافات العقدية، والمخالفة لمنهج رسول الله ﵊، فيزيد في هذا الدين ما ليس منه؟ وهذه خيانة للأمانة، ونسبة التقصير إلى المبلغ عن الله شرعه، نبينا محمدٍ ﷺ ، كما يقول الإمام مالك ﵀: [[من أحدث في هذا الدين حدثاً يرى أنه حسناً فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]]]. فالرسول ﵊؛ ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، يقول أبو ذر ﵁: [[ما مات رسول الله ﵊ وطائرٌ يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً]] وفي الحديث الآخر: ﴿علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة﴾ حتى ما يحتاجه الإنسان في شأن طهارته وآداب الخلاء، كل ذلك جاء به النبي ﷺ ، فكيف يزعم المحدثون في دين الله أن محمداً ﵊ لم يبلغ عن الله شرعه؟! أو أن هناك بدعة حسنة وما إلى ذلك من الأقاويل الأفاكة، التي لا مستند لها من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﵊، ولا عمل القرون الثلاثة الخيرة، التي شهد لها النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح حديث عبادة: ﴿خيركم قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم﴾. فهذه القرون الخيرة التي سارت على نهج الكتاب والسنة، ولم تغير ولم تبدل، حتى زين الشيطان للأمة من بعدهم، واجتهد أعداء الإسلام في بث سمومهم على المسلمين، وأصبح كلٌ ينتحل منهجاً، وكل يدعو إلى فرقة، وكل يدعو إلى بدعة، وكل يدعو إلى منهج، والمنهج واحدٌ، هو منهج كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وما سار عليه سلف هذه الأمة ﵃ وأرضاهم ورحمهم. فلا يقول قائلٌ: إن هذه الأمور قد لا تكون موجودة في البيئة التي أعيش فيها، فإن المسلم مطالبٌ أن يعي واقعه الذي يعيشه، ويعلم كل ما يناقض من هذين الأمرين العظيمين: الإخلاص والمتابعة لرسوله ﵊، فينبغي أن يكون على حذرٍ وفطنة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المخلصين المتابعين للرسول ﷺ ، وإن رغب عن ذلك أكثر الناس. نسأل الله تعالى الثبات على هذا الدين، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين، المتبعين للسنة، إنه جواد كريم، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 773

الأسئلة .

стр. 774

الدعوة إلى الله بالأشياء المباحة السؤال هل من المتابعة لرسول الله ﷺ دعوة الناس بالمسرحيات الإسلامية والأناشيد الإسلامية والرياضة؟ الجواب لا ريب أنه ينبغي على المسلمين أن يهتموا كثيراً في شأن الإخلاص لله ، والمتابعة لرسوله ﵊ في كل أمرٍ من أمورهم، والحقيقة أن هذا الموضوع موضوع خطير، وموضوعٌ مهم، وموضوعٌ لا يستغني عنه مسلمٌ أبداً، لأنه يعايش الإنسان في كل دقيقة من دقائقه، وفي كل كلمة يقولها، وفي كل عملٍ يعمله، بل في كل خطوة يخطوها، ولهذا يقول بعض السلف: "طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لله "، أي: ما أكثر الخطوات في سبيل الشيطان، وما أكثر الخطوات التي يُظَن أنها لله وهي لغيره. عافانا الله وإياكم! ويقول بعضهم: لا يزال الرجل بخيرٍ إذا قال؛ قال لله، وإذا عمل؛ عمل لله؛ ولهذا كان السلف ﵃ ورحمهم شديدي المحاسبة لنفوسهم في هذين الأمرين الخطيرين؛ ولهذا يعاتب كل واحدٍ منهم نفسه: "يا نفس أخلصي وتخلصي". فينبغي علينا جميعاً ونحن نعمل الأعمال الطيبة ونعمل الأعمال الخيرة أن نخلص فيها لله . ما أكثر الناس اليوم الذين يعملون الخير، ويطلبون العلم، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويأمون بيوت الله، ويقدمون للمسلمين خيراً؛ لكن العبرة -والله- بالإخلاص وحسن العمل، فينبغي إذا استطاع المسلم ألا تخرج أموره عن سنة النبي ﷺ كان حسناً، ولا سيما في شأن العلم والعمل والدعوة إلى الله ، وعلى الدعاة إلى الله أن يأخذوا من منهج محمد بن عبد الله عليهم الصلاة والسلام الطريق الأمثل في الدعوة إلى الله . لكن هناك أمور هي من الوسائل المباحة التي إن أخلص العباد فيها أعمالهم لله أثيبوا عليها، فلم يأت في هذا الدين منعٌ منها، ولا تحذير، فهي أمورٌ مباحة إن استخدمت في الخير كانت وسيلة للدعوة إلى الله، وإن استخدمت في الشر كانت وسيلة لإبعاد الناس عن هذا الدين، وإبعاد الشباب وغيرهم عن منهج الإسلام. فالرياضة إذا كان يقصد منها تقوية البدن، والترويح عن النفس في إطارٍ إسلامي ومحافظة فلا مانع منها، أما إذا كانت وسيلة لغير ذلك من الأمور أو تكون مدعاة لترك الصلوات، أو كشف العورات، أو ضياع الأوقات، أو ما إلى ذلك فلا خير فيها. كذلك العمل في الدعوة إلى الله ، عن طريق نشر الكتب الإسلامية والأشرطة الإسلامية، التي فيها تعليم للعلم وفيها خطبٌ ومحاضرات وندوات ودروس، بأقوال وجهود علماء موثوقين مشهورين، فهي من وسائل الدعوة إلى الله ولا ريب، فعلى المسلمين أن يقفوا ما استطاعوا حيثما وقف عنده محمد بن عبد الله ﵊. أما الأمور التي لم يأت في الدين تحريمها، فلا ينبغي التضييق فيها ولا كثرة الخلاف حولها، إلا إذا شغلت عن أمرٍ واجب أو كانت طريقاً إلى محرم، فينبغي البعد عنها واجتنابها. نسأل الله أن يوفقنا للزوم الكتاب والسنة في كل أمرٍ من أمورنا، في علمنا، وتعليمنا ودعوتنا وجهادنا وفي كل تحركاتنا وفي تصرفاتنا، فينبغي حتى في كل التحركات، حتى الأمور العادية ينبغي أن نخلص فيها لله، يقول بعض السلف: إني لأحسن قصدي في كل شيء، أو إني لأرجو أن يكون لي نية حسنة حتى في أكلي وشربي ونومي. فهكذا ينبغي ألا يضيع الإنسان أي فرصة وأي خطوة ينبغي أن تكون لله، قبل أن تضع رجلاً على الأرض وترفع الأخرى يجب أن تنظر في خطواتك وحركاتك، ينبغي أن تضع هذا المؤشر وهو مؤشر الإخلاص أمام عينيك، لتعمل به، وكذلك سنة النبي ﷺ . ولو أن المسلمين وقفوا عند الكتاب والسنة في كل أمورهم، لكان في ذلك الخير لهم، وما جاءنا التساهل شيئاً فشيئاً عن هذا الدين إلا لما ابتعدنا عن هذا المنهج وأخذنا الوسائل التي جرتنا إلى المحرم، وكانت سبباً في إبعاد كثيرٍ من الشباب والناس عن المنهج السليم في الدعوة إلى الله ؛ ولكن على الداعية إلى الله، وعلى طالب العلم أن يبذل جهده ووسعه في تحقيق الدعوة ونشرها عن أي طريق، ففي كل أمرٍ من أموره المباحة، وأموره الشرعية، ينبغي أن يستغلها في الدعوة إلى الله وعليه ألا يستقل جهده، وأن يبذل الغالي والنفيس والرخيص وكل شيء في أمر الدعوة إلى الله تعالى ما لم يكن ثمَّ محرم ومخالفة لسنة النبي ﷺ ، والأمور التي ذكرها الأخ لا أرى أن فيها خلافاً للسنة، فالمتابعة إنما تكون في الأمور العبادية والأمور التوقيفية. أما الأمور التي فيها سعة فأرجو ألا حرج فيها ما لم تكن طريقاً ووسيلة إلى أمرٍ غير محمودٍ شرعاً والله أعلم.

стр. 775

حكم ترك العمل خوفاً من الرياء وعلاج الرياء السؤال أنا شابٌ أعمل أعمالاً صالحة ولله الحمد، وأخلص فيها لله، ولكني أخاف، ويدخل الشك في نفسي هل يقبل مني هذا العمل أم لا؟ لدرجة أني أحياناً أفكر ألا أعمل هذه الأعمال خشية أن يدخل في نيتي شيء غير الله، فماذا أعمل؟ وما هو العلاج للرياء؟ الجواب هذا سؤال مهم والحديث فيه إشارات إلى هذا الأمر، لكني ألفت النظر -يا إخوتي في الله- إلى إن أمر الإخلاص أمرٌ دقيقٌ وخطير، وهو مدخلٌ من مداخل الشيطان على العبد، فالإنسان يريد أن يخلص لله جل وعلا، لكن يأتيه الشيطان، فمثلاً: يريد أن يصلي على وفق سنة النبي ﷺ لكن يأتيه الشيطان فيقول له: إنك تعمل هذا العمل للناس، وإن هذا العمل قد يكون رياء وما إلى ذلك. على الإنسان أن يعمل العمل الصالح، ولا يجعل للشيطان طريقاً إلى نفسه، عليه أن يعمل بما جاء به كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فقد جاء فيهما عِظم شأن الصلاة، وجاء في سنة النبي ﷺ كيفية الصلاة، فأنت إذا أديت الصلاة على وفق السنة، فلا مجال للرياء هنا، واحذر من أن يدخل الشيطان إليك، فتترك السنة خشية أن يراك الناس، ولهذا قال الإمام الفضيل بن عياض ﵀ كلمة قيمة يقول: " ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك ". ترك العمل لأجل الناس: أنت لا تريد أن تصلي صلاة على وفق السنة؛ لأجل أن يراك الناس فتترك السنة هذا هو الرياء بعينه. والعمل لأجل الناس: أنك تصلي لأجل أن يراك الناس، أو يحمدوك على حسن صلاتك، هذا هو الشرك الأصغر الذي هو الرياء، عافانا الله وإياكم، وقد يكون أكبر بحسب مراد الإنسان ومقتضيات الحال، فمثلاً حين يعمل الإنسان لغير الله ، ويعمل لأجل الناس، يعمل لأجل صاحب القبر، أو للميت أو للولي أو للنبي أو للملك أو للجان أو للسحرة أو لغيرهم، فإنه والعياذ بالله يقع في الشرك الأكبر، لأن الشرك هو صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، إذاً العمل لأجل الناس هو الشرك بالله، وترك العمل الصالح لأجل الناس رياء. فالإنسان عليه أن يكون دقيقاً في نظراته وليجمع بين متابعة السنة والإخلاص لله والحذر من دخول الشيطان، فإن هذا طريقٌ من طرق الشيطان ومدخلٌ من مداخله، فهكذا الإنسان عليه أن يروض نفسه على الإخلاص، وأن يجاهد نفسه في البعد عن الرياء. والطرق التي تضمن بتوفيق الله البعد من الرياء أولاً: الإقبال على الله، فإن العمل لأجل الله ترويض النفوس على العمل لله، فما أكثر الذين يعملون لغير الله، وما أكثر الذين يعملون للدنيا، وما أكثر الذين يعملون لمصالحهم ولشخصياتهم، ويدعون لأنفسهم ولأحزابهم وجماعتهم وما إلى ذلك، يجب أن نعمل لله، ويجب أن تكون كل أعمالنا لله ، ومحبتنا يجب أن تكون لله: ﴿ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليهما مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله﴾ لا تحب فلاناً لأجل منصبه، أو لأجل ثرائه، أو لأجل وجاهته، أو لأجل دنياه، أو لأجل نسبه ومكانته وشرفه، لا. بل تحبه لله، لأنه عبدٌ صالح؛ ولأنه مستقيم يعمل الطاعات ويبتعد عن المعاصي. ثانياً: البعد عن ثناء الناس ومحمدتهم، ولتجعل ثناء الناس وسيلة، تبعاً لا أصلاً، فإذا جمعت بين الإخلاص لله وجاءك من الناس مدحٌ وثناء، فهذا من عاجل بشرى المؤمن التي يبشر بها، فأنتم شهداء الله في أرضه، ولكن لا يؤثر هذا على إخلاصك إن لم يمدحك الناس فلن تخطب ولن تقول أو تتكلم أو تنفق أو تعمل أو تتعلم أو تدعو إلى الله، لا. فالميزان دقيق. كذلك الحذر الحذر من مصائد الشيطان، والإلحاح على الله بالدعاء أن يرزق الجميع الإخلاص، والبعد عن الشيطان ومداخله، لا بد أن ننتبه لهذه الأمور، الأخذ بعوامل الثبات على هذا الدين وتقوية الإيمان بالله ، والعمل للآخرة، ماذا يقول الله عن المؤمنين الأوائل، الذين يطعمون الطعام: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] الله أكبر! هذا هو منهج المؤمنين المخلصين، يعملون لله، ويعملون للآخرة. المرائي الذي وقع في الرياء، لو استشعر عظم شأن الرياء وخطورته، وأنه قد يحبط العمل والعياذ بالله، ما موقفه؟ لو قرأ حديث أبي هريرة في الثلاثة النفر الذين تسعر بهم النار يوم القيامة، ما تأثير ذلك على قلوبنا يا إخوتي في الله؟! إذاً: يجب أن تكون العلاجات للرياء منبثقة من الكتاب والسنة، بالإخلاص لله وترويض النفس على ذلك، بالبعد عن الشيطان، بالإقبال على الله والإلحاح عليه بالدعاء، والنظر في عواقب الأمور، والتبصر في الآخرة وما أمام الإنسان، والنظر في عواقب الرياء الوخيمة التي جاء بها الكتاب والسنة، والنظر في ثمرات الإخلاص اليانعة في الدنيا وفي الآخرة، نسأل الله أن يمنحنا وإياكم الإخلاص والمتابعة، وأن يعيذنا من الرياء والسمعة والمخالفة لسنة نبينا ﷺ إنه على كل شيء قدير.

стр. 776

أنواع الجهاد وأحكامه السؤال هذان سؤالان في موضوع واحد، الأول منهما: هل الجهاد في أفغانستان بالنفس واجب علينا؟ الثاني: هل يصح أن يقوم المسلم بالصدقات على الفقراء ومساعدة إخوانه المجاهدين في أفغانستان بمالٍ قد استلفه من شخصٍ آخر، لأن ماله قد نفد ولأنه يقوم بصرفه على أهله وعلى الفقراء والمجاهدين، لذلك يقوم بالاستلاف، وحيث أنه يطمع بالخير، بأن يساعد إخوانه المجاهدين لحاجتهم الماسة للمال، وهو يستطيع أن يسدد هذا المال من راتبه أو من رزق الله، هل تقبل صدقاته ومساعداته؟ الجواب أما الجهاد فلا ريب أنه ذروة سنام الإسلام وعلى المسلمين جميعاً أن يبذلوا في باب الجهاد في سبيل الله؛ ولكن ولله الحمد والمنة الجهاد بابه واسع، ونطاقه شاسع، الجهاد يشمل الجهاد بالنفس وبالمال وبالقول وباللسان وباليد وبالبيان وبالكلمة الطيبة، وبالخطبة المؤثرة، وبتعليم العلم، وبالدعوة إلى الله، وبتربية الأبناء، كل ذلك لون من ألوان الجهاد، ولهذا يقول ابن القيم ﵀: إن الجهاد من حيث هو فرض عينٍ على كل مسلم. أي: ينبغي أن يقدم كل مسلم لنفسه نوعاً من أنواع الجهاد، أن يجاهد نفسه أو يجاهد بالمال، أو باليد أو باللسان أو بالنفس، على حسب استطاعته، ونحن ولله الحمد والمنة تتاح لنا كل فرص الجهاد، لكن أين الذين يجاهدون اليوم بأموالهم؟! أين الذين يتبرعون لإخوانهم المجاهدين في أفغانستان وفي غيرها من بلاد المسلمين؟! هم ولله الحمد موجودون ولكنهم قلة. وهذا لا ينافي الإقبال ولله الحمد والمنة، أين الذي يجاهدون الآن بالدعوة إلى الله ؟! لا يخافون في الله لومة لائم، يبينون العقيدة، ويبينون العبادة والأخلاق، ويدعون الناس إلى هذا الدين ويحذرونهم من المنكرات والمعاصي، لا يكلّون ولا يملون ولا يسأمون، بل مخلصون محتسبون صابرون، أين هم؟ أين الذين يتعلمون العلم لله؟ وهو جهاد في سبيل الله، ويبذلونه للمسلمين، أين الذين يقومون بتربية أبنائهم، وهذا لونٌ من ألوان الجهاد في سبيل الله، فإذاً علينا أن يقدم كل واحدٍ منا ما يستطيعه من ألوان الجهاد، أما الجهاد بالنفس في أفغانستان فالعلماء ﵏ إنما يذكرون أن الجهاد في سبيل الله إنما يكون فرض عينٍ في حالات منها: إذا استنفر إمام المسلمين المسلمين للجهاد في سبيل الله، فهنا يجب على المسلمين جميعاً أن يذهبوا إلى ساحة الجهاد والقتال. الحال الثاني: إذا داهم العدو أرضاً من أراضي المسلمين فيجب على أصحاب هذه الأرض والبقعة أن يجاهدوا بأنفسهم، فالجهاد في سبيل الله في أفغانستان اليوم بالنفس سبقني إليه علماؤنا الأفاضل حفظهم الله ووفقنا وإياهم إلى أنه ليس فرض عين، وإنما هو فرض كفاية، ولكن الجهاد بالمال والجهاد بالدعوات الصادقة تكاد تكون فرض عين، بل هي فرض عين، وكل واحدٍ منا يقدم للجهاد في أفغانستان وفي غيره ما استطاع، لا سيما في هذا الزمن في هذه الأيام، بل في هذه الساعات، وهذه اللحظات، وصلتني تقارير وأخبار عن الوضع هناك، الوضع مأساوي جداً أعداء الإسلام من الملاحدة الشيوعيين الذين يريدون أن يستأصلوا عقيدة إخواننا، قد حشدوا جنودهم وبذلوا كافة إمكاناتهم للوقيعة بإخواننا، لا سيما وهذه الأيام تمر عليهم مناسبة مرور ثمانية أعوام، ودخول العام التاسع مما يجعل الأعداء يعدون لهذا اليوم عدته، ولكن ولله الحمد والمنة إخوانكم هناك صامدون صابرون محتسبون، لكن أين أنتم؟! وهم كما أخذت منهم، ليسوا بحاجة إلى الجهاد بالنفس، هم بحاجة إلى دعواتكم الصادقة، ووالله إن لها أكبر الأثر في نصرتهم وتقدمهم، أن يشعر الإنسان بشعور إخوانه المسلمين في هذه الأيام، لا سيما وفصل الشتاء عندهم هذه اللحظات، خمسة عشرة درجة تحت الصفر، ويحتاجون إلى البطانيات ليلتحفوا، وكم أناسٍ أصبحوا قوالب ثلجية، وأخبرت بأخبارٍ من ثقات، أن بيوتاً بأكملها تموت أسرها متجمدة ليس عندها ما يسد عورتها أو ما يساهم في رد شدة البرد عنها. أين الجهاد بالأموال؟! هم يريدون الآن ولو بطانيات، لكن ماذا قدم المسلمون؟ وبهذه المناسبة أدعو الجميع إلى مساعدة إخوانهم فإنهم بحاجة والله اليوم إلى أقل القليل، فلا يحقر كل واحد منكم ما يقدم ومن كان عنده رغبة في شراء بطانيات لإخوانه المسلمين فليجمعها في هذا المسجد، وليتصل الإخوة المسئولون في هذا المسجد بمكتب رابطة العالم الإسلامي في هذه المدينة والرقم موجود ليأخذوها وليحملوها ليسارعوا لإعطائها إخواننا هناك، خمسة عشر درجة تحت الصفر، نحن اليوم درجة الحرارة عشرين ومع هذا تجد كل واحد منا يلبس ما شاء الله من الثياب، فكيف بحال إخوانكم الذين هناك؟! لا يجدون ما يستر عوراتهم في فصل الشتاء البارد، ونحن نتقلب على البطانيات الوفيرة والفرش، حقيقة الحال يبكي، وهذا الاستطراد بسبب ما أثاره الأخ جزاه الله خيراً عن موضوع الجهاد، ولكن ينبغي الإخلاص، من يُنفق ينفق لله، لا ليقال منفق، وليس معنى هذا أن الإنسان يأتيه الشيطان فيقول: لا تنفق لأجل أن يراك الناس، فكما قلنا: ترك العمل لأجل الناس رياء، فاعمل الصالحات ولكن أخلص لله ، وأنفق يابن آدم يُنفق عليك؛ ولكن أنفق لله . حقيقة أنا أدعو إلى الوقوف يداً واحدة لا سيما هذه الأيام، الوضع خطير لا يسكت عليه، ولا يمكن أن يكون هناك إنسان يتحرك فيه شعور الإيمان، تتحرك فيه الغيرة ورابطة الأخوة في الله، ينام، يتذكر كل واحد منكم إذا وضع البطانية على وجهه وجسده. نسأل الله أن يقوم بنصرة إخواننا هناك إنه على كل شيء قدير.

стр. 777

الإخلاص لله الإخلاص شرط من شروط قبول الأعمال عند الله، وبه ينال الإنسان النجاة في الدنيا والآخرة. فهذا نداء لإعمار القلوب بالإخلاص وتجريد العمل لله .

стр. 778

أهمية الإخلاص في حياة المسلم الحمد لله أمر ألا نعبد إلا إياه، فله العبادة الخالصة، والقدرة النافذة، والحكمة البالغة، أحمده تعالى وأشكره على نعمه السابغة، وأشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً له الدين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أخشى الأمة لله وأتقاها وأخلصها له، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، ورضي الله عن صحابته الكرام، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، وأخلصوا له في الأقوال والأفعال، فإن الإخلاص لله أهم شرط في قبول العمل، فالعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله سبحانه، صواباً على وفق سنة رسول الله ﷺ ، قال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً. وقد دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] وقال جل وعلا: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣].

стр. 779

مدار الأعمال كلها على نية صاحبها أخرج البخاري ومسلم عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى الحديث﴾ فهذا الحديث العظيم قاعدة من قواعد الدين، وأصل من أصوله التي يدور الدين كله عليه، ومدار الأعمال كلها على نية صاحبها، والأمور بمقاصدها، وقد جاء هذا الحديث لتصحيح اتجاهات القلب، وضمان تجرده من الأهواء ولو كانت يسيرة، والنية هي: قصد العمل تقرباً إلى الله وطلباً لرضائه وثوابه، فيدخل في هذا نية العمل، ونية المعمول له، أما نية العمل من العبادات والمعاملات والعقود وغيرها، فإن النية داخلة فيها تميزها عن غيرها، وتميز بعضها عن بعض، وتحدد قصد صاحبها ومراده، فيجازى على حسب نيته، والله يعلم المفسد من المصلح قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٢٩]. وأما نية المعمول له، فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد ويذر، وفي كل ما يقول ويفعل، فيكون قصده في جميع أعماله رضا الله وطلب ثوابه من غير التفاف للخلق وتلمس رضاهم ورجاء نفعهم ومحمدتهم، بل يكون حريصاً على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده من الرياء والسمعة وقصد المحمدة عند الناس ورجاء ثنائهم ومدحهم.

стр. 780

أقوال السلف في الإخلاص إخوة الإسلام: إن الإخلاص لله دأب الصالحين، وسنة الأنبياء والمرسلين، فهذا أشرف الأمة وأفضلها وقدوتها ﵊ يأمره ربه بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١] إلى قوله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤] وقال بعض السلف: ملاك هذه الأعمال النيات، فإن الرجل يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله. وقال آخر: لا يزال العبد بخير إذا قال، قال لله، وإذا عمل، عمل لله. وعاتب بعضهم نفسه بقوله: يا نفس! أخلصي تتخلصي. وقال بضعهم: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا وجه الله تعالى. الله أكبر! ما أعظم شأن الإخلاص، وما أعز أهله! لا سيما في أزمنة طغت فيها الماديات، وغلب على أهلها المطامع والشهوات، ونظر فيها إلى السائرين في برد الإخلاص نظرة استهانة وازدراء.

стр. 781

النصر والرفعة من ثمرات الإخلاص أمة الإسلام: إن الأمم لا تبني أمجادها إلا على أكتاف المخلصين الذين لا يعرفون إلا الجد والنصح والمثابرة، ولا تشيد حضاراتها إلا بسواعد أهل النزاهة الصادقين الذين لا يعرفون دروب المرائين، ولا يسلكون مسالك المنافقين الذين يتفننون بذلاقة اللسان، والله أعلم بقلوبهم ومقاصدهم، ولا يصدع بنيان الأمة، ويقِّوم أركانها إلا الذين فقدوا الإخلاص لله، والتفاني في نهضة الأمة وتقدمها، وهيهات أن يخلص للأمة، أو يقدم لها نفعاً من لم يخلص لربها ودينها. إخوة الإسلام: إن الإسلام يرقب بعناية تامة ما يقارن أعمال الناس من نيات، وما يلابسها من مقاصد وإرادات. وقيمة العمل في الإسلام ترجع إلى نية صاحبه وقصده الذي تمخضت عنه، وإن صلاح النية، وسلامة السريرة، وإخلاص الفؤاد لله رب العالمين يرتفع بمنزلة العمل الدنيوي، فيجعله عبادة متقبلة، وإن فساد النية، وخبث الطوية يهبط بالأعمال الصالحة، فيجعلها معاصٍ خطيرة لا ينال المرء منها بعد التعب والنصب إلا الرد والخسارة. ألا فليعلم ذلك من أقفرت قلوبهم من الإخلاص، وفسدت ضمائرهم، وباعوا آخرتهم بدنياهم، وفتك الرياء بأعمالهم، وفتكت العلل القاتلة بأجسادهم الناحلة، وتتبعوا محامد الخلق ومنافعهم، وتلمسوا رضاهم وثناءهم؛ ليأكلوا من ورائهم، فصلاتهم وصدقاتهم، وتعلمهم ونفقاتهم، وسائر أعمالهم شابتها شوائب الرياء والسمعة، وسفت عليها سوافل المقاصد الدنيئة، وغلب عليها حزب الظهور والشرف والشهرة؛ وقد سبب ذلك الشقاء والرجوع بالأمة إلى الوراء، ولو كان الإخلاص رائد جميع العاملين، من علماء ومتعلمين، والنصح في الأعمال ديدن كل من ولي أمراً من أمور المسلمين، لما حصل تقصيرٌ في الأعمال، وتضييعٌ في الحقوق، ومماطلةٌ في أداء الواجبات، واتكاليةٌ في القيام بالمعاملات. فاتقوا الله عباد الله! والزموا الإخلاص لوجه الله تنالوا ثمراته المباركة من النصر والنجاة، والرفعة والهدى، والخير في الآخرة والأولى، وتنجو من الهزيمة والعذاب، والضلال والشقاء، والفضيحة في الدنيا والآخرة. اللهم ارزقنا الإخلاص لوجهك الكريم، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأفعالنا، وجميع تصرفاتنا، وأعذنا من النفاق والرياء المحبط للأعمال يا حي يا قيوم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 782

القلوب والأعمال موضع نظر الله الحمد لله يعلم السر وأخفى، وأشهد أن لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، ووطنوا أنفسكم على الإخلاص في كل شيء، وعودوها إرادة وجه الله، والاحتساب فيما تأتون وتذرون، وفيما تسرون وتعلنون، واعمروا قلوبكم بالإخلاص لله، وتجريد العمل له. روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾. فاتقوا الله عباد الله! وأخلصوا جميع أعمالكم لوجه الله، وصلوا وسلموا على المبعوث رحمةً للعالمين نبينا محمد كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم أصلح حال الأمة، اللهم أبرم لها أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم وفق المسلمين قاطبةً إلى تحكيم كتابك واتباع سنة نبيك يا رب العالمين. اللهم أصلح ولاة أمر المسلمين، اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، وارزقهم البطانة الصالحة يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 783

الاستجابة لله ولرسوله إن الحياة الحقيقية الطيبة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، وهي متباينة في الدرجات والمراتب، كل ذلك بحسب تمسك العبد وقربه من الله تعالى، فكلما ازداد تمسك العبد وخضوعه للكتاب والسنة تحكيماً وإذعاناً، وقبولاً وتسليماً؛ ارتقى في درجات الحياة الطيبة وذاق طعمها، فليحذر الإنسان من مخالفة شرع الله والإعراض عنه؛ فإنها الخسارة في الدنيا والآخرة.

стр. 784

الحياة الحقيقية في الاستجابة لله والرسول إن الحمد لله، نحمد الله ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن نزغات الشيطان واتباع الهوى، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، من يطع الله ورسوله؛ فقد رشد، ومن يعصي الله ورسوله؛ فقد غوى وضل ضلالاً مبيناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ومجتباه من خلقه، ومصطفاه من رسله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه والتزم سنته ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره؛ وفق لمعرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال، فكان ذلك سبب نصرته ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩]. وإن من لوازم تقوى الله أن يستجيب المسلم لأوامر الله ورسوله ﷺ ؛ كما أمر الله بذلك في محكم كتابه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]. قال الإمام ابن القيم ﵀: فتضمنت هذه الآية أموراً منها: أن الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، ومن لم تحصل له هذه الاستجابة، فلا حياة له، وإن كانت له حياةٌ بهيميةٌ مشتركةٌ بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابةً لدعوة الرسول ﷺ ، وإن كل ما دع إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزءٌ منه، فاته جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول. الله أكبر! إنه لا حياة حقيقية؛ إلا لمن استجاب لله ورسوله ﷺ ، ولا تحصل الاستجابة إلا بطاعة الله ورسوله، والوقوف عند حدود الله، ولزوم سنة رسول الله ﷺ ، والاحتكام إليها، والرضا بها، والتسليم المطلق بها ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 785

عاقبة الإعراض عن الله ورسوله عن أبي سعد بن المعلى ﵁، قال: ﴿كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ ، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]﴾ فإذا كانت إجابة أمر الرسول ﷺ واجبةً في حياته، فإن الاستجابة لسنته بعد وفاته واجبة، وتحرم مخالفتها، وتقديم شيء عليها، وقد رتب الله الوعيد الشديد، والانتقام الأكيد على المخالفين لها بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: أي: فليحذر وليخش من مخالفة شريعة الرسول باطناً وظاهراً، (أن تصيبهم فتنة) أي: في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة، (أو يصيبهم عذاب أليم) في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك. وقال الإمام أحمد ﵀: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إن رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. والفرق ما بين المؤمنين والمنافقين سرعة الاستجابة لله ورسوله، والمبادرة إلى امتثال أوامر الله ورسوله، والسمع والطاعة، والانقياد للحق إذا ظهر، يقول تعالى مبيناً صفات الفريقين في ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٤٧ - ٥٢]. أمة الإسلام: إذا كان تأخر الصحابي الجليل أبي سعد بن المعلى لحظات عن أمر الرسول ﷺ حين دعاه، وهو يصلي يعبد الله؛ سبَّب إنكار الرسول ﷺ عليه، لعدم مبادرته واستجابته لأمره، فكيف بحال كثير من الناس اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله! وقد آل الأمر بكثير من الناس إلى نبذ أوامر الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهره والعياذ بالله! ومن تأمل ما يعيشه فئام من البشر، وجد أن أقوالهم وأعمالهم وتصرفاتهم واعتقاداتهم تترجم ذلك وتفصح عنه جيداً. فاتقوا الله يا إخوة الإسلام! ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٧ - ٤٨].

стр. 786

فضل الاستجابة لله والرسول أمة الاستجابة لله ولرسوله: اعلموا أن من استجاب لله؛ استجاب الله له، يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال مبيناً نتيجة الفريقين: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد:١٨]. وما أشد ضرورة المسلمين في هذا الزمن إلى استجابة الله لهم! ولكن لما حصل الخلل في استجابتهم لله ورسوله، منعوا من إجابة الله لهم، ووكلوا إلى أنفسهم، ومن وكله الله إلى نفسه؛ وكله إلى ضعف وعجز وعورة، ولن تنكشف الغمة، وتصلح حال الأمة إلا بقيامها لله مثنى وفرادى، جماعات ودول، واستجابتها لسنة رسول الله ﷺ ، وحمايتها والغيرة عليها، والثأر لها، ونصرة المستمسكين بها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وارزقنا السير على سنة المصطفى الأمين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجرنا من العذاب الأليم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم إنه هو التواب الرحيم.

стр. 787

علامة التوفيق اتباع الشرع الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي مجمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة. أيها المسلمون! إن من علامة توفيق الله لعبده في هذه الحياة، أن يسير على وفق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ في أقواله وأفعاله وتصرفاته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢٢]. فاحذروا -رحمكم الله- التولي عن طاعة الله ورسوله، (وأنتم تسمعون)، أي: بعدما علمتم مادعاكم إليه، فإن هذا الصنف من الناس شر الخليقة عند الله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ [الأنفال:٢٢] أي: عن سماع الحق، (البكم): عن فهمه، (الذين لا يعقلون): عن الله ورسوله أمره ونهيه. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن يخافك ويتقيك، ويتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لاتباع كتابك، وللاستجابة لك ولرسولك ﷺ . اللهم وفقهم في كل مكان إلى ما تحب وترضى، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، اللهم أنزل عليهم نصرك المؤزر يا أرحم الراحمين! اللهم وفق المسلمين قاطبةً حكاماً ومحكومين، علماءً وعامةً، شباباً وشيباًَ، رجالاً ونساءً إلى التمسك بدينك يا رب العالمين! اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك وأيده بتأييدك، وأعل به دينك، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 788

الاستقامة إن أعظم النعم على الإطلاق هي نعمة الهداية لهذا الدين الإسلامي، فعلى المسلم وقد حباه الله بهذه النعمة أن يؤدي شكرها، وذلك بالاستقامة الجادة على هذا الدين، وأن يتبع القول العمل، والتفكير التطبيق، في جميع شئونه؛ عقيدة وعبادة، معاملة وسلوكاً، وأهم شيء في ذلك التزام عقيدة السلف رحمهم الله تعالى.

стр. 789

تميز المسلم عن سائر الخلق الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونسترحمه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بالاستجابة له ولرسوله ﷺ ، وألزمنا بالاستقامة على شريعته إلى أن نلقاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، وخيرته من رسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستقام على ملته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وبارك وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا إخوة الإسلام! اتقوا الله ﵎ ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. عباد الله: إن المسلم في هذه الدنيا صاحب رسالة عظيمة، وفي عنقه أمانة جسيمة تتمثل في تحقيق العبودية الخالصة لله ، والاستقامة على شريعته، وعدم الغفلة عنها طرفة عين، والمسلم -يا عباد الله- ليس كغيره من الخلق، كيف وقد أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة، ألا وهي نعمة الإسلام، وهداه إليها وقد ضل عنها أكثر الناس، وقد أنعم عليه بنعمة الإيجاد والتكوين، ونعمة الخلق في أحسن تقويم، ونعمة العقل والتفكير، ونعمٍ شتى لا يحصيها إلا الله، على حد قوله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨]. فعلى المسلم أن يستعين بهذه النعم على طاعة الله، ويصرفها في مرضاة الله، في عمره القليل ومقامه القصير في هذه الحياة العاجلة، ليعمر آخرته، التي هي دار القرار، وأما هذه الحياة فهي بلغة ومتاع، ودار ابتلاء وامتحانٍ للعباد ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ولم يخلقوا ليتمتعوا ويتلذذوا ويتفننوا في المآكل والمشارب، والمساكن والمراكب، ويركضوا ويلهثوا وراء هذه الدنيا الزائلة، وشهواتها الفانية، وبريقها الخادع، فتلك ليست حياة المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢].

стр. 790

فضل الاستقامة من الكتاب والسنة أمة الإسلام في كل مكان: لقد جاء ذكر الاستقامة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بأساليب متعددة، فتارة جاء الأمر بها صراحة بصيغة الأمر الطلبية كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] وكقوله تعالى آمراً عبده ورسوله محمداً ﷺ وأتباعه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢]. وأخرج الإمام مسلم ﵀ في صحيحه عن سفيان بن عبد الله ﵁، قال: ﴿قلت: يا رسول الله! قلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأله أحداً غيرك قال: قل: آمنت بالله ثم استقم﴾. وتارة وردت الاستقامة بذكر حال المستقيمين على شريعة الله، ومآلهم في الدنيا وعند الموت وبعده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٢٠ - ٣٢]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤].

стр. 791

حقيقة الاستقامة وفسرت الاستقامة -يا عباد الله- بأنها لزوم طاعة الله تعالى، فلا يسمَّى الإنسان مستقيماً ولا يستحق هذا الشرف العظيم، وهذا التكريم، إلا إذا كان ملازماً لطاعة الله في جميع شئونه، وفي كل حالاته، في عقيدته وعبادته ومعاملاته وأخلاقه، وفي سلوكه في بيته وسوقه، وفي بيعه وشرائه، وفي أقواله وأفعاله، وفي جميع حركاته وتصرفاته، مقتدياً بسلف هذه الأمة المستقيمين على هذه الشريعة، متأسياً بسيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. إخوة العقيدة، أينما كنتم وحيث ما حللتم: إن الاستقامة تعني أول ما تعني، الاستقامة على العقيدة الصحيحة، عقيدة السلف الصالح، عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا يستحق صفة الاستقامة من دنس هذه العقيدة أو شابها بشوائب الشرك، وشوائب البدع والخرافات، فأين الذين آثروا الشرك على الإيمان، والبدعة على السنة، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، في أمور العقائد والعبادات، والمعاملات والأخلاق؟ أين هم من الاستقامة؟! هل هؤلاء مستقيمون؟! شتان بين مشرقٍ ومغرب ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:٢١]. أين الذي استخفوا بشريعة الإسلام في مجالس التطبيق والتحكيم؟ أين هم من الاستقامة؟! أين الذين رضوا بالرذيلة بدل الفضيلة، واستمرؤا سفاسف الأخلاق، ومساوئ العادات، وقتلوا أوقاتهم بها، وأفنوا أعمارهم فيها؟! أين هم من الاستقامة على شريعة الإسلام التي جاءت بمكارم الأخلاق والشيم، ومحاسن الأمور وفضائل الأعمال؟! أين كثيرٌ من المنتسبين اليوم، الذين آثروا الحياة الدنيا، ونسوا الدار الأخرى، واشتغلوا بجمع الدرهم والدينار، وغرهم زخرف الحياة الدنيا، فلا يبالون بما يجمعون ولا بما ينفقون، يكذبون ويظلمون، يغتابون ويرابون، لا يعرفون لبيوت الله طريقاً، ولا لأحدٍ حقاً، بالله الجبار ﷻ يغترون، وعلى محارمه يجترئون، ولأهوائهم يتبعون، لا بموعظة يتعظون، ولا بمزدجرٍ يفيقون؟ نعوذ بالله من قسوة القلوب، وضعف الإيمان إنه نعم المعين. أين الأفواج الهائلة من شباب المسلمين اليوم، الهائمين على وجوههم، الحائرين في أمورهم، الذين اغتروا بصحتهم وفراغهم وغناهم، واشتغلوا بما لا يرضي الله ، من لهو القول والعمل، ومن الضلال والفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! هل هؤلاء مستقيمون؟! أين كثيرٌ من نساء المسلمين اليوم، اللاتي خُدعن بدعاة الفتنة والضلال، فآثرن الخروج من البيوت، والاختلاط بالأجانب، والتبرج والسفور على القرار والحياة، والعفاف والحكمة؟! أين هن من الاستقامة، واقتفاء آثار أمهات المؤمنين المسلمات، المؤمنات، القانتات، التائبات، العابدات، السائحات، ولسن المتبرجات، الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، الضالات المضلات كما هو الواقع اليوم؟ ! فاتقوا الله أيها المسلمون! استقيموا على شريعة الله ، وانتبهوا لأنفسكم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]. اللهم وفقنا لما يرضيك، وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وارزقنا الاستقامة فيها على شريعتك، والسير على صراطك المستقيم، اللهم أصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم، إنه يحب التوابين وهو الغفور الرحيم.

стр. 792

الاستقامة قول وعمل الحمد لله معز من استقام على نهجه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واستقيموا على شرعه، واسمعوا له وأطيعوا تفلحوا وتفوزوا ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]. عباد الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِير﴾ [الشورى:٤٧]. واعلموا -عباد الله- أن الاستقامة لا تحصل بمجرد القول والادعاء، وإنما لا بد فيها من العمل والتطبيق، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] فجمعوا بين القول والعمل، كما قال ﷺ -في الحديث الآنف الذكر-: ﴿قل: آمنت بالله ثم استقم﴾ فلم يكتفِ منه بمجرد القول، وإنما أمره بالاستقامة العملية، فوالله لم يستقم على شريعة الله إلا من جمع بين القول والعمل الصالح، والعقيدة الصحيحة، والالتزام الكامل بدين الله، وكلما قصَّر العبد بشيء من طاعة الله وأخل بجزءٍ من عبادته، وفرط بنوعٍ من الواجبات، كان ذلك قدحاً في استقامته، والناس في ذلك بين مقلٍ ومكثر، فانظر -يا عبد الله- من أيهما أنت. فاتقوا الله -عباد الله- واعمروا حياتكم القصيرة بطاعة الله فالعمر قصير، والموت يأتي بغتة وبعده الحساب، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، حاسبوا أنفسكم، وانظروا في أموركم وواقعكم هل أنتم مستقيمون على شريعة الله، في كل صغيرٍ وكبير، وجليل عندكم وحقير حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا في ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع الجماعة، وصلوا وسلموا على أفضل نبيٍ وأعظم هادٍ يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ٠ اللهم صل وسلم وبارك على إمامنا ونبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، وعن أمهات المؤمنين، اللهم اغفر لمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واقمع المفسدين والمبتدعين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم إمامتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم استعمل علينا وعلى جميع المسلمين خيارهم يا أرحم الرحمين! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين! اللهم دمِّر أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين، وجميع أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم أعزه بالإسلام، اللهم انصره بالإسلام، اللهم اجعله خير نصيرٍ لك، واجعله هادياً مهدياً يا رب العالمين. الله وفق ولاة المسلمين جميعاً للعمل بما يرضيك، اللهم حبِّب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وأغث بلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 793

الاعتبار بتعاقب الزمان لقد جعل الله تعالى للإنسان وقتاً محدداً وعمراً معدوداً، وأمره أن يستغل أوقات عمره بعبادته . وإن في انقضاء الأيام، ومرور الأعوام، عبرة للإنسان بأن هذه الدار فانية، وأنها سريعة الانقضاء، وقريبة الزوال. فعلى المسلم أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان، وأن يحذر التسويف!

стр. 794

الحكمة من خلق الإنسان الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل في تعاقب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، أحمده تعالى على نعمه الغزار، وأشكره على فضله المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه الأخيار، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فإنها الذخيرة التي تنفع صاحبها، والتجارة التي تربح طالبها، وهي حلة العز والكرامة، ولباس السعادة والنصر والسيادة. إخوة الإسلام: إن الله جل وعلا بقدرته الباهرة وحكمته البالغة خلق الخلق في هذه الحياة، واستعمرهم في هذه الأرض، وقد أخبر عن سر هذا الخلق وحكمته، بقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالإنسان في هذه الحياة الفانية، لم يخلق عبثاً، ولم يترك سداً، ولا يدري متى يأتيه الأجل؛ فلا ينفعه حين ذاك إلا صالح العمل، فجدير بالكيس الفطن الذي عرف حكمة خلق الله له في هذا الكون، أن يتزود من الأعمال الصالحة، ويستعد لما بعد الموت، ويأخذ العبرة من مرور الليالي والأيام، وتصرم الشهور والأعوام، على فناء هذا العالم، وسرعة زوال هذه الدار، وقصر مدتها، فيحفِّزه ذلك إلى العمل الذي يقربه لمولاه، ويحذِّره من الاغترار بدنياه، فيخسر دنياه وآخرته ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥].

стр. 795

أخذ العبرة من انصرام الأعوام أمة الإسلام! تودع الأمة الإسلامية بل يودع العالم بأسره هذه الأيام، عاماً هجرياً كاملاً، مضى بأحداثه ووقائعه، وخيره وشره، مضى من أعمار بني آدم ولن يعود إلى يوم القيامة، ذهب كما ذهب غيره، وتلك سُنَّة الله في كونه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، مع حركات الأفلاك الدائرة، والآيات السائرة، والعبد يعيش في هذا الميدان الذي أعد للسباق الطويل، الذي لا يتقدم فيه إلا من عرف ربه، وذكر حقه، وشكر نعمه، ومن يجعل من فواصل السنين تواصل دأبٍ وعملٍ ونصب؛ لإحراز الراحة الكبرى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]. ومن يذهل عن هذه المعاني السامية، ويهيم وراء منافعه العاجلة، ولذاته الفانية فلا يعتبر ولا يتعظ بمرور الأيام والأعوام، فتلك أمارة الخسران، وعلامة الحرمان، عياذاً بالله. وقد كان السلف الصالح ﵏، يجعلون من مرور الأيام والسنين، مدكراً ومزدجراً، فكانوا يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس، وقال بعضهم: كيف يفرح من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟! كيف يفرح من عمره يقوده إلى أجله، وحياته تقوده إلى موته؟ وقال أبو الدرداء ﵁: [[إنما أنت أيام كلَّما مضى منك يومٌ مضى بعضك]]، ومن أقوال الحسن ﵀: [[ما من يومٍ ينشق فجره، إلا نادى منادٍ من قبل الحق: يابن آدم! أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيّ بعملٍ صالح؛ فإني لا أعود إلى يوم القيامة]].

стр. 796

استغلال الأوقات والأعمار في الطاعات وعدم التسويف اتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن الليل والنهار مطيتان، فأحكموا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغترنَّ أحدكم بحلم الله ، والأيام خزائن الأعمال، والعبد بين مخافتين: بين آجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه، وبين عاجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، وإنه لمن فضل الله ودلائل توفيقه للعبد أن يلهمه استغلال كل ساعة من عمره في العمل الصالح، ويوفقه لأخذ الدروس والعبر والبصائر من تصرم الشهور والأعوام، وفقد الأهل والإخوان. فكم ودعنا في هذا العام من أخٍ أو خليل أو قريب! وكم نقل إلى المقابر من عزيزٍ أو محبٍ أو نسيبٍ! وأحدنا لا يدري هل يتم هذا العام الجديد، أو لا يدركه، فالموت الذي تخطانا إليهم سيتخطى غيرنا إلينا، فاعتبروا يا أولي الأبصار. أيها المسلمون: لا بد من وقفة صادقة مع مرور هذا العام، واستقبال العام الجديد، لا بد من وقفة حازمة مع النفوس؛ لمحاسبتها ماذا قدمت لغدها، ماذا قدمت لدينها وعقيدتها ومجتمعها المسلم، هل حملت راية العقيدة، ورسالة الإسلام، وعملت بها ودعت إليها وجاهدت في سبيلها؟ وهل ستظل أحوال المسلمين كما هي عليه في السنوات الماضية؛ ضعفٌ في الإيمان، وقسوة في القلوب، وتفرق في الكلمة، واختلال في الصف، ونزاعٌ بين الإخوة، وأحقاد وأطماع، لا يستقيد منها إلا أعداء الإسلام، الذين لا يزيدهم مرور الأعوام إلا قوة وفتوة؟! إننا مع كل هذا، لنتفاءل كثيراً بدخول هذا العام، ومستقبل الأعوام فالنصر للإسلام وأهله، وذلك وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، وأملنا في الله كبير، أن يكون هذا العام عام خيرٍ وعزة وتضامن للمسلمين، بعد أن أصبح تضامنهم ضد أعدائهم مطلباً ضرورياً، وأمراً حتمياً، وعام استقامة وصلاح، لشئون المسلمين وأحوالهم، ويقضة رشيدة، لقادتهم وعلمائهم، وشبابهم ونسائهم، الله حسبنا ونعم الوكيل، وهو مولانا، فنعم المولى ونعم النصير. اللهم اجعل خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائك، واجعل مستقبل أيامنا خيراً من ماضيها، وقابل أعوامنا خيراً من سالفها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 797

محاسبة النفس على ما مضى الحمد لله الذي حكم بزوال هذه الدار، وأمر بأخذ العدة لدار القرار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المختار، صَلَّى اللهُ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الأبرار. أما بعد: فاتقوا الله -يا عباد الله- واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وحاسبوا أنفسكم عند وداع عامكم، وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحاً، ومن كان منكم أحسن فيما مضى من أيامه، فليحمد الله على ذلك، ويستمر عليه إلى الممات، ومن كان مفرطاً في شيءٍ من الواجبات، أو مرتكباً لشيء من المحرمات فليتب إلى ربه، ويندم على فعله، ويقلع عن معصيته، ويعزم على ألا يعود إليها في مستقبل أيامه وأعوامه. ألا فصلوا وسلموا على من ربه حتى أتاه اليقين نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين. اللهم آمنا في ديننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم هداة مهتدين يا رب العالمين! اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم للتمسك بدينك القويم، واتباع سنة نبيك ﷺ . اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. اللهم اجعل عامنا الجديد عام نصرٍ وعزة للمسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، وعام ذلٍ وهوانٍ وخذلانٍ لأعدائك أعداء الدين، يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أعلى وأعز وأجل وأكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 798

الامتثال لأمر الله أوجب الله جل وعلا طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وتوعد المعرضين عن الشرع بالفتنة أو العذاب الأليم، وبيّن ما جرى للأمم السابقة من تدمير وإهلاك جزاء إعراضهم وتكذيبهم الرسل. ولقد ضرب لنا الصحابة ﵃، أروع الأمثلة في سرعة الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله، فحري بالمسلم المتبع أن يحذو حذوهم ويقتفي أثرهم.

стр. 799

لزوم طاعة الله ورسوله الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كتب الرحمة والسعادة لمن أطاعه واتقاه، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واستقام على شريعته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله -تعالى- ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعلموا -رحمكم الله- أن الله ﵎ أوجب طاعته وطاعة رسوله ﷺ على كل إنسان، وفي كل زمانٍ ومكان، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله ﵊، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢١].

стр. 800

خطر الإعراض عن أمر الله ولقد رتب الله على الطاعة السعادة والفلاح والفوز في الدارين ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] كما رتب على المعصية، من العقوبات الدنيوية والأخروية، ما لا يُعد ولا يحصى، ولا يحد ولا يستقصى، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ويقول عز من قائل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. أي: فليحذر وليخشى من خالف شريعة الرسول ﷺ باطناً وظاهراً أن تصيبهم فتنةٌ في قلوبهم، من كفرٍ أو فسقٍ أو نفاق أو بدعة، أو يصيبهم عذابٌ أليم في الدنيا وفي الآخرة، قال الإمام أحمد ﵀، في تفسير هذه الآية: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك"، لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيءٌ من الزيغ فيهلك. وأعظم عقوبةً تصيب من خالف أمر الله وأمر رسوله، وأصر على المعاصي والمنكرات، أن يحال بينه وبين الإيمان الصحيح، وبينه وبين العقيدة السليمة، والطريق المستقيم، ويبتلى بزيغ القلب، وتلبيس الشيطان وأعوانه، فيرى سوء عمله حسناً وقبيحه صحيحاً، ولا يزال على ذلك مستمرئاً إياه، متعصباً له، مجادلاً فيه، مدافعاً عنه، حتى يموت عليه، ويبتلى بسوء الخاتمة -عياذاًَ بالله من شديد غضبه، وأليم عقابه- قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]. أما العقوبات المالية والبدنية لمن خالف شرعية الله، وسنة رسوله، وقد أخبر الله عنها في كتابه، مما جرى للأمم المكذبة لرسله، قال تعالى: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].

стр. 801

مبادرة الصحابة لامثتال أمر الله عباد الله! اتقوا الله وبادروا بامتثال أوامر الله ورسوله، أسوةً بصحابة رسول الله ﷺ ، الذين كانوا يسارعون إلى امتثال الأوامر حينما يسمعونها ولا يؤخرون ذلك. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [[إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأصغِ لها سمعك، فإنه خير تأمر به، أو شرٌ تنهى عنه]] ولما نزل قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] امتثل الصحابة للأمر، فتوجهوا قبل الكعبة وهم في الصلاة، ولما نزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] بادر نساء الأنصار فشققن مروطهن، فاعتجرن بها امتثالاً لأمر الله ورسوله. ولما نزلت آية تحريم الخمر، التي ختمها الله بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] قال الصحابة ﵃: انتهينا انتهينا حتى رمى الإناء من رفعه إلى فيه، وأهرقها الصحابة حتى قيل: إنها جرت في سكك المدينة والحوادث والوقائع في الامتثال والمبادرة من هذا الجيل المثالي كثيرةٌ جداً.

стр. 802

حال المسلمين مع أوامر الله فأين نحن أيها المسلمون؟! أين نحن من أوامر الله ورسوله؟! لقد وصل الأمر بكثيرٍ من الناس، أن اتخذ أوامر الله ورسوله وراءه ظهرياً، فكثيراً ما تبلغنا أوامر الله ورسوله بطرقٍ متعددة، ووسائل متنوعة، ولكن أين الامتثال وأين أثرها فينا؟! هل غيّرنا من واقعنا؟! هل عدّلنا من سلوكنا؟! وهل اتجهنا إلى العمل الصالح وتزودنا من الطاعات؟! إن الكثير منا بعكس ذلك، باقٍ على غيه، منساقٌ مع شهواته، مطاوعٌ لنفسه وهواه، تمر عليه الأوامر الإلهية، والسنن النبوية، فلا يرفع بها رأساً، ولا يحرك حولها ساكناً، وكأنها لا تعنيه، هذا هو واقع الكثير منا، رجالاً ونساءً، شباباً وشيباً -إلا من رحم الله- حتى جرَّ هذا الواقع المؤلم، تفشي الجهل بدين الله بين المسلمين أنفسهم، وفقدان الغيرة على دين الله، وانتشار العقائد والأعمال المخالفة لشرع الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وحتى عمَّ التهاون بالصلاة، وألفه كثيرٌ من مرضى القلوب، وانتشر الكسب الحرام، كأنما هو من الطيبات، وأصبح الفساد والمنكر على اختلاف وسائله، وتعدد طرقه، أمراً مباحاً، مستساغاً عند كثيرٍ من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٤ - ٢٥]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وتاب عليّ وعليكم إنه هو التواب الرحيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم؛ إنه هو التواب الرحيم.

стр. 803

نبذ الأهواء المخالفة للشرع الحمد الله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واتبعوا شرعه ولا تعصوه. عباد الله! إن الواجب على المسلم عندما يسمع أمر الله وأمر رسوله، عليه أن يبادر بالامتثال، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. أي: لا يحل لمن يؤمن بالله أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن ينقاد لقضاء الله وأمره، وإن كان مخالفاً لهواه، كما لا يجوز له إذا استبانت له سنة رسول الله ﷺ أن يدعها أو يخالفها ولو كان هواه على خلافها، لأن في قضاء الله وسنة رسوله ﷺ الخير العاجل والآجل، ومخالفة أمر الله ورسوله توجب الفتنة والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. واعلموا -عباد الله- أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على من بعثه الله رحمةً للعالمين، وشرَّفه على الأولين والآخرين محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه. اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، اللهم انصرهم ووفقهم وأعنهم وسددهم يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك ﷺ على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين، اللهم انصره وأعزه بالإسلام، يا رب العالمين! اللهم اجعله خير ناصرٍ لهذا الدين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 804

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رتب المولى جلّ وعلا الخيرية لهذه الأمة على الإيمان به، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإن مما يميز المؤمنين عن المنافقين هو قيامهم بهذه الفريضة، فالواجب على الناس جميعاً القيام بهذه الشعيرة الجليلة، وكلاً بحسب استطاعته وإلا فإن عذاب الله سيعم الصالحين والطالحين.

стр. 805

خيرية الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله الذي شرف هذه الأمة؛ فجعلها خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، أحمده تعالى وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، كتب الخيرية والفلاح لدعاة الخير والإصلاح، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله حامل لواء الدعوة والجهاد والكفاح، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على نهجه، وترسموا خطاه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم نلقاه. أما بعد: أيها المسلمون: إن الإيمان بالله ، والدعوة إليه، والنصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، وإشاعة الخير والفضيلة بين الناس، ومحاربة الشر والرذيلة والفساد واستئصاله من المجتمع من أبرز سمات هذه الأمة، أمة محمد ﷺ ، التي فاقت بها سائر الأمم، يقول الله جلَّ وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. لذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القطب الأعظم في هذا الدين، والمهمة الكبرى للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل قد عدَّه بضع أهل العلم ركناً سادساً من أركان الإسلام، كل ذلك لما يشتمل عليه من الفضل العظيم، والخير العميم، والفوائد والمصالح العاجلة والآجلة، ولما يترتب على تركه من استشراء الباطل وانتشار الفساد، وغلبة المعاصي وهيمنتها، وهي الجالبة لسخط الله، المنذرة بمقت الله وعاجل عقوبته على الأفراد والأمم.

стр. 806

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة الإيمان أمة الإسلام: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الإيمان، وإن تركه علامة النفاق: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٧١] وهما من أعظم أسباب النصر على الأعداء والتمكين في الأرض، قال عز من قائل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١] وهما طوق النجاة وسربال الحياة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. وبالجملة فهما من أفضل الأعمال، وآكد الفرائض، وأوجب الواجبات، وألزم الحقوق، وقد جاء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بما يؤيد ذلك، يقول أصدق القائلين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وروى مسلمٌ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ وفي رواية: ﴿وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل﴾. وروى الترمذي وغيره عن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم﴾. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتقِ الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض -ثم قال-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم﴾ رواه أبو داود والترمذي وهو حديثٌ حسن. إخوة العقيدة: أرأيتم لو أن فرداً أصيب بمرضٍ عضال في جزءٍ من جسمه فأهمله، أوليس يستشري المرض في جسده كله، فيتعسر علاجه ويتعذر شفاؤه، كذلكم المنكر -يا عباد الله- إذا ظهر وتُرك فلم يغير، فإنه لا يلبث أن يألفه الناس ويستمرئوه، وعندئذٍ يصبح من العسير تغييره وإزالته، فتعم المنكرات، وتنتشر الفواحش، وتغرق سفينة الأمة. وقد ضرب رسول الله ﷺ مثالاً مثالياً على ذلك بقوله ﵊: ﴿مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً﴾ رواه البخاري.

стр. 807

المقصود بالمعروف والمنكر أيها الإخوة في الله: المعروف الذي جاء الشرع بالأمر به: اسمٌ يجمع كل ما أمر الله به ورسوله، من العقائد والأقوال والأفعال، كالإيمان وشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة ونحوها. والمنكر: ما أنكره الله ورسوله، وأقبح ذلك وأعظمه منكرات العقائد، والأمور المبتدعة في الدين، وكبائر الذنوب، وسائر المعاصي.

стр. 808

مسئولية الأمر بالمعروف عامة على كل مسلم أمة الإسلام: يا خير أمة أخرجت للناس! إن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقصوراً على أحدٍ بعينه من الأشخاص أو الهيئات، ولكنه واجب كل مسلم وكل على قدر استطاعته، وبحسب منزلته ومكانته، بيد أن على أهل الحل والعقد من الدعاة والعلماء، والوجهاء والمختصين ما ليس على غيرهم، فالأب مسئولٌ عن أسرته وأهله وأولاده، والمعلم في مجاله، والموظف في دائرته، والتاجر في سوقه، وهكذا كل على ثغرة من ثغور الإسلام: ﴿وكلٌ راعٍ ومسئولٌ عن رعيته﴾. بل المسلم الحق حيثما حل وقع أفاد ونفع؛ لأنه عضوٌ في جسد هذه الأمة، له مكانته وعليه واجباته، وهو مطالب بالتفاعل مع مجتمعه، والألم لألمه، والنشاط في محيطه، نشراً للخير والصلاح ودرءاً للشر والفساد. فلنتق الله يا عباد الله! وليكن كل واحدٍ هنا هيئة بذاته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنتعاون في تحقيق هذا المبدأ العظيم، ولنكن يداً واحدة على من يريد خرق سفينة أمتنا بالشر والفساد، رائدنا في ذلك الإخلاص، والحكمة والشفقة، والرفق والأناة والرحمة؛ فتلك أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من يتصدَّى لهذا الأمر العظيم، فهم دعاة خيرٍ ورحمة، وحرصٍ وشفقة، وغيرة على دين الله القويم، وخوفٍ على إخوانهم المسلمين، ومن كان بهذا المثابة، فأولى أن يساند ويعاضد، ويشجع، ويآزر ويكرم مادياً ومعنوياً. يا خير أمةٍ أخرجت للناس: إنه إذا أفلت زمام هذا الأمر وطوي بساطه، وقّلَّ أنصاره وأخفقت رايته، وأهمل علمه وعمله، فشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وفسدت البلاد، وهلك العباد، وإن الناظر فيما أصاب المجتمعات المعاصرة من تفاقم المحرمات، وانتشار المنكرات، مما تعجز عن وصفه الكلمات، ويترجم عنه الحال في كثيرٍ من الجوانب العقدية والشرعية؛ والأخلاقية والفكرية، مما ذهبت معه الغيرة، وهتكت من أجله الأعراض، وانتشرت الأفكار الهدَّامة، والمبادئ المنحرفة، وتطاول فيه الفساق من الرجال والشباب والنساء، ليتساءل: أين الغيرة الإسلامية؟! وأين الحمية الدينية؟! بل أين النزعة الإنسانية، والشهامة العربية، والرجولة الأصلية؟! هل نزعت من القلوب، واضمحلت من النفوس؟!

стр. 809

سوء العاقبة بانتشار الفساد إنه إذا كثر الخبث وانتشر الفساد ولم يُغيَّر، عمَّ العذاب الصالح والطالح، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أوحى الله إلى جبريل أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: يا رب! إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين! قال: به فابدأ فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط﴾. وعن أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ قالت: ﴿قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث﴾ متفقٌ عليه، ومع ذلك كله فلا يزال ولله الحمد والمنة في أرض الله من هو قائمٌ لله بحجته، وصادعٌ بدعوته، ولا نيأس من روح الله، بل نتفاءل خيراً إن شاء الله، ولكن الأمر بحاجة إلى المزيد من الجهود الإسلامية المتظافرة؛ لتحقيق هذا المبدأ العظيم ونشره في بلاد المسلمين، ليعم الخير وينتشر، ويتوارى الباطل ويندحر، وما ذلك على الله بعزيز. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وبسنة سيد المرسلين، وهدانا صراطه المستقيم، وتاب علينا أجمعين، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 810

شدة غيرة الرسول ﷺ على دين الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا بما أوجب الله عليكم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقد عرفتم منزلته ومكانته في هذا الدين، والأدلة عليه والوعيد الشديد على من تركه وأهمله، وأدركتم ما وصل إليه الحال، وبان لكم أسباب ذلك ونتائجه الوخيمة، ووقفتم على وصفة من علاج ذلك الأمر، وصفات من يقوم به، فلم يبقَ إلا العمل الجاد المخلص، المبني على أسسٍ سليمة وقواعد محكمة حكيمة، وترك التواني والتواكل والتلائم وإلقاء التبعة على الآخرين، فلو قام كلٌ منا بواجبه، وعرف دوره ورسالته، وتعاون مع إخوانه، لم يجد الباطل سبيلاً، ولم يلق الفساد رواجاً، ولكنها سنة الله في خلقه، لينظر من يجد ويعمل ممن يترك الحبل على الغارب ويهمل. ولكم في رسول الله ﷺ القدوة الحسنة، فقد كان أشد الناس غيرة على دين الله، وحرصاً على تبليغ رسالة الله، وغضباً إذا انتهكت حرمات الله. ألا فصلوا وسلموا عليه صلاة متبعٍ له مقتدٍ به، مهتدٍ بهديه، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلَّ وسلم على نبينا عبدك ورسولك محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
следующие страницы →