← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علامة الإيمان أمة الإسلام: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الإيمان، وإن تركه علامة النفاق: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٦٧] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:٧١] وهما من أعظم أسباب النصر على الأعداء والتمكين في الأرض، قال عز من قائل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١] وهما طوق النجاة وسربال الحياة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. وبالجملة فهما من أفضل الأعمال، وآكد الفرائض، وأوجب الواجبات، وألزم الحقوق، وقد جاء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بما يؤيد ذلك، يقول أصدق القائلين: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وروى مسلمٌ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ وفي رواية: ﴿وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل﴾. وروى الترمذي وغيره عن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم﴾. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتقِ الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض -ثم قال-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربنَّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم﴾ رواه أبو داود والترمذي وهو حديثٌ حسن. إخوة العقيدة: أرأيتم لو أن فرداً أصيب بمرضٍ عضال في جزءٍ من جسمه فأهمله، أوليس يستشري المرض في جسده كله، فيتعسر علاجه ويتعذر شفاؤه، كذلكم المنكر -يا عباد الله- إذا ظهر وتُرك فلم يغير، فإنه لا يلبث أن يألفه الناس ويستمرئوه، وعندئذٍ يصبح من العسير تغييره وإزالته، فتعم المنكرات، وتنتشر الفواحش، وتغرق سفينة الأمة. وقد ضرب رسول الله ﷺ مثالاً مثالياً على ذلك بقوله ﵊: ﴿مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً﴾ رواه البخاري.

стр. 807

المقصود بالمعروف والمنكر أيها الإخوة في الله: المعروف الذي جاء الشرع بالأمر به: اسمٌ يجمع كل ما أمر الله به ورسوله، من العقائد والأقوال والأفعال، كالإيمان وشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة ونحوها. والمنكر: ما أنكره الله ورسوله، وأقبح ذلك وأعظمه منكرات العقائد، والأمور المبتدعة في الدين، وكبائر الذنوب، وسائر المعاصي.

стр. 808

مسئولية الأمر بالمعروف عامة على كل مسلم أمة الإسلام: يا خير أمة أخرجت للناس! إن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مقصوراً على أحدٍ بعينه من الأشخاص أو الهيئات، ولكنه واجب كل مسلم وكل على قدر استطاعته، وبحسب منزلته ومكانته، بيد أن على أهل الحل والعقد من الدعاة والعلماء، والوجهاء والمختصين ما ليس على غيرهم، فالأب مسئولٌ عن أسرته وأهله وأولاده، والمعلم في مجاله، والموظف في دائرته، والتاجر في سوقه، وهكذا كل على ثغرة من ثغور الإسلام: ﴿وكلٌ راعٍ ومسئولٌ عن رعيته﴾. بل المسلم الحق حيثما حل وقع أفاد ونفع؛ لأنه عضوٌ في جسد هذه الأمة، له مكانته وعليه واجباته، وهو مطالب بالتفاعل مع مجتمعه، والألم لألمه، والنشاط في محيطه، نشراً للخير والصلاح ودرءاً للشر والفساد. فلنتق الله يا عباد الله! وليكن كل واحدٍ هنا هيئة بذاته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنتعاون في تحقيق هذا المبدأ العظيم، ولنكن يداً واحدة على من يريد خرق سفينة أمتنا بالشر والفساد، رائدنا في ذلك الإخلاص، والحكمة والشفقة، والرفق والأناة والرحمة؛ فتلك أبرز الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من يتصدَّى لهذا الأمر العظيم، فهم دعاة خيرٍ ورحمة، وحرصٍ وشفقة، وغيرة على دين الله القويم، وخوفٍ على إخوانهم المسلمين، ومن كان بهذا المثابة، فأولى أن يساند ويعاضد، ويشجع، ويآزر ويكرم مادياً ومعنوياً. يا خير أمةٍ أخرجت للناس: إنه إذا أفلت زمام هذا الأمر وطوي بساطه، وقّلَّ أنصاره وأخفقت رايته، وأهمل علمه وعمله، فشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وفسدت البلاد، وهلك العباد، وإن الناظر فيما أصاب المجتمعات المعاصرة من تفاقم المحرمات، وانتشار المنكرات، مما تعجز عن وصفه الكلمات، ويترجم عنه الحال في كثيرٍ من الجوانب العقدية والشرعية؛ والأخلاقية والفكرية، مما ذهبت معه الغيرة، وهتكت من أجله الأعراض، وانتشرت الأفكار الهدَّامة، والمبادئ المنحرفة، وتطاول فيه الفساق من الرجال والشباب والنساء، ليتساءل: أين الغيرة الإسلامية؟! وأين الحمية الدينية؟! بل أين النزعة الإنسانية، والشهامة العربية، والرجولة الأصلية؟! هل نزعت من القلوب، واضمحلت من النفوس؟!

стр. 809

سوء العاقبة بانتشار الفساد إنه إذا كثر الخبث وانتشر الفساد ولم يُغيَّر، عمَّ العذاب الصالح والطالح، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أوحى الله إلى جبريل أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها قال: يا رب! إن فيهم عبدك فلاناً لم يعصك طرفة عين! قال: به فابدأ فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط﴾. وعن أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ قالت: ﴿قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث﴾ متفقٌ عليه، ومع ذلك كله فلا يزال ولله الحمد والمنة في أرض الله من هو قائمٌ لله بحجته، وصادعٌ بدعوته، ولا نيأس من روح الله، بل نتفاءل خيراً إن شاء الله، ولكن الأمر بحاجة إلى المزيد من الجهود الإسلامية المتظافرة؛ لتحقيق هذا المبدأ العظيم ونشره في بلاد المسلمين، ليعم الخير وينتشر، ويتوارى الباطل ويندحر، وما ذلك على الله بعزيز. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وبسنة سيد المرسلين، وهدانا صراطه المستقيم، وتاب علينا أجمعين، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 810

شدة غيرة الرسول ﷺ على دين الله الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وقوموا بما أوجب الله عليكم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقد عرفتم منزلته ومكانته في هذا الدين، والأدلة عليه والوعيد الشديد على من تركه وأهمله، وأدركتم ما وصل إليه الحال، وبان لكم أسباب ذلك ونتائجه الوخيمة، ووقفتم على وصفة من علاج ذلك الأمر، وصفات من يقوم به، فلم يبقَ إلا العمل الجاد المخلص، المبني على أسسٍ سليمة وقواعد محكمة حكيمة، وترك التواني والتواكل والتلائم وإلقاء التبعة على الآخرين، فلو قام كلٌ منا بواجبه، وعرف دوره ورسالته، وتعاون مع إخوانه، لم يجد الباطل سبيلاً، ولم يلق الفساد رواجاً، ولكنها سنة الله في خلقه، لينظر من يجد ويعمل ممن يترك الحبل على الغارب ويهمل. ولكم في رسول الله ﷺ القدوة الحسنة، فقد كان أشد الناس غيرة على دين الله، وحرصاً على تبليغ رسالة الله، وغضباً إذا انتهكت حرمات الله. ألا فصلوا وسلموا عليه صلاة متبعٍ له مقتدٍ به، مهتدٍ بهديه، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلَّ وسلم على نبينا عبدك ورسولك محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 811

الإيمان أركان وشعب الإيمان سلاح قوي لا يعرفه إلا من ذاق حلاوته، وهو قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكما أن للإيمان أركان وأصول فله أيضاً شعب وأجزاء. كل ذلك تجد مضمونه خلال هذه الأسطر والكلمات.

стр. 812

حقيقة الإيمان الحمد لله، يمن على من يشاء من عباده بهدايته للإيمان، أحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والإحسان، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله المؤيد بالنصر والبرهان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الموصوفين بقوة الإيمان، والتابعين ومن تبعهم بخيرٍ وإحسان إلى يوم القيام للملك الديان. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله ربكم حق التقوى، وآمنوا به حق الإيمان، تسلموا من الشقاء والخسران. عباد الله: في غمرة مشاغل الحياة ودوامة الأعمال الدنيوية، وزوابع الأفكار المناهضة للإسلام، المصادمة لأساس الملة، ولبعد كثيرٍ من الناس عن دوحة الإيمان الوارفة، وشجرته الباسقة، وذبول كثيرٍ من المشاعر والأحاسيس تجاه الأصل الذي ينتمي إليه كل مسلم، كان التنبيه على أهم واجب على المكلفين أمراً متعيناً، يجدد العهد به، ويذكي الشعور بأهميته، ويذكر الغافلين عنه، فما أجملها من لحظات مباركة، نعيش من خلالها مع الإيمان، نتفيأ وارف ظلاله، ونقتطف يانع ثماره، ونشم عاطر شذاه، ونرتوي من نميره العذب، وننهل من معينه الزلال، نورده تعريفاً وأهمية، أركاناً وشعباً، واجباً وواقعاً، لنربط الحاضر بالماضي، ونتذكر أقوى سلاحٍ وأمضى قوة، ليعرف أهل الإسلام وهم في مسيرتهم الإسلامية مواطن الضعف من نفوسهم، ويعقد العزم على التمسك بالثوابت والأصول والأسس، التي جاء بها دينهم، مع الأخذ بعوامل التطور والحضارة والإرتقاء. أمة الإيمان: إن المفهوم الحقيقي للإيمان يتلخص في التصديق واليقين بالله، واستحقاقه للعبادة دون سواه، وأن له الكمال المطلق، فلا يعتريه نقصٌ بوجهٍ من الوجوه، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فالإيمان: قولٌ باللسان واعتقادٌ بالجنان وعملٌ بالجوارح والأركان، هو الإيمان بالأصول الستة المعروفة، وما يتفرع عنها من كل ما يجب على المسلم اعتقاده في حق الله سبحانه، ومن الأمور الغيبية، ومن جميع ما ورد في الكتاب والسنة، فليس الإيمان مجرد التصديق القلبي، ولا الكلام اللفظي، دون عملٍ وتطبيق، فالأعمال هي دليل الإيمان، إذ ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولا بالدعوى والتسمي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالذين يزعمون أن مجرد التصديق كاف في الإيمان، أو مجرد التسمي والتلفظ دون عمل، كاذبون في إيمانهم، مخادعون لأنفسهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩]. كما أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].

стр. 813

بيان الإيمان وأصوله من الكتاب والسنة إخوة الإسلام: لقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة في بيان الإيمان وأصوله، يقول تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ويقول سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦]. وأما السنة فقد جاء فيها الحديث المشهور، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عمر ﵁: ﴿أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فقال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره﴾.

стр. 814

أركان الإيمان وهذه الأركان كلٌ لا يتجزأ، وسلسلة مترابطة الحلقات، فمن كذب بشيءٍ منها، أو أنكره فقد عرض نفسه لوعيد الله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].

стр. 815

الإيمان بالله والملائكة أيها الإخوة في الله: إن الإيمان الصحيح بالله يقتضي العلم بمدلول هذا الأصل العظيم، والعمل بمقتضاه إثباتاً ونفياً، أما الإيمان بملائكة الله فيتضمن الإيمان بهم جملةً وتفصيلاً، فيعتقد المسلم بأن لله ملائكةً خلقهم لطاعته، وهم كما وصفهم سبحانه: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧]. وهم أصنافٌ كثيرة لكل منهم عملٌ موكل به، ونؤمن على سبيل التفصيل بمن سمى الله ورسوله منهم، كجبريل وميكائيل وغيرهما ﵈.

стр. 816

الإيمان بالكتب والرسل وكذلك الإيمان بالكتب والرسل إجمالاً وتفصيلاً، فنؤمن بأن لله كتباً ورسلاً، ونؤمن بمن سمى الله على سبيل التفصيل، فمن الكتب: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ومن الرسل: نوحٌ وهودٌ وصالحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم عليهم وعلى نبينا محمدٍ أفضل الصلاة والسلام. وأهم مقتضيات الإيمان بكتب الله ورسله، وخاصةًً القرآن المنزل على نبينا المصطفى الأمين ﷺ ، الوقوف عند ما جاء به الكتاب والسنة، ولزوم المنهج الذي رسماه، والصراط الذي بيناه، فعلاً للأوامر واجتناباً للنواهي. أما الذين يدعون التصديق بالقرآن والإيمان بالرسول ﷺ وهم يخالفون سنته، ويجهلون سيرته، ويرتكبون ما نهى القرآن والسنة عنه، وقد يحدثون في شرع الله ما لم يأذن به الله، ويزيدون فيه ما لم يشرعه رسول الله، فهؤلاء بحاجةٍ إلى تجديد إيمانهم، وتصحيح منهجهم، إن أرادوا سلوك طريق الإيمان الموصل إلى جنة الله ورضوانه.

стр. 817

الإيمان باليوم الآخر إخوة الإيمان: وخامس أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر: ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ ، مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وما يكون يوم القيامة من الأهوال والشدائد، وما في الآخرة من الصراط والميزان والحوض والجنة والنار، ونحو ذلك، فيجب الإيمان بذلك إيماناً حقيقياً يورث العمل لهذا اليوم العصيب، وينمي الزهد في الدنيا، ويحذر من الاغترار بها، كما يدفع إلى الاستعداد بالعمل الصالح لظلمة القبر وأهوال يوم القيامة، والأخذ بأسباب دخول الجنة، والبعد عن الطرق الموصلة إلى عذاب الله وناره.

стр. 818

الإيمان بالقدر خيره وشره أما الإيمان بالقدر: فيتضمن الإيمان بأمورٍ أربعة: أولها وثانيها: علم الله سبحانه بكل شيء، وكتابته لما قدره وقضاه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]. الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. الرابع: خلقه سبحانه لجميع الموجودات، فلا خالق غيره ولا رب سواه، والإيمان بالقدر يقتضي التسليم بأمر الله، والرضى بقدره، والصبر على ذلك ابتغاء ثواب الله. هذا مجمل الإيمان بالله وأصوله.

стр. 819

شعب الإيمان وكما أن للإيمان أركاناً وأصولاً، فله شعبٌ وأجزاء، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الإيمان بضعُ وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبةٌ من الإيمان﴾ متفق عليه. وكل امتثال لأوامر الله واجتناب لنواهيه في العقيدة والعبادة والخلق والمعاملة والسلوك والآداب، ونحو ذلك، يعد من شعب الإيمان المقربة إلى الله سبحانه، ونصيب العبد من الإيمان، بقدر نصيبه منها قلة وكثرة، قوةً وضعفاً، تكميلاً ونقصاً.

стр. 820

نماذج إيمانية أمة الإيمان: بهذا المفهوم الحيوي الشامل للإيمان التزم الرعيل الأول، وبتطبيقه حصلت لهم العزة والسيادة والقوة والنصر والمجد والسعادة، وكم في تاريخهم الحافل بالأمجاد من أمثلةٍ وشواهد على قوة الإيمان، ويأتي في مقدمة الشواهد إيمانُ قدوتنا ونبينا محمد ﷺ ، وخلفائه الراشدين، وصحابته الأكرمين. وما إيمان خبيب وبلال ومصعب وآل ياسر إلا سببٌ وراء ثباتهم على ما لاقوه من الشدائد، وما عدل عمر بن عبد العزيز، وثبات الإمام أحمد يوم المحنة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم من الأعلام إلا دليلٌ على ما يصنعه الإيمان من العجائب، إذا خالطت بشاشته القلوب، الله المستعان! أين نحن من هؤلاء؟!

стр. 821

تحقيق الإيمان ما أجدرنا -معشر المؤمنين- أن نحقق الإيمان الصحيح، ونحن في زمن ضَعُف فيه الإيمان، وكثرت الصوارف عنه، وبذل دعاة الكفر والإلحاد جهودهم لإبعاد المسلمين عن مصدر عزهم، وسبب سعادتهم وحضارتهم ألا وهو الإيمان، حتى ذابت عند كثيرٍ من المسلمين، وفي كثيرٍ من مجتمعاتهم شخصيتهم الإيمانية، وما مظاهر الانحراف والمعاصي إلا شواهد على ذلك، فحذار -يا أمة الإيمان- من التفريط في هذا الأمر العظيم، لنفكر في حالنا، ولنحاسب أنفسنا، من منا حقق الإيمان الصحيح؟! ومن منا التزم بصفات أهله؟! والله لن يعود للمسلمين ما كانوا عليه، ويحققوا ما يصبون إليه إلا بالتربية السليمة للأنفس والأسر والأبناء والمجتمع على ضوء الإيمان الصحيح، وتلك مهمة كل مسلم، على حسب القدرة والمكانة، فلا تمكين في الأرض، ولا حياة آمنة إلا بالإيمان، ولا نصر ولا قوة ولا تضامن إلا به، وتلك حقيقةٌ يجب أن يعيها المسلمون اليوم، ويعملوا على ضوئها ويسيروا على هداها، ليحسن لهم عز الدنيا وسعادة الآخرة. اللهم إنا نسألك الإيمان، والعفو عما سلف وكان، من الذنوب والعصيان، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 822

الإيمان بالله والعمل الصالح الأعمال الصالحة في ديننا عظيمة وكثيرة، والأجر عليها عظيم وجليل وكثير، والعمل الصالح سبب للفوز والنجاح والنعيم في الدنيا والآخرة. وقد حثنا الله على الأعمال الصالحة بأمور ذكرها في كتابه الكريم، وهناك أيضاً بعض الذنوب التي أصيبت بها الأمة بسبب ترك العمل الصالح.

стр. 823

العمل الصالح سبب النعيم في الدنيا والآخرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وصفوته من رسله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ورضي الله عن الخلفاء الراشدين، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا إخوة الإسلام: ويا أتباع محمد ﷺ خير الأنام! اتقوا لله تعالى بعمل الصالحات واجتناب المحرمات، واعلموا -رحمكم الله- أن الحياة الطيبة الآمنة والعيشة الراضية السعيدة لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح، قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. وما يحصل من بلاء وخوف ورعب وإخلال بأمن الأمة وأفرادها إنما مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه، وتلك سنة الله ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]. أيها المسلمون: إن الأعمال الصالحة هي حصيلة العبد التي يخرج بها من هذه الدنيا، وعليها يترتب مصيره في الآخرة. أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يتبع الميت ثلاثة: أهله، وعمله، وماله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله﴾ يرجع الأهل والأقربون، والأصحاب والبنون، وترجع الأموال الطائلة، والقصور الواسعة، والمراكب الفارهة، والمناظر الفاخرة، وقد تكون وبالاً على أصحابها، ويبقى مع العبد في الحفرة الضيقة واحد ولا شيء غيره، ذلك هو العمل الصالح. فالعمل -يا عباد الله- هو صاحب الإنسان في قبره، يُنَعَّم به إن كان صالحاً، ويُعَذَّب به إن كان غير ذلك. وقد ورد في الحديث عن البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أن العمل الصالح يأتي صاحبَه في القبر بصورة رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فيقول الميت: من أنتَ فوجهك الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. وأما العمل السيئ: فيأتي صاحبه في القبر بصورة رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعَد، فيقول: من أنت فوجهك الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فأين الناس اليوم عن هذه العبر؟! إن المتأمل في واقع كثيرٍ من المسلمين يعود جريح الفؤاد، حزين النفس؛ لما يرى من تفاقم الأعمال السيئة، وانتشارها في مجتمعات المسلمين، فهذه ضروب الإشراك بالله، والبدع في الدين، وهذه كبائر الذنوب والمعاصي تُرتَكب ممن ينتسبون إلى الإسلام: كالقتل، والزنا، والربا، والسرقات، والظلم، والمسكرات، والمخدرات، وإضاعة الجُمَع والجماعات، والعكوف على المُلهيات والمغريات، وكذلك التبرج والسفور، وقلة الحياء، وإبداء الزينة، والاختلاط، كل هذا موجود بين المسلمين والمسلمات.

стр. 824

أمور حثنا الله بها على العمل الصالح اتقوا الله -يا أمة الإسلام- واعملوا صالحاً، فقد نَدَبَكم ربكم ﵎ إلى العمل الصالح بأساليب متعددة: فتارة: بالأمر الصريح به. وأخرى: بذكر مصير أهله في الآخرة وحالهم في الدنيا. وتارة: بتعليق الجزاء به، قال تعالى: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]. وتارة: يخبرنا باطِّلاعه على أعمالنا، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]. وأخرى: يخبرنا أنه وكَّل بنا حَفَظَة يكتبون أعمالنا. وتارة: يخبرنا أننا قادمون عليه، فنجد ما عملناه يوم القيامة ونراه ونقرؤه. وتارة: يخبرنا بأن الإنسان يعمل لنفسه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] إلى غير ذلك من الأساليب المتناثرة في القرآن المجيد، وهي جلية لمن تدبر كتاب الله. فعليكم -عباد الله- بالتزود من الأعمال الصالحة ما دمتم في زمن الإمهال، واحذروا ما يعوقكم عن الأعمال الصالحة، كالنفس الأمارة بالسوء، والشيطان الرجيم، وأعوانه من الجن والإنس، وأهوائهم وشبهاتهم وأمانيهم، والدنيا الدنية وشهواتها. عباد الله: توبوا إلى ربكم توبة نصوحاً، وداوموا على الأعمال الصالحة التي عملتموها في شهر رمضان، وإياكم والإعراض بعد الإقبال، والغفلة بعد الطاعة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأجرنا من العذاب الأليم, وثبِّتنا على الصراط المستقيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 825

الحج من أعظم الأعمال الصالحة الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا عباد الله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. إخوة الإسلام: إن من نعم الله عليكم أن والى أوقات الفضائل ومواسم الخير والرحمة؛ لتكون فرصة للطائعين؛ ليتزودوا من الأعمال الصالحة، وللمذنبين؛ ليتوبوا إلى ربهم، ويعودوا إلى رشدهم. إنه لما انقضى شهر رمضان المبارك دخلت أشهر الحج إلى بيت الله الحرام، ذلك الركن العظيم من أركان الدين، من أتى به على الوجه الشرعي رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فالحمد لله الذي هيأ لعباده هذا الفضل العظيم ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. فالسعيد -يا عباد الله- مَن وُفِّق لاغتنامها بطاعة الله، والشقي من ضيعها بالغفلة والإعراض عن الله. ألا وصلوا على خير البرية، وهادي البشرية محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه. وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم احفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، اللهم احفظ علينا إيماننا وأمننا، يا رب العالمين. اللهم وفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم اجعل ولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم ألف بين قلوبهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر. اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك يا رب العالمين، اللهم هيئ له البطانة الصالحة، اللهم هيئ له البطانة الصالحة، يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم أرنا بأعدائك عجائب قدرتك، يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم أصلح شباب المسلمين ونساءهم، اللهم أصلح قادتهم وعلماءهم، يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 826

الإيمان بالله رتب الله تعالى على الإيمان والعمل الصالح حصول سعادة الدارين، والإيمان الراسخ في القلب هو الذي يثمر عملاً صالحاً وقولاً سديداً، فليس الإيمان بالادعاء ولكن ما حمل الإنسان على فعل المأمور وترك المحظور، وهذا هو الذي تحلى به السلف الصالح فكان لهم من العزة والنصر والفتح والتمكين ما سطره التاريخ وشهد به العدو قبل الصديق.

стр. 827

صلاح الدارين بالإيمان والعمل الصالح إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره، ونؤمن به ولا نكفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن نزغات الشياطين، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، من يطع ورسوله؛ فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله؛ فقد غوى وضل ضلالاً بعيداً. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، والتزم شريعته، وترسم خطاه إلى يوم الدين. أما بعد: أوصيكم -أيها المسلمون- بتقوى الله، فإن خير ما أوصى به المسلم أخاه المسلم أن يحضه على الآخرة، ويأمره بتقوى الله، فإن تقوى الله -يا عباد الله- عون صدقٍ على ما تبغون من أمور الآخرة. أيها المسلمون في هذه البقعة الطاهرة: أمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها! لقد أمركم الله ﵎ بالإيمان به وتوحيده، والكفر بما سواه، ورتَّب على الإيمان والعمل الصالح سعادة الدارين، وحصول الحسنيين، قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. كما رتَّب على العصيان وتعدي حدود الله الشقاء، والعذاب والضلال في العاجل والآجل، قال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].

стр. 828

حقيقة الإيمان النافع إخوة العقيدة والإيمان! إن الإيمان عقيدةٌ راسخةٌ في القلب، تنتج قولاً سديداً، وعملاً صالحاً، فهو قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وعملٌ بالجوارح والأركان، فليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولا بالادعاء والتسمي، ولكن ما وقر في القلب ورسخ فيه، وصدقته الأعمال بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، إنه التصديق بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦]. وأخرج الإمام مسلم عن عمر ﵁ حديث جبريل ﵇، حينما جاء إلى الرسول ﷺ في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها، قال له: ﴿أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره﴾. أيها المسلمون! إن الإيمان الصادق المنبعث من القلب يدعو إلى كل خير، ويُحذِّر من كل شر، يدعو إلى عمل الطاعات واجتناب المنكرات، يدعو إلى حب الله ورسوله، والإخلاص في توحيد الله، واتباع رسوله ﷺ ، يدعو إلى لزوم صراط الله المستقيم، وهدي رسوله ﷺ ، ونبذ البدع والمحدثات التي استحسنها من لا خلاق لهم. والإيمان الصادق يدعو إلى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله، والجهاد في سبيل الله، يدعو إلى الجد والمثابرة والمصابرة، وحبس النفس على ما تكره من طاعة الله، ومنعها عما تحب من معصية الله، ولو كان الإيمان ألفاظاً تردد بالألسنة، بدون وعيٍ لها وصدقٍ فيها، إذاً لادعى كل أحدٍ الإيمان، ولكان المنافقون -الذين هم في الدرك الأسفل من النار- مؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] وقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].

стр. 829

إيمان السلف سطَّر التاريخ نتائجه ولهذا أمر الله المؤمنين -وهم مؤمنون بالله- بالإيمان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] ويوم كان المسلمون متمسكين بدينهم وعقيدتهم، وقد صدقوا في إيمانهم قولاً وعملاً، حصل لهم ما حصل مما سطره التاريخ الإسلامي وشهد به العدو قبل الصديق من عزة وفتح، ونصر وقوة، ويوم تخلى كثير من المسلمين عن الصدق في الإيمان واكتفوا منه بالاسم، وضعف الإيمان في نفوسهم؛ تفرقت كلمتهم، وتحكمت فيهم أهواؤهم، وسلط عليهم أعداؤهم، وانتشرت بينهم الفتن والمنكرات، وكثر دعاة الضلال، والتبس الحق بالباطل، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فكل بلاء وفتنة، وكل مشكلة ومعضلة إنما سببها فقد الإيمان، أو ضعفه من المنتسبين إليه، وما أصيب المسلمون اليوم بأشد مما أصيبوا به من قسوة القلوب، وضعف الإيمان، وانخداعهم بأنفسهم إلا حين اكتفوا من الإيمان باسمه. إنَّ من فكر في حياة المسلمين اليوم، وتأمل واقعهم اليوم، وجد كثيرين منهم مسلمين بلا إسلام، ومؤمنين بلا إيمان، إلا أن يشاء الله. فاتقوا الله -عباد الله- وعودوا إلى دينكم، واصدقوا في إيمانكم، فإنه والله لا سعادة ترتجى، ولا خير يبتغى، ولا عز يرتضى إلا بالإيمان الصادق بالله ، الذي تنعكس آثاره على أهله، وبغير ذلك فالخسارة كل الخسارة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 830

علامات أهل الإيمان وصفاتهم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه، واعلموا أن للإيمان علامات، ولأهله صفات، فاتصفوا بصفات المؤمنين لتحصلوا على ثواب أهل الإيمان، وكتاب الله مليء بذكر أوصاف المؤمنين لمن تأمله وتدبره، أذكر منها على سبيل المثال لتقارنوا بينها وبين حالكم اليوم، فتحكمون على أنفسكم هل أنتم منهم، أم مقصرون في واجبكم؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٣ - ٤]. وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:١ - ٦] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٨ - ١١]. وقال تعالى فيهم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢]. هذه جملة من صفات المؤمنين، فبالله عليكم -أيها المسلمون- من منا بهذه المثابة؟! ومن منا حقق هذه الصفات أو بعضها؟! من منا إذا ذُكر الله وجل قلبه خوفاً من الله وتعظيماً له؟! من منا إذا تليت عليه آيات الله، زادته إيماناً واستبشر بها؟! من منا قام بتحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه، وعدم التعلق بالمخلوقين؟! من منا أقام الصلاة على الوجه المطلوب؟! من منا قام بالإنفاق في سبيل الله مما رزقه الله؟! من منا قام بهذه الصفات؟! الكل مقصر، والكل غير قائم بما يجب عليه من حقوق الله، أو حقوق عباد الله، فلا حول ولا قوة إلا بالله! أسأل الله تعالى أن يوقظ المسلمين من سنتهم. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم ارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ علينا عقيدتنا، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، اللهم من أراد بنا وأراد بعقيدتنا سوءاً، فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره، اللهم عليك به عاجلاً غير آجل يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا وولي عهده، وسائر ولاة أمورنا وعلمائنا لما يرضيك، وجنبهم أسباب سخطك ومعاصيك، اللهم وفقهم لنصرة الحق وأهله، ودحر الباطل وأهله يا رب العالمين! اللهم منَّ على المسلمين جميعاًً بصلاح أحوالهم يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 831

البيت العتيق ووفود الرحمن الحج فريضة من أعظم فرائض الدين، شرع الله فيها عبادات جليلة، ومناسك عظيمة، وجعل فيها مرامي سامية، وحكم كثيرة، ومن أجَلِّ تلك المقاصد ترسيخ العقيدة والتوحيد في النفوس؛ بإفراد التوجه لله تعالى. وكذا يأخذ المسلم في ظل هذه الفريضة ترك الاعتداد بالفوارق، كاللغات والألوان، والأجناس والبلدان فبه تجتمع المشاعر وتتوحد الصفوف؛ فهو طريق إلى التضامن والتكاتف.

стр. 832

مرامي الحج السامية الحمد لله الملك القدوس السلام، أحمده تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فرض على عباده حج بيته الحرام، ورتب على ذلك جزيل الأجر والإنعام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأنام، وخير من صلى وزكى وحج وصام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا إخوة الإسلام: ويا حجاج بيت الله الحرام! اتقوا الله جل وعلا، واشكروه على ما هداكم للإسلام، وشرع لكم من مواسم الرحمة والغفران. عباد الله: في هذه الأيام المباركة، تشرئب الأعناق وترنوا الأبصار، وتنجذب القلوب، وتتجه الأنظار، وتهوي الأفئدة وتطلع النفوس المسلمة إلى هذه البقاع الشريفة، التي هيأها الله لعباده، واختارها لتكون عرصاتها محلاً للمناسك، فهذه قوافل الحجيج، وطلائع وفود الله، أتت من كل فج عميق، أتوا عبر القارات والبحار، وقطعوا الفيافي والأجواء والقفار، ليشهدوا منافع لهم، يدفعهم الإيمان وتقودهم الرغبة، ويحدوهم الشوق، ويحفزهم الأمل فيما عند الله جل وعلا، استجابة لأمر الله سبحانه على لسان خليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٦] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] ومصداقاً لقول المصطفى ﷺ : ﴿من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه﴾ أخرجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾. فهنيئاً لكم -يا حجاج بيت الله الحرام- سلامتكم ووصولكم، وتيسر قدومكم، وحصول مأمولكم.

стр. 833

الحج وترسيخ التوحيد إخوة الإسلام حجاج بيت الله الحرام: الحج عبادة من أعظم العبادات، له من الشروط والأركان والواجبات ما يجب على كل من أم هذا البيت أن يعلمه ويعمل به؛ ليقبل حجه عند الله سبحانه، كما أن له من المقاصد والمنافع والحكم والآداب ما ينبغي لكل حاج أن يستشعره؛ ليحصل له بر الحج، ويعود بشيء من منافعه وآثاره. فأهم المقاصد والغايات، وأعظم الحكم والواجبات في ذلك، أن يكون الحج منطلقاً لإعلان التوحيد الخالص لله، فلا أنداد ولا شركاء، ولا شفعاء ولا نظراء، (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وأن يكون مرتكزاً لتجديد دعوة إبراهيم ﵇، وسنة محمد ﷺ ، ودعوة إلى الحنيفية السمحة، التي لا تعلق لها إلا بالله وحده، استسلاماً لله، وانقياداً لعقيدة التوحيد، وإذعاناً لطاعة الله ورسوله ﷺ ، وبراءة من كل مبدأ يخالف نهج الكتاب والسنة، ومن كل عقيدة لم يكن عليها سلف هذه الأمة. أمة الإسلام: ضيوف الرحمن! وفود الملك العلام: إن القاعدة التي تبنى عليها العبادات، والأصل الذي ترتكز عليه الأعمال، وبدونه تكون هباءً منثوراً هو أساس هذا الدين، تحقيق التوحيد لله رب العالمين، وإن محادة الله بإشراك غيره معه، أظلم الظلم وأضل الضلال، فيجب على كل مسلم يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه، ويحب نجاته يوم العرض على الله، أن يعلق آماله بالله وحده، وينبذ كل من سواه كائناً من كان، فلا بد من وقفة حازمة مع النفوس. أيها الحجاج! ألم تقرءوا آيات الحج الواردة في كتاب الله ، وتتأملوا أعمال الحج من الطواف والسعي والتلبية والرمي وما إلى ذلك؟ إنها تؤصل في النفوس المسلمة هذا الأساس العظيم، كلها تدور حول إفراد الله بالعبادة، والتحذير من الإشراك به، اقرءوا إن شئتم قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] وقوله : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١] وقوله جل وعلا: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا الآيات﴾ [الحج:٣٤]. فهي دعوة من الله سبحانه، ودعوة رسله عليهم الصلاة والسلام، ثم دعوة كل مؤمن وموحد أن تستلهم صحة العقيدة، وسلامة التوحيد، وإخلاص الدين لله من هذه الآيات الكريمة، وهذه العبادة العظيمة، وإن توجه العبد الضعيف إلى غير الله في سؤال أو دعاء أو ذبح أو توسل أو استغاثة، أو ادعاء أن أحداً من دون الله يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، أو يشفع من دون الله، لهو من مصادمة الفطرة، ومخالفة الملة، ومجانبة العقيدة والسنة: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤] ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. إخوة الإيمان! إن في الحج ولاءً خالصاً لله، وانقياداً تاماً لدين الله، لا مجال فيه لدعوة غير الله، وإعلان ولاءات لغير الله، ورفع هُتافات وشعارات مخالفةٍ لشرع الله، وعمل تجمعات وتظاهراتٍ تخرج بالحج عما شرع الله، وسن رسول الله ﷺ .

стр. 834

الحج ودروس الوحدة والتضامن يا أمة محمد ﵊! إن على الأمة الإسلامية -وهي على أبواب هذا الموسم العظيم- أن تعمل بجد وصدق للخروج من المحن والمصائب التي ابتليت بها، فطالما بكى الباكون، وتحدث الغيورون عن الأحوال المزرية التي يمر بها عالمنا الإسلامي. أما آن لنا معشر المسلمين، أن نأخذ من هذا التجمع الإسلامي العظيم الدروس والعبر في الوحدة والتضامن، والبعد عن الفرقة والتشاحن، وهو يجمع المسلمين وإن بعدت الديار، ونأت الأقطار، وتباينت الألسن واللغات، واختلفت الألوان والجهات، يجمعهم على دين واحد، ومنهج واحد، في مكان واحد وزمان واحد، وهدف واحد، لتكون الانطلاقة لحل مشكلات الأمة المتأزمة، مهانةً وضعفاً، فرقةً واختلافاً، من هذا المكان المبارك، مهبط الوحي ومنبع الرسالة، الذي انطلقت منه عقيدة التوحيد ودعوة الإسلام، ورسالة الخير والسلام، لتعم جميع الأصقاع والأنام، وبذلك تتحقق أكبر منافع الحج بأذن الله، وإنها والله رسالة عظيمة، وأمانة جسيمة، في عنق كل حاج، يمثل لبنة في هذا المجتمع الإسلامي الكبير، فيشاطره آماله وآلامه، ويشاركه أفراحه وأتراحه. ألا ما أمس حاجة الأمة الإسلامية اليوم، وهي تواجه أعتى التحديات وأبشع المؤامرات، ما أحوجها وهي تتوجه هذه الأيام نحو محورها الذي يجمعها، وتلتف حول راية واحدة، وقبلة واحدة، تتلاشى في ظلها فوارق اللغة والألوان، والأجناس والبلدان، في وحدة تجمع الشعائر والمشاعر، وتربي القلوب والقوالب، ما أحوجها أن تستلهم الحكم والآثار، من هذه الفريضة العظيمة، وتستيقن يقيناً لا يعتريه شك ولا مراء، بأنه لا يلم الشمل ويجمع القلوب، ويوحد الصف والدروب، إلا الاجتماع على راية واحدة لا ثاني لها، هي راية الإسلام على ضوء الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة ﵏. فلواحد كن واحد في واحد أعني سبيل الحق والإيمان أمة الإسلام: إنه لا بد من إعداد العدد، وتنسيق الخطط، وتوحيد المناهج، والعمل لكل ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، تحقيقاً لكلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة عليها، وإن واجب القادة والعلماء، والدعاة والزعماء، والمعنيين بقضايا التربية والتعليم، من حملة الأقلام ورجال الإعلام، والمهتمين بالفكر والرأي والإصلاح في ذلك عظيم وكبير.

стр. 835

نداءات لحجاج بيت الله الحرام يا حجاج بيت الحرام! يا من تجشمتم الصعاب، وركبتم المشاق تريدون ما عند الله! اعقدوا العزم على الأخذ بمنافع هذه الفريضة العظيمة، التي تعجز مؤتمرات الدنيا واجتماعاتها ولقاءاتها، أن تحقق ولو شيئاً يسيراً من منافعها أو تقاربها في أهميتها ومكانتها، زماناً ومكاناً، فوائد وآثاراً؛ لأنها لله وفي الله وفي سبيل الله. فالحذر الحذر من استغلالها لترويج شعارات، أو توزيع منشورات تخالف شرع الله، أو إقحامها في مهاترات سياسية، أو شعارات جاهلية، والله بين حرمه وبين من أراده بسوء: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. والويل كل الويل لمن استغله لأعمال التلصص والسرقة والإجرام، وترويج المسكرات والمخدرات، أو غير ذلك مما يعمد إليه بعض ذوي النفوس الضعيفة، والقلوب المريضة، والهمم الدنيئة. يا حجاج بيت الله: حققوا العقيدة الصحيحة، وأخلصوا التوحيد لله، واحذروا الشركيات والبدع والخرافات، والشعارات المخالفة للإسلام، فماذا يغني التمسح بالجدران والستور؟! وماذا يجدي التعلق بالتراب وبالصخور؟! جددوا التوبة إلى الله من ذنوبكم.

стр. 836

الحج وتذكر مآسي المسلمين تذكروا -عباد الله- وأنتم تعيشون في الحرمين الشريفين حرسهما الله أن لهما أخاً ثالثاً يستصرخكم، بعدما طال أسره في أيدي شرذمة صهيونية، وحفنة يهودية، من شذاذ الآفاق وحثالة العالم، ذلكم هو المسجد الأقصى المبارك، أقر الله الأعين بفك أسره، وأثلج الصدور بتعجيل تحريره. تذكروا -يا حجاج بيت الله- وأنتم تعيشون الأمن والآمان والراحة والاطمئنان، مآسي إخوانكم المسلمين في العقيدة، في بقاع شتى من العالم، حيث يعيشون حياة القتل والتشريد والخوف والتنكيد. ما هي حال إخوانكم في الأرض المباركة فلسطين؟ ما هي أخبارهم في بورما وكشمير؟ ما هي أوضاعهم في الصومال وغيرها من بقاع متفرقة من العالم؟ بل ما هي أحوال إخوانكم في العقيدة في إقليم كوسوفا المسلمة هذه الأيام؟ حيثُ يعيشون مأساة بشعة على يد الصرب الظالمين، فلا تنسوهم من دعواتكم، وما تجود به أنفسكم، أصلح الله أحوال المسلمين في كل مكان بمنه ورحمته وهو أرحم الراحمين.

стр. 837

حقوق وواجبات الحجيج أيها الإخوة الحجاج! ألا إن لكم علينا حقاً، وعليكم واجباً، فحقكم علينا إكرامكم وتقديركم، والسعي في كل ما من شأنه أداء مناسككم بكل يسر وسهولة، كما هو حاصل بحمد الله، ويخطأ من يستغل الحجيج بغلاء فاحش في الأسعار والمآكل والمشارب والمساكن، أو يسيء الأدب معهم، أو يعرضهم للأذى بصورة أو بأخرى، أو ينظر إليهم نظرات مادية صِرْفَة، وتلك تصرفات النشاز لا تحمل على أهل هذا البلد المسلم الكريم المضياف. ألا إن واجبكم التقيد بالفرائض الشرعية، والأنظمة المرعية، والاشتغال بحجكم، وعدم إقحام أنفسكم في أمور لا تعنيكم، والله يتولى الجميع بعنايته ورعايته ومنه وكلاءته. تقبل الله منكم يا حجاج بيت الله الحرام، وأعانكم على إتمام مناسككم، وأعادكم إلى بلادكم سالمين غانمين، والله نسأل أن يجعل حجكم مقبولاً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراًً، أعوذ الله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧] بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 838

صون الحج عن النواقض والنواقص الحمد لله الحكيم الخبير، أحمده تعالى وأشكره وهو العليم القدير، سبحانه من إله كريم ورب رحيم، خلق فأتقن، وشرع فأحكم، وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله -يا حجاج بيت الله- واشكروه على ما تعيشونه هذه الأيام، من الأشهر العظيمة والمواسم الكريمة، أخلصوا حجكم لله، ارعوا لهذا البلد الحرام مكانته وقدسيته، وأمنه ونظامه، وإياكم وإساءة الأدب في جواره، بارتكاب شيء من المعاصي، عظموا شعائر ربكم وحرماته: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. واعلموا -رحمكم الله- أن الواجب عليكم أن تتعلموا وتتفقهوا في أحكام المناسك، لتكونوا على وعي وبصيرة، وبعد عن الخطأ والزلل، وأن تسألوا أهل العلم عما يشكل عليكم: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. معاشر الحجاج الكرام: عاملوا إخوانكم المسلمين معاملة حسنة، احذروا إيذاءهم ومزاحمتهم في الحرم والمشاعر والطرقات، واحذروا سوء الخلق معهم قولاً وفعلا، اجتنبوا اللغو واللهو والرفث والفسوق والجدال بالباطل، تحقيقاً لقوله سبحانه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] وتأسوا بنبيكم ﷺ ، فهو القائل: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أخرجه مسلم في صحيحه، والقائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾. واعملوا -يا رعاكم الله- على بر حجكم ببذل السلام، وإطعام الطعام، وكثرة الطاعات والبعد عن المعاصي، وصون حجكم عن النواقض والنواقص، والمحافظة على عمود الإسلام الصلاة، التزموا الهدوء والأمن والنظام، وتفرغوا لأداء مناسككم، فقد وفرت لكم كافة الإمكانات، وهيأت لكم سائر الخدمات ولله الحمد والمنة، أجواء آمنة، وظلال وارفة، وخيرات متنوعة، وخدمات متعددة، كل ذلك بفضل الله، ثم بفضل ما تبذله قيادة بلاد الحرمين الشريفين وفقها الله، وجعل ذلك في موازين حسناتها، وزادها من الخير والتوفيق بمنه وكرمه، وجعل أعمالها خالصة لوجه الله الكريم. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وسلم الحجاج والمعتمرين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم اجعله هادياً مهدياً ياذا الجلال والإكرام! اللهم ارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم لشرعك محكمين، ولسنة نبيك ﷺ متبعين، ولأوليائك مناصرين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلال والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا هذه خاصة وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمستضعفين في دينهم في كل مكان، اللهم عجِّل بنصرهم يا قوي يا عزيز! اللهم انقذ مقدسات المسلمين من اليهود الغاصبين، اللهم انصر إخواننا في فلسطين على اليهود المعتدين، وفي كشمير على الوثنيين الحاقدين، اللهم انصرهم في إقليم كوسوفا المسلمة على الصرب الظالمين يا ذا الجلال والإكرام يا قوي يا عزيز! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 839

الترغيب في طلب العلم إن العلم هو النور الذي لا تلحقه ظلمة، والفضيلة التي لا تتبعها رذيلة، فالعلم عليه المعول في بناء الأمم، به تبني الأمة مجدها، وتبلغ غاياتها، وترهب أعداءها. ولقد حث الله في كتابه الكريم على طلب العلم، بل عظم مكانته وشرف منزلته، وفضَّل العلماء، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وما ذاك إلا لفضل العلم، والعمل به. ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة في كيفية طلب العلم والمداومة عليه.

стр. 840

بيان أهمية العلم وفضله الحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقاً موصلاً لرضاه، وصراطاً يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله، وأشهد أن لا إله إلا الله رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد منتهاه، ومن العز أعلى ذراه، فمن سلك طريقاً يبتغي فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، واعلموا أن دين الإسلام فرض على الأمة التي تعتنقه أن تكون أمة علم وعمل، فبالعلم النافع والعمل الصالح تبني الأمم أمجادها، وتبلغ غاياتها، وتشيد حضاراتها، وترهب أعداءها، وقد أخبر رسول الهدى ﷺ : أن الله إذا أراد بالعبد خيراً وفقه للفقه في الدين، وقد أخرج البخاري ومسلم عن معاوية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من يرد الله به خير يفقه في الدين﴾ ودل الحديث بمفهومه على أن من أعرض عن العلوم النافعة فإن الله لم يرد به خيراًً؛ لحرمانه الأسباب التي تنال به الخيرات وتكتسب بها السعادة. إخوة الإسلام: إن أول ما نزل من كتاب الله، قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] حيث تعتبر هذه الآيات أول صيحة تسموا بقدر العلم، وتنوه بقيمته، وتعلن الحرب على الأمية الغافلة، لما تجره على الإنسانية من شر وفتنة وبلاء، وتجعل اللبنة الأولى في بناء كل فرد، وكيان كل أمة، أن تتعلم أمور دينها ودنياها، وتأخذ بالوسائل الشرعية المفيدة في هذا المجال. وسما الله بدرجات العلماء حتى قرنهم بنفسه وملائكته في الشهادة بوحدانيته، والإقرار بعدالته، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وقال سبحانه: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١] وقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وجعل سبحانه العلماء أهل خشيته وتقواه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ولا غرو فأنىّ للعقول الكليلة والمعارف الضيقة والذوات الجاهلة أن تدرك جلال الكبير المتعال، وتعرف الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والهدى من الضلال، والصواب من ضده، والسنة من البدعة، وأنَّى لمن يحيا حياة الأنعام ويعيش عيش الطغام، أن يعبد ربه كما شرع رسوله ﷺ ، وأن يسير على الصراط المستقيم في أمور العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، وكل ما جاء به الإسلام. لذلك أعز الله العلماء وآثارهم بكرامته وفضله، وجاءت السنة المشرفة والآثار الصحيحة بترغيب الناس فيه وحثهم عليه، يقول ﷺ : ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ أخرجه مسلم، عن أبي هريرة ﵁. وعن أبي هريرة ﵁ -أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له﴾ رواه مسلم.

стр. 841

من أقوال السلف في طلب العلم وقال معاذ بن جبل ﵁: [[تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة]]. وقال أبو الدرداء ﵁: [[كن عالماً، أو متعلماً، أو محباً، أو مستمعاً، ولا تكن الخامسة فتهلك]]. أمة الإسلام: ما أصيب المسلمون اليوم بمصيبة أعظم من الجهل بدين الله، وما ابتلوا ببلية أكبر من الإعراض عن العلم الشرعي رواية ودراية ورعاية، فما الذي سبب انتشار العقائد الفاسدة، والطرق المنحرفة، والبدع المنكرة؛ إلا قلة البصيرة في دين الله، وما الذي جعل المنكرات والمحرمات تظهر في مجتمعات المسلمين؛ إلا الإعراض عن دين الله .

стр. 842

أول واجب يتعلمه المسلم إن أول أمر يجب على المسلم أن يعلمه ويتعلمه هو توحيد الله، ومعرفة نبيه ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، كما أن المسلمين اليوم مطالبون بمعرفة كل ما يفيدهم في أمور دينهم ودنياهم؛ ليستطيعوا قهر أعداء الله وإيقاع الهزيمة بهم. ولن ينكشف وينجلي ما حل بالمسلمين اليوم في عقائدهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم، وبلادهم، إلا بإحياء علوم الدين الإسلامي الحنيف، وجعلها ركيزة وأصلاً يبنى عليها غيرها من العلوم الأخرى، ولعل أبناء المسلمين الذين يحصدون هذه الأيام زرع عام دراسي كامل، ويجنون ثماره، يتنبهون لهذه الأمور والحقائق، فيخرجون متسلحين بالعلوم النافعة؛ لينصروا دينهم وينفعوا أمتهم، ولن يتم ذلك إلا بمعرفة قيمة الوقت، والاجتهاد في الطلب على الدوام، والإخلاص لله فيه، وابتغاء ثوابه، وصيانة العلم عن الأطماع الدنيوية، والمقاصد الدنية التي فشت في أهل الطلب اليوم، والله المستعان! اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، اللهم امنحنا الفقه في الدين يا رب العالمين! اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 843

الحث على العمل بالعلم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وتعلموا أحكام شريعته لطلب العلم النافع؛ فإن العلم نور وهدىً وحياة، والجهل ظلمة وضلال وموت، واعلموا أنكم في زمان تكاثفت فيه غيوم الجهل والفتن، وكادت سحب العلم الصحيح تنقشع، وفي عصر قل فيه أهل العلم المحققون العاملون، وكثر فيه أضدادهم ومخالفوهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! وتذكروا أن أعداء الإسلام لا يفتئون يطعنون المسلمين بحراب التجهيل لهم، وإلقاء الشبهات، وبذر الشكوك بينهم، وإيقاد نار الحيرة والقلق في صفوفهم، ليتمكنوا من إبعادهم عن العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واعلموا أن ثمرة العلم العمل به، فلا خير في علم ينقصه عمل، بل هو حجة ووبال على صاحبه والعياذ بالله. ألا وصلوا على معلم الناس الخير محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة عليه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم وارض عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدا الدين يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم قادة وشعوباً، علماء وعامة، رجالاً ونساءً شباباً وشيباً، اللهم ارزق الجميع التمسك الصحيح بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما يرضيك، وجنبه جميع سخطك يا رب العالمين! اللهم انصر به دينك يا أرحم الراحمين! اللهم أيده بالحق المبين، وثبته على الصراط المستقيم يا أرحم الراحمين! اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين. اللهم اغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم أهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويخذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف يا سميع الدعاء، اللهم بارك لنا في جميع الشهور والأيام، وبلغنا برحمتك شهر رمضان يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 844

الجانب العقائدي لقد بعث الله تعالى رسوله محمداً ﷺ بالعلم والهدى، فدعا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وإخلاص التوجه له وتعليق الآمال عليه ؛ فالتوحيد هو أصل الدين وأساسه. وكان من أهم ما جاء به ﷺ ليغرس في نفوس الناس مكارم الأخلاق ورفيع الآداب، فقد أمر بالفضيلة والعفاف، ونهى عن الرذيلة والفساد، فالأخلاق هي عنوان مجد الأمم وسرُّ قوَّتها.

стр. 845

عظيم النعمة بإكمال الشريعة الحمد لله الذي منّ علينا بهذا الدين، أكمله لنا، وأتمه علينا قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ورضيه لنا شرعةً ومنهاجاً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. أحمده تعالى وهو للحمد أهل، وأشكره وقد وعد الشاكرين بالزيادة والفضل، أشهد أن لا إله إلا الله، بفضله اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وبيَّن لها طريق الحق وأمرها بسلوكه، وحذَّرها من طرق الضلالة والغواية، وجاهد في الله حق جهاده فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، الذين استقاموا على سنته، ودعوا إلى ملته، ومن سار على نهجهم ولزم هديهم، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، واشكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين الحق، الذي بعث به نبيه محمداً ﷺ ليظهره على الدين كله ويهيمن عليه، فأخرج الله به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان والإسلام، وأنقذهم من حياة الشرك والظلم والجهل والبغي، بعد أن كانت العقول مكبلةً بالجهالات والأوهام، والنفوس جامحةً إلى الظلم والبغي والوثنية، حتى منّ الله على المؤمنين ببعثة هذا النبي الهادي الأمين، بعثه بالعلم والهدى، فدعا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخلاص العمل له، دعا إلى أن يُعلِّق الإنسان آماله بالله، وبالله وحده، فيتوجه إليه عند الدعاء، ويقصده عند طلب النفع ودفع الضر، وتفريج الكروب، وكشف الخطوب، وشفاء المرضى، وقضاء الحوائج، ولا يملك ذلك إلا الله وحده، وإذا وحد المعبود، توحدت القلوب واجتمعت الكلمة وزالت الضغائن والأحقاد. كما دعا ﵊ إلى لزوم الكتاب والسنة، والوقوف عند ما شرعه الله ورسوله، وحذَّر أمته كل الحذر أن تزيغ عن ذلك فتهلك، أو تتبع الأهواء فتضل. أمة الإسلام: لقد جاء هذا الدين، بخيري الدنيا والآخرة، قاصداً مصلحة العباد في المعاش والمعاد، شاملاً لكل متطلبات الحياة إلى قيام الساعة، فمن تجرأ على التعرض له، أو النيل منه، ورميه بالقصور، والعجز عن حل المشكلات المعاصرة، فقد حاد الله ، ومن حاده سبحانه؛ فهو الذليل المهين.
следующие страницы →