← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

من أقوال السلف في طلب العلم وقال معاذ بن جبل ﵁: [[تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة]]. وقال أبو الدرداء ﵁: [[كن عالماً، أو متعلماً، أو محباً، أو مستمعاً، ولا تكن الخامسة فتهلك]]. أمة الإسلام: ما أصيب المسلمون اليوم بمصيبة أعظم من الجهل بدين الله، وما ابتلوا ببلية أكبر من الإعراض عن العلم الشرعي رواية ودراية ورعاية، فما الذي سبب انتشار العقائد الفاسدة، والطرق المنحرفة، والبدع المنكرة؛ إلا قلة البصيرة في دين الله، وما الذي جعل المنكرات والمحرمات تظهر في مجتمعات المسلمين؛ إلا الإعراض عن دين الله .

стр. 842

أول واجب يتعلمه المسلم إن أول أمر يجب على المسلم أن يعلمه ويتعلمه هو توحيد الله، ومعرفة نبيه ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، كما أن المسلمين اليوم مطالبون بمعرفة كل ما يفيدهم في أمور دينهم ودنياهم؛ ليستطيعوا قهر أعداء الله وإيقاع الهزيمة بهم. ولن ينكشف وينجلي ما حل بالمسلمين اليوم في عقائدهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم، وبلادهم، إلا بإحياء علوم الدين الإسلامي الحنيف، وجعلها ركيزة وأصلاً يبنى عليها غيرها من العلوم الأخرى، ولعل أبناء المسلمين الذين يحصدون هذه الأيام زرع عام دراسي كامل، ويجنون ثماره، يتنبهون لهذه الأمور والحقائق، فيخرجون متسلحين بالعلوم النافعة؛ لينصروا دينهم وينفعوا أمتهم، ولن يتم ذلك إلا بمعرفة قيمة الوقت، والاجتهاد في الطلب على الدوام، والإخلاص لله فيه، وابتغاء ثوابه، وصيانة العلم عن الأطماع الدنيوية، والمقاصد الدنية التي فشت في أهل الطلب اليوم، والله المستعان! اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، اللهم امنحنا الفقه في الدين يا رب العالمين! اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع، ودعاء لا يسمع، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً يا أرحم الراحمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 843

الحث على العمل بالعلم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وتعلموا أحكام شريعته لطلب العلم النافع؛ فإن العلم نور وهدىً وحياة، والجهل ظلمة وضلال وموت، واعلموا أنكم في زمان تكاثفت فيه غيوم الجهل والفتن، وكادت سحب العلم الصحيح تنقشع، وفي عصر قل فيه أهل العلم المحققون العاملون، وكثر فيه أضدادهم ومخالفوهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! وتذكروا أن أعداء الإسلام لا يفتئون يطعنون المسلمين بحراب التجهيل لهم، وإلقاء الشبهات، وبذر الشكوك بينهم، وإيقاد نار الحيرة والقلق في صفوفهم، ليتمكنوا من إبعادهم عن العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واعلموا أن ثمرة العلم العمل به، فلا خير في علم ينقصه عمل، بل هو حجة ووبال على صاحبه والعياذ بالله. ألا وصلوا على معلم الناس الخير محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة عليه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم وارض عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدا الدين يا رب العالمين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم قادة وشعوباً، علماء وعامة، رجالاً ونساءً شباباً وشيباً، اللهم ارزق الجميع التمسك الصحيح بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما يرضيك، وجنبه جميع سخطك يا رب العالمين! اللهم انصر به دينك يا أرحم الراحمين! اللهم أيده بالحق المبين، وثبته على الصراط المستقيم يا أرحم الراحمين! اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين. اللهم اغفر لجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم أهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويخذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف يا سميع الدعاء، اللهم بارك لنا في جميع الشهور والأيام، وبلغنا برحمتك شهر رمضان يا رب العالمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 844

الجانب العقائدي لقد بعث الله تعالى رسوله محمداً ﷺ بالعلم والهدى، فدعا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وإخلاص التوجه له وتعليق الآمال عليه ؛ فالتوحيد هو أصل الدين وأساسه. وكان من أهم ما جاء به ﷺ ليغرس في نفوس الناس مكارم الأخلاق ورفيع الآداب، فقد أمر بالفضيلة والعفاف، ونهى عن الرذيلة والفساد، فالأخلاق هي عنوان مجد الأمم وسرُّ قوَّتها.

стр. 845

عظيم النعمة بإكمال الشريعة الحمد لله الذي منّ علينا بهذا الدين، أكمله لنا، وأتمه علينا قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ورضيه لنا شرعةً ومنهاجاً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. أحمده تعالى وهو للحمد أهل، وأشكره وقد وعد الشاكرين بالزيادة والفضل، أشهد أن لا إله إلا الله، بفضله اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وبيَّن لها طريق الحق وأمرها بسلوكه، وحذَّرها من طرق الضلالة والغواية، وجاهد في الله حق جهاده فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، الذين استقاموا على سنته، ودعوا إلى ملته، ومن سار على نهجهم ولزم هديهم، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، واشكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين الحق، الذي بعث به نبيه محمداً ﷺ ليظهره على الدين كله ويهيمن عليه، فأخرج الله به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان والإسلام، وأنقذهم من حياة الشرك والظلم والجهل والبغي، بعد أن كانت العقول مكبلةً بالجهالات والأوهام، والنفوس جامحةً إلى الظلم والبغي والوثنية، حتى منّ الله على المؤمنين ببعثة هذا النبي الهادي الأمين، بعثه بالعلم والهدى، فدعا إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخلاص العمل له، دعا إلى أن يُعلِّق الإنسان آماله بالله، وبالله وحده، فيتوجه إليه عند الدعاء، ويقصده عند طلب النفع ودفع الضر، وتفريج الكروب، وكشف الخطوب، وشفاء المرضى، وقضاء الحوائج، ولا يملك ذلك إلا الله وحده، وإذا وحد المعبود، توحدت القلوب واجتمعت الكلمة وزالت الضغائن والأحقاد. كما دعا ﵊ إلى لزوم الكتاب والسنة، والوقوف عند ما شرعه الله ورسوله، وحذَّر أمته كل الحذر أن تزيغ عن ذلك فتهلك، أو تتبع الأهواء فتضل. أمة الإسلام: لقد جاء هذا الدين، بخيري الدنيا والآخرة، قاصداً مصلحة العباد في المعاش والمعاد، شاملاً لكل متطلبات الحياة إلى قيام الساعة، فمن تجرأ على التعرض له، أو النيل منه، ورميه بالقصور، والعجز عن حل المشكلات المعاصرة، فقد حاد الله ، ومن حاده سبحانه؛ فهو الذليل المهين.

стр. 846

جوانب عظيمة رعاها الإسلام أيها المسلمون: الجوانب التي احتواها هذا الدين كثيرة جداً، وكلها خير وحق وهدى، ولكن هناك جانبان عظيمان رعاهما هذا الدين حق الرعاية، وأكثر من ذكرهما في الكتاب والسنة، ولأهميتهما الكبرى، وعظم تساهل الناس فيهما في هذا الزمن، لطول الأمد، وقسوة القلوب، والبعد عن آثار السلف الصالح؛ لزم الحديث عنهما، والترغيب فيهما، ألا وهما: الجانب العقدي، والجانب الأخلاقي.

стр. 847

التوحيد أصل الدين وأساسه أما الأول: فلا يرتاب مسلم أنه أصل الدين وأساسه، وأنه أول دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكفى بذلك عنايةً به ورعايةً له، فيجب على المسلم الناصح لنفسه المبتغي نجاتها وسلامتها من عذاب الله، أن يلتزم في هذا الجانب منهج سلف هذه الأمة، أهل السنة والجماعة، إمامهم في ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولاسيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، وتوحيد الأسماء والصفات، فيفرد الله بالعبادة بجميع أنواعها، ويحذر أن يشرك معه غيره، كائناً من كان، فإذا كان الملائكة والأنبياء والصالحون لا يستطيعون دفع ضرٍ أو جلب نفع، فأين عقول الناس، الذين علقوا آمالهم بالجمادات، والتمسوا منها جلب الخير ودفع الشر؟ إنه لمن الغريب حقاً، أن تعبث الأوهام والخيالات بعقول الناس إلى هذا الحد، في عصور الحضارة والتقدم العلمي. وإنه لمن المؤسف جداً، أن أعداء الإسلام قد تمكَّنوا من صرف كثيرٍ من الناس، عن جوهر الإسلام وصفائه ونقائه، وإشغالهم بالأمور الوهمية، والأشياء الخيالية، والشكليات الجاهلية. أما ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ ، مما دل عليه الكتاب والسنة، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل، عملاً بقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. كما يجب على المسلمين، أن يحققوا الإخلاص لله، والمتابعة لرسوله ﷺ ، وأن يقفوا عند حدود الله، وسنة رسوله ﷺ ، ويحذروا كل الحذر من الغلو والزيادة والجفاء والتقصير، فكل خيرٍ وهدى في اتباع النبي المصطفى، وكل شرٍ وبلاء في تنكب طريقه، والعدول عن نهجه، ولا يزال الناس بخيرٍ ما تمسكوا بالسنة، وابتعدوا عن الأمور المحدثة، لا سيما في أمور العقائد والعبادات؛ لأنها توقيفية، لا تخضع لمستحسنات عقول البشر وأهوائهم، ولا يحتج فيها بأفعال الناس وعاداتهم المخالفة للكتاب والسنة. ولذا فلا يجوز لأحد أن يخصص شهراً من الشهور، أو ليلة من الليالي، أو يوماً من الأيام بعملٍ شرعي، أو عبادةٍ من العبادات، إلا ما خصَّه الشرع المطهر، وميَّزه الدين الحنيف.

стр. 848

التمسك بالأخلاق الحميدة أمة الإسلام! أما الجانب الأخلاقي! فلا يخفى على كل مسلم أن الإسلام رعى الأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة، والصفات الحسنة، كما رعى الفضيلة والعفاف والطهر، وحذَّر من الرذيلة والفساد، وتدهور الأخلاق. والأخلاق في كل أمة عنوان مجدها، وسر قوتها ونهضتها، وإذا أصيبت الأمة في أخلاقها فقل: ﵍، وعلى الحياة العفاء. وإن المتأمل في حياة الناس اليوم يجد أن الأخلاق الفاضلة قد أفل نجمها أو أوشك، نتيجة السيل الجارف من عوامل نشر الرذيلة في مجتمعات المسلمين، فالزخم الهائل من المجلات المنحرفة، والأفلام الفاسدة التي تضرب على وتر الجنس، وإثارة الشهوة، ولا سيما في نفوس الشباب من الجنسين، حتى وقع كثيرٌ منهم فيما حرم الله ، وحدّث ولا حرج عن المعاكسات الهاتفية، وحدّث ولا حرج عما يدور ويعرض في المحاكم الشرعية وغيرها من الجرائم الخلقية التي يقع فيها من لا خلاق لهم. نسأل الله أن يوفقنا للخير، ويجنبنا أسباب الشر والمعاصي، إنه جوادٌ كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 849

التمسك بالدين مصدر العزة والقوة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎، وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وتمسكوا بدينكم مصدر العزة والقوة والغلبة، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي: هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور: محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلاله، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى؛ كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين! اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، من اليهود وأشياعهم، ومن الملحدين والوثنيين يا رب العالمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا لما يرضيك، اللهم وفقه لما يرضيك، اللهم اجعله هادياً مهدياً، اللهم أدم عليه التوفيق والنعمة يا رب العالمين! اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم مُنّ على المسلمين في كل مكان بصلاح أحوالهم، وصلاح قادتهم وعلمائهم، وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 850

الجهاد في سبيل الله إن منزلة الجهاد في الإسلام عظيمة، فهو ذروة سنام الإسلام، وأعلى مراتب الإيمان، به تعلو الكلمة وتعز الأمة، وتحمى بيضة ديار الإسلام، وله أربعة أنواع، ولقد ضرب لنا الرسول ﷺ أروع الأمثلة في الجهاد والصبر والمرابطة في سبيل الله؛ واليوم تعود سنة الله في أرضه، فنرى الشعب الأفغاني في جهاده ومرابطته ضد الشيوعية العالمية.

стр. 851

مكانة الجهاد في الإسلام الحمد لله الذي جعل الجهاد في سبيله ذروة سنام الإسلام، أحمده تعالى حمداً كثيراً على الدوام، وأشكره شكراً متوالياً على مر الليالي والأيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الدعاة والمجاهدين، أرسله بالهدى ودين الحق؛ فبلغ ودعا وبشر وأنذر، ونصح وجاهد، وصبر وصابر، فكانت حياته كلها في الدعوة والجهاد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد في سبيل الله، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ومن حمل راية الجهاد في سبيله من بعدهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎. عباد الله: من حكمة الله أن يبتلي عباده في هذه الحياة بوجود الحق والباطل، والخير والشر، والكفر والإيمان، ومن سنته كذلك أن جعل هذه المتناقضات في صراع دائمٍ وتباين مستمر، ولذلك فَمَنْعُ الفساد وكبح طغيان الشر والهواء، والإبقاء على الإيمان والعدل والخير، ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، ولا يتحقق ذلك ويكون واقعاً ملموساً؛ إلا بحمل راية الجهاد في سبيل الله، ورفع اللواء لإعلاء كلمة الله. إخوة الإيمان: إن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ورتبته في أعلى شعب الإيمان، به تعلو الكلمة وتعز الأمة، وتحمى البيضة، وتصان الحرمات، وتحمى الديار، ويطرد الأعداء، ويوهن الألداء، بالجهاد يتم إقرار الحق في نصابه، ويرد البغي والظلم والطغيان، ويكافح الشر والكيد والعدوان. الجهاد في سبيل الله: هو التجارة المنجية، والصفقة الرابحة، والبضاعة المبشرة، يحوز أهله المخلصون من المنازل أرفعها، ومن المكانة أعظمها، ومن الدرجات أعلاها، فهم الأعلون في الدنيا والآخرة. أمة الإسلام: لقد حظيت فريضة الجهاد في هذا الدين بالعناية والاهتمام، فتجد عشرات الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة الشريفة تحث على الجهاد وترغب فيه، وتبين ما لأهله من الأجر والمثوبة في الآخرة، والعزة والنصرة في الدنيا، مما لا يخفى على كل ذي بصيرة. كما جاء الوعيد الشديد على من ركنوا إلى الدنيا، وتثاقلوا إلى الأرض، وعطلوا هذه الفريضة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق﴾ وروى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿من لم يغز أو لم يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة﴾ وما ذلك يا عباد الله! إلا لما يسببه ترك هذه الفريضة من تسلط الأعداء وتحكمهم في الأمة، يقتلون أبناءها، ويرملون نساءها، وييتمون أطفالها، ويحتلون ديارها، ويستبيحون حرماتها، فلا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، ولا يرعون فيها عهداً ولا حرمة، فيعم الذل وتسود المهانة، والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨].

стр. 852

الجهاد الأفغاني ضد الشيوعية أمة الجهاد والفداء: حينما أُذكر بهذا الواجب في هذه الفترة العصيبة من تاريخ أمتنا، فإنما أريد حث الخطى والهمم، وإلهاب المشاعر وتحريك الأحاسيس، وبعث الأمل في النفوس لا سيما وبوارق الأمل وفلول التفاؤل تبدو في سماء الواقع وأفق الحياة، يقود زمامها ويرفع لواءها شعبٌ مسلمٌ أبيٌ مجاهد في بقعة عريقة من بقاع عالمنا الإسلامي. شعب آل على نفسه وعاهد ربه أن يسير في طريق الجهاد؛ حتى يفوز بإحدى الحسنيين، لقد وقف هذا الشعب سداً منيعاً أمام عدو لدود، وزحف حقود، يريد أن يستأصل شأفته، ويقضي على عقيدته، ويحل محلها الكفر والإلحاد، أتدرون يا من تتابعون أخبار إخوانكم في العقيدة من هؤلاء؟! إنهم إخوانكم المجاهدون على أرض أفغانستان المسلمة. أمة الإسلام: إن المسلمين، وإن تباعدت أقطارهم إخوة في العقيدة، تربطهم رابطة الإيمان، وتجمعهم عقيدة الإسلام، كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وإن واجب الأخوة الإسلامية يقتضي أن يهتم المسلم بأمر إخوانه المسلمين، يتابع أخبارهم، ويشاطرهم آلامهم وآمالهم، ويؤدي ما استطاع من جهد ووقت ومال لتحسين أوضاعهم، وإصلاح أحوالهم. ولقد تعرض إخوانكم في العقيدة في بلد الأفغان الأشم لأبشع عدوان وحشي، وأشرس هجوم إلحادي، وأخطر زحف أحمر تشنه الشيوعية الحاقدة على دينهم وبلادهم، متحدية بذلك مشاعر المسلمين، ومخالفة للأعراف الدولية ومناقضة للحقوق الشرعية، ولقد تحمل إخوانكم الدمار والخراب، والقصف والتعذيب والتهديد بكل ما تعنيه هذه الكلمات من المعاني القاسية، فها هي بلاد الأفغان جبالها وسهولها، مدنها وقراها، قد تخضبت بالدماء وامتلأت بالأشلاء، وها هي سحب الدخان تتصاعد إلى السماء، وهي تحمل في طياتها شكوى الشيوخ والأطفال والأرامل، الذين لا يعلم حالهم إلا الله، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وجباتهم شظايا القنابل، وطلقات المدافع، وقذائف الدبابات، وأزيز الطائرات، وقذائف الأسلحة، حتى قدموا قرابة مليون ونصف مليون قتيل من الأبرياء! وهاجر ما يقارب خمسة ملايين نسمة من الشيوخ، والأطفال، والنساء، والأرامل، والأيتام، والمرضى، والجرحى؛ فراراًُ بدينهم؛ فعاشوا في الملاجئ والمخيمات المتدنية، وهم يقاسون شدة المرض والجوع، وكآبة البعد والغربة، وطوفان الفقر والحاجة، وهاهو فصل الشتاء ببرده القارس، وزمهريره الشديد يظلهم وهم يتقاسمون قطع الخرق لستر عوراتهم، ورغيف الخبز لسد رمقهم، وقطرات الماء لري غليلهم، ومما يزيد أسى المسلم الغيور على دينه أن أيدي الأعداء من مهودين ومنصرين قد امتدت إليهم بطريقة أو بأخرى في غياب المسلمين عن ساحتهم، كما أصبح قرابة مليوني مسلم مشرد بلا مأوى، مساكنهم قمم الجبال وأغوار الكهوف الموحشة. أما المجاهدون في خنادق القتال وجبهات اللقاء، فإن أوضاعهم تدمى لها القلوب وتقشعر منها الأبدان، بين الخوف والجوع وشدة المؤونة، وتعاقب المتاعب، يقطعون مئات الأميال مشاة حفاة، ومع ذلك كله؛ فلم تلن لهم قناة، ولم تضعف لهم شوكة، ولم تهن لهم عزيمة، صامدون صابرون محتسبون، يبنون بجماجم الرجال سدوداً منيعة لحماية أعراض أمتهم وحرماتها، ويسدون الطريق بجثث الأبرياء أمام الإلحاد والشيوعية التي تريد أن تصل إلى المياه الدافئة في العالم الإسلامي، متخذة أفغانستان معبراً لها، وها هم المجاهدون يسكبون دماءهم كي ترتفع راية الإسلام، وتبقى دوحة العزة والأمان. قد سطروا بدمائهم الزاكية وأشلائهم المتمزقة عبارات المجد والعزة والقوة، مرت عليهم ثمانية أعوام عجاف وهم على هذه الحالة المبكية، وهاهم يستقبلون بعد أيام قلائل دخول العام التاسع على هذا الاحتلال الغاشم، فماذا قدم المسلمون في كل مكان لنصرة إخوانهم في العقيدة، الذين أحيوا بجهادهم واستبسالهم أمجاد المسلمين الأوائل، في بدر واليرموك والقادسية وحطين وعين جالوت؟ فأين القلوب الرحيمة؟! وأين النفوس الأبية؟! وأين الرحمة الإنسانية والشفقة الأخوية؟! أين الشعور برابطة الإيمان والإحساس بأخوة الإسلام؟!

стр. 853

الواجب على الأمة الإسلامية في الجهاد الأفغاني إني أستحث في المسلمين غيرتهم ونخوتهم؛ ليتحركوا لمساعدة إخوانهم ويقوموا بنصرة أشقائهم من المجاهدين والمهاجرين؛ حيث النساء الثكالى، والأطفال اليتامى، والأرامل والمعوقين والمشوهين، فلا يحقرنَّ أحدكم شيئاً يقدمه لهم ولو قل، من مال أو عين، أو دعاء صادق، فهم بحاجة إلى دعواتكم المخلصة، ولو أن كل مسلم صرف من كل مرتب يتقاضاه ريال واحداً لاجتمعت الملايين، وهذه لجان جمع التبرعات تفتح أبوبها في كل مكان -الحمد لله- بقبول المساعدة والصدقات والزكوات، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، وكيف ينام المسلم قرير العين يتقلب في نعم الله صباح مساء وإخوانه يعيشون حياة القصف والقتل والتشريد؟! أمة الإسلام: إن المعركة التي يخوضها إخواننا في العقيدة، هي معركة بين الإسلام والإلحاد، فلا بد من التكاتف والتعاون معهم، وكلٌ على ثغر مهم، فولاة الأمر من الحكام والقادة يبذلون جهودهم لانتشال مخالب الإلحاد من أرض أفغانستان المسلمة، ويطالبون بحقوقهم العادلة في المجامع الدولية، والمحافل العالمية، والمؤتمرات الإسلامية. والعلماء والدعاة يبينون للأمة مكانة هذا الجهاد، ويحثون المسلمين على نصرة إخوانهم، ويشاركون في تصحيح المسار، وتفادي الأخطاء الهامة، ووكالات الأنباء ووسائل الإعلام تعتني بتغطية أخبار المجاهدين بصدق وإخلاص، وتنشرها للمسلمين دون تقصير أو تعتيم، وكل من استطاع تقديم خدمة من الأطباء والخبراء ونحوهم؛ فليقدم ولا يحجم. أما أثرياء المسلمين فإننا نذكرهم، بأن خير ما أنفقت فيه الأموال هو الجهاد في سبيل الله، وتجهيز الغزاة بما يحتاجونه من عدة وعتاد، وهذا والله هو الذي يبقى لهم ذخراً عند الله حين يتمنون ولو حسنة واحدة، وهذا خير من أن تنفق في البذخ والإسراف والمباهاة، وتبدد هنا وهناك من الوجوه غير الشرعية؛ في الوقت الذي يموت فيه عشرات المسلمين يومياً من الجوع والفقر والحاجة. فإلى المتاجرة مع الله أيها المسلمون! إلى الصفقة الرابحة أيها الأثرياء! فأنتم مدعوون إلى المساهمة والمرابحة. يا أمة الإسلام: حيّ على الجهاد بأموالكم وأنفسكم، فصيحات إخوانكم، ونداءات أشقائكم تملأ أفواههم، وقبل ذلك وبعده نداء ربكم جل وعلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وجعلني وإياكم من عباده المجاهدين، وحزبه المصلحين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 854

أنواع الجهاد الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد:- عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن للجهاد في الإسلام أفقاً واسعاً، ونطاقاً شاسعاً، وهو أنواع متعددة: بالنفس والقلب والجنان، والدعوة والقول والبيان، والسيف واليد والسنان، والمال والقلم واللسان، والقدوة الحسنة والتربية السليمة، وهو كما قال العلامة ابن القيم ﵀ على أربعة مراتب: جهاد النفس بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو نقطة البداية لجهاد الأعداء. جهاد الشيطان بدفع ما يلقي من الشهوات والشبهات. جهاد الكفار. جهاد المنافقين. وواجب على كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع على قدر المستطاع، وأن يروض نفسه ويعدها إعداداً معنوياً وحربياً للجهاد في سبيل الله، فلن تعاد الحقوق المسلوبة، والديار المغصوبة إلا بذلك، وإنه وإن طال ليل الظلام، وتعاقبت المحن والفتن والآلام؛ فإن ذلك يحمل في طياته بوارق الفجر لغد مشرق إن شاء الله، فكونوا يداً واحدة مع إخوانكم المجاهدين في سبيل الله على أرض أفغانستان وغيرها من بقاع المسلمين. وإننا حين نذكر جهاد إخواننا في بلاد الأفغان فإننا لا ننسى قضية المسلمين الكبرى، قضية المسجد الأقصى، القبلة الأولى ومسرى رسول الهدى ﷺ ، بل ولا ننسى جهاد إخواننا المضطهدين في دينهم، والأقليات الإسلامية في كل مكان، وضحايا الجفاف والمجاعة في البلاد الأفريقية، ونحث على مساعدتهم ومعاونتهم، وإنه لمن فضل الله على هذه البلاد المباركة حكومة وشعباً وقوفها مع المجاهدين في أفغانستان، ودعمها للحقوق العادلة في كل مكان، فلها من المواقف الطيبة والمشاعر النبيلة والدعم المادي والمعنوي ما شهد به العدو قبل الصديق، وتلك نعمة ينبغي التحدث بها وشكرها وبذل المزيد فيها قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على إمام المجاهدين، ورسول رب العالمين، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين والشيوعيين والملحدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك وأعلِ به دينك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم أقر أعيننا بصلاح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أفغانستان، اللهم عجل بنصرهم، اللهم اربط على قلوبهم واجمع كلمتهم، وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم يا قوي يا عزيز! اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والكفر والإلحاد، إنك قريب مجيب الدعاء يا رب العالمين!

стр. 855

الحث على التمسك بالقرآن إن القرآن العظيم هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم الذي تكفل الله لمن قرأه وعمل به ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولقد كان السلف الصالح ﵏ يقرءون كتاب الله بتدبر وتمعن، وفهم وحضور قلب، وكانوا أشد الناس مسارعة إلى تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 856

هداية القرآن للبشرية الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، أحمده تعالى وأشكره، جعل القرآن تبياناً لكل شيء، وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل كتابه هداية للعالمين، ورحمة للمؤمنين، وشفاءً لما في صدور الناس أجمعين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي كان خُلُقه القرآن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين ساروا على نهجه واقتفوا أثره، وتمسكوا بهديه، فعزوا وسادوا وملكوا وقادوا، وقهروا وذادوا، وعلى من عمل عملهم، ولزم سننهم إلى قيام الساعة. أما بعد: فيا إخوة الإسلام! ويا أمة القرآن: اتقوا الله تعالى حق تقواه. عباد الله: لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأنزل عليه خير كتاب لخير أمة أخرجت للناس، يهديهم لأقوم سبيل وأهدى طريق، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، هو الملاذ عند الفتن، وهو المنقذ عند المصائب والمحن، فيه -يا عباد الله- نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قسمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، ومن التمس العز بغيره أذله الله، ومن طلب النصر بدون التحاكم إليه أرداه الله، هو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يَخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراطٍ مستقيم، تكفل الله لمن قرأه وعمل بما فيه، ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ومن تركه وهجره ونسيه؛ خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين قال : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧]. وقال ﷺ في خطبته عام حجة الوداع: ﴿وإني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي﴾ أخرجه الإمام مسلم عن جابر ﵁ وأرضاه. وقد امتن على عباده بإنزال هذا الكتاب العظيم، قال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]. وقال : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]. وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [النساء:١٧٤ - ١٧٥]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢]. وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت:٤٤].

стр. 857

حال السلف مع القرآن والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً معلومة لكل من قرأ كتاب الله بتدبرٍ وفهم وحضور قلب، كما هي سنة أولئك الأبرار من السلف الصالح الأخيار، ﵏ ورضي عنهم، الذين إذا تعلموا منه عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا معناها ويعملوا بمقتضاها، فتعلموا العلم والعمل معاً؛ أولئك الذين يتقبلون أوامره ونواهيه، فيسارعون إلى تنفيذها أولاً بأول، بدون ترددٍ أو تساهل. أولئك الذين يأخذونه ويقرءونه معتقدين أنه خطاباً من الله لهم؛ يكلمهم به على لسان رسوله ﷺ ، ولهذا حملوا راية القرآن قولاً وعملاً فأرهبوا أعداء الله، ونشروا العدل والسلام في أرض الله، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وحققوا الخير والسعادة للبشرية كلها.

стр. 858

كتاب الله هو المخرج من الفتن إخوة الإسلام: وإننا اليوم لفي زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتلاطمت فيه الأفكار والمبادئ، وتحكمت فيه الشهوات، وكثرت الشبهات، وتعددت التساؤلات والتحديات، وكثر دعاة البدع والمنكرات، وإنه لا خلاص من هذا كله ولا تقوية لأزر، ولا رسوخ لقدم، ولا أنسَ لنفس، ولا تسلية لروح، ولا تحقيق لوعد، ولا أمن لانعقادٍ، ولا ثبوت لمعتقد، ولا بقاء لذكرٍ وأثرٍ طيب؛ إلا بأن يتجه المسلمون جميعاً، شعوباً ودولاً، شباباً ودولاً، رجالاً ونساءً، علماء وعامة، اتجاهاً صحيحاً بكامل أحاسيسهم ومشاعرهم، بقلوبهم وقوالبهم، إلى كتاب الله تلاوة وتدبراً، وتعلماً وعملاً وتطبيقاً. فهو المعين العذب الصافي الذي لا ينضب ولا يأسن أبداً، والكنز الوافر الذي لا يزيده الإنفاق إلا جدة وكثرة، ولا تكرار التلاوة إلا حلاوة ورغبة، بيد أنه لا يمنح كنوزه إلا لمن أقبل عليه بقلبه، وألقى سمعه وهو شهيد، وإننا اليوم في عصر وفي زمانٍ أعرض فيه كثيرٌ من الناس عن القرآن، فمن تأمل حياة كثيرٍ من الناس اليوم وجد أنها لا تمُت إلى القرآن بصلة، ولا تتصل به والعياذ بالله! فما أكثر المخالفات الموجودة، وما أعظم الواجبات المفقودة! سبحان الله! أين المسلمون اليوم عن هذا القرآن العظيم؟ أين شباب المسلمين عن هذا الكتاب الكريم؟ إنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أين النساء المسلمات من تعاليم القرآن التي تحث على الحجاب ولزوم الحياء ولزوم الحشمة، وتحذر من التبرج والسفور والاختلاط؟!

стр. 859

أنواع هجر القرآن ٍالواقع والحقيقة -يا عباد الله- أنه سبق فينا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. وهجر القرآن كما قال العلامة ابن القيم ﵀: يشمل هجر سماعه والإيمان به، وهجر الوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به، وهجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، وهجر تفهمه ومعرفة ما أراد الله منه، وهجر الاستشفاء به من جميع أمراض القلوب، وكل أنواع الهجر هذه متحققة ويا للأسف في واقع الناس اليوم! إن الذين يقرءون كتاب الله ويصرون على مخالفته، بل قد يزيدون في دين الله ما ليس منه من البدع والمحدثات، ليسوا بمؤمنين به على الحقيقة، وإن زعموا ذلك ألف مرة، وإن قرءوه في أعمالهم كلها. أين الذين يتعاملون بالمحرمات كالزنا، والربا، وقتل النفس بغير حق، والسرقة، والغش، والظلم، والكذب، والغيبة والنميمة، وساقط القول والعمل، وغيرها من المحرمات، أين هم من الإيمان بالقرآن؟ أين الذين يتركون الواجبات، ويتساهلون في المأمورات، كالصلوات، والزكاة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى المساكين؟ أين هم من الإيمان بالقرآن؟ رب قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه! إن هؤلاء الذين يسمعون القرآن ويقرءونه، ويعرضون عن تطبيقه، لهم نصيبٌ من قوله تعال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] وبؤساً لهم حيث تشبهوا بمن قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]. عباد الله: إلى القرآن إلى القرآن: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]. اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، يا رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 860

فضل أهل القرآن وحملته الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: عباد الله: فاتقوا الله واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. عباد الله: إن الرفعة والكرامة والعزة والسيادة، في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة إنما هي لحملة كتاب الله، العاملين به، وهذا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أخرج الإمام مسلم ﵀ عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين﴾ وأخرج البخاري عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ﴿لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار﴾ متفقٌ عليه. وقد جاء في السنة المطهرة ما لحملة كتاب الله من الأجر والمكانة في الآخرة والأولى، عن أبي أمامة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ رواه مسلم. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاقٌ له أجران﴾ متفقٌ عليه. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف﴾ رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ﴿يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها﴾ رواه أبو داود والترمذي وقال: حسنٌ صحيح. فيا له -أيها المسلمون- من فضلٍ عظيمٍ وثوابٍ كبيرٍ لا يغفل عنه إلا غافل، تلك والله هي الغبطة، فليست الغبطة والسعادة بحطام الدنيا الزائل، ولا بالمفاخرة بالمركوب والملبوس، والمطعوم والمسكون. عباد الله: اتقوا الله، وخذوا بكتاب ربكم وإلى القرآن يا أمة الإسلام! خذوا منه منهاجاً لحياتكم في جميع شئونكم، وبهذا تستردون ماضيكم التليد، وقدسكم الفقيد، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. وصلوا وسلموا على نبي الرحمة كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد بن عبد الله أزكى البرية وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم دمر أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين والمفسدين يا رب العالمين! اللهم قنا شرورهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم أنزل عليهم بأسك -عاجلاً غير آجل- الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم آمنّا في أوطاننا، واستعمل علينا خيارنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع هداك يا رب العالمين، اللهم وفق المسلمين والمسلمات، اللهم وفقهم واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق إمامنا واحفظه بحفظك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الصالحة يا رب العالمين! اللهم دله على الخير، وأبعده عن الشر يا أرحم الرحمين. الله آمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم ردنا إلى كتابك رداً جميلاً، اللهم رد الأمة الإسلامية إلى كتابك رداً حسناً يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، واذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 861

الحض على النظر والتفكر حث الله تعالى عباده على التفكر في بديع صنعه، وعظيم آياته؛ ليزدادوا تعظيماً له وإيماناً به، وبالتالي يكونون أبعد عن معصيته ومخالفته. وإن ما وصل إليه في هذا العصر من التقدم العلمي والاكتشافات الحديثة، كل ذلك بفضل الله وتوفيقه. فعلى المسلم أن يستخدم ذلك فيما يقربه إلى الله؛ بأداء شكر النعم، والتفكر في مخلوقات المنعم .

стр. 862

عبادة التفكر في آيات الله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، أحمده تعالى وأشكره على سوابغ نعمه، وترادف مِنَنه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَسِع كل شيء علماً، وأتقن كل شيء صنعاً، وسخَّر لعباده ما في الكون كله رحمة منه ولطفاً، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎، واشكروه على ما خوَّلكم به من الفضل في العالمين، وما كرَّمكم به على الأولين والآخرين، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيْلاً﴾ [الإسراء:٧٠] فلقد خلقكم الله في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث، وهيأ لكم الأمن النفسي والغذائي، ثم أخرجكم من عالم الأجنة إلى عالم الحياة الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] وزوَّدكم ﵎ بالسمع والبصر والعقل وسائر الجوارح: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] وأنعم عليكم بالفهم والإدراك، وحثَّكم على التفكر في مخلوقاته، وما سخر لكم في الكون من آياته الباهرة ونعمه الظاهرة في الأرض والسماء، في البر والبحر والفضاء، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية:٣]. فالله خلق لعباده ما في الأرض جميعاً، وسخَّر لهم هذا الخلق ليتفكروا فيه، ويتبصروا في عظيم صنعه؛ ليكون دليلاً إلى طاعة الله رادعاً عن معصيته: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣] وذمَّ سبحانه المعرضين عن التدبر والتفكر في آياته ومخلوقاته، فقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥].

стр. 863

التفكر عند السلف كان السلف ﵏ يتفكرون في مخلوقات الله، ويتدبرون آياته الشرعية وآياته الكونية، ويحثون على ذلك، قال بعض السلف: "ما طالت فكرة امرئ قط إلا فَهِمْ، ولا فَهِمَ إلا عَلِمَ، ولا عَلِمَ إلا عَمِل" وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه، وذلك لأن التفكر في عجائب الخلق وأسراره يثمر تعظيم الخالق ومخافته، قال تعالى واصفاً عباده المؤمنين: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].

стр. 864

موقف الإسلام من التطورات العصرية إخوة الإسلام! إن دين الإسلام دين الشمول والكمال، فقد حثَّ على التدبر والتفكر في كون الله، وشجَّع على استخدام العقل والفهم، ولم يترك شيئاً فيه نفعٌ للبشرية وخيرٌ لها إلا حثَّ عليه ورغَّب فيه، ولم يقف جامداً أمام الاكتشافات العلمية والمخترعات الحديثة، بل أمر باستخدامها في نصرة الإسلام وحياضه، والدفاع عن المسلمين وبلادهم، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. وما أحوج المسلمون اليوم إلى الاستفادة من العلوم المعاصرة، والصناعات الحديثة في ضوء العقيدة الإسلامية الصحيحة، فهي مصدر العزة والقوة والخير للبشرية جميعاً، وأنَّى لأمةٍ من الأمم مهما بلغت من التقدم العلمي والمادي والتحضر العصري، وإن ابتغت نفَقاً في الأرض أو سُلَّماً في السماء، أو جابت الأرض وغزت الفضاء أن تصل إلى ما تصبوا إليه من السعادة والقوة والنصرة والكرامة، وهي في معزل عن العقيدة الإسلامية، ومنأىً عن تحكيم الكتاب والسنة! أمة الإسلام! لقد منَّ الله على البشرية في هذا العصر؛ إذ سخر لها ما نراه من الترقي في علوم الصناعة؛ الذي بلغ في زماننا -هذا- مبلغاً يفوق الوصف، فهذه المراكب البحرية والبرية والجوية، وهذه الآلات الحربية الحديثة التي تبهر العقول؛ بدقة صنعتها ووفرة منجزاتها، وأدائها لوظيفتها أداءً محكماً دقيقاً، وإن هذه الأمور من ابتلاء الله لخلقه؛ لينظر من يستعين بها على طاعته، ويشكره عليها، ممن يكفر بها ويستعملها فيما يُسخط الله. ويجب على المسلمين أن يعلموا أن ما وصلوا إليه من تقدم في مجالات الحياة لا يمكن أن يحصل لولا تعليم الله ، فلو شاء لسلبهم العلم، وكانوا جاهلين بمصالحهم، ولكنه تعالى منَّ عليهم بالعلم والقدرة، ومهما أُوتي العباد من علم وقدرة فإنه يسيرٌ جداً بالنسبة إلى علم الله وقدرته. فعلينا أن نعتبر بهذه الوسائل الحديثة، على كمال الله علماً وقدرةً ورحمة، وأنه وحده الخالق لهذه الأمور كلها: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فهو الذي أبدع هذه الصناعات، وهو الذي خلق صانعيها، وهو الذي دلَّهم وفهَّمهم، ومنَّ عليهم بالإدراك والعلم والعقل، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١٣٧]. كما ينبغي أن تزيد هذه المبتَكرات الجديدة في إيمان المؤمنين، وتمسكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ ، فلا يمكن أن يحدث شيء من المحسوس، أو يُعلَم شيء من المعقول يخالف ما جاء به الكتاب والسنة أبداً، بدون تأوُّل أو تمحُّل. وقد أعمى الله بصائر الكفار والمنافقين، فلم يعتبروا بهذه الآيات على عظَمة الخالق ، وكماله وقدرته وعلمه، فيفردوه بالعبادة، بل نظروا إليها نظرة التمتع العاجل بها، وكفروا بخالقها، وجحدوا نعمته، ونسبوا ذلك إلى علمهم وحولهم وقوتهم وعقولهم؛ فاغتروا بها وطغوا ولم يعتبروا بمن قبلهم. نسأل الله أن يرزقنا التفكر في مخلوقاته، والتدبر في آياته، وأن يجعل ما أفاء على البشرية من العلوم، والصناعات، والمخترعات، خيراً للإسلام ونصرةً له، ودفاعاً عن المسلمين وبلادهم، وأن يصرف عنهم شر ذلك، ونقمته وفتنته، كما نسأله تعالى أن يُوفِّق شباب المسلمين، وأن يبلغهم فيما يرضيه آمالَهم وطموحاتِهم إنه أعظم مسئول. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 865

شكر نعم الله سبيل التمكين الحمد لله الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله الغني الأكرم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى العرب والعجم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما سخَّر لكم من النعم العظيمة، وتفكروا في مخلوقاته، واعملوا بطاعته واحذروا معصيته، وثقوا بوعد الله لكم بالنصر والتمكين والقوة؛ إنْ تمسَّكتم بدينكم وأعليتم كلمته، وسخَّرتم ما أنعم عليكم مما علَّمه الله تعالى لخلقه؛ من العلوم المتعددة، والوسائل المختلفة للدفاع عن الإسلام وإعزاز أهله وبلاده. واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم وفق المسلمين لما تحب وترضى، اللهم وفقهم إلى العودة الصادقة إلى دينك القويم يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رُشد؛ يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء. اللهم وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمداً ﷺ على الدين كله، ولو كره المشركون. اللهم أصلح قادة المسلمين وعلماءهم، وشبابهم وشيبهم ونساءهم يا رب العالمين. اللهم وفقنا لما تحب وترضى. اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم اجعله سنداً للمسلمين، ونصيراً ومعيناً لهم يا أرحم الراحمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في كل مكان، وارزقهم تحكيم كتابك، وسنة نبيك ﷺ يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 866

السبيل إلى الحج المبرور فرض الله تعالى على عباده قصد بيته العتيق لأداء مناسك مخصوصة، ورتب على فعله الأجور العظيمة، من رفع الدرجات وتكفير السيئات وإقالة العثرات، وإن من أعظم مقاصد الحج وحكمه: إخلاص التوجه واللجوء له ، واجتماع الكلمة وصفاء قلوب المسلمين بعضهم لبعض.

стр. 867

موسم الحج المبارك الحمد لله الذي فرض على عباده الحج، وندبهم إلى الإتيان إليه من كل فج، وحثهم على التقرب إليه بالعج والثج، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع الشرائع وأحكم الأحكام، وجعل الحج ركناً من أركان الإسلام، وسبباً لدخول الجنة دار السلام، ووسيلةً لتكفير الذنوب والآثام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل من صلَّى وزكَّى وحج وصام، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، شموس الدجى ومصابيح الظلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا إخوة الإسلام! ويا حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله . عباد الله! حجاج بيت الله! في هذه الأيام المباركة تعيش الأمة الإسلامية فرضاً عظيماً، وموسماً كريماً، تخفق له قلوب أهل الإيمان، وترنو إليه أبصارهم، وتتطلع له همم أهل الإسلام، إنه موسم الحج إلى بيت الله الحرام. ها هي قوافل حجاج بيت الله الحرام، وجموع ضيوف الرحمن، ووفود الملك العلَّام، أتت من كل فجٍ عميقٍ؛ ليشهدوا منافع لهم، فدافعهم الإيمان، وقائدهم الرغبة، وحاذيهم الشوق، وحافزهم الأمل فيما عند الله سبحانه؛ من الرحمة والرضوان، والجود والغفران. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من حجَّ فلم يرفثْ ولم يفسقْ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾ ولهما - البخاري ومسلم - عنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة﴾.

стр. 868

حِكَم ومقاصد الحج أمة الإسلام! حجاج بيت الله الحرام! فريضة الحج من أعظم فرائض الإسلام، فهي ليست رحلة سياحية، ولا نزهة خلوية، وإنما هي عبادةٌ عظيمة، وفرصةٌ إيمانية كبيرة، يحفها منهج شرعي، وتضبطها آدابٌ سامية، وأخلاقٌ عالية، فللحج شروط، وأركان، وواجبات، ومستحبات، وآداب، ينبغي أن يعرفها كُلُّ من أمَّ هذا البيت؛ ليؤدي هذه الفريضة العظيمة، كما أراد الله سبحانه، وكما سنَّ رسوله ﷺ القائل: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وليعود بالمنافع والآثار التي قصد إليها الشارع الحكيم من فرض هذه العبادة العظيمة. ضيوف الرحمن وفود الملك العلام! يا من تجشمتم الصِّعاب، وركبتم المشاق والأخطار، وقطعتم الفيافي والقفار، والأجواء والبحار، وتركتم الأوطان والأموال والأولاد، لا لشيءٍ إلا لأداء فريضة الحج على الوجه الأكمل، والطريق الأمثل، فهنيئاً لكم سلامةٌ الوصول، وحصول المأمول.

стр. 869

التوحيد أهم مقاصد الحج حجاج بيت الله الحرام! عليكم بالعقيدة الصحيحة؛ فإن أعظم مقاصد الحج توحيد الله سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦]. فلا تتوجه في الحج ولا في غيره، إلا لمن بيده وحده أزمة الأمور، وملك النفع والضر، والحياة والموت، لا إله غيره، ولا رب سواه، فلا يغني التمسح بالكعبة، ولا في حلق الأبواب، ولا في جبل عرفات، ولا غار حراء، ولا في غيرها، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك: أما والذي حج المحبون بيته ولبّوا له عند المهل وأحرموا وقد كشفوا تلك الرءوس تواضعاً لعزة من تعمى الوجوه وتسلمُ فحققوا -رحمكم الله- الأصل العظيم الذي تنبني عليه أقوالكم وأفعالكم، واحذورا من التوجه لغير الله كائناً ما كان، واقصدوا الله وحده في كل أموركم، ولا تنصرفوا عنه إلى غيره، لا إلى أشخاصٍ وكيانات، ولا إلى مناهج وشعارات، ولا إلى مبادئ وزعامات، تخالف عقيدة الإسلام؛ فإن ذلك مؤذنٌ بحبوط الأعمال والعياذ بالله: يحج كي ما يغفر الله ذنبه ويرجع قد حطت عليه ذنوبُ

стр. 870

صفاء القلوب واجتماع الكلمة حجاج بيت الله الحرام! عليكم بالتحلي بالأخلاق الإسلامية، والتزام الآداب الشرعية، والأنظمة المرعية في هذه البقاع المباركة؛ فليحذر -الحاج الكريم- من اللغو والرفث، والفسوق والجدال والمراء، وإيذاء إخوانه الحجاج؛ بيده أو بلسانه، بقوله أو بفعله، فلا يزاحم إخوانه المسلمين، ولا يؤذيهم حساً ولا معنى، لا في المطاف، ولا عند الأبواب، ولا عند الجمرات، ولا في الطرقات، بل يتحلَّى معهم بالخلق الحسن، واللطف واللين، والمحبة والتعاون والإيثار، وتلك من أهم منافع الحج، فصفاء القلوب، ووحدة الكلمة، واجتماع الصفوف، والتعاون على البر والتقوى، دروسٌ عظيمة، تستفاد من مدرسة الحج في الإسلام. واعملوا -رحمكم الله- بكل ما من شأنه الخروج بالآثار البليغة، والدروس والعبر النافعة، والمنافع الجمة من هذه الفريضة العظيمة، فما أحوج أمة الإسلام اليوم، وقد عمَّها طوفان المحن، وجرفتها سيول الفتن، أن تستفيد من هذه المناسبات الشرعية، صلاحاً في أحوالها، وتحسناً في أوضاعها؛ ليكون هذا الموسم وأمثاله فرصةً للإصلاح، ومناسبةً للمحاسبة والتقويم. إنه لن تحرر المقدسات، ولن تحل المشكلات، وتتلاشى الفرقة والخلافات، إلا إذا عمل أفراد هذه الأمة -كلٌ في موقعه- على حمل رسالة الإسلام الحق في نفسه، وفي محيطه، هناك يُدرِك أعداء هذه الأمة، أن لجنود الإسلام قوةً بعد ضعف، ويقظةً بعد غفلة، وصحوةً بعد كبوة، واجتماعاً بعد فرقةٍ وشتات: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥].

стр. 871

تعظيم شعائر الله حجاج بيت الله! عظموا -رحمكم الله- شعائر ربكم وشرائعه ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] واعقدوا العزم الأكيد على العمل بدينكم، مصدر عزكم ونصركم وسعادتكم في الدنيا والآخرة، واجعلوا من مناسبات الإسلام العظيمة نقطة تحولٍ إيجابية في حياتكم، وانطلاقة جادةً لتصحيح أحوالكم، وتقويم أوضاعكم، وصفحةً جديدة للعمل البنَّاء المثمر؛ فيما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، ومحطة تزود من وقود القلوب؛ للإيمان والتقوى، والتخفف من الذنوب والمعاصي، وصفحةً جديدة للإقبال على الله، والتوبة الصادقة، ومحاسبة النفوس، والإقلاع عن كل ما حرمه الشرع ونهى عنه. فالواجب على أهل الحلِّ والعقد في بلاد الإسلام، أن يستغلوا فرصة هذا الاجتماع العظيم، لتقويم مسيرتهم، وحل مشكلاتهم بأنفسهم، وعلى علماء الإسلام، وقادة المسلمين، ودعاة الخير والإصلاح، أن يجعلوا من حِكَم ومقاصد هذه الشريعة من هذا الاجتماع الكبير، انطلاقة جادةً للدعوة إلى الله، ونشر العلم الشرعي، بمنهجٍ سليمٍ وعرضٍ صحيح، وحكمةٍ نافذةٍ، وبصيرةٍ نيِّرة، إن لم يكن اجتماع المسلمين في هذا المؤتمر الإسلامي الكبير نقطةً لاجتماع كلمتهم على الحق، وتوحيد صفوفهم وتضامنهم؛ فمتى يكون ذلك؟ فلا بد من إعداد العدد، وتنسيق الخطط، وتوحيد الجهود لحل مشكلات المسلمين.

стр. 872

أوضاع الأمة الإسلامية إن أمة الإسلام اليوم بحاجةٍ ماسة إلى الاستفادة من مواسم الإسلام المباركة، وآثارها العظيمة، ومنافعها الجمة؛ لتنطلق للإصلاح من نقطة الانطلاقة الأولى، من هذه البقاع المباركة، فمتى تظل الأمة تراوح مكانها؟ وتأسى على أوضاعها؟ وتندب حظها؟ دون تحركٍ جاد في العمل للإسلام وبالإسلام. فهل تذكرتم -يا حجاج بيت الله الحرام وأنتم تحلون في رحاب هذا البيت العتيق- أباكم إبراهيم ﵇، وابنه إسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت؟! وهل تذكرتم نبيكم المصطفى محمداً ﷺ ، وهو يقوم بالدعوة إلى الله من هذه البقاع المقدسة؟! هل تذكرتم كيف نمت دوحة الإيمان، وترعرعت دعوة الإسلام؛ التي حملها رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟!

стр. 873

أسباب تردي أوضاع الأمة ثم هل تفكرتم بما آل إليه أمركم في هذا الزمان، وعرفتم ما هو السبب في ذلك الخذلان؟ إنه -والله- التساهل في أمر هذا الدين، ووجود الخلاف والفرقة بين أبناء المسلمين، هو الذي سبب تسلط أعداء الإسلام على أمة الإسلام، واحتلال مقدسات المسلمين وإحلال الفساد والدمار فيها. هل تذكرتم -يا إخوة الإسلام، ويا أيها الحجاج الكرام- وأنتم تنعمون في ظل هذا البيت الآمن أخاه المسجد الأقصى المبارك الذي يئن تحت وطأة الاحتلال الغاشم، من أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية وإسرائيل في هذه الأيام في فلسطين ولبنان خافٍ على كل ذي لبٍ من الناس! هل تذكرتم مآسي إخوانكم في العقيدة في كثيرٍ من بقاع المعمورة، في البوسنة والهرسك وفي كشمير وفي الشيشان وغيرها؟! هل وهل أسئلةٌ عظيمة ومهمة؛ يجب أن تدور في خلد كل حاج، لينطلق لإصلاح نفسه، وليعرف مكانته ودوره في هذه الأمة، وأنه واحدٌ من المسلمين، ولبنةٌ من لبنات المجتمع الإسلامي، عليه مسئوليةٌ كبرى -على حسب موقعه- في سلامة سفينة الأمة من الغرق، كي تصل إلى برّ الأمان، وشاطئ السلام، رائدها كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .

стр. 874

قُدسية الحرمين الشريفين حجاج بيت الله الحرام! إن واجب المسلمين أن يرعوا قدسية الحرمين الشريفين، فلا يجوز أبداً أن تحول البقاع الآمنة إلى أماكن تجمعات ومظاهرات، وتنظيم تحركات ومسيرات، ورفع لافتات وشعارات وصورٍ ومجسمات، لزعامات وكيانات، ويأبى الله ثم يأبى المؤمنون أن تجرح قدسية البيت الحرام، والشهر الحرام، بالتهريج السياسي والشغب الغوغاء، ولا يرضى الله ولا عباد الله أن يدخل على الدين الحق ما ليس منه؛ من المهاترات الكلامية، والمزايدات السياسية، والشعارات الجاهلية، فأي دينٍ عند هؤلاء، بل أي إسلامٍ عند من يساعد على تعكير أمن بلاد الحرمين الشريفين، بجلب أسلحةٍ ومتفجرات، أو ترويج مسكراتٍ ومخدرات، أو ما إلى ذلك من الجرائم المنكرة، وشتان شتان بين عمل أهل الإيمان والإسلام، وعمل أهل التخريب والإجرام، وإن بدعة المسيرات بدعةٌ منكرة لا سند لها من المعقول والمنقول، وليست أقل سوآت القوم، مما كشفه التاريخ في قديم الزمان وحديثه، والله دون حرمه ودون كل من أراد الإلحاد فيه أو الظلم، فهو سبحانه سيكشف سترهم، ويفضح سرهم: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]. وإن جموع الحجيج الذين يجدون في هذه الأيام فرصةً عظيمة، ومناسبةً كبيرة، لغسل القلوب مما علق بها من أدران الذنوب والمعاصي ليتطلعون إلى كل ما من شأنه شيوع الأمن وعموم السلامة لهم، في أديانهم وأبدانهم مما تشرف بلاد الحرمين حكومةً وشعباً بتحقيقه ولله الفضل والمنة. وإن واجبات الحكومات الإسلامية أن تتعاون في ذلك، وأن تقوم بتوعية حجاجها، بما يجب عليهم معرفته من حرمة الزمان والمكان، وكيفية العمل بالشعائر والمشاعر على الوجه الشرعي والسنن النبوي. كما أن واجب المطوفين والمسئولين عن حملات الحج والعمرة عظيم، ومسئوليتهم كبيرة، تجاه من اؤتمنوا عليه، من رعاية الحجيج، وليعلموا أنها أمانةٌ وديانه قبل أن تكون تجارة، وتحية تقدير وإجلال، لكل من يعملون في خدمة الحجيج؛ فإن خدمة الحجيج شرفٌ أيما شرف، جعله الله في موازينهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 875

روحانية الحج ومناسكه الحمد لله، جعل المناسك، وأوضح لعباده المسالك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! واشكروه -جلَّ وعلا- على ما هيأ لكم من الوصول إلى بيته العتيق، والاجتماع حول هذه الكعبة المشرفة، حيث تسكب العبرات، وتتنزل الرحمات، وتُرفع الدرجات، وتقال العثرات، وتُكفر السيئات، وتغفر الذنوب والخطيئات، فيا لها من مواقف تهذب فيها النفوس، وتصقل فيها القلوب، وتحيا فيها الضمائر، وتصفو فيها المشاعر، ويفرح بها أهل الإيمان! فاستغلوا -رحمكم الله- وجودكم في هذه البقاع العظيمة، والعرصات الكريمة، حيث تنعمون بشرف الزمان والمكان، لا سيما ونحن نعيش العشر الأولى من ذي الحجة، وهي ما هي شرفاً وقدراً، روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام -أي: أيام عشر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله! إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء﴾. الله أكبر! يا لها من فرصٍ عظيمة! لا يُفرِّط فيها إلا مغبون، ولا يتساهل فيها إلا محروم.

стр. 876

بيان مناسك الحج فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا وفود الله! واعرفوا لهذا الزمان والمكان حرمته، ولهذه الفريضة مكانتها، وتوِّجوا ذلك عملاً صالحاً، وسلوكاً مقبولاً؛ تكونوا من الموفقين في الدنيا والآخرة. حجاج بيت الله الحرام! استغلوا هذه الأيام المباركة بالأعمال الصالحة، بالذكر والدعاء، والتلاوة والتكبير، والطواف والصلاة، وسائر الأعمال، فإذا جاء يوم الثامن من ذي الحجة، فتوجهوا إلى منى، وبيتوا بها ليلة عرفة، استحباباً، فإذا طلعت الشمس من يوم التاسع فتوجهوا إلى عرفة وابقوا بها إلى غروب الشمس وجوباً، واجتهدوا هذا اليوم العظيم بالدعاء، والضراعة إلى الله سبحانه، فما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي فيه ملائكته، فيقول: ﴿أتوني شعثاً غبراً؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم﴾ ثم تبيتون بـ المزدلفة وجوباً، ثم تفيضون منها إلى منى لرمي جمرة العقبة، ولبقية أعمال المناسك، ثم إذا أردتم الخروج من مكة فاختموا بطواف الوداع، وبذلك تتم المناسك. فاتقوا الله عباد الله! واتقوا الله -يا حجاج بيت الله الحرام- وأدوا المناسك على خير وجه، متأسين بنبيكم ﷺ ، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، وصونوا حجكم عن النواقض والنواقص، ولا تتساهلوا بشعائر الله، واجتنبوا اللغو والرفث، والفسوق والجدال، واعمروا أوقاتكم بالطاعة، واعملوا -رحمكم الله- بالتقوى والعمل الصالح، وتجنبوا المحرمات والمنكرات، والأذى قولاً وفعلاً. تقبل الله منا ومنكم، وأعانكم على أداء مناسككم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وأعادكم إلى بلادكم سالمين غانمين، ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك.

стр. 877

الطهارة في الإسلام لقد اعتنى الإسلام بالنظافة بمفهومها الواسع؛ فهي جزء من حياة المسلم وطابع لا غنى له عنه، وقد سبق الإسلام في ذلك النظم البشرية كلها. والنظافة التي جاء بالاهتمام بها الإسلام على ضربين: نظافة حسية ونظافة معنوية. فعلى المسلم الاعتناء بالنظافة على قسميها؛ ففيها السعادة الدنيوية والأخروية.

стр. 878

عناية الإسلام بالطهارة الحسية والمعنوية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونثني عليه الخير كله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُحِبُّ التوابين ويحب المتطهرين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ حق التقوى. عباد الله! يا من شرفكم الله بالإسلام! اشكروا الله على هذه النعمة الكبرى، فإن دينكم دين الكمال والشمول، لم يترك خيراً للعباد وصلاحاً لهم في المعاش أو المعاد إلا أمر به وحثَّ عليه، ولا شراً أو ضرراً يعود عليهم في دنياهم وفي عقولهم وأجسادهم إلا حذَّر منه ونهى عنه، ولقد كان رفع الحرج وإحلال الطهر والنقاء من القواعد والمعالم التي جاءت بها شريعة الإسلام: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦] وقد جاءت هذه الحكم والقواعد والأسرار في ختام آية الأمر بالوضوء في سورة المائدة، تنبيهاً لما لهذا الحكم العظيم من آثارٍ في حياة المسلم. إخوة الإيمان! لقد عني الإسلام بالطهارة المعنوية والطهارة الحسية، واهتم بنظافة الباطن والظاهر، وقد قسَّم أهل العلم الطهارة إلى أربع مراتب:

стр. 879

الطهارة الحسية وهي: طهارة الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات، وقد جعل الإسلام هذه المرتبة، جزءاً من حياة المسلم، وطابعاً لا غنى له عنه، وعملاً لا ينفك منه في اليوم والليلة، ويتولى الوضوء الشرعي كبر هذه المرتبة، وفيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل أضعاف ما له من الآثار الحسنة على نظافة المسلم، فقد جعله النبي ﷺ سبباً لمحو الخطايا ورفعة الدرجات، كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره﴾. بل قد جعل المصطفى ﷺ الطهور شطر الإيمان، كما في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري ﵁. الله أكبر! يا لِسعة فضل الله، وإكثاره طرق الخير لعباده! ولكن أين المحتسبون المتبعون الذين يقومون بهذا العمل إخلاصاً لله، ورغبةً فيما عنده، واتباعاً لسنة المصطفى ﷺ في ذلك؟! حيث قد زيَّن الشيطان -أعاذنا الله منه- لبعض الناس الزيادة في الوضوء، فيدخلهم في الوهم والوسوسة، وقد يجرهم إلى التقصير في ذلك، فعدم التنزه من البول والخارج، وعدم غسل الأعضاء كاملة، أو ما يفعله بعض الجُهَّال من التيمم مع وجود الماء، أو إمكان الحصول عليه. ومن عناية الإسلام بالوضوء: أنه جعله مرتبطاً بأهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، فهو شرطٌ لصحتها، ومفتاحها، ومقدمتها. ومن مظاهر عناية الإسلام بطهارة الظاهر: إيجابه الاغتسال عند حدوث موجباته، كالجنابة، والحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، كما شرع الإسلام الاغتسال في حالاتٍ: كالجُمع والأعياد، والإحرام، وحضور الاجتماعات العامة، ومن ذلك حثه على التطيب، والسواك والختان، وأخذ الزينة عند حضور المساجد والصلاة. ومن ذلك -أيضاً- خصال الفطرة التي أفصح عنها حديث المصطفى ﷺ ، كما في حديث عائشة ﵂ عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: ﴿عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني: الاستنجاء-﴾ قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. إخوة الإسلام! كما حرص دينكم في هذا الجانب على ما يتصل بحياة الناس اتصالاً مباشراً، ومن ذلك: نهي الإسلام عن التبول في المياه الراكدة، والبراز في الطرق والظل وموارد الناس، كما أمر الإسلام بنظافة البيوت والطرق والطعام والشراب، واللباس والمرافق العامة، وجعل إماطة الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان، وأخبر المصطفى ﷺ : ﴿أن الله جميلٌ يحب الجمال﴾ وقد أمر الله نبيه ﷺ بالتطهر، فقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤]. كما مدح سبحانه أصحاب رسوله ﷺ ، فقال : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].

стр. 880

الطهارة المعنوية ولها ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى: طهارة الجوارح من الذنوب والآثام. المرتبة الثانية: طهارة القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة. المرتبة الثالثة: تطهير السريرة عما سوى الله . وهذه المراتب الثلاث، هي في الطهارة المعنوية، طهارة الباطن، التي هي القاعدة والأساس، فلا خير في حسنٍ ظاهر، مع فسادٍ باطن، وكم من جميل منظره خبيثٌ مخبره. أُمَّة الطُهر والنظافة! إن النظافة الحقيقية، نظافة العقيدة من كل ما يشوبها من ضروب الشرك بالله، والتعلق بغيره، وذلك يتطلب الإخلاص لله، وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ ، ونبذ كل ما يخالف هذا المنهج من أوهام أو ضلالات، كما أنها نظافة الفكر وصيانته من الأفكار الملوثة، والتصورات الفاسدة، المناهضة للإسلام، وهي تعني: طهارة القلب ونظافته، من الغل والحقد والحسد والبغضاء والرياء والنفاق والكبر والغرور، وطهارة اللسان من الكذب والزور والغيبة والنميمة والبهتان. كما أنها تعني: نظافة الخلق والسلوك من كل ما يُعكِّر صفو الأخوة، ويكون سبباً في التقاطع والجفاء، وهي -أيضاً- نظافة المعاملات، من الحيل الممنوعة، والمكاتب المحرمة، التي تأتي عن طريق الظلم والغش والربا، والرشوة والتزوير وسواها، وهي -أيضاً- نظافة الجوارح، كالسمع والبصر من النظر والسماع المحرم.
следующие страницы →