Полный текст (1 023 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
بيان مناسك الحج
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا وفود الله! واعرفوا لهذا الزمان والمكان حرمته، ولهذه الفريضة مكانتها، وتوِّجوا ذلك عملاً صالحاً، وسلوكاً مقبولاً؛ تكونوا من الموفقين في الدنيا والآخرة.
حجاج بيت الله الحرام! استغلوا هذه الأيام المباركة بالأعمال الصالحة، بالذكر والدعاء، والتلاوة والتكبير، والطواف والصلاة، وسائر الأعمال، فإذا جاء يوم الثامن من ذي الحجة، فتوجهوا إلى منى، وبيتوا بها ليلة عرفة، استحباباً، فإذا طلعت الشمس من يوم التاسع فتوجهوا إلى عرفة وابقوا بها إلى غروب الشمس وجوباً، واجتهدوا هذا اليوم العظيم بالدعاء، والضراعة إلى الله سبحانه، فما من يومٍ أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي فيه ملائكته، فيقول: ﴿أتوني شعثاً غبراً؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي، أشهدكم أني قد غفرت لهم﴾ ثم تبيتون بـ المزدلفة وجوباً، ثم تفيضون منها إلى منى لرمي جمرة العقبة، ولبقية أعمال المناسك، ثم إذا أردتم الخروج من مكة فاختموا بطواف الوداع، وبذلك تتم المناسك.
فاتقوا الله عباد الله! واتقوا الله -يا حجاج بيت الله الحرام- وأدوا المناسك على خير وجه، متأسين بنبيكم ﷺ ، واسألوا أهل العلم عما أشكل عليكم، وصونوا حجكم عن النواقض والنواقص، ولا تتساهلوا بشعائر الله، واجتنبوا اللغو والرفث، والفسوق والجدال، واعمروا أوقاتكم بالطاعة، واعملوا -رحمكم الله- بالتقوى والعمل الصالح، وتجنبوا المحرمات والمنكرات، والأذى قولاً وفعلاً.
تقبل الله منا ومنكم، وأعانكم على أداء مناسككم، وجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وأعادكم إلى بلادكم سالمين غانمين، ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك.
стр. 877
الطهارة في الإسلام
لقد اعتنى الإسلام بالنظافة بمفهومها الواسع؛ فهي جزء من حياة المسلم وطابع لا غنى له عنه، وقد سبق الإسلام في ذلك النظم البشرية كلها.
والنظافة التي جاء بالاهتمام بها الإسلام على ضربين: نظافة حسية ونظافة معنوية.
فعلى المسلم الاعتناء بالنظافة على قسميها؛ ففيها السعادة الدنيوية والأخروية.
стр. 878
عناية الإسلام بالطهارة الحسية والمعنوية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونثني عليه الخير كله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُحِبُّ التوابين ويحب المتطهرين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، وأشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ حق التقوى.
عباد الله! يا من شرفكم الله بالإسلام! اشكروا الله على هذه النعمة الكبرى، فإن دينكم دين الكمال والشمول، لم يترك خيراً للعباد وصلاحاً لهم في المعاش أو المعاد إلا أمر به وحثَّ عليه، ولا شراً أو ضرراً يعود عليهم في دنياهم وفي عقولهم وأجسادهم إلا حذَّر منه ونهى عنه، ولقد كان رفع الحرج وإحلال الطهر والنقاء من القواعد والمعالم التي جاءت بها شريعة الإسلام: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦] وقد جاءت هذه الحكم والقواعد والأسرار في ختام آية الأمر بالوضوء في سورة المائدة، تنبيهاً لما لهذا الحكم العظيم من آثارٍ في حياة المسلم.
إخوة الإيمان! لقد عني الإسلام بالطهارة المعنوية والطهارة الحسية، واهتم بنظافة الباطن والظاهر، وقد قسَّم أهل العلم الطهارة إلى أربع مراتب:
стр. 879
الطهارة الحسية
وهي: طهارة الظاهر من الأحداث والأنجاس والفضلات، وقد جعل الإسلام هذه المرتبة، جزءاً من حياة المسلم، وطابعاً لا غنى له عنه، وعملاً لا ينفك منه في اليوم والليلة، ويتولى الوضوء الشرعي كبر هذه المرتبة، وفيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل أضعاف ما له من الآثار الحسنة على نظافة المسلم، فقد جعله النبي ﷺ سبباً لمحو الخطايا ورفعة الدرجات، كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره﴾.
بل قد جعل المصطفى ﷺ الطهور شطر الإيمان، كما في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري ﵁.
الله أكبر! يا لِسعة فضل الله، وإكثاره طرق الخير لعباده! ولكن أين المحتسبون المتبعون الذين يقومون بهذا العمل إخلاصاً لله، ورغبةً فيما عنده، واتباعاً لسنة المصطفى ﷺ في ذلك؟! حيث قد زيَّن الشيطان -أعاذنا الله منه- لبعض الناس الزيادة في الوضوء، فيدخلهم في الوهم والوسوسة، وقد يجرهم إلى التقصير في ذلك، فعدم التنزه من البول والخارج، وعدم غسل الأعضاء كاملة، أو ما يفعله بعض الجُهَّال من التيمم مع وجود الماء، أو إمكان الحصول عليه.
ومن عناية الإسلام بالوضوء: أنه جعله مرتبطاً بأهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، فهو شرطٌ لصحتها، ومفتاحها، ومقدمتها.
ومن مظاهر عناية الإسلام بطهارة الظاهر: إيجابه الاغتسال عند حدوث موجباته، كالجنابة، والحيض والنفاس بالنسبة للمرأة، كما شرع الإسلام الاغتسال في حالاتٍ: كالجُمع والأعياد، والإحرام، وحضور الاجتماعات العامة، ومن ذلك حثه على التطيب، والسواك والختان، وأخذ الزينة عند حضور المساجد والصلاة.
ومن ذلك -أيضاً- خصال الفطرة التي أفصح عنها حديث المصطفى ﷺ ، كما في حديث عائشة ﵂ عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: ﴿عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني: الاستنجاء-﴾ قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
إخوة الإسلام! كما حرص دينكم في هذا الجانب على ما يتصل بحياة الناس اتصالاً مباشراً، ومن ذلك: نهي الإسلام عن التبول في المياه الراكدة، والبراز في الطرق والظل وموارد الناس، كما أمر الإسلام بنظافة البيوت والطرق والطعام والشراب، واللباس والمرافق العامة، وجعل إماطة الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان، وأخبر المصطفى ﷺ : ﴿أن الله جميلٌ يحب الجمال﴾ وقد أمر الله نبيه ﷺ بالتطهر، فقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤].
كما مدح سبحانه أصحاب رسوله ﷺ ، فقال : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
стр. 880
الطهارة المعنوية
ولها ثلاثة مراتب:
المرتبة الأولى: طهارة الجوارح من الذنوب والآثام.
المرتبة الثانية: طهارة القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة.
المرتبة الثالثة: تطهير السريرة عما سوى الله .
وهذه المراتب الثلاث، هي في الطهارة المعنوية، طهارة الباطن، التي هي القاعدة والأساس، فلا خير في حسنٍ ظاهر، مع فسادٍ باطن، وكم من جميل منظره خبيثٌ مخبره.
أُمَّة الطُهر والنظافة! إن النظافة الحقيقية، نظافة العقيدة من كل ما يشوبها من ضروب الشرك بالله، والتعلق بغيره، وذلك يتطلب الإخلاص لله، وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ ، ونبذ كل ما يخالف هذا المنهج من أوهام أو ضلالات، كما أنها نظافة الفكر وصيانته من الأفكار الملوثة، والتصورات الفاسدة، المناهضة للإسلام، وهي تعني: طهارة القلب ونظافته، من الغل والحقد والحسد والبغضاء والرياء والنفاق والكبر والغرور، وطهارة اللسان من الكذب والزور والغيبة والنميمة والبهتان.
كما أنها تعني: نظافة الخلق والسلوك من كل ما يُعكِّر صفو الأخوة، ويكون سبباً في التقاطع والجفاء، وهي -أيضاً- نظافة المعاملات، من الحيل الممنوعة، والمكاتب المحرمة، التي تأتي عن طريق الظلم والغش والربا، والرشوة والتزوير وسواها، وهي -أيضاً- نظافة الجوارح، كالسمع والبصر من النظر والسماع المحرم.
стр. 881
شمول مفهوم النظافة في الإسلام
إخوة الإسلام! قد عرفنا النظافة التي جاء بها الشرع بمفهومها الواسع، فهي ليست في جانبٍ ضيق يُعنى بالشكل على حساب الجوهر، كما أنها ليست كلماتٍ تُقال، ولا أيام تقام، بل هي ملازمة للمسلم لا تنفك عنه بحال، فما أحرى ذلك أن يزيدنا تمسكاً بديننا، ووعياً أعمق في حكمه وأحكامه.
وإن ديناً هذه تعاليمه، ينبغي لأتباعه أن يكونوا حريصين على النظافة بُكل أبعادها، ليكونوا أقوى الأمم؛ عقيدةً وإيماناً، وأسلمهم فكراً وعلماً، وأصلحهم قلوباً وأعمالاً، وأصحهم أجساداً وأبداناً، وأحسنهم هيأةً وأشكالاً، ليجمعوا بين صلاح الباطن والظاهر، وحسن المنظر والمخبر، وعند ذاك تحصل لهم القوة المادية والمعنوية، حيث يقوى الإيمان والعلم، ويحسن الخلق والمعاملة، وتصح الأبدان والعقول، فيكون لهم من الشوكة والهيبة والقوة ما يرهب أعداءهم بإذن الله.
وقد سبق الإسلام في ذلك النظم البشرية كلها، وأثبت الطب الحديث صدق ما جاء به الإسلام -ولله الفضل والمنة- مما يجعل حضارة الإسلام وتقدمه لا توازيها حضارة مدعاة، وتقدمٌ مزعوم كان من انقلاب الموازين عند أفراده، من التنافس في القذارة وعمل الأوساخ، والتسابق إلى أعمالٍ تنفر منها الطباع السليمة، والأذواق الحسنة، مما يخالف فطرة الله السوية، وتعاليمه السمحة.
عباد الله! اتقوا الله وتمسكوا بدينكم، واحذروا الاغترار بأعدائكم، واعملوا على تحقيق النظافة المعنوية والحسية في أنفسكم وأسركم ومجتمعكم، والله المسئول أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، إنه جوادٌ كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 882
مسئولية الجميع في نشر النظافة الشرعية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وغفرانه، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتقوا الله وتحلُّو بنظافة البواطن والظواهر، وتعاونوا على تحقيق ذلك في مجتمعكم، فالمجتمع النظيف عنوان نظافة أفراده، وقد قرَّر الشرع الحنيف إزالة الضرر أياً كان، وينبغي أن تتساند الجهود، وتتكاتف الأعمال، في إحياء وإذكاء روح الطهارة والنظافة لدى المسلمين، وهذه مسئولية الجميع، وكلٌ على حسب قدرته، وليست المسئولية مقصورةٌ على أناس أو جهاتٍ فحسب، بل الواجب بذل المسلمين -جميعاً- ما يستطيعون لانتشار وسائل الحفاظ على مجتمعهم سليماً بعيداً عن الأضرار.
ولا ننسى دور الآباء والأمهات في تربية أبنائهم على ذلك، وواجب المدرس في غرس هذه الخصال الكريمة في نفوس تلاميذه، وكذلك دور حملة الأقلام وأصحاب التوجيه ورجال الإعلام، فالجميع له دورٌ كبير في نشر النظافة الشرعية، نظافة القلب والفكر والخُلق والسلوك والهيئة، وليكن كل مسلم عيناً ساهرةً في تحقيق النظافة لمجتمعه، ومنع العابثين والسفهاء من التعرض بسوء للمرافق العامة، ومصالح المسلمين، ليعود لهذه الفضيلة أثرها الإيجابي على الأفراد والمجتمعات.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الهادي البشير، والسراج المنير، كما أمركم بذلك العليم الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم عاجلاً غير آجل يا قوي يا عزيز!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 883
العولمة الزائفة
الإسلام دين عالمي يدعو إلى وحدة العالم تحت سقف من العدل والرحمة والسلام، ولا يمكن لأي نظام آخر أن يكفل ذلك إلا الإسلام.
ودعاة العولمة يجعلون الإسلام عدواً لدوداً، وهذا دليل على عدم استيعابهم للآخر، أي: أنهم غير مؤهلين لحمل أية مبادئ فاضلة.
والإسلام الذي كفل ذلك كله، لا يقبل أن يشاركه فيه نظام بشري منحط.
وهنا بيان لكل ذلك ولواجب المسلمين تجاه ما يسمى بالعولمة، مع بعض النصائح للعاملين في الحقل الإسلامي.
стр. 884
العولمة الخطر القادم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ولك الحمد على كل حال، ونعوذ بك من حال أهل الضلال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، كريم السجايا وشريف الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآل، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصيته للأوائل والأواخر، وبها تسمو الضمائر، وترق المشاعر، وتقبل الشعائر، وهي الزاد الحقيقي في هذه الدنيا وغياهب المقابر، وبها النجاة يوم تبلى السرائر.
أيها المسلمون! حينما تخيم على الأمة الليالي الحوالك؛ فإنها بحاجةٍ إلى من يضيء لها المسالك، وعندما تتقاذف سفينة المجتمع أمواجٌ من التيارات وطوفان من التحديات، تمس الحاجة إلى ربابين مهرة، ورجال مصلحين بررة، يقودون دفتها إلى بر الأمان، وشاطئ السلام.
إخوة الإسلام: الصراع بين قوى الخير والشر سنة جارية، وشرعة ماضية، تؤكدها شواهد التاريخ وشهادات الواقع، غير أن النهاية الحتمية تأكيداً لوعد الله الذي لا يتخلف، وسنته التي لا تتغير ولا تتبدل هي إحقاق الحق وإبطال الباطل ولو كره المجرمون ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧]، ومن فضل الله ولطفه ورحمته بعباده أن يهيئ لهذه الأمة في كل زمان ومكان من يضيء لها معالم الدروب، ومن يقارع بإذن الله عواتي الخطوب، ويقاوم شدة الأمواج العاتية، ويصارع قوة التيارات الغاشمة، ومن يجدد لهذه الأمة أمر دينها ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
معاشر المسلمين! إنه لم تكد القرون المفضلة تنقضي، والعصور الزاهية لهذه الأمة تنتهي حتى بدأت الأمة في الانحدار، وأخذ تطبيق الإسلام بالانحسار، فكثرت الانحرافات، وتمكنت الفرقة والخلافات، بدلت قوة الأمة ضعفاً ووهناً، وعزتها ذلةً واستخذاءً، وأغار أعداء الأمة على كثير من بلادها، فنهبوا خيراتها، وعبثوا بمقدراتها، واستغلوا ثرواتها، وتداعوا عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، تتابعت الحملات الصليبية، والهجمات التترية، وتهاوت الحضارة الإسلامية في الأندلس بعدما نعمت بها ثمانية قرون، واقتسم الأعداء تركة الرجل المريض، وعبثوا بمقدسات الأمة، وسقطت دويلات المسلمين في أيدي العابثين المستعمرين.
وبدأت حملات التغريب، وسياسات تجفيف المنابع الخيرية في الأمة، ومسخت الهوية الإسلامية في كثير من بلاد المسلمين، وعلت الشعارات القومية، والنعرات الطائفية، تلتها الحدود الجغرافية، والتقسيمات الإقليمية، وخطب كثير من المنتسبين إلى الإسلام ود أعدائهم، وحورب الإسلام بمصطلحات غربية أشهرها في هذه الآونة ما يعرف بمصطلح العولمة الذي يعد باختصارٍ غابةً مظلمةً تملؤها وحوش كاسرة.
إنه يرمي إلى تحويل العالم إلى قرية واحدة، لكنه يثير اليوم زوابع منتنة، وينفث سموماً قاتلة من الممارسات والفواجع المدمرة، ويفضي إلى هيمنة غربية على الأمة الإسلامية، ومن البديهي أن الأمة المسيطرة تسعى لفرض معتقداتها وثقافاتها ومصالحها على الأمم المستجدية.
стр. 885
المسلمون هم أهل العالمية الحقة
إن العولمة لا تعني انتقال معلومات مجردة، وتقنيات ميسرة فحسب، وإنما تريد أن تبذر بذوراً من حنظل لتجني الأمة ثماراً من علقم تتجرع مرارتها شجىً في الحلوق طويلاً، وإن تعجبوا يا رعاكم الله! فعجبٌ كيل أرباب العولمة بمكيالين حينما تبدو سياساتهم أكثر انغلاقاً وعنصريةً، ورفضاً للعالمية الصحيحة حينما تمس أنماط معيشتهم، وإلا فالمسلمون هم أهل العالمية الحقة التي تملأ الأرض رحمةً وعدلاً وسلاماً ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، ثم من حق المسلمين أن يتساءلوا: لماذا يتخذ دعاة العولمة الإسلام عدواً لدوداً، ويحاولون تشويه صورته، وطمس حقائقه ظلماً وعلواً، وجر بلاده إلى أنواعٍ من العولمة المفضوحة؟ لعل من أشدها أثراً، وأكبرها خطراً، وأعظمها ضرراً تلك العولمة الثقافية والإعلامية، التي تبث الحرب ضد عقيدة المسلمين وقيمهم وفكرهم النير، وتروج لثقافات مسمومة تنذر طلائعها بمزيد من الشقاء للبشرية، فهل يا ترى يتنبه المسلمون لما يراد بهم ويخطط لهم؟!
стр. 886
موقفنا تجاه العولمة
إن هذه المصطلحات تحدٍ كبير يحتاج إلى الغيورين في الأمة لرصدها والتصدي لها من وجهة شرعية، كما أنها قضية تحتاج إلى النظر فيها بدقة وتفهم لإمكان الاستفادة من إيجابياتها التي لا تتعارض مع مصالح أمتنا الإسلامية وثوابتها العقدية والشرعية، وتبقى الحقيقة المُسَلّمَةُ في منطلق هذه الصيحات والمصطلحات، وهي المشعل الوضاء في نهاية نفق الحياة المليء بالكيد والمؤامرات، فلن تهزم هذه المصطلحات بإذن الله عقيدة الإيمان المتغلغلة في نفوس المسلمين بحمد الله، وإنه لا يمكن للمسلين أن يواجهوا هذه التحديات إلا بتوحيد الجهود وتنسيق المواقف في منظومة متآلفة متألقة في عالم يموج بالتحولات وتعصف بعوامل استقراره المتغيرات.
ألا فليعلم سماسرة العولمة في عالمنا الإسلامي أن أمتنا الإسلامية بتاريخها وأصالتها لن تفرط في شيء من ثوابتها، ولن تتنازل عن شيء من خصائصها مهما عملوا على خلخلة البنى التحتية الثقافية والأخلاقية في كثير من المجتمعات، فلن نعمل مستوردين لأنماط العادات والموضات والتقليعات في بعدٍ عن قيمنا ومبادئنا، لقد خيل لبعض المنهزمين أمام حضارة الغرب ممن استعبد الغزو الفكري قلوبهم أن السبب فيما أصاب أمتنا من ضعف وتأخر كان نتيجةً حتميةً لتمسكهم بدينهم.
الله المستعان عباد الله! كيف انخدعت فئام من الأمة؟!
وكيف انحدرت إلى هذا المستوى من الواقع المرير؟!
احتلت فلسطين الصامدة المجاهدة، واستبيحت مقدساتها المسلمة، وعبث يهود بأرضنا المباركة، ونحيت شريعة الله في كثير من البلاد، بل أقيمت المتاريس ضدها في أجيال انتزعت هويتهم، وتربوا على فكر أعدائهم، وصممت جملةٌ من مناهج التعليم ووسائل الإعلام في كثير من بلاد المسلمين، فأخرجت أجيالاً نافرةً من دينها منسلخةً عن قيمها، فخرجت تنعق بدعوات الغربية، وتعتنق أفكار الجاهلية، وترى في الدين تأخراً ورجعيةً، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ألم يئن الأوان يا أمة الإسلام! أن تعي الأمة رسالتها؟ وأن تتعرف على الخلل الكبير في حضارة أعدائها؟
يا أهل الإسلام! يا من أعزكم الله بهذا الدين! وشرفكم بحمل أمانته يوم أن عجزت السماوات والأرض والجبال، إن عليكم مسئوليةً كبيرةً تجاه دين الله تعلماً وتعليماً وإصلاحاً ودعوةً، فالدين قادمٌ بحمد الله، لا بد أن تستيقن الأمة بمراتب اليقين كلها أنه لا مخلص لعالم اليوم من أزماته الخانقة، وأوضاعه المتردية إلا الإسلام على عقيدة التوحيد الصافية، والمتابعة الصحيحة للمنهج السليم كتاباً وسنةً في فهم سلف الأمة.
وإن الناظر الغيور، ليأسى أشد الأسى من تضييع الأمة لكثير من الفرص في الدعوة إلى دين الله، واستثمار وسائل العصر الحديثة كالفضائية من القنوات، والعالمية من الشبكات ووسائل المعلومات، فأين من يحمل هموم العمل للإسلام؟ هاهو العالم يفتح صدره للإسلام، فأين العاملون المخلصون بمنهج قويم وأسلوب سليم؟
كفى حزناً للدين أن حماته إذا خذلوه قلنا كيف ينصر؟!
стр. 887
بشائر المستقبل الإسلامي
أمة الإسلام! إن من البشائر أن الحضارة المعاصرة تعلن إفلاسها، وتلفظ أنفاسها، وذلك لأنها فرطت في أعظم مقومات البقاء، أهدرت القيم الإنسانية، وجعلت من الإنسان آلة موارة، ورحىً دوارة، خاليةً من معاني الروح ومعاني القيم.
إنه لا عز لهذه الأمة، ولا حضارة إلا بالإسلام، هزمت معسكرات الوثنية، ودكت معاقل الجاهلية، وحطم القياصرة، وكسر الأكاسرة، وهزم التتار والصليبيون برفع شعار " الله أكبر" وانتصر المصطفى ﷺ وصحابته من بعده بإعلاء راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصبحت الأمة قوية مرهوبة بجانب الإسلام ليس إلا، وستنصر هذه الأمة المعاصرة بالإسلام بإذن الله، لأنه دين الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، ومع ذلك كله لا بد أن يقدم المسلمون لدينهم، ويصلحوا أنفسهم، ويعالجوا عيوبهم من الداخل، ويسدوا كل ثغرة يريدون أن ينفذ العدو منها، وأن يتحدوا على المصدرين العظيمين، وينبذوا كل الاتجاهات والمذاهب، وجميع الأحزاب والمشارب التي تخالف تعاليمه، وأن يؤصلوا في أنفسهم وأجيالهم العلم الشرعي النافع، والتربية الإسلامية.
إخوة العقيدة! إن المسلم يتفاءل كثيراً بأن المستقبل لدين الله كما قال : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، وكما أخبر المصطفى ﷺ وبشر: ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار﴾، وتلك ليست أحلاماً وأوهاماً، وإنما هي وعود حق، وأخبار صدق، غير أن الواجب على الأمة الإسلامية أن يكون لها مزيد اهتمام، وبذل جهود أكبر في خدمة الدعوة الإسلامية.
إننا لنتوجه إلى قادة المسلمين بتذكيرهم بالواجب الأكبر في إعزاز دين الله، وتحكيم شريعة الله، ونصرة أولياء الله، وعلى المسلمين جميعاً أن يبذلوا لدينهم؛ لأن الناس متعطشون لغذاء الروح بعد أن ملوا التفنن بالماديات لا سيما في عالم الغرب، وإن على العلماء والدعاة إلى الله وأهل الخير والإصلاح من أهل الكفاءة العلمية والآداب المرعية أن يسهموا في زيارات الدعوة والتوجيه لما لها من الأثر البالغ تصحيحاً في المناهج، وتقوية للأواصر، وتشجيعاً للمسلمين في كل مكان، وتحسيساً لهم بمكانتهم، ودور بلاد الإسلام التي يشعرون أنها تهتم بهم وترعى شئونهم وتشاطرهم آلامهم وآمالهم.
وبالتالي سد الباب أمام كل من يريد الاصطياد في الماء العكر من أصحاب الاتجاهات المنحرفة والمسالك المشبوهة، كما أن الدعوة متجددة وبإلحاح شديد في عصرنا الحاضر بالعمل على إيجاد قنوات إعلامية إسلامية تبث الدعوة إلى الله، ومحاسن الدين القويم بلغات شتى؛ لأن الإعلام اليوم في العالم كله يلعب دوراً كبيراً في التأثير على جميع الفئات مما يتطلب من المعنيين بشئون المسلمين لا سيما أهل الثراء واليسار ورجال الأعمال من أهل الاقتدار أن يسهموا بسد هذه الثغرة أداءً للواجب عليهم تجاه دينهم، وأمتنا بحمد الله أمةٌ معطاء ثريةٌ بطاقاتها، زاخرةٌ بكفاءاتها وقدراتها في شتى التخصصات ممن هم مؤهلون للعمل إقراراً للعيون، وتسليةً للمحزون بقنواتٍ إعلاميةٍ إسلاميةٍ تواكب تطورات العصر، وتحمل رسالة الإسلام الحق.
بعد أن عملت القنوات الفضائية المسفة أبشع أعمالها بوأد الفضيلة، ورفع راية الرذيلة غثاءً وهراءً، عفناً وانحلالاً، مما تبكي له الفضيلة، وتئن من لأوائه الأخلاق والقيم، ومما يزيد القلب أسىً وحرقةً أنها قد تعود في معظمها إلى ملاك من بني جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا، فأين حمية القوم الدينية، وشهامتهم العربية، وغيرتهم الإسلامية؟ نعوذ بالله من الردى بعد الهدى.
وللحوادث سلوان يهوِّنها وما لما حلَّ بالإسلام سلوان
ألا نفوسٌ أبِيَّاتٌ لها هممٌ أما على الخير أنصارٌ وأعوان
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
سدد الله خُطا العاملين لنصرة دينهم، وبارك في جهود الغيورين على أمتهم وبلادهم، وجعل الأعمال خالصةً لوجهه الكريم، إنه خير مسئولٍ وأكرم مأمول.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، فيا لفوز التائبين! ويا لبشرى المستغفرين!
стр. 888
دعوة للعاملين للإسلام
الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ومنَّ علينا بلباس الإيمان خير لباس، أحمده تعالى وأشكره على ما هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة سيد الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الفضل والإنعام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بدر التمام ومسك الختام، وخير من عمل بالدين وقام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعةٍ ضلالة.
أيها الأحبة في الله! إن دين الإسلام الذي هدانا الله إليه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، هو المنة الكبرى، والنعمة العظمى التي نسأل الله أن يوزعنا شكرها قولاً وعملاً، باطناً وظاهراً، هو دين الخير والعدل والسلام والرحمة والمحبة والوئام، والبشرية اليوم تتطلع إلى أن تتفيأ ظلال هذا الدين القويم، مما يتطلب الجد في مجال العمل للإسلام، والنهوض بمستوى الدعوة الإسلامية، وتنسيق الجهود بين العاملين، ونبذ الفرقة والخلاف التي لا يستفيد منها إلا العدو المتربص، وإن هناك فرصاً عظيمةً يأسف كل غيور على أوضاع أمته أن يفرط المسلمون في استغلالها، فالأرض خصبة، والفرص مواتية، وإن القضية ترجع إلى حاجة الأمة اليوم إلى العمل بخطط سليمة، ومنهجية مدروسة قويمة تخرج دعاة على مستوى العصر الذي يعيشونه لنثبت للعالم صدق توجهاتنا، وسلامة مقاصدنا، وسمو أهدافنا بعد أن شوه الإسلام من أطراف علمانية منحرفة في ثقافتها وأخلاقها، وأخرى جاهلة مغالية لا تؤمن إلا بسفك الدماء وتناثر الأشلاء، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣]، وإن من التحدث بنعم الله ذلك الجهد الذي ينبغي أن يذكر، فيشكر، وعند النصفة لا يغفل، ولا ينكر التي يبذلها جنودٌ مجهولون من أهل الخير والدعوة والإصلاح ممن آثروا ما عند الله، ولا ينسى الدور الفاعل الذي ينبغي أن يروى فلا يطوى، ويظهر فلا يغمر، ويبان فلا يطمر لبلاد الحرمين الشريفين -حرسها الله- في المجالات الخيرية، والإغاثية، والصروح العلمية، والدعوية، والحضارية، والمناشط الإسلامية في كثير من بلاد العالم، ولا غرو، فهذا من صميم ثوابتها، وأهم أهدافها ومنطلقاتها، جعل الله عملها خالصاً لوجهه الكريم، وضاعف مثوبتها، وزادها من الخير والتوفيق بمنه وكرمه، والحق أنه لا يدرك مكانتها وفضلها ومميزاتها وخصائصها إلا من اغترب عنها.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
ألا واعلموا رحمكم الله أن من أفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم كثرة صلاتكم وسلامكم على الهادي البشير والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أيد للحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك ﷺ .
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم أصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربى والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 889
الفراغ بين الاستغلال والضياع
الوقت هو الحياة، بل إن الوقت هو أنت أيها الإنسان! فإذا ذهب وقتك فقد ذهبت.
وحديث الشيخ هنا يتضمن وقفات هامة حول هذا الموضوع، ويتضمن موضوعاً آخر وهو: ضوابط السياحة في الإسلام.
وهذه الوقفات المختصرة تمثل خطوطاً عريضة، يحتاج المسلم إلى ملاحظتها، وبناء حياته على أساسها لأنها مقتبسة من روح الإسلام.
стр. 890
بعض صفات المسلم الصادق
الحمد لله فاطر الفِطَرَ، وخالق البشر، ومُبدع الأشباح والصور، أحمده تعالى حمداً كثيراً كما أمر، حمداً يتجدد في الآصال والبكر، وأشكره سبحانه وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، سبحانه هو العالم بكل ما خفي وما ظهر.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا ملجأ من دونه ولا وزر، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والمتوج بالمقام الأسمى الأكبر، والمجد الأعلى الأطهر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما كبَّر الله مكبرٌ وذكر، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فلنتق الله -عباد الله- في كل ما نأتي وما نذر، ولنستجب له -سبحانه- في كل ما نهى وأمر.
أمة الإسلام! يظل المسلم الحق ثابتاً على مبادئه، وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، مستمسكاً بإسلامه، مقيماً لشعائره فخوراً بشرائعه، داعياً إلى سبيله، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمُحيَّاه كله لله، وأعماله كلها لمولاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فحيث ما كان وحل، وأين ما وجد وارتحل، فإنه يضع التقوى شعاره، وطاعة الله دثاره، في سره وعلانيته، وعسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وحضره وسفره، وفراغه وشغله، في الشدة والرخاء، وفي حال البأساء والضراء، والأفراح والأتراح، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، والجاد في انتمائه.
إخوة الإسلام! من أسوأ ما أصيبت به هذه الأمة في هذا العصر انتشار الانتماء السلبي، وغلبة الفكر الهامشي، الذي طغى في كثيرٍ من الجوانب مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل لِلَوْثات الفكر المنحرف رواجاً في تقويم شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعيةٍ لبهرج التغريب والتفرنج المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، فأين الاعتزاز بالإسلام يا أبناء الإسلام؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
إخوة الإيمان! حينما تستمسك الأمة بالعروة الوثقى تصلح أمورها في الدنيا وتسعد في الأخرى، وتتلاشى عن مجتمعاتها الظواهر المخالفة لدينها، وإن هي فرَّطت في إسلامها، وأرَّخت الزِمام لأبنائها، يخبطون خبط عشواء في كل فكرٍ دخيل، ومنهج هزيل، وانفتاح على العالم دون ضوابط، تفشت بينها الظواهر المخالفة لدينها التي تترك آثاراً سلبيةً على أفرادها ومجتمعها، وتحتاج إلى التصدي والعلاج من قبل الغيورين عليها، والمهتمين بشئونها وأوضاعها.
стр. 891
وقفات مع الوقت وكيفية استغلاله
أيها الأحبة في الله! من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تستحق العرض والمسائلة، والبحث والمناقشة، بكل هدوء وموضوعية، وعلى مستوى التأصيل والمنهجية ما يحصل في هذه الأيام من كل عام حين تشتد حرارة الصيف ويلقي بسَمُومه اللافح على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل بعض الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة وإيثار الرحلات، يرافق ذلك فراغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل.
وحيث قد أعد كثيرٌ من الناس البرامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثيرٌ منهم قد حزم حقائب السفر وتوجه إلى المطارات عبر الأجواء وعن طريق البر وغيره، وأعد هؤلاء أمتعة الترحال إلى هنا وهناك، تعالوا لنضع هذه القضايا على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مع التركيز على واقع بعض الناس في ذلك، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية في هذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه الوقفات السريعة:
стр. 892
غاية خلق الإنسان هي العبودية
الوقفة الأولى: مهمة الإنسان في هذه الحياة، فهي عبوديته لله، واستغلاله كلما أفاء الله عليه للقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 893
الوقت هو الحياة
الوقفة الثانية: الوقت هو الحياة
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع
فالواجب استغلاله في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه، فإن الإنسان مسئول عن وقته فيما أمضاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، فهل يستوي من يشغله بالطاعة بمن يدنسه بالمعصية؟ لا وكلا.
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨].
стр. 894
الفراغ نعمة
الوقفة الثالثة: الفراغ نعمة من نعم الله، يجب شغله بكل وسيلة شرعية؛ من تعلم العلم، والقيام بالعبادة بمفهومها الواسع، أو على الأقل بالأمور المباحة شرعاً دون ما هو محرم، ففي الحلال غنية عن الحرام، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ﴿نعمتان مغبون فيها كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ﴾، ويقول ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها-: وفراغك قبل شغلك﴾ وكم كان الفراغ سبباً في الانحراف والفساد عند عدم استغلاله؟! فهو نعمة لكن إذا استغل في معصية الله كان بلاءً ونقمة.
لقد أهاج الفراغ عليه شغلاً وأسباب البلاء من الفراغ
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
стр. 895
جواز الترويح بالوسائل المباحة
الوقفة الرابعة: أن الإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا عن أنفسهم أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم، وأن يقوموا بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً، فالترفيه البريء، والترويح المباح لا غضاضة على الإنسان فيه، بل قد يكون مطلوباً -أحياناً- لأغراض شرعية، لكن يجب أن يكون كل ترفيه وترويح في حدود ما هو مباحٌ شرعاً، أما أن يستغل ذلك فيما يُضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويُوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل، فلا وألف لا!
стр. 896
السفر وضوابطه
الوقفة الخامسة: أن السفر في الإسلام لا بأس به.
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه وانصب فإن نذير العيش في النصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لملها الناس من عجمٍ ومن عرب
لكن السفر في الإسلام له حدود مرعية، وضوابط شرعية:
منها: أن يكون السفر إلى بلاد الإسلام المحافظة على شعائر دينها، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة، ومستنقعات محمومة، وبقاع مشبوهة، فلا.
ما لم يكن ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، ولم يستثنِ أهل العلم من ذلك: إلا من خرج لعلم لا يوجد في بلاد الإسلام، أو لضرورة كعلاج أو نحوه، أو إلى الدعوة إلى الله ﵎ مع القدرة على المحافظة على شعائر الإسلام، وهل يلقى الحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة والسباع الضارية؟
стр. 897
استهداف السائحين المسلمين
الوقفة السادسة: أنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أعداء الإسلام والمسلمين يستهدفون أبناء المسلمين من السائحين للوقيعة بهم، فهم يصهرونهم عن طريق الغزو الفكري والأخلاقي ببلادهم، ويستغلون كثيراً من السائحين اقتصادياً وخلقياً، ويجرونهم رويداً إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور، فيرجع بعضهم متنكراً لدينه ومجتمعه وبلاده وأمته.
أين العقول والتفكير عن إحصاءات مرض الهربس والإيدز؟ وعن عصابات مروج المسكرات والمخدرات؟
ونحن نقول للمسافرين: قبل أن ترفعوا أقدامكم فكروا أين تضعوها؟
نعم.
سافروا للخير والفضيلة والدعوة والإصلاح فلا حجر عليكم، كونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم، داعين إلى مبادئكم السمحة، حيث يتخبط العالم بحثاً عن دين يدخل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.
فكونوا أيها المسافرون! سفراء لدينكم وبلادكم، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، حذاري أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات فانية، ومغريات عاجلة، بل أفهموه بسلوككم أنكم أصحاب شخصية فذة، وشريعة خالدة، ودين يرعى العقيدة والقيم، وشئون الحياة، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل، ويبحث عما يدخل للعالم الرقي والحضارة، وإن ما تعمد إليه بعض الشركات السياحية من الدعوة إلى السفر إلى بلاد موبوءة، وإظهارها بدعايات مزركشة وإعلانات مزخرفة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب مما ينبغي أن يتفطن له المسلمون.
стр. 898
الاهتمام بأوقات الأبناء
الوقفة السابعة: الشباب من الأبناء والبنات هم ثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فلا بد من تربيتهم تربية حقه، لابد من شغل أوقاتهم بطريقة متوازنة، فهذه الأشهر التي يمرون بها في خلوٍ من المشاغل الدراسية النظامية لابد أن يستغلها أولياء أمورهم ببرامج حافلة تكسبهم المهارات، وتنمي فيهم القدرات، وتقوي إيمانهم، وتثقل فكرهم، وتسري ثقافاتهم، والبرامج الشرعية المباحة كثيرة بحمد الله؛ حفظ كتاب الله ، واستظهار شيء من سنة رسول الله ﷺ ، وتعلم العلم، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام الموثوقين قديماً وحديثاً، والإطلاع على السير والتواريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله ﷺ في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة في محافظة على دينهم وأخلاقهم، ومن ذلك تعلم الحرف والمهن المفيدة لهم، والتحاقهم بالدورات العلمية، والتدريبية والمهنية ونحوها التي يقوم عليها الأكفاء.
ومما يسر المسلم أن تشغل الإجازة بالزواجات للبنين والبنات وتلك قضية مهمة، لكننا نوصي المسلمين في التزام منهج الإسلام في ذلك وعدم الخروج على تعاليمه؛ بالإسراف والبذخ والمغالاة والتكاليف الباهضة، والحذر من منكرات الزواج التي تحصل عند بعض قليلي الديانة هداهم الله.
стр. 899
استشعار مراقبة الله
عباد الله! ومن الوقفات المهمة في هذه القضايا أن يعلم العبد أنه مراقبٌ من قبل الله في كل ما يأتي وما يذر ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحِ من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
стр. 900
تذكر النار
ومنها عباد الله! أن الحر في هذه الدنيا يجب أن يُذكَّر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم والعياذ بالله، فهل تذكرنا ونحن مشغولون في هذه الدنيا عن هذه النار فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها.
стр. 901
تذكر أحوال المسلمين
أمة الإسلام! إن المسلم المرتبط بإسلامه وبإيمانه وأخوة الإسلام أن يكون شعوره مع شعور إخوانه في العقيدة، يتذكر أحوالهم ومآسيهم، لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد، فهل من الإحساس بشعورهم إهمال قضاياهم؟
أين الأحاسيس المرهفة، والمشاعر الفياضة؟
فأناس يفكرون في أحوال إخوانهم المسلمين، يُفكرون في مقدسات المسلمين وما يمر به المسجد الأقصى المبارك، وما تضج به فلسطين المسلمة المجاهدة لا سيما في هذه الأيام، وآخرون يفكرون في قضاء إجازاتهم في منتجعات ما، فالله المستعان.
ولقد هز مسامع الغيورين، وأجف مآقي المسلمين، ما أقدم عليه اليهود الخبثاء من استفزاز صارح وتحدٍ سافر لمشاعر المسلمين، وذلك عن طريق ما قاموا به أخيراً وليس آخراً، من عمل منشوراتٍ مغرضة، ورسومٍ ساخرة، تنال من الإسلام؛ بل من نبي الإسلام ﵊، بل وعلى دستور المسلمين، فأين المسلمون؟
أين القادة والزعماء عن اتخاذ المواقف الجريئة ضد هذه الجريمة، ضد من لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، لقد تمادى القوم ولا بد من وقفة عمرية، وغضبة مضرية، ووقفة صلاحية، ونخوة معتصمية هذا هو الأمل وعلينا الصدق والعمل، والله المستعان! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، كما أمركم بذلك جل في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وصفوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، من اليهود الغاصبين، وسائر المفسدين المعتدين يا رب العالمين.
اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم من أرادنا وأراد بلادنا ومقدساتنا، وأراد جيلنا بسوءٍ فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين، اللهم كن للمستضعفين في كل مكان، اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن اليهود المعتدين، اللهم أنقذه يا حي يا قيوم من اعتداء المعتدين، ومكر الماكرين، وكيد الكائدين.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم انصر به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارفع به كلمة المسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 902
القول على الله بغير علم
إن مصدر تلقي المسلم؛ عقيدة وعباده، سلوكاً ومعاملة، تحليلاً وتحريماً مرجعه للكتاب والسنة، فكما أن الله تعالى منفرد بالخلق والتدبير فكذلك له الأمر والنهي والتحليل والتحريم.
وعليه؛ فيحرم على المسلم أن ينصب نفسه في مقام الفتيا والتوقيع عن رب العالمين مالم يكن عنده علم بما يفتي فيه، ولقد كان السلف ﵏ يتدافعون الفتيا تورعاً مع علمهم الجم.
стр. 903
الكتاب والسنة مصدر التلقي
الحمد لله فالق الإصباح، وفارق أهل الغي من أهل الصلاح، المنزه في عظيم عليائه عن مشابهة الأرواح، ومشاكلة الأشباح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة زاكية الأرباح، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله والحرمات تستباح، وحزب الكفر قد عم الفجاج والبطاح، فلم يزل ﷺ يرشد إلى الحق بالحجاج الوضاح، وسمهرية الرماح، حتى ظهر دين الله وسرى في الآفاق سريان الرياح، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ومحبيه، ما أزال الظلم الحادث ضوءُ الصباح، صلاة نحوز بها أعلى مراتب الفلاح، وأسمى درجات النجاح، ونتبوأ بها قمم الخير والصلاح، ونتخلص بها من دركات الإثم والجناح، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله ربكم وأطيعوه، وراقبوه ولا تعصوه، اتقوه جلَّ وعلا حقَّ التقوى، فليس لكم بغير التقوى أمل يبقى، ولا حبل يقوى، والعاقبة للتقوى.
أيها المسلمون: من أعظم مقاصد شريعتنا الغراء حفظها لدين المكلفين، وذلك من جهتين؛ كما يقول أبو إسحاق الشاطبي ﵀: جهة وجودية تكفل إيجاده وتكوينه، وجهة عدمية تكفل حفظه وبقاءه وصيانته.
ومن المسلم لدى أهل الإيمان الحق أن مصدر تلقي المسلم لدينه، عقيدةً وعبادةً، ومعاملةً وسلوكاً، تحليلاً وتحريماً، تحاكماً وتحكيماً، إنما هو الكتاب والسنة، فكما أن لله وحده الخلق والتدبير، فله جل وعلا الأمر كله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
وقد حذَّر سبحانه من التلقي عن غير هذا المصدر الثر فقال تعالى وتقدس: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
стр. 904
حرمة القول على الله بغير علم
إخوة الإسلام: كم ترتعد الفرائص، وتوجل القلوب وترى قسمات الاستنكار إذا حُذِّر المسلمون من الشرك والقتل والربا والزنا ونحوها من كبائر الذنوب! لكنها معان تتهلل لها سبحات الوجوه إذ هي ذنوب توعد الله عليها وعيداً شديداً في الدنيا والآخرة، لما لها من الآثار الخطيرة في تقويض حياة الأمة، وإيرادها موارد العطب والهلاك، ولا غرو فالمعاصي وسائل هدم وتدمير لكنها أنواع ودركات.
إذا كان الأمر كذلك -يا عباد الله- فهل تعلمون ما هو أخطر من ذلك كله؟ بل ما هو أصل للشرك والكفران، وأساس للبدع والعصيان، وما هو أغلظ وأنكى منها، ومن جميع الفواحش والآثام، والجرائم والبغي والعدوان؟ إنه أصل الجرائم على الإطلاق، وأساسها باتفاق، ذلكم هو: القول على الله بغير علم.
يقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] انظروا -يا رعاكم الله- كيف قرن الله سبحانه القول عليه بلا علم بالشرك به، والبغي والإثم والفواحش.
بل لقد جاءت هذه المحرمات الأربع في كل الشرائع مرتبة على حسب مراتب الشدة فيها، على سبيل الترقي، فأهونها أولها، وأخطرها آخرها، ولا عجب فما الشرك بالله إلا ضرب من القول على الله بغير علم.
قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند هذه الآية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] أي من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولداً ونحو ذلك مما لا علم لكم به.
стр. 905
التحليل والتحريم حق لله
إخوة الإيمان: إن التحليل والتحريم حق لله وحده، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، ولقد أنكر سبحانه على أقوام جعلوا مصدر التحليل والتحريم من قبل أهوائهم، فقال عز من قائل: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:١١٧] وقال ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس:٥٨ - ٦٠].
وإن من أكبر الجنايات -يا عباد الله- أن يتصدر المرء للخوض في دين الله تحريماً وتحليلاً، من غير علم ولا بصيرة، وهذا مع كونه جناية عظمى ففيه سوء أدب مع الله ﵎، حيث يتقدم بين يديه فيقول في دينه وشريعته ما لا يعلم، وتلك والله أمارة ضعف الإيمان وقلة الديانة، بل ونقص العقل والمروءة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١].
стр. 906
تورع السلف في الفتوى
إخوة العقيدة! لقد رسم السلف الصالح ﵏ المسلك الوضَّاء في هذه القضية، ديانةً وتثبتاً وورعاً، فهذا أعلم الأمة وسيدها وإمامها ﷺ ، يسأل عما لم ينزل عليه فيه وحي، فينتظر حتى ينزل عليه الوحي، وآيات يسألونك في الكتاب العزيز غير قليلة، وهكذا كان الأجلاء من صحابة رسول الله ﷺ ، فهذا أبو بكر ﵁ وقد سأل عن معنى آيه من كتاب الله يقول: [[أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟]] وهذا عمر ﵁ تنزل به الحادثة فيجمع لها أكابر الصحابة ويستشيرهم فيها.
قال ابن سيرين ﵀: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر.
وقال ابن مسعود ﵁: [[إن استطعت أن تكون أنت المُحَدَّثَ فافعل]] وقال ﵁: [[إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون]].
وقال أيضاً: [[من سئل عن علم يعلمه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم]].
ورحم الله الإمام الشعبي حينما سئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقال له أصحابه: إنا نستحي لك من كثرة ما تسأل فتقول: لا أدري، فقال ﵀: لكن ملائكة الرحمن لم يستحيوا إذ سئلوا عما لا علم لهم به فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢].
وكان عطاء بن أبي رباح يقول: لا أدري نصف العلم.
وقال بعضهم: إذا نسي العالم كلمة لا أدري فقد أصيبت مقاتله.
وكان أبو عبيدة إذا سئل يتمثل قول الشاعر:
يا رب لا أدري وأنت الداري كل امرئ منك على مقدار
وفي تدافع الفتوى وذم المسارعة إليها أورد ابن عبد البر ﵀ قول عبد الرحمن بن أبي ليلى ﵀: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى.
وهذا إمام دار الهجرة ﵀ يقدم عليه رجل من مسافة بعيدة، فيعرض عليه أربعين مسألة، فيجيب عن أربع منها ويقول في ست وثلاثين مسألة منها: الله أعلم.
فيقول له الرجل: أنت مالك بن أنس، إليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد، وقد جئتك من مسافة بعيدة وتقول: الله أعلم! ماذا أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم؟! قال: تقول لهم: إن مالكاً يقول: الله أعلم.
وكان الإمام أحمد ﵀ كثيراً ما يسأل فيتوقف، أو يقول: لا أدري، أو نحو ذلك.
وقال سحلول بن سعيد: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه.
وكان إذا سئل ﵀ يقول: إنما يفتي الناس مفت أو أحمق، وأنا لست بمفت ولا أريد أن أكون الآخر.
وقال بشر الحافي: من أحب أن يسأل فليس بأهلٍ أن يسأل.
وقال العلامة ابن القيم ﵀: كل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها، إلا قل توفيقه واضطرب في أمره، وإن كان كارهاً لذلك غير مختار له وما وجد ممدوحة عنه، وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتاويه وجوابه أغلب.
стр. 907
فضل علم السلف على الخلف
معاشر المسلمين: إذا كان هؤلاء الأئمة مع جلالة قدرهم وعظيم مكانتهم، يسلكون مسالك التورع والتثبت فكيف هي الحال الآن؟ وكيف بنا معاشر المسلمين؟ الله المستعان!
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
لقد وصف الحكيم الترمذي عموم الخلق في زمانه فقال: ضعف ظاهر، ودعوى عريضة.
وعن مالك قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا.
ولكن استفتي من لا علم عنده.
وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ربيعة: ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالحبس من السراق.
قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا؟ قلت: فكيف لو رأى هذا العالم زماننا هذا؟
стр. 908
قبض العلم بقبض العلماء
في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا﴾ وكم رأى الغيور نُزَّالاً في حلائب العلم ومتطفلين في ساحات المعرفة، وهم ليسوا منها في قليل ولا كثير، ديدنهم الجرأة على الفتوى، ودأبهم التجاسر على التحليل والتحريم، متشبعين بما لم يعطوا، يتكلمون بما يعلمون وما لا يعلمون، ويجملون ويفصلون، ويهرفون ويسفسطون، وهم من أجهل الناس في أحكام الشريعة.
وقل لمن يدعي في العلم فلسفةً علمت شيئاً وغابت عنك أشياء
إذا سمعت أحدهم يتكلم، فكأنما يتنزل عليه وحي؛ من جَزْمه وجرأته في قوله، وعدم تورعه في كلامه، ولربما نسب ما يراه إلى الإسلام، ترى أحدهم يجيب في عظيم المسائل مما لو عرض على عمر لجمع له أهل بدر، وكم يتملكك العجب، وأنت تسمع عبارات التعظيم لذواتهم، والتعالي في نفوسهم! شعارهم: العلماء رجال ونحن رجال.
وقاموسهم: رأينا كذا، ترجيحنا، اختيارنا، والذي نراه، ونحن نرى، والراجح عندنا.
يقولون هذا عندنا غير راجح ومن أنتم حتى يكون لكم عند
стр. 909
ثوابت الدين لا تقبل التبديل
فليس كل من لبس عباءة، أو كور عمامةً، أو نال شهادةً، أو أمّ مسجداً أو ألف مؤلفاً، أو عمل مدرساً، أو أبلغ في موعظة؛ يُعد شيخ الإسلام ومفتي الأنام، يحكم في العقائد والرقاب والأموال والأعراض، وكأن الأمر شربة ماء! أما علم هؤلاء أن الجرأة على الفتوى جرأة على النار، وأن التجاسر عليها اقتحام لجراثيم جهنم، عياذاً بالله عياذاً، بل لقد وصل الحال ببعض العامة إلى أن يفتي بعضهم بعضاً، والله يقول: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
والمصطفى ﷺ يقول: ﴿هلا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال﴾ لقد أصبح الحديث في علوم الشريعة بضاعة كل متعالم مأهول، حتى ساموا باعة البقول عدداً، وتكلم كثير من الرويبضة، واستطالوا على منازل العلماء ومقامات العظماء والفقهاء، وعمد بعضهم إلى أمور من الثوابت والمبادئ، وجعلوها عرضة للتغيير والتبديل، بحجة التنوير والتطوير، ولربما تحذلقوا بتغير الفتوى بتغير الزمان.
ووجد من يتنصل عن الفتوى بأمور جاء تحريمها، مما علم من الدين بالضرورة، وكثر التحايل على أمور الشريعة، فاستحلت كثير من المحرمات بأدنى الحيل، وطالب بعض مثقفي العصر من أفراخ التغريب وتلامذة الإفرنج، بالترخص بل بالتفلت من الأحكام الشرعية، فطالب بعضهم بإعادة النظر في حرمة الربا أو بعض صوره، وآخرون بالتعجل المذموم والتجاسر المحموم على حجاب المرأة المسلمة وقضاياها، وهكذا في سيل من التلاعب المرذول بأمور الشريعة، وتجرأ بعض حملة الأقلام، بل وبعض وسائل الإعلام وقنواته؛ المسموعة والمقروءة والمرئية، إلى إثارة قضايا كلية من الدين، مع بعض المتعالمين ممن:
يمدون للإفتاء باعاً قصيرةً وأكثرهم عند الفتاوى يفذلك
باحثين عن الإثارة، زاعمين استقطاب القراء والمشاهدين، فالويل كل الويل لكل من ارتقى هذا المرتقى الصعب على حساب الدين وتعاليمه، فأضل فئاماً من الأمة ممن سيحملون أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥].
стр. 910
وجوب الدفاع عن الشريعة
أمة الإسلام: إن الواجب حماية لبيضة الدين، ودفاعاً عن أحكامه وتشريعاته، أن يحجر على كل متكلم في الشريعة، تحليلاً أو تحريماً وهو لا يحسن، فالحجر لاستصلاح الأديان، أولى من الحجر لاستصلاح الأموال والأبدان، والغيرة على الشريعة من المكارم، وهي أولى من الغيرة على المحارم، والله إنه ليحرم على من لا يهتدي لدلالة القرآن، ولا يعرف السنة والآثار والبرهان أن يتسلم جانب العلم، ويتصدر في مجال الإفتاء ونحوه، فيضل ويُضل؛ فتغرق سفينة الأمة، وقد قيل لـ سفيان الثوري ﵀ في ذلك فقال: إذا كثر الملاحون غرقت السفينة.
ألا فليعلم هؤلاء أنهم بكلامهم في الشريعة إنما يوقعون عن رب العالمين سبحانه، وأن الفتاوى نار تضطرم، وكم سمعنا ونسمع من فتاوى فجة لا زمام لها ولا خطام، تبنى على التجري لا على التحري، لا تقوم على قدم الحق فتعنت الخلق، وتُشجي الحَلْق، وحق على هؤلاء أن تسلم الأمة من لأوائهم وتحذر من غلوائهم.
وإن رغمت أنوف من أناس فقل يا رب لا ترغم سواها
روى ابن سيرين أن عمر قال لـ ابن مسعود ﵄: [[نبئت أنك تفتي الناس ولست بأمير، فول حارها من تولى قارها]].
قال الإمام الذهبي في السير: وهذا يدل على أن للإمام أن يمنع من يفتي بلا إذنه.
وذكر الخطيب البغدادي بسنده عن حماد بن زيد ﵀ أنه سمع منادياً ينادي في أسواق المدينة أن لا يفتي في مسجد رسول الله ﷺ سوى مالك.
ولذا فإن الواجب أن يقوم بهذا العمل الأصلاء دون الدُخلاء، والمتأهلون لا المتطفلون والمتعالمون؛ حفظاً لدين الأمة، وتوحيداً لكلمتها، وضبطاً لمسالكها ومناهجها؛ لتكون مبنية على الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، وبذلك تسلم الأمة من غوائل المحن وبواعث الفتن، وتوجد العواصم بإذن الله من قواصم الجريمة الشنعاء، ألا وهي القول على الله بغير علم، والله المسئول أن يعصمنا من الزلل، ويحفظنا من الشرور والخطل، وأن يرزقنا نافع العلم وصالح العمل، فهذا هو عظيم الرجاء وكبير الأمل.
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من الهدى والبيان، وثبتنا وإياكم على الحق والإيمان، ورزقنا اتباع سنة المصطفى من ولد عدنان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوابين غفوراً.
стр. 911
أسباب القول على الله بغير علم وعلاجه
الحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، المتفرد بالخلق والأمر والتدبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نعم المولى ونعم النصير، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، هو للأنبياء لبنة زمانهم، وللرسل مسك ختامهم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء وصحبه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
عباد الله: إذا التمست أسباب هذه القضية، فإن أهمها ضعف الوازع، وقلة الرادع، والتقصير في التقوى والإيمان ومخافة الواحد الديان، وعدم المنهج الصحيح في التلقي والتحصيل، إضافة إلى قاصم الظهور داء الشهرة وحب الظهور، واستشراء التعالم المذموم، وغلبة الهوى، وقعود الأكفاء والمؤهلين عن البلاغ والبيان، ولا يدفعنَّ بعض المؤهلين ورع كاذب، وتثبت بارد في تبليغ ما يعلموا من دين الله ، فلا تنافي بين التثبت مما لا يعلم، وتبليغ ما يعلم، وقد قال رسول الله ﷺ فيما صح عنه: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وعلاج هذا الداء بتقوية الإيمان والخوف من الله في النفوس، والسير على المنهج الصحيح في التعلم والأخذ من أهل العلم والرد إليهم للعلم والإيضاح ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] لا سيما في المعضلات التي تحتاج إلى مرجعية علمية موثوقة، وما عم فيه التنازع والاختلاف: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩].
ومن العلاج: القراءة في سير الأسلاف، والتحلي بأدب الخلاف، والتواضع الجم، والورع الصادق، وقبل ذلك وبعده إخلاص النية لله ، وسؤاله التوفيق والتسديد.
فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن القول على الله بلا علم ضرب من الكذب عليه سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤] ومن ذلك الكذب على رسول الله ﷺ ، وترويج الأحاديث الموضوعة عليه، وقد قال ﷺ فيما أخرجه الشيخان: ﴿من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾ ويدخل في ذلك الكذب على علماء الإسلام المعتبرين، وتلفيق الأكاذيب عليهم، أو الأخذ بالشواذ والإغراب في المسائل، أو ما يعمد إليه بعض السفهاء من تتبع رخص الفقهاء، وقد قيل: من طلب غريب المسائل ضل، ومن تتبع الرخص تزندق.
أو التعصب لأحد من الأئمة، وادعاء العصمة له، وحكر الحق فيما يراه، أو نحو ذلك مما يصد عن المنهج الصحيح بالتلقي.
فاتقوا الله أيها المتصدون لهذا كله! واتقوا الله -أيها المستفتون- ولا تسألوا إلا من يوثق بدينه وعلمه؛ لتكونوا على بصيرة في أمور دينكم، ونجاة في أمور دنياكم وآخرتكم.
هذا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وأحقها بشفاعة نبيكم ﷺ ، كثرة صلاتكم وسلامكم عليه كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على النبي المصطفى والرسول المجتبى، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء، يا خير من تجاوز وعفا، وارض اللهم عنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك، وأعز به أوليائك واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم أصلح له البطانة والسريرة يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والتوفيق لما تحب وترضى يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ>
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 912
المخدرات والمسكرات آفة العصر
العقل هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، والجناية عليه بالحجب المؤقت (السكر) يوقع في مخاطر لا تخفى على ذي لب.
والعقل من الضروريات التي جاء الإسلام للحفاظ عليها.
ولقد مهّد الشيخ لحديثه عن جرائم الإدمان بكلام عن الصراع بين الإسلام وأعدائه، واستغلال هؤلاء الأعداء للمخدرات كسلاح ضد أبناء الإسلام.
كما أورد بعضاً من أضرار المخدرات على الفرد والمجتمع، وأسباب تفشيها، وطرقاً مقترحة للوقاية منها.
وختم بذكر أضرار البدعة على الدين، وبعض المزالق والأخطاء في العقيدة.
стр. 913
رحلة الصراع بين الحق والباطل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونستلهمه الرشد والتوفيق لخيري الدنيا والآخرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله؛ سيد الأنام، وبدر التمام، حطَّم الله به الأصنام، وأظهر به الشريعة وأبان الأحكام، وحرَّم الخبائث والآثام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله السادة الأعلام، وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ فإن تقواه سبحانه العروة التي ليس لها انفصام، والجذوة التي تستضيء بها القلوب والأفهام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨].
أمة الإسلام! إنه منذ أن بزغ فجر الإسلام المشرق، وانبثق نور الإيمان المتلألئ الوضَّاء، وهو يلقى من أعداء الإسلام صنوفاً من التحديات، وألواناً من الهجمات، تمثل الصراع بين الحق والباطل في معركة دائمة، متنوعة الصور والأساليب، ترمي إلى الظهور حيناً، وإلى الخفاءِ أحياناً أخرى وتتنوع، ساخنة تارة، وباردة أخرى، عسكرية مرة، وفكرية وخلقية مرات شتى، بمكر وتآمر، وحقد وعداء سافر، يريدون القضاء على الإسلام وأهله، وتمزيق وحدتهم، واستئصال شأفتهم، وتدمير قوتهم، وإزالة دولتهم، وإلغاء هويتهم، والإستيلاء على مُقَدراتهم.
ولن يهدأ لهم بالٌ، ولن يقر لهم قرار، ولن تلين لهم قناة، مادام للإسلام كيان، وما دامت للمسلمين صولة وجولة، حتى يُطفئون هذا النور ويقضوا على أهله، وكل ما يمت له بصلة قضاء مبرماً، اسمعوا إلى قول الحق ﵎: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
إخوة العقيدة! لقد ملئ الإسلام عبر تأريخه المجيد، بما لا يُعد ولا يحصى من الدسائس والمؤامرات، على اختلاف الطرق والشعارات، وتباين الأقطار والنزعات، وفي هذا العصر نرى ونسمع دروباً من الغزو العسكري والفكري والأخلاقي، وصنوفاً من الحروب النفسية، والعدوان المادي، فالأعداء لم يكفوا ولن يكفوا ولا يزالون ماضين إلى أهدافهم الخبيثة بوسائل جديدة، وأنواعٍ من التحديات، وضروبٍ من نشر الشهوات والشبهات، وألوانٍ من المفتريات، ولم يكتفوا بالكلام، بل انتقلوا إلى التحدي السافر، والهجوم الشرس، والتدخل القذر، والعمل السافل، وكان أن تسربوا عبر الحصون، وتسللوا إلى عددٍ من الثغور، ولم يكتفوا بالعمل خلف الستور في حذفٍ للمؤامرات، وإحكامٍ للتحديات، وتخطيطٍ رهيبٍ، وتنسيقٍ عجيب، ولكن: ﴿يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وليس ما قامت وتقوم به الصهيونية العالمية الماكرة، والصليبية الحاقدة، بخافٍ على كل ذي لبٍ من المسلمين: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤].
стр. 914
نبتة الشر المسكرات والمخدرات
إخوة الإيمان! ولما فشل الأعداء في السيطرة العسكرية على بلاد الإسلام، عملوا جاهدين بالحروب الأخلاقية، وشنها على بلاد المسلمين، وكان من أخطر وسائلهم، وأشرس تحدياتهم، قيامهم بشن حرب المسكرات والمخدرات وتصديرها لبلاد المسلمين، لتدمير شبابهم، وقتل رجولتهم، واغتيال طموحاتهم، حتى تتم السيطرة عليهم، فكان لابد من التصدي لهذا الخطر العظيم، والشر الفادح الجسيم، بالتذكير والتوجيه، حتى تسلم الأمة من شرور هذه الآفات الخبيثة والأدواء الخطيرة.
إخوة الإسلام! لما كانت المسكرات والمخدرات تقضي على العقل، بل تقضي على الفرد في أعز ما يملك وهو عقله، وبالتالي تقضي على دينه وصحته وسلوكه، وتقضي على المجتمعات بالإخلال بأمنها، وجلب الفساد والفوضى إليها، وتدهور اقتصادها، وإعاقة تنميتها، وتفكك أسرها، وتفاقم الجرائم فيها، وانتشار العنف والإرهاب بين أبنائها، فهم بين سِكِّير عربيد، وثملٍ مجرمٍ عنيف عنيد، لا يعرف لله حقاً، ولا لمجتمعه وزناً، ولا للفضائل والقيم طريقاً.
لذلك كله ولما للمسكرات والمخدرات من سيئات كثيرة، وأضرار خطيرة، وشرور مستطيرة على الأفراد والمجتمعات، على الدين والصحة والعقل والمال والسلوك، جاء تحريمها في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ : ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠].
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت: ﴿نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر﴾.
فهي -يا عباد الله- أم الخبائث، ورأس الشرور، وكبيرة من كبائر الذنوب، متعاطيها معرض نفسه لوعيد الله ولعنته وغضبه، المدمن مفسدٌ لدينه وبدنه، جانٍ على نفسه وأسرته ومجتمعه، عابثٌ بكرامته وجوهر إنسانيته، ساعٍ إلى الإثم والعدوان، صائلٌ متمردٌ على الأخلاق والقيم، وهو عضو مسمومٌ في المجتمع، إذا استفحل أمره وتطاير شرره، أصابه بالخراب والدمار، ومتى غاب عقل المدمن؟ نسي ربه، فترك الصلاة! وقد يقتل! وقد يزني! ويقع على محارمه -والعياذ بالله- بل قد يسب الدين! وكم أحدثت من بغضاء! وكم زرعت من عداوة! وكم فرَّقت من اجتماع! وكم ضيعت من أمة! وكم أهاجت من حروب! وكم شتتت من أسر! وكم فرقت بين رجلٍ وزوجته! وأبٍ وبنيه! ومحبٍ ومحبيه!
وجماع القول: المسكرات والمخدرات داء المجتمعات، وسرطان الأمم، فأمرٌ هذه آثاره الخطيرة، وهذا جزاء متعاطيه عند الله، وتلك حاله في الدنيا والآخرة، كيف تطيب نفس عاقلٍ فضلاً عن مسلم بتناوله؟! بل بوجوده في مجتمعات المسلمين؟!
إنه لعجيب! حال من يسمع هذه الآثار، ويعلم أحوال من يتعاطى المسكرات والمخدرات، وما يقعون فيه من القبائح التي هي مسخ للدين والعقل والصحة، وما صار إلى أهله من أخس حالة، وأقذر صفة، وأفظع مصاب لا يتأهلون لخطاب، ولا يميلون إلى صواب، ولا يهتدون إلا إلى خوارم المروءات، وهوادم الكمالات، وفواحش الخطيئات والضلالات.
ثم مع هذه العظائم وتلك القواصم! يُصر بعض الجهلة على أن يندرج في زمرتهم الخاسرة، وفرقتهم الحائرة، متعامياً عما على وجوههم من الغبرة، وما يعتريها من القترة، ولكن يا سبحان الله! كيف يسعى في جنونٍ من عقل؟! نعوذ بالله من زيغ القلوب.
стр. 915
المخدرات سلاح قوي لأعداء الإسلام
أمة الإسلام! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنحن في هذا العصر أمام مؤامراتٍ خطيرة، وشبكات وعصابات إجرامية، وهجمات شرسة, ومخططات عدوانية حاقدة، يشنها أعداء الإسلام على أبناء المسلمين وبلادهم، فلجأوا بشتى الوسائل إلى محاربة المسلمين، وقد استخدموا طرقاً ماكرةً، وأسلحة فتَّاكةً خفيةً هي في الحقيقة أخطر من المدافع والصواريخ؛ لأنها تقضي على الأمة في أعز ما تملك تقضي على العقول، وتلوث الأفكار، وتغزو المبادئ، وتهدم المعنويات، إنها معولٌ لهدم أخلاق عدة الأمة، وقلبها النابغ، وشريانها المتدفق من شبابها، سواعد بنائها، وعدة مستقبلها، ورجال غَدِهَا، وبناة حضارتها، فالوعي الوعي -يا شباب المسلمين- أمام ما يُحاك ضدكم من مؤامرات، وما يُجلب إليكم من تحديات.
لقد أجلب أعداء الإسلام وأشياعهم من ضعاف النفوس، وعديمي المروءة، ومشيعي الفساد في الأرض، المحاربين لله ورسوله، المؤذين لعباده وأوليائه، بالترويج لآفة المخدرات المدمرة، تلك الجريمة الخطيرة التي تمثل مشكلة العصر الحاضر وكفى؛ لأن من ورائها دعاة الجريمة، والمفسدين في الأرض، الذين أشاعوا هذا السم الزعاف، والوباء الفتاك، وسقوه أبناء المسلمين بملئ أفواههم.
لقد فشت هذه الجريمة في المجتمعات فشواً عظيماً، وبلغت مبلغاً عظيماً، وحطَّمت الأرقام القياسية، والإحصاءات المذهلة من المدمنين، وتطالعنا الإحصاءات أن نصف شباب المجتمع في بعض البلاد يتعاطون الخمور والمخدرات، وقد دعت هذه الإحصاءات المذهلة دول العالم بأسرها لمنع التعامل بالمخدرات تعاطياً وبيعاً، تناولاً وترويجاً، زراعةً وإنتاجاً، ووضعت لذلك العقوبات الرادعة؛ لحماية مجتمعاتها من هذا الوباء الفتَّاك، وهذا البلاء المدمر.
وقد تفنن أعداء الإسلام بتصدير هذا الوباء إلى مجتمعات المسلمين، فألبسوه شتَّى الألبسة، وسموه الأسماء البراقة، ونوعوه أنواعاً مختلفة جذابة، ومهما كان الأمر! فالطريق والهدف واحد، الكل له آثاره وعواقبه السيئة على الفرد والمجتمعات.
следующие страницы →