← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أسباب القول على الله بغير علم وعلاجه الحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، المتفرد بالخلق والأمر والتدبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نعم المولى ونعم النصير، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، هو للأنبياء لبنة زمانهم، وللرسل مسك ختامهم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الشرفاء وصحبه النجباء، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. عباد الله: إذا التمست أسباب هذه القضية، فإن أهمها ضعف الوازع، وقلة الرادع، والتقصير في التقوى والإيمان ومخافة الواحد الديان، وعدم المنهج الصحيح في التلقي والتحصيل، إضافة إلى قاصم الظهور داء الشهرة وحب الظهور، واستشراء التعالم المذموم، وغلبة الهوى، وقعود الأكفاء والمؤهلين عن البلاغ والبيان، ولا يدفعنَّ بعض المؤهلين ورع كاذب، وتثبت بارد في تبليغ ما يعلموا من دين الله ، فلا تنافي بين التثبت مما لا يعلم، وتبليغ ما يعلم، وقد قال رسول الله ﷺ فيما صح عنه: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وعلاج هذا الداء بتقوية الإيمان والخوف من الله في النفوس، والسير على المنهج الصحيح في التعلم والأخذ من أهل العلم والرد إليهم للعلم والإيضاح ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] لا سيما في المعضلات التي تحتاج إلى مرجعية علمية موثوقة، وما عم فيه التنازع والاختلاف: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]. ومن العلاج: القراءة في سير الأسلاف، والتحلي بأدب الخلاف، والتواضع الجم، والورع الصادق، وقبل ذلك وبعده إخلاص النية لله ، وسؤاله التوفيق والتسديد. فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن القول على الله بلا علم ضرب من الكذب عليه سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٤] ومن ذلك الكذب على رسول الله ﷺ ، وترويج الأحاديث الموضوعة عليه، وقد قال ﷺ فيما أخرجه الشيخان: ﴿من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾ ويدخل في ذلك الكذب على علماء الإسلام المعتبرين، وتلفيق الأكاذيب عليهم، أو الأخذ بالشواذ والإغراب في المسائل، أو ما يعمد إليه بعض السفهاء من تتبع رخص الفقهاء، وقد قيل: من طلب غريب المسائل ضل، ومن تتبع الرخص تزندق. أو التعصب لأحد من الأئمة، وادعاء العصمة له، وحكر الحق فيما يراه، أو نحو ذلك مما يصد عن المنهج الصحيح بالتلقي. فاتقوا الله أيها المتصدون لهذا كله! واتقوا الله -أيها المستفتون- ولا تسألوا إلا من يوثق بدينه وعلمه؛ لتكونوا على بصيرة في أمور دينكم، ونجاة في أمور دنياكم وآخرتكم. هذا واعلموا -رحمكم الله- أن من أفضل أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وأحقها بشفاعة نبيكم ﷺ ، كثرة صلاتكم وسلامكم عليه كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على النبي المصطفى والرسول المجتبى، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، والأئمة الحنفاء، يا خير من تجاوز وعفا، وارض اللهم عنا معهم برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك، وأعز به أوليائك واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم أصلح له البطانة والسريرة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، والتوفيق لما تحب وترضى يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ> رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 912

المخدرات والمسكرات آفة العصر العقل هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، والجناية عليه بالحجب المؤقت (السكر) يوقع في مخاطر لا تخفى على ذي لب. والعقل من الضروريات التي جاء الإسلام للحفاظ عليها. ولقد مهّد الشيخ لحديثه عن جرائم الإدمان بكلام عن الصراع بين الإسلام وأعدائه، واستغلال هؤلاء الأعداء للمخدرات كسلاح ضد أبناء الإسلام. كما أورد بعضاً من أضرار المخدرات على الفرد والمجتمع، وأسباب تفشيها، وطرقاً مقترحة للوقاية منها. وختم بذكر أضرار البدعة على الدين، وبعض المزالق والأخطاء في العقيدة.

стр. 913

رحلة الصراع بين الحق والباطل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونستلهمه الرشد والتوفيق لخيري الدنيا والآخرة، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله؛ سيد الأنام، وبدر التمام، حطَّم الله به الأصنام، وأظهر به الشريعة وأبان الأحكام، وحرَّم الخبائث والآثام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله السادة الأعلام، وأصحابه البررة الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ فإن تقواه سبحانه العروة التي ليس لها انفصام، والجذوة التي تستضيء بها القلوب والأفهام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. أمة الإسلام! إنه منذ أن بزغ فجر الإسلام المشرق، وانبثق نور الإيمان المتلألئ الوضَّاء، وهو يلقى من أعداء الإسلام صنوفاً من التحديات، وألواناً من الهجمات، تمثل الصراع بين الحق والباطل في معركة دائمة، متنوعة الصور والأساليب، ترمي إلى الظهور حيناً، وإلى الخفاءِ أحياناً أخرى وتتنوع، ساخنة تارة، وباردة أخرى، عسكرية مرة، وفكرية وخلقية مرات شتى، بمكر وتآمر، وحقد وعداء سافر، يريدون القضاء على الإسلام وأهله، وتمزيق وحدتهم، واستئصال شأفتهم، وتدمير قوتهم، وإزالة دولتهم، وإلغاء هويتهم، والإستيلاء على مُقَدراتهم. ولن يهدأ لهم بالٌ، ولن يقر لهم قرار، ولن تلين لهم قناة، مادام للإسلام كيان، وما دامت للمسلمين صولة وجولة، حتى يُطفئون هذا النور ويقضوا على أهله، وكل ما يمت له بصلة قضاء مبرماً، اسمعوا إلى قول الحق ﵎: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. إخوة العقيدة! لقد ملئ الإسلام عبر تأريخه المجيد، بما لا يُعد ولا يحصى من الدسائس والمؤامرات، على اختلاف الطرق والشعارات، وتباين الأقطار والنزعات، وفي هذا العصر نرى ونسمع دروباً من الغزو العسكري والفكري والأخلاقي، وصنوفاً من الحروب النفسية، والعدوان المادي، فالأعداء لم يكفوا ولن يكفوا ولا يزالون ماضين إلى أهدافهم الخبيثة بوسائل جديدة، وأنواعٍ من التحديات، وضروبٍ من نشر الشهوات والشبهات، وألوانٍ من المفتريات، ولم يكتفوا بالكلام، بل انتقلوا إلى التحدي السافر، والهجوم الشرس، والتدخل القذر، والعمل السافل، وكان أن تسربوا عبر الحصون، وتسللوا إلى عددٍ من الثغور، ولم يكتفوا بالعمل خلف الستور في حذفٍ للمؤامرات، وإحكامٍ للتحديات، وتخطيطٍ رهيبٍ، وتنسيقٍ عجيب، ولكن: ﴿يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وليس ما قامت وتقوم به الصهيونية العالمية الماكرة، والصليبية الحاقدة، بخافٍ على كل ذي لبٍ من المسلمين: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤].

стр. 914

نبتة الشر المسكرات والمخدرات إخوة الإيمان! ولما فشل الأعداء في السيطرة العسكرية على بلاد الإسلام، عملوا جاهدين بالحروب الأخلاقية، وشنها على بلاد المسلمين، وكان من أخطر وسائلهم، وأشرس تحدياتهم، قيامهم بشن حرب المسكرات والمخدرات وتصديرها لبلاد المسلمين، لتدمير شبابهم، وقتل رجولتهم، واغتيال طموحاتهم، حتى تتم السيطرة عليهم، فكان لابد من التصدي لهذا الخطر العظيم، والشر الفادح الجسيم، بالتذكير والتوجيه، حتى تسلم الأمة من شرور هذه الآفات الخبيثة والأدواء الخطيرة. إخوة الإسلام! لما كانت المسكرات والمخدرات تقضي على العقل، بل تقضي على الفرد في أعز ما يملك وهو عقله، وبالتالي تقضي على دينه وصحته وسلوكه، وتقضي على المجتمعات بالإخلال بأمنها، وجلب الفساد والفوضى إليها، وتدهور اقتصادها، وإعاقة تنميتها، وتفكك أسرها، وتفاقم الجرائم فيها، وانتشار العنف والإرهاب بين أبنائها، فهم بين سِكِّير عربيد، وثملٍ مجرمٍ عنيف عنيد، لا يعرف لله حقاً، ولا لمجتمعه وزناً، ولا للفضائل والقيم طريقاً. لذلك كله ولما للمسكرات والمخدرات من سيئات كثيرة، وأضرار خطيرة، وشرور مستطيرة على الأفراد والمجتمعات، على الدين والصحة والعقل والمال والسلوك، جاء تحريمها في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ : ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت: ﴿نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر﴾. فهي -يا عباد الله- أم الخبائث، ورأس الشرور، وكبيرة من كبائر الذنوب، متعاطيها معرض نفسه لوعيد الله ولعنته وغضبه، المدمن مفسدٌ لدينه وبدنه، جانٍ على نفسه وأسرته ومجتمعه، عابثٌ بكرامته وجوهر إنسانيته، ساعٍ إلى الإثم والعدوان، صائلٌ متمردٌ على الأخلاق والقيم، وهو عضو مسمومٌ في المجتمع، إذا استفحل أمره وتطاير شرره، أصابه بالخراب والدمار، ومتى غاب عقل المدمن؟ نسي ربه، فترك الصلاة! وقد يقتل! وقد يزني! ويقع على محارمه -والعياذ بالله- بل قد يسب الدين! وكم أحدثت من بغضاء! وكم زرعت من عداوة! وكم فرَّقت من اجتماع! وكم ضيعت من أمة! وكم أهاجت من حروب! وكم شتتت من أسر! وكم فرقت بين رجلٍ وزوجته! وأبٍ وبنيه! ومحبٍ ومحبيه! وجماع القول: المسكرات والمخدرات داء المجتمعات، وسرطان الأمم، فأمرٌ هذه آثاره الخطيرة، وهذا جزاء متعاطيه عند الله، وتلك حاله في الدنيا والآخرة، كيف تطيب نفس عاقلٍ فضلاً عن مسلم بتناوله؟! بل بوجوده في مجتمعات المسلمين؟! إنه لعجيب! حال من يسمع هذه الآثار، ويعلم أحوال من يتعاطى المسكرات والمخدرات، وما يقعون فيه من القبائح التي هي مسخ للدين والعقل والصحة، وما صار إلى أهله من أخس حالة، وأقذر صفة، وأفظع مصاب لا يتأهلون لخطاب، ولا يميلون إلى صواب، ولا يهتدون إلا إلى خوارم المروءات، وهوادم الكمالات، وفواحش الخطيئات والضلالات. ثم مع هذه العظائم وتلك القواصم! يُصر بعض الجهلة على أن يندرج في زمرتهم الخاسرة، وفرقتهم الحائرة، متعامياً عما على وجوههم من الغبرة، وما يعتريها من القترة، ولكن يا سبحان الله! كيف يسعى في جنونٍ من عقل؟! نعوذ بالله من زيغ القلوب.

стр. 915

المخدرات سلاح قوي لأعداء الإسلام أمة الإسلام! ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فنحن في هذا العصر أمام مؤامراتٍ خطيرة، وشبكات وعصابات إجرامية، وهجمات شرسة, ومخططات عدوانية حاقدة، يشنها أعداء الإسلام على أبناء المسلمين وبلادهم، فلجأوا بشتى الوسائل إلى محاربة المسلمين، وقد استخدموا طرقاً ماكرةً، وأسلحة فتَّاكةً خفيةً هي في الحقيقة أخطر من المدافع والصواريخ؛ لأنها تقضي على الأمة في أعز ما تملك تقضي على العقول، وتلوث الأفكار، وتغزو المبادئ، وتهدم المعنويات، إنها معولٌ لهدم أخلاق عدة الأمة، وقلبها النابغ، وشريانها المتدفق من شبابها، سواعد بنائها، وعدة مستقبلها، ورجال غَدِهَا، وبناة حضارتها، فالوعي الوعي -يا شباب المسلمين- أمام ما يُحاك ضدكم من مؤامرات، وما يُجلب إليكم من تحديات. لقد أجلب أعداء الإسلام وأشياعهم من ضعاف النفوس، وعديمي المروءة، ومشيعي الفساد في الأرض، المحاربين لله ورسوله، المؤذين لعباده وأوليائه، بالترويج لآفة المخدرات المدمرة، تلك الجريمة الخطيرة التي تمثل مشكلة العصر الحاضر وكفى؛ لأن من ورائها دعاة الجريمة، والمفسدين في الأرض، الذين أشاعوا هذا السم الزعاف، والوباء الفتاك، وسقوه أبناء المسلمين بملئ أفواههم. لقد فشت هذه الجريمة في المجتمعات فشواً عظيماً، وبلغت مبلغاً عظيماً، وحطَّمت الأرقام القياسية، والإحصاءات المذهلة من المدمنين، وتطالعنا الإحصاءات أن نصف شباب المجتمع في بعض البلاد يتعاطون الخمور والمخدرات، وقد دعت هذه الإحصاءات المذهلة دول العالم بأسرها لمنع التعامل بالمخدرات تعاطياً وبيعاً، تناولاً وترويجاً، زراعةً وإنتاجاً، ووضعت لذلك العقوبات الرادعة؛ لحماية مجتمعاتها من هذا الوباء الفتَّاك، وهذا البلاء المدمر. وقد تفنن أعداء الإسلام بتصدير هذا الوباء إلى مجتمعات المسلمين، فألبسوه شتَّى الألبسة، وسموه الأسماء البراقة، ونوعوه أنواعاً مختلفة جذابة، ومهما كان الأمر! فالطريق والهدف واحد، الكل له آثاره وعواقبه السيئة على الفرد والمجتمعات.

стр. 916

أضرار المخدرات على الصحة والأخلاق وكم كانت المسكرات والمخدرات سبباً لأمراض القلب، وتصلب الشرايين، واعتلال الجهاز الهضمي، والتنفسي والتناسلي، وإتلاف خلايا المخ، وتدمير المراكز العصيبة لدى الإنسان، فيصبح شخصاً معتلاً شبحاً مخيفاً، مرتبك التفكير، قلقاً غير متوازن، وتقل قواه العقلية، فيهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعرف، ويصاب بالهلوسة والهستيريا، فتسوء علاقته مع أسرته ومجتمعه. ولقد أثبتت الدراسات أنه كلما زادت ظاهرة استعمال المخدرات في مجتمع من المجتمعات ارتفعت معدلات أخطر الجرائم الأمنية والأخلاقية وسواها، كما ثبت أن نسبة أكثر من (٥٠%) من حوادث السيارات التي يذهب بسببها الأبرياء، وتخلف ورائها العديد من المآسي، يرجع السبب في وقوعها إلى استعمال السائقين للمخدرات والمسكرات، حيث تسبب لهم الرعونة والتهور، وعلى الذين يظنون أن ذلك ضربٌ من المبالغة، عليهم أن يتعرفوا على من يملئون السجون، ومن يعرض في المحاكم، ومن يعالج في المستشفيات النفسية، وعليهم أن يراجعوا الجهات المعنية، ويقرءوا الإحصاءات التي تهدد البشرية، فكم من ملايين الحبوب والمخدرات تجلب يومياً للفتك بأجيال المسلمين!؟ الأمر خطير يا عباد الله! ولا يسع مسلماً التغاضي عنه والسكوت عليه، وكيف يسكت المسلمون وهم يُقادون عن طريق هذا الوباء إلى هوة سحيقة لا يعلم مداها إلا الله؟!

стр. 917

أسباب تفشي هذه الجريمة أمة الإسلام! وحينما نبحث عن أسباب تفشَّي هذه الجريمة -ولا سيما في صفوف الشباب- نجد أن أولها: ضعف الوازع الديني، وتدني مستوى التربية الإسلامية لدى كثيرٍ من الأجيال. ومنها: الخواء الروحي، والفراغ الكبير، والتقليد الأعمى، وجلساء السوء وغير ذلك كثير، مما يجسد المسئولية -أولاً- وقبل كل شيء على الأسرة، وعلى ولي الأمر فيها، لذلك فإني أذكر الآباء والأمهات بضرورة رعاية الأبناء، وحسن تربيتهم، ومتابعتهم ومراقبة تحركاتهم، وإبعادهم عن قرناء السوء، وشغل أوقات فراغهم بما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وأحذرهم من مغبة إهمال ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]. وإنني أناشد كل مسلم! أن يتحمل مسئوليته تجاه دينه ومجتمعه وبلاده، وأن يكون عيناً ساهرة على جلب المصالح لمجتمعه، ودرء المفاسد عن بلاده، وأن يسود بين المسلمين أفراداً وهيئات، شعوباً وحكومات، التعاون للقضاء على هذا الوباء العضال، والتبيلغ عن أهله، وأخص بالذكر: الأعيان، والوجهاء، والدعاة، والعلماء، وحملة القلم، والمعنيين بشئون توجيه الشباب وتربيتهم وتعليمهم، ليُسخروا كل طاقاتهم، ويبذلوا كافة إمكاناتهم؛ لمحاصرة هذا الشبح المخيف، والأخطبوط المرعب. كما أن على وسائل الإعلان مرئيها ومسموعها ومقروئها النصيب الأكبر من تبصير الأجيال بمخططات الأعداء، للفتك بهم، واغتيال أخلاقهم عن طريق هذا الوباء وغيره. أما الذين تورطوا وساروا في طريق الانتحار البطيء، فإننا نناديهم نداء المودة والإشفاق، أن يكفوا عن هذا البلاء، فكفاهم شروراً على أنفسهم، ومجتمعاهم وأسرهم وأولادهم وبلادهم، ومن تاب تاب الله عليه.

стр. 918

طرق الوقاية والعلاج ألا وإن من أهم طرق الوقاية والعلاج من داء المخدرات: تثبيت العقيدة وتقوية الإيمان في القلوب، حتى تشعر بالطمأنينة والأمان، وتحصين الشباب بالتربية الإسلامية القوية في الأسرة والمدرسة والمجتمع، والعناية بالتوعية المكثفة، والتعاون البنَّاء بين أفراد المجتمع وهيئاته. كذلك لا بد من وضع العقوبات الرادعة لمن يُجلبون الضرر لمجتمعات المسلمين، من المهربين والمروجين بالتشهير بهم، وإظهار سوء صنيعهم، وإقامة حكم الله فيهم. وإننا لنحمد الله ، أن وفق هذه البلاد المباركة باتخاذ الجزاء الرادع، وعمل الدواء الناجع، المستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، للقضاء على هذا الشر، ومعاقبة أهله، وإننا لندعو كل البلاد الإسلامية بل كل البلاد أن تحذو حذوها في محاربة هذا الوباء، فلقد أخذت بالبلسم الشافي، والحل الحازم، وجنت ثماره، وتذوقت آثاره الطيبة، أمنا وأماناً بحمد الله وتوفيقه. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 919

البدعة صورة أخرى لحرب الإسلام الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وشرَّفنا باتباع سيد المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار. عباد الله! وصفحة أخرى من صفحات الكيد للإسلام، تتمثل في تشكيك المسلمين في ثوابتهم، ودخول النقص عليهم في عقيدتهم، وبُعد كثيرٍ منهم عن مشكاة النبوة، ومنهج السلف الصالح ﵏. ومن ذلك: ما يعتقده بعض الناس من أن لبعض الشهور والأيام خصوصيةً على غيرها، من غير دليلٍ من كتابٍ ولا سنة رسول الله، ومن هذا ما يعتقده بعض الناس في شهر رجب من أن له خاصيةً على غيره من الشهور، فيفعلون فيه أموراً محدثة، ويعتقدون فيه اعتقاداتٍ خاطئة، ويخصصونه بأنواعٍ من العبادة، لم يكن عليها دليلٌ من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا سار على ذلك السلف الصالح ﵏. وتخصيص شهر رجب، أو بعض أيامه ولياليه بصيام أو قيام أو نحوهما أمر محدث ليس له أصل في شريعة الإسلام، قال الإمام الحافظ ابن حجر ﵀: "لم يرد في فضل شهر رجب ولا صيامه ولا في صيام شيء معين منه، ولا في قيام ليلة مخصوصة حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجة" وله ﵀ رسالة قيمة في ذلك، ونحو قوله هذا قال علماء الإسلام المحققون، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والحافظ ابن رجب، والإمام النووي، والشوكاني وغيرهم ﵏ جميعاً، فبأي دليل بعد ذلك يحتج من يفعل هذه المحدثات، ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- وتمسكوا بدينكم، واتبعوا هدي نبيكم ﷺ ، واحذروا الوقوع في كل ما يخالف السنة. فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع أيها المسلمون! ألا وإن مما ينبغي التحدث به من نعم الله ، ما مَنَّ الله به علينا في هذه الأيام من نزول الغيث، وتلك نعمة الله عظيمة، نسأل الله أن يوزعنا شكرها قولاً وعملاً واعتقاداً، بأن الله وحده هو المتكفل -جل وعلا- بإنزال الغيث، وما يعتقده بعض العامة من أن للأنواء والكواكب تأثيراً في ذلك، فهذا مما يخدش العقيدة. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الله يقول: ﴿أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته! فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا! فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب﴾. ألا فاتقوا الله عباد الله! واشكروه على عموم نعمه وآلائه، واستعينوا بها على ما يُحبه ويرضاه، لا بما يسخطه ويأباه، ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله؛ كما أمركم ربكم جلَّ في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، والأئمة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق أمامنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للخير والبر والتقوى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم أصلح له بطانته وسريرته يا ذا الجلال والإكرام، ووفقه لما تحب وترضى يا حي يا قيوم، اللهم وفق جميع المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ يا سميع الدعاء. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا حي يا قيوم. اللهم وأظهر الهدى ودين الحق الذي بعثت به نبيك محمداً ﷺ ، على الدين كله ولو كره الكافرون، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغث بلادنا بالخيرات والأمطار، وقلوبنا بالإيمان واليقين يا حي يا قيوم، اللهم اجعل ما أنزلته قوتاً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق، اللهم إنا نشكرك على نعمة الغيث، اللهم فعم بالغيث أرجاء بلادنا، وأرجاء بلاد المسلمين يا ذا الجلال والإكرام. اللهم بارك لنا في رجبٍ وشعبان وبلغنا رمضان، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 920

المداومة على الطاعات لقد جاءت نصوص الشرع المطهر بالأمر بعبادة الله، والاستقامة على شرعه، التي ليس لها غاية ولا نهاية إلا عند الموت. ولقد حث النبي ﷺ على المداومة على الطاعات، وكان هذا دأبه ﷺ ودأب صحابته من بعده وسلف هذه الأمة.

стр. 921

الحث على المداومة على الأعمال الصالحة الحمد لله الذي برحمته يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، أحمده تعالى وأشكره على جزيل العطايا والهبات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مبدع الخلق وبارئ النسمات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى كل البريات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم العرض على رب الأرض والسماوات، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره والبعد عن زواجره مدة مقامكم، وطيلة وجودكم في هذه الحياة، واشكروه -جلَّ وعلا- أن هداكم للإسلام، ووفقكم لإتمام عدة الصيام، وعلى ما تنعمون به هذه الأيام من أيام عيد الفطر المبارك. عباد الله: لقد جاءت نصوص الشرع المطهر بالأمر بعبادة الله، والاستقامة على شرعه، وليس لها غاية إلا الموت. يقول الحسن البصري ﵀: [[لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت وقرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]]]. ولما سأل بعض السلف عن أناس يتعبدون في رمضان ويجتهدون فإذا انسلخ رمضان تركوا، قال: [[بئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان]]. أمة الإسلام: إنه حين ودَّع المسلمون شهر رمضان المبارك بعد إقبالهم على الله، وإكثارهم من العمل الصالح، ينبغي ألا يودعوا الأعمال الصالحة بعد رمضان، بل يجب أن تبقى آثار الصيام شعاراً متمثلاً في حياة الفرد والمجتمع والأمة، وما أعطاه الصيام من دروس في الصبر والتضحية، والإذعان لأمر الله، والوحدة والتضامن، والألفة والمودة بين المسلمين، يجب أن يستمر عليها المسلمون، وتراها متجسدة في حياتهم العملية بعد شهر رمضان.

стр. 922

أسباب ذل الأمة الإسلامية وتدنيها ما تدنَّى واقع الأمة، وأصيب المسلمون بالوهن في أنفسهم، والضعف أمام أعدائهم؛ إلا لما تخلوا عن أعز مقومات النصر وهو الدين الإسلامي الحق، وأساء أبناء المسلمين فهم الإسلام؛ فجعلوا لطاعة الله وقتاً، ولمعصيته أوقاتاً، وللخير والإقبال على الله زمناً، وللشر والإدبار أزمنة متعددة، عند ذاك لم تعمل مناسبات الخير والرحمة، ومواسم البر والمغفرة عملها في قلوب الناس، ولم تؤثر في سلوكهم، ولم تجدِ في حل مشكلاتهم.

стр. 923

أحوال الناس بعد رمضان أيها المسلمون: إن من شكر العبد لنعمة الله بعد أن وفقه للصيام والقيام: أن يستمر على طاعة الله في حياته كلها، فالإله الذي يُعبد ويصام له في رمضان هو الإله في جميع الأزمان، ومن علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، وإن من كفر النعمة وعلامات رد العمل العودة إلى المعاصي بعد رمضان. إن الناظر في حياة كثير من المسلمين اليوم بعد شهر رمضان؛ يأسف أشد الأسف لما عليه كثير من الناس بعد شهر الصيام!! مِنْ هجرٍ للمساجد، وتركٍ للجمع والجماعات، وتساهل في الصلوات، واعتزال للطاعات؛ من قراءة للقرآن، والذكر والدعاء، والإحسان والصدقات، والإقبال على ألوان المعاصي والمنكرات، والمداومة على الفواحش والمحرمات، وما ذلك -أيها الإخوة المسلمون- إلا من قلة البصيرة، وسوء الفهم لشعائر الإسلام، وإغواء عدو الله الشيطان، وأعوانه من الإنس والجن، الذين أخذوا بثأرهم بعد رمضان؛ فأضلوا كثيراً من الناس، وما إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والبحث عنها عن طريق التجمعات والسهرات، والمزيد من السفريات إلى بقاع لا تدين بدين، ولا تعترف بخُلق، ولا ترعى فضيلة، إلا من إضلال الشيطان وحزبه عياذاً بالله. فاتقوا الله عباد الله! ولا تهدموا ما بنيتم من الأعمال الصالحة في شهر رمضان. اتقوا الله يا من عزمتم على معصية الله بعد رمضان! فرب الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب مشاهد، واعلموا أن الموت يأتي بغتة، وما مرور الأعوام بعد الأعوام، وتكرار الليالي والأيام، إلا مذكر بتصرم الأعمار، وانتهاء الآجال، والقدوم على الكبير المتعال.

стр. 924

ماذا بعد رمضان يا أمة الإسلام: ماذا بعد شهر رمضان؟ ماذا عن آثار الصيام التي عملها في نفوس الصائمين؟ لننظر في حالنا، ولنتأمل في واقع أنفسنا وأمتنا، ونقارن بين وضعنا أفراداً ومجتمعات في شهر رمضان، وحالتنا بعد شهر رمضان، هل ملأت التقوى قلوبنا؟! هل صلحت أعمالنا وتحسنت أخلاقنا؟! هل استقام سلوكنا؟! هل اجتمعت كلمتنا؟! هل توحدت صفوفنا ضد أعدائنا وزالت الضغائن والأحقاد من نفوسنا؟! هل تلاشت المنكرات والمحرمات عن مجتمعاتنا؟! يا أيها المسلمون: يا من استجبتم لربكم في شهر رمضان استجيبوا له في سائر الأعمال والأيام. أما آن أن تخشع القلوب، وتتوحد الدروب، وتنتهي الحروب، فتجتمع القلوب، وينتهي عصر الفتن والخطوب. يا عباد الله: اتقوا الله في أمتكم واتقوا الله في أنفسكم، سلام الله على شهر الصيام والقيام، لقد مر كلمحة برق أو غمضة عين، كان مضماراً للتنافس والتسابق إلى الخيرات.

стр. 925

الإلحاح على الله أن يتقبل الأعمال عباد الله: ألحوا على ربكم أن يقبل صيامكم كما كان يفعل سلفكم، فقد كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: [[كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]]].

стр. 926

تذكر أحوال المسلمين في العالم وتذكروا -رحمكم الله- وأنتم تعيشون فرحة العيد وسروره، أن لكم إخواناً في العقيدة يمر عليهم العيد وهم يعانون الحروب الطاحنة، والأمراض الفتَّاكة، والمجاعات القاتلة، وما يمر بإخوانكم المجاهدين الأفغان، الذين يمر عليهم العيد وهم يحملون السلاح، ويقاتلون أعدى أعداء المسلمين، فيستعذبون فرحة العيد مع أصوات المدافع، وأزيز المقاتلات، وطلقات القنابل، ويستمرون أياماً مع حياة التشرد، والجوع والمرض، والتيتم والترمل، والملاجئ، وكذلك من يعانون المجاعات في بعض دول أفريقيا وغيرها. فاشكروا الله -عباد الله- وليتحرك فيكم شعور الأخوة الإسلامية لمساعدة إخوانكم، ولزوم طاعة ربكم في هذه الأيام، والحذر من جعلها أيام غفلة واسترسال في اللهو، ولتكن فرصة لمحاسبة النفس، وعمل البر والصلة والمودة، وصفاء القلوب، وتهذيبها من الضغائن والأحقاد.

стр. 927

همسات في أذهان الشباب وأهمس همسة في أذهان الشباب المسلم أن يتقي الله ربه ويقبل عليه، ويحفظ أوقاته بعد رمضان، ويُشغلها بطاعة الله، ولا يغتر بعمل المفتونين بمعصية الله. أما الأخت المسلمة: فعليها أن تتقي الله ، وتستمر على طاعة ربها بعد رمضان، وتلتزم ما ألزمها به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعمل نساء المسلمات من العفاف والحشمة والحجاب، وعليها الحذر من دعاة الضلال والفتنة. اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم اجعل عيدنا سعيداً، اللهم أعده على الأمة الإسلامية، وهي تركل بثوب العزة والقوة والنصر على الأعداء يا رب العالمين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، وأجرنا بمنه ولطفه من العذاب الأليم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ فهو خير الغافرين.

стр. 928

المحافظة على صيام ست من شوال الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروه أن والى عليكم العبادات، وتابع عليكم الطاعات؛ من الفرائض والمستحبات، فإنه إن انتهى شهر الفريضة في شهر رمضان فصوم التطوع بابه مفتوح؛ كصيام ستة أيام من شوال، فقد روى الإمام مسلم عن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾. وذلك: لأن صيام شهر رمضان عن صيام عشرة أشهر في الأجر، وستة أيام من شوال عن صيام شهرين فبذلك يحصل لمن صامها أجر صيام الدهر كله، ويجوز لمن أراد صيامها أن يتابعها ويفرقها في الشهر، كما يجوز أن يصوم سنة ويترك أخرى، فلا تُفوِّتوا -رحمكم الله- على أنفسكم هذه الفضائل، واذكروا الله سبحانه على إنعامه، وأتموا أعمالكم الصالحة، واستمروا عليها بعد رمضان إلى أن يتوفاكم الله ، ولا تبطلوا -رحمكم الله- أعمالكم الصالحة التي بنيتموها في شهر رمضان، فإن أحدنا لا يدري هل يدرك رمضان مرة أخرى أو لا يدركه؟ وكلنا بحاجة إلى التوبة إلى الله سبحانه، والاستغفار إليه، وتتابع الأعمال الصالحة. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقال ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد. وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناًَ وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ووفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيأ لهم البطانة الصالحة. اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى يا ذا الجلال والإكرام! ووفق قادتهم بالعمل بشريعتك يا حي يا قيوم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم قوِ شوكتهم، اللهم اجمع كلمتهم، اللهم انصرهم على القوم الكافرين يا قوي يا عزيز. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 929

المستقبل للإسلام إن صلاح الدين والعباد إنما يكون بدين يحقق مصالح المعاش والمعاد. والصراع القائم اليوم في عالمنا المعاصر هو صراع فكري بين الحق والباطل، بين الحضارة الإسلامية والحضارة المادية. ولله الحمد والمنة لقد أعلنت الحضارة المادية إفلاسها، وشعرت بأنها بحاجة إلى دين حق، فما هو واجب المسلمين نحو هذا، وما هو المطلوب من دعاة الإسلام؟

стр. 930

الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة المادية إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، اللهم لك الحمد كله، ولك الشكر كله، وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره، فأهل أنت أن تحمد، وأهل أنت أن تعبد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا حياة إلا في رضاه، ولا صلاح إلا في هداه، شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالإلهية كل مصنوعاته، تسبح له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء:٤٤]. وأشهد أن نبينا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، عليه من ربه أزكى سلام وأفضل صلاة، ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، فإنها وصيته سبحانه للأولين والآخرين من عباده، فنعم الموصي ونعم الموصى ونعمت الوصية. بتقوى الله يتحقق تاج السعادة، وفي ظلالها ينال وسام السيادة، وعلى ضوء سناها تحصل الريادة، ومن ذرى عليائها تنطلق دفة القيادة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. إخوة الإسلام: صلاح البلاد والعباد بدين يحقق مصالح المعاش والمعاد، وإنه عندما تشتد حلقة الظلمات تمس الحاجة إلى من يضيء الدروب، وعندما يطغى جارف التيارات تحتاج الأمة إلى من ينبري لكشف الخطوب، وحينما يعلو الطوفان وتتصارع الأمواج يندر أن تجد من يسبح ضدها، لكن عناية الله وفضله ولطفه ورحمته بعباده تقتضي أن يهيئ لهذه الأمة في كل زمان ومكان من يضيء لها معالم الدروب، ومن يقارع بإذن الله عواتي الخطوب، ويقاوم شدة الأمواج العاتية، ويصارع قوة التيارات الغاشمة، ويجدد لهذه الأمة أمر دينها، فلما علا طوفان الجاهلية الأولى وطغى الشرك والوثنية؛ منَّ الله على هذه الأمة ببعثة النبي المصطفى والحبيب المجتبى، والرسول المرتضى، محمد ﷺ ، وقد حمل لواء الدعوة بعده صحابته الغر الميامين، وتمر القرون وتتتابع السنون وتعيش أمة الإسلام في أوضاعها بين مد وجزر، ولا يزال ولله الحمد والمنة في كل الأعصار والأمصار من هو قائم لله بحجته، منافح عن دينه وملته، واليوم ترسو سفينة الأمة على شاطئ عالمنا المعاصر، حيث علا طوفان الافتتان بالحضارة الغربية، وطغى تيار الحياة المادية، فانبهر كثير من بني جلدتنا، ومن يتكلمون بألسنتنا بما عليه ظاهر القوم، وأصيب كثير من أرباب الفكر والثقافة وحملة الأقلام بالانهزامية الفكرية والخلقية والثقافية، وكثر دعاة جهنم فأكثروا على الرعاع وخدعوا الدهماء بزخرف القول وقشور التقدمية المزعومة والمدنية الزائفة.

стр. 931

مبشرات النصر للحضارة الإسلامية وبعد سنوات من الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة المادية، أيقن الناس بعدها بإفلاس حضارة المادة، وتعرت الشعارات الزائفة، وأفلست النظريات الجوفاء، وشعر العالم -لا سيما المنصفون- بالحاجة إلى دين حق، والضرورة إلى عقيدة صدق؛ تهذب النفوس وتزكي الضمائر وتقبض الأخلاق والسلوك، ونمت ولله الحمد والمنة توجهات إسلامية عالمية ستعيد بإذن الله للأمة مجدها المفقود، وعزها المنشود، وأملها المعقود، فانتشرت المراكز الإسلامية، وكثرت الصروح العلمية والحضارية التي تعد معاقل خير وهداية، وصروح إشعاع وإصلاح، وجسوراً للتواصل بين حضارة الإسلام، وبين البلاد الأوروبية وغيرها، وانتشرت بيوت الله في أرض الله بعمارة الموفقين من أرض الله في عقر أهل الحضارة المادية. ومع هذه البشائر فإن هناك من يريد إسدال الستار على عقول أبناء هذه الأمة؛ لتتمكن خفافيش أدعياء الحضارة من التسلل في ليل حالك؛ لترتفع ألسنة لهيب المفتونين لحماية هذا العفن والدفاع عنه والدعوة إليه، بدعاوى مزركشة، وأقوال مزخرفة، وألبسة فاتنة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، يركبون مطايا من الموضات، ويتزينون بأشكال من التقليعات، في شماتة خلقية وسذاجة فكرية، فكان لابد من كشف الستور، وإخراج المغمور، وإماطة اللثام، والعمل على إشعاع النور في الظلام، تنويراً للخلائق، وإيضاحاً للحقائق ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].

стр. 932

جوهر الصراع بين الأمة وأعدائها أمة الإسلام: إن الصراع الفكري والحضاري هو الذي يمثل جوهر الصراع بين الأمة وأعدائها، حتى خيل لبعض المستضعفين منا والمنهزمين أمام الحضارة الغربية ممن استعبد الغزو الفكري قلوبهم وأسر أرواحهم أن السبب فيما أصاب أمتنا من ضعف وتأخر كان نتيجة حتمية لتمسكهم بدينهم فالله المستعان! كيف انخدعت فئام من الأمة؟ وكيف انحدرت إلى هذا المستوى من التخلف المزري، والواقع المرير، حتى فتت العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة بما يحقق لأعدائهم السيطرة على مقدراتهم والاستيلاء على خيراتهم؟ انتزعت فلسطيننا، واستولى الأعداء على مقدساتنا، ونحيت شريعة الله في كثير من البلاد، بل أقيمت المتاريس ضدها بأجيال انتزعت هويتهم وربوا على فكر أعدائهم، وسممت كثير من مناهج التعليم، ووسائل الإعلام في كثير من بلاد المسلمين؛ حتى أفرزت أجيالاً نافرة من دينها، منسلخة عن قيمها؛ فخرجت تنعق بدعوات غربية، وتعتنق أفكاراً جاهلية، وترى في الدين تأخراً ورجعية، فإلى الله المشتكى. ألم يأن يا أمة الإسلام! أن تعيى الأمة رسالتها، وأن تتعرف على الخلل الكبير في حضارة أعدائها، لا سيما عجزهم عن التوفيق بين مطالب الروح والمادة، وعجزهم عن إيجاد التوازن بين الثوابت والمتغيرات؛ مما أنتج خللاً فكرياً وفساداً خلقياً لا مخلص منه إلا الإسلام. فيا أهل الإسلام: يا من أعزكم الله بهذا الدين! وشرفكم بحمل أمانته يوم أن عجزت السماوات والأرض والجبال إن عليكم تبعة هائلة، ومسئولية كبيرة تجاه دين الله تعلماً وتعليماً، ودعوة وإصلاحاً، فالدين قادم بحمد الله، لابد أن تستيقن الأمة بدرجات اليقين كلها علمه وحقه وعينه، أنه لا مخلص لعالم اليوم من أزماته الخانقة وأوضاعه المتردية إلا الإسلام، والإسلام الحق على عقيدة التوحيد الصافية، والمتابعة الصحيحة للمنهج السليم كتاباً وسنة، على منهج سلف الأمة. وإن الناظر الغيور؛ ليأسى أشد الأسى من تضييع الأمة لكثير من الفرص في الدعوة إلى دينها، واستغلال وسائل العصر الحديثة كالإنترنت ونحوه. أين من يحمل هموم العمل للإسلام؟ هاهو العالم يفتح صدره للإسلام، فأين المسلمون وأين العاملون المخلصون بمنهج سليم وأسلوب حسن، وكم يبذل المسلمون من أوقاتهم وجهودهم لدينهم؟ كفى حزناً للدين أن حماته إذا خذلوه قلنا كيف ينصروا أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب فقل لذوي البصائر أين كانوا أجيبوا الله ويحكم أجيبوا قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢].

стр. 933

سبب إفلاس الحضارة المعاصرة أمة الإسلام! إن من المؤكد أن الحضارة المعاصرة تعلن إفلاسها، وذلك لأنها فرطت في أعظم مقومات البقاء، حيث أهدرت القيم الإنسانية، ورفضت أن يكون للدين سلطان على الحياة، ومن هذه الثغرة دخلت عليها آفات النقض وعوامل الإفلاس، ومع أنها حققت التقدم المادي وغزت الفضاء، ووصلت إلى الأمواج والبحار والهواء، لكنها تجاهلت الجانب الإنساني والمصير الأخروي قال الله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٦ - ٧]. لقد أهملت الإنسان وتجاهلت روحه ووجدانه، وعقله وقلبه، ولم تنسجم مع فطرته التي فطره الله عليها، بل فتحت له الشهوات البهيمية بدعوى الحرية الشخصية، وجعلت منه آلة تمور ورحى تدور، خالية من معاني الروح ومعالي القيم. ولذلك تتعالى الصيحات من هنالك وهناك، منذرة بسوء مصير البشرية في ظل هذه الحضارة المادية؛ الخاوية من مقومات الروح والإيمان، وتوشك أن تنحدر إلى الهاوية، والفضل ما شهدت به الأعداء، هاهم النصبة يعلنون صيحات الخطر بأنه لا حضارة إلا بالإسلام، وهذه نصوص الشرع، وهذا شواهد التاريخ، وهذه شهادات الواقع، وليس من رأى كمن سمع. لقد أعز الله هذه الأمة بالإسلام، هدمت معسكرات الوثنية، ودكت معاقل الجاهلية، وحطم القياصرة، وكسر الأكاسرة، وهزم التتار والصليبيون بالإسلام ليس بغيره، وانتصر المصطفى ﷺ ، وعز عمر وسعد وخالد وطارق وصلاح الدين بالإسلام، وأصبحت الأمة قوية مرهوبة الجانب بالإسلام ليس إلا، وستنتصر هذه الأمة المعاصرة بالإسلام بإذن الله؛ لأنه دين الفطرة قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]. ومع ذلك كله فلابد أن يقدم المسلمون لدينهم، ويصلحوا أنفسهم، ويعالجوا عيوبهم من الداخل، ويسدوا كل ثغرة يريد أن ينفذ العدو منها، وأن يتحدوا على المفترين، وينبذوا كل الاتجاهات والمذاهب وجميع الأحزاب والمشارب التي تخالف تعاليمه، وأن يؤصلوا في أنفسهم وأجيالهم العلم الشرعي النافع، والتربية السليمة.

стр. 934

الواجب على المسلمين نحو دينهم إخوة العقيدة والإسلام: إن المسلم يتفاءل كثيراً بأن المستقبل لدين الله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] وكما أخبر المصطفى ﷺ وبشر فقال: ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يدع بيت حجر ولا مدر إلا دخله، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله﴾ غير أن الواجب على الأمة الإسلامية أن يكون لها مزيد الاهتمام، وبذل مجهود أكثر في خدمة الدعوة الإسلامية، فعلى قادة المسلمين الواجب الأكبر في إعزاز دين الله، وتحكيم شريعة الله، ونصرة أولياء الله. وعلى المسلمين جميعاً أن يبذلوا لدينهم؛ لأن الناس متعطشون لغذاء الروح بعد أن ملوا التفنن بغذاء الأبدان لا سيما في العالم الغربي، وإن على العلماء والدعاة إلى الله وأهل الخير والصلاح من أهل الكفاءة العلمية، أن يسهموا في زيارات الدعوة والتوجيه لما لها من الأثر الفاعل على جميع الصعد، تصحيحاً في المناهج، وتقوية للأواصر، وتشجيعاً للمسلمين في كل مكان، وتحسيساً لهم بمكانتهم ودورهم ومكانة بلد الإسلام التي يشعرون أنها تهتم بهم وترعى شئونهم وتشاطرهم آلامهم وآمالهم، وبالتالي سد الباب أمام كل من يريد الاصطياد في الماء العكر، من أصحاب الاتجاهات المنحرفة، والمسالك الضالة، والمشارب المشبوهة. كما أن من أهم الأعمال الملحة في عصرنا الحاضر، العمل على إيجاد قنوات إعلامية إسلامية، تبث الدعوة إلى الله ومحاسن الدين بلغات شتى؛ لأن الإعلام اليوم في العالم كله يلعب دوراً كبيراً في التأثير على جميع الفئات، وإن من المؤسف حقاً ألا تجد للإسلام إلا صوتاً خافتاً في بعضها، مما يتطلب من المعنيين بشئون المسلمين، لا سيما أهل الثراء والمال، وذوي اليسار ورجال الأعمال، أن يسهموا بسد هذه الثغرة أداء للواجب عليهم تجاه دينهم وأمتهم. أتعجز الأمة بكفاءاتها ورجالها ومواردها أن ينبري منها رجل رشيد، ذو حزم ورأي سديد، فيعمل على إقرار العيون، وشرح الصدور بقنوات إسلامية تواكب تطورات العصر، وتحمل رسالة الإسلام، ولو ببث كتاب الله بعد أن عملت القنوات الفضائية أبشع أعمالها، بوأد الفضيلة ورفع راية الرذيلة غثاءً وهراءً، وعفناً أخلاقياً تبكي له الفضيلة، وتئن من نأوائه الأخلاق والقيم. ومما ينزف القلب دماً أنها قد تعود في معظمها إلى أناس من بني جلدتنا ويتكلمون بلغتنا! أين حمية القوم الدينية وشهامتهم العربية وغيرتهم الإسلامية، نعوذ بالله من العمى بعد البصيرة. لكل شيء إذا ما حل سلوان وما لما حل بالإسلام صنوان ألا نفوس أبيّات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان سدد الله خطى العاملين، ونفع بالأسباب، وبارك في جهود الغيورين، وجعل الأعمال خالصة لوجه الكريم، إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 935

حاجة الأمة الإسلامية إلى دعاة على مستوى العصر الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة سيد الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الفضل والإنعام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير من عمل بالدين وقام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحابته الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. معاشر المسلمين: إن دين الإسلام الذي هدانا الله إليه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لهو المنة الكبرى والنعمة العظمى، هو دين الخير والعدل والرحمة والمحبة والوئام والسلام. إن البشرية اليوم تتطلع إلى أن تتفيء ظلال هذا الدين القويم مما يتطلب الجد في مجال العمل للإسلام، والنهوض بمستوى الدعوة إلى الله، وتنسيق الجهود بين العالمين، والحذر من الفرقة والخلاف التي لا يستفيد منها إلا العدو المتربص. إن هناك فرصاً عظيمة، يؤسف كل غيور على أوضاع أمته أن يفرط في استغلالها المسلمون، فالأرض خصبة جداً، والفرص مواتية، والقضية ترجع إلى حاجة الأمة اليوم إلى وضع خطط سليمة، ومنهجية مدروسة، تخرّج دعاة على مستوى العصر الذي يعيشونه؛ لنثبت للعالم صدق توجهاتنا وسلامة مقاصدنا، بعد أن شوه الإسلام من طرف علماني شهواني منحرف في ثقافته وأخلاقه، ومن طرف جاهل غال عنيف لا يؤمن إلا بسفك الدماء، ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. وإن من التحدث بنعم الله تلك الجهود المشكورة والأعمال المذكورة، وعند أهل الإنفاق غير منكورة، التي يبذلها جنود مجهولون من أهل الخير والدعوة والإصلاح ممن آثروا ما عند الله، ولا ينسى الدور الفاعل لبلاد الحرمين الشريفين حرسها الله في هذا المجال، فلا تكاد بلاد من بلاد الدنيا إلا ولها فيه مركزاً أو مسجداً أو صرحاً علمياً أو حضارياً جعله الله خالصاً لوجه الكريم، وضاعف مثوبتها وزادها من الخير والتوفيق، والحق أنه لا يدرك مكانتها وفضلها إلا من اغترب عنها لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، كما أمركم بالصلاة والسلام عليه ربكم جل في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك وجودك يا أكرم الأكرمين وأجود الأجودين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمضطهدين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم عجل بنصرهم يا قوي يا عزيز! اللهم فارج الهم وكاشف الغم رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، مجيب دعوة المضطرين، نسألك اللهم رحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 936

المسلم أخو المسلم إن الأخوة الإسلامية لها أهمية في واقع المسلمين، ولذلك تكلم الشيخ في هذا الدرس عن أهمية الأخوة، وما هي حقيقتها، وكيف تحقق الأخوة في هذا العصر المرير.

стр. 937

أهمية الأخوة في الدين الحمد لله الذي جعل المسلمين أخوة يوالي بعضهم بعضاً ويشد بعضهم أزر بعض، أحمده تعالى وأشكره على نعمه العظيمة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرع للمؤمنين بعضهم على بعضٍ حقوقاً عظيمة، ونهى عن كل ما يُضعف الأخوة أو يقطعها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله آخى بين المؤمنين، وبين ما يجب للمسلم على أخيه، وأوصى بالتزام ذلك لما يترتب عليه من مصالح الدنيا والآخرة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ضربوا أروع الأمثلة للأخوة الصادقة، فكانوا كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى. عباد الله: يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ويقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، ويقول سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. وفي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً﴾. وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة﴾ متفق عليه. أخوة العقيدة والإيمان في كل قطر ومكان! من هذه النصوص الصحيحة الصريحة في جلالتها نُدرك ما ينبغي أن يكون عليه المسلم نحو أخيه المسلم، إنها أخوة أعظم من أخوة النسب، ورباط أقوى وأشد من رباط الجاه والمال والحسب، أخوة تجمع بين المسلمين وإن تباعدت أقطارهم ونأت ديارهم، أخوة قائمة على المشاركة في المبدأ والعقيدة، لا في شعارات دنيوية واهية لا تغني أهلها أمام الله شيئاً.

стр. 938

ثمرات الأخوة الإيمانية أمة الإسلام! إن الأخوة الإسلامية توجب التناصح والتناصر، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتمنع الغش والظلم والخديعة والأذى بالقول والعمل، وتمنع الغيبة والنميمة والبهتان، كما تمنع المسلم أن يخذل أخاه أو يتهاون في مد يد العون عند حاجته إليه. أمة الإسلام! لقد مثَّل الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ الأخوة الإسلامية أروع تمثيل؛ في التناصر والتلاحم والإيثار، وكونهم يداً واحدة في الحق ودفع الباطل، فما كان منهم إلا أن زلزلوا أركان الطغيان والفساد، وهزوا عروش الباطل وصروح الكفر والضلال، حتى ملكوا المشارق والمغارب، ورفعوا راية التوحيد خفاقَّة على جميع أرجاء المعمورة.

стр. 939

عواقب فساد الأخوة الإيمانية ويوم أن تخلى المسلمون عن منهج الله، وضلوا صراطه المستقيم، وتخبطوا في ضلالات المبادئ المنحرفة، ومتاهات النظم الفاسدة، انقطعت أواصر المحبة بينهم، وسلَّط الله عليهم أعداءهم؛ فساموهم سوء العذاب، وأصبح بأسهم بينهم، وابتلوا بأنواع العقوبات الدنيوية، والمصائب المختلفة، ففشت بينهم الحروب الطاحنة التي تقضي على الأخضر واليابس، والمذابح الرهيبة المهلكة للحرث والنسل، وانتشرت بينهم المجاعات والأمراض الفتَّاكة، والقحط والجفاف والجدب، وعم الخوف، وَعدِمَ الأمن، وساد نقص الأموال والأنفس والثمرات في بقاع كثيرة من العالم. ومن هنا! يتجسد واجب المسلمين الذين يتقلبون في نعم الله صباح مساء بالمراكب الفارهة، والمساكن الفخمة، والموائد الواسعة، والأموال الطائلة!! يتجسد واجبهم أن يساعدوا إخوانهم في العقيدة، الذين حرموا من هذه النعم، وأصبح العشرات -بل المئات- يموتون يومياً من الجوع والفقر، وأصبح الآلاف هائمين على وجوههم، هاربين عن أوطانهم بحثاً عن لقمة العيش، حافية أقدامهم، عارية أجسادهم، حتى لا يجدوا ما يستر عوراتهم، كما هو واقع في بلاد إفريقيا كثيراً، كما لا يخفى على كل مسلم الواقع المؤلم في أفغانستان المسلمة، وفي لبنان، وفي فلسطين، وفي غيرها من بلاد المسلمين. فأي خذلان المسلمين بعضهم لبعضٍ أكثر من هذا؟

стр. 940

مساعدة المسلمين من الأخوة في الدين إن الواجب على المسلمين الذين أنعم الله عليهم بالنعم الوفيرة أن يساهموا في مساعدة إخوانهم المتضررين في كل مكان؛ طاعة لله ولرسوله ثم طاعة لولي الأمر المسلم؛ حيث أصدر ملك هذه البلاد وقائدها دعوةً للمسلمين في هذا البلد وفي كل مكان أن يمدوا يد العون لإخوانهم المنكوبين من المجاعات والجفاف والقحط في أفريقيا، فيا لها من دعوة مباركة يجب أن تجد آذاناً صاغية، وأن يكون لها صدىً عملي في نفوس المسلمين هنا وفي كل مكان، وجزى الله قائلها والمستجيب لها خير الجزاء. إخوة الإسلام! إن نعم الله علينا وفيرة، وخيراته كثيرة، ولكن -ويا للأسف! - أساء كثير من الناس استعمالها، ولم يقوموا بشكرها في صرفها في وجوه البر والإحسان، فما أكثر الأموال الضائعة والمنفقة في غير الوجوه الشرعية، فهل يعي المبذرون لنعم الله، المسرفون في استعمالها الواقع المرير لهؤلاء المساكين الذين لا يجدون ما يسد رمقهم؟ وهل يتعظ من كفر بنعمة الله فأهانها ورماها في أماكن النفايات، وأساء استخدامها لأولئك المنكوبين، وهل يتذكر الذين ينفقون الأموال الطائلة في الحفلات والمناسبات المختلفة؛ بل في اللغو واللهو الباطل -والعياذ بالله- الوضع المبكي لأولئك القوم المتضررين؟ والله إننا لنخشى أن يُغيِّر الله حالنا، فيصيبنا ما أصابهم بين عشية وضحاها ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. أيها المسلمون! إن العالم -كله اليوم- يعيش في مجاعات رهيبة، وليت الأمر يقف عند المجاعات المادية!! بل المصيبة الكبرى هي المجاعات العظيمة التي أصابت الأرواح والقلوب، فقطعت صلتها بالله حتى ران عليها الذنوب والمنكرات، فمجاعات القلوب، وجدب الأرواح وقحطها، وضعف النفوس هو رأس كل بلاء، فما أحوج المسلمين في كل مكان أن يُغذَّوا أرواحهم وقلوبهم بالإيمان والعمل الصالح. وإننا نناشد المسلمين في كل مكان -ومن هذا المكان المبارك- أن يقوموا بواجب الأخوة؛ فيساعدوا إخوانهم المسلمين المتضررين من المجاعات البدنية، لتكون عوناً لهم بتوفيق الله على صد المجاعات المعنوية، حتى يكون المسلمون يداً واحدة على أعدائهم كما كانوا، وما ذلك على الله بعزيز. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.

стр. 941

وجوب التناصر بين المسلمين الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل التآخي بين المؤمنين من مقتضيات الإيمان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة ضلالة. إخوة الإسلام! يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]. وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ متفق عليه. أمة الإسلام! وإنه لمن المؤسف -حقاً- أن أعداء الإسلام لما رأوا تخاذل المسلمين في نصرة إخوانهم؛ حاولوا بشتَّى الوسائل بث دعواتهم الباطلة من شيوعية ملحدة، ويهودية ونصرانية وغيرها بين صفوف المسلمين؛ حتى صدوا كثيراً من المسلمين عن دينهم، فيجب على المسلمين أفراداً وشعوباً، حكاماً وجماعات، أن يجدُّوا في نصرة إخوانهم المسلمين، وسد عوزهم، وقضاء حاجاتهم، كما ينبغي على المسلم أن يحرص أن تقع المساعدة التي يمن الله بها في أيدي مسلمة؛ حتى لا تقع المساعدة في أيدي أعدائنا فيستعينوا بها لنشر باطلهم، ومحاربة الإسلام، وتشويه معالمه. نسأل الله تعالى أن يُفرَّج عن المسلمين في كل قطر من أقطارهم ما هم فيه من ذل وكرب وشدة، إنه على كل شيء قدير. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على أفضل خلق الله محمد بن عبد الله، كما أمركم الله سبحانه بالصلاة والسلام عليه، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين! اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم اجعلهم يداً واحدة على أعدائك أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، اللهم ألف بين قلوبهم، واجعلهم يداً واحدة على الخير يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأصلح سادتهم يا أرحم الراحمين! اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم وفق إمامنا لهداك، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم اجعله هادياً مهدياً يا رب العالمين! اللهم ارزقه البطانة الصالحة يا أرحم الراحمين! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين، وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 942

المفهوم الشامل للعبادة العبادة هي غاية خلق الإنسان والجان، والهدف الأسمى على وجه البسيطة. ولتقويم الفكر وتصحيحه، وبيان الموضوع وتوضيحه؛ تأتي هذه الأحاديث العذبة: بياناً لمجال العبادة الواسع وتعريفها بالحد الجامع المانع. مع بيان شروطها وآدابها ومجالاتها. بالإضافة إلى الإجابات الزائدة على بعض الأسئلة الواردة، تكميلاً للفائدة، والله ولي التوفيق.

стр. 943

فضل لقاءات الذكر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بطاعته، وألزمنا بعبادته، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فكان ﵊ قائماً بعبادة ربه مدة حياته كلها، قام من الليل حتى تفطَّرت قدماه، ودعا إلى الله ، وجاهد في سبيله، وعبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين ساروا على نهجه، والتزموا سنته، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وإنه لمن فضل الله علينا -في هذه الليلة- أن نجتمع في هذا المكان المبارك، في بيت من بيوت الله ، التي أَذِنَ الله أن تُرفع، ويُذكر فيها اسمه، نجتمع هذه الليلة لا لشيء؛ إلا للتذاكر والتعاون، والتواصي بالحق والصبر عليه، نجتمع هذه الليلة لنتحدث حول موضوع مهم وخطير، لا ينفك عنه المسلم لحظة واحدة، وهو وإن كان معروفاً عند كثير من الناس، إلا أن تطبيقه لا يقوم به إلا أصحاب الهمم العالية. فاجتماع المسلمين في بيوت الله لإحيائها، وذكر الله فيها، وتدارس العلم النافع، والتذكير بما يجب علينا؛ من أهم الأمور التي يجب على المسلمين أن يعتنوا بها، وكلما ابتعد المسلمون عن بيوت الله -سبحانه- أو عطلوا رسالتها، أو تساهلوا في القيام بواجبهم تجاهها، كلما أبعدوا النجعة عن صراط الله . فبيوت الله ينبغي أن تُفتح أبوابها، وتعود رسالتها، ومن رسالتها: إقامة هذه الندوات، والمحاضرات، وهذه الكلمات التي يحضرها من أراد الله به خيراً، يؤثرها على شهوات دنياه، يُؤثر الجلوس في هذه الأماكن الطيبة، على مجالس الدنيا، وإعمارها بالقيل والقال، وإشغالها بما لا يرضي الله . وهنيئاً للحاضرين بشارة رسول الله ﷺ القائل فيما أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁: ﴿وما اجتمع قوم في بيتٍ من بُيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده﴾. فأي بشارة أعظم من هذه! إن تحقيق واحدة من هذه الخصال خير من الدنيا وما فيها، أن تتنزل على الحاضرين الرحمة، وتغشاهم السكينة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله في الملأ الأعلى خير من الدنيا وما فيها. فواجب على المسلمين، وعلى علمائهم، وعامتهم، وشبابهم، ونسائهم، أن يحيوا مثل هذه اللقاءات الطيبة؛ لتصقل قلوبهم بذكر الله ؛ فإن الدنيا بشهواتها وزخرفها قد رانت على قلوب كثير من الناس، وأغفلتهم عن واجبهم، وأبعدتهم عن رسالتهم، فأصبحوا يعملون لها، ويركضون وراءها، ويجتهدون في البحث والتنقيب عنها بأي طريق، وما مقامهم في هذه الحياة إلا مقام قصير، فيجب عليهم ألا ينسوا رسالتهم التي خلقوا من أجلها، وواجبهم الذي أوجدوا من أجله؛ فإن المسلم -كما تعلمون- إنما خلق لرسالة عظيمة، ولواجب كبير، وللقيام بأمانة عظيمة، ألا وهي موضوع حديثنا الليلة. إن موضوعنا الذي نريد الحديث حوله يدور حول موضوع العبادة لله . عبودية المسلم لربه، ما معناها؟ وما مفهومها؟ وما مقتضياتها؟ وما واجب المسلمين نحوها؟ وما الآيات والأحاديث التي جاءت بذكرها، والتنويه بشأنها؟ وما آثار هذه العبادة وآثار القيام بها على الأفراد والمجتمعات؟ وما الآثار السلبية التي يورثها تساهل المسلمين وتقاعسهم عن القيام بهذه الغاية المهمة؟ وما الأسباب الوخيمة والآثار العظيمة التي تترتب على انحسار مفهوم العبادة في مجتمعات المسلمين؟ حول هذه العناصر وغيرها، نريد أن نتحدث هذه الليلة، سائلين الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله تعالى أن يفتح على الجميع مغفرته ورحمته، ونسأله تعالى أن يوفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح، والبصيرة في دينه، إنه جواد كريم.

стр. 944

تعريف العبادة وأنواعها العبادة في لغة العرب إذا أُطلقت، إنما تعني: التذلل، يُقال: طريق معبَّد، أي: مذلل قد وطئته الأقدام. أما في اصطلاح العلماء: فإن العلماء لهم تعريفات كثيرة، وأقوال متعددة حول تعريف العبادة، لكن أشهرها وأجمعها وأولاها: تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ حيث عرَّفها في كتاب له مستقل حول هذه القضية المهمة.

стр. 945

تعريف العبادة عند ابن تيمية وابن القيم فقال ﵀: العبادة: اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فهذا تعريف عظيم، سنتناول حيثياته، واحدة تلو الأخرى؛ لننظر ماذا قدمنا تجاه هذا الأمر المهم؟ ولنعرض أعمالنا اليومية التي نقوم بها على ضوء هذا التأصيل العظيم. ومن تعريفات العلماء ﵏ لهذه القضية المهمة -ألا وهي قضية العبادة- تعريف العلامة ابن القيم ﵀، حيث عرفها بأنها: غاية الحب لله مع غاية الذل له، التي تحث على العمل لطاعته، والانزجار عن نواهيه. يقول في نونيته المشهورة: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبانِ وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبانِ ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطانِ هذه أبيات عظيمة تبين معنى العبادة لله . العبادة -يا إخوتي في الله- في الإسلام مفهومها واسع، ونطاقها شاسع، فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، ما يحبه الله مما جاء به في كتابه، وأتى به رسوله ﷺ من العقيدة والعبادة والأخلاق والآداب، وغير ذلك من الأمور.

стр. 946

بعض صور العبادة فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، داخل في مفهوم العبادة. فالصلاة عبادة بل هي من أعظم العبادات. توحيد الله ، وعدم الإشراك به. إيتاء الزكاة. صوم رمضان. حج بيت الله الحرام. بر الوالدين. صلة الأرحام. الإنفاق على المحتاجين، والمساكين، والفقراء. الإنفاق على الأقرباء. زيارة المريض. القيام بحقوق الأخوة في الله . الخوف من الله، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرغبة إليه. كل ذلك من العبادات العظيمة، وكل هذه وغيرها عبادة من العبادات.

стр. 947

تقسيم العبادة إلى باطنة وظاهرة العبادات كثيرةٌ ومتنوعة، فمنها: ما هو من أعمال القلوب، وهو ما يسمى بالأعمال الباطنة: كالتوكل على الله، ورجاء ما عنده، والخوف منه جلَّ وعلا وما إلى ذلك. ومنها: ما هي أمور ظاهرة متعلقة بالأبدان: كالصلاة، والحج وما إلى ذلك. ومنها: ما هو مالي: كالزكاة. ومنها: ما هو مالي وبدني: كالحج. ونحو ذلك من الأقسام التي لا تكاد تخفى على أي مسلم. فتبين من هذا -يا إخوتي في الله- سعة مفهوم العبادة في الإسلام، بل أكثر من ذلك الأعمال العادية تنقلب إلى عبادات عظيمة، إذا تحقق فيها الإخلاص لله .

стр. 948

كيف تصبح الأمور المباحة عبادة فالعبادة تشمل أعظم من العبادات والشعائر، بل هي تشمل كل أمر من الأمور إذا أخلصت فيه النية لله . فأكلك، وطعامك، وشرابك، ونومك، إذا قصدت به التقوي على عبادة الله ؛ فإنه عبادة من العبادات. فالأمور -كما هو مقرر في مقاصد الشريعة وقواعد الاسلام- بمقاصدها، والعادات تتحول إلى عبادات إذا أخلصت فيها النية، بل إن كلام المسلم وعمله وجلوسه مع أهله، ومخاطبته لهم، ومعاشرته إياهم، كل ذلك عبادة من العبادات. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للصحابة ﵃: ﴿وفي بضع أحدكم صدقة﴾. وقع ذلك في نفوسهم، وتعجبوا!! ﴿فقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾. فما أعظم نعم الله على عباده! هذه الأمور التي لا يستغني عنها مسلم، بل هي أمور جِبِلِّيَّة لا تقوم الحياة إلا بها، يُؤجر بها إذا أخلص نيته لله ، بل إن سعي المسلم للحصول على الرزق، وإعفاف نفسه، وكفاف أهله، وإغنائهم عن تعرض الناس كل ذلك عبادة من العبادات، حتى ما تضعه في فِي امرأتك. فسعي المسلم على أبنائه في طلب الرزق كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله . كذلك أعمال المسلمين: من وظائفهم، والقيام بواجباتهم وحقوقهم كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله . فالموظف في وظيفته، والكاتب في مكتبه، والعامل في معمله، والصانع في مصنعه، والتاجر في بيعه وشرائه، كل واحد منهم إذا قصد وابتغى وجه الله وقام بنُصحٍ وأمانةٍ بحق الله عليه، ثم حق ولاة الأمر عليه، ثم حق إخوانه المسلمين عليه؛ فإنه مأجور على ذلك والحمد لله. الطالب في مدرسته، الذي يتردد عليها صباحاً كل يوم، إذا ذهب إلى المدرسة ابتغاء ما عند الله سبحانه، والرغبة في طلب العلم والاستفادة، وابتغاء وجه الله في التحصيل العلمي، فإنه يُؤجر على ذلك. كل من يقوم بأي عمل من الأعمال عليه أن يستشعر أن ثواب الله عظيم، وأن عليه ألا يدنس نيته بالأطماع الدنيوية، بل عليه أن يخلص نيته لله ، ويبتغي ما عند الله -جل وعلا- ويرجو ثواب الله -سبحانه- مع ما يأتي من ثواب الدنيا؛ لكن أجر الدنيا وثوابه تابع لثواب الآخرة، ولا ينبغي أن يكون المقصد دنيوياً فحسب؛ بل يجب علينا أن نُروضِّ أنفسنا على الإخلاص لله سبحانه، وأن نستشعر أن كل أعمالنا التي نقوم بها قد تدخل -جميعاً- في مُسمَّى العبادة، إذا أُخلصت فيها النية لله .

стр. 949

واجب المسلمين نحو العبادة أيها الإخوة في الله! بعدما عرفنا جميعاً تعريف العبادة، ومفهومها الواسع، وأنها تقتضي أن يقوم المسلمون بهذه الرسالة، وأن يعملوا بطاعة الله ، ويقوموا بعبادته في حياتهم كلها؛ لأن الله قصر الحكمة من خلقه الجن والإنس للقيام بهذا الواجب العظيم، يقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. بيد أن كثيراً من الناس يفهم أننا حينما نقول: إنه يجب على المسلمين أن يقوموا بعبادة الله في أوقاتهم كلها وأيامهم وأعوامهم، بل في حياتهم وأعمارهم، أن يقوموا بهذه العبادة، قد يفهم أننا نقصد أن يدخل المسلمون المساجد فلا يخرجون منها، يفهمون ذلك نتيجةً لجهلهم بمفهوم العبادة في الإسلام، وأن مفهومها أعم من أن تكون في المساجد فقط. ليست العباد يا إخوتي في الله! محض شعائر معينة يُؤديها المسلمون في أوقات معينة، فإذا خرجوا من هذه الأماكن، وبارحوا هذه الأوقات نكصوا على أعقابهم، ووقعوا في معصية الله ، لا. هذا مفهوم خطير، سبَّب انحسار مفهوم العبادة عند كثير من المسلمين هدانا الله وإياهم. فالعبادة ليست في المساجد فقط، فأنت في بيتك في عبادة، وعند أهلك في عبادة، وفي مكتبك ووظيفتك وبيعك وشرائك في عبادة وفي سوقك، وفي مجالستك الناس كل ذلك في عبادة. فعليك أن تُخلِص العمل لله ، وألا تغيب عنك العبادة طرفة عين. وحذارِ يا إخوتي في الله! أن نقصر العبادة على أداء الصلوات في المساجد فقط، ثم لا حرج على المسلم أن يعمل في بيته مع أولاده ومع أهله ما يشاء، أن يأكل من الأموال، ويتاجر بما يشاء!! لا. ليس هكذا عمل المسلمين. المسلمون في مساجدهم في عبادة من أعظم العبادات، يترددون إليها؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه وأمر رسوله ﵊، وكذلك خارج المساجد وهم في بيوتهم عليهم أن يقوموا بالتربية، وعليهم أن يقوموا بالتوجيه، ويحموا بيوتهم وأسرهم من الفساد ووسائله، وعليهم أن يربوا أبناءهم، ويرعوا نساءهم وبناتهم عمَّا حرَّم الله . كذلك في معاملاتهم: في بيعهم وشرائهم، يجب عليهم أن يتحروا الحلال النزيه الطيب، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن اللقمة من الحرام يقذفها الرجل في جوفه، لا تُقبل له صلاة أربعين يوماً؛ فالأمر خطير يا إخوتي في الله! فعلينا أن نستشعر أننا في عبادة دائمة، ولسنا في عبادة ما دمنا في بيوت الله، فإذا خرجنا منها تركنا عبادة الله. ليست العبادة في المساجد أو في أوقات معينة، بل العبادة مع المسلم في كل أحواله، وفي كل أوقاته وتصرفاته في أقواله وأفعاله في سلوكه في عقيدته في تحركاته كلها، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]. كذلك ينبغي علينا أن نفهم أنه حينما تطلق العبادة فإنه يدخل فيها جميع الأقوال والأفعال والتصرفات، فلا نريد أن يدخل المسلمون بيوت الله، فيصلون ويقومون ويركعون ويسجدون ويبكون، فإذا خرجوا من بيوت الله رجعوا على أعقابهم وإلى أعمالهم، ونسوا الله . فهذا المفهوم الذي نريد أن نعالجه، وننبه على خطورته علينا أن نستشعر أننا مخلوقون لله سبحانه، وأن علينا أن نقوم بعبادته جلَّ وعلا في حياتنا كلها، وأن نستشعر طاعة الله سبحانه، وعبادته ومرضاته في كل فعل وترك. فما كان من فعل سليم صحيح مأمور به في الشرع؛ أتينا به وما كان من نهي في الشرع؛ فإننا نبتعد عنه، ونُحذره ونجتنبه هكذا يكون المسلمون.

стр. 950

بعض الآيات والأحاديث التي جاءت بذكر العبادة والتنويه بشأنها أيها الإخوة في الله! لِعِظَم شأن العبودية، والعبادة لله زخر كتاب الله بذكرها والأمر بها، وحث الناس على القيام بها، وبيان آثارها، والتحذير من تركها والتهاون بها، والتحذير مما يناقضها أو ينقصها. يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهذه آية عظيمة في كتاب الله يجب علينا أن نضعها -دائماً- أمام ونصب أعيننا؛ لأنها تضبط تحركات الإنسان، فإذا تحرك المسلم في أمر لا يُرضي الله فإنه يُحجم عنه، يتذكر أنه خلق للعبادة، وهذا يتنافى مع العبادة، فمن كان قلبه حياً؛ فإنه يعود إلى الله ، ويتذكر أنه لم يُخلق إلا للقيام بهذه العبادة. فلم تُخلق -أخي المسلم- للدنيا وجمع الحطام، ولم تخلق للتكاثر، والسعي في الدنيا، وإغفال الآخرة، لم تخلق لتتمتع بالمراكز والمساكن والمراتب والمناصب والأبناء؟! وإنما خلقت لعبادة الله ، وفرق ما بين المؤمنين والكافرين: أن المؤمنين يتذكرون ما خلقوا لأجله، وأنهم مخلوقون لعبادة الله، أما الكفار فإنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام؛ لكن ما هي النتيجة الوخيمة؟ والعاقبة الخطيرة؟ ﴿وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] نسأل الله العافية.
следующие страницы →