Полный текст (1 023 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
بعض صور العبادة
فكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، داخل في مفهوم العبادة.
فالصلاة عبادة بل هي من أعظم العبادات.
توحيد الله ، وعدم الإشراك به.
إيتاء الزكاة.
صوم رمضان.
حج بيت الله الحرام.
بر الوالدين.
صلة الأرحام.
الإنفاق على المحتاجين، والمساكين، والفقراء.
الإنفاق على الأقرباء.
زيارة المريض.
القيام بحقوق الأخوة في الله .
الخوف من الله، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرغبة إليه.
كل ذلك من العبادات العظيمة، وكل هذه وغيرها عبادة من العبادات.
стр. 947
تقسيم العبادة إلى باطنة وظاهرة
العبادات كثيرةٌ ومتنوعة، فمنها: ما هو من أعمال القلوب، وهو ما يسمى بالأعمال الباطنة: كالتوكل على الله، ورجاء ما عنده، والخوف منه جلَّ وعلا وما إلى ذلك.
ومنها: ما هي أمور ظاهرة متعلقة بالأبدان: كالصلاة، والحج وما إلى ذلك.
ومنها: ما هو مالي: كالزكاة.
ومنها: ما هو مالي وبدني: كالحج.
ونحو ذلك من الأقسام التي لا تكاد تخفى على أي مسلم.
فتبين من هذا -يا إخوتي في الله- سعة مفهوم العبادة في الإسلام، بل أكثر من ذلك الأعمال العادية تنقلب إلى عبادات عظيمة، إذا تحقق فيها الإخلاص لله .
стр. 948
كيف تصبح الأمور المباحة عبادة
فالعبادة تشمل أعظم من العبادات والشعائر، بل هي تشمل كل أمر من الأمور إذا أخلصت فيه النية لله .
فأكلك، وطعامك، وشرابك، ونومك، إذا قصدت به التقوي على عبادة الله ؛ فإنه عبادة من العبادات.
فالأمور -كما هو مقرر في مقاصد الشريعة وقواعد الاسلام- بمقاصدها، والعادات تتحول إلى عبادات إذا أخلصت فيها النية، بل إن كلام المسلم وعمله وجلوسه مع أهله، ومخاطبته لهم، ومعاشرته إياهم، كل ذلك عبادة من العبادات.
ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما في صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال للصحابة ﵃: ﴿وفي بضع أحدكم صدقة﴾.
وقع ذلك في نفوسهم، وتعجبوا!! ﴿فقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾.
فما أعظم نعم الله على عباده!
هذه الأمور التي لا يستغني عنها مسلم، بل هي أمور جِبِلِّيَّة لا تقوم الحياة إلا بها، يُؤجر بها إذا أخلص نيته لله ، بل إن سعي المسلم للحصول على الرزق، وإعفاف نفسه، وكفاف أهله، وإغنائهم عن تعرض الناس كل ذلك عبادة من العبادات، حتى ما تضعه في فِي امرأتك.
فسعي المسلم على أبنائه في طلب الرزق كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله .
كذلك أعمال المسلمين: من وظائفهم، والقيام بواجباتهم وحقوقهم كل ذلك عبادة من العبادات إذا أُخلصت فيها النية لله .
فالموظف في وظيفته، والكاتب في مكتبه، والعامل في معمله، والصانع في مصنعه، والتاجر في بيعه وشرائه، كل واحد منهم إذا قصد وابتغى وجه الله وقام بنُصحٍ وأمانةٍ بحق الله عليه، ثم حق ولاة الأمر عليه، ثم حق إخوانه المسلمين عليه؛ فإنه مأجور على ذلك والحمد لله.
الطالب في مدرسته، الذي يتردد عليها صباحاً كل يوم، إذا ذهب إلى المدرسة ابتغاء ما عند الله سبحانه، والرغبة في طلب العلم والاستفادة، وابتغاء وجه الله في التحصيل العلمي، فإنه يُؤجر على ذلك.
كل من يقوم بأي عمل من الأعمال عليه أن يستشعر أن ثواب الله عظيم، وأن عليه ألا يدنس نيته بالأطماع الدنيوية، بل عليه أن يخلص نيته لله ، ويبتغي ما عند الله -جل وعلا- ويرجو ثواب الله -سبحانه- مع ما يأتي من ثواب الدنيا؛ لكن أجر الدنيا وثوابه تابع لثواب الآخرة، ولا ينبغي أن يكون المقصد دنيوياً فحسب؛ بل يجب علينا أن نُروضِّ أنفسنا على الإخلاص لله سبحانه، وأن نستشعر أن كل أعمالنا التي نقوم بها قد تدخل -جميعاً- في مُسمَّى العبادة، إذا أُخلصت فيها النية لله .
стр. 949
واجب المسلمين نحو العبادة
أيها الإخوة في الله! بعدما عرفنا جميعاً تعريف العبادة، ومفهومها الواسع، وأنها تقتضي أن يقوم المسلمون بهذه الرسالة، وأن يعملوا بطاعة الله ، ويقوموا بعبادته في حياتهم كلها؛ لأن الله قصر الحكمة من خلقه الجن والإنس للقيام بهذا الواجب العظيم، يقول سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
بيد أن كثيراً من الناس يفهم أننا حينما نقول: إنه يجب على المسلمين أن يقوموا بعبادة الله في أوقاتهم كلها وأيامهم وأعوامهم، بل في حياتهم وأعمارهم، أن يقوموا بهذه العبادة، قد يفهم أننا نقصد أن يدخل المسلمون المساجد فلا يخرجون منها، يفهمون ذلك نتيجةً لجهلهم بمفهوم العبادة في الإسلام، وأن مفهومها أعم من أن تكون في المساجد فقط.
ليست العباد يا إخوتي في الله! محض شعائر معينة يُؤديها المسلمون في أوقات معينة، فإذا خرجوا من هذه الأماكن، وبارحوا هذه الأوقات نكصوا على أعقابهم، ووقعوا في معصية الله ، لا.
هذا مفهوم خطير، سبَّب انحسار مفهوم العبادة عند كثير من المسلمين هدانا الله وإياهم.
فالعبادة ليست في المساجد فقط، فأنت في بيتك في عبادة، وعند أهلك في عبادة، وفي مكتبك ووظيفتك وبيعك وشرائك في عبادة وفي سوقك، وفي مجالستك الناس كل ذلك في عبادة.
فعليك أن تُخلِص العمل لله ، وألا تغيب عنك العبادة طرفة عين.
وحذارِ يا إخوتي في الله! أن نقصر العبادة على أداء الصلوات في المساجد فقط، ثم لا حرج على المسلم أن يعمل في بيته مع أولاده ومع أهله ما يشاء، أن يأكل من الأموال، ويتاجر بما يشاء!! لا.
ليس هكذا عمل المسلمين.
المسلمون في مساجدهم في عبادة من أعظم العبادات، يترددون إليها؛ امتثالاً لأمر الله سبحانه وأمر رسوله ﵊، وكذلك خارج المساجد وهم في بيوتهم عليهم أن يقوموا بالتربية، وعليهم أن يقوموا بالتوجيه، ويحموا بيوتهم وأسرهم من الفساد ووسائله، وعليهم أن يربوا أبناءهم، ويرعوا نساءهم وبناتهم عمَّا حرَّم الله .
كذلك في معاملاتهم: في بيعهم وشرائهم، يجب عليهم أن يتحروا الحلال النزيه الطيب، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن اللقمة من الحرام يقذفها الرجل في جوفه، لا تُقبل له صلاة أربعين يوماً؛ فالأمر خطير يا إخوتي في الله!
فعلينا أن نستشعر أننا في عبادة دائمة، ولسنا في عبادة ما دمنا في بيوت الله، فإذا خرجنا منها تركنا عبادة الله.
ليست العبادة في المساجد أو في أوقات معينة، بل العبادة مع المسلم في كل أحواله، وفي كل أوقاته وتصرفاته في أقواله وأفعاله في سلوكه في عقيدته في تحركاته كلها، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
كذلك ينبغي علينا أن نفهم أنه حينما تطلق العبادة فإنه يدخل فيها جميع الأقوال والأفعال والتصرفات، فلا نريد أن يدخل المسلمون بيوت الله، فيصلون ويقومون ويركعون ويسجدون ويبكون، فإذا خرجوا من بيوت الله رجعوا على أعقابهم وإلى أعمالهم، ونسوا الله .
فهذا المفهوم الذي نريد أن نعالجه، وننبه على خطورته علينا أن نستشعر أننا مخلوقون لله سبحانه، وأن علينا أن نقوم بعبادته جلَّ وعلا في حياتنا كلها، وأن نستشعر طاعة الله سبحانه، وعبادته ومرضاته في كل فعل وترك.
فما كان من فعل سليم صحيح مأمور به في الشرع؛ أتينا به وما كان من نهي في الشرع؛ فإننا نبتعد عنه، ونُحذره ونجتنبه هكذا يكون المسلمون.
стр. 950
بعض الآيات والأحاديث التي جاءت بذكر العبادة والتنويه بشأنها
أيها الإخوة في الله! لِعِظَم شأن العبودية، والعبادة لله زخر كتاب الله بذكرها والأمر بها، وحث الناس على القيام بها، وبيان آثارها، والتحذير من تركها والتهاون بها، والتحذير مما يناقضها أو ينقصها.
يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهذه آية عظيمة في كتاب الله يجب علينا أن نضعها -دائماً- أمام ونصب أعيننا؛ لأنها تضبط تحركات الإنسان، فإذا تحرك المسلم في أمر لا يُرضي الله فإنه يُحجم عنه، يتذكر أنه خلق للعبادة، وهذا يتنافى مع العبادة، فمن كان قلبه حياً؛ فإنه يعود إلى الله ، ويتذكر أنه لم يُخلق إلا للقيام بهذه العبادة.
فلم تُخلق -أخي المسلم- للدنيا وجمع الحطام، ولم تخلق للتكاثر، والسعي في الدنيا، وإغفال الآخرة، لم تخلق لتتمتع بالمراكز والمساكن والمراتب والمناصب والأبناء؟! وإنما خلقت لعبادة الله ، وفرق ما بين المؤمنين والكافرين: أن المؤمنين يتذكرون ما خلقوا لأجله، وأنهم مخلوقون لعبادة الله، أما الكفار فإنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام؛ لكن ما هي النتيجة الوخيمة؟ والعاقبة الخطيرة؟ ﴿وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] نسأل الله العافية.
стр. 951
الدنيا وسيلة إلى الآخرة
فالمسلم يجب أن يتذكر دائماً أنه لم يُخلق إلا لعبادة الله ، ولا يعني هذا أنه لا يعمل في سبيل دنياه ما يكسب رزقه، ويحصل معيشته، وينفق على أهله وأبنائه؟! لا.
ليس معنى ذلك أن الإنسان يجلس في المسجد فلا يخرج منه، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة؛ وإنما على الإنسان أن يتذكر أنه وإن عمل للدنيا فإنما هي وسيلة إلى الآخرة وليست قصداً بذاتها، وإنما هي وسيلة للآخرة، يعمل بها ليرضي الله ، وليقيم عوجه، وليقيم صلبه في هذه الحياة، ولينفق على نفسه وأهله وعائلته؛ ليقوم بتربيتهم، ويجعلهم مجندين لله يقومون بطاعته وعبادته.
стр. 952
غفلة الناس عن عبادة الله
وإنك إذا نظرت إلى كثير من المسلمين في أفعالهم؛ تجد أنهم -والعياذ بالله- كأنهم لم يُخلقوا لعبادة الله، وكأنهم لا يعلمون بل لا يؤمنون، ويتصورون ويُصدقون ويجزمون أن هناك داراً أخرى، وأنهم مُنقلبون إلى الله ، وأنههم سيعودون إليه .
الناس في غفلة خطيرة عن الله، وفي غفلة عن عبادة الله .
تتعجب كثيراً حينما يبزغ الفجر!! وتطلع الشمس، ويستعد الناس -جميعاً- كبارهم وصغارهم، شبابهم وشيبهم، نساؤهم ورجالهم، كلٌ يذهب مع الصباح الباكر، لماذا؟ إنهم يتحركون في سبيل الدنيا، فأين العمل لله؟!
مَن مِن هؤلاء أخلص عمله لله ، وأيقن أنه حينما يخرج لوظيفته، أو لعمله، أو لمدرسته، أو لمتجره، إنما يعمل ابتغاء ما عند الله ، وأنه يقوم بهذا العمل وسيلة في هذه الدنيا يتبلغ بها، ولا يغفل عن الآخرة، ولا يغفل عمَّا أعد الله للمؤمنين من النعيم، وللمخالفين من الجحيم؟!
مَن مِن المسلمين يتصور هذه الأمور؟!
مع الأسف! إنهم ما إن يخرجون إلى أن يرجعوا قرب العصر، وهم في دنيا! من دنيا إلى دنيا، كلامهم في الدنيا، ثم بعد ذلك يرجعون إلى بيوتهم، ويتناولون ما شاء الله لهم، وقد ينام بعضهم عن العبادات العظيمة التي إنما خُلقوا لتحقيقها والقيام بها، ثم بعد ذلك في المساء، كل يجد ويفتح ويبحث، هذا يبحث عن قطعة أرض، وهذا يبحث عن فِيْلاَّ، وهذا يبحث عن سيارة، وهذا يبحث عن مزرعة، وهذا وهذا أين الذين يبحثون عن الدار الآخرة، ويعملون لها؟
أنا لا أُحجِّر على أولئك، ولكن يجب علينا أن نعمل لآخرتنا، وأن نقوم بعبادة ربنا، فالمقام قصير، والحياة أنفاس معدودة، وأيام محدودة.
وكم من الناس نعرفهم من الشباب أو الشيب، جاءتنا أخبار وفاتهم وهم أصحاء في منتهى عافيتهم ونشاطهم؟!
فمن الخطر أن يُصاب المسلم بهذه النهاية وهو غافل عن عبادة الله .
نسمع عَمَّن يخرج في سيارته فلا يعود، ومن يسافر فلا يرجع، بل ومن يموت وهو على فراشه، فماذا قدَّمنا لعبادة الله ؟!
أين القلوب من تلاوة كتاب الله ؟!
ألم يقل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]؟
ألم يقل سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، ويقول سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ويقول جلَّ شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ويقول : ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:١ - ٢]،ويقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ويقول جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
أليست هذه أوامر؟
وكثير كثير في كتاب الله الأوامر للقيام بهذه العبادة! فأين قيامنا بعبادة الله ؟!
هل نحن أفضل من خير البرية، وسيد البشرية، الذي كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، يُصلِّي ويتهجد ويبكي ويقرأ القرآن حتى يخرج الدم من رجليه؛ لكثرة القيام والوقوف والعبادة والصلاة، وهو من هو ﵊؟! بأبي هو وأمي، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
تقول له عائشة ﵂: لم تفعل هذا يا رسول الله! -خطاب إشفاق ورحمة- وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ما هو الجواب العظيم الذي يجب ألا نغفل عنه؟
يقول: ﴿يا عائشة! أفلا أكون عبداً شكوراً!﴾.
انظروا إلى حقيقة الشكر هنا! وهو القيام بالعبادة، الشكر لله إنما هو القيام بعبادته ﴿أفلا أكون عبداً شكوراً﴾ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه؛ شكراً لله .
فهكذا الشكر الحقيقي! ليس شكراً بالقول واللسان مع الإعراض والنسيان، ومع الوقوع في المعاصي والمخالفات الخطيرة، كما هو حال أحسن الناس حالاً اليوم، من يكررون الشكر والثناء لله سبحانه بألسنتهم؛ لكن جانب العمل تجد الجميع مُقصرين فيه.
ومن تمام شكر المنعم جلَّ وعلا: أن تقوم بعبادته، وتقوم بطاعته، ولا تغفل عنه طرفة عين.
стр. 953
آثار العبادة على الفرد والمجتمع
أيها الإخوة في الله! لقد كان سلفنا الصالح ﵏ يعرفون مفهوم العبادة حقيقة، وخالط معنى العبادة بشاشة قلوبهم، وتربعت في سويدائها، فعرفوا مفهومها في الحقيقة، ولذلك حصلت لهم الآثار العظيمة، وحصل لهم من الخير العظيم في الدنيا، والفتح المبين، والرفعة براية الإسلام، وتحقيق العدل بين الناس -جميعاً- ما هو مُسطَّر في تاريخ المسلمين.
стр. 954
آثار القيام بالعبادة
إن آثار العبادة على الأفراد والمجتمعات عظيمة جداً، يجمعها قول الله في الآية الخامسة والخمسين من سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور:٥٥] متى تحصل هذه الآثار: الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها، وتبديل الخوف أمناً؟
تحصل بالقيام بالعبادة ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].
стр. 955
آثار التساهل في العبادة
إن المتأمل في تاريخ المسلمين -بل المتأمل في واقع العالم الإسلامي اليوم- يجد أن البلاد التي أعرضت عن طاعة الله سبحانه، ووقعت في معصيته، وبارزته، ولم تستحِ من الله ، وأهملت جانب عبادته، انظروا إليها! واسمعوا أخبارها! أما تسمعون الحروب الطاحنة؟!
أما تسمعون القلاقل والفتن والاضطراب والخوف وعدم الأمن على الأنفس والأموال والأعراض؟! كل ذلك موجود نسمعه؛ لا تسمع إلا حروباً طاحنة، ولا تسمع إلا استيلاءً وقتلاً وتشريداً، ولا تسمع إلا انتقاماً من الله ، إما بالأعاصير المهلكة، أو الفيضانات المدمرة، أو القلاقل والمجاعات، الذين يموتون يومياً من الجوع، والذين يموتون يومياً من الأمراض، لماذا كل ذلك؟ للتقصير في جنب الله، والتفريط في حق الله ، وإلا فقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٦ - ٩٩].
فالأمر خطير جد خطير يا عباد الله!
стр. 956
واجبات عبودية المسلم لربه
يجب على المسلمين أن يحققوا جانب العبودية لله، فإن في ذلك عزهم وسعادتهم، وصلاح أحوالهم، في العاجل والآجل، أما إذا فرطوا في عبادة الله سبحانه، واستمرءوا معصية الله، فإن الله ليس بينه وبينهم حسب ولا نسب، الله بيَّن في كتابه العظيم أن السعادة كلُّ السعادة لمن استقام على شريعة الله، وأن الضلال والشقاء لمن أعرض عن الله ، فقد قال سبحانه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤].
стр. 957
شروط العبادة
العبادة -يا إخوتي في الله- لها شروط معروفة، أهمها: الإخلاص لله.
يجب على من قام بعبادة الله، أن يقصد ما عند الله قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
يجب أن تُخلص العبادة لله سبحانه! فلا شركَ يدنسها، ولا وثنيةََ تناقضها، ولا صَرْفَ للعمل لغير الله لأحد كائناً من كان.
العبادة محض حق الله جل وعلا، يجب على المسلمين أن يُفردوا الله بالعبادة، فلا يعبدوا غير الله، ولا يعبدوا مع الله غيره، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨].
يجب أن يُفرد الله بالعبادة، فلا ذبح إلا لله، ولا نذر إلا له، ولا حلف ولا استعانة إلا به، ولا تقرب إلا إليه جل وعلا، أما الذين يُناقضون هذا الأصل ويخالفونه -وما أكثرهم في العالم الإسلامي اليوم- يصرفون أنواع العبادة لغير الله: من القبور والأضرحة والأحجار والأوثان والأشخاص وما إلى ذلك؛ فكلُّ ذلك مناقضٌ للعبادة، ومناقضٌ للتوحيد الذي خُلِقنا من أجله.
فالإخلاص لله أمره عظيم، يقول : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥].
فيجب علينا -جميعاً- أن نرعى هذا الأصل، وأن نفرد الله بالعبادة، وأن نحقق العبادة على ما يقتضيه شرع الله جل وعلا.
الشرط الثاني: أن يتابع المسلم قدوته ورسوله ﵊، فالرسول ﵊ هو المبلغ عن الله شرعه، فيجب على العباد أن يأخذوا منه، وأن يتبعوه، وأن يقفوا عند سنته، ويحذروا -كل الحذر- أن يبتعدوا عن سنته أو ينقصوا منها، أو يزيدوا فيها، ففي الحديث الصحيح حديث عائشة المشهور أن النبي ﷺ قال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾، وفي رواية مسلم: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.
فيجب عليك -أخي في الله- أن تكون أعمالك وأقوالك وتصرفاتك، متابعاً فيها كتاب الله، مُتبعاً فيها سنة رسول الله ﷺ .
стр. 958
الأسباب الوخيمة التي تترتب على انحسار مفهوم العبادة
والعبادة يا إخوتي في الله أقسام -كما تعرفون وتعلمون- أهمها: ما يتعلق بجانب العقيدة.
ما يناقض التوحيد لله يجب على المسلمين جميعاً أن يعرفوه ويتعلموه؛ لكي لا ينقضوا توحيدهم، ويخالفوا دينهم، وهم يعلمون أو لا يعلمون.
فواجب العباد -جميعاً- وواجب طُلَّاب العلم أن يُعنوا بالعقيدة، وأمر توحيد الله وأن يركزوا عليه، وأن يدعوا الناس إليه؛ لأنه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
فمنهج الأنبياء -جميعاً- إنما يُركز على هذا الأمر، وكل رسول يُبعث إلى قومه، وكل نبي يُرسل في قومٍ إنما يأمرهم أول ما يدعوهم إليه هو القيام بعبادة الله سبحانه وعدم الإشراك به، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وكل رسول يأمر قومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
فأمر التوحيد يجب على المسلمين -جميعاً- في كل بقعة أن يعنوا به، ولا سيما في هذا الزمن، الذي كثرت فيه المناقضات للعقيدة، وكثر فيه المخالفون لعقيدة سلف هذه الأمة، مما يدعو إلى أخذ الحذر والحيطة، والاعتماد بعد الله سبحانه على العلم النافع الذي يبين العقيدة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وعلماء الإسلام قديماً وحديثاً -والحمد لله- قد عُنوا بهذا الأمر، واهتموا به، وركزوا عليه، في تأليفاتهم، ومصنفاتهم، وفي كلماتهم، وفي تعليمهم، وفي خطبهم وما إلى ذلك.
فواجبٌ على العباد -جميعاً- أن يعتنوا بما عُني به كتاب الله، وما جاءت به سنة رسوله ﷺ ، وما كان أول دعوة رسل الله من الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والحذر مما يناقضها، أو يخالفها.
стр. 959
منزلة الصلاة من العبادة
ثم من أعظم العبادات -بل أعظمها بعد تحقيق العقيدة والشهادتين- هو: هذه الصلاة المفروضة، التي هي الفاصل بين الكفر والإيمان، كما في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: ﴿بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة﴾.
وفي حديث بريدة المعروف عند أهل السنن والإمام أحمد وغيرهم: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾.
فواجب العباد -جميعاً- أن يُعنوا بهذه الفريضة، وأن يقيموها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن يراعوا فيها خشوعها، وواجباتها، وأركانها، وسننها وما إلى ذلك.
كذلك ينبغي عليهم أن يُعنوا بأمر أبنائهم، وأمر أسرهم بالقيام بها، وتشجيعهم عليها، ومعاقبتهم عليها، على حسب ما يقتضيه المقام، إن ما يجب على المسلمين أن يعتنوا بهذه الفريضة العظيمة، بل في عبادة الله كلها.
كذلك في كل أمر من الأمور ينبغي على المسلمين أن يقوموا بواجب العبودية لله ، وقد عرفتم سعة مفهومها ومعناها، وأنه يدخل فيها كل قول وفعل يحبه الله ويرضاه، ظاهراً كان العمل أو باطناً، وعرفنا -جميعاً- ما كان عليه قدوتنا وإمامنا رسولنا ﵊، فقد كان القدوة في القيام بعبادة الله ، وقد أمره الله بالقيام بهذه العبادة، ولم يجعل بينه وبينها أجلاً إلا الموت، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢].
فالمسلم في عبادةٍ لله في كل عمره، وفي كل أوقاته وأحواله وتصرفاته، وعلى المسلم ألا تعزب عنه عبادةُ الله طرفة عين، أو تغيب عنه ساعة، بل ثانية من ليل أو نهار، وعليه أن يخلص لله ، حتى في عاداته؛ فإنه يثاب عليها.
стр. 960
الحذر من الانصراف عن عبادة الله
وليحذر المسلمون من الانصراف عن عبادة الله ، أو محبة غير الله سبحانه، أو الانصراف إلى غير الله ؛ فإن ذلك إذا تحقق فيه الحب، وتحقق فيه العمل له، والسعي في سبيله، ينصرف إليه أنه عُبد من دون الله -والعياذ بالله- وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح -في صحيح البخاري وغيره-: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة والخميلة﴾ الحديث.
وقد نهانا الله عن عبادة الشيطان، فإنه يصرف عن طاعة الله ، فقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم﴾ [يس:٦٠ - ٦١].
فيجب على المسلم أن يقوم بعبادة الله ، وليحذر صوارف هذه العبادة، من: النفس الأمَّارة بالسوء، أو الشيطان الرجيم -أعاذنا الله منه- وهو يغمز ويهمز ويوقع الإنسان في الوساوس واللبس.
فيجب على المسلم أن يكون في حذر منه، من همزه، ونفخه، ونفثه، وأن يستعيذ بالله دائماً وأبداً من وساوسه؛ فإنه يدخل على الإنسان، بل يجري منه مجرى الدم أعاذنا الله وإياكم منه؛ فعلينا أن نحذر مصائده، وأن نحذر حبائله.
كذلك يجب علينا أن نحذر من هذه الغفلة التي أُصيب بها المسلمون في هذا الزمن، الغفلة عن عبادة الله .
العبادة رسالة يجب على كل مسلم أن يقوم بها ولا يغفل عنها، والناس فيها على حسب مقامهم في هذه الحياة؛ فالعلماء عليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، وطلبة العلم كذلك، وكل من وَلِي مسئولية من أمور المسلمين، فليس مسئوليته كمسئولية غيره، فكلٌّ عليه أن يخدم الإسلام، وأن يقوم بواجبه تجاه الإسلام من عمله الذي يقوم به، وليجعل الدنيا كلها وسيلة إلى الغاية الكبرى، والدار الباقية.
стр. 961
أهمية الانتفاع بالذكرى والعمل بالعلم
أيها الإخوة في الله! الحديث طويل وطويل، ولكنه -ولله الحمد والمنة- واضح ومفهوم في أذهان كثير من الحاضرين، ولا أدعي في هذا المقام أني أتيت بجديد، وإنما كل كلامي تذكيرٌ لنفسي أولاً، ثم تذكير لكم؛ لأن الله أمرنا بالتذكير، وبيَّن أن الذين ينتفعون بالذكرى هم المؤمنون، أما غير المؤمنين أو الذين ضعُف إيمانهم، فإنهم -والعياذ بالله- يسمعون ولكن لا يُؤثر ما يسمعونه.
إنني أيها الإخوة في الله! أدعو إلى العمل بما سمعتم، وأدعو إلى العمل بما تعلمون، فما نعلمه كثير؛ ولكننا نخالف في أعمالنا وتصرفاتنا، وحياتنا اليومية.
من الذي يقف حائلاً بين المسلم وبين قيامه بعبادة الله؟!
من الذي يلزمك ألا تحقق العبودية لله، لا سيما في نواحي العقيدة؟!
من الذي يدعوك إلى التساهل في أداء ما افترض الله عليك؟!
من الذي يدعوك إلى التساهل في عدم فهم هذه العبودية الصحيحة؟!
فالمسلمون مُطالَبون أن يعلموا ويعملوا، وكلنا نعلم أن هذه العبادة خُلقنا من أجلها، وكثير من الناس حينما تسأله أو تباحثه في هذا الأمر يجيبك، وقد يستدل لذلك بالآية المشهورة المَتْلُوَّة آنفاً: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكن! أين قيام المسلمين بعبادة الله؟! أين قيامهم بطاعة الله ؟!
لا ريب أن التقصير في ذلك واضح، ولا يدعي أحدٌ الكمال.
فيجب علينا -يا إخوتي في الله- أن نقوم بواجب الله علينا، وأن نقوم بواجب ديننا تجاهنا؛ فإن مسئوليتنا تجاه هذا الدين عظيمة وخطيرة، وكل على ثغر من ثغور الإسلام، كلٌّ يعتني بنفسه، يقومها على طاعة الله، يجاهدها بالعلم النافع والعمل الصالح، يُأثِرها على الحق الذي جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يبتعد عن المحرمات في نفسه وفي أهله وفي بيته وأسرته، يربي أبناءه وأسرته على الإسلام، وعلى حُبِّ الإسلام، وعلى العمل بالإسلام، وعلى فهم الإسلام الصحيح، وعلى الغيرة على الإسلام.
كل مسلم عليه واجب في هذا.
فيجب على المسلمين أن يُقدِّموا لدينهم، لا سيما في الوقت الذي يتكاتف فيه أعداء ديننا على المسلمين، فأنتم تعرفون وتسمعون وتدركون أن المسلمين مستهدفون في عقيدتهم، وفي عباداتهم، وفي أخلاقهم، وفي تمسكهم بسنة نبيهم ﵊، فهذه العقائد الفاسدة، والمبادئ المنحرفة، والدعوات المضللة، وهذه الاتهامات الموجهة إلى الأمة الإسلامية إن هذه الأمور كلها تتطلب من المسلمين أن يعوا رسالتهم في الحياة، وأن يعوا واجبهم، وأن يضحوا في سبيل دينهم، ويجتهدوا غاية الاجتهاد بالعلم النافع، والعمل الصالح، وتربية الأُسر والأبناء على الإسلام؛ ليكون الجميع مجندين ومسلحين في خدمة الإسلام.
هذه أركانٌ من المنكرات والمحرمات ضد ديننا، وضد أخلاقنا، نسمعها كثيراً، ونراها، وتخالطنا في الأسواق والشوارع، والبيوت، فلماذا لا نغار على ديننا؟! ولماذا لا نتحرك في سبيل ديننا؟! ولماذا لا نعمل لآخرتنا؟!
يجب علينا أن نعمل للآخرة يا إخوتي في الله! فالحياة قصيرة، والأنفاس محدودة، وأنت مسئول يا بن آدم عن عمرك فيما أفنيته! وعن شبابك فيما أبليته! وعن علمك ماذا عملت فيه! وعن مالك من أين اكتسبته، وفيما أنفقته!
فماذا أعددت لهذه الأسئلة؟!
إنني ألفتُ النظر إلى محاسبة النفس، أن يحاسب كلُّ منا نفسه؛ فإننا نسمع كثيراً؛ لكننا نعمل قليلاً.
إلى متى يا إخوتي في الله التسويف؟! وإلى متى التثاقل؟! وإلى متى إلقاء التبعية على الآخرين؟! وإلى متى! وإلى متى! كل مسلم جندي للإسلام عليه أن يعمل له، وأن يقوم بعبادة الله .
لكن الذي يؤسِفُ كلَّ مسلم، ويَقُضُّ مضاجع المسلمين؛ أن يكون أبناء المسلمين لا يعرفون رسالتهم، وأن يكون المسلمون لا يعرفون هدفاً لهم في الحياة، يسيرون كما تسير البهائم، ويعيشون كما تعيش الأنعام، لا يعرفون إلا مأكلهم، ومشربهم، ومنامهم، يلهثون في دنياهم، كلٌ يبحث عن الرفاهية، وتمتع نفسه وأسرته في غفلة عن الله والدار الآخرة.
المسئولية مسئولية المسلمين جميعاً، وأنا أحدث الحاضرين وأطالب كل مسلم أن يقوم برسالته، الرجال عليهم من الواجب العظيم ما عليهم، والمرأة في بيتها عليها من الواجب العظيم ما لا يخفى، والشباب عليهم من المسئولية والواجب تجاه أمتهم ما لا يخفى عليكم جميعاً، وكذلك العلماء وغيرهم؛ فكل مسلم على ثغر، وكل مسلم يجب عليه أن يُقدِّم لهذا الدين، ولا نترك إسلامنا يُنتهك، وحُرُماتنا تدنس، والمسلمون ساهون غافلون.
يجب علينا -جميعاً- أن نتحرك في الدعوة إلى الله, والقيام بعبادة الله، والتواصي بالحق والصبر عليه، والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقصاء الشر عن أحيائنا، وعن بيوتنا ومجتمعاتنا، ليحصل للأمة الإسلامة الخير الذي وعدها الله به.
ولا يخفى عليكم واقع أمتكم؛ ولكن الفأل عظيم، والأمل كبير، والصحوة -ولله الحمد والمنة- تعم أقطار الدنيا؛ لكن علينا أن نكون على علم؛ لأن العلم أساس العمل، وأن نكون على بصيرة، وأن نكون على قدر من المعرفة والحكمة وبُعد النظر في كل أمر من أمورنا.
هذا؛ وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من عباده المفلحين، ومن حزبه الناجين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كما نسأله تعالى أن يُصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن يمنَّ على ولاة الأمر باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يرزق الجميع الفقه في دينه والبصيرة فيه، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يصلح مجتمعات المسلمين، ويقيها من كل شر وبلاء وفساد، إنه على كل شيء قدير.
كما نسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل كلامنا وسماعنا حجة لنا لا علينا، وكلامكم وسماعكم الذي سمعتموه مسئولون عنه؛ فيجب عليكم أن تتذكروه، وأن تعملوا به.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن جمع بين العلم النافع والعمل الصالح؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ونسأله تعالى أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته، كما جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 962
الأسئلة
стр. 963
استحضار عظمة الله
السؤال
فضيلة الشيخ! كيف يستحضر المسلم عظَمة الله في كل أحيانه لكي يراقب الله في السر والعلن؟
الجواب
سؤال مهم؛ لأنه يتعلق بأمر لو صلح لحصل لهذا السائل ولغيره ما أراد.
المسلم القوي في إيمانه، القوي في يقينه بربه جلَّ وعلا، الصحيح قلبه، السليم الذي لم يُدنس بظلمات المعاصي والانحرافات، هو القلب الذي يستشعر عظمة الله ، ويجعل الإنسان في عبادةٍ دائمة، ويقظة تامة، وعدم غفلة عن الله والدار الآخرة.
أما القلوب الغافلة البعيدة عن الله، التي تربعت الدنيا وشهواتها وزخرفها، ودنستها وران عليها الذنوب والمعاصي؛ فإنها مهما ذُكِّرت فإنها لا تستمر على ذلك إلا أن يهدي الله قلب صاحبها.
فعلى كل حال! علينا جميعاً أن نُعنى بصلاح الباطن، وأن نعتني بصلاح القلوب، وأن نبتعد عن أمراض القلوب سواءً الشهوات والشبهات.
على المسلم أن يكون دائم الصلة بربه جل وعلا، يذكره في كل أحيانه، يتلو كتابه آناء الليل وأطراف النهار، يتذكر الدار الآخرة، يروِّض نفسه على العمل للآخرة وقصر الدنيا وفنائها.
على أخينا السائل -وعلينا جميعاً- أن نسعى في صلاح قلوبنا، ونسأل الله دائماً وأبداً ذلك؛ فمتى صلحت القلوب صلحت سائر الأعمال، فقد قال ﷺ : ﴿ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾.
فالمسلمون -الآن- يُعانون من هذا المرض، وهو -والله- أشد من أمراض الأبدان، جدير أن يُعنى المسلمون اليوم بأمراض القلوب؛ لأنها هي الأمراض التي تُقْعِدهم عن سبب سعادتهم، ونجاحهم، وفلاحهم، وصحتهم في الدنيا والآخرة.
القلوب اليوم في غفلة عن الله ! ما أكثر الانحرافات! وما أكثر المعاصي القولية منها والفعلية التي يعايشها المسلمون، بل لا ينفكون عنها في حياتهم، والله المستعان.
فعلينا أن نُروض القلوب على طاعة الله سبحانه، وأن نلينها بتلاوة كتابه وكثرة ذكره وشكره، والصلة به جل وعلا؛ فإن من فعل ذلك حري أن يكون على صلة دائمة، وعلى تذكر تام، وعلى قيام حقيقي بالواجب الذي خلقه الله من أجله، ألا وهو جانب العبودية لله ، وأترك لكل واحد أن يختبر قلبه، وأن يزن نفسه بميزان الشرع؛ ليرى مدى صحة قلبه من مرضه.
بعد سماعكم لهذه الكلمة التي لا أدعي أن فيها جديداً؛ لكنها ذكرى، مَن فتح الله عليه وعرف ما فيها، وعمل بما فيها، وسار في عبادة الله ، فإن قلبه سليم صحيح؛ فعليه أن يعبد الله ويستمر على ذلك، ومَن خرج من هذا المكان كما دخل فيه، فإن عليه أن يُعاود نفسه، وأن يصحح قلبه؛ فإنه مريض.
علينا -جميعاً يا إخوتي في الله- أن نكثر دائماً من محاسبة أنفسنا، لا تمر بنا ساعة بل يوم، فما بالك بشهر أو سنة أو أعوام متتابعة، والشخص على حاله لم يتغير، بل والأمة على حالها لم تتغير والسبب: أننا استمرأنا ذلك الأمر، وتساهل كل واحد منا في صلاح نفسه، وإلا لو صلحتُ أنا وصلحتَ أنت، وصلح البيت هذا، والبيت ذاك، صلح المجتمع وهكذا.
لو وقف المسلمون يداً واحدة في الخير، ويداً واحدة على الشر، لصلحت الأحوال، وهذا -والحمد لله- أمرٌ ينبغي على المسلمين أن يُكثروا من العناية به، والحرص عليه، نسأل الله أن يرزقنا صلاح القلوب، وصلاح الأعمال، إنه على كل شيء قدير.
واقرءوا في هذا كتاباً قيماً للإمام ابن القيم ﵀، اسمه: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، واقرءوا كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي؛ لتنظروا مدى تقصيركم في صلاح قلوبكم، ومدى استحكام المعاصي وأضرارها على النفوس، وعلى الأفراد، وعلى المجتمعات، واقرءوا في الموضوع الأصلي الذي هو موضوع العبادة، كتاباً قيِّماً جيداً جديراً بالعناية، هو كتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أماط اللثام عن معنى العبودية، وبيَّن مفهومها الواسع, وأكثر من الأمثلة والأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعمل السلف الصالح ﵏ تجاهها.
إن هذه الكتب وأمثالها جديرة بالقراءة والاستفادة والعناية بها، وجديرة أن تكون في بيت كل مسلم ومكتبته، وأن يكون طلاب العلم يقرءونها على أهليهم، وفي بيوتهم، وفي مساجدهم، ويستفيدوا منها؛ فإن فيها خيراً كثيراً.
نسأل الله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع، والعمل الصالح.
стр. 964
الإخلاص في الأعمال الدنيوية
السؤال
فضيلة الشيخ! إذا أراد المسلم أن يفعل أمراً من أمور الدنيا، فكيف يخلص لله في عمله؟ وإذا كان هذا العمل يحصل من ورائه أموال، كالأذان، وحفظ القرآن أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
يقول النبي ﷺ في الحديث المشهور الصحيح، حديث عمر ﵁، الذي يُعتبر قاعدة من قواعد هذا الدين: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ فالأعمال العادية التي يعملها المسلم تكون عبادة من العبادات، إذا قرنتها النية الصالحة.
فالمسلم يستحضر وهو يؤدي العمل الدنيوي، أنه حينما يعمل كل عمل من الأعمال فإنه إنما يعمله ابتغاء ثواب الله ، هكذا يجب على المسلم أن يَعرف وأن يوقن، كل عمل ينبغي لك أن تنظر مدى موافقته للشرع أو مخالفته، وإذا كان ليس فيه نهي في الشرع ولا أمر، فإن على المسلم أن ينوي فيه النية الصالحة سيؤجر عليه بحمد الله -وقد أسلفتُ لكم الحديث في ذلك- الذي يبين أن عمل المسلم، بل معاشرته لأهله, وهذا عمل مع أنه عمل جِبِلِّي، لا تنفك النفس البشرية عنه، وتحتاج له احتياجها للطعام والشراب ومع ذلك يُؤجر الإنسان عليه، فهذا من فضل الله .
فكل عمل من الأعمال عليك -يا أخي في الله- قبل أن تواقعها وتعايشها وأنت في طريقك إليها، عليك أن تستصحب النية الصادقة، والطوية الحسنة، تذهب لعملك ابتغاء ثواب الله ، تجعل من عملك وسيلة للخير، وللدعوة إلى الله، ووسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيلة للتذكير والتعاون والتواصي بالحق والصبر، تجعل من عملك الدنيوي عملاً للآخرة، توقن فيه وتؤمن، وتحسن نيتك أنك تريد أن تنفق على أبنائك وعيالك، حتى لا تدعهم عالة يتكففون الناس ففي ذلك عبادة من العبادات.
على المسلم أن يستشعر هذه الأمور: الموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، والأستاذ والطالب في مدرستهما، كل يعمل للإسلام عن طريق هذا الثغر.
فعند اصطحاب هذه النية يؤجر الإنسان، وبتركها والتساهل فيها يُعرِّض نفسه لخطر، بل يحرمها خيراً كثيراً.
فالمسألة هذه قد تعود للمسألة الأولى، وهي: أنه إذا صلحت القلوب والنوايا صلحت الأعمال بإذن الله جل وعلا، فالأمور بمقاصدها، كما هو مقرر في قواعد هذه الشريعة الغراء.
والمسألة بالترويض والتدريب والمتابعة والعناية بكثرة العمل الصالح، وحُسنه، وكيفيته السليمة، وتعويد النفس على الخير، وسيرها في طريقه، فإنها تعتاد -بإذن الله- الخير ولا تنفك عنه، أما إذا اعتادت النفوس الشر، وخالطت القلوب المعاصي؛ فإن الإنسان لا يتأثر ولا يهتم، وتشغله دنياه عن أُخراه.
جعلنا الله وإياكم من عبادة المفلحين، إنه جواد كريم.
стр. 965
المعنى الصحيح لقوله تعالى: ((ولا تنس نصيبك من الدنيا))
السؤال
فضيلة الشيخ! قلتم: إن أمر العبادة ليس مقصوراً على الصلاة وفي المساجد فقط، بل هو أشمل من ذلك وأعم.
ف
السؤال
ما قولكم لمن إذا قلتُ له: اتقِ الله في نفسك وأهلك، قال لي: يقول الله : ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] فماذا يقال لأمثال هذا -جزاكم الله خيراً-؟
الجواب
يجب على المسلم -كما عرفنا آنفاً- أن يفهم سعة العبادة في هذا الدين، وعليه أن يعرف أن ما وقع فيه كثير من الناس -هدانا الله وإياهم- من التقصير في هذا المجال، وجعل العبادة في زوايا أو في أماكن معينة، وفي أوقات محددة، ثم إذا خرجوا منها أو فارقوا هذه الأماكن والأوقات رجعوا إلى معصية الله ، أو رجعوا إلى الدنيا، هذا أمر خطير، وأعني بقولي: رجعوا إلى الدنيا، أي: انصرفوا إليها بالكلية، ونسوا الله والدار الآخرة.
أما الاحتجاج بهذه الآية، فإنه احتجاج في غير محله، فهذه الآية تعني أن على المسلم أن يكون دائم العمل للآخرة ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] وألا تشغله الدنيا عن الآخرة، ومع ذلك: فإن عليه أن يقوم بالأمور التي لا يستغني عنها في هذه الحياة، أو التي يحتاجها في هذه الحياة، من تأمين مسكن مناسب له ولأسرته، ومن الكدح، وطلب الرزق، من غير ما تجاوُز، ومن غيرما مشغلة عن الآخرة، وأن يقوم بما لا يستغني عنه المسلم في هذه الحياة، بل إن الإمام التابعي الجليل مجاهد بن جبير، قد فسر هذه الآية تفسيراً لطيفاً، يقول ﵀: [[إن قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ليس معناه العمل للدنيا، وإنما لا تنسَ نصيبك من الدنيا أن تعمل للآخرة في هذه الدنيا]] فإن النصيب الصحيح والنصيب الحقيقي هو ألا تضيع هذه الدنيا هنا وهناك، بل نصيبك في هذه الحياة هو العمل الصالح الذي ستلقاه غداً.
وعلى كل حال! فنحن لا نريد من المسلمين أن يدخلوا المساجد ويُغلقوها ولا يعملوا للدنيا! لا.
يجب على المسلمين أن يكون عندهم من سعة الأفق ومن المعرفة التامة لمقتضيات هذا الدين ما يجعلهم يبتعدون عن الشطحات التي هي -في الحقيقة- نقص في التفكير.
ليس معنى الأمر بالعبادة والتأكيد عليها أن المسلم يظل مدى حياته راكعاً ساجداً! لا؛ بل هذه وإن كانت من أعظم العبادات، فإن العبادة أعم من ذلك، فالدنيا كلها ينبغي أن تُعمر بالعبادة، في أعمالك، وفي أقوالك وتصرفاتك، في أموالك، كل ذلك عليك أن ترعى العبودية لله ، وأن تحذر من البُعد عن الله فيها، فليس في هذا الدين: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر)! الأمور كلها لله ، حتى أمورك الدنيوية ينبغي أن تقصد بها ما عند الله، وأن تخلص لوجه الله .
فالحمد لله، فإن من نعم الله ، ومن محاسن هذا الدين، أن تكون هذه العبادة بهذا المفهوم، فنوم الإنسان في أول الليل ليقوم آخره؛ ليتهجد ويصلي ما كُتب له، فنومه عبادة من العبادات، وتناوله طعام السحور أو أي طعام؛ ليقيم صلبه، وليؤدي ما أوجب الله عليه، إذا احتسب وأخلص نيته لله، فهو في عبادة، ومعاشرته لأهله قصده إعفاف نفسه، وإحصان فرجه، وغض بصره، وابتغاء الذرية الصالحة يُؤجر على ذلك في كل لحظة من لحظاته.
يجب ألا تغيب عن الله، يجب ولا تنسى الله جل وعلا، فإن ذلك عواقبه وخيمة.
فعلى كل حال! لم يُصَب المسلمون اليوم بمثل مصيبة الجهل بالدين، وانحسار مفهوم العبادة الصحيح في مجتمعاتهم، قد تحدث أحداً أو تنكر عليه، أو تنصحه في شأن أهله وأبنائه، فيقول لك مثلاً: إن الدين في المسجد، أو إن الصلاح في القلب، أو ما إلى ذلك من العبارات التي نسمعها من كثير من أبناء المسلمين الذين يُفترض فيهم أن يتصدوا لشُبه الأعداء، لا أن يكونوا هم عالة على هذا الدين؛ لكن -مع الأسف- لما أُهِمل أمر هذا الدين، ونشأ شباب المسلمين على غير العبادة الصحيحة، وتلقفتهم المناهج والوسائل المخالفة لمنهج الإسلام الحق، أصبح أبناؤنا يعيشون حياة أوصافها يعجز اللسان عن ذكرها، فوضع المسلمين ووضع شبابهم وأبنائهم وضع خطير، بل إن كثيراً من الناس من ترك دين الله وراءه ظهرياً، ومن ضرب بدين الله عرض الحائط، ولم يُبالِ بأوامر الله ، فلا يرعى صلاةً، ولا يؤدي لله حقاً، ولا يقوم بواجب، إنما هو -والعياذ بالله- في غَيٍّ وجهالة ومنكرات وضلالات وانحرافات مخالفة للإسلام.
أهكذا يعيش أبناء المسلمين الذين يجب أن يكون كل واحد منهم كما كان صحابة رسول الله ﷺ في الغيرة على هذا الدين والانتصار له؟!
ومع ذلك فقد وجد أعداؤنا في المسلمين الأرض الخصبة؛ لنشر أفكارهم وترويجها بين أبناء المسلمين، وفعلاً: تجد كثيراً من أبناء المسلمين ضحايا هذا الغزو العقدي والأخلاقي والفكري، يترجمونه عملياً، بهذه الكلمات أو هذه الأقوال، فلا يعرفون حقوق الله سبحانه، ولا يعرفون حقوق عباده.
إذاً: المسئولية عليكم جميعاً أيها الإخوة في الله! كلٌ فيما يستطيع، كلٌ عليه أن يتحرك لهذا الدين، وكل في مجاله، أن يقوم بهذه العبادة.
هذا ميراث النبوة، وهذا عمل رسل الله جميعاً عليهم الصلاة والسلام، فيجب علينا جميعاً أن نعتني بهذا الأمر، وأن نتذكره وألا نغفل عنه طرفة عين.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 966
أمراض القلوب
يقول ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) وهذا الحديث يدل على أهمية القلب وأهمية الاعتناء به، والحذر من أن يصيبه أي مرض، والقلوب كما يقول ابن القيم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب صحيح، وسقيم، وميت، وإن من أعظم أسباب حياة القلوب هو تلاوة كتاب الله وتدبره ففيه الشفاء والنور.
стр. 967
أقسام القلوب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه، ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله.
أما بعد:
إخوة الإسلام: في خضم مشغلات الحياة، وتزاحم مغريات الدنيا، وطغيان الماديات، وغلبة الأهواء، يغفل كثير من الناس عن الأخذ بأسباب السعادة والفلاح في الدنيا، والفوز والنجاة في الآخرة، وإن هذه الأسباب منوطة بأمر واحد، هو قطب الرحى في هذه القضية، يفصح عنه حديث المصطفى ﷺ عند البخاري ومسلم: عن النعمان بن بشير ﵄: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ ففي هذا الحديث العظيم إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه بحسب صلاح حركة قلبه.
فإن كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا توحيدُ الله وخشيته، ومتابعة رسوله ﷺ ومحبتُه؛ سلِمَت حركات الجوارح، ونشأ على اجتناب المحرمات والمحدثات.
وإن كان القلب مريضاً فاسداً، قد استولى عليه اتباع الهوى، وغلبه حب الشهوات؛ فسدت حركات الجوارح، وانبعثت إلى كل معصية، ونشطت في كل ضلالة، ولهذا يُقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، فإذا كان القلب صالحاً؛ كانت الجنود صالحة، وإن كان فاسداً؛ كانت جنوده فاسدة.
قال الإمام العلامة ابن القيم ﵀ في انقسام القلوب إلى صحيح، وسقيم، وميت، ما خلاصتُه: لما كان القلب يوصف بالحياة وضدها، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة: فالقلب الصحيح هو القلب السليم، الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
فهو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غيره ﷺ ، وسلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه، بل قد خلصت عبوديته وعمله لله تعالى، فإن أحب؛ أحب في الله، وإن أبغض؛ أبغض في الله، وإن أعطى ومنع فلله وحده، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله ﷺ ، فيعقد قلبه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده -دون كل أحد- في الأقوال والأفعال، ويكون الحاكم عليه في ذلك كله، دقه وجله: هو ما جاء به الرسول ﷺ ، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١].
والقلب الثاني: ضد هذا، وهو القلب الميت، الذي لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، فمخالطة صاحب هذا القلب سُقم، ومعاشرته صُم، ومجالسته هلاك.
والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة، ففيه من محبة الله والإيمان به ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بينهما.
فالقلب الأول: حيٌّ مخبتٌ واعٍ ليِّن.
والثاني يابس ميت.
والثالث: مريض، فإما إلى السلامة أدنى, وإما إلى العطب أدنى.
روى الإمام مسلم: عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أُشرِبَها نُكِِتَت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مُجَخِّيَا، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرِب من هواه، وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض﴾
وصح عن حذيفة بن اليمان ﵁ قوله: [[القلوب أربعة:
قلب أجرد: أي: متجرد مما سوى الله ورسوله، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن.
وقلب أغلق: فذلك قلب الكافر.
وقلب منكوس: فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي.
وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق؛ فهو لما غلب عليه منهما]].
стр. 968
أسباب مرض القلوب
والفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، وفتن المعاصي والبدع، وفتن الظلم والجهل.
ومدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان: الغضب والضلال، وهذان المرضان ملاك أمراض القلوب جميعها، وشفاء ذلك بالهداية العلمية، والهداية العملية وتكون بتحقيق التوحيد لله، وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ .
أمة العقيدة والإيمان! أتباع محمد ﵊! بالفهم الصائب لما سبق، والنظر الثاقب لما وقع ويقع في حياتنا المعاصرة ندرك أنه ما أصاب الأمة من شر وضلال وفتنة؛ إلا بسبب أمراض القلوب وعللها، وإذا حصل فساد القلب، فحدِّث ولا جناح عن العواقب السيئة التي تعود على الأفراد والأمم، وما حلت الضلالة وانتشرت الجهالة في أمر العقيدة والاتباع، وحصلت الفُرقة والاختلاط إلا بسبب أسقام القلوب التي أصبحت أوكاراً للشياطين، وبؤراً للأهواء، وما عمت المنكرات في الأشغال والأخلاق والأقوال، وكثر القتل، والوقوع في الزنا، والجرائم، والتعامل بالربا، وسائر المحرمات؛ إلا بسبب إقفار القلوب من طاعة الله، وفتنتها بحب العاجلة.
وبالجملة: فكل فساد حل بالأمة مرده إلى أمراض القلوب، وما ران عليها من ظلمات المعاصي.
وما شيوع الأمراض النفسية، والتوترات العصبية، والأسقام الاجتماعية، وانتشار القلق والمس والهموم والوساوس؛ إلا بسبب الوقوع في المعاصي والذنوب، على اختلاف أصنافها، وتعدد مصادرها، واختلاف وسائلها، التي تقضي على القلب، وتميت الشعور الإسلامي، والحس الإيماني فيه، وتزرع فيه الفسق والضلال والفساد.
ولله در عبد الله بن المبارك حيث قال:
رأيتُ الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
ومن الغريب حقاً: إعراض الناس عن الاهتمام بعلاج أمراض القلوب، وانصرافهم الكلي إلى الاهتمام بصورهم وأجسامهم، فلو أصيب أحدهم بأدنى مرض في جسده؛ لأقام الدنيا بحثاً عن أمهر طبيب، وأفخم مستشفى، بينما الأمراض الحقيقية المعنوية، أمراض القلوب والأرواح قد أهملت، فعاد الأمر كما ترى، يسر العدو ويحزن الصديق.
ولعل ما سبق من وضع لمسات على هذا الموضوع الخطير من حيث الأهمية، والأسباب والعلاج، ونظرة السلف له، وواقع الناس فيه، كافٍ في أن يهتم كل واحد منا بفحص قلبه, ومحاسبة نفسه في هذا الأمر؛ ليعلم بقدر مواقعته المعاصي فإنما يجلب الفساد لقلبه، والناس في ذلك بين مُسْتَقِلٍّ ومستكثر، وليعم الصلاح والخير والفلاح نسأل الله أن يصلح فساد قلوبنا.
اللهم يا مصلح الصالحين، أصلح فساد قلوبنا، واغفر لنا ذنوبنا، إنك جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 969
أسباب حياة القلوب
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وشرفنا باتباع محمد خير الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- وخذوا بأسباب صلاح القلوب، وراقبوا مولاكم علام الغيوب، واعلموا أن حياة القلب وصحته وشفاءه من كل ضرر لا يحصل إلا بالآتي:
بإقبال أصحابه على كتاب الله تلاوة وتدبراً، ففيه الشفاء والنور، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧].
والإكثار من ذكر الله قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وكثرة استغفاره والتوبة إليه، والاستعاذة به من الشيطان الرجيم، والبُعد عن مصائده وحبائله من: الملاهي التي تصد عن ذكر الله، وسائر المعاصي.
فاتقوا الله -عباد الله- وزكوا قلوبكم، وطهروها من كل ما يُغضب الله من الغل والحقد والحسد والكِِبر والعجب وعداوة المسلمين، واجتنبوا كل أسباب فساد القلوب وقسوتها، تكونوا من المفلحين.
ألا وصلوا وسلموا رحمكم الله على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهُداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة.
اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين إلى ما تحب وترضى، اللهم أيده بالحق، اللهم اجعله هادياً مهدياً يا رب العالمين، اللهم وفق قادة المسلمين إلى تحكيم شرعك، اللهم وفق المسلمين قاطبة إلى العودة الصادقة إلى دينك القويم.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر.
اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان واليقين، وبلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين!
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 970
بدع شهر رجب
إننا مطالبون باتباع شرع الله وسنة نبينا محمد ﷺ ، فإن ذلك جماع الصلاح والهداية، وضده الشقاوة والضلالة، وذلك لأن الأعمال لا تقبل إلا بشرطين: الإخلاص، ومتابعة النبي ﷺ ، ولقد كان النبي ﷺ كثير الأمر بلزوم سنته، شديد التحذير من البدع والمحدثات.
وأقوال السلف في ذلك كثيرة مشهورة.
وإن من هذه البدع: بدعة تخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالعبادة والطاعات والأفراح؛ وغيرها من البدع.
стр. 971
الاتباع لا الابتداع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، أمرنا باتباع رسوله وسلوك سبيله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حثنا على اتباع هديه وسنته، وحذرنا من كل ما يخالف هديه وطريقته، فلا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، تركها على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يحيد عنها إلا ضال، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تمسك بسنته ولزم هديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واعلموا أنكم مطالبون باتباع شرع ربكم، وسنة نبيكم ﷺ ؛ فإن في ذلك الصلاح والهداية، وفي ضده الشقاوة والضلالة.
стр. 972
شروط قبول العمل
إخوة الإسلام في كل مكان: لقد جاءت شريعة الإسلام كاملةً شاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] وشرط الشارع الحكيم لقبول الأعمال شرطين عظيمين، إذا اختل أحدهما فسد العمل، وأصبح هباءً منثوراً.
أولهما: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، خالياً من كل رياء وسمعة.
ثانيهما: أن يكون صواباً موافقاً لشرع الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا زيادة ولا بدعة، لأن نبينا محمداً ﷺ بلغ البلاغ المبين، ولم يبقِ من أصول الدين وفروعه شيئاً إلا بينه، صلوات الله وسلامه عليه، فالحق ما جاء به، والثواب ما كان على وفق سنته، والباطل والضلال ما كان مخالفاً لهديه، مما أحدثه الناس واتبعوه، واتبعوا فيه أهواءهم قال الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠].
стр. 973
أقوال السلف في إنكار البدع
قال الإمام مالك ﵀: [[من ابتدع في الإسلام بدعة ًورأها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً]] وقد كان المصطفى ﷺ -وهو بأمته الرءوفٌ الرحيم، ولها الناصح الأمين- كثير الأمر بلزوم السنة واتباعها، وشديد التحذير من المخالفة والبدعة، بل كان يؤكد ذلك دائماً في خطبه، كما أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁.
إن من الناس من كذبوا وابتعدوا عن آثار النبوة، وفتحت عليهم الدنيا، وآثروها على الأخرى؛ فانتشرت بينهم المحرمات، وكثرت البدع والضلالات، حتى اشتبه الأمر على كثيرٍ من المسلمين، فوجب التنبيه على تلك البدع في حينها؛ حتى يكون المسلم الحريص على اتباع السنة على بصيرةٍ في أمر دينه، وحتى تقوم الحجة وتتبين لكل من أراد السير على ما كان عليه محمد بن عبد الله، صلى الله وسلم عليه وعلى صحابته من بعده، والتابعين لهم في القرون الخيّرة.
أمة الإسلام وأتباع سيد الأنام ﷺ ! إن من البدع المحدثة في الإسلام، ما يعتقده بعض الناس في شهر رجب من أن له خاصية على غيره من الشهور، فيفعلون فيه أموراً محدثة، ويعتقدون فيه اعتقاداتٍ جاهلية، ويخصونه بأنواعٍ من العبادات، كالعمرة والصوم والأذكار والصلوات، ويسمونها باسم هذه الشهر، كالصلاة الرجبية، والعمرة الرجبية، والأذكار الرجبية ونحوها، وتخصيص شهر رجب، أو بعض أيامه ولياليه بصيامٍ أو قيامٍ أو نحوهما، أمرٌ محدث ليس له أصلٌ في شريعة الإسلام فيما نعلم.
стр. 974
أقوال أهل العلم في بدع رجب
قال الإمام الحافظ ابن حجر ﵀: "لم يرد في فضل شهر رجب ولا صيامه ولا في صيام شيءٌ منه معين، ولا في قيام ليلةٍ مخصوصة، حديثٌ صحيحٌ يصلح للحجة".
وله ﵀ رسالةٌ قيمةٌ في ذلك، ونحو قوله هذا قال علماء الإسلام، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم، والحافظ ابن رجب، والإمام النووي، وغيرهم ﵏ جميعاً.
وبأي دليلٍ بعد ذلك يحتج من يفعل هذه المحدثات، لم يبق إلا الاعتماد على الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله ﷺ ، والآثار الواهية التي لا تقوم بها حجة، وفوق ذلك كله، داءان خطيران، منتشران بين صفوف المسلمين، هما داء الجهل بدين الله، وداء التعصب للهوى، وكم جر ذلك على المسلمين من شرورٍ وفتن، لا خلاص منها إلا باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فاتقوا الله -أيها المسلمون- وتمسكوا بدينكم واتبعوا هدي نبيكم ﷺ ، واحذروا الوقوع في كل ما يخالف سنته وسنة خلفائه الراشدين مما أحدثه المتأخرون في دين الله بغير سلطان أتاهم:
فخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
نسأل الله تعالى أن يهدي المسلمين إلى الصراط المستقيم، وأن يمنحهم الفقه في الدين، ويجنبهم طرق المبتدعين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 975
حكم إفراد ليلة الإسراء والمعراج بالعبادة
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، ومنّ علينا باتباع سيد المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله.
عباد الله: ومما أحدثه الناس في شهر رجب تخصيصهم بعض الليالي لإقامة الأفراح والحفلات، وليلة سبع وعشرين التي يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج، ويخصصونها بأذكارٍ معينة وصلاة وأذكار محددة، ونحن مع إيماننا بالإسراء والمعراج واعتقادنا بوقوعه وأنه من آيات الله العظيمة، إلا أننا نقول: الاحتفال بذكراه خطأٌ فادحٌ لوجوه، أهمها:
أن الإسراء لم يثبت دليلٌ صحيحٌ على تعيين ليلته التي وقع فيها، وعلى الشهر الذي وقع فيه، فالعلماء مختلفون في زمانه، فتخصيص ليلةٍ من الليالي للإسراء تخصيص لا دليل عليه.
ولو ثبت تعيين الليلة، فلا يجوز لنا أن نخصصها بشيءٍ لم يشرعه الله ولا رسوله، ولم يرد عن الرسول ﷺ ولا عن خلفائه وصحابته من بعده والتابعين لهم بإحسان أنهم خصصوها بشيء من العبادات، أو احتفلوا بذكراها، فلا يجوز لأحدٍ بعدهم أن يحدث في الإسلام شيئاً لم يفعلوه.
إضافةً إلى ذلك أن كثيراً من الناس قد تفننوا فيما يأتوا من البدع في هذه الليالي، وزاد كثيرٌ منهم عليها بروفاً من المنكرات والمحرمات، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ونحن نناشد المسلمين في كل مكان، أن يتقوا الله تعالى، ويتمسكوا بهدي نبيهم ﷺ ، ويحذروا كل الحذر من الوقوع في هذه الأمور المبتدعة، ففي ذلك والله عزهم وصلاحهم وسعادتهم.
ألا وصلوا على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين!
اللهم أعزنا بالإسلام وانصرنا بالإسلام، اللهم وفقنا للتمسك به، اللهم وفقنا للعض على سنة نبيك ﷺ بالنواجذ، اللهم وفق المسلمين عامةً إلى ما تحبه وترضاه يا رب العالمين! اللهم وفق المسلمين إلى العودة إلى دينك القويم، وإلى اتباع سنة نبيك الأمين، يا رب العالمين!
اللهم وفق المسلمين قاطبة قادةً وشعوباً، علماء وعامة، رجالاً ونساءً، لما تحبه وترضاه، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، يا رب العالمين! اللهم ارزقه البطانة الصالحة، يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، اللهم وفقهم وانصرهم في كل مكان، يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 976
حاجة البشرية للإسلام
لقد كان الإسلام نقطة تحول في تاريخ هذه البشرية، من حضيض الجهالة وسوء الحال إلى ذروة المجد وقمة الكمال؛ فقد جاء لينظم العلاقة بين الخالق والمخلوق، ويغرس في النفوس حب الحق والفضيلة، وكراهية الباطل والرذيلة، وليوجد في الضمير الشعور بالواجب، والإحساس بالمسئولية، فلا سعادة للبشر إلا في ظل الإسلام.
стр. 977
الإسلام أعظم نعمة على العباد
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وهدانا للإيمان، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من أطاعه واتبع دينه أكرمه بكل منةٍ دنيوية وأخروية، ومن عصاه وخالف أمره سلب عنه النعمة وأحل به النقمة، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، خير من تمسك بالإسلام ودعا إليه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
عباد الله: ما أنعم الله على عباده بنعمة وما منّ به عليهم من منة هي أعظم وأجل من نعمة الإسلام، فقد شرع لنا سبحانه من الدين ما فيه سعادة البلاد والعباد، وهدانا إلى ما فيه صلاح المعاش والمعاد، وبيَّن لنا في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، سبيل الهدى والرشاد، وأوضح لنا معالم الصلاح والفساد؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال٤٢].
لقد كان الناس قبل الإسلام على جانبٍ عظيم من الغي والضلال، يعيشون حياة الشرك والوثنية، يعبدون الأشجار والأحجار، ويحيون حياة السلب والنهب والفتك والقتال، والظلم والجور والعداء وسيء الأفعال، إلى أن بعث الله رسوله محمداً ﷺ ، فأخرجهم -بإذن ربهم- من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك والكفر والوثنية إلى نور الحق والإيمان، ورفعهم من حضيض الجهالة وسوء الحال إلى ذروة المجد وقمة الكمال.
стр. 978
الإسلام نقطة تحول في تاريخ الأمة
أيها المسلمون: لقد كان الإسلام نقطة تحول في تاريخ هذه الأمة؛ تحولٍ إلى الطريقة المثلى، وهداية للتي هي أقوم، في كل مجالٍ من مجالات الحياة، وما أروع ما وصف به جعفر بن أبي طالب ﵁، حال الناس قبل الإسلام وبعده، حيث يقول بعزة المسلم، أمام النجاشي ملك الحبشة وهو يتقدم وفد المهاجرين: [[لقد كنا أهل جاهلية وشر، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله، لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنَّا نعبد -نحن- وآباؤنا من الحجارة والأوثان.
أمرنا أن نعبد الله وحده فلا نشرك به شيئاً، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، فحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا]] الله أكبر!
معشر المسلمين: إننا لو استعرضنا مآثر سلفنا الصالح، وما سطَّره التاريخ عنهم بأسطر العز والمجد والشرف، وما حباهم الله به من قوة الإيمان، والعزة بالإسلام، وتأملنا سيرتهم العطرة، وتحولهم من حضيض الجهل والضعف والذلة، إلى ذُرى المجد والعز والقوة، لعلمنا أن ذلك كله ما كان ليتحقق إلا بتطبيق الإسلام، والتمسك بنظمه العادلة، وتعاليمه السامية.
стр. 979
سعادة البشرية في ظل الشريعة الإسلامية
أمة الإسلام: لقد جاء هذا الدين ليُعيد للحياة صفاءها، ويخلصها مما علق بها من رواسب سيئة، وما لحق بها من نظمٍ فاسدة، فهو إصلاحٌ شامل، وهدي كامل، يكفل للإنسانية الوصول إلى أعلى مستوىً ترنوا إليه، وإنه لا غنى للبشرية عن هذا الدين، لما يمثله من كرم الصلة بين الخالق والمخلوق، وما ينظمه من علاقة بين العبد والمعبود، وما ينتج عنه من آثارٍ عظيمة في تطهير النفوس من الأدران، وتهذيب الغرائز، وكبح جماح الشهوات، وما يوجهه من إرادة الخير وكراهة الشر، ويغرسه في النفوس من حب للحق ومقتٍ للباطل، وما يُفجِّره في النفس من مشاعر الرحمة والتعاون، وما يوجده في الضمير من الشعور بالواجب، والإحساس بالمسئولية.
وإنه بالرغم من الرقي المادي، والتقدم العلمي، في الأعصار المتأخرة، إلا أن كثيراً من المجتمعات لم تحقق سكينة النفس، ولا طمأنينة القلب، ولا راحة الضمير، بل إن التقدم المادي جلب كثيراً من حياة القلق والخوف، والاضطراب والإرهاب، وأصبحت شريعة الغاب متحكمة في الشعوب، وجاثمةً على القلوب، فكان لا بد من الالتزام بالإسلام ليسُدَّ هذه الثغرة، ويزيل هذه الفجوة، وإن كان هناك أصواتٌ آثمة، وأبواق ناعقة، تنسب للإسلام كل تخلف، وتنادي زوراً وبهتاناً بأصواتٍ خافتةٍ حيناً، وظاهرةٍ حيناً آخر متهمة الإسلام بأنه رجعي وتأخر لا يصلح لهذا الزمن! ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨].
فما أجدرنا -معشر المسلمين- بالتمسك بتعاليم هذا الدين، لا سيما في هذا الزمن الذي ابتلي فيه كثيرٌ من الناس بجهل حقائق دينهم، ونسيان كثيرٍ من شرائعه، والتساهل في تطبيق كثيرٍ من شعائره! أضف إلى ذلك: الحرب السافرة، التي يشنها خصوم الإسلام والمتربصون به، مما يجعل من كل من تشرَّف بالإسلام أن يبذل ما في وسعه، ويَهُبُّ بجدٍ وإخلاصٍ للعمل بالإسلام والدعوة إليه، ولابد من إحياء الشعور بالإسلام، وإذكاء الاعتزاز به في نفوس أبنائه، وربط الأجيال به علماً وعملاً.
إخوة الإسلام: إنه ليجب علينا ألا يزيدنا مرور الأعوام إلا قوة في التمسك بديننا، وشعوراً بأنه لا منقذ للبشرية، ولا مصلح لأحوال الإنسانية، إلا العمل بالإسلام وتطبيق الشريعة، وإن أولى من يضطلع بهذه المهمة العظيمة، هم قادة المسلمين، وولاة الأمر فيهم، ومن جعلهم الله ورثة للأنبياء، من أهل العلم وقادة الفكر، والمسئولين عن تربية النشء وتوجيه الأجيال.
стр. 980
التزام الدين ضمانة كبرى للأمن والسلام
إن وصيتي من هذا المكان المبارك، ودعوتي من هذه البقعة الطاهرة، أن يعي أبناء الإسلام واجبهم في حمل رسالة الإسلام، علماً وعملاً ودعوة، ومنهاجاً للحياة، حين ذلك لا يبقى مجالٌ لمفسد، ولا منفذ لحاقدٍ ومغرض، ولا طريق لمحارب ومخرب، وإن الحزم في تطبيق شرع الله على هؤلاء وأمثالهم؛ ضمانةٌ كبرى -بإذن الله- لتحقيق الأمن والسلام، والبعد عن الخوف والاضطراب والقلق والإرهاب، كما هو حاصلٌ -ولله الحمد والمنة- في هذه البلاد المباركة، حرسها الله، وثبت قادتها على الإسلام وهذا كله وغيره من عوامل صلاح المجتمع، مستمد من تعاليم ديننا الذي أكمله الله لنا، وأتمه علينا، ورضيه لنا ديناً، فما علينا إلا الصدق مع الله في تطبيق الإسلام في خاصة أنفسنا ومن هم تحت أيدينا؛ من أهلٍ وأولادٍ ونحوهم، لنضمن في مسيرتنا الإسلامية الوصول إلى بر الأمان وشاطئ السلام، وما ذلك على الله بعزيز.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 981
الإعراض عن الدين إيذان بحلول الكوارث
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله؛ فإن من اتقاه حفظه ووقاه، واعلموا أن الله بحكمته البالغة؛ وسنته الماضية، قضى أنه ما من مجتمعٍ ولا أمة تستنكف عن هدي الإسلام، وتستكبر على تعاليمه، ولا تبالي بتطبيقه، إلا ويحل بها من ألوان الفساد، وصور الخراب والدمار، ونذر العذاب، ما لا يرفع عنهم حتى يراجعوا دينهم.
وإن في أخبار الأمم المكذبة، وأحوال المجتمعات المخالفة لعبراً، فأنتم تسمعون ما يحل بين الفينة والأخرى في بعض المجتمعات، من الكوارث والحوادث، فأعاصيرٌ مدمرة، وفيضانات مهلكة، وأمراضٌ فتَّاكة، وحروبٌ طاحنة، كل ذلك ليعتبر العباد، ولعلهم يرجعون.
نسأل الله أن يمن على الجميع بالهداية والتوافيق، والثبات على الحق، إنه جوادٌ كريم.
ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير الورى، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، عاجلاً غير آجلٍ يا قوي يا عزيز!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةٌ وقنا عذاب النار.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 982
حفظ الله للعبد
إن العبد إذا حفظ الله في أوامره ونواهيه، حفظه الله في كل أموره وشئونه وحياته، وقد تعرض الشيخ في هذه الرسالة إلى شرح حديث ابن عباس في حفظ العبد لله، وحفظ الله .
стр. 983
معنى "احفظ الله "
الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونثني عليه الخير كله، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له أولياء من دونه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وأمينه على وحيه، نبي شرح الله صدره، ووضع وزره، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والعار على من خالف سنته وعصى أمره، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وتقوى الله جماع خيرَي الدنيا والآخرة، وحياض من شر العاجلة والآجلة، واعلموا عباد الله! أن الله تعالى أمركم بحفظ أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، ومَن حفظ الله في الدنيا حفظه الله في الدنيا والآخرة.
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك﴾ الحديث.
وحِفظ الله يا إخوة الإسلام! يعني: حفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، ويكون ذلك بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، ودخل في ذلك فعل الواجبات جميعاً، وترك المحرمات كلها، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله، الذين مدحهم الله في كتابه الكريم بقوله ضمن صفات المؤمنين: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] وقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣] وفُسِّر الحفيظ: بالحافظ لأوامر الله وحدوده.
стр. 984
المحافظة على الصلوات
ومن أعظم ما يجب على العباد حفظه من المأمورات بعد سلامة التوحيد وصحة العقيدة: الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] يحافظون على أدائها في أوقاتها وأماكنها بطهارتها وخشوعها وأركانها وواجباتها وسننها.
стр. 985
حفظ الضروريات الخمس
ومما يؤمر بحفظه ما تميزت به هذه الشريعة من أنها جاءت بالمحافظة على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسب، والعقل، والمال.
فالمحافظة على الدين: بفعل أوامره واجتناب نواهيه مطلقاً.
وحفظ النفس: بعدم الاعتداء عليها بقتل أو أذى.
وحفظ النسب والعرض: بالنكاح الشرعي والبُعد عما حرم الله من الزنا واللواط والقذف، ومجانبة أسبابها.
وحفظ العقل: بصيانته عما يخله من المسكِرات والمخدِّرات والمفتِّرات بأنواعها وصنوفها.
وحفظ المال: باتباع الطرق الشرعية في جلبه والبُعد عن الطرق المحرمة والمشتبهة، وإحاطته وغيره بالعقوبات التي تمنع الاعتداء عليه، وذلك بإقامة الحدود الشرعية.
следующие страницы →