Полный текст (1 023 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
الإعراض عن الدين إيذان بحلول الكوارث
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله؛ فإن من اتقاه حفظه ووقاه، واعلموا أن الله بحكمته البالغة؛ وسنته الماضية، قضى أنه ما من مجتمعٍ ولا أمة تستنكف عن هدي الإسلام، وتستكبر على تعاليمه، ولا تبالي بتطبيقه، إلا ويحل بها من ألوان الفساد، وصور الخراب والدمار، ونذر العذاب، ما لا يرفع عنهم حتى يراجعوا دينهم.
وإن في أخبار الأمم المكذبة، وأحوال المجتمعات المخالفة لعبراً، فأنتم تسمعون ما يحل بين الفينة والأخرى في بعض المجتمعات، من الكوارث والحوادث، فأعاصيرٌ مدمرة، وفيضانات مهلكة، وأمراضٌ فتَّاكة، وحروبٌ طاحنة، كل ذلك ليعتبر العباد، ولعلهم يرجعون.
نسأل الله أن يمن على الجميع بالهداية والتوافيق، والثبات على الحق، إنه جوادٌ كريم.
ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير الورى، كما أمركم بذلك ربكم جلَّ وعلا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، اللهم هيئ لهم البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، اللهم ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، عاجلاً غير آجلٍ يا قوي يا عزيز!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةٌ وقنا عذاب النار.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 982
حفظ الله للعبد
إن العبد إذا حفظ الله في أوامره ونواهيه، حفظه الله في كل أموره وشئونه وحياته، وقد تعرض الشيخ في هذه الرسالة إلى شرح حديث ابن عباس في حفظ العبد لله، وحفظ الله .
стр. 983
معنى "احفظ الله "
الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونثني عليه الخير كله، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له أولياء من دونه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وأمينه على وحيه، نبي شرح الله صدره، ووضع وزره، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والعار على من خالف سنته وعصى أمره، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وتقوى الله جماع خيرَي الدنيا والآخرة، وحياض من شر العاجلة والآجلة، واعلموا عباد الله! أن الله تعالى أمركم بحفظ أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، ومَن حفظ الله في الدنيا حفظه الله في الدنيا والآخرة.
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك﴾ الحديث.
وحِفظ الله يا إخوة الإسلام! يعني: حفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، ويكون ذلك بالوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، ودخل في ذلك فعل الواجبات جميعاً، وترك المحرمات كلها، فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله، الذين مدحهم الله في كتابه الكريم بقوله ضمن صفات المؤمنين: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] وقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣] وفُسِّر الحفيظ: بالحافظ لأوامر الله وحدوده.
стр. 984
المحافظة على الصلوات
ومن أعظم ما يجب على العباد حفظه من المأمورات بعد سلامة التوحيد وصحة العقيدة: الصلوات الخمس، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] يحافظون على أدائها في أوقاتها وأماكنها بطهارتها وخشوعها وأركانها وواجباتها وسننها.
стр. 985
حفظ الضروريات الخمس
ومما يؤمر بحفظه ما تميزت به هذه الشريعة من أنها جاءت بالمحافظة على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسب، والعقل، والمال.
فالمحافظة على الدين: بفعل أوامره واجتناب نواهيه مطلقاً.
وحفظ النفس: بعدم الاعتداء عليها بقتل أو أذى.
وحفظ النسب والعرض: بالنكاح الشرعي والبُعد عما حرم الله من الزنا واللواط والقذف، ومجانبة أسبابها.
وحفظ العقل: بصيانته عما يخله من المسكِرات والمخدِّرات والمفتِّرات بأنواعها وصنوفها.
وحفظ المال: باتباع الطرق الشرعية في جلبه والبُعد عن الطرق المحرمة والمشتبهة، وإحاطته وغيره بالعقوبات التي تمنع الاعتداء عليه، وذلك بإقامة الحدود الشرعية.
стр. 986
حفظ الجوارح
ومِّما يتعيَّن حفظه على المسلمين: الجوارح؛ فيُحفظ الفرج عما حرم الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج:٢٩].
والبطن؛ فلا يدخله إلا الحلال الطيب.
واللسان؛ فلا يتكلم إلا بخير وصدق ويجتنب الكذب والغيبة والنميمة واللمز وقول الزور، قال ﷺ : ﴿وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم﴾ أخرجه الترمذي وغيره عن معاذ ﵁.
ومن ذلك: حفظ البصر والسمع عما حرم الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] إلى قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وقال : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
стр. 987
حفظ الأمة الإسلامية لله
يوم أن كانت الأمة الإسلامية محافظة على أوامر الله، قائمة بحدود الله، محكِّمة لكتاب الله نالت السيادة والريادة والنصر والعزة والكرامة، ويوم أن تخلت عوقبت بالذل والهوان والضعف والاختلاف وتقوية الأعداء.
فيتعين على أرباب الولاية في أرض الله أن يحفظوا شريعة الله بالحكم بها في كل صغير وكبير، وأن يكون سورُها واقٍ على نهج من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ونبذ كل ما يخالفهما من أحكام الجاهلية.
وعلى علماء الأمة وأهل الرأي فيها أن يحفظوا العهد والميثاق فينشروا العلم النافع في صفوف المسلمين ويجاهدوا في سبيل الله، ونفع عباد الله، ويؤدوا رسالتهم العظيمة لئلا يقعوا تحت طائلة الكتمان المحرم.
وعلى شباب المسلمين أن يحفظوا شبابَهم ووقتهم ويبتعدوا عن الشر والرذائل لينفعوا دينهم وأمتهم وبلادهم.
وعلى نساء المسلمين أن يحفظن حدود الله ويَسِرْن على هدي من كتاب الله وسنة رسوله، فيلزمن الحجاب والعفاف والحياء ويبتعدن عن كل ما يكون سبباً في الشر والفتنة.
نسأل الله أن يجعلنا من الحافظين لحدوده، القائمين بأوامره، المبتعدين عن نواهيه.
اللهم احفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 988
حفظ الله لعباده
الحمد لله الملك العلام، القدوس السلام، أحمده تعالى وأشكره وأتوب إليه وأستغفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
اتقوا الله عباد الله! واحفظوا حدوده تنالوا الحفظ منه، قال العلامة ابن رجب في شرحه لحديث: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ وحفظ الله لعباده يدخل فيه نوعان:
أحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله، ومن حفظ الله في صباه وقوته؛ حفظه الله في كبره وضعف قوته ومتَّعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله، وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته ومتى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله؛ فإن الله يحفظه في تلك الحال، قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه، والله غني عنه.
النوع الثاني من الحفظ، وهو أشرف النوعين: حفظ الله لعبده في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة والبدع المذلة، والشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان.
فاتقوا الله يا عباد الله! واحفظوا حدود الله يحفظكم في الدنيا والآخرة.
ألا وصلوا على من بعثه الله رحمة للعالمين، نبينا محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وأخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ ، قال: ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين، يا رب العالمين!
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا أرحم الراحمين!
اللهم وفق المسلمين للعودة السابقة إلى دينك القويم، اللهم أصلح قادتهم وعلماءهم وشبابهم ونساءهم.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم أيده بالحق المبين يا أرحم الراحمين! واجعل عمله في رضاك، اللهم وفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة، اللهم اجعله قرة عين للإسلام والمسلمين، اللهم اجعله هادياً مهدياً يا أرحم الراحمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 989
حق الله على العباد
إن الله خلق العباد لغاية مقصودة، وحكمة منشودة، ألا وهي عبادته ، وقد تكلم الشيخ في هذا الدرس عن حق الله على العباد ومفهومه وحدوده الشرعية.
стр. 990
نعم الله وحكمة إسدائها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه، ونستغفره ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، المعبود بحق سبحانه، لا ند له ولا شريك ولا ولد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من قام بحق ربه عليه، فعبد ربه حتى أتاه اليقين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذين عرفوا ما لربهم من الحق، فقاموا به خير قيام، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله تعالى.
عباد الله: إن من فضل الله علينا أن أوجدنا وخلقنا في هذه الحياة، وأمدنا بأصناف النعم، خلقنا في أحسن تقويم، وكرمنا أعظم تكريم، ومتعنا بالأسماع والأبصار والعقول، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وما في الجو والبر والبحر، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وفضلنا على كثير من خلقه بالفطر الصحيحة، والعقول النقية، والجوارح السليمة، والنعم العظيمة، والمنن الجسيمة، كل ذلك ليحمل الإنسان الأمانة الغالية، والمسئولية الكبيرة، ليعرف في الوجود مكانته التي بوأه الله إياها، ووظيفته التي كلفه بها، والغاية المُثلى التي خلقه لأجلها، والحق العظيم الذي عليه لله ربه، خالقه ورازقه، ومدبر أموره، ومالك ضره ونفعه، وحياته وموته، لا إله غيره، ولا رب سواه، فلا يَتَقاصَر عن أداء هذا الحق طرفة عين، ولا يتساهل في القيام به ساعة من ليل أو نهار، إلى أن يتوفاه الله وهو على ذلك عملاً بقوله سبحانه: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] وقوله جل وعلا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فلا يغفل عن عبادة ربه, ولا يفتر عن طاعته، ولا يدنس العبادة بشيء من الشوائب الشركية والبدعية، ولا يهبط إلى المستوى البهيمي، ولا يَسِفُّ إلى الحضيض الشهواني، ولا يتقاصر عن السمو والمعالي، بل ينطلق في رحاب الإيمان والعمل الصالح؛ ليملأ رصيده الحقيقي الذي سيقدم عليه، في يوم يكثر فيه المفلسون، دون أن يقدح في انطلاقته الإيمانية قادح، أو يخلخلها خلل.
стр. 991
حق الله على العبد
أمة الإسلام: يقول ربكم ﵎: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] ويقول جلَّ وعزَّ: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦].
إنه لا يمكن أن تخلو حياة الإنسان عن العبث والفراغ؛ إلا إذا أدرك حق الله عليه، وقام به على أكمل وجه، وأحسن صورة، عند ذلك لا يَزِل ولا يَضِل ولا تتفرق به السبل، ولا تتشعب به الطرق، ولا تلتوي به المسالك والأهواء، بل يُخْضِع كل شيء لله وحده، وينقاد لأمره، ويصبغ حياته كلها وَفق منهج الله سبحانه، ولا يجعل ساعة لنفسه وساعة لربه، ويوماً للرحمن وآخر للشيطان، وعملاً لمولاه وآخر لهواه، بل كل ساعاته وأيامه لله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فالعقيدة والعبادة، والعلم والعمل، والفكر والنية، والشعور والإرادة، والسكون والحركة، حلقات متسلسلة تدور ليحقِّق المسلم من خلالها معنى الطاعة الكاملة لله، ويؤدي الحق الذي لله عليه، فإذا انقاد لأمره، وأذعن لحُكمه، ولم يقدم بين يديه ورسوله، واتبع بصدق وإخلاص نحو الغاية من خلقه، كان مؤمناً حقاً ومسلماً صدقاً، يعرف حق الله عليه، وحق رسوله ﷺ ، وحق إخوانه المسلمين، لا تنأى به عن تلك الواجبات أهواءُ النفس، ونزغاتُ الشيطان، ولا تصرفه عنها مطالب الحياة، وشواغل الدنيا، ولا تصده عنها أفعال الناس المخالفة لمنهج الله وسنة رسوله ﷺ ولو كثرت واستحكمت، فالدين ما شرع الله وجاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وتسليماته عليه.
إخوة الإيمان: أعَرَفْتُم بعد ذلك حق ربكم عليكم، ومقدار ذلك الحق، وأطره الواسعة، وأوقاته المطلقة، وأزمانه العامة.
إن حق الله على عباده يتلخص في: القيام بعبادته والبُعد عن الإشراك به قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [النساء:٣٦] وقال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢].
قال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ حول هذه الآية ما خلاصتُه: شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته؛ لأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة.
ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يُعبد وحده، ولا يُشرك به غيره، وبهذا قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢].
وفي الصحيحين: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : ﴿يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً﴾.
стр. 992
عتاب لعباد الله
فيا من حق مولاه الإقبال عليه! والتوجه بقلبه إليه، لقد صانك وشرفك عن إذلال قلبك ووجهك لغيره، فما هذه الإساءة في معاملته مع هذا التشريف والتكريم، فهو يعظمك ويدعوك إلى الإقبال، وأنت تأبى إلا مبارزته بقبائح الأفعال.
جاء في بعض الآثار القدسية: أن رب الجلال والعزة يقول: ﴿إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي﴾
وكيف يعبده حق عبادته من ترك سؤاله، ودعاءه، وتذلُّلَه وخوفه ورجاءه، وذبحه ونذره، لمن لا يملك لنفسه فضلاً عن غيره ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، من ميت رميم في التراب، أو بناءٍ مشيد من القباب، فضلاً عما هو شر من ذلك؟!
إخوة الإسلام: كيف يؤدي حق ربه عليه مَن لا يعرف الله إلا في أوقات قليلة، وأزمنة ضئيلة، وأيام معينة، وليال مخصصة، وبقية العمر لَهْوٌ وغفلة وسُبات وشهوة؟ والله ما هكذا عمل المؤمنين، وأتباع سيد المرسلين ﷺ !
стр. 993
عاقبة التقصير في حق الله
إن أعداء الملة والسنة لما وجدوا في بعض المسلمين استنكافاً عن الشهوات، واستعظاماً للوقوع في ظاهر المحرمات؛ جاءوهم من طريق الزيادات والشبهات والمستحسنات والمحدثات، فساروا في هذه السبل، كأن لم يكن بين أيديهم كتاب ولا سنة، وكأن قلوبهم لم تُعمر بجوهر العقيدة، وصفاء الاتباع.
يا أمة الإسلام: إن رسالة المسلمين في الحياة أعم من أن تُحَدَّ بأيام ومناسبات، وتُخَصَّ بليال وذكريات، بل هي رسالة من لا يستكثر على الله عمله، ولا يمن عليه إسلامه.
إن ما حققه المسلمون الأوائل من نصر وفتوحات وأمجاد، إنما مرده بعد توفيق الله إلى قيامهم بحق الله تعالى عليهم، ومن قام بحق الله تعالى؛ أنجز الله له ما تفضل به من حق في الدنيا والآخرة.
واليوم لما قصر كثير من المسلمين في حق ربهم عليهم، وفرطوا في ذلك تفريطاً جلياً، ولعبت بهم الأهواء، وكثر بينهم دعاة جهنم عياذاً بالله، أصبحوا في حالة لا يُحسدون عليها.
فما راء كَمَنْ سَمِعَا
وقد وصل الحال ببعض المنتسبين إلى الإسلام أن يغرقوا في الملذات والشهوات، حتى لكأن حق الله عليهم في هذه الحياة يكمن في التنافس في الشهوات، والتسابق في الملذات، يعيشون حياة الأنعام، يقصدون إلى تحقيق رغباتهم، مأكلاً ومنكحاً ومشرباً، ملبساً ومسكناً ومركباً.
فأمة هذا شأنُها قد هيأت السبيل لأعدائها لإحكام قبضتهم عليها، فتندم ولات ساعة مندم.
وإذا كان العالم شرقيه وغربيه يجعل لحظوظ الدنيا ومتطلباتها حقوقاً يدافع عنها، ويبث حولها الدعايات والإعلانات، ويمد ذلك بالهالات الإعلامية، فالمسلمون أولى أن يقوموا بحق الله عليهم، وحق الله أولى بالوفاء والأداء والقضاء، فيهبوا حياتهم كلها لأداء حق الله تعالى عليهم، ففي ذلك عزهم وسعادتهم، وصلاح أحوالهم في المعاش والمعاد.
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لأداء حقه علينا، وأن يُجزل لنا ما تفضل به علينا، ووعدنا من حق، وأن يصلح أحوال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم، إنه كان حليماً غفوراً تواباً رحيماً.
стр. 994
العبادات توقيفية
الحمد لله وكفى، وأشهد أن لا إله إلا الله المعبود المرتجى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه التي لا تُعد، وعلى إحسانه الذي لا يُحد.
ثم اعلموا عباد الله! أن لربكم عليكم حقاً عظيماًَ، ما خلقكم ورزقكم في هذه الحياة إلا لأدائه والقيام به، فاجتهدوا رحمكم الله في أداء هذا الأمر مدة حياتكم، فإن الموت يأتي بغتة.
أيها الإخوة في الله: إن المسلم الحق لا يعتمد في دينه وعبادته لربه إلا على ما صح النقل فيه عن المصطفى ﷺ ، وخاصة فيما تضاربت فيه الأقوال وكثر فيه الاختلاف، فدين المسلم أعز شيء عنده، فجدير به أن يحفظه عن النقص أو الزيادة.
يا عباد الله: وإنكم في شهر من أشهر الله، قد انتشر بين سواد الناس أن لبعض أيامه ولياليه خصوصية على غيرها من أيام العام، ولها من المكانة والفضيلة ما يجعلهم يَقُوْمُونَها ويُحْيُونَها.
ولما كانت العبادات توقيفية لا دخل للرأي والهوى فيها، فإن كل تخصيص لا بد له من مخصص صحيح، يُؤخذ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فالحق ما جاء فيهما، والدين ما أُخذ منهما.
ولم يصح في فضل ليلة من ليالي هذا الشهر حديث عند المحققين، ولو صحَّ فلا يقتضي ذلك تخصيصها بعبادة لم يفعلها القدوة ﷺ .
فاتقوا الله عباد الله! واحذروا الغفلة عن الله والدار الآخرة، وتحرروا من التقليد الأعمى في أمر الدين والدنيا، وتخلصوا من الآثار والأغلال التي ما أنزل الله بها من سلطان تكونوا من المفلحين.
وصلوا وسلموا على من بلغ رسالة الله أجل بلاغ، وبينها أكمل بيان، فلم يترك نبينا محمداً خيراً إلا دل عليه وأمر به، ولا شراً إلا حذر منه ونهى عنه كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك، يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين!
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رُشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، اللهم أصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أقر أعيننا بصلاح أحوال المسلمين في كل مكان، يا رب العالمين!
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم انصرهم وسددهم وثبتهم، يا رب العالمين!
اللهم بارك لنا في جميع الشهور والأعوام، وبلغنا بمنك وكرمك شهر رمضان، يا رب العالمين!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 995
حقيقة التوكل وأهميته
إن المؤمن الذي حقق التوكل بتفويض الأمور إلى الله وصدق الاعتماد عليه مع بذل الأسباب يعيش قرير العين مطمئن النفس، عالي الهمة، لا يستسلم للشبهات والأوهام، ولا يرضخ لمقولات أهل الزيغ والإجرام، وإن من مظاهر الانحراف عند كثير من الناس في التوكل هو التشاؤم والتطير بالأيام والشهور، والذهاب عند السحرة والعرافين والكهنة والمشعوذين، وكل هذا يخدش في العقيدة والتوحيد.
стр. 996
أثر التوكل في حياة المسلم
الحمد لله، خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأجرى الأمور على ما يشاء سبحانه حكمة منه وتدبيراً، أحمده تعالى وأشكره، لم يزل بعباده لطيفاً خبيراً، وأستعينه وأستغفره وأتوكل عليه، وكفى به عليماً بصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ به المعتصم وإليه الملتجأ، وعليه التوكل، وكان الله على كل شيء قديراً، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله؛ بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، ومن بهداه اهتدى، وسار على نهجه واقتفى، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎، وحققوا إيمانكم لربكم بصدق الاعتماد والتوكل عليه، وتفويض الأمور كلها إليه، يحقق لكم ما وعدكم من خيري الدنيا والآخرة.
إخوة الإسلام: يعيش المؤمن في هذه الحياة رغم ابتلاءاتها ومغرياتها؛ قرير العين هادئ البال، مطمئن النفس سليم القلب، مرتاح الضمير عالي الهمة، نقي السيرة صافي السريرة، لا يعرف الوهن إلى نفسه سبيلاً، ولا يجد الهلع عليه مدخلاً وطريقاً، يواجه أعباء الحياة بقوة إيمان، وثبات جنان ومضاء عزيمة، ورباطة جأش، ومعنوية عالية، لا يخاف من المجهول ولا يهتم مما يخبئه المستقبل؛ لأنه متوكل على ربه ومولاه، مؤمن بقضاء الله وقدره، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، شعاره قول الحق ﵎: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١].
حياته حياة الواثق بنصر الله، المطمئن لوعد الله، المستقيم على منهج الله، الراضي بقضاء الله، لا يستسلم للشبهات والأوهام، ولا يرضخ لمقولات أهل الزيغ والإجرام، يعتقد يقيناً أن المتصرف في الكون إله واحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، هو سبحانه الذي بيده أزمّة الأمور يخفض ويرفع، ويصل ويقطع، ويفرق ويجمع، يغني ويقني، يضحك ويبكي، يميت ويحيي، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، لا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، لا إله غيره ولا رب سواه، بهذه العقيدة يجب أن يواجه المسلم جميع المخالفات والمنكرات، ويثبت أمام سيل التجاوزات والضلالات.
روى الترمذي وغيره في وصية المصطفى ﷺ لأمته ممثلة في ابن عمه عبد الله بن عباس ﵄، قوله ﵊: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ فيا لها من وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها!
قال الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله: تدبرت هذا الحديث فأجهشني وكدت أطيش، إلى أن قال: فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة الفهم لمعناه.
ونحن نقول في زماننا هذا: فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلت الفهم لمعناه والله المستعان!
стр. 997
التوكل حصن حصين من الفتن
معاشر المسلمين: إنه عند حلول الفتن، ووقوع المحن يظهر توجه المتوكلين، وتضييع المتواكلين، وما ذاك -أيها المؤمنون- إلا لأنها معايير دقيقة، ومقاييس منضبطة لسبر أغوار الناس، وإظهارهم على حقائقهم، وامتحان عقائدهم، وصدق توكلهم، والموفق الملهم من كان مع الله في كل أحواله، وعرف ربه في سرائه وضرائه، وسار في كل أموره متوكلاً على الله، معتصماً به ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].
إخوة الإيمان: التوكل على الله مقام عظيم جليل القدر، كبير الأثر، أمر الله به عباده وحثهم عليه، وندبهم إليه في مواضع كثيرة من كتابه، فقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢] وأمر به نبيه محمداً ﷺ فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء:٢١٧] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النساء:٨١] وقال عن رسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢] وجعله سبحانه من مقتضيات الإيمان، فقال تعالى وتقدس: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
كما جعله سبحانه سبباً لنيل محبته ورضاه، فقال جلَّ وعلا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فيا له من مقام عظيم! يحضى صاحبه بمحبة الرحمن، ويتحقق به كمال الإيمان.
معاشر الأحبة في الله: قد جعل الله التوكل عليه شعاراً لأهل الإيمان، يتميزون به عمن سواهم، فقال في صفاتهم: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] وضمن لمن توكل عليه كفايته ما أهمه، والقيام بأمره وإصلاح شأنه، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه ما أهمه من أمور الدنيا والآخرة، قرأ النبي ﷺ هذه الآية على أبي ذر ﵁ وقال له: ﴿لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم﴾ رواه الإمام أحمد وغيره.
وقال ابن القيم ﵀: التوكل نصف الإيمان والنصف الثاني الإنابة، وقد وعد الله المتوكلين عليه الأجر العظيم والثواب الجزيل، ففي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ﴿وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتكلون﴾ وفي الترمذي بسند صحيح عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لو أنكم توكلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً﴾.
стр. 998
حقيقة التوكل وارتباطه بالأسباب
يقول ابن رجب ﵀: وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، أي: أن تكل الأمور كلها إليه وتحقق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا ينفع سواه، قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان، وقال وهب: الغاية القصوى التوكل، وقال الحسن ﵀: التوكل لا ينافي السعي في الأسباب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
والواجب على العبد أن يبذل الأسباب دون الاتكال عليها في تحقيق مراده، بل يتوكل على الله وحده مالك الأمر كله، وقد كان المصطفى ﷺ وهو إمام المتوكلين، يحث على بذل السبب والسعي في الرزق، وهكذا كان أصحابه ﵃ وأرضاهم.
стр. 999
مظاهر انعدام التوكل وضعفه
أمة العقيدة: لقد ربى الإسلام أتباعه على سلامة التوحيد، وصحة العقيدة، وقوة اليقين، والتوكل على الله وحده، وابتعد بهم عن الأوهام والظنون والخيالات التي تعبث بعقولهم، وتجعلهم يتصورون الأمور على خلاف حقائقها، ونهى عن كل ما يخدش سلامة التوحيد وصحة العقيدة؛ من التشاؤم والتطير بالأيام والشهور، والحيوانات والطيور، وأصحاب العاهات ونحوهم، وحارب الذهاب إلى الدجالين والمشعوذين، والسحرة والمنجمين، وتصديق الكهنة والعرافين، وأدعياء علم الغيب والرمالين، ونحوهم من الدجاجلة الكذابين؛ لخطرهم على الدين والعقيدة، والأخلاق والسلوك، وأمن المجتمع، ولتلاعبهم بعقول الناس، وابتزازهم أموالهم، وأبطل كل مسالك الجاهلية واعتقاداتها الباطلة، وترك الناس على دين الطهر والصفاء، والخير والنقاء.
أمة الإسلام: إن التوكل على الله وحده، وتفويض الأمور إليه دون غيره، واعتقاد أنه وحده مالك النفع والضر دون سواه، والبعد عن التطير والتشاؤم؛ أمور يجب على المسلم أن يعتقدها ديناً لله الواحد القهار؛ لا يشركه فيها أحد من الخلق ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥].
إخوة العقيدة: لقد أعز الله هذه الأمة بهذا الدين؛ عقيدة وشريعة، وجعلها متميزة بثوابتها ومبادئها، وألغى جميع مسالك الجاهلية، وما تتعلق به من أوهام وضلالات، وإنه لما فرط بعض المسلمين هداهم الله في عقيدتهم، وضعف عندهم جانب التوكل؛ أصبحت تلمس كثيراً من المظاهر المخالفة للعقيدة الصحيحة، حتى نسي بعضهم خالقه وبارئه، وتعلقوا بأضراب من الأوهام الباطلة، فهذا يتعلق بالمطالع ويرتب عليها نصيبه وحظه، ويسمي هذا طالع سعد وهذا طالع نحس، وذاك مترقب للأبراج يعلق عليها نجاحه وفوزه، وآخر بالشهور والأيام، ورابع بالأعداد والألوان وهلم جرا.
حتى إنه قد لا يسافر ولا يتزوج وقد يعطل بعض أعماله تطيراً وتشاؤماً، فسبحان الله!
عباد الله! جلَّ الله وتعالى الله عما يشرك به المشركون علواً كبيراً.
أبعد هذا -أيها الإخوة في الله- يبقى مستمسك لأولئك الجهلة ومتعلق للمتخبطين في فهم العقيدة! أي دين بل أي عقل عند من يحادَّ الله في علمه وقدرته وتصرفه، بل أي إيمان وفهم ومسكة عقل عند من يذهب إلى الأفاكين ويصدق المضللين؟! أين الدين والعقيدة؟! أين العقول والأفكار؟!
لقد كان أهل الجاهلية يكفون عن القتال في الأشهر الحرم، فإذا حل شهر صفر كثر القتال وانتهكت الحرمات، فيتشاءمون من هذا الشهر، ويعدونه شهر المآتم والأحزان، وهذا وإن كان ليس غريباً على عُبَّاد الأوثان، فإن الغرابة كل الغرابة أن يوجد هذا الأمر عند أدعياء الإيمان بعد أن أبطله الإسلام.
عجيبٌ -يا أمة العقيدة! وغريب يا أهل الشريعة! ويا أرباب الحجى والعقول والأفهام- أن تعبث الخيالات والأوهام ببعض أبناء الإسلام، فماذا تغني الشهور والأيام من يوم الثلاثاء وشهر صفر وعدد ثلاثة عشر، وما ذنب الحيوانات والطيور من الغراب والبوم وماذا تملك الزهرة وزحل؟!
ولكنها أوهام الجاهلين وألاعيب الشياطين، فأفيقوا -أيها المسلمون- من الغفلة عن هذه القضايا المهمة وقووا يقينكم بالله ، وحققوا التوكل عليه سبحانه، واحذوا التطير والتشاؤم؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: ﴿لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر﴾.
أمة الإسلام: إنه حينما يذكر بهذا لأمور -يا رعاكم الله- فإن ذلك يأتي من منطلق الحرص على صفاء العقيدة، والنصح لله ولعبادة، وما لهذه الأشياء من انتشار ورواج في بعض المجتمعات، ويخشى أن ينخدع بها بعض ضعاف الإيمان، ومع أننا في عصر تفتق العقل البشري، ونمو الفهم المادي، والتفجر المعلوماتي، إلا أنه لا تزال مثل هذه الأوهام موجودة في بعض الأوساط والمجتمعات، مما يعقد المسئولية على حملة الشريعة وعلماء الأمة في انتشال الغارقين في لجج هذه الأوهام الباطلة إلى ساحة الإيمان، وبر الأمان وشاطئ الخير والعقيدة والسلام.
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وثبتنا وإياكم على الصراط المستقيم، وأجارنا بمنه وكرمه ورحمته من العذاب الأليم، هذا وبعد قولي سلفاً أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان حليماً غفوراً.
стр. 1000
العقيدة أعز ما لدى الأمة
الحمد لله، من توكل عليه كفاه، ومن لاذ بحماه حفظه ووقاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومن سار على نهجه واهتدى بهداه.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
عباد الله: إن أشد ما ابتليت به هذه الأمة -لا سيما في أعقاب الزمن- دخول النقص عليها في أعز ما لديها؛ في عقيدتها وثوابتها، ومن ذلك ما يعتقده بعض العامة في شهر صفر وغيره من التشاؤم والتطير مما هو مخالف للإسلام، وقد أخرج الشيخان من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الطيبة﴾ ولـ أبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر مرفوعاً، قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿أحسنها الفأل ولا تردُّ مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنة إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ وعن ابن مسعود مرفوعاً: ﴿الطيرة شرك، وما منَّا إلا قد وقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن الله يذهبه بالتوكل﴾ رواه أبو داود والترمذي وصححه، وروى الإمام أحمد أنه ﷺ قال: ﴿من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك﴾.
عباد الله فاتقوا الله واعرفوا منة الله عليكم بهذا الدين، وحققوه قولاً وعملاً واعتقاداً.
ثم صلوا وسلموا -رحمكم الله- على من حمى جناب التوحيد، وسد ذرائع الشرك وطرقه، النبي المصطفى والرسول المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال جل من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ فيما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ﴿من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأدم الأمن والاستقرار في ربوعنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم انصر به دينك وأعل به كلمتك، وارفع به كلمة الحق والعدل يا حي يا قيوم! اللهم ارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم اجعلهم ناصرين لأوليائك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفِّق جميع ولاة المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم رحمة لرعاياهم يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك والمضطهدين في دينهم في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا عزيز، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان وهيئ لهم من أمرهم رشداً، وألف بين قلوبهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن يا ذا الجلال والإكرام! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا ارحم الراحمين.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 1001
ربيع القلوب
إن المؤمن الذي لا يبتغي إلا رضا الله ، ينتهز الفرص ليعبد الله جل وعلا فيها، ويترك الدنيا وراءه ظهرياً، ولذلك تكلم الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن بعض الإجازات التربوية، وهي إجازة الربيع، وكيف نقضي هذه الإجازة في حياة القلوب، والنظر إلى علاجها، وأسباب قسوتها وبعدها عن الله ، ومحاولة إصلاحها بالإكثار من الطاعات والقربات.
стр. 1002
كيف تقضي إجازة الربيع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمداً عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ورضي الله عن صحابته الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأحمد الله ﵎، الذي هيأ لي هذا اللقاء الطيب المبارك بكم في بيتٍ من بيوت الله، التي يجب أن تعمر بذكر الله ، في هذه الليلة نلتقي مع إخوتنا في مدينة جدة، سواء أكانوا من الإخوة المقيمين فيها، أم من الزائرين لها في هذه الإجازة التي تسمى: بإجازة الربيع، ولا شك أن هذه الإجازة وغيرها، ينبغي أن تكون موسماً للخير والفضيلة، وعمارة القلوب بما يقرب إلى الله ﵎؛ لأن الله سبحانه إنما خلقنا لتحقيق العبودية له جل وعلا، وينبغي أن نشغل بهذه الرسالة أوقاتنا كلها؛ أوقات فراغنا وأوقات شغلنا، أوقات صحتنا ومرضنا، أوقات كبرنا وصغرنا يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ونحن اليوم أيها الإخوة الأحبة! في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثرت فيه المغريات، وشغل فيه كثيرٌ من المسلمين عن تحقيق ما يجب عليهم في هذه الحياة، والوقائع والصور والأحوال والحوادث تترجم ذلك، فكثيرٌ من الناس هدانا الله وإياهم في غفلةٍ عما خلق له: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣].
فيجب على العبد إذا أراد نجاته في هذه الحياة، ويوم عرضه على مولاه، أن يعمر أوقاته بما يقرب إلى الله ﵎، وليس معنى ذلك: ألا يجعل الإنسان لنفسه فرصةً للترويح والتسلية وعمل ما يباح من الأمور، لكن أن تكون حياته كلها يطغى فيها الهزل واللهو والعبث، فليس هذا بصحيح، وليست هذه حياة المسلمين الصادقين في إيمانهم ويقينهم.
ولما كان الناس في مثل هذه العطلة والإجازة، تغلب عليهم الغفلة، انظروا إلى أحوال كثيرٍ من الناس الذين أتوا لزيارة هذه المدينة، تجد أن الكثير منهم يفهمون أن مجيئهم لهذه المدينة وغيرها، إنما هو للترويح عن أنفسهم، ولو عملوا ما يغضب الله ، وهذه مصيبةٌ كبرى، ولهذا تجد فئاماً من الشباب، الذين أهملوا واجبهم، وغفلوا عن تحقيق رسالتهم، وضيعوا شبابهم، وأعمارهم، في أمورٍ محرمة، تجدهم يعيشون في مثل هذه الأوقات حياة اللهو، والعبث والمجون، وتضييع الأوقات، وتضييع فرائض الله ، والوقوع في ما حرم ، وهذه مصيبةٌ كبرى، أن يغفل الناس عن واجبهم، وعن تحقيق رسالتهم في هذه الدنيا.
أما المؤمنون الصادقون، المؤمنون الحريصون على ما يقربهم إلى الله، فحياتهم وقلوبهم كلها ربيع؛ ربيعٌ بذكر الله، ربيعٌ بإيمانهم بالله، ربيعٌ بذكر الله وتلاوة كتابه، ومجالسة الصالحين من عباده، يستوي في ذلك عندهم أوقات فراغهم وشغلهم، فكلها في خير، وإن لم يعملوا طاعة فلا يقعوا في معصية، وهذا أمرٌ ينبغي أن يتفطن له الناس، لا سيما في مثل هذه الأيام.
стр. 1003
الأمور المعينة على إعمار القلوب
أيها الإخوة في الله: إن الموضوع الذي أراده إخوتنا في الحديث وللحديث حوله موضوعٌ في غاية الأهمية؛ لأنه يتعلق بعضوٍ هو أهم الأعضاء على الإطلاق، فمعلومٌ أن الله خلق الإنسان في هذه الحياة وصوره فأحسن صورته، ووهبه الجوارح والأعضاء من الأيدي والأرجل، ووهبهه السمع والبصر، لكنه وهبه جل وعلا عضواً هو أهم هذه الأعضاء على الإطلاق؛ ذلكم هو القلب!
فالقلب هو ملك الأعضاء، إذا صلح صلحَ الجسد كله، وإذا فسد فسدَ الجسد كله، كما صح في ذلكم الحديث عن رسول الله ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ بل إني أكاد أقول: إن الأزمة التي تمر بها الأمة بل يمر بها العالم اليوم، هي أزمة القلوب!!
فقلوب الناس إلا من رحم الله قاسيةٌ بعيدةٌ عن الله ، قلوب كثيرٍ من الناس في غفلة عن تحقيق ما خلقت لأجله، أمراض القلوب المستعصية والمنتشرة في هذا الزمان ما أكثرها، ويهون طب الأبدان إذا بلي الإنسان بمرض الأديان، فطب الأبدان أمرٌ سهل يعالج عند أقرب طبيب وأقرب مستشفى، والناس يهتمون به في الغالب، فما أن يصاب الإنسان بمرضٍ في جسده، حتى يهرع لأفخم طبيب، ويسأل عن أحسن مستشفى، بل لربما يسافر الأميال والمسافات الطويلة؛ لأجل علاج مرضٍ جسدي، لكن كثيراً منهم يغفلون عن أمراض قلوبهم، وهي في الحقيقة الأمراض الخطيرة، كثيرٌ من الناس تجده في صحة في بدنه، وفي سعةٍ في ماله، ولكن قلبه مريضٌ بالمعصية، والعياذ بالله، فيجب على المسلمين ويجب على الشباب، ويجب حتى على طلبة العلم، أن يُعنوا بشأن قلوبهم، وليست الأزمة التي يمر بها العالم اليوم، أزمة فكر؟! ولا أزمة مادة؟! ولا أزمة ثقافة؟! بقدر ما هي أزمة صلاح القلوب والأرواح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢].
ويقول الله عن الكفار: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:١٢٧] ويقول عن المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة:١٠] ولكنه أخبر عن أهل الإيمان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن:١١].
فيا أيها الإخوة: إن علينا أن نعنى بشأن القلوب، وبصلاحها، فكثيرٌ من الناس يعتني بجسده، والاعتناء بالجسد إذا لم يكن على حساب الروح والقلب لا بأس به، ولكن أن يُشغل الناس بأجسادهم ويغفلوا عن قلوبهم وأرواحهم، فهذا شأن الغافلين:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
стр. 1004
تربية القلوب بالإيمان
أيها الإخوة: إن كثيراً من المسلمين هدانا الله وإياهم في غفلةٍ عن قلوبهم، ولهذا حرص الإسلام على تربية قلوب المسلمين، وبُعث محمدٌ ﷺ لعمارة القلوب بالإيمان وما يقرب إلى الله ، والنبي ﵊ حينما أنقذ هذه الأمة، لم ينقذها بالسلاح المادي، ولا بالتعبئة الجسدية، وإنما هي في الحقيقة بتربية القلوب على الإيمان، فكان سلف هذه الأمة وصحابة رسول الله ﷺ أقلية في أعدادهم وعتادهم، ولكنهم أرهبوا الأمم، ودمروا جميع الحضارات والعروش الكافرة؛ لأنهم تربوا على الإيمان بالله، وعمرت قلوبهم بما يقربهم إلى الله، وهكذا حال المسلمين في كل زمان ومكان، إذا اعتنوا بقلوبهم وأرواحهم، وحرصوا على عمارتها بما يقرب إلى الله ، وعالجوا أمراضها وأدواءها وما أكثرها، حين ذاك تصلح أحوالهم.
إذا كان المسلمون اليوم أكثر من مليار مسلم، وأحوال الأمة الإسلامية في بقاع شتى، أحوالٌ مبكية، وأوضاع مزرية، فما السر فيما أصاب المسلمين؟!
وما السر في أحوال المسلمين المتردية؟!
إن القضية قضية قلوب، لم تعمر قلوب الناس بالإيمان، وإنما دمرت بالمعاصي والذنوب التي غشت القلوب حتى أعمتها والعياذ بالله، فالقلوب تعمى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
الذين لا يعرفون المساجد، ولا يعرفون بيوت الله، ولا يعرفون القرآن، ولا يعرفون الإيمان، ما هي أحوال قلوبهم؟!
قلوبٌ منتكسة! قلوبٌ ميتة! قلوبٌ خاوية!! والعياذ بالله، ولكن هذا هو العطب، فإنه لا ينجو من عذاب الله، إلا صاحب القلب السليم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
والقلب السليم: هو القلب المؤمن الموحد الذي لم تخالطه الأمور الشركية، ولا الأمور المبتدعة.
ولهذا فإن ربيع القلوب أيها الإخوة! ليس في أن يذهب الناس على الشواطئ، والمنتزهات، والبراري، ويضيعوا الأوقات ويعمروها باللهو والأكل والشرب، ويتركوا الفرائض، ولكنها تعمر بالإيمان بالله.
الأمة اليوم لا ينقصها أعداد، ولا ينقصها عتاد، ولكن ينقصها رجالٌ مؤمنون موحدون، والخير في هذه الأمة باقٍ، وأهل الإيمان ولله الحمد والمنة في ازديادٍ وكثرة، لكن لا تزال الكثرة الكاثرة غثاءً كغثاء السيل، ينبغي أن نعود إلى قلوبنا، فننظر مدى عمارتها بتوحيد الله، نحن أمة توحيدٍ وعقيدة، أمة إيمانٍ بالله ، وهذا هو الذي يعمر القلوب في الحقيقة، فينبغي على المسلم أن يحرص على الإيمان والتوحيد علماً وعملاً واعتقاداً، وأن يجالس أهله، وأن يبتعد عما يخالف العقيدة الصحيحة؛ فإنها تخدش إيمانه، وتسود قلبه، وتجعله معرضاً عن الله .
стр. 1005
إعمار القلوب بالإقبال على كتاب الله
كذلك من الأمور التي ينبغي أن تعمر فيها القلوب وتحيا: الإقبال على كتاب الله، الإقبال على القرآن يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧] نعم.
شفاء لما في الصدور، شفاءٌ من أمراض الشهوات، وأمراض الشبهات التي تصد القلوب عما يقرب الله .
ونحن اليوم أيها الإخوة! في عصرٍ أصيبت به كثيرٌ من القلوب بالوهن، والمرض، والفيروسات التي تضر القلوب كثيرةٌ جداً، فيحتاج الإنسان إلى مراجعةٍ جادة، ومحاسبة دقيقة لقلبه وإيمانه.
إذا نظرت فيك ضعفاً في الاعتقاد، وضعفاً في الإيمان، فارجع إلى قلبك.
إذا رأيت في نفسك تساهلاً في الصلوات فارجع إلى قلبك.
إذا نظرت إلى قلبك ونفسك تبغض أهل الخير، وتضيق في مجالستهم، ومجالسة الذكر وحلق العلم، فداو قلبك فإنك مريض.
إذا رأيت نفسك ميالةً إلى الغناء والمزامير، فداو قلبك فإنه مريض.
إذا رأيت قلبك منساقاً إلى الشهوات، والتوسع في المباحات، تحب أصناف المأكولات، وتجعلها شغلك الشاغل، وتحب المغريات والماديات، ولا تتحدث إلا عن الدنيا، فارجع إلى قلبك فإنه مريض
يعاني المسلمون وتعاني المجتمعات، بل يعاني العالم اليوم من أمراضٍ نفسية؛ قلق، اكتئاب، انفصام الشخصية، أمراض نفسية، كثرة الوساوس والهموم، كثرة المس والسحر والشعوذة، وما إلى ذلك.
والسبب: أن القلوب غُفِل عنها.
فينبغي أن يعلم الناس: أن ما أصيب به العالم اليوم، إنما هو بسبب خواء القلوب من الإيمان، أو ضعف الإيمان فيها، ولا يمكن أن يعالج أصحاب الأمراض النفسية عند الأطباء النفسيين الماديين، مهما علت مراتبهم ومؤهلاتهم وشهاداتهم، لا علاج إلا القرآن وشفاءٌ لما في الصدور: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [الإسراء:٨٢].
فهذا هو العلاج؛ الإقبال على القرآن!! لكن مع الأسف أن كثيراً من المسلمين هدانا الله وإياهم انصرفوا وغفلوا عن القرآن وتلاوته وحفظه، ومراجعة معانيه وتدبر آياته
بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن بعض المنتسبين إلى الخير، وأهل الالتزام والإقبال على الله، هم في تقصير مع القرآن، ونحن لا نريد شباباً التزامه هشَّ، والتزامه ظاهري، وإنما نريد قلوباً يعمرها الإيمان والقرآن.
فيا أيها الشباب: ويا طلبة العلم! إن أهم ما عنيتم به، وينبغي أن تعتنوا به: الإقبال على القرآن، حينما يأتي إليك شابٌ ملتزم ظاهره الصلاح، ولكنه لا يحفظ القرآن، أو لا يقرأ القرآن قراءةً صحيحة، فإن في التزامه دخناً، وينبغي أن يعالج نفسه، وأن يعرف أن التزام القلوب وصلاحها أهم من التزامه ظاهراً، وإن كان الأمران جميعاً مطلوبين لكنَّ العناية بأمور الباطن، وأمور القلوب، هي الأمور التي ينبغي أن تستحوذ على همم أهل الخير والصلاح.
نعم، ينبغي أن يتربى الشباب على القرآن، وينبغي أن يعنى الدعاة إلى الله بالقرآن، نرى كثيراً من الناس، ينصرفون إلى قضايا فكرية على سبيل المثال، وهذا لا محظور فيه، ينبغي على الإنسان أن يكون فكره فكراً نيراً صحيحاً سليماً، وليس مخلطاً، ولا ملوثاً باللوثات المنحرفة، لكن لا نربي نحن فكراً مع خواء الروح والقلوب، ينبغي أولاً: أن نعنى بشأن الإيمان والعقيدة والعلم الشرعي الذي نواته الإقبال على كتاب الله وتلاوته وحفظه، وخذ من أمور الفكر بطرف، وكن على معرفة، وخذ من أمور الواقع ومعرفة أحوال المسلمين بطرف، لكن لا يكون هذا هو الاهتمام الكلي، ينبغي أن تعمر القلوب بالذكر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
في عصر القلق والاكتئاب، والمصائب والأمور النفسية، لا طمأنينة للقلوب إلا بالإقبال على الله، فحياة القلوب بذكر الله والإيمان به: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
فينبغي على المسلم: أن يعنى بكتاب الله، لا سيما الشباب وطلبة العلم والأخيار والملتزمون، ينبغي أن يعنوا وأن يربوا أنفسهم على القرآن، لأننا نرى أن قلوب بعضهم قاسية، وتحتاج إلى من يلينها، ولا ملين إلا كتاب الله .
وفي المقابل أناسٌ يعتنون بالأمور القلبية، ويهتمون بها، وقد يحدثون في دين الله من الأذكار ما ليس منه، وهذا أمرٌ ليس بصحيح.
ينبغي على المسلم أن يعلم: أنه لا حياة للقلوب إلا بالسير على منهج السلف الصالح، والتزام سنة النبي ﷺ ، والبعد عن المحدثات، ولهذا شطح كثيرٌ من أرباب التصوف لما اعتنوا بالأمور القلبية، ولكنهم لم يهتموا بالبناء على العلم الشرعي، والعقيدة الصحيحة، واتباع سنة النبي ﷺ .
فنظروا إلى الإسلام، إلى الجوانب القلبية، وهز الرءوس والتقشف والزهد، دون أن يبنى ذلك على عقيدة صحيحة سلفية، وإيمانٍ وقرآن، واتباع لسنة الحبيب المصطفى ﷺ .
стр. 1006
سلامة القلوب من أمراض النفوس
كذلك أيها الإخوة: مما ينبغي أن يعتني به المسلم لصلاح قلبه ولدواء قلبه: أن يكون القلب سليماً؛ سليماً من الدخل والدخن، وسليماً أيضاً من اللوثات التي تلوث القلب، ومما يكون في النفوس والقلوب والصدور: من الغل، أو الحقد، أو الحسد، أو البغضاء، أو الشحناء على أحدٍ من المسلمين، طهارة القلوب من هذه الأدواء والأمراض طريقٌ لربيعها وصلاحها.
أما أن تكون القلوب مليئة بالأحقاد، والحسد، وتتبع العثرات، وتلمس النقائص والسوءات، فهذا مرض ينبغي أن يعالج أصحابه قبل أن يستفحل أمرهم.
وإذا نظرت إلى أحوال الناس اليوم، تجد أن هذه الأدواء تضرب بأطنابها في قلوبهم، فأصيب الناس بالفرقة والخلاف، ووجد في الصدور والقلوب ضد المسلمين، بل ضد طلبة العلم، والدعاة إلى الله، والعلماء، وهذه مصيبة أن يوجد هذا في قلوب الإسلام، وأهل الإيمان، فالحسد، والكيد والبغضاء، والشحناء خطرها عظيم، وضررها جسيم، ينبغي للمسلم أن ينور قلبه، ويعالج أن تقع فيه هذه الأدواء، فتحب لإخوانك المسلمين ما تحب لنفسك، وتدعو لهم، وتعرف فضلهم، وخيرهم، وسبقهم، وتعرف حسناتهم، أما أن تلغي الإنسان لمجرد خطأ وقع فيه، أو سوء ظنٍ منك، أو حرصٍ من الشيطان على أن يوقع بينك وبين إخوانك، فلا تجد هماً لك، إلا أن تبث الفرقة والخلاف في الأمة، فهذا داءٌ خطير، وينبغي أن يُفهم من هذا أنه ليس معنى ذلك، أننا لا نبين الأخطاء، لا.
ينبغي أن يبين الخطأ، كائناً من كان من أتى به، لكن لا داعي إلى التشهير، والتعيير والتجريح والثلم، بشكلٍ ظاهر، ويجعل الهوى متمكناً ودليلاً على أصحاب هؤلاء على هذا الفعل، وهؤلاء الذين يقومون به.
أرجو أن يفهم ما أردت تماماً، فنحن لا نجامل في عقيدتنا، ولا في إيماننا، وينبغي أن يقال للمخطئ: أخطأت حتى لا يغتر الناس بالخطأ، لكن نلتمس المعاذير، المؤمن يلتمس المعاذير والمنافق يتتبع الزلات، من الذي لا يخطئ؟! ومن الذي ما ساء قط؟!
الناس كلها تخطئ فلو أن واحداً من الحاضرين أتى اليوم لتتبع خطأ المتحدث، لكان هذا أمراً خطيراً أن يأتي الإنسان لأجل أن يتتبع الأخطاء، اسمع الكلام واعرف المراد منه، وكن حسن الظن بإخوانك المسلمين، سليم النية، طيب الطوية، لا تحمل في قلبك غلاً ولا حقداً ولا حسداً على أحدٍ من إخوانك المسلمين، ولو كان عامياً، فضلاً عن أن يكون طالب علم، أو أن يكون معروفاً بالخير والحرص على ما يفيد الأمة، ولا ينافي هذا كما قلت أننا نبين الخطأ ونذكره حتى لا يغتر به الناس، ولا نغلو في أحدٍ من الناس كائناً من كان، الحق أحب إلينا من الرجال، لكننا نعرف للمحسن إحسانه، وندعو للمخطئ ونسأل الله أن يغفر زلَلَه، هذا هو منهج المسلم الحق.
أما الذين يعمرون قلوبهم بالغل والحقد والشحناء، ويربون الناس على هذا، ويربون الشباب على هذه الأمور، وعسى ألا يكون أحداً منهم موجوداً، وهم قلة ولله الحمد والمنة، فهذا أمرٌ ينبغي أن نتنبه له.
стр. 1007
أسباب حياة القلوب وسلامتها
إذا أردنا أن نركز في الحديث لنضع أسباب حياة القلوب وسلامتها، فنقول:
стр. 1008
أولاً: الإيمان والعقيدة
الإيمان القوي، والاعتقاد السليم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].
стр. 1009
ثانياً: القرآن حياة القلوب
القرآن مادة حياة القلوب، وكم نسمع من كتاب الله في مقابل ما نسمع من غيره؟ وكم نقضي من الأوقات مع كتاب الله في مقابل ما نقضي من الأوقات مع غيره؟ حتى لو كان الإنسان في طلب علم، فينبغي أن يركز على القرآن، ويجعل لكل فنٍ قدراً.
стр. 1010
ثالثاً: ذكر الله
قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
أين الذاكرون الله كثيراً، والذاكرات؟! هم ولله الحمد موجودون، لكنك إذا نظرت إلى الحياة الصاخبة من حولك تجد أن هؤلاء قليل في عموم كثير من الناس.
ينبغي أن نعمر القلوب بذكر الله، حتى بعض أهل الخير، وبعض المحسوبين على الصلاح، وهم من أهل الصلاح، تجد قلوباً قاسية، ذكرهم لله قليل؛ وهذه صفة من صفات المنافقين، عافانا الله وإياكم قال تعالى: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢].
فينبغي على المسلم أن يعود لسانه دائماً ذكر الله، يذكر الله في جميع أحيانه وأحواله، كما كان ﵊.
وإذا نظرت إلى التربية من حولك تجد العجب في موضوع التربية، فبعض الناس يتربى على أمورٍ بدنية وجسدية، وبعضهم يتربى على أمورٍ عقلية وفكرية، وآخرون على جوانب وعظية في قلة من العلم، وأناسٌ قبعوا في مكتباتهم، يدَّعون أنهم على علم، والمسلم يأخذ من جميع هذه الجوانب التي يستطيع أن يكمل بها شخصيته.
فأولاً: الاعتقاد السليم، ثم العلم الشرعي، الذي ينبغي أن نحرص عليه، وأن يحرص شبابنا عليه.
أيضاً: ذكر الله ، وفيه الأجر العظيم، والخير الكثير يقول تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
﴿مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره مثل الحي والميت﴾.
فذكر الله أمره عظيم، لكن تقصيرنا فيه عجيب، التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى ﵊، كل ذلك مما يعمر القلوب، لكن الناس في غفلة، أما المنحرفون، فصدتهم الأغاني الخليعة، والمزامير، والكلمات الخادعة والمبتذلة، وهؤلاء ينبغي أن يُدْعَوا، وأن يفيئوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربهم، قبل أن تحلَّ بهم ساعة الاحتضار، فيندم حيث لا ينفع الندم، وكثيرٌ من الناس حتى من أهل الخير والصلاح مقصر في هذه الجوانب، فعلى المسلم أن يكمل نفسه في هذا الأمر.
стр. 1011
صفاء القلوب
أيضاً من أسباب علاجها وحياتها: صفاء القلوب من الغل والحقد والحسد والبغضاء، وليس المسلم مطالباً بالنقد، كما يحاول بعض الناس أن يحرص على هذه الأمور بقدر ما هو بحاجة أن يكمل نفسه، قبل أن تنتقد الآخرين كمِّل نفسك أنت، وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها، وقوِّمها على طاعة الله ، أما أن يتربى الشباب وهم صغار في مراحل المتوسطة والثانوية على النقد، فلا يتركون أحداً إلا نقدوه؛ نقدوا العلماء، ونقدوا الولاة، ونقدوا العالم جميعاً، ومعنى أن الذي يصدر نفسه للنقد أنه يرى أنه هو السالم من الأخطاء وأن الناس كلهم على خطأ، نعم.
نحن مطالبون بالنصيحة الشرعية، ونعرف أسلوبها، فللولاة أسلوبهم في النصيحة، وللعلماء إن قصروا أسلوب، وللدعاة والعلماء وطلبة العلم بعضهم مع بعض أسلوب، لكن أن تظل الأمة في فرقة وخلافات، وكلٌ يدعو لنفسه وينتصر لنفسه، ويرى أنه هو الذي على الحق، ويظل الناس في حيرة واضطراب، فهذا هو البلاء الذي وقع فيه كثيرٌ من الناس، حتى انفصمت عرى المحبة والأخوة، وأصبح الإنسان لا يهتم إلا بنقد الآخرين، وهذه مصيبة.
стр. 1012
الأخوة والمحبة في الله
أيضاً من الأمور المهمة: أن نعلم أننا إخوة في الله، ومتحابون في الله، وأن محبتنا وأخوتنا تسمو على الخلافات، ووجهات النظر، ولهذا ينبغي أن يعرف المسلمون ولا سيما طلبة العلم، آداب الخلاف، تعرف ما هي الوسائل والأسباب والمسائل والفروع التي لا غضاضة فيها أن يوجد بين طلبة العلم خلافٌ فيها، وبين الأمور التي لا عذر للإنسان في الخلاف فيها.
إي نعم، فهذه مسائل مهمة جداً، ولا يمكن أن يعملها الناس إلا باصطحاب العلماء، وملازمتهم، وثني الركب في حلق العلم والعلماء، والاستفادة منهم، مع سلامة الصدور لأهل الإيمان.
لا تصاب بالأسى والأسف، إلا حينما يأتيك أحد، ويقول: ما رأيك بالعالم الفلاني؟ من أنا ومن أنت حتى نتكلم في هؤلاء؟ لكن إن أخطأ أحد فنصحه واجب وخطؤه مردود عليه، وينبغي أن يبين، لكن ينبغي ألا يكون الهوى وهو المرض الخطير الذي تصاب به القلوب: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] فالهوى مرضٌ خطير إذا أصاب القلوب أعماها، وأقفلها، ولا علاج للهوى إلا بتقديم النصوص والبعد عن الهوى.
فيا أيها الإخوة: هذه جملة من أسباب حياة القلوب: الصفاء، والأخوة، والمحبة في الله ، هي التي ينبغي أن تعمر قلوب الناس، مع ما سبق بيانه.
стр. 1013
المعاصي والذنوب من أسباب مرض القلوب
ومن الأخطار الخطيرة التي ينبغي أن يتنبه لها الناس؛ أسباب مرض القلوب، وأسباب قسوتها من الوقوع في الأمور المحرمة، لا سيما الأمور الشركية والبدع والمحدثات.
المعاصي والذنوب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] ولهذا ورد في الحديث: ﴿إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتةٌ سوداء فإن تاب وأقلع صقل منها، وإن عاد عادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله يقول الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]﴾.
فالناس اليوم عمتهم الذنوب والمعاصي إلا من رحم الله، في جميع الجوانب؛ في البيوت وفي الأسواق، وفي المنتزهات، وعلى الشواطئ، وفي الشوارع، ذنوب تتعلق بالاعتقاد والعبادات -يعني في جانبها- وفي الأخلاق والقيم في تقصير الناس في هذه الأمور، لا سيما في مثل هذا العصر، الذي هو عصرٌ غزي فيه المسلمون بوسائل جديدة تبث الفساد والانحراف، وتقضي على صحة القلوب، فينبغي على المسلمين أن يحذروا هذه الأمور.
من أسباب أمراض القلوب: الإعراض عن ذكر الله ، وعدم تدبر القرآن يقول الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] الإعراض عن القرآن سببٌ لموت القلوب.
стр. 1014
أسباب علاج القلوب
.
стр. 1015
مراجعة العلماء وعدم استخدام أسلوب التشهير
إن الوقوع في الحسد والغل والحقد والبغضاء، والوقوع في أعراض المسلمين، وأمراض الغيبة والنميمة، وكلام الناس بعضهم ببعض، كل ذلك من أمراض القلوب، فلو كان القلب سليماً للزم اللسان الصمت، ولم يذكر إلا الخير، وإذا كان هناك من خطأ فينصح صاحبه سراً، لا سيما إذا كان من العلماء، أو إذا كان من المسئولين والولاة، فليس من العلاج أن يتكلم الناس في المجالس وفي المنابر على أخطاء الناس ولاةً أو غير ولاة، أو علماء، فللولاة نصحهم المشروع، ينصحون فيما بينك وبينهم، ويبين لهم وهذا دليل صدقك معهم، وسمعتك وطاعتك لهم بالمعروف.
أما الذين يشهرون فهؤلاء لا يحلون مشكلاً، ولا يغيرون منكراً، ويوغرون صدور الناس على من ولاهم الله أمرهم، وعلى علمائهم، وعلى أهل الخير فيهم.
فينبغي أن يتواصى المسلمون، وأرباب الإصلاح في معرفة الطريق الصحيح، ولقد ثبت بالتجربة أن أسلوب التشهير ليس طريقاً للعلاج، وإنما قد يضر الدعوة وأهلها، إنه لا طريق للعلاج إلا الالتحام بعلمائنا الكبار ذوي العلم والخبرة والتجربة وممن لا يشك أحد أنهم ممن أنصح الناس لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لكنهم لعلمهم وفقههم وتجربتهم الطويلة عرفوا طريق العلاج.
أما أن يأتي الإنسان بغيرته وحماسه وهذه تحمد فيه، لكن ينبغي أن يكون ذلك مهذباً ومنضبطاً بالضوابط الشرعية، ومأخوذاً من أهل العلم ومرجوعاً فيه إلى القيادات العلمية التي تعرف وتوصل إلى الطريق الأسلم في هذه الأمور حتى لا تقع الأمة في فتن لا يعلم مداها إلا الله.
أيها الإخوة: الربيع وربيع القلوب موضوعٌ جد مهم، وينبغي أن نُعنى به غاية العناية وأن نهتم به، والحقيقة هي كلمات ذكرتها وخواطر في النفس والقلب أبثها لكم راجياً أن تكون موقظةً للقلوب، لأننا بحاجة أن نسمع الخير والذكر فتنفتح له قلوبنا.
أما أن نسمع ولا نتأثر وتظل القلوب على ما هي عليه فهذا مرض، ولهذا فكل مسلم، وكل من سمع هذا الحديث فإنني أطالبه أن يعرض اليوم قلبه على العيادة الصحية التي هي -الحقيقة- ما ذكرناه من الأمور؛ الإيمان، القرآن، الذكر، العلم، صفاء القلوب، الأخوة في الله ، ذكر الله ، وما إلى ذلك، وعليه أن يعالج القلب أكثر من أن يحرص على علاج بدنه، وهذه قضية تربوية ينبغي أن نربي الأبناء والبنات والأسر، على العناية بقلوبهم:
وإذا حلت الهداية قلباً نشطت بالعبادة الأعضاءُ
ولو أن الدعاة إلى الله والمصلحين ركزوا على موضوع القلوب عقيدةً وإيماناً وذكراً؛ لأصبح الحال أحسن مما هو عليه، ولتوارت كثير من الأخطاء الموجودة في الساحة ولسلمت القلوب، أما أن يُعتنى بقضايا أخرى على حساب هذه الأمور فذلك تقصير في حق هذا الموضوع المهم، وإن شاء الله أن يكون عرض هذا الموضوع في هذه الإجازة التي يظن كثيرٌ من الناس أنها ربيعٌ للأبدان، ربيعٌ للأجساد، يتمتعون بها، لكنهم قد يقضون على قلوبهم والعياذ بالله.
стр. 1016
أكل الحلال والبعد عن الحرام
أيضاً من أسباب علاج القلوب أيها الأخوة: أكل الحلال، والبعد عن الحرام، أكل الحرام يضر في القلب، وحدِّث ولا حرج اليوم عن المعاملات التي يتعامل بها كثيرٌ من الناس وهي محرمة، وما ذلك إلا لأن الدنيا طغت على القلوب والعياذ بالله.
стр. 1017
غض البصر والبعد عن الوسائل المغرية
أيضاً: غض البصر، والبعد عن الوسائل المغرية، ولهذا الذين يقعون في الفساد والانحراف تجد أن الشهوة هي التي كانت سبباً وراء وقوعهم في هذه الأمور، ولهذا على الإنسان أن يعالج الشهوة التي في نفسه بالعلاج الشرعي وهو الزواج أو الصيام والبعد عن الوسائل المغريات.
стр. 1018
حرص الشباب على عمارة القلوب
فيا شباب الإسلام: احرصوا على عمارة قلوبكم بما يقربكم إلى الله، ربوا القلوب على القرآن، وعلى الإيمان، وعلى ذكر الله ، والبعد عما حرم الله .
هذا الأمر الذي ينبغي أن أنبه عليه، ولعل في هذه الكلمات ما يكفي ويشفي في هذا الموضوع، والحقيقة أنه موضوعٌ هام، جاء ذكر القلوب في كتاب الله قرابة مائة واثنين وأربعين مرة، وما يتصرف عن كلمة قلب، وقلوب ونحوها.
وأما في السنة، ففي أحاديث كثيرة قرابة أربعمائة أو تزيد، فهذا دليل على العناية بهذا الجانب المهم، والرسول ﵊ إنما ربى قلوب الأمة، ولهذا الآن يتساءل كثيرٌ من الناس في منهج الدعوة الصحيح وطريق الدعوة الصحيح، ونحن لا نخطِّئ، أو لا نقع في عرض أحد من الناس أفراداً أو جماعات، ولكن يهمنا أن يسلك شبابنا المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله، وهي أن يعلموا أنه لا طريق للدعوة إلا عن طريق دعوة محمد بن عبد الله ﵊.
فهذه الفُرقة التي مُني بها الناس، لا سيما في شأن الدعوة ينبغي أن تُحل بأن يسلك الجميع طريق النبي ﵊ في الدعوة من التركيز على العقيدة والإيمان والقرآن والعناية بالقلوب، وأن يكُمِّل الإنسان نفسه من الأمور التي يحتاجها عصره وواقعه، ولا غضاضة في ذلك، المهم أن نبني الناس على منهجٍ شرعي سليم، على العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﵊، مع أنه ينبغي أن نحرص -كما قلت- وأكررها لأننا في مصيبةٍ عظمى، منها: في قضية الفرقة والخلاف، فلنحذر ولنعرف أدب الخلاف، ولنعرف مساغات الخلاف، وما يسوغ فيه الخلاف، وما لا يسوغ فيه، ولتسلم صدورنا لإخواننا الدعاة، ولإخواننا العلماء، ويعلم الله أننا نحب الحاضرين جميعاً، وإخواننا طلبة العلم والدعاة إلى الله نحبهم في الله، ولا نعرفهم، أو قد لا نعرفهم ما دام أنهم على الخير وعلى المنهج وعلى الطريق الصحيح، هذا الذي ينبغي أن نسلكه، أما أن نقع في مشكلات ومصائب وفرقة وخلافات لا أول لها ولا آخر، فهذا يستفيد منه العدو المتربص.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وأرانا الحق حقاً ورزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه، وأصلح قلوبنا وأعمالنا بمنه وكرمه، كما نسأله تعالى أن يجمع قلوب المسلمين على الحق والهدى، وأن يوفق ولاة أمورهم لما فيه خير الإسلام وصلاح المسلمين، وأن يوفق علماءهم ودعاتهم لبذل المزيد من التوجيه للأمة الإسلامية جميعاً، وأن يرزق الشباب وطلبة العلم الوحدة والاتفاق، وأن يبعدهم ويجنبهم نزغات الشيطان والهوى بمنه وكرمه، كما نسأله تعالى أن يصلح ضال المسلمين، وأن يهيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 1019
الأسئلة
стр. 1020
علاج قسوة القلوب
السؤال
فضيلة الشيخ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إنني أشعر بعدم استقرارٍ من أمري، فساعةً يرق قلبي وأشعر براحةٍ وسعادة، وساعةً يقسو قلبي، فماذا أفعل ليستمر قلبي في رقةٍ وسعادة وشعورٍ بحلاوة إيمان.
جزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا هو موضوع الكلمة التي تكلمت فيها، نعم، أقبل على الإيمان والذكر وتلاوة القرآن، وهذا الكلام ليس كلاماً عاماً بل إننا نطالب أن يكون مبرمجاً، وأن يكون الإنسان مرتباً لوقته، ويضع للقرآن نصيباً، ويضع للذكر شيئاً من وقته، بل الأوقات الشرعية في هذا، ويحرص على أن يكون لسانه رطباً بذكر الله ، وأن يصاحب الأخيار، وأن يبتعد عن الأشرار، وأن يحصن نفسه عن المغريات والشهوات، كل ذلك من الأمور التي يُعالج فيها مرض القلب.
فعليك أيها الأخ السائل أن تقبل على هذه الأمور التي ذكرناها وأن تحذر أمراض القلوب، التي يقع فيها الناس لشهوةٍ عارضة أو شبهة، أو هوى أو شينٍ في القلوب، أو ما إلى ذلك من الأمور التي تحصل.
قسوة القلوب مرض، أصيب به كثيرٌ من الناس: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] والمؤمنون قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] فعلى هذا السائل وغيره أن يسير على ما قلناه وأن يتحرى الحلال الطيب ومجالسة الصالحين، وإذا حصل هناك قصور في المنهج، فإنه يبين لإخوانه، أن يعتنوا بالإيمان، ويعتنوا بالعقيدة والعلم الشرعي، وعمارة القلوب بذكر الله وأن لا تضيع أوقاتهم سدىً.
كثيرٌ من الناس يضيعون أوقاتهم سدىً، إن سألته عن الاهتمامات التي يهتم بها بجسمه تجده يجيبك فيها من أول وهلة، وقد يكون متخصصاً وعارفاً لها تماماً، لكن لو يسأل عن آية من كتاب الله، أو حديثٍ من أحاديث الرسول ﵊، أو مسألة علمية تجده قد لا يجيد جوابه.
فالحقيقة أننا بحاجة إلى أن نتواصى في أن نعمر أوقاتنا وأن نرتبها ونضبطها حتى لا تضيع، كثيرٌ من الناس ضاعت أوقاتهم بتتبع أخطاء الآخرين، وكثيرٌ من الناس ضاعت أوقاتهم بمجالسة بعض الإخوة الذي يرفهون عنه ويسلونه ويضحكونه ويمازحونه ويجد عندهم سلوى في تضييع الوقت، ولكن ينبغي أن تروض القلوب على الأمور الجادة؛ العلم، حضور دروس العلماء، أن يكون له وردٌ يومي من القرآن، له وقت يقرأ فيه كتب السلف، في زيارات المشايخ والعلماء، وما إلى ذلك، حتى يسير الإنسان في هذا الدرب، ويبتعد عن الأمور التي يعانيها قلبه.
وهناك قضية مهمة جداً قضية ثبات القلوب، ولهذا كان الرسول ﵊، كثير الدعاء بهذه الدعوة: ﴿اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك﴾ دعوةٌ عظيمة أيها الإخوة! إذا كان الرسول ﵊ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يدعو بهذه الدعوة، وتقول له عائشة: ﴿إني أراك تكثر من هذا الدعاء، فيقول: وما يأمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء﴾.
نعم، من يأمن على قلبه من العطب، والانحراف، والعياذ بالله لا سيما في هذا الوقت الذي كثرت فيه المغريات والشهوات، ولهذا لا تستبعد حينما ترى أناساً، تراهم اليوم بهيئة الصلاح وتراهم بعد فترة وقد تغيروا.
أيها الإخوة: إن علينا أن نبني أنفسنا وقلوبنا بناءً محكماً، إذا كان الإنسان يريد أن يبني له عمارة سكنية يهتم بالقواعد والأساسات، فكذلك القلوب؛ القلوب التي تربت على اللهو والغفلة والتضييع، هل يظن أنها ستقدم خيراً للأمة والمجتمع؟! حتى القلوب التي تربت على جوانب من الأمور الهشة في التربية، هل يراد، أو هل تستطيع أن تقف أمام عاتيات الانحراف، والشبهات، والأمور التي ترد كثيراً؟!
ولهذا تجد حتى بعض الناس من أهل الخير، قد تجدهم والعياذ بالله، ينكصون على أعقابهم، وهذه مصيبة.
فينبغي أن نكثر من هذا الدعاء العظيم، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.
نعم أمراض الشهوات، فتن، مغريات، وسائل إعلام، صحف، مجلات منحرفة، بث مباشر، أو ما يسمونه، أقمار قد تجلب الفساد للأمة، فعلى المسلم أن يكون على حذر، وأن يحصن نفسه في وقت المغريات، قرناء السوء لا كثرهم الله، الذين يريدون أن يؤثروا على الشباب.
فعلى المسلم أن يحذر من هذه الأمور، وعلى الإخوة الطيبين أن يعلموا إن أرادوا الثبات على هذا الدين فلا مثبت لهم بعد الله إلا سلوك الطريق الصحيح والبناء المحكم في التربية، على ماذا ربي؟ على عواطف، واندفاعات، وأمور فكرية وواقعية فحسب! هذه لا تكفي، ينبغي أن نربي على الإيمان والعقيدة، ولهذا كان الصحابة ﵃ مع قلة عددهم، ماذا يسر الله لهم، بأنهم صدقوا في إيمانهم، وهكذا لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله، أن يربى الشباب على القرآن، لا يربوا فقط على كتبٍ وافدة، ونحن في هذه البلاد وأقولها من باب التحدث بنعم الله، فليست تزلفاً ولا مجاملة، ولا نفاقاً، ولا تظنوا بأخيكم إن شاء الله هذا الظن: أننا في نعم، حقيقة، ومن أهم النعم وحدة المنهج، نحن في هذه البلاد جماعة واحدة، حمى الله هذه البلاد من الفرقة والخلافات والمشكلات التي عصفت بالمجتمعات الأخرى؛ لأن هذه البلاد على دعوة منذ دعوة محمد بن عبد الله ﵊، وإلى دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومناصرة ولاة الأمر لها، وإلى اليوم وعلماؤنا وولاتنا وشبابنا جماعةٌ واحدة، فلسنا بحاجة أن نتلفت يمنةً أو يسره، أو نستورد مناهج جديدة في الساحة، مع أن الإنسان قد لا يتكلم الآن هل هي حق أو باطل، ولا ينبغي أن يشغل الشباب فيها أنفسهم، بل يحمدوا الله على هذه النعمة، ويثبتوا عليها.
والقصور موجود، الخطأ يرد، وهذه البلاد قد تكون محسودة لهذه النعمة، لكن علينا أن نحذر، وأن نعالج بطرق العلاج الصحيحة، لا أن نسعى لطريق العلاج، بما قد يشق شقاً كبيراً في الأمة يصعب علاجه فيما بعد.
следующие страницы →