← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حكم الذهاب إلى الكهنة السؤال لو ذهب شخص إلى أحد الكهنة لكي يخبره عن المولود القادم له هل هو ذكر أو أنثى، وما ذهب إلا حباً للاستطلاع، لكنه لا يصدق ما يخبر به، فما حكم ذلك؟ الجواب ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي بعض الروايات: (من أتى كاهناً) بدون (فصدقه)، فإتيانه حرام لا يجوز لأمور. أولاً: لأن فيه تكثيراً لسواده وتعظيماً له. ثانياً -وهو الأخطر-: اعتقاد أنه يعلم الغيب، وإلا لما ذهبت إليه، فلماذا لم تذهب إلى غيره لتقول: هل مولودي ذكر أو أنثى؟ إذاً ما ذهب إلى هذا الكاهن إلا وهو يظن أنه ربما يصدق في قوله، ونحن نعلم أن الكهنة في الجاهلية كانوا يسترقون السمع، يركب الجن فوق بعض حتى يصلون إلى السماء فيسمعون الوحي، فإذا سمعوا به ربما قيل: يؤمر السحاب بأن يمطر بلد بني فلان في يوم الثلاثاء. فأحياناً يدركه الشهاب فيحرقه، وأحياناً يبلغه قبل أن يدركه، فتصل إلى الكاهن فيقول الكاهن: يوم الثلاثاء سيأتي مطر لبني فلان. قال ﷺ : (فيضيف إليها تسعاً وتسعين كذبة)، وكل الكذبات يتبين كذبه فيها، لكن لأنه صدق في تلك المرة تتعلق النفوس به، فيقال: ألا ترون أنه صدقنا في يوم كذا. لكن بعد ذلك حرست السماء، فلا مجال لاستراق السمع أبداً، أي أنه لا مجال لأي إنسان مهما بلغت قدرته أن يطلع على الغيب، لكن أن يطلع على ما يمكن أن يطلع عليه بالأسباب هذا أمر لا شيء فيه، لكن أن يطلع على الغيب لا يمكن أبداً، مهما كان: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، فمن أتى كاهناً فهو ضعيف الإيمان في هذا الجانب.

стр. 107

اتباع الهوى ودرجاته السؤال هل كل من اتبع هواه يعد مشركاً؟ الجواب اتباع الهوى درجات، اتباع الهوى إذا أدى بالإنسان إلى الكفر بالله أو الوقوع في أنواع من الشرك فهذا يقال فيه: اتبع هواه وأدى به إلى الكفر. وما نزل عن ذلك فهو بحسبه، فمن اتبع هواه مثلاً وقصر في العبادة نقول: هذا متبع لهواه، أي أنه مقصر في هذه العبادة. وهكذا. فالأمر في هذه المسألة على درجات، وينبغي أن ينتبه لذلك؛ لأن بعض الناس يعمم ويقول: من اتبع هواه فقد اتخذه إلهاً من دون الله فهو كافر. فيدخل فيه من اتبع هواه في مسألة أو في أمر دنيوي، أمر دنيوي أدى به إلى كسل عن صلاة أو كسل عن واجب، فهذا الاتباع لا يقال عنه: إنه شرك. فهذا أمر فيه تفصيل كما تقدم.

стр. 108

حكم الاستغاثة بالغائب السؤال لو استغاث شخص برجل قادر ولكنه لا يسمعه حالة استغاثته، فما حكم ذلك؟ الجواب إذا كان نطقه بهذا الكلام عند من سيبلغ ذلك الرجل القادر، فهذا مثلما لو كان حاضراً، فهذه من الأسباب المعروفة في حياة الناس ولا شيء فيها. أما إذا استغاث به وهو يعلم أنه لا يسمعه وليس هناك أحد يبلغه فهو في هذه الحالة بحسب اعتقاده في هذه المقالة، وأقل أحوالها أن تكون من الشرك الأصغر.

стр. 109

خطورة الاسترسال مع الوهم السؤال كثير من الناس يصاب بالسحر أو يتوهم أنه مصاب بالسحر، فتضيق عليه الأرض، وكذا على أهله، فيضطر هو وأهله إلى الذهاب إلى السحرة والكهنة ليحلوا ذلك السحر، وإذا قيل لهم: إن هذا كفر أو شرك قالوا: إذا رجعنا تبنا إلى الله . وما الطريقة المثلى، أو الطريقة الشرعية لحل السحر؟ الجواب هذا السؤال مهم، وينبغي أن يعلم أنه كما أخبر الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]. فالسبب هو ضعف الإيمان، وضعف الإيمان يؤدي بالإنسان -أحياناً- إلى الوهم، فلو أن إنساناً أصيب -مثلاً- في ليلة أو ليلتين بالأرق وقيل له: أصابتك عين أو أصابك سحر فصدق وتوهم فلا يمكن أن يبيت، ولا يمكن أن ينام، بل يصبح هاجسه ليلاً ونهاراً هذا المرض، بينما الرجل ليس فيه مرض، لكن لما قيل له: إنه مريض وصدق بهذا أدى به إلى هذا. ولهذا تجد كثيراً من الأمراض هي أمراض في بداياتها سهلة عادية، لكن تتعقد بالوهم، وهذا معروف حتى في المرض العضوي، فالإنسان إذا أصيب بألم في بطنه أو بجرح معين أو بشيء من ذلك فإذا أعطاه قدره المناسب وتشجع وصار يأكل ويأخذ الأسباب ونفسيته طيبة فإن ذلك يعجل الشفاء، لكن إذا قيل له: هذا مرض خطير بدأ الوهم عنده. وتعلم أن الوهم يهد الإنسان خلال ساعات، بل خلال وقت قصير، فإذا هد هذا المريض، وصار لا يأكل، وصار مهموماً، وصار مغموماً مرض واشتد مرضه، وضاق صدره، بل إنك تجد أحياناً بعض الناس وهو في أشد حالات المرض في المستشفى؛ لأنه واهم وخائف، فإذا جاءه الطبيب وقال: الحمد لله، طلعت التقارير سليمة وليس فيك شيء فكأنما نشط من عقال، وصار يحدث من حوله، وصار يبتسم ويشتهي ويأكل وتتحسن حالته، والعكس بالعكس. فهذا أمر. الأمر الثاني: أن من وقع عليه ابتلاء في مثل هذه الأمور مما ذكره السائل فيجب عليه أن يتقي الله ، فإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، (ما من داء إلا وله دواء)، وليس هناك مرض إلا وله دواء إلا الموت، أما ما عدا ذلك فله دواء، وهذا الدواء شرعي. وحينئذ فإنني أقول: إن من ابتلي بمثل هذا المرض فعليه أن يتقي الله ، وعليه أن يدرك أموراً: أولاً: لا يجوز له أن يذهب إلى هؤلاء السحرة، وخداعه لنفسه أنه يقول: إذا رجعنا نتوب هذا كلام خطير يخشى على صاحبه، وهو مثل ذلك الشخص الذي يقول: أقع في المعصية ثم أتوب، وإذا لم تتب؟! وإذا جاءك الأجل وأنت على المعصية ماذا ستقول لربك ؟! وكذلك -أيضاً- نقول لهؤلاء: وأنتم راجعون لو وقع حادث سيارة ومتم قبل أن تتوبوا! فاتقوا الله . الأمر الثاني: أنه يجب على هؤلاء أن يبحثوا عن الرقية الشرعية، ومثل السحر وغيره توجد له رقى شرعية، هذه الرقى تنفع بإذن الله مع الإخلاص والتعلق بالله ، فإن الله يشفي صاحبها، وقد تكون إرادة الله أن يبتلى هذا الرجل وأن يستمر عليه البلاء زمناً، فلا ييأس الإنسان. فينبغي أن ننتبه لهذه القضية، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء، ولا يجوز علاج السحر بسحر مثله على القول الراجح، خاصة في هذه الأيام التي انتشر فيها هؤلاء السحرة.

стр. 110

وجوب التحذير من السحرة والمشعوذين السؤال ما حكم من يعلم عن حال كاهن يفد الناس إليه جماعات، لكنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً، فما الواجب عليه؟ الجواب قوله: لا يستطيع ليس بصحيح، فعليه أن يأتي إلى أهل الخير والعلم من أبناء هذه المدينة التي هو فيها أو قريباً منها ويشرح حاله ويحذر منه، ومن المهم أن يقام فيهم حكم الله حتى لا يستفحل شرهم، وقد استفحل.

стр. 111

حكم الرقية بغير اللغة العربية السؤال إذا كان من يرقي لا يجيد اللغة العربية فهل يرقي بغيرها؟ الجواب لا يجوز، فمن شرطها أن تكون باللغة العربية.

стр. 112

التنويم المغناطيسي السؤال نسمع عن التنويم المغناطيسي أنه من أعمال الشياطين، فهل هذا صحيح؟ الجواب ربما.

стр. 113

خطورة الرياء السؤال نود أن تُبَيّن صورٌ للرياء تقود فاعلها إلى الشرك الأكبر؟ الجواب كل المعاصي قد تقود إلى الشرك الأكبر، كم من شاب قادته الشهوة إلى الكفر، بمعنى أنه أتاه صديقه وقال: تعال. فوقع في الزنا، والزنا معصية من المعاصي وكبيرة من الكبائر، وإذا تاب منها الإنسان فالله يتوب عليه، ولا يكفر صاحبها. لكن هذه المعصية تقود صاحبها حين يبدأ بها من خلال أصدقائه، فيؤدي به الأمر أحياناً إلى ترك الصلاة، وهذا يقع، ومن وقع في شرب الخمر ونحو ذلك فغالباً ما يؤدي به ذلك -نعوذ بالله- إلى ترك الصلاة، وهذا بحد ذاته كفر. بل قد يكون ما هو أشد من ذلك، فقد يؤدي به إلى الاستهتار بالدين والاستهزاء بالدين، وهذا أيضاً ردة، وقد يؤدي به أحياناً إلى أنه لا يستطيع أن يتحلل هذا التحلل إلا من خلال الإلحاد وإنكار وجود الله ، وهذا واقع، وإن دعاة الإلحاد والكفر بالله يدخلون إلى الشباب عن طريق الشهوات، فالبداية معصية، وانتهى الأمر إلى الكفر بالله . والسائل سأل عن الرياء، فنقول: نعم. قد يبدأ الرياء خفيفاً مع الإنسان فيبطل صلاته أو عبادته أو جزءاً منها، لكن قد يستحكم فيعمل الإنسان لغير الله، وربما كثر الأتباع ونظر الناس إليه، فصار في الخفاء يعاند ربه بالمعاصي، وأمام الناس يتظاهر بأنه من الأتقياء، فتأتيه النفس وتقول: إنك تضحك على الناس فاضحك على ربك أيضاً، فيبدأ -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يتظاهر بهذا الرياء، وهو في الحقيقة إذا كان بينه وبين ربه ربما لا يؤدي الصلاة أو لا يؤدي بعض العبادات الواجبة.

стр. 114

كيفية علاج الرياء السؤال شخص ابتلي بالرياء، فما العلاج لذلك؟ الجواب العلاج لذلك الرقابة الشديدة على القلب وأنت تعمل هذه الأعمال التي تخشى من الرياء فيها، ومقتضى ذلك أن توقن يقيناً تاماً أن هؤلاء الناس لا يستطيعون أن ينفعوك بأي شيء، ومن ثم فإنك إذا راءيتهم خسرت الدنيا والآخرة، خسرت الآخرة فلا ثواب لك، وخسرت الدنيا لأنك عملت هذا العمل لغير الله، فلم ينفعك عملك في زيادة إيمانك وفي تقوية قلبك. ومن هنا فإنني أقول: إذا خشيت من هذا فعليك أن تعالج نفسك بنفسك من خلال أمور: منها: أن تحرص كثيراً على أن تكون عباداتك الخاصة في انفرادك، فالعبادات التي فيها نوافل احرص دائماً على أن لا يراك فيها أحد. الأمر الثاني: أن تجاهد نفسك عند عمل الطاعة إذا كان لابد من عملها أمام الناس، تجاهد نفسك، ولا تستسلم للشيطان، فإن الشيطان قد يأتيك ويقول لك: إنك ترائي. فعليك أن تراغمه وأن تستمر في عبادتك. الأمر الثالث: أن تدعو ربك أن يعصمك من مثل هذا الأمر. وأنا أخشى أن يكون مثل هذا وهماً منك، فالشيطان يريد أن يفسد عليك عباداتك فيقول لك: أنت ترائي. ويريد أن يفسد عليك العبادة حتى تتركها، أو حتى تتخلى عن الصالحين ولا تجالسهم، فالأولى مراغمة الشيطان، وأن تحرص كل الحرص على أن تحضر قلبك ليكون مخلصاً لله تعالى في هذه العبادة، والله ﵎ يتولاك.

стр. 115

حكم تعليق الآيات والأحاديث السؤال انتشر في هذه الأيام عند بعض الناس وضع المصحف في السيارة، أو تعليق بعض الآيات أو الأحاديث، أو وضع بعض الملصقات التي فيها آيات قرآنية، فهل هذه من التمائم؟ وهل ما يوضع من الأدلة الواردة في السنة كدعاء الركوب من ذلك؟ الجواب أظن أن بعض هذه الأمور يدخل في هذا، مثل الذي يضع المصحف في مقدمة السيارة أظنه يقصد أنه تميمة، فإذا كان قصده ذلك فيدخل في الحكم الذي رجحنا أنه لا يجوز، أما ما عدا ذلك من الأشياء المعلقة فهي بحسب مقصدها، فإن كان قصده أن يتذكرها، بمعنى أنه إذا ركب السيارة تذكر الدعاء فمثل هذا -إن شاء الله- لا بأس به، خاصة إذا لم تكن آيات قرآنية. أما إذا كانت آيات قرآنية، مثل آية الكرسي وغيرها فحكمها حكم اللوحات التي تعلق أحياناً في البيوت وغيرها، وهذه الأمور مما اختلفت فيها الفتوى بالنسبة للمشايخ حفظهم الله تعالى، والذي يظهر والعلم عند الله تعالى، أن مثل هذه اللوحات قد تكون ممتهنة، وهذا الامتهان إما أن يكون من خلال أن توضع أحياناً في أواني، وقد أخبرني بعضهم أنها أحياناً تكون فيها الآيات، وأحياناً يمتهنها الأطفال، وأقل أحوالها أنها تكون زينة فقط، فلا تقرأ، ولا يلتفت إليها، وإنما تحولت إلى مجرد زينة، وهذا مما ينبغي أن ينزه عنه كلام الله تعالى.

стр. 116

حكم تعليق الأدوية الشعبية السؤال هل ما يعلق على الطفل من أدوية شعبية خشية من الأمراض يعتبر من التمائم المحرمة؟ الجواب نعم. بل هو من أشدها، وهذا لاشك في أنه لا يجوز؛ لأن مثل هذه الأمور يظنون أنها تحمي، فالاعتقاد بأنها تحمي هو مثل اعتقاد من علق خرزات أو سلسلة مغناطيسية أو غير ذلك يظن أنه تحمي، فهذا كله مما لا يجوز.

стр. 117

حكم الحلف بآيات الله السؤال هل الحلف بآيات الله يعتبر من الشرك، خاصة إذا كان يقصد الآيات الكونية؟ الجواب إذا كان قصده مثلاً أن يحلف بالسماء، أو يحلف بالشمس فهذا لاشك أنه حلف بغير الله، أما إذا كان يحلف بآيات الله أي: القرآن فهذا جائز.

стр. 118

حكم تعليق الذهب المصوغ على صورة كتاب السؤال انتشر في الآونة الأخيرة في بعض حلي النساء التي تعلق على رقابهن شكل كتيب صغير، فهل هذا من الرقى والتمائم؟ الجواب حسب مقصدها، فإذا كان هذا الكتيب الصغير لا يقصد به أنه مصحف، أو لا يقصد به أنه يحمي فهذا من الأمور التي هي زينة، وهو جائز لها ولا بأس به، أما إذا قصد به فالأمور بحسب مقاصدها؛ لأنه حتى الحلي الذي ليس فيها شكل كتاب ولا غيره لو قصدت به صاحبتها أنه يحميها تحول إلى تميمة، ومن ثم فلا يجوز.

стр. 119

حكم رمي الطعام عند مرور الغير السؤال بعض الناس إذا مر عليه شخص وهو يأكل رمى بعض الطعام، ويقول: عن العين. فما حكم ذلك؟ الجواب لا دليل عليه، وهذا من ضعف الإيمان.

стр. 120

درجات المحبة السؤال بعض الناس يفرط في الحب في الله بحيث يتعدى الحدود الشرعية، كأن يقدم محبة شخص على الوالدين، أو أن تكون نتيجة لترك بعض السنن أو عمل بعض المكروهات، فما الحكم في ذلك؟ الجواب ينبغي أن يفرق بين أنواع ثلاثة من المحبة: النوع الأول: محبة العبادة، فهذه يجب أن تكون خالصة لله، فالله تعالى هو وحده الذي يحب لذاته، ومن ثم فالطاعة له وحده لا شريك له، وكذلك مقتضيات المحبة الأخرى. النوع الثاني: المحبة في الله، وهذا المحبة على درجات، أعلاها محبة الرسول ﷺ الذي يجب أن يقدم على محبة النفس والولد والوالد، ثم تأتي على إثرها كل محبة في الله، محبة الطاعات، محبة أخيك المؤمن، محبة الصحابة، محبة كل من عمل صالحاً من المؤمنين، هذا كله مما يقوي الإيمان، فهي -أي: هذه الأنواع من المحبة- إيمان؛ لأنها في الله. النوع الثالث من المحبة: المحبة الطبيعية، مثل محبة الولد، ومحبة الوالد، ومحبة الوالدة، فهذه المحبة ركبها الله في طبيعة البشر، بل هي موجودة في البهائم والطير غير ذلك، فهذه المحبة لا تخالف تلك المحبة، وإنما ننظر إليها من خلال درجاتها، فمن قدم -مثلاً- محبة الولد على محبة الله يشبه من قدم محبة المال أو محبة الزوجة على محبة الله تعالى؛ بحيث يؤدي به إلى ترك عبادة الله وحده لا شريك له. فنقول -والحالة هذه-: إن هذا التقديم لهذه المحبة خطر على صاحبه قد يؤدي به إلى الكفر، وقد يؤدي به إلى أنواع من الفسق أو المعاصي، فهي على درجات كما سبق أن بينا.

стр. 121

الفرق بين أنواع الشرك راجع إلى الأدلة وإلى قصد الشخص السؤال هل هناك بعض القواعد والضوابط في تمييز الشرك عن غيره، وفي تمييز الشرك الأكبر عن الأصغر؟ الجواب ليس هناك قواعد وضوابط بحيث توضع هذه القاعدة وتأتي عليها الأنواع كلها، وإنما الأمر يحتاج إلى شيء من الاستقصاء؛ لأننا مربوطون بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، ونحن نعلم أن بعض هذه الأمور قد يكون شركاً في شريعة ولا يكون شركاً في شريعة أخرى، فالسجود للاحترام والتقدير كان جائزاً كما في قصة يوسف مع إخوته، لكنه في شريعة محمد ﷺ شرك أكبر. ولهذا -كما في الصحيح- لما قدم معاذ من الشام وأقبل على الرسول ﷺ فمن شدة فرحه برؤية النبي ﷺ سجد له، فقال له رسول الله ﷺ : (ما هذا يا معاذ؟! قال: يا رسول الله! إنني كنت في الشام فرأيتهم يسجدون لرهبانهم وقساوستهم، فأنت -يا رسول الله- أحق بذلك. فماذا قال النبي؟ قال ﷺ : (لا تفعل؛ فلو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فصار السجود لغير الله من العالم به شركاً وكفراً أكبر، فالمقياس لمثل هذه الأمور صحيح أنه يدخل في المعاني وتمييز الأمور وضبطها، لكن -أيضاً- لابد من النظر فيه إلى الأدلة، فإذا قلنا: عبادة غير الله شرك فهذا عام ويشمل أي نوع من أنواع العبادة، فما يأتينا أحد ليقول: لابد أن تستقصوا كل هذه الأمور بحيث يكون هذا الأمر شاملاً شمولاً كلياً. لا، وإنما تذكر من ذلك الأمثلة، ويميز بين ما كان أكبر وما كان أصغر بالدليل. ولهذا تجد إرادة الإنسان بعمله الدنيا واتباع الهوى أو المحبة درجات، وكذلك الخوف من غير الله، فإن الإنسان يخاف من السبع ويخاف من النار، فهل نقول: هذا وقع في الشرك الأكبر؟ لا. وإنما نقول: الخوف من غير الله تعالى على درجات، فإن كان هذا الخوف من غير الله في أمر لا يقدر عليه ولا يملكه إلا الله فهذا قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر. وإن كان في أمر يخاف منه الإنسان عادة فهذا من الأمور العادية، وإن كان في أمر مما بين ذلك فهذا دال على ضعف إيمان، وقد لا يوصل صاحبه إلى الشرك الأكبر، وهكذا بقية الأمور.

стр. 122

لابد من تحقيق التوحيد علمياً وعملياً السؤال كثير من الناس يعرف التوحيد علمياً، ولكن قل من يعرفه عملياً، فكيف العلاج لذلك؟ الجواب هذا مرض عضال، فإن بعض الناس التنظيم الذهني عنده جيد، لكن إذا جاء إلى الأمور العملية اختلطت عليه الأمور، فكثير من الناس تربوا على التوحيد وعلى عقيدة التوحيد، وعندهم هذه النظرة جيدة، بل يحفظون كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويستطيع الواحد منهم أن يشرح لك لمدة نصف ساعة أو أكثر. لكن إذا جاء إلى أمر عملي وقع -نعوذ بالله- في أنواع من المخالفات، كتعلق النفوس بغير الله، ظن أن هذا الشخص أو هذه الجهة أو هذه الدولة ربما يحميه من أمر الله، ظن أنه حينما يهرب من هذا المكان أنه ينجو من الموت، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان، فهو عند التنفيذ العملي ضعيف الإيمان. ولهذا نقول: نسأل الله أن يرزقنا التوحيد وأن يعيذنا من الفتن؛ لأن الإنسان قد يبتلى، وهذا الابتلاء إذا ابتلي به الإنسان فقد يقوى على المواجهة وقد لا يقوى، وهو امتحان وابتلاء من الله يبتلي به عباده.

стр. 123

حكم استخدام الذئاب وأخذ المال على إخراج المس السؤال بعض الذين يقرؤون يستخدمون الذئاب في علاج بعض الأشخاص لإخراج مس الجن، وما حكم أخذ الأموال على ذلك؟ الجواب أما الرقى الشرعية فالصحيح جواز أخذ المال عليها للحديث الصحيح الوارد في ذلك، وفيه أن الصحابة الذين رقوا الرجل الذي لدغ أخذوا على ذلك أجرة، والآن يتكلمون في الاشتراط المسبق، أما إذا أعطي فلا شيء فيه إن شاء الله تعالى، ولكن ينبغي للقارئ المخلص أن يتجنب هذا الأمر، وأن يجعل قراءته خالصة لوجهه تعالى؛ لأنه مدخل لهوى النفس والتعلق بالدنيا والتعلق بالمال، كما يحدث لبعض القراء نسأل الله لنا ولهم العافية. أما ذلك الذي يقرأ ويستخدم بعض هذه الأشياء فنحن نقول: إن هذا الأمر يترك للتجربة، فإذا كان يظن أن مثل هذا يطرد الجن وتنفر من هذا الشيء فهذا متروك للتجربة، لكن بشرط أن لا يعتقد فيه؛ لأن بعض الناس لما سمع ما ذكره السائل اقتنى ذئباً، وبعضهم اشترى ذئباً وقطع رأسه وحنطه وألقاه في بيته، وبعضهم بحث عن جلد الذئب ليجعله في بيته، وهذا كله من الأمور التي هي مضعفة لتحقيق التوحيد، وقد تودي به، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 124

حكم قول: (في ذمتي) أو (أمانتي) السؤال ما حكم قول القائل: في ذمتك. أو: أمانتك. أو قول بعضهم: في ذمته ليفعلن كذا؟ الجواب هذا حلف بغير الله، بل هو أخطر من الحلف بغير الله، فينبغي أن يتجنب.

стр. 125

حكم قول (ما صدق على الله) السؤال ما حكم قول القائل: (إنه ما صدق على الله) من الناحية الشرعية؟ الجواب الذي يظهر أن مثل هذه العبارة وإن كان التعبير عنها عاماً فيه شيء من الغموض، لكن الذي يظهر أنه لا شيء فيها؛ لأن قصد صاحبها: إنني ما كنت أتوقع هذا، ثم تبين لي أن الله قد كتب هذا وقدره ما كنت أتوقع أن فلاناً يأتي فإذا به يراه في هذا المكان إلى آخره. فأقول: لو تجنبت العبارة لكان أولى، لكن من قالها فالذي يظهر أن قصده فيها لا شيء فيه.

стр. 126

حكم النظر إلى التلفاز السؤال ما حكم النظر إلى المسلسلات التي تظهر في التلفاز، خاصة أن في بعضها بعض الأمور التي تخالف الشريعة، أو فيها الإشراك بالله ؟ الجواب هذا لا يجوز، فإذا كان فيها محرمات فلا تجوز، وإذا كان فيها شرك فلا تجوز، وإذا كان فيها نساء فلا يجوز النظر إليهن، هذه كلها واضحة الدلائل.

стр. 127

حكم أخذ الأجرة على الرقية والتعليم السؤال ما حكم أخذ الأجرة على الرقية استناداً إلى حديث: (إن خير ما أخذتم عليه أجراً هذا القرآن)، وأن ذلك يكون في الرقية فقط كما يراه المحدث العلامة الشيخ ناصر الألباني؟ الجواب الخلاف هو في: هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم كلام الله أم لا؟ أما أخذ الأجرة لأجل أن يقرأ، كما لو جاء إنسان وقال: يا فلان! أنت تقرأ القرآن فأرجوك أن تقرأ لي سورة البقرة بمائة ريال. فيقرأ له سورة البقرة لأجل المال، فهذا الذي يظهر أنه لا يجوز. لكن أخذ الأجرة على التعليم مثل تعليم الأولاد، نقول: إن المسألة خلافية بين العلماء، والذي يظهر -والله أعلم- جوازه، لكن ينبغي أن يكون معلوماً لدى المؤمنين الأخيار أنه لا ينبغي أن يُلجأ معلم القرآن إلى مثل هذا، فإذا كان هناك معلم للقرآن فالأولى له ألا يُلجأ إلى أن يطلب هذا الأمر، وإنما يعطى ما يكفيه من رزقه، هذا ما ذكره العلماء، وهو الأمر الطيب الذي يجب أن يسلك.

стр. 128

أفضل شروح الطحاوية السؤال ما أفضل الشروح للعقيدة الطحاوية، خاصة من ناحية التصحيح والتعليق والتخريج؟ الجواب أفضل الشروح هو شرح ابن أبي العز الحنفي، أما عن التعليق فأقول: هما طبعتان هما من أفضل الطبعات: الطبعة الأولى الطبعة المشهورة طبعة المكتبة الإسلامية، وعليها تعليقات المحدث الشيخ الألباني، والطبعة الثانية هي الطبعة الأخيرة التي بتحقيق الشيخ عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، وهذه الطبعة ظهرت منها الآن طبعة جديدة في مجلد واحد، فلعله استدرك فيها ما كانت عليها من ملحوظات. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 129

المؤتمر المشبوه أعداء الفطرة والقيم والأخلاق يخططون الليل والنهار لإفساد المجتمعات والشعوب، وقد وجدوا أن المرأة خير وسيلة لذلك إن هم أفسدوها، ولذلك نراهم دائماً ينادون بتحرير المرأة، ويريدون بذلك تحريرها من الفطرة والقيم والأخلاق، فتكون معول هدم لمجتمعها وشعبها، ونراهم يكثرون من المؤتمرات العالمية للمرأة، وذلك من أجل تعميم ثقافتهم الهدامة، ونشرها بين الأمم والشعوب لاسيما الإسلامية، فعلى المسلمين الانتباه لهذا الخطر العظيم، والتصدي له على كافة المستويات، وبكل السبل.

стр. 130

بنود المؤتمر المشبوه مخالفة للفطر والأديان الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فقد عقد في زمن مضى مؤتمر عالمي للمرأة، عقد في بلاد الشيوعية (بكين)، وقد حضره ما يقارب خمسين ألف امرأة من شتى أنحاء العالم، مختلفات المشارب والديانات، وطرحت آراء وجرت مناقشات، ولكن وثيقة المؤتمر التي أعدتها هيئة الأمم المتحدة بقيت هي الأساس الذي يدور حوله المؤتمر، وعلى بنودها يجري التوقيع، وفي الوثيقة بنود وقضايا كثيرة تتعلق بالمرأة، ولكن الذي يهم والذي أشغل بال المتابعين لهذا المؤتمر هو ما اشتملت عليه بنوده من عهود تعارض الأديان والأخلاق والآداب والفطر السليمة التي أجمع عليها كل من لم تصب فطرته بانتكاس. ومن هذه القضايا: إعطاء المرأة الحرية الكاملة. المطالبة بمساواتها للرجل في جميع الأمور. إباحة العلاقات غير الشرعية قبل الزواج، وتعليمها للجنسين منذ الصغر. إباحة الشذوذ. إباحة الإجهاض، ووأد وقتل الأولاد. كون الطلاق بيد المرأة لا بيد الرجل وغيرها من البنود التي اشتملت عليها وثيقة المؤتمر وجرى حولها النقاش. ونحن هنا لسنا بصدد بيان منزلة المرأة في الإسلام وما أعطاها من حقوق؛ فإن هذه بالنسبة لنا نحن -المسلمين- قضية عقدية كبرى، ولسنا أيضاً بصدد بيان حكم الإسلام الصارم في هذه القضايا المطروحة، ولا بصدد الحديث عن المرأة في الغرب، وهل فعلاً نالت ما تطمح إليه وقد أعطيت الحرية والمساواة على مدى عشرات السنين الماضية؟ لسنا بصدد الحديث عن هذا ولا هذا، إنما هي وقفات مع المؤتمر وخلفياته.

стр. 131

أسباب التركيز على قضية المرأة أولاً: لماذا التركيز على قضية المرأة وأوضاعها وأحوالها وحريتها؟ والجواب واضح، وهو أن المرأة مستهدفة بشكل خاص؛ لأمور: أولها: أن غزوها عقلياً وأخلاقياً له أثره البالغ في المجتمعات؛ لأنها- أي: المرأة- من أقوى الوسائل وأشدها أثراً في التدمير، وقد عرف هذا دعاة الفساد والانحلال، فاستخدموا المرأة في شتى الوسائل لتدمير الأمم وإنهائها، فكانت هي العمدة في المجلات، وفي الأفلام، وفي الدعاية، وركز عليها مخططوا التدمير للعالم في أبواب الأزياء وغيرها. ثانياً: أن الأسرة نواة المجتمع، ودور المرأة في الأسرة أماً وزوجةً وأختاً وبنتاً له أثر كبير فيها، ويكفي أن الجانب الأكبر في تنشئة الأجيال إنما تقوم به المرأة، فحين يتحقق الغزو والتدمير للمرأة ينتقل أثرها سريعاً إلى الأجيال. ثالثاً: أن المرأة بطبيعتها العاطفية وسرعة تأثرها تكون أسهل في الاستجابة للمطالب والانحراف، خاصة حين تخلو المرأة من العقيدة، أو يضعف إيمانها وما ينبثق منه تربية وخلق، فإن المرأة -والحالة هذه- سريعة جداً في تأثرها، كما أنها قوية في تأثيرها، إضافة إلى ما ركبه الله في المرأة من جمال ومن تعلق الرجال بهذا الجمال. لهذه الأسباب ولغيرها كان التركيز على قضية المرأة في مثل هذه المؤتمرات الكبرى.

стр. 132

القوى التي تقف وراء هذا المؤتمر وغايتها مؤتمر المرأة العالمي عقد تحت ظل الأمم المتحدة، وهذه المنظمة كما عرفناها من خلال أنظمتها ومواقفها -وآخرها موقفها في قضية المسلمين في البوسنة والهرسك- هذه المنظمة تقف وراءها قوى معروفة، على رأسها قوى الغرب الصليبي، والغرب ينظر من علو إلى بقية أمم الأرض، ومن ثم فهو يزعم التالي: أولاً: أنه صاحب رسالة موجهة إلى العالم، وينبغي للعالم كله أن يستمع إليه وأن يصغي إليه، هكذا يزعم الغرب. ثانياً: أنهم هم الأمة التي تفكر، وهم الذين يملكون أدوات البحث والتفكير، أما من عداهم من الأمم فلا شيء، ولا يستحق إلا أن يتكرم عليه الغرب بجعله تبعاً له ويدور في فلكه. ثالثاً: إنكار أي ثقافة أخرى غير ثقافة الغرب والتهوين منها، وبالأخص المنهج الإسلامي عقيدةً وشريعةً وأخلاقاً وآدابا، فإن الغرب ينظر إليه نظرة خاصة، ويري المرء الصليبي أنه مسيطر عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً، وهو يسعى الآن إلى السيطرة والاختراق الثقافي والعقدي والأخلاقي لغيره من الأمم، وهذه المؤتمرات مع ما يصحبها من وسائل أخرى كالبث المباشر وغيره هي جزء من هذا البرنامج. والملاحظ أن الغرب أخيراً لم يعد يركز كثيراً على المؤتمرات التنصيرية التي كانت تعقد فيما مضى ويديرها ويقوم عليها منصرون من الساسة ومن القسس والرهبان، ولكنهم أصبحوا الآن يركزون على مؤتمرات الأمم المتحدة في ميادين متعددة، ومنها ميادين المرأة التي نتحدث عنها الآن. إذاً مؤتمر المرأة هو في جملته حرب عقدية أخلاقية، يشنها الغرب على العالم الثالث، وأبرز ما في العالم الثالث المسلمون، وهي محاولة لزرع وسائل الهيمنة على هذه الأمم، وأقوى وسائل الهيمنة حين تدمر أخلاقها.

стр. 133

أهداف مؤتمر المرأة العالمي ما هي أهم أهداف المؤتمر الذي عقد باسم المرأة؟ ينبغي أن نعلم أن وثيقة المؤتمر أعدت قبل عشرين سنة في مؤتمر سابق للأمم المتحدة عقد في المكسيك سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف ميلادية، لذا فما تحويه طيات المؤتمر بوثيقته ولجانه المتعددة وما يدعو إليه باسم حقوق المرأة من إباحية وانحلال وشذوذ، وفرض حقوق للمرأة في قتل الأولاد ووأدهم، وفي الطلاق وفي غير ذلك كل هذا قد أعد بعناية، وأشرفت عليه لجان وقوى، ونحن نقول: إن من الواضح أن هذا المؤتمر يهدف إلى أمور كثيرة، ونحن هنا إنما نقف مع بعضها فنقول: إن أهم أهداف المؤتمر: أولاً: أن الغرب لم ينجح في معالجة قضايا الإباحية والمخدرات ونحوها وما ينتج عنها، ومن ثم فهو يريد تصديرها إلى المجتمعات الأخرى، ومنها المجتمعات الإسلامية، فالمؤتمر محاولة لفرض الواقع الغربي الإباحي على دول العالم الثالث، سواء أكانت محافظة أم غير محافظة، ولكن التركيز أكثر وأكثر على الدول المحافظة، وخاصة مع بروز الصحوات الدينية، وعلى رأسها الصحوة الإسلامية. إذاً هي محاولة لهيمنة غربية لتفرض أخلاقها وآدابها وانحلالها وشذوذها على بقية أمم الأرض. ثانياً: إضفاء صفة الشرعية، وهنا آتي بلفظ (الشرعية) لأنهم يستخدمونها، وإلا فنحن لا نستخدمها إلا فيما يتعلق بالشرعية الحقيقية شرعية الإسلام. إذاً من أهداف المؤتمر إضفاء صفة الشرعية والقانون على الإباحية والرذيلة والانحلال، بحيث يصبح الانحراف هو الأصل في هذه المجتمعات، وقد يقول قائل: هناك معارضون، والدول غير ملزمة! فيقال: العبرة بالأكثرية، والأكثرية ستوقع عليها، ثم إن الغرب بهيمنته يعول على الضغط السياسي والاقتصادي على الدول التي لا تنفذ أنظمة الأمم المتحدة، كما أنه يعول على عامل الزمن، فتكرار هذه المؤتمرات قد يحولها إلى حقائق عند بعض الشعوب المغلوبة على أمرها. ثالثاً: الحط من الأديان، وعلى رأسها دين الإسلام. وإذا علمنا أن التحدي الحقيقي الذي يواجهه الغرب اليوم إنما هو الإسلام خاصة تبين لنا أن مثل هذه المؤتمرات تهدف أول ما تهدف إلى مقارعة الإسلام بتدمير شعوبه أخلاقياً، وقد يقول قائل: إن كلامكم هذا ناشئ من عقدة طالما سمعناها، ألا وهي عقدة المؤامرة على الإسلام في كل حادثة أو قضية! ونحن نقول: لا. ليست مؤامرة على الإسلام تحاك في الخفاء، وإنما هي حرب حقيقية مكشوفة ضد الإسلام، وما أحداث البوسنة والشيشان التي انكشفت فيها الحقائق لا للمسلمين خاصة وإنما للعالم كافة إلا مثالاً جلياً لهذه الحرب ولذلك الحقد الصليبي. أيها الأخ في الله! دعني أنقل لك ما يقوله أحد المنصرين -واسمه لورنس بروفن -، قال هذا الكلام قبل عشرات السنين، يقول: لقد كنا نخاف، أو نخوف بشعوب كثيرة، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف، لقد كنا نخوف من قبْلُ بالخطر اليهودي والخطر الأصفر والخطر الشيوعي -وهذا قبل سقوط الشيوعية بزمن- إلا أن هذا التخويف كله لم يكن له أساس كما تخيلنا، فقد وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الأول، عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفراء فإن هنالك دولاً ديمقراطية كبرى تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كان في نظام الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي. أهـ إن هذه المؤتمرات تهدف إلى تدمير شعوب وأمم، لكنها أيضاً تركز على الإسلام.

стр. 134

من المستفيد من طرح قضايا الإباحية والشذوذ ؟! إن المؤتمر يطرح قضايا تتعلق بالإباحية والشذوذ، وهذه لا يقرها العقلاء، حتى في بلاد الغرب، فهم يرفضونها، ولذا فإننا نقول: إذا كان الأمر كذلك فمن المستفيد من الانحلال والإباحية والشذوذ وانتشارهما في جميع أنحاء العالم؟ ومن المستفيد من انحلال الأسرة؟ ومن المستفيد من تدمير الأمم؟ و الجواب فتش عن اليهود وعن الماسونية العالمية، وحتى تتضح الأمور فتأمل في مقولات بروتوكولات اليهود، يقولون في البروتوكول الأول: فشعوب القي وين -ويقصدون بهم غير اليهود- قد رنحتها الخمرة، وشبابهم قد استولت عليهم البلادة من نتيجة ذلك، وقد ازدادوا إغراءً بأوضاعهم هذه على يد المهيئين من جهتنا خاصة للدفع بهم في هذا الاتجاه، ففي الزمن الماضي كنا نحن أول من نادى في جماهير الشعب بكلمات الحرية والعدالة والمساواة، وهي كلمات لم تزل تردد إلى اليوم، ويرددها من هم بالببغاوات أشبه، ينقضون على طعم الشرك من كل جو وسماء، فأفسدوا على العالم رفاهيته، كما أفسدوا على الفرد حريته الحقيقية. ثم يقول: وفي جميع جنبات الدنيا كان من شأن كلمات (حرية، عدالة، مساواة) أن اجتذبت إلى صفوفنا على يد دعاتنا وعملائنا المسخرين من لا يحصيهم عد من الذين رفعوا راياتنا بالهتاف، وكانت هذه الكلمات دائماً هي السوس الذي ينخر في رفاهية القي وين، ويبتلع الأمن والراحة من ربوعهم، ويذهب بالهدوء ويسلبهم روح التضامن. ويقولون في البروتوكول العاشر: وإننا بإشرابنا الجمهور كله نزعة الاعتداد بالنفس، وتلقيحهم بهذا اللقاح نكون قد فككنا رابطة الأسرة وأذبنا ما لها من قيم ثقافية. ويقولون في البروتوكول السابع عشر: وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهوداً لإسقاط هيبة رجال الدين عند القي وين، وقصدنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض، وهي الرسالة التي يحتمل أنها لا تزال بنفوذها عقبة كئوداً في طريقنا، ولا نرى هذا النفوذ في الوقت الحاضر إلا في تناقص يوماً بعد يوم. ويعنون به نفوذ رجال الدين المسيحيين، وهو ينطبق أيضاً على أهل الشريعة من المسلمين. أيها الأخ في الله! أما وسائل اليهود العملية التي طبقوا فيها ما سبق في قضايا الإباحة والانحلال فارجع إلى نماذج منها، في كتاب (جذور البلاء) لـ عبد الله التل فصل (طرق التدمير في المجتمعات غير اليهودية). وما نظريات ماركس وفرويد ودارون وغيرهم من اليهود إلا جزء من المسيرة اليهودية لتدمير الأمم والشعوب من غير اليهود. أيها الأخ في الله! هذه ملامح ووقفات حول مؤتمر المرأة العالمي، فكيف سيكون موقفنا وموقف المسلمين جميعا، إنها مسألة كبرى في حياة الأمم جميعاً ومنها حياة المسلمين، فما هو الطريق الذي يسلكونه للوقوف أمام هذا الغزو، أمام هذا الغزو اليهودي والصليبي المكشوف على أمة الإسلام بعقيدتها وأخلاقها وآدابها؟ الجواب معروف لدينا. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وانصر عبادك الموحدين في كل مكان، اللهم! انصر عبادك الموحدين المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم! انصر من نصر الدين، اللهم! انصر من نصر الدين، اللهم! أذل الشرك والمشركين والكفر والكافرين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، اللهم!! أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره يا رب العالمين. اللهم! إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم! إنا نسألك أن تصلح شباب المسلمين، اللهم! وفق أمة الإسلام إلى الوقوف في وجه مؤامرات أعدائها، اللهم! رد المسلمين إليك رداً جميلا، اللهم! إنا نسألك أن تصلح أولادنا ونساءنا وجميع المسلمين، ربنا! اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. اللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

стр. 135

المحبة في الله موضوع الحب في الله والبغض في الله من المواضيع المهمة جداً، فهما أوثق عرى الإيمان، وهذان الأصلان مرتبطان ببعضهما، بحيث لا يتحقق واحد منهما إلا بالآخر، والمحبة في الله لها لوازم وأسس وعلامات لابد من توافرها فيها، وإلا كانت هذه المحبة مجرد دعوى لا حقيقة لها، فكان لزاماً على المسلم أن يعلم حقيقة هذه المحبة، وأن يترجمها إلى واقع عملي؛ حتى يكون من أهلها.

стр. 136

مقدمة عن أهمية المحبة في الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فحديثنا هذه الليلة إن شاء الله تعالى عن المحبة في الله أو الحب في الله، وهذا الموضوع أيها الإخوة! مهم جداً، وتكمن أهميته من خلال الأمرين التاليين: الأول: حاجة المؤمنين جميعاً إليه في كل وقت وفي كل آن، فكل مؤمن محتاج إلى إخوانه المؤمنين، فإذا تحققت المحبة بينهم والألفة تحولت حياتهم بعون الله وتوفيقه إلى حياة إخاء ومودة، ومن ثم إلى حياة إنتاج وعمل بما يرضي الله ﵎، وكل إنسان يشعر بهذه الحاجة الماسة في نفسه، ومن تأمل حياة كل واحد منا وجد أنه لا يستطيع أن يعيش إلا بحب وبغض، ولن تستقيم حياته إلا بأن يكون حبه في الله وبغضه في الله، أعني الاستقامة الصحيحة التي تثمر في الدنيا وفي الآخرة يوم الوقوف بين يدي الله ﵎. الثاني من أسباب أهمية هذا الموضوع: الخلل الواقع في هذا الباب في زمننا هذا، فإن مما يلاحظ أن كثيراً من الناس في هذه الأيام اختلط عليهم ميزان الحب في الله والبغض فيه، وهذا الاختلاط نشأ بالنسبة لهم لأسباب عديدة، لكنه أدى إلى ثمرتين غير حميدتين: إحداهما: اختلال هذا الميزان بين المؤمنين، فأصبحت محبة الناس وموالاتهم ليست في الله وإنما في الدنيا ولأسباب الدنيا. الثانية: اختلال الموازين فيما بينهم وبين أعداء الله ﵎، فأصبح بعض الناس ربما يعادي المؤمنين ويوالي أعداء الله ﵎، وهذا الخلل في هذه الموازين الواقع في زمننا المتأخر مما يحتاج إلى معالجة قوية تربوية يقوم بها الجميع، بدءاً من الإنسان نفسه فيما بينه وبين ربه، إلى أسرته، إلى جماعات المساجد أو العمل أو غير ذالك، إلى المؤمنين جميعاً؛ ليقوم كل بدوره في رأب هذا الخلل الذي وقع فيه كثير من الناس.

стр. 137

حقيقة المحبة في الله والفرق بينها وبين الحب مع الله هذا الموضوع كما سبق سيكون طرحنا له إن شاء الله تعالى من خلال قسمين اثنين كبيرين، وذلك لأهميته: أحدهما: مقدمات وقواعد لبيان علاقة هذا الموضوع بالمحبة في الله، والفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فإن هذه المسائل مما تختلط فيها الفهوم أحياناً. القسم الثاني: الكلام عن المحبة في الله وأهميتها وآثارها وأسبابها.

стр. 138

تعريف المحبة إن تعريف المحبة لمن أراد أن يعرفها ليس له أدق من تعريف المحبة ذاته، قال العلماء: إن هناك بعض الأمور التي صارت واضحة عند الناس، بحيث إنك لو عرفتها بأي تعريف لا يدل عليها كما تدل عليها نفس اللفظة، مثل تعريف العلم، فلو قيل لك: عرف العلم، فسيقول قائل: العلم ضد الجهل، العلم معرفة الشيء على ما هو عليه، إلى غير ذلك من التعريفات، ولكن في النهاية ينتهي الإنسان إلى أن أحسن تعريف للعلم: هو العلم، وكذلك أيضاً بالنسبة للمحبة، فمهما عرفناها بميل القلب طبعاً أو إرادة، أو بغير ذلك من التعريفات، فليس هناك أدق من تعريفها بالمحبة؛ لأن هذا المعنى قد سرى في الناس وعلموه وعرفوه لغة وطبعاً في نفوسهم وقلوبهم، فأصبح مما لا يحتاج إلى تعريف.

стр. 139

الفرق بين محبة الله ومحبة غيره نقول بعد الكلام عن تعريف المحبة: إن هذا الموضوع كثيراً ما يختلط الأمر فيه على بعض الناس، فالمحبة من أسس العبادة التي يجب صرفها لله تعالى، والرسول ﷺ يجب تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، وحب المؤمنين في الله وبغض الكافرين في الله من أوثق عرى الإيمان, والواجب أيضاً على الجميع أن يحبوا الطاعات التي أمر الله بها، وأن يبغضوا المعاصي الذي نهى الله ﵎ عنها. فما الفرق بين هذه الأنواع؟ وكيف تكون العلاقة فيما بينها؟ إن ذلك يتبين من خلال الحديث عن القضايا التالية: أولاً: ينبغي أن يعلم الجميع أن محبة الله تعالى هي الأساس التي تقوم عليها العبادة، وذلك مع الخوف والرجاء وبقية أنواع العبادة، وتحقيق لا إله إلا الله لا يتم إلا مع كمال الحب لله وكمال الذل له تعالى، ثم ينتج عن ذلك كمال الطاعة له ﵎. وحقيقة الحنيفية التي هي ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن تخلص حبك لله تعالى بكل قلبك وقصدك، وأن توحد محبوبك في هذا الحب، بحيث لا يبقى في قلبك بقية حب إلا وتبذلها فيه، وإذا تم هذا الأمر تم الأمر الثاني من مقتضيات تحقيق التوحيد والملة الحنيفية، ألا وهو الكفر بالطاغوت والبراءة منه. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان: وإذا لم يكن الله وحده غاية مراد العبد ونهاية مقصوده، وهو المحبوب المراد له بالذات والقصد الأول، وكل ما سواه فإنما يحبه ويريده ويطلبه تبعاً لأجله، لم يكن قد حقق شهادة أن لا إله إلا الله، وكان فيه من النقص والعيب والشرك بقدره. وهذا أمر واضح وهي علاقة المحبة بكمال الذل والطاعة، وستأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى، لكن كلما عظمت محبتك لربك وإخلاصك لتلك المحبة له تعالى؛ تبين هذا بعظيم ذُلّك لربك ﵎ وطاعتك له وامتثالك لأوامره واجتنابك لنواهيه. ثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن محبة الرب تختص وتتميز عن غيرها في قدرها وصفتها وإفراده تعالى بها، وليس هناك شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، الذي لا تصلح الألوهية والعبودية والذل والخضوع والمحبة التامة إلا له ، قال الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، والإله هو المألوه المحبوب المعبود. ثم ينبغي أن يعلم أيضاً أن الإنسان له قلب واحد، كما قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]، فإذا امتلأ هذا القلب بحب الله تعالى وإرادته وحده، لم يبق فيه مكان لحب من سواه، قال الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وكلما تمكن هذا الحب في قلب المؤمن لربه تعالى خرج منه الحب والتأله لما سواه، وهذا أيضاً أمر مشاهد، فإن من تعلق قلبه بغير الله وصار محباً له عابداً له مطيعاً له؛ لا يمكن أن يكون في قلبه حب لله ﵎ ولا طاعة، وكلما نقص هذا نقص من ذاك، والأمر واضح والحمد لله تعالى، لكن ينبغي أن يعلم الجميع أن مسألة كون القلب واحداً، فإنه لا يمكن أن يكون فيه ما يملأ اثنين، وإنما يكون بالنسبة لعبادة الله وحده لا شريك له، وما تقتضيه هذه العبادة من المحبة الخالصة له وكمال الطاعة، فكل من يحب أو يطيع غير الله ﵎ فإنما تكون محبته وطاعته لأمر آخر كما سيأتي بعد قليل، ومن ثم فإن أكبر ما يميز الفرق بين حب الله وحب غيره، وبين منزلة إفراد المحبة لله تعالى وكونها من أكبر وأعظم قواعد الدين: هو التفريق بين الحب في الله والحب مع الله.

стр. 140

الفرق بين الحب في الله والحب مع الله ننتقل إلى الفقرة الثانية: وهي الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذه قاعدة مهمة لابد من إدراكها وفهمها؛ حتى نميز هذه القضايا التي نتحدث عنها. فالحب في الله هو كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (الروح): إن الحب في الله تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه، كما يحب رسله وأنبياءه وملائكته وأولياءه لكونه تعالى يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه تعالى يبغضهم، وعلامة هذا الحب والبغض في الله ألا ينقلب بغضه لبغيض الله حباً؛ لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمداً، مطيعاً لله فيه، أو متأولاً، أو مجتهداً، أو باغياً نازعاً تائباً. وهذا الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى مهم جداً، فإن بعض الناس قد يكون عنده حب في الله، لكن سرعان ما ينتكس هذا الحب في الله إذا وجد ممن يحبه ما يكرهه، وأحياناً يكون ذلك لأمر شرعي، مثل أن يأمره بمعروف أو ينهاه عن منكر أو نحو ذلك، وكذلك أيضاًً العكس؛ فإن بعض الناس قد يبغض في الله لكن سرعان ما ينتهي هذا البغض إذا أحسن إليه ذلك المبغض، وهذا هو أساس مشكلة الحب في الله والبغض فيه في زماننا الحاضر، فإن انتكاس الموازين في هذه المسألة إنما ينشأ من الإحسان أو أنواع من العداوة الدنيوية. فالكافر إذا أحسن إلى بعض الناس ربما انتقل بغضه له وكرهه له إلى محبة، وكذلك أيضاً المؤمن الصادق إذا بدرت منه لأخيه بادرة يكرهها فلربما انتقل في حبه إلى بغض، وهكذا تنتكس الموازين في هذه المسألة العقدية العظيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم ينبغي أن نعلم جميعاً ونحن نفرق بين الحب في الله والحب مع الله، أن الحب في الله تابع لحب الله، فالإنسان يحب الرسول ﷺ ، ويحب المؤمنين، ويحب الطاعات؛ لأن الله ﵎ يحب هذه الأشياء جميعاً.

стр. 141

أنواع الحب مع الله أما الحب مع الله فينبغي أن يعلم أنه نوعان كما يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 142

النوع الأول: محبة الأنداد مع الله النوع الأول: محبة الأنداد مع الله، وهذا نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، وهذا كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم مع الله كما يحبون الله، فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه، كما نعلم ذلك جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول إنما بعث بالإيمان بالله، وبالكفر بالطواغيت وبغضها ومعاداتها ومحاربتها ومحاربة أهلها.

стр. 143

النوع الثاني: محبة النساء والبنيين والذهب وغير ذلك النوع الثاني: محبة النساء والنبيين وغير ذلك، وهذا نوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث، فيحبها الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك. أيها الإخوة! حتى نفرق بين الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته، فهذه يثاب عليها، وهي من قسم الحب لله، ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله ﷺ ، كما ذكر ذلك في الحديث الصحيح، وكانت محبته لها عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا يدخل فيه ما يشبهه، مثل: محبة النكاح لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور، فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه الله ﵎ ويرضاه. القسم الثاني: أن يحب هذه الأمور لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه بمقدار ما يغلو في هذه الأمور، أي: أنه إذا زاد فيها عن الأمر المعتاد فلربما ينقص حبه لله أو محبته في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور، وهذا أمر مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك التعلق. القسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي ذكرناها آنفاً هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له حالتان: الحالة الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء على عبادته لله ﵎ مثل الصلاة ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه. الثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على عباداته لله، لكن لا يقدمها بالكلية، مثل أن تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه الحالة يتحول صاحبها إلى أن يكون ظالماً لنفسه مقصراً عاصياً، ولكنها لا تخرجه عن دائرة الإيمان.

стр. 144

مستلزمات المحبة في الله إن المحبة في الله تستلزم ثلاثة أمور: أولها: محبة الله ﵎، وهذه قضية قد لا ينتبه لها البعض، فإن بين المحبة في الله والمحبة لله تلازماً، فمن أحب في الله فلابد أن يكون قبل ذلك محباً لله ﵎ وإلا كانت محبته في الله كاذبة. الثاني: المحبة في الله ولله ﵎. الثالث: محبة ما يعين على طاعة الله تعالى، ومحبة الله ومحبة ما يحبه الله من الطاعات والأولياء من المرسلين والمؤمنين. هذه الأمور كلها متلازمة، فإن من أحب الله تعالى أحب أحباءه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وقد اجتمعت هذه الأمور في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره يقول الرسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وتأملوا التلازم بين هذه الأمور: محبة الله ورسوله، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ثم أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، ولما كان الأمر كذلك كان أعظم ما تجب محبته في الله هم الأنبياء والرسل، وأعظم الرسل بالنسبة لنا ممن تجب محبته نبينا محمد ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك بقية الأنبياء والرسل والمؤمنين جميعاً.

стр. 145

أسس الحب في الله وما يتعلق بها ننتقل بعد هذه المقدمات والقواعد إلى بيان ما يتعلق بالحب في الله أو المحبة في الله، فنقول: أولاً: ينبغي أن نعلم أن المحبة في الله تشمل أساسين كبيرين: أحدهما: محبته ﷺ . والثاني: محبة المؤمنين جميعاً، ويتعلق ويرتبط بذلك محبة ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، وهذه القضية أيها الإخوة! لابد من بيانها وذلك من خلال ما يلي:
следующие страницы →