← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أنواع الحب مع الله أما الحب مع الله فينبغي أن يعلم أنه نوعان كما يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 142

النوع الأول: محبة الأنداد مع الله النوع الأول: محبة الأنداد مع الله، وهذا نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، وهذا كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم مع الله كما يحبون الله، فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم، وبذلك أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه، كما نعلم ذلك جميعاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل رسول إنما بعث بالإيمان بالله، وبالكفر بالطواغيت وبغضها ومعاداتها ومحاربتها ومحاربة أهلها.

стр. 143

النوع الثاني: محبة النساء والبنيين والذهب وغير ذلك النوع الثاني: محبة النساء والنبيين وغير ذلك، وهذا نوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل والمسومة والأنعام والحرث، فيحبها الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء ونحو ذلك. أيها الإخوة! حتى نفرق بين الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته، فهذه يثاب عليها، وهي من قسم الحب لله، ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله ﷺ ، كما ذكر ذلك في الحديث الصحيح، وكانت محبته لها عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا يدخل فيه ما يشبهه، مثل: محبة النكاح لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور، فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه الله ﵎ ويرضاه. القسم الثاني: أن يحب هذه الأمور لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه بمقدار ما يغلو في هذه الأمور، أي: أنه إذا زاد فيها عن الأمر المعتاد فلربما ينقص حبه لله أو محبته في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور، وهذا أمر مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك التعلق. القسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي ذكرناها آنفاً هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له حالتان: الحالة الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء على عبادته لله ﵎ مثل الصلاة ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه. الثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على عباداته لله، لكن لا يقدمها بالكلية، مثل أن تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه الحالة يتحول صاحبها إلى أن يكون ظالماً لنفسه مقصراً عاصياً، ولكنها لا تخرجه عن دائرة الإيمان.

стр. 144

مستلزمات المحبة في الله إن المحبة في الله تستلزم ثلاثة أمور: أولها: محبة الله ﵎، وهذه قضية قد لا ينتبه لها البعض، فإن بين المحبة في الله والمحبة لله تلازماً، فمن أحب في الله فلابد أن يكون قبل ذلك محباً لله ﵎ وإلا كانت محبته في الله كاذبة. الثاني: المحبة في الله ولله ﵎. الثالث: محبة ما يعين على طاعة الله تعالى، ومحبة الله ومحبة ما يحبه الله من الطاعات والأولياء من المرسلين والمؤمنين. هذه الأمور كلها متلازمة، فإن من أحب الله تعالى أحب أحباءه ووالاهم، وأبغض أعداءه وعاداهم، وقد اجتمعت هذه الأمور في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره يقول الرسول الله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وتأملوا التلازم بين هذه الأمور: محبة الله ورسوله، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ثم أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار، ولما كان الأمر كذلك كان أعظم ما تجب محبته في الله هم الأنبياء والرسل، وأعظم الرسل بالنسبة لنا ممن تجب محبته نبينا محمد ﷺ ، ثم يأتي بعد ذلك بقية الأنبياء والرسل والمؤمنين جميعاً.

стр. 145

أسس الحب في الله وما يتعلق بها ننتقل بعد هذه المقدمات والقواعد إلى بيان ما يتعلق بالحب في الله أو المحبة في الله، فنقول: أولاً: ينبغي أن نعلم أن المحبة في الله تشمل أساسين كبيرين: أحدهما: محبته ﷺ . والثاني: محبة المؤمنين جميعاً، ويتعلق ويرتبط بذلك محبة ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، وهذه القضية أيها الإخوة! لابد من بيانها وذلك من خلال ما يلي:

стр. 146

الأساس الأول: محبة الرسول ﷺ ولوازمها محبة الرسول ﷺ هي من أعظم أنواع المحبة في الله، وقد فرض الله على العباد جميعاً محبته ﷺ وطاعته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فمحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله؛ لأن النبي ﷺ هو رسول الله، وله من الحقوق والواجبات ما هي معلومة لدينا جميعاً، ولأن محبته ﷺ متميزة عن محبة بقية المؤمنين؛ ومن ثم وجب تقديم هذه المحبة على النفس وعلى الولد والوالد وعلى الناس أجمعين. ومحبة الرسول ﷺ لها علامات ولها لوازم أشير هنا إشارات مجملة إلى بعضها فأقول: أولها: أعظم علاماتها ولوازمها طاعة الرسول ﷺ ، وتقديم طاعته على طاعة غيره. ثانيها: وجوب توقيره واحترامه ﵌. ثالثها: محبته ﷺ محبة تقتضي حبه، وحب سنته، وحب سيرته، وحب أن يكون المؤمن ممن يحشر معه يوم القيامة، وأن يكون ممن يشرب من حوضه، وأن يكون معه ﷺ في الجنة. ولمحبة الرسول الله ﷺ مقتضيات ولوازم كثيرة أعرضت عنها؛ لأن حديثنا هو عن الحب في الله وهو أشمل من ذلك، وقد أُلفت في ذلك كتب تبين مقتضيات محبة الرسول ﵌. وكذلك أشير هنا إشارة إلى أن محبة الرسول ﷺ لها آثار قلبية وعملية في حياة الإنسان، ونقص هذه المحبة تظهر آثاره وعلاماته من خلال أعمال قلب العبد، ومن خلال أعمال جوارحه في الحياة، وتأملوا جميعاً حياة الناس اليوم: هل محبة الرسول ﵌ هي في قلوب الناس كما ينبغي وكما أوجب الله ﵎ وبين الرسول ﵌؟ أقول: إن المتأمل في حال كثير من الناس اليوم يجد نقصاً شديداً في هذه المحبة للرسول ﷺ ، فكم من الناس من يقدم طاعة غيره على طاعته؟! وكم من الناس من يهتم بغيره من الناس، وقد يكون هذا الذي يهتم به من الكفار أو المشركين أو أهل البدع أو أهل الفجور أو غيرهم، ومع ذلك يهتم بهم أكثر مما يهتم برسول الله ﷺ وسيرته وآدابه ونحو ذلك؟! وكم من الناس من إذا عرض عليه الأمر أو الخبر أو النهي من رسول الله ﷺ حاكمه إلى عقله كما يحاكم كلام البشر، ولا يسلم الأمر لله ولا لرسوله ﷺ ! والله ﵎ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ومن لم يستكمل محبة رسول الله ﷺ كما ينبغي فلابد أن يؤثر ذلك على محبته للمؤمنين جميعاً، وهذه أيها الإخوة! قاعدة مهمة تأملوها في حياتكم وفي حياة الناس جميعاً، كلما كملت المحبة لله وكملت المحبة للرسول ﷺ بلوازمها وعلاماتها؛ فلابد أن يظهر أثر ذلك على محبة المؤمنين في الله ﵎، وكلما نقصت تلك نقصت محبة المؤمنين في الله منها بقدر ذلك النقص.

стр. 147

الأساس الثاني: محبة المؤمنين في الله وآثارها ومميزاتها إن محبة المؤمنين في الله تعالى من أصول الإيمان؛ بل هي من أوثق عرى الإيمان، ومن ثم فإننا سنعرض لها من خلال ما يميزها وآثارها، فأعظم ما يميز هذا الحب في الله وأعظم آثاره ما يلي: أولاً: أن الحب في الله باق إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، أيها الإخوة! تأملوا هذه الآية كيف تبين الحال يوم القيامة، حيث تبقى محبة المؤمنين فيما بينهم، وتنقلب المحبة في غير الله إلى عداوة في تلك المواقف العظيمة، والله لو تأملناها حق التأمل لراجعنا أنفسنا في هذا الباب، لراجع كل واحد منا علاقاته بالناس وحبه وبغضه؛ لينقل ذلك إلى الميزان الشرعي، حتى تكون محبته ومخاللته وصداقته وأُخوته في الله ﵎، حتى تبقى تلك الخلة والمحبة يوم يقف الجميع بين يدي الله تعالى؛ ولهذا فإن النبي ﷺ لما تحدث عن يوم القيامة، وذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ذكر منهم: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه). وتأملوا كيف يكون حال رجلين تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه يوم القيامة؟! يجتمعان هنالك في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، في ذلك اليوم العصيب الذي تدنو فيه الشمس من العباد ويشتد الكرب والهول، هناك يجتمع المتحابون في الله تعالى ليظلهم الله في ظله الظليل. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم، تأملوا هذا الحديث -أيها الإخوة! - حين ينادي الله عباده المؤمنين بهذه الصفة: (أين المتحابون بجلالي؟)، أين المتحابون في الله الذين جمعت بينهم أخوة الإيمان وطاعة الرحمن؟ فهؤلاء يوم القيامة تكون لهم هذه المنزلة العظيمة. ولذا قال ﷺ في الحديث الذي رواه الترمذي وقال عنه: حديث حسن صحيح: (قال الله تعالى: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء)، فكفى بهذه المحبة في الله عظمة أن تكون محبة باقية إلى يوم القيامة، وأن يكون للمتحابين في الله تلك المنابر الكبرى يوم القيامة. أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من المتحابين في الله. ثانياً: بهذه المحبة توجد حلاوة الإيمان، وحلاوة الإيمان مسألة قلبية إيمانية، يجد لذتها المتحابون في الله، لا لشيء آخر من دنيا ولا غيرها، ويجدون فيها من الراحة وطمأنينة النفس والقلب ما لا يجده الإنسان لا بدنيا ولا بمتعة ولا بغيرهما. عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار)، إذاً: محبة المرء لله لا يحبه إلا لله يجد فيها الإنسان حلاوة الإيمان. ثالثاً: الحب في الله من مكملات الإيمان، وتكملة الإيمان وزيادته مما ينبغي أن يحرص عليه العبد المؤمن دائماً، فعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان)، والحديث رواه أبو داود. واستكمال الإيمان يكون بأمور كثيرة، لكن من أعظم ما يستكمل به الإيمان: الحب في الله والبغض في الله. رابعاً: الحب في الله يرفع العبد إلى أن يكون مع من أحبه، وإن كانوا أعلى منه درجة يوم القيامة، وهذه فائدة فرح بها أصحاب رسول الله ﵌؛ لأنهم كانوا يحبون رسول الله ﷺ ، لكنهم كانوا يخافون من تفاوت المنازل في الجنة، بأن تكون منزلة الرسول ﷺ أعلى من منازلهم -وهي أعلى بلا شك- فلا يكونون مع رسول الله ﷺ ولا يلتقون به، ولذا روى ابن مسعود ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قوماً ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ : المرء مع من أحب)، ففرح الصحابة ﵃ بذلك فرحاً شديداً؛ لأنهم كانوا يحبون رسول الله ﷺ ، ويحبون أبا بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، فرح الصحابة شديداً؛ لأنهم سيكونون مع رسول الله ومع صحبه الكرام. ونحن نسأل الله ﵎ أن يرزقنا حب رسول الله ﷺ ، وحب صحبه الكرام، وأن يجعلنا معهم في الجنة، كما أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ حين قال: (المرء مع من أحب)، في هذا الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما.

стр. 148

علامات المحبة في الله ومظاهرها إن تتبع معالم الأخوة في الله بين المؤمنين وشروطها وموافقاتها مما تكاثرت فيه الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﵌، وأنا هنا إنما أشير إلى بعض هذه العلامات والمظاهر.

стр. 149

العلامة الأولى: التواد والتراحم والتعاطف بين المؤمنين إن أبرز مظهر وعلامة لذلك ما قاله الرسول ﷺ واصفاً المؤمنين: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذه علامة دائمة عظيمة تدل كيف يكون المؤمنون جميعاً في محبتهم، يكونون كما مثل لنا رسول الله ﷺ كالجسد الواحد.

стр. 150

العلامة الثانية: البعد عن ظلم المؤمنين وخذلانهم وحسدهم إن البعد عن ظلمهم وخذلانهم وحسدهم من علامات الحب في الله، وقد يقول قائل: إن هذه أمور عكسية، فنقول: نعم، إذا وجدت المحبة في الله أدت إلى أن الإنسان لا يحسد أخاه ولا يظلمه ولا يخذله، ومن ثم نهى رسول الله ﵌ عن هذه الصفات الذميمة في الأحاديث الصحيحة، كقوله: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا)، وقال ﷺ في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، ولهذا فمن وقع في شيء من هذه الأمور بالنسبة لإخوانه المؤمنين كيف يقال: إنه محب لهم؟! لو كان محباً لهم لتمنى لهم ما يتمناه لنفسه.

стр. 151

العلامة الثالثة: العفو عن زلات الأخ المؤمن إن العفو عن الأخ المؤمن وسد خلله ونقصه من علامات المحبة في الله، ولذا قال علي ﵁: (لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته). وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: من صدق في أخوة أخيه قبل علله، وسد خلله، وعفا عن زلله. وهذه يا أيها الإخوة! علامة مهمة جداً من علامات الحب في الله؛ لأن الإنسان إذا أحب أخاه في الله أحب له كل خير، ومن الخير أن تعفو عنه وتصفح عنه، ومن الخير أن تكمل النقص إذا وقع في خلل ونحوه.

стр. 152

العلامة الرابعة: الرفق بالمؤمنين إن الرفق بالمؤمنين وخاصة من ولاك الله أمرهم في أمر من الأمور من علامات المحبة في الله؛ لأن بعض الناس ربما يختل عنده الميزان، فإذا كان في غير موقع المسئولية فإنه قد يحقق الأخوة ويكون طيباً خلوقاً محباً للخير، لكن إذا كان في موقع المسئولية نسي هذا الأصل العظيم، وتحول إلى إنسان شديد يتعامل معهم أحياناً بنوع من القسوة والشدة والبغض، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الإنسان الذي يتولى أية مسئولية مهما كبرت أو صغرت، فليتأمل هذا الباب، فإن رسولنا ﷺ وهو واجب الطاعة كان من أرفق الناس بالمؤمنين، وسنته وسيرته ﷺ شاهدة بذلك، وكذلك كان أصحابه من بعده، انظروا إلى تاريخ أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وكيف كان رفقه ورحمته بالمؤمنين جميعاً في أيام خلافته ﵁. وانظروا إلى سيرة عمر بن الخطاب، وانظروا إلى سير الصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً كيف كان الواحد منهم يرفق بالمؤمنين ويرحمهم. وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، لما سأل في يوم من الأيام عن أحوال أحد الجيوش وقد رجع من الجهاد، فأخبروه أنه والحمد لله لم يقع في المؤمنين قتل، قال: هل مات أحد منهم؟ قالوا: لا، سوى رجل عثرت به دابته في الثلج فمات، فأمر عمر ﵁ وأرضاه قواد جيوشه ألا يذهبوا بالجيوش في أماكن الثلج وقت الشتاء رحمة بالمؤمنين. مع أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، لكن انظر كيف تكون المحبة والرأفة بالمؤمنين! وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رأى صديقه هارون بن عبد الله الحمال في يوم من الأيام يحدث الناس وهو في الظل وهم في الشمس، فلما رآه أتى عليه في الليل وقرع عليه بابه، فلما خرج عليه قال له: ما الذي جاء بك يا أبا عبد الله؟ قال له: لقد مررت عليك وأنت تحدث الناس في الفيء وهم في الشمس، فلا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد معهم. فإذا كان هذا في حال من يعلم الناس ويربيهم ويروي لهم أحاديث رسول الله ﷺ ، فكيف بحال غيره أيها الإخوة في الله؟! إن الإنسان ينبغي له أن يتذكر دائماً هذا الأمر العظيم، وهو أن يكون رفيقاً بالمؤمنين، وخاصة حينما يتولى مسئولية صغرت أو كبرت.

стр. 153

العلامة الخامسة: التزاور في الله إن التزاور في الله لا لشيء من عرض الدنيا من علامات المحبة في الله، ومعلومة قصة الذي زار أخاً له في الله فأرصد الله في طريقه ملكاً وسأله، فأخبره أن الله قد غفر له؛ لأنه ما ذهب وسافر إلا ليزور أخاه في الله لا لغيرها. والنبي ﷺ نهى عن التقاطع وعن التهاجر بغير سبب، وينبغي أن نعلم أن التزاور في الله له علامات، من أهمها: أن يكون هذا التزاور مؤدياً إلى التعاون على البر والتقوى، وأسباب النجاة، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعمل الصالحات. أما إذا كان التزاور لمؤانسة الطباع وشغل الأوقات ونحو ذلك، فقد لا يكون هذا التزاور تزاوراً في الله، فينبغي أن يلاحظ ذلك.

стр. 154

العلامة السادسة: التنفيس عن كربات المسلمين إن من علامات المحبة في الله التنفيس عن كربات المسلمين، وقد قال ﵌ في الحديث المشهور: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، واسمعوا لهذا الحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله ﵌: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً -يعني: مسجده ﷺ ومن كف غضبه ستره الله، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل). وقصص السلف رحمهم الله تعالى في إيثارهم لإخوانهم وكشف كرباتهم معروفة مشهورة، فكم تقاسموا الأموال! وكم جرى بينهم ما جرى من الإيثار! وكل ذلك من تحقيق المحبة في الله رجاء لما عند الله ﵎.

стр. 155

العلامة السابعة: الحرص على نصح المسلمين إن الحرص على نصح المسلمين من علامات المحبة في الله، ولذا يقول جرير بن عبد الله ﵁: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، والحديث في الصحيحين، وحديث تميم الداري الذي رواه مسلم: (الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)، فالنصح لعامة المؤمنين هو من هذا الباب. ومن أعظم آفات الأخوة في الله وأعظم دليل على ضعف الحب في الله: ألا ينصح الأخ أخاه في معصية أو تقصير ونحوه، إما خجلاً منه، أو حذراً من أن يكدر عليه، أو خوفاً من أن يغضب عليه ويبغضه إذا نصح، وكان السلف رحمهم الله تعالى يقولون: رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا. إذاً: من العلامات الكبرى للحب في الله أن تحرص على أن تنصح أخاك، وألا تتساهل في هذا الأمر؛ لأن نصحك له في الدنيا بأسلوب طيب جداً له أثره العظيم فيما بينك وبينه، لا في العمل الصالح وإقلاعه عن خطئه ونحو ذلك فحسب، وإنما في المحبة بينكم، فكم من أخوين في الله ازدادت محبتهما في الله؛ لأن كل واحد منهما إذا رأى من أخيه خللاً أو تقصيراً أو عيباً نصحه، وبين له بأسلوب يدل على مدى الحب بينهما، فلنحرص أيها الإخوة في الله! على هذه الصفة، فإنها علامة من علامات الأخوة في الله والمحبة بين المؤمنين، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم منهم.

стр. 156

العلامة الثامنة: محبة من أسدى المعروف والنصح إن هذه العلامة يا أيها الإخوة! مما ينبغي أن ننتبه لها جميعاً وخاصة طلبة العلم، فإن الإنسان ينبغي له أن يخص من أسدى إليه نصحاً أو أفاده علماً أو توجيهاً أو غير ذلك بنوع محبة صادقة، والذي يحدث أحياناً أن يكون هناك نوع من التدابر أو التباغض؛ بسبب الحسد الذي يوقعه الشيطان بين طلبة العلم، بل أحياناً بين التلميذ والأستاذ، وهذا مما ينبغي أن يراعيه الجميع، فالأستاذ والمعلم ينبغي أن يحب تلاميذه، وإذا ما تفوق تلميذ من تلاميذه فعليه أن يفرح بذلك وألا يغضب؛ لأن له من الأجر مثل ذلك؛ لأن النبي ﵌ قال: (من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه)، فإذا ما علم الأستاذ أن التلميذ هو حسنة من حسناته، وأن له بكل عمل يعمله هذا الإنسان أجراً عند الله ، فإنه والحالة هذه لا يغضب، ولا يأتيه الشيطان ليكدر حاله، وإذا ما تفوق تلميذه فرح له كما يفرح الأب بتفوق ابنه عليه، وكذلك أيضاً بالنسبة للتلميذ مع أستاذه، فالواجب عليه أن يعلم أن أستاذه له فضل عليه، حتى لو لم يفده إلا بكلمة واحدة أو بفائدة واحدة فينبغي أن يحبه من أجل ذلك، وينبغي أن تجمع بين العالم وبين تلاميذه أخوة الإيمان والمحبة في الله رجاء ما عند الله . وسوف أضرب مثالاً مما يقع بين الأستاذ والتلميذ من الاحترام والتقدير من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى: يقول أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة قال: وصلت الفسطاط -والفسطاط مدينة بمصر- فجئت مجلس أبي الفضل الجوزي، فكان مما قاله هذا العالم في درسه: إن النبي ﷺ طلق وظاهر وآلى -أي: من نسائه-. قال: فلما خرج اتبعته حتى بلغ منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز وعرفهم غيري؛ فإنه رأى شارة الغربة، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريباً هل لك من كلام؟ قلت: نعم، قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه، فقاموا، فقلت له: حضرت المجلس وسمعتك تقول: آلى رسول الله ﷺ ، وصدقت، وتقول: وطلق، وصدقت، وتقول: وظاهر من نسائه، ولم يكن ذلك ممكناً، ولا يصح أن يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ . يعني: أن الرسول ﷺ ما ظاهر من نسائه، ولا قال لواحدة منهن: أنت علي كظهر أمي. فما الذي فعله هذا الأستاذ مع تلميذه؟ يقول محمد بن القاسم: فضمني إلى صدره وقبل رأسي وقال: أنا تائب من ذلك، جزاك الله من معلم خيراً، قال محمد بن القاسم: ثم انقلبت إليه في درس اليوم التالي، وبكرت إليه، فألفيته قد جلس على المنبر، فلما دخلت الجامع ورآني ناداني بأعلى صوت: مرحباً بمعلمي، افسحوا لمعلمي، قال: فتطاولت الأعناق إلي، وتحدقت الأبصار نحوي، وتعرقني جسمي -أي: أصابني عرق شديد من شدة الحياء- قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعونني حتى بلغت المنبر، وأنا لعظيم الحياء لا أعلم في أي بقعة أنا، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقاً، وأقبل الشيخ على الحاضرين، وقال لهم: أنا معلمكم وهذا معلمي، لما كان بالأمس قلت لكم كذا وكذا، فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي، فأتبعني هذا إلى منزلي وقال لي كذا وكذا. يقول محمد بن القاسم: وأعاد ما جرى بيني وبينه في مسألة الطلاق والظهار، وقال أمام الحضور: أنا تائب من قولي بالأمس، راجع عنه إلى الحق، فمن سمعه ممن حضر فلا يعود إليه، ومن غاب فليبلغه من حضر، فجزاه الله خيراً، وجعل يحتفل لي في الدعاء والخلق يؤمنون. تأملوا أيها الإخوة في الله! هذه العلاقة بين التلميذ والمفتي، علاقة تقوي الآصرة بينهما، علاقة عمادها الحب في الله، وعمادها محبة الحق والرجوع إليه، ولو جاء من أي شخص كان، فلا علو ولا ترفع ولا إنكار للحق لأنه جاء من فلان أو فلان، وإنما هو تواضع من الشيخ، وحسن أدب من التلميذ. وهذا مما ينبغي أن ينتبه له طلبة العلم؛ لأن طلبة العلم والدعاة إلى الله ﵎ هم القدوة لغيرهم، فعليهم أن يكونوا فيما بينهم وبين الناس متحابين متآخين، إذا ذكر الواحد منهم أخاه ذكره بالخير، وإذا سمع طعناً في عرضه دافع عنه، وبهذا يتأثر بهم الناس؛ لأنهم قدوة لهم، والعكس بالعكس، فإذا رؤي منهم الحسد والكلام في بعضهم ونحو ذلك قال الآخرون من عامة الناس: إذا كان هذا العالم الفلاني، أو طالب العلم الفلاني يقدح ويشتم ويسب في أناس علماء أو فضلاء أو نحو ذلك، فنحن إذا صنعنا ذلك مع أمثالنا فلسنا بأقل منهم. ومن ثم فإن تحقيق الأخوة في الله مما ينبغي أن ينتبه له الجميع وخاصة طلبة العلم.

стр. 157

الأمور الجالبة للمحبة في الله تعالى بعد ذكر هذه العلامات، أحب أن أشير بإيجاز إلى أعظم ما يجلب المحبة في الله؛ لأن لقائل أن يقول: ما الذي يجلب المحبة في الله؟ وأقول: إن الذي يجلب المحبة في الله أمور أذكرها باختصار:

стр. 158

حب الله وحب كلامه ودينه إن على العبد أن يورث قلبه حب الله تعالى وحب كلامه وحب دين الإسلام، فإذا ما امتلأ القلب بهذا الحب أثر هذا على ما يتبعه من الحب لله والحب في الله.

стр. 159

حب الرسول ﷺ وتوقيره وتعظيمه إن حب رسول الله ﵌ وتوقيره وتعظيمه له أثر عظيم في حياة المؤمن، فالمؤمن الحريص على السنة، الحريص على مدارسة سيرة الرسول ﵌، المحب له المتبع له، هذا الحب ينتقل أثره إلى صاحبه؛ لأنه إذا ما علم أخلاق رسول الله ﷺ ومعاملته لأصحابه ولإخوانه وحبه الخير لأمته انتقل إليه ذلك، وهذا أثره ظاهر.

стр. 160

معرفة فضل الحب في الله وأجره أن من عرف فضل الحب في الله حرص عليه، ومن عرف أجر المتحابين في الله فلابد أن يصابر نفسه على ذلك، وأن يربي نفسه وقلبه على أن يكون قلبه محباً للمؤمنين.

стр. 161

سلامة الصدر يقول الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، وسليم الصدر هو الذي يجعل القلب محباً لله؛ لأنه لا يحمل ضغناً لأحد. وتعلمون قصة الرجل الذي شهد له الرسول ﷺ بأنه من أهل الجنة ثلاث مرات، ثم لحق به عبد الله بن عمرو بن العاص لينظر في حاله، وبات عنده ثلاثة أيام، يقول: فلم أجد عنده مزيد صلاة ولا مزيد نوافل وعبادات، وإنما وجدت حاله مثل غيره، فسألته وقلت له: أنا بت عندك ثلاثة أيام لأجل أن أعرف السبب الذي من أجله قال فيك رسول الله عليه وآله وسلم: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) فقال له هذا الرجل: ليس إلا ما رأيت، إلا أنني آوي إلى فراشي وأبيت وليس في قلبي غل أو حقد على أحد، فسليم القلب يحب المؤمنين ويحب الخير لهم، فاحرصوا أيها الإخوة على سلامة الصدور.

стр. 162

التواضع وعدم التكبر إن الكبر داء عضال يؤدي إلى الترفع على الناس، ومن ثم يؤدي لا محالة إلى بغضهم، ولذا قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد). إن التواضع وعدم الكبر على الناس يجعل الإنسان في نظرته لإخوانه ولعيوبهم ومقارنتها بعيوب نفسه يجعله محباً للخير صادقاً.

стр. 163

أهمية البغض في الله ومدى ارتباطه بالحب في الله هناك قضية ترتبط بالحب في الله لابد منها ألا وهي: البغض في الله. وأهمية هذا الموضوع تكمن فيما إذا كان الحب في الله مرتبطاً بتوحيد العبادة، فإن البغض في الله مرتبط بالكفر بالطاغوت. وهنا تتبين أهمية هذين الأمرين: الحب في الله، والبغض في الله، وكل منهما مكمل للآخر، ولذا فكثيراً ما يقرن بينهما في الأدلة، مثل بعض الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ : (من أحب في الله وأبغض في الله)، وكذلك أيضاً باب الموالاة والمعاداة، فإن المؤمن يوالي المؤمنين وبالمقابل يعادي الكافرين، ولأجل هذا فإن الحب في الله ما يكمل إلا بالبغض في الله، والخلل في هذا يؤدي إلى الخلل في ذاك، فمثلاً: من اختل عنده ميزان البغض في الله، وصار يحب الكفار أحياناً، أو يحب الفجرة والفسقة ولا يبغضهم لفسقهم وفجورهم، أو يحب أهل البدع ولا يبغضهم لبدعهم، فلابد أن يؤثر هذا على حبه في الله، ولا يستقيم ميزان الحب في الله إلا باستقامة ميزان البغض في الله.

стр. 164

أقسام من يجب بغضهم في الله ينبغي أن نعلم جميعاً أن الذين يجب أن يبغضوا في الله قسمان: أحدهما: من يجب على العبد أن يبغضهم بغضاً تاماً، حتى ولو أحسنوا إليه أو أحسن إليهم لسبب من الأسباب، وهؤلاء يجمعهم الكفار من المشركين والملحدين، ومن اليهود والنصارى ومن المرتدين ومن المنافقين وغيرهم، فهؤلاء جميعاً يجب بغضهم بغضاً تاماً، ولا تجوز موادتهم ولا محبتهم؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢]، وهذا نفي عام يدل على أن المؤمن الصادق لا يكون في قلبه مودة لهؤلاء الكفار أبداً، ولو كان الكافر أباً أو أماً أو أخاً لك أو جاراً أو قريباً أو غير ذلك. وهذا الأمر مما وقع الخلط فيه في أزمنتنا المتأخرة ولا حول ولا قوة إلا بالله، واختلت فيه بعض الموازين، حتى رأينا بعض الناس يحب الكفار لأسباب تافهة، فقد يحبهم لأجل الكرم، وقد يحبهم لأنهم نصروه في يوم من الأيام لأجل أهدافهم ومصالحهم، وهذا مما ينبغي أن ينتبه له الجميع، فإن الكفار تجب معاداتهم مهما كان بيننا وبينهم من مصالح، ومن حوار بين الأديان الذي يدعو إليه أعداء الله، وربما يخدع فيه من يخدع من المسلمين المغترين في هذا العصر الحديث، فإن اليهود والنصارى هم كفار، فكيف يأتي الإنسان ليجلس في حوار معهم؟! والحوار معناه أن نجعل الإسلام واليهودية المحرفة والنصرانية المحرفة على طبق واحد ننظر في فضائلهم جميعاً ونجتمع عليها! وأنى يكون لعباد عزير والصليب ولإخوان القردة والخنازير وللكفار بالله ﵎ محبة، ومن الجرأة أن يجعل المسلم هؤلاء الكفار مع أهل الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه. القسم الثاني مما يبغض في الله: من يبغضون بغضاً ليس كاملاً، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يقعون في فسق أو في بدعة غير مكفرة، فهؤلاء لهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون، ولكن يجب بغض ما عندهم من فسق أو بدع، وهذا أيضاً مما وقع فيه الخلل عند بعض الناس، فإنهم قد يحبون الفساق أو أهل البدع؛ نظراً لأنهم غير كفار، ونحن نقول: لابد من ميزان الحق في هذا. فالواجب عليك أن تحبهم محبة عامة؛ لأنهم مسلمون مؤمنون بالله، لكن لا يجوز لك أن تحبهم محبة كاملة بحيث تجعلهم سواسية مع المؤمنين المتقين؛ بل يجب أن تبغض ما فيهم من فسق أو بدعة أو فجور، أن تبغض هذا في الله ﵎. وبتحقيق هذا الأصل -البغض في الله- يكتمل الأصل الأول الذي تحدثنا عنه سابقاً، وهو الحب في الله. أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من المتحابين في الله، وأن يعيذني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 165

دروس من الحج الحج مدرسة ربانية عظيمة، فيها يتذكر المسلم العرض الأكبر على الله تعالى، يوم يتجرد العبد من كل شيء، ويقدم على الله بعمله، وفيها تسكب العبرات، وتقال العثرات، وتراق المهج، وتخشع النفوس، وتنكس الرءوس. وفيها يتربى المسلم على إنفاق المال، وبذل الغالي والنفيس للهجرة إلى الله وترك حطام الدنيا وراءه ظهرياً. وفيها من العبر والدروس ما لا يحصره إلا العليم العلام، فله الحمد على ما شرع وسن من الأحكام.

стр. 166

الحج رحلة إلى الله وذكرى بيوم القيامة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:١ - ٧]. هذه الآيات هي مفتتح سورة الحج، والحج رحلة إلى الله تعالى يرحلها العباد مستجيبين لنداء العبودية لله الواحد القهار، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وإذا كانت الصلاة والزكاة والصيام عبادة فإن الحج يتميز عنها بأنه عبادة يترك من أجلها العبد البلاد والأولاد والأحباب والضيعات والأموال، ويقطع المسافات الشاسعة التي قد تمتد الآف الأميال. إن الحج رحلة وهجرة إلى الله ﵎، وتجرد الحاج من المخيط، ووقوف الألوف في عرفات محرمين بأرديتهم البيض من أعظم ما يذكر العباد بيوم القيامة والخروج من هذه الدنيا، ليكون هناك الحساب والجزاء بين يدي حكم عدل لا يظلم عنده أحد ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وهذا هو المعنى الذي يربط بين افتتاح سورة الحج بالأمر بتقوى الله تعالى وتذكر زلزلة الساعة العظيمة وبين معنىً من معاني الحج الكبار كان يدركه سلفنا الصالح، أما نحن اليوم فقد صار حج كثير منا نزهة قصيرة، نطارد من خلالها الزمن لنعود إلى ما كنا عليه من لهو وعبث وغفلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 167

قصة أويس القرني مع عمر وعلي كيف كان يدرك سلفنا الصالح رحلة الحياة القصيرة؟ حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ سنة ثلاث وعشرين قبيل استشهاده ﵁ بأيام، وكان شغله الشاغل في حجه البحث عن رجل من رعيته من التابعين يريد مقابلته، وصعد عمر بنفسه على جبل أبي قبيس، وأطل على الحجيج وهم حول بيت الله الحرام، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن! أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ طويل اللحية من قرن فقال: يا أمير المؤمنين! إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا، خامل الذكر، وأقل مالاً، وأوهن أمراً من أن يرفع إليك ذكره يا أمير المؤمنين. فسكت عمر كأنه لا يريده، ثم قال له: يا شيخ! وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ: نعم -يا أمير المؤمنين- هو معنا في الحرم، غير أنه في أراك عرفة يرعى إبلاً لنا. وسرعان ما ركب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ على حمارين لهما وخرجا من مكة، وأسرعا إلى أراك عرفة، ثم جعلا يتخللان الشجر ويطلبانه، فإذا هما به في طمرين من صوف أبيض قد صف قدميه يصلي إلى الشجرة، وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده وألقى يديه على صدره، والإبل حوله ترعى، قال عمر لـ علي ﵄: يا أبا الحسن إن كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو وهذه صفته. ثم نزلا عن حماريهما وشدا بهما إلى أراكة، ثم أقبلا يريدانه، فلما سمع أويس حسهما أوجز في صلاته، ثم تشهد وسلم، وتقدما إليه فقالا له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال أويس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال عمر: من الرجل؟ قال: راعي إبل وأجير للقوم. فقال عمر: ليس عن الرعاية أسألك ولا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عبد الله وابن أمته. فقال: قد علمنا أن كل من في السموات والأرض عبيد لله، وإنا لنقسم عليك إلا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك. قال: يا هذان ما تريدان إليه؟ أنا أويس بن عبد الله. فقال عمر ﵁: الله أكبر! يجب أن توضح عن شقك الأيسر. قال: وما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له علي ﵁: إن رسول الله ﷺ وصفك لنا، وقد وجدنا الصفة كما أخبرنا، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك، فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر، فلما نظر علي وعمر إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه، وقالا: نشهد أنك أويس القرني، ثم بكيا طويلاً، وقالا: يا أويس! إن رسول الله صلى عليه وسلم أمرنا أن نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله؛ فقد خبرنا بأنك سيد التابعين، وأنك تشفع يوم القيامة في عدد ربيعة ومضر، فبكى أويس بكاءً طويلا، ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيري. فقال علي: إنا قد تيقنا أنك هو لا شك في ذلك، فادع الله لنا يرحمك الله بدعوة وأنت محسن. فقال أويس ﵀: ما أخص باستغفارٍ نفسي ولا أحداً من ولد آدم، ولكنه في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات في ظلم الليل وضياء النهار، ولكن من أنتما يرحمكما الله؟ فإني قد أخبرتكما وشهرت لكما أمري ولم أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس. فقال علي: أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأما أنا فـ علي بن أبي طالب. فوثب أويس فرحاً مستبشراً، فعانقهما وسلم عليهما، ورحب بهما وقال: جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً. قالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيراً. ثم قال أويس: ومثلي يستغفر لأمثالكما؟! فقالا: نعم إنا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصنا رحمك الله بدعوة منك حتى نؤمن على دعائك، فرفع أويس رأسه وقال: اللهم! إن هذين يذكران أنهما يحباني فيك، وقد رأوني فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيهما محمد ﷺ . فقال له عمر ﵁: يا أويس! مكانك رحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي؛ فإني أراك رث الحال، هذا المكان الميعاد بيني وبينك غداً. فقال أويس: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بيني وبينك ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني، ما أصنع بالنفقة؟! وما أصنع بالكسوة؟! أما ترى علي إزاراً من صوف ورداءً من صوف؟! متى أراني أخلقهما؟! أما ترى نعلي مخصوفتين؟! متى تراني أبليهما؟! ومعي أربعة دراهم أخذتها من رعايتي متى تراني آكلها؟! وتأملوا في قول أويس لأمير المؤمنين يا من تعلقتم بالدنيا وظننتم أن السعادة كل السعادة في أن تكون بين أيديكم الأموال والقصور، انظروا إلى موازين أهل الخير وأهل الحق وأهل الله وأهل الدار الآخرة. قال أويس ينصح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الزاهد العابد ﵁: يا أمير المؤمنين! إن بين يديك عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخف يرحمك الله، يا أبا حفص! إن الدنيا غرارة غدارة زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غداً من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار. فلما سمع عمر ﵁ كلامه ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها ولها؟! فقال أويس: يا أمير المؤمنين! خذ أنت هاهنا حتى آخذ أنا هاهنا ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه وعمر وعلي ﵄ ينظران إليه حتى غاب فلم يرياه، وولى عمر وعلي نحو مكة ﵃ جميعاً. أيها الأخ في الله! حديث فضل أويس القرني، وأنه لو أقسم على الله لأبره، وقول النبي ﷺ لـ عمر: (إن استطعت أن يستغفر لك فافعل) حديث ثابت في صحيح مسلم. أما العبرة من هذه القصة فهي: كيف كانت مواقف الحج عند الأوائل؟ كانت ذكرى ليوم القيامة، كانت ذكرى للرحيل إلى الله ؛ لأن الحج رحلة بما فيه من إحرام وتجمع، رحلة تختصر رحلة عمر الإنسان في هذه الحياة. فهل يعي هذه الدروس أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم في معصية الله؟ هل يعيه أولئك الذين يظلمون الناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم؟ هل يعي ذلك أولئك الذين بغوا على عباد الله ﵎ مشرقاً ومغرباً؟

стр. 168

الحج تذكار بالجهاد في سبيل الله بعد آيات الحج في سورة الحج، وبيان مناسكه وفضله، وتعظيم شعائر الله تعالى، يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٨ - ٤٠]. وهنا يلتقي الحج مرة أخرى بالجهاد في سبيل الله تعالى، فهو مدرسة من مدارس الجهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا) كما قال المصطفى ﷺ ، إن الحج يذكر هذه الأمة بالجهاد ويعلمها إياه من خلال عدد من الأمور: أولها: مشقة السفر إلى مكة، فهو شبيه بسفر المجاهدين في سبيل الله تعالى، وإن الرجل ليودع أهله وهو لا يدري هل يرجع إليهم أم لا، خاصة إذا كان من بلاد نائية. ثانيها: السكن في المشاعر، إذا نظرت إليه وجدته شبيهاً بمعسكرات المجاهدين. ثالثها: تنقل وتحرك الحجاج من مكة ومن كل صوب إلى منى، ثم من منى إلى عرفات، ثم من عرفات إلى المزدلفة، ثم إلى منى مرة أخرى، في أوقات محددة منضبطة، وكأنها تنقلات جيوش مجاهدة في سبيل الله تعالى. رابعها: في زمن النبي ﷺ لما نهى عن سفر المرأة بدون محرم، قام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإنني اكتتبت في غزوة كذا. فقال ﷺ : (اذهب وحج مع امرأتك)، فنقله ﷺ من جهاد إلى جهاد. خامسها: سمى رسول الله ﷺ الحج والعمرة جهاداً بالنسبة للنساء، فقال لما سألنه عن الجهاد ولماذا كتب على الرجال فقط؟ قال ﵊: (عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة). سادسها: الرجل الذي وقصته دابته فسقط منها فمات وهو محرم، فقد نهى رسول الله ﷺ عن تغطية رأسه عند تكفينه ودفنه وقال: (إنه يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً). وكذا المجاهد في سبيل الله إذا مات في المعركة فإنه يكفن بأثوابه التي قتل فيها. إن الحج مدرسة جهادية تعلم المؤمنين وتعلم الأمة كلها كيف تنقل نفسها من عاداتها المألوفة، ومن ترفها، ومن دنياها، ومن مناصبها، ومن جاهها، وتنخلع من ذلك كله لتلحق بركب المجاهدين في سبيل الله.

стр. 169

الحج مدرسة لتوحيد الله وطاعته أيها الأخ الحبيب! مضى درسان من دروس الحج الكبار، أحدهما: نقلة إلى الدار الآخرة، وذكرى بيوم القيامة. والثاني: استعداد ورحيل، استعداد ورحيل إلى الله بالجهاد في سبيل الله؛ لأن المجاهد باع نفسه لله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، فالمجاهدون باعوا أنفسهم لربهم ﵎. ونقف الآن مع درس ثالث، درس يعلم المؤمنين أن هذا الحج مدرسة لأمة محمد ﷺ في صفاء العقيدة وسلامتها وخلوصها من الشرك بالله ﵎. إن إبراهيم ﵇ الذي بنى هذا البيت هو الذي دعا إلى الملة الحنيفية القائمة على إخلاص التوحيد لله والبراءة من الشرك وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فالحج مدرسة ترجع كل مسلم إلى الأصل العقدي الواجب الذي لا يجوز أن نفرط فيه، وهو التوحيد الخالص لله والبراءة من الشرك. وينبثق من هذا التوحيد الطاعة لله ﵎ فيما أحب الإنسان أو كره، وسواء رضي عنه الآخرون أو لم يرضوا. فهذا إبراهيم يترك ولده الرضيع إسماعيل وأمه هاجر -وقد أنزلهما مكة قبل عمارتها وقبل بناء البيت- يتركهما بلا ماء ولا زاد، ويذهب لأمر الله ﵎، وتلحق به هاجر وتصيح به: كيف تتركنا هاهنا؟ وهو لا يلتفت إليها، ولكنها المرأة المؤمنة عرفت السر فقالت: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم؟ فأشار إليها أن: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا الله. إنه الامتثال لأمر الله من إبراهيم وزوجه، ولم يضيعهم الله، تفجرت مياه زمزم تحت أقدام الرضيع بعد سعي أمه بين جبلي الصفا والمروة لتكون سنةً وشريعةً إلى يوم القيامة. ولما بلغ إسماعيل السعي مع أبيه وصار بحيث تتعلق نفس الوالد به أشد التعلق أمره الله بأمر عظيم: أن يذبح ولده، فاستجاب الوالد دون تردد، واستجاب الولد وقال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وأسلما لربهما ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، ووقع الامتثال الكامل، ولكن رحمة الله كانت قريبة، ففداه الله بذبح عظيم، فصارت الأضحية سنة إلى يوم القيامة.

стр. 170

الحج انسلاخ من عادات الجاهلية والحج انسلاخ من عادات الجاهلية وما أحدثوه في الحج خاصة، وقد كان رسول الله ﷺ يحب مخالفة المشركين مع أنهم أهله وقومه وعشيرته وبلاده، ولكنه لم يكن متلوثاً بما تلوث به بعضنا في هذه الأيام من القوميات الجاهلية. أحرم ﷺ بالعمرة في أشهر الحج مخالفة للمشركين، ووقف مع الناس في عرفات مخالفة لقريش التي كانت تتكبر على الناس وتزعم أنها أهل الحرم، فكانوا لا يتجاوزون الحرم، ويقفون بالمزدلفة يوم عرفة، وأفاض من عرفات بعد الغروب خلافاً للمشركين، ليبين تميز أهل هذه الملة الحنيفية عن اليهود وعن النصارى وعن المشركين أيضاً. أيها الأخ في الله! إن الحج مدرسة عقيدة، الأصل فيه الدين والتوحيد والصفاء لهذه العقيدة والسلامة والبعد عن الشرك بالله، ثم يأتي بعد ذلك ما هو من أعمال الخير كعمارة المسجد الحرام، ولقد عكس المشركون في مكة هذا الأمر، فكانوا ينشرون في بيت الله الحرام الشرك بالله والظلم لعباد الله المؤمنين، ثم يفتخرون بعمارة المسجد الحرام وبالسقاية والرفادة للحجاج، فقال الله ﵎ عن المشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٩].

стр. 171

دورنا تجاه تعليم الحجاج العقيدة السلفية ما دورنا مع الحجاج تجاه هذه العقيدة؟ إنني أقول: لو أن الحج كان بيد الرافضة فكيف سيتحول الحج أيها الأخ في الله؟ سيحولونه -كما نعلم من حرصهم على عقيدتهم وبدعهم وكفرياتهم- سيحولون الحج من أوله إلى آخره مدارس رافضية يعلمون فيها الحجاج الرفض والكفر بالله ﵎. فلماذا نحن -أهل العقيدة السلفية- نقصر في هذا الباب تقصيراً عظيماً؟ أنا أعلم أن هناك جهود طيبةً مخلصةً تبذل، ولكنني أقول: بما معنا من إمكانيات مادية، ومن علماء، ومن جهود، ومن إمكانيات متعددة في الإعلام والطباعة وغير ذلك هل نحن الآن نقوم بالمسئولية كما هي وبالواجب كما هو؟ هل يرجع الحجاج وقد تعلموا منا دروساً في الحج؟ خاصة أنهم قد تعلقوا بنا لأننا أهل الحرم وأهل الله في بيته، فهل قمنا بدورنا أيها الأخ في الله؟ إنني أرى تقصيراً كبيراً. ولذلك فإنني أقول: إن كل حاج منا يتحمل أمام الله مسئولية الدعوة إلى الله ﵎ هناك بالشريط، وبالكتيب، وبالكلمة، وبالموعظة، وبالتوجيه، وبكل أسلوب يرفع فيه علم هذه العقيدة، ويرفع فيه علم هذا الدين؛ حتى يرجع الحجاج إلى ديارهم وقد أدوا نسكهم، وتعلموا من حجهم العقيدة السليمة الصافية. اللهم! إنا نسألك أن تعيننا وتعين المؤمنين جميعاً على أن يقوموا بدورهم المطلوب تجاه دينهم وتجاه عقيدتهم، اللهم! وفق الحجاج جميعاً لحج مبرور وسعي مشكور، اللهم! اجعل اجتماعهم فاتحة نصر وعز لهذه الأمة تجاه أعدائها مشرقاً ومغرباً. اللهم! انصر أمة محمد ﷺ ، وردها إليك رداً جميلاً يا أكرم الأكرمين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان، وانصر عبادك الموحدين والمجاهدين في كل مكان يا قوي يا عزيز. اللهم! أذل الشرك والمشركين، اللهم! أذل الشرك والمشركين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء، وأراد الحجاج بسوء، فأشغله بنفسه يا أرحم الراحمين، اللهم! أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين. اللهم! صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم يا رب العالمين، اللهم! اجعلنا منهم بفضلك وكرمك.

стр. 172

التطبيق العملي للعقيدة الإسلام دين عقيدة وعمل، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وحين ترك كثير من المسلمين تطبيق العقيدة عملياً، واكتفوا بالجانب النظري حصل الانفصام والخلل، وحصلت الفرقة، وحلت المصائب، ونزلت البلايا والرزايا، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم أن يجمع بين التطبيق النظري والتطبيق العملي، فإن هذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

стр. 173

معنى التطبيق العملي للعقيدة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة! أشكر للإخوة المشرفين على هذا المركز أولاً الدعوة للقاء معكم في هذه الليلة. وثانياً: للاختيار الجيد الذي اختاروه ليكون عنواناً لهذا الدرس أو هذه المحاضرة، والذي هو: (التطبيق العملي للعقيدة). أيها الإخوة! التطبيق العملي للعقيدة هو الثمرة الحقيقية لتلك الأمور التي يؤمن بها الإنسان بدأً بالإيمان بالله ﵎ وانتهاءً بالتصديق بكل ما أخبرنا به ربنا وأخبرنا به رسولنا ﷺ ، ومن ثمَّ فلو سأل سائل قائلاً: ما هو الهدف من هذه العقيدة؛ والتي تشمل كل ما يعتقده الإنسان، ويؤمن به مما جاءت دلائله واضحة صريحة؟ لجاء الجواب إنه التطبيق العملي. وهذا التطبيق العملي -أيها الإخوة- يبدأ مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا في تطبيق مقتضيات تلك العقيدة، ثم ينتهي إلى تلك النتيجة العظيمة حقاً حين يُهدى إلى طريق الجنات؛ فلأن الله هداه في الدنيا فإنه يُهدى يوم القيامة إلى طريق الجنات؛ جنات النعيم عند رب العالمين، ينعم فيها ولا يبأس أبداً، ويخلد فيها فلا يموت أبداً، ويلقى فيها من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إذاً: هي نتيجة عملية في الدنيا ذات تطبيق عملي وذات أثر واقعي على حياة الإنسان في راحته النفسية وطمأنينته القلبية وفي معاشرته ومعاملته لجميع الناس، ثم هي أيضاً نتيجة واقعية عملية حين يلقى الإنسان ربه يوم القيامة بقلب سليم، أي: قلب مؤمن بالله عامل بمقتضى ذلك الإيمان.

стр. 174

ظاهرة الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي إن من مصائبنا نحن المسلمين -وما أكثر مصائب المسلمين اليوم- هي ذلك الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي في باب العقيدة، هذا الانفصام تجده مشاهداً على مستويات متفاوتة بين كثير من المسلمين، وهذا مما يؤُسف له؛ حيث تجد النظرية أحياناً جميلة، ممتازة، رقيقة، محبوبة إلى آخره، لكنك تلتفت إلى الواقع العملي فتجد الأمر مختلفاً. وهذه تعتبر من المصائب الكبرى التي إذا أصيبت بها الأمم والشعوب تحولت عقيدتها وإيمانها ودينها إلى نظريات فقط، وانقلبت حياتها العملية إلى حياة أخرى بعيدة جداً عن ذلك التطبيق العملي، ولهذا فإن الله وهو يعلم تلك العصبة المؤمنة التي نزل عليها القرآن أول مرة، ناداها ﵎ بذلك النداء الذي يحمل معاني ومعاني، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. وإذا كان هذا في باب القول فهو في باب الإيمان والاعتقاد من باب أولى، فإذا كنت تقول في نفسك: إنني أحب الله، وأخلص هذه المحبة لله، فلماذا عند التطبيق العملي تقدم محبة غير الله على محبة الله، وتقدم الهوى والنفس والشيطان والكسل، وتقدم أموراً تافهةً من أمور الدنيا فتحبها وتقدسها، وينشغل لها بالك ليل نهار، ولربما أخرت أو تركت طاعة لله من أجل ذلك الهوى وذاك الشيطان، وأنت تزعم وتقول: أنا عقيدتي صافية؛ وأنا أخلص المحبة لله ؟! فلماذا اختلف الأمران؟! ولماذا اختلف اعتقادك النظري عن تطبيقك العملي؟! ولماذا تجاوزت التطبيق العملي في هذه المسألة؟! وهي مسألة واحدة من مسائل كثيرة من أمور الاعتقاد. وهكذا يقول الإنسان: إنني أخاف الله، وأفرده بالخوف؛ لأنه وحده هو الذي بيده الأمر كله؛ بيده الحياة والموت، وبيده الرزق، وبيده كل شيء، فلا أخاف إلا الله؛ لأن البشر لا يملكون من الأمر شيئاً، ثم تأتي إلى هذا الإنسان في واقعه العملي فتجده يخاف من غير الله، فيخاف من سلطان، أو يخاف من جن، أو يخاف من ساحر، أو يخاف من عدو في أمر لا يقدر عليه إلا الله ، فنأتي ونقول له: لماذا انفصل الأمران عندك؟ فإذا كنت معتقداً تلك العقيدة على وجه صافٍ صحيح مؤصل، فلماذا تخاف من غير الله ﵎ فيما لا يقدر عليه إلا الله ﵎؟! وهكذا أيها الإخوة! إذا جئت إلى أي جانب من جوانب العقيدة فستجد أن مصيبة الأمة الإسلامية هي: أنها انفصلت عندها النظريات عن التطبيق العملي، أو بالأصح انفصل التطبيق العملي عن تلك النظريات التي يؤمنون بها ويصدقونها.

стр. 175

منهج الرسل ﵈ في الدعوة إلى الله ومن هنا أيها الإخوة في الله! فإنني سأتحدث معكم عن جوانب من هذا الموضوع، وأقول لكم: إن ما سأتحدث عنه ما هو إلا الحلقة الأولى في هذا الموضوع الكبير؛ لأنني وجدت أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه في جلسة واحدة؛ فسأبدأ معكم في الحلقة الأولى، ولعل الله أن يهيئ مناسبة أخرى لنكمل هذا الموضوع المهم، فأقول: أولاً: ما هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله ؟ إن الله ﵎ رحمة بالبشر أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت منطلقاتهم في الدعوة إلى الله وفي تربية أممهم قائمة على توازن النظرية والتطبيق، حيث يأمرونهم بالحقيقة العلمية المثبتة لوجود الله ولأحقيته بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ينقلونهم إلى واقع عملي؛ لتخلص تلك العبادة لله ، ولهذا قال الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ولهذا فإن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تضمنت أصولاً كبرى على رأسها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادة الله وحده لا شريك له هي أمر عملي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان بالله له جانبان: الجانب الأول: جانب نظري، والجانب النظري هو ما يقتضي الإيمان بالله وبوجوده وأسمائه وصفاته الذي يُسمى عند كثير من العلماء بتوحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد القولي، بمعنى: أن يؤمن الإنسان ويصدق بأن الله موجود، وأنه واحد، وأنه متصف بصفات الكمال، لكن القسم الثاني من التوحيد هو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، وهذا الجانب الثاني، وهو التطبيق العملي للجانب الأول، ولهذا نرى أن الله قال في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١]، فأمرهم بالعبادة، والعبادة أمر عملي، لكن عبادة لمن؟ ﴿رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] إلى آخر الآية. إذاً: الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا أول ما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتلك هي القضية الكبرى التي دعا إليها جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل رسول كان يدعو قومه يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكان الرسول ﷺ يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، هذه العبادة هي التطبيق العملي الواقعي الأولي لكل إنسان ينتقل من الكفر إلى الإيمان، ولهذا صار أساساً ومنطلقاً لدعوة كل رسول من الرسل عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. الأساس الثاني المرتبط بالجانب العملي في منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هو: الامتثال لشرع الله ، والامتثال لشرع الله ﵎ إنما هو التطبيق العملي في حياة الإنسان، وانتبهوا إلى قضية ارتباط التطبيق العملي في جانب العقيدة، فلا يأتي الإنسان ويقول: أنا أؤمن وأصدق، وفكري نظيف إلى آخره، نقول له: لا يكفي إيمانك وتصديقك القلبي وفكرك النظيف وفهمك، ما لم يتحول إلى واقع عملي، وهذه من القضايا الكبار في باب الدعوة إلى الله . فالأمر الثاني هو الامتثال لشرع الله ، والامتثال لشرع الله في منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُني على أمور: الأمر الأول: طاعة كل رسول أرسل إلى قومه، ولهذا كان كل نبي يدعو قومه قائلاً لهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣]، فقوله: (اعبدوا الله واتقوه) هذه عقيدة عملية، ثم يأتي ويقول: (وأطيعون)، أي: في كل ما أمر به هذا النبي الكريم ﵊. ومن هنا -أيها الإخوة- كانت طاعة الرسول قرينة لطاعة الله ﵎. الأمر الثاني مما يأمر به الرسول مما يتعلق بالامتثال لشرعه هو: ترك المنكرات الظاهرة والتخلي عنها، فالرسول إذا أرسله الله إلى قوم يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم بطاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ثم يركز على أمر اشتهر وانتشر عند هؤلاء القوم، فيطلب منهم التخلي عنه فوراً، كما أمر شعيب ﵊ قومه بألا يبخسوا المكاييل والموازين، كما حكى الله عنه أنه قال: ﴿وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود:٨٤]، لأن بخس المكاييل والموازين ونقصها عند قوم شعيب كان ظاهرة عامة، يمكن أن نسميه في مصطلحنا الحديث: قانوناً معترفاً به عندهم، أو قانوناً ملزماً يعمل به الجميع، ولا ينكره أحد، فالرسول شعيب ﵊ دعا قومه إلى أن يتخلوا عن هذا المنكر الظاهر، وقال لهم: يجب أن يتحول هذا إلى أن يكون بالنسبة لكم معصية، ولا يقع فيه الإنسان إلا كان مرتكباً لمعصية من المعاصي. وكذلك أيضاً لما أرسل الله ﵎ نبي الله لوطاً ﵊ إلى قومه كانت تلك الفاحشة القذرة المنتنة منتشرة في أولئك القوم، فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة، وأمرهم بأن يعبدوا الله، وأن يطيعوه، وأمرهم بأن يتركوا هذه الفاحشة، فصارت أصلاً من أصول العقيدة؛ لأنها بالنسبة لقوم لوط تحولت إلى منهج ونظام معترف به لدى الجميع، فلوط ﵊ يقول: استجيبوا واتركوها؛ بحيث تصبح بالنسبة لكم جريمة، وإذا وقعت من واحد منكم يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، لكن أن تتحول عندكم إلى نظام وقانون عام فلا، فهذه الجريمة البشعة المنتشرة لا يجوز أن تبقى عندكم هكذا. ومن هنا كان منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام مبنياً على هذا. ثم -أيضاً- قام منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى الكفر بالطاغوت، وكل نبي - كما في الآية السابقة- دعا قومه إلى عبادة الله ﵎، وأن يجتنبوا الطاغوت. وهذا الطاغوت ليس نوعاً واحداً؛ وإنما هو أنواع متعددة، ولقد أجملها بعض الأئمة رحمهم الله تعالى بأنه: كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع. من معبود: كالأصنام والسحرة والكهنة والجن وغيرهم، أو متبوع: أن يتبعها على غير منهج الله، أو مطاع: في معصية الله ﵎ تحليلاً وتحريماً وهم يعلمون، فكل من كان على مثل ذلك فهو طاغوت، فكان كل نبي يدعو قومه إلى الكفر بهذا الطاغوت، والكفر بالطاغوت يتحول إلى واقع عملي. هذه إلمامة سريعة مختصرة بمنهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ومنها يتبين أن كل نبي لما أرسله الله إلى قومه لم يدعهم إلى نظريات فقط، وإنما دعاهم إلى إيمان ومعرفة يتبعها تطبيق عملي، ونقلة عملية ينتقل بها الفرد، وتنتقل بها الأمة بكاملها من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن طاعة الكهان وطاعة الفساق وطاعة المشرعين بغير ما أنزل الله، إلى طاعة هذا النبي الكريم الذي أرسله الله إلى هؤلاء القوم.

стр. 176

مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية ثانياً: منهج الرسول ﷺ في ذلك. أقول: منهج النبي ﷺ هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول ﷺ : كانت دعوته ﵊ امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله ﷺ لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان ﵊ يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم ﵇ إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله ﷺ صدق هذا. ثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله ﵎، أو أشارت إليها سنة رسول الله ﷺ ، ولهذا أقول: مكث رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول ﵊ كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول ﷺ في دعوته في مكة:

стр. 177

صراحة دعوة النبي ﷺ إلى التوحيد في مكة أولاً: دعوة الرسول في مكة قامت أول ما قامت ناصعة واضحة صريحة أمام الطواغيت: فكفار قريش عباد الأصنام والكهنة كانوا هم المسيطرين، ومع أن الرسول ﷺ بدأ دعوته ﵊ لوحده إلا أنه بدأ هذه الدعوة صريحة؛ فبدأها قائلاً لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فهي بداية عملية للعقيدة، ولم يبدأ معهم ليقول: أيها الناس! لابد أن تعلموا أن الله هو الحي الضار النافع المحيي المميت، وإن جاءت هذه الأشياء ضمن منهج القرآن، لكن الرسول كان يصدع ويقول: أنا رسول من رب العالمين، وكان يدعو قومه أول ما يدعوهم إليه أن يقول لهم: جئتكم بأمر واحد جلل عظيم، ألا وهو أن تقولوا: لا إله إلا الله، فكان المشركون- وانتبهوا معي لهذه القضية! - يفهمون من تلك البداية وذلك المنطلق من الرسول ﷺ ؛ كانوا يفهمون منه الجانب العملي، ولو كانوا يفهمون الجانب النظري فقط لانتهت المشكلة بينهم في لحظة، ولقالوا جميعاً: كلنا نقول لا إله إلا الله، وكل منهم يسير على ما سار عليه سابقاً. ولهذا لما أمن الرسول ﷺ اجتمع في أحد الأيام مع قريش في مكة، وكانوا يتدارسون أمر الرسول ﷺ ، وعرضوا عليه الأمور التي تعرفونها: تريد مالاً تريد ملكاً تريد كذا تريد كذا، والقصة مشهورة، لكن الشاهد منها هو أن النبي ﷺ قال للمشركين لما انتهوا من كلامهم: ما جئت أريد كذا ولا كذا ولا كذا، إنما جئتكم بكلمة واحدة، إن قلتموها دانت لكم بها العرب، وخضعت لكم بها العجم، فظن بعض المشركين أن الرسول يطلب منهم كلمة نظرية يقولونها وتنتهي المشكلة، فقال أبو جهل: يا محمد! نعطيك عشر كلمات. فقال لهم النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله)، فهل استجابت قريش؟ الجواب لا. إذا: ً كان المشركون -وهم مشركون- فاهمين لمقتضى العقيدة، فرفضوها عن علم، بينما كثير من المسلمين اليوم ينطق هذه الكلمة (لا إله إلا الله)، ثم يأتي ويعبد الأصنام، ويستغيث بالقبور وهو يقول: (لا إله إلا الله)، لكن المشركين كان الواحد منهم يفهم أنه إذا قال (لا إله إلا الله)، فهي نقلة عملية في حياته، وأول ما يترك عبادة الأصنام، وطاعة الكهان والطواغيت، ويلتزم طاعة الله ، لهذا لما قال لهم الرسول ﷺ أدعوكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، قالوا جميعاً: لا. إذاً: هو بالنسبة لهم رفض عن علم، كما أنها دعوة صريحة بالنسبة للرسول ﷺ يبين فيها أن منطلق العقيدة هو منطلق عملي في حياة الإنسان.

стр. 178

تأسيس توحيد المتابعة ثانياً: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول ﷺ وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول ﷺ : فكل من آمن بالرسول ﷺ واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول ﷺ في كل ما يأمر به. وهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظرياً، وإنما يدخل فيه نظرياً ويتبعه واقعاً عملياً؛ فيأتي إلى الرسول ﷺ ويقول: مرني ماذا أقول. والرسول ﷺ كان مستضعفاً، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول ﷺ ، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول ﷺ : إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلاً ذهب الرجل إلى قومه مطيعاً لرسول الله ﷺ ، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا. إذاً: هذه طاعة للرسول ﷺ تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله ﷺ ، وتخلى عن طاعة غير الله. ولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمداً رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله متابعاً فيه للرسول ﷺ ، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحياناً أو يتردد أحياناً، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجاً من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرسول الله ﷺ ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته ﵊.

стр. 179

موالاة المؤمنين ثالثاً: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول ﷺ وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول ﷺ ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول ﷺ صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال. وتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحياناً للقبيلة، وأحياناً للوطن، وأحياناً للمصالح المشتركة، وأحياناً لكذا وأحياناً لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جداً بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي ﷺ حين رباهم الرسول في مكة. وتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، وبلال بن رباح، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيباً، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟ الجواب لا؛ فهذا رسول الله ﷺ -وهو لا يملك من الأمر شيئاً- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة). فأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسماً شافياً على قلبه وجراحه، فالرسول ﷺ كان يأتي إليهم ويقول: (صبراً آل ياسر!)، وأبو بكر ﵁ وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين مادياً، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين. إذاً: تحول إلى داعية همه ليلاً ونهاراً أن يبذل وقته وماله في سبيل الله ﵎، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهداً عابداً ﵁ وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.

стр. 180

معاداة الكافرين والبراءة منهم الجانب الرابع من منهج دعوة الرسول ﷺ في مكة: معاداة الكافرين والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس: وهذا أيضاً منهج عملي؛ فلما آمن المسلمون واستجابوا كانوا في مكة يتعاملون مع الكفار المعاملة الضرورية، لكنهم كانوا يبغضونهم، ويعادونهم أشد العداء، ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ لأنهم كفار، ولهذا نجد أن أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة كانوا يتعاملون مع أقوامهم المشركين على مقتضى هذا المنهج العملي، فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قصته مع أمه معروفة، فهل كانت محبته لأمه وبره بها حاجزاً له عن أن يثبت على عقيدته ويستمر عليها؟ الجواب لا والله! بل إنه ﵁ وأرضاه صبر وصابر مع أن أمه اتخذت معه شتى الوسائل؛ فلا طاعة لمخلوق -ولو كان الوالدين- في معصية الخالق، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة يعلنون البراءة من المشركين؛ وذلك حينما كانوا يصرخون بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
следующие страницы →