Полный текст (616 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية
ثانياً: منهج الرسول ﷺ في ذلك.
أقول: منهج النبي ﷺ هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول ﷺ : كانت دعوته ﵊ امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله ﷺ لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان ﵊ يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم ﵇ إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله ﷺ صدق هذا.
ثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله ﵎، أو أشارت إليها سنة رسول الله ﷺ ، ولهذا أقول: مكث رسول الله ﷺ ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول ﵊ كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول ﷺ في دعوته في مكة:
стр. 177
صراحة دعوة النبي ﷺ إلى التوحيد في مكة
أولاً: دعوة الرسول في مكة قامت أول ما قامت ناصعة واضحة صريحة أمام الطواغيت: فكفار قريش عباد الأصنام والكهنة كانوا هم المسيطرين، ومع أن الرسول ﷺ بدأ دعوته ﵊ لوحده إلا أنه بدأ هذه الدعوة صريحة؛ فبدأها قائلاً لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا).
ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فهي بداية عملية للعقيدة، ولم يبدأ معهم ليقول: أيها الناس! لابد أن تعلموا أن الله هو الحي الضار النافع المحيي المميت، وإن جاءت هذه الأشياء ضمن منهج القرآن، لكن الرسول كان يصدع ويقول: أنا رسول من رب العالمين، وكان يدعو قومه أول ما يدعوهم إليه أن يقول لهم: جئتكم بأمر واحد جلل عظيم، ألا وهو أن تقولوا: لا إله إلا الله، فكان المشركون- وانتبهوا معي لهذه القضية! - يفهمون من تلك البداية وذلك المنطلق من الرسول ﷺ ؛ كانوا يفهمون منه الجانب العملي، ولو كانوا يفهمون الجانب النظري فقط لانتهت المشكلة بينهم في لحظة، ولقالوا جميعاً: كلنا نقول لا إله إلا الله، وكل منهم يسير على ما سار عليه سابقاً.
ولهذا لما أمن الرسول ﷺ اجتمع في أحد الأيام مع قريش في مكة، وكانوا يتدارسون أمر الرسول ﷺ ، وعرضوا عليه الأمور التي تعرفونها: تريد مالاً تريد ملكاً تريد كذا تريد كذا، والقصة مشهورة، لكن الشاهد منها هو أن النبي ﷺ قال للمشركين لما انتهوا من كلامهم: ما جئت أريد كذا ولا كذا ولا كذا، إنما جئتكم بكلمة واحدة، إن قلتموها دانت لكم بها العرب، وخضعت لكم بها العجم، فظن بعض المشركين أن الرسول يطلب منهم كلمة نظرية يقولونها وتنتهي المشكلة، فقال أبو جهل: يا محمد! نعطيك عشر كلمات.
فقال لهم النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله)، فهل استجابت قريش؟
الجواب
لا.
إذا: ً كان المشركون -وهم مشركون- فاهمين لمقتضى العقيدة، فرفضوها عن علم، بينما كثير من المسلمين اليوم ينطق هذه الكلمة (لا إله إلا الله)، ثم يأتي ويعبد الأصنام، ويستغيث بالقبور وهو يقول: (لا إله إلا الله)، لكن المشركين كان الواحد منهم يفهم أنه إذا قال (لا إله إلا الله)، فهي نقلة عملية في حياته، وأول ما يترك عبادة الأصنام، وطاعة الكهان والطواغيت، ويلتزم طاعة الله ، لهذا لما قال لهم الرسول ﷺ أدعوكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، قالوا جميعاً: لا.
إذاً: هو بالنسبة لهم رفض عن علم، كما أنها دعوة صريحة بالنسبة للرسول ﷺ يبين فيها أن منطلق العقيدة هو منطلق عملي في حياة الإنسان.
стр. 178
تأسيس توحيد المتابعة
ثانياً: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول ﷺ وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول ﷺ : فكل من آمن بالرسول ﷺ واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول ﷺ في كل ما يأمر به.
وهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظرياً، وإنما يدخل فيه نظرياً ويتبعه واقعاً عملياً؛ فيأتي إلى الرسول ﷺ ويقول: مرني ماذا أقول.
والرسول ﷺ كان مستضعفاً، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول ﷺ ، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول ﷺ : إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلاً ذهب الرجل إلى قومه مطيعاً لرسول الله ﷺ ، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا.
إذاً: هذه طاعة للرسول ﷺ تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله ﷺ ، وتخلى عن طاعة غير الله.
ولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمداً رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله متابعاً فيه للرسول ﷺ ، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحياناً أو يتردد أحياناً، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجاً من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرسول الله ﷺ ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته ﵊.
стр. 179
موالاة المؤمنين
ثالثاً: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول ﷺ وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول ﷺ ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول ﷺ صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال.
وتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحياناً للقبيلة، وأحياناً للوطن، وأحياناً للمصالح المشتركة، وأحياناً لكذا وأحياناً لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جداً بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي ﷺ حين رباهم الرسول في مكة.
وتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، وبلال بن رباح، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيباً، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟
الجواب
لا؛ فهذا رسول الله ﷺ -وهو لا يملك من الأمر شيئاً- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة).
فأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسماً شافياً على قلبه وجراحه، فالرسول ﷺ كان يأتي إليهم ويقول: (صبراً آل ياسر!)، وأبو بكر ﵁ وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين مادياً، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـ أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين.
إذاً: تحول إلى داعية همه ليلاً ونهاراً أن يبذل وقته وماله في سبيل الله ﵎، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهداً عابداً ﵁ وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.
стр. 180
معاداة الكافرين والبراءة منهم
الجانب الرابع من منهج دعوة الرسول ﷺ في مكة: معاداة الكافرين والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس: وهذا أيضاً منهج عملي؛ فلما آمن المسلمون واستجابوا كانوا في مكة يتعاملون مع الكفار المعاملة الضرورية، لكنهم كانوا يبغضونهم، ويعادونهم أشد العداء، ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ لأنهم كفار، ولهذا نجد أن أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة كانوا يتعاملون مع أقوامهم المشركين على مقتضى هذا المنهج العملي، فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه قصته مع أمه معروفة، فهل كانت محبته لأمه وبره بها حاجزاً له عن أن يثبت على عقيدته ويستمر عليها؟
الجواب
لا والله! بل إنه ﵁ وأرضاه صبر وصابر مع أن أمه اتخذت معه شتى الوسائل؛ فلا طاعة لمخلوق -ولو كان الوالدين- في معصية الخالق، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ وهم في مكة يعلنون البراءة من المشركين؛ وذلك حينما كانوا يصرخون بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
стр. 181
نقل الدعوة خارج نطاق مكة
ثم بعد ذلك من التطبيق العملي في منهج الرسول ﷺ في مكة: نقل الدعوة إلى الله خارج نطاق مكة: وهذا منهج عملي واضح جداً، فالرسول ﷺ أخذ ينشر دعوته بين القبائل، ثم إن الرسول ﷺ تحرك هو نفسه عملياً لنقل الدعوة؛ فذهب إلى الطائف، وتعرفون ما جرى له ﵊ في الطائف، ثم إنه أيضاً نقل الدعوة إلى المدينة النبوية؛ وذلك حينما استجاب بعض الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، ثم إرسال مصعب بن عمير وغيره من الصحابة للدعوة إلى الله ﵎ في المدينة النبوية؛ حتى انتشر الإسلام هناك، وصارت مقر هجرة رسول الله ﷺ وأصحابه.
إذاً: الخلاصة أيها الإخوة! أن الرسول ﷺ في تطبيقه العملي لما كان في مكة يؤسس العقيدة لم يكن يؤسسها نظرياً، إنما كان يؤسسها عملياً، فكان يقوم بتربية النفوس بالقرآن، وبالصلاة، وبالعبادة، وبالطاعة لله ولرسوله، وبالولاء بين المؤمنين، وبالبراءة والمعاداة للكافرين، وبالدعوة إلى الله ؛ بحيث تنقل هذه الدعوة إلى أي مكان وفي أية فرصة، هكذا كان واقع الدعوة العملي، حيث كان الرسول ﷺ يؤسس هذه العقيدة.
стр. 182
مظاهر التطبيق العملي للعقيدة بعد الهجرة إلى المدينة
مما يتعلق بمنهج الرسول ﷺ : الناحية العملية بعد هجرته ﵊ إلى المدينة: فالرسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة النبوية وأمر الصحابة بالهجرة، تحولت الحياة هناك إلى تطبيق عملي واقعي للعقيدة الإسلامية.
أيها الإخوة في الله! إن من المهم جداً أن تعرفوا أن العقيدة والإيمان والتصديق القلبي بحاجة ماسة إلى أن تتمثل في حياة الإنسان العملية، وأن تعرفوا كيف أن الرسول ﵊ طبق تلك العقيدة الصافية بين المؤمنين في تلك الأماكن وفي تلك البقاع حين هاجر ﵊ إلى المدينة النبوية.
стр. 183
مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار
أولاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: والمؤاخاة تطبيق عملي؛ فلا تظنوا أن المؤاخاة هي جوانب مناصرتك ومحبتك، بل هي جوانب رباط تربط بين المؤمنين؛ لأنهم تجمعهم العقيدة؛ ولهذا كانت الأخوة في الله من أهم الأمثلة العملية على صدقنا، فإن الرسول ﵊ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهذا يأتي من خلال الإيمان، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن أحب لله وأبغض لله، وعادى لله، ووالى لله؛ فقد استكمل الإيمان.
وهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي مؤاخاة إيمان، وهي تطبيق عملي لذلك الإيمان، فعليك أنت وأخوك أن تكونوا لحمة واحدة، ويداً واحدة، وعصاً واحدة على أعداء الله ؛ ولهذا لما آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار تحول المؤمنون هناك إلى كونهم يداً واحدة فيما بينهم وضد أعداءهم، وانظروا إلى الأمة الإسلامية اليوم كيف أن هذه الأخوة الإيمانية تخلخلت إلا ما عصم ربي، بل أصبح بعض المؤمنين يلاقي من الإيذاء والسخرية والعداء أحياناً من إخوانه المؤمنين أكثر مما يلاقيه من غيرهم: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فالرسول ﷺ وهو يؤاخي بين المهاجرين والأنصار كان يطبق تلك العقيدة عملياً في حياة المسلمين، ونحن اليوم وفي كل وقت بحاجة إلى مثل هذه التطبيقات العملية في حياتنا؛ حتى يكون إيماننا حقاً وصدقاً، وذلك حينما نتآخى فيما بيننا، فأخوك المؤمن في الهند، في مصر، في الجزائر، في المغرب، في أوروبا، في أفريقيا، في أي مكان من الدنيا؛ تربطك به رابطة الأخوة الإيمانية، هذه الرابطة التي تجمع المسلمين جميعاً إذا تحولت إلى رابطة إيمانية حقة صار المسلمون كلهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
لكن -ويا للأسف- انظروا إلى أحوال المسلمين تجدوا بينهم من التباغض ومن العداء أحياناً، ومن التدابر ومن التحاسد الشيء العجيب! مع أننا تجمعنا عقيدة واحدة، فكيف يكون هذا أيها الإخوة؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يراقب الواحد الديان في أقواله وأعماله وتصرفاته؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يحب أخاه ويحب له ما يحب لنفسه، ولا يرجو ثواباً من أحد، إنما يرجو وجه الله ؟! هذا الإيمان هو الذي علمه رسول الله ﷺ وصدقه عملياً لما هاجر إلى المدينة؛ فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
стр. 184
تطبيق النبي ﷺ العملي للجهاد في سبيل الله
ثانياً: من الجوانب العملية بعد الهجرة النبوية الجهاد في سبيل الله: وهذا الجهاد في سبيل الله على درجات، لكن أعلاه وأعظمه أن يقدم الإنسان نفسه وروحه في سبيل الله، وهذا ما كان علماً بارزاً من الأعلام التي تدل على حياة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهؤلاء الصحابة ﵃ وأرضاهم لما فرض الجهاد في سبيل الله كان الواحد منهم يعيش حياته جهاداً من أولها إلى آخرها، وهذا الجهاد هو التطبيق العملي، ولهذا فإن النبي ﷺ حذرنا من شيء إذا تخلينا عنه -وهو من الآثار العملية التطبيقية للعقيدة- فإننا سنتصف بالذل، فقال ﵊: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله).
والجهاد في سبيل الله مثال عملي عظيم، حيث يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله ﵎، والدنيا لا تساوي شيئاً، والحياة كلها قصيرة ذات كدر، فمن قدم نفسه في سبيل الله ﵎ في الجهاد فقد أفلح، ولهذا فإن النبي ﷺ بين فضل المجاهدين في سبيل الله؛ لأنه فعلاً تطبيق عملي، والواحد منا ما عنده مانع أن يبذل ساعة من وقته، وما عنده مانع أن يبذل جزءاً من ماله، وما عنده مانع أن يبذل شيئاً من جهده وقدرته، لكن أن يبذل نفسه في سبيل الله فلا! ولهذا لما جاء الصحابي الذي اعترف بالزنا والصحابية التي اعترفت بالزنا أقام عليهما رسول الله ﷺ الحد، ولما رجمت الصحابية ﵂ وأرضاها سبها أحد الصحابة، فنهاه النبي ﷺ وأخبره أن هذه قد قدمت نفسها في سبيل الله، يعني: رضيت أن تقدمها ليقام عليها حكم الله ، فكيف إذا قدم الإنسان نفسه وجاد بها في سبيل الله ﵎؟! إن ذلك أعظم دليل على صدق الإيمان بالله ﵎، ولذلك كان حديث القرآن عن المنافقين والمترددين والمشككين وغيرهم أعظم ما يتمثل في تركهم وتقاعسهم عن الجهاد في سبيل الله ﵎، أما ذلك المقبل على الجهاد في سبيل الله مقدماً نفسه، فهذا دليل الإيمان.
إذاً: الجهاد في سبيل الله تطبيق عملي عظيم جداً يدل على صدق الإيمان، ويدل على قوة الإيمان، ويدل على أن هذا الإنسان فعلاً يؤمن بالله، ويحب الله، ويحب لقاء الله، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ فقال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، لهذا كان الجهاد في سبيل الله ﵎ علامة بارزة عملية في حياة المسلمين.
والصحابي الذي كان في وسط المعركة، وليس بينه وبين الجنة إلا لحظات، هذا الصحابي الجليل يقول: (والله! إني لأجد ريح الجنة من وراء أحد)، وآخر كان معه تمرات يأكلها ليتقوى بها على المعركة، فلما بدأ يأكلها استبطأ الجنة، واستبطأ الشهادة في سبيل الله.
وقال: إنها لحياة طويلة أن أعيش إلى أن أكمل أكل هذه التمرات! ثم رمى بها، واتجه إلى المعركة، فقاتل حتى قتل في سبيل الله، هذا جانب عملي في حياة المؤمنين، أما الدعاوى فقد يدعي الإنسان ويدعي ويدعي، ثم إذا طُلب منه القليل في الدعوة إلى الله تكاسل! وهذا يدل على أن تلك الدعاوى غير صحيحة.
стр. 185
إيجاد النموذج العملي للعقيدة
أيضاً من الجانب العملي لمنهج الرسول ﷺ في المدينة: إيجاد النموذج العملي للعقيدة: فقد كان الواحد من الصحابة ﵃ وأرضاهم تطبيقاً عملياً لكل ما يؤمن به، حيث كان ذا طاعة تامة وامتثال مباشر، وهذه هي الحقيقة الإيمانية.
فأصحاب النبي ﷺ قبل تحريم الخمر كان بعضهم جالساً يشرب الخمر، فيأتيه الأمر من الله بتحريم الخمر؛ فيقلع عنه خلال لحظات.
والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله ﵎ بالحجاب فتبادر بامتثال هذا الأمر الرباني، فتحتجب، وتصلي مع النبي ﷺ أول صلاة وهي محتجبة، ولقد كانت الصحابيات كأنهن الغربان حين صلين مع رسول الله ﷺ بعد الأمر بالحجاب.
فالرسول كان يأمر فينفذ أمره، والرسول يقول فيُسمع ويُطاع قوله، أما نحن اليوم فمن مصيبتنا أننا نؤمن نظرياً؛ ثم إذا جئنا إلى الجوانب العملية نجد التنفيذ قليلاً أو ضعيفاً أو أحياناً لا يوجد تنفيذ، فالرسول ﷺ كان يربي؛ ولهذا كان كل صحابي من أصحاب النبي ﷺ تجده في معاملته وخلقه وسلوكه وأموره كلها تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة، حتى إن الواحد منهم كان لا يكذب ولا يغدر، حتى على الكفار.
فهذا خبيب بن عدي ﵁ وأرضاه لما أسر وذُهب به إلى مكة سجن، ولما حدد موعد القتل ليشهده الطغاة والكفار في مكة لتنفيذ الإعدام والقتل لهذا الصحابي الجليل سجنوه في أحد البيوت، ومع هذا فإنه ﵁ وأرضاه لم يغدر، حيث إن المرأة أرسلت لـ خبيب الموسى حتى ينظف نفسه؛ ليستعد للقاء الله والشهادة في سبيله؛ كما يستعد المحرم عندما يحرم بالحج أو العمرة؛ فإنه يتنظف ويزيل عنه شعثه وغبره وشعره الزائد استعداداً للإحرام، كذلك أيضاً فعل خبيب؛ لأنه يعلم أن المشركين حددوا ذلك الوقت ليقتلوه، فأخذ يستعد للقاء الله ، فطلب الموسى حتى يستحد، وحتى يهيئ نفسه؛ ليكون نظيفاً طاهراً في ثيابه وفي جسده الظاهر، كما أنه نظيف طاهر في قلبه وإيمانه ﵁.
فأرسلت المرأة التي كان خبيب يسكن عندها الموسى مع طفلها، فذهب هذا الطفل ليعطيه إياه، فلما مرت عليها لحظات تذكرت أنها وقعت في ورطة، وقالت: أرسلت طفلي بالموسى لرجل ينتظر القتل بعد سويعات، فما يؤمنني لعله أن ينتقم من المشركين بأن يقتل هذا الطفل في آخر لحظة، حتى يؤدب أبا هذا الطفل وغيره ممن تعاونوا على قتله! وفعلاً ذهب الطفل وأعطى خبيباً الموسى، وبعد أن يعطيه الموسى إذا بالأم تأتي هلعة مذعورة، خوفاً على ابنها، فقال لها خبيب: (هل تخافين عليه مني؟! ما كنت لأفعل).
إنه خلق الإيمان منه ﵁ وأرضاه! وهكذا يتحول المؤمن في كل مكان إلى واقع وتطبيق عملي لهذه العقيدة، فلا يكذب على إخوانه المؤمنين، ولا على غيرهم، ولا يغدر حتى ولو على الكفار، إلا إذا كان وقت المعركة والحرب مع من لا ذمة له، فالحرب خدعة، كما قال الرسول ﷺ ، لكن من خلق المؤمن أنه لا يستبيح أموال ولا دماء ولا أعراض الكفار إلا إذا كانوا محاربين.
إذاً: كان أصحاب النبي ﷺ قد رُبوا على أن تكون حياتهم تطبيقاً عملياً لتلك العقيدة.
стр. 186
تحذير النبي ﷺ من أمور متعلقة بالعقيدة
وننتقل إلى الأمر الرابع المتعلق بمنهج الرسول ﷺ في هذا الباب، ألا وهو: جوانب من التحذير حذر منها رسول الله ﷺ ؛ لأنها تؤدي إلى واقع عملي فيما يتعلق بالعقيدة وأثرها، ومن ذلك ما يلي:
стр. 187
تحذير النبي ﷺ من الفتن
أولاً: حذر الرسول ﷺ من الفتن والوقوع فيها: لأن الفتن إذا وجدت ووقعت قد تؤدي إلى الضلال والإلحاد، وهذا التحذير تحذير نظري وعملي، وهذا واضح جداً، فإن النبي ﷺ نهى عن الخوض في وقت الفتن، ونهى عن القتال في وقت الفتن؛ لأن هذه الفتن تكون نظرية وعملية في حياة الناس إذا وقعت، والإنسان المؤمن هو الذي يحذرها نظرياً، ثم أيضاً يحذرها عملياً، فلا يخوض فيها، ولا يشارك فيها.
стр. 188
تحذير النبي ﷺ من مشابهة الكفار
ثانياً: التحذير من مشابهة اليهود والنصارى: وهذه مفارقة عملية لحياة المسلمين، وانتبهوا لها أيها الإخوة في الله! فقد جاء أكثر من حديث للنبي ﵊ حذر فيه من مشابهة اليهود والنصارى والسير في طرقهم، بل صارت المشابهة أصلاً في التحريف، أي أنها جانب عرف عن الكفار واختصوا به، فلا يجوز للمسلمين أن يعملوا ذلك؛ لأنه والحالة هذه يؤدي إلى المشابهة، والرسول ﷺ قد حذر من ذلك لأن اليهود والنصارى كانوا على ضلال، ولا يزالون على ضلال إلا من هداه الله.
فالرسول ﷺ من أجل أن يحذر المؤمنين في حياتهم العملية والواقعية نهى عن التشبه بالكفار، وهذا التشبه لو تأملتم اليوم حياة المسلمين ستجدون عجباً! ولو طبقنا هذا لوجدنا جوانب عجيبة في حياتنا يتمثل فيها ذلك، لكن الأمر وللأسف صار بالعكس؛ حيث صارت مشابهة الكفار واليهود والنصارى مسخرة لبعض المسلمين، وانظروا كيف انقلبت الموازين وانعكست في حياتنا؛ ولهذا فإن الرسول ﷺ لما حذر من مشابهة اليهود والنصارى إنما هو تحذير عملي واقعي يؤدي إلى تطبيق التميز لعقيدة المسلمين، فالمؤمن يتميز في أي مكان عن أي يهودي أو نصراني أو وثني أو كافر أو مشرك، لكن إذا رضي المسلمون تلك المشابهة، ورضوا بأن يكونوا مثلهم في أخلاقهم وسلوكهم، لم يحصل تميز المؤمن من غيره، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم) أن المشابهة الشكلية تؤدي إلى المشابهة العقلية، فالإنسان إذا شارك قوماً في عاداتهم وأكلهم ولباسهم وغير ذلك، فإنه لا محالة تنتهي به الحالة إلى أنواع من المشابهات في أخلاقهم وسلوكهم وربما عقلهم، ولذلك حذر النبي ﷺ من ذلك تحذيراً تاماً.
стр. 189
تحذير النبي ﷺ من عبادة القبور والبناء عليها
أيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي ﷺ في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله ، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي ﷺ حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.
стр. 190
وجوب محبة النبي ﷺ
أيضاً من الأمور التي ركز عليها رسول الله ﷺ وهي جانب عملي: محبة الرسول ﷺ : ومن أعظم مقتضياتها طاعته ﵊؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فاتباع الرسول ﷺ دليل محبة الله ودليل محبة الرسول ﷺ ، فالواجب أن يقدم الإنسان محبة الرسول على النفس والولد والناس أجمعين.
ومن هنا أيها الإخوة! فإن محبة الرسول لا تبقى نظرية، وإنما لها أدلتها وواقعها العملي، والرسول ﷺ حينما يأمر بتقديم محبته على محبة النفس وغيرها، إنما يبني عند الإنسان وفي قلب الإنسان أن تتحول حياته وأموره كلها إلى طاعة هذا النبي الكريم ﵊، والحرص على سنته، والحرص على أن يكون الإنسان ممن يُوفق للشرب من حوضه يوم العرصات، وممن يُوفق إلى أن يكون معه في الجنة، وهذه كلها لا تنال بالأماني والنظريات، وإنما تُنال بالمتابعة العملية لهذا النبي الكريم ﷺ .
وهكذا أيها الإخوة! هناك جوانب كثيرة جداً في منهج الرسول ﵊ تدل على ذلك، أكتفي بهذا فيما يتعلق بهذا الموضوع، وبقي علينا موضوعات أخرى تتعلق بالتطبيق العملي للعقيدة، ومنها منهج القرآن الكريم في ذلك، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وقضايا أخرى أتركها لمناسبة أخرى.
أسأل الله أن ييسر لنا أن نوضحها بإذن الله ﵎.
стр. 191
الأسئلة
стр. 192
كيفية موالاة العصاة من المسلمين
السؤال
كيف يكون الولاء لمن كان مسلماً، ولكن عليه كثير من الذنوب والمعاصي؟
الجواب
يكون الولاء له بقدر إيمانه، والعداوة والبغضاء بقدر فسقه ومعصيته، فجميع المؤمنين المسلمين لهم الولاء، لكن الولاء والبراء أقسام: القسم الأول: ما كان منه بالنسبة للمؤمنين المتقين الأخيار؛ فهؤلاء لهم الولاء التام.
القسم الثاني: الكفار على مختلف أشكالهم، هؤلاء لهم البغض التام والعداوة التامة.
القسم الثالث: من كان من المؤمنين عنده معصية أو نحوها لا توصله إلى الكفر، أو بدعة لا توصله إلى الكفر؛ فنحن نحبه ونواليه بقدر إيمانه، لكن نعاديه بقدر معصيته، وتلك المعاداة لها دلائلها، منها الهجر إذا كان ينفع فيه الهجر، ومنها المناصحة المستمرة، ومناصحتك له معناها أنك تظهر له أنك تكره ما عنده من معصية، وهكذا.
стр. 193
الفرق بين خوف العبادة والخوف الطبيعي
السؤال
إذا كان هناك رجل يخاف من آخر، ولكنه يخاف من الله أكثر، فهل هذا طبق التطبيق العملي للعقيدة؟
الجواب
الخوف قسمان: خوف طبيعي، وهذا لا يدخل في موضوع الخوف المحرم؛ فكونك تخاف من أسد أو من عدو أو من نار؛ هذا خوف طبيعي لا يحاسب عليه الإنسان، والناس يتفاوتون فيه، فمنهم الشجاع ومنهم الأقل.
لكن الخوف الذي هو خوف عبادة، هو الخوف من العباد فيما لا يقدر عليه إلا الله ، فإذا كان الله هو الذي بيده الحياة والموت والرزق وغير ذلك والعباد لا يملكون من هذا شيئاً، فيجب أن تخاف من الله، وأن توحد الله في هذا الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فهذا هو الخوف الذي هو خوف عبادة.
وقد يقول قائل: اضرب لي مثالاً، فأقول: لو أن إنساناً خاف من ساحر أو من أحد الأولياء في القبور؛ لأن بعض عبدة القبور يقول لك: إذا أنت سببت عباد القبور فسوف ينالك الولي أو الساحر بكذا وكذا، فهل تتخلى عن عقيدتك من أجله؟! وهل تخاف على نفسك منه؟! إنهم لا يملكون من الأمر شيئاً، فإذا أراد الله أمراً كان، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح في وصيته لـ ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فهذا الساحر أو الكاهن أو صاحب القبر لا يملك شيئاً، فكيف تخاف منه؟ ولهذا تجد عباد القبور يرجونه ويخافونه من دون الله، كما قال تعالى عن الذين كانوا يخافون من الجن ويتعوذون بهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]، أي: تسلط الجن عليهم لأنهم خافوهم من دون الله، لكن كون الإنسان يخاف من فلان أن يضربه أو شيء من ذلك، هذا فيه جزء من الخوف الطبيعي، ولا شيء فيه إن شاء الله.
стр. 194
كتب مهمة في التوحيد
السؤال
في هذه الأيام يكثر وقت الفراغ، ويُستغل هذا الفراغ بالقراءة، ونود منك أن تنصح بكتاب في العقيدة نقرؤه في هذه العطلة؟
الجواب
الكتب تتفاوت بالنسبة لطلبة العلم، لكن أنا أنصحكم في هذه العطلة بمدارسة كتاب (التوحيد) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، و (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأنصحكم أيضاً بقراءة كتاب (التوحيد) للشيخ صالح الفوزان، الذي هو مقرر الثانوية العامة، وطُبع مستقلاً بعنوان (كتاب التوحيد)، وكتاب التوحيد هذا كان مقرراً في الثانوية، وأظنه إلى الآن مقرراً في الثانوية العامة، وهو كتاب لطيف مختصر ممتاز فيه قضايا كثيرة مهمة، فأنصحكم بقراءة هذا الكتاب.
стр. 195
جهل كثير من طلاب المدارس بالعقيدة
السؤال
في إحدى المدارس الثانوية سأل أحد الأساتذة سؤالاً وهو: ما هو تعريف توحيد الألوهية؟ فلم يعرف أحد منهم، فسأل عن توحيد الربوبية؟ فإذا أحدهم يجيب بقوله: هي أقوال وأفعال مخصوصة تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم، فما تعليقكم على ذلك؟
الجواب
أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! أن يعرف توحيد الربوبية بالصلاة، فهذا التعريف هو تعريف الصلاة، فهي: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فإذا كان الفصل لم يعرف ما هو توحيد الألوهية فهذه مصيبة، وإذا كان الفصل لم يعرف أحد منهم تعريف توحيد الربوبية فهذه مصيبة، وإذا كان بعضهم عرف الربوبية بتعريف الصلاة فالمصيبة أعظم، وهذا من الجهل المركب، وهو بخلاف الجهل العادي.
يعني: قد يجهل أحدنا مدينة معينة أو يجهل كتاباً، ويقول: أنا لا أدري؛ فهذا ليس فيه شيء، لكن الجهل المركب هو: أن يتراكب عليك الجهل فتظن أن هذا الشيء هو كذا وتفهمه على غير حقيقته، هذا هو الجهل المركب، يعني: قد تسأل واحداً وتقول له: ما هو هذا؟ فيقول لك: لا أدري، فهذا جهل بسيط، لكن يأتي واحد ثانٍ ويقول لعلبة المناديل: هذا ميكروفون، فهذا جهل مركب؛ لأنه لم يعرف الشيء، لكن أضاف إليه أنه عرفه على غير حقيقتة، فكون هذا الإنسان يعرف توحيد الربوبية بالصلاة هذا جهل مركب.
وهذا يدل على أن واجبنا كبير بالنسبة لتربية الناس وتفهيمهم بأصول العقيدة، فهذه والله مصيبة، وقد أخبرني أحد الأساتذة وقال: دخلت في فصل الثانوية وطلبت منهم قراءة الفاتحة، فلم يحسن قراءة الفاتحة إلا واحد، فقلت: أعوذ بالله! طالب في الثانوية العامة درس الابتدائي والمتوسط قرابة العشر سنوات ولا يحفظ الفاتحة! هذه مصيبة، فالعامي كبير السن من البادية إذا التقينا به في البادية وصار يغلط في الفاتحة عذرناه، لكن الطالب الدارس ليس كذلك.
إذاً: أيها الإخوة! واجب علينا جميعاً أن نعلم الناس هذه العقيدة، وأن نفهمهم إياها، وأن نبسطها لهم.
стр. 196
دعوة النبي ﷺ في مكة نظرية عملية
السؤال
هل كانت الدعوة في مكة عملية ونظرية أم عملية فقط؟
الجواب
نحن قلنا إنها كانت نظرية عملية، ولم يكن الجانب العملي ينفك عن النظري، فقد كان العملي مضمناً للنظرية، ولهذا قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية، فالتوحيدان -توحيد المعرفة وتوحيد العمل- متلازمان، وهكذا كان أيضاً منهج الرسول ﷺ في دعوته في مكة.
стр. 197
أهمية الإخلاص لله في جانب التطبيق العملي للعقيدة
السؤال
ما هي الوسائل التي تعين الشباب على تطبيق العقيدة تطبيقاً عملياً؟
الجواب
الوسائل كثيرة، لكن من أهمها: صدق التعامل مع الله ، هذا هو الأساس الوحيد، يعني: أن الآخرين قد يعرفون عنك أو لا يعرفون؛ وقد تخطئ وقد تصيب، وقد ينتقدونك وقد يمدحونك، لكن أهم شيء أن تصدق مع الله ، وأن تعلم أن الخلق من أولهم إلى آخرهم -وأولهم أبوك وأمك وأقرب الناس إليك- لا يستطيعون أن ينفعوك بشيء، ولا أن يضروك؛ ولا يملكون لك من الأمر شيئاً؛ بل لا يملكون لأنفسهم شيئاً.
فإذا علمت ذلك وأيقنت فوجه قلبك الله إلى الحي القيوم، ولا توجهه لمخلوق، بل وجهه إلى الحي الذي لا يموت ، كما قال جل شأنه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، فإذا وجهت قلبك إلى الله أعطاك الله ﵎ من اليقين والعمل ما يتحول بعونه وتوفيقه إيمانك إلى واقع عملي، وهذا هو باب الإخلاص الكبير الذي يجب أن نتذكره دائماً.
فعليك بالإخلاص لله وأنت تعمل، وأنت تدعو إلى الله، وأنت تزور أخاك، وأنت تقدم قليلاً من المال في سبيل الله، وأنت تبتسم في وجه أخيك، وأنت تعمل الأمور الكبيرة جداً، وتذكر أنك تعمل هذا لا لتمدح وإنما لتنال الأجر عند الله ، ولتجده مكتوباً مسطراً في كتاب ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]؛ ولهذا كان هذا الإخلاص هو الذي قطع قلوب العارفين؛ لأن تهيئة النفس والقلب لهذا الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة، فجاهد قلبك، وإذا ما أخلصت لله يوفقك الله، ويرضى عنك.
стр. 198
معنى حديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)
السؤال
ورد في الحديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)، فما هو معنى الحديث؟
الجواب
ليس المقصود من قال يوماً: لا إله إلا الله وفقط، وإنما المقصود من قالها ومات عليها، وأما من قالها ثم نقضها فلا تنفعه، ولهذا ورد عن النبي ﷺ في أحاديث أخرى ما يبين هذا، منها قوله ﵊: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله: (من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه دخل الجنة)، أي: ومات على ذلك، لكن من مات على الشرك فهذا مقطوع بأنه ليس له في الجنة نصيب، بل هو من المخلدين في النار، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 199
حكم الأكل مع الكفار
السؤال
لدي عمال وبينهم نصراني ومجوسي، فيأكلون معنا، فهل نخصص لهم أواني مخصصة أو نأكل معهم؟
الجواب
أولاً: واجبكم دعوة هؤلاء إلى الله ، فما دام الغالبية مسلمين فالواجب دعوة هذا النصراني وهذا المجوسي، والواجب قبل ذلك على صاحب العمل ألا يستقدمهم إلى جزيرة العرب، بل الواجب على كل صاحب شركة ألا يستقدم إلا مسلمين، وعليه أن يتقي الله في ذلك.
أما بالنسبة للأكل معهم فلا بأس به، لكن على أن تظهروا لهم عزتكم بدينكم.
أما هجرهم أو نحو ذلك فإنما يكون إذا كان سبباً في دعوتهم إلى الله ، فالواجب التعاون على البر والتقوى في أن يكون المؤمنون إخوة، وفي أن يكونوا من أهل البراءة من الكفار.
أما بالنسبة للأواني ونحو ذلك فلا يُشترط للأكل فيها هذا، كما ذكر العلماء في باب الآنية أنه يجوز استعمالها، وبعض العلماء رأى غسلها خوفاً من أن تكون قد طُبخت فيها لحوم الخنزير أو الميتة أو غيرها، لكن إذا أُمن ذلك فلا بأس.
стр. 200
استقدام عمال نصارى أسلم أكثرهم
السؤال
عندي ثمان فيز للفلبين، فحاولت اختيار مسلم من الفلبين بنفسي ولم أستطع، فأحضرت نصارى، وبعد عدة أشهر أسلم ستة منهم وبقي اثنان ولا زلنا نحاول معهم، فما تعليقكم؟
الجواب
جزاك الله خيراً، وكان الأولى أن تكون أتيت بالمسلمين، لكن أنت -إن شاء الله- مادمت قد أتيت بكفار وعملت معهم، فنرجو -إن شاء الله- أن يكون قد كفر عن ذنبك بإسلام هؤلاء، ونسأل الله أن يهدي بقيتهم للدخول في الإسلام.
стр. 201
خطأ من يقول: إن الرافضة إخواننا في الإسلام
السؤال
لقد بلغ بعض المسلمين من ضعف العقيدة أن يعتقد أن الرافضة هم إخواننا في الإسلام، فما رأيكم؟
الجواب
هذا أمر فعلاً يدل على تخلخل الفهم الصحيح لهذه العقيدة، وإلا فمن فهم عقيدة الإسلام الصافية وفهم شيئاً من عقائد هؤلاء عرف الحقيقة، وعرف أن هؤلاء الرافضة الإثني عشرية ليسوا من الإسلام في شيء؛ بسبب عقائدهم وأصولهم الكفرية المعروفة.
стр. 202
تحقيق العقيدة لا يتم إلا بالعمل
السؤال
كيف نرد على من ادعى أن تحقيق العقيدة يكون بالقلب، ولا دخل للأعمال بذلك؟
الجواب
نقول له: أنت مخطئ؛ بل بداهة لابد من دلالة، يعني: لو جاءنا إنسان وقال: أنا مهندس، وأخذ يلقي علينا محاضرة ليثبت لنا أنه مهندس، ثم لما قلنا له: صمم هذه العمارة فقال: لا أستطيع، فسنقول له: إذاً كلامك نظري لا نقتنع به، ولا يفيدك شيئاً، وكذلك أيضاً إذا قال إنسان: أنا مؤمن بالله وأطيع الله وأطيع الرسول، فلا يقبل إلا بدليل العمل، وهذا سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في القسم الثاني فيما يتعلق بالتطبيق العملي في منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.
стр. 203
الفرق بين المداهنة والمداراة
السؤال
ما الفرق بين المداهنة والمداراة في مجال الدعوة؟
الجواب
المداهنة: أن تداهن في دينك، والمداراة: أن تداري فيما تستطيع من مالك ونحوه، فالمداهنة أن تتخلى شيئاً فشيئاً عن الدين من أجل فلان أو علان، فهذه مداهنة لا تجوز، وإذا سكت عن معصية ظاهرة فهذه مداهنة.
لكن المداراة أن تداريه وتبتسم له كفاً لشره، وتبذل شيئاً من مالك لجارك أو لغيره بالإحسان أو نحو ذلك، هذا كله من باب المداراة، لكن المداهنة تكون على حساب الدين، وهذا لا يجوز.
هذا باختصار شديد؛ والمسألة فيها تفصيل.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.
стр. 204
منهج تلقي العقيدة عند السلف ومنهجهم في الاستدلال
ليس من شك أن منهج السلف الصالح وفهمهم للدين أصلح وأحكم، وأعمق وأسلم، فقد عاشوا الوحي والتنزيل، فكانوا لذلك أعرف الأمة بالتفسير والتأويل، وهم المشهود لهم بالخيرية في القرآن، وعلى لسان رسولنا ﷺ ، فلا يجوز لأحد أن يعيب فهمهم، ولا أن يتنقص علمهم، فما المتأخر بالنسبة لهم إلا كزرع صغير في أصول نخل طوال.
стр. 205
مقدمات لابد منها في منهج العقيدة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أيها الإخوة! موضوعنا لهذه الليلة هو كالمقدمة للدروس القادمة إن شاء الله تعالى، ومن ثم فسيكون الحديث بعون الله ﵎ في هذه الليلة عن منهج السلف رحمهم الله تعالى في الاستدلال، ومنهجهم في تلقي هذه العقيدة، وقد سبق أن طرحت هذا الموضوع أو قريباً منه، ومن ثم فسيكون حديثي إن شاء الله تعالى مستكملاً لما سبق.
تعلمون جميعاً أن مسألة الإيمان والحكم به على الناس ودخول الناس في الإسلام مسألة أصيلة في حياة البشر، وكيف لا تكون كذلك والله ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
فالله خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، ولأجل هذا، ولأجل أن تقوم الحجة عليهم أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح للناس المحجة، حتى ترك رسل الله عليهم الصلاة والسلام -وعلى رأسهم هذا الخاتم محمد بن عبد الله ﷺ أممهم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
أيها الإخوة! لما كان الأمر كذلك كانت مسألة العقيدة والاعتصام بها، وسلوك منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى ليست مسألة اجتهادية يأخذ بها من شاء، ويتركها من شاء، وإنما هي مسألة عقيدة تمس حياة الإنسان في هذه الدنيا، وتمس موقفه يوم القيامة حينما يقدم على ربه ﵎.
والرسول ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ثم بين ﵊ أن هذه الواحدة هي الجماعة، وهي من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
ولما كانت هذه القضية -قضية الاعتقاد على منهج السلف رحمهم الله تعالى- قضية مهمة يجب أن يبحث عنها كل مسلم، ويجب أن يعتمدها، كان حديثنا هذه الليلة لبيان بعض معالم هذا المنهج.
وقبل الدخول في شرح بعض قضاياه أود أن أقدم بعدة مقدمات مهمة:
стр. 206
تقسيم الدين إلى أصول وفروع
أول هذه المقدمات: أنه اشتهر عند كثير من أهل الكلام وممن ينتسب إلى الإسلام من أهل الفلسفة وغيرهم تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فيقولون: إن هذا أصل من أصول الدين، وهذا فرع من فروع الدين، فيجعلون مسائل الاعتقاد من أصول الدين، ومسائل الأحكام الشرعية الفرعية من فروع الدين، ثم يرتبون على هذا عدة ترتيبات، فمثلاً يقولون: إن الخطأ في مسائل الأصول قد يوصل صاحبه إلى الكفر، لكن الخطأ في مسائل الفروع، لا يوصله إلى الكفر وإنما يبقى خطأ اجتهادياً.
أيضاً من ناحية الإثبات: فإنهم قد يثبتون الفروع بأخبار الآحاد، ولكن الأصول يرفضون أن يثبتوها بأحاديث الرسول ﷺ ، ويقتصرون في إثباتها على المتواتر، وعلى أدلة العقول كما هو منهجهم.
وهؤلاء الذين قسموا الدين إلى أصول وفروع خلطوا خلطاً عجيباً في هذا الباب، ولاشك أن تقسيمهم حادث لم يكن موجوداً على عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا على عهد القرون المفضلة من السلف رحمهم الله تعالى، فمثلاً: يجعلون كل قضية خبرية تتعلق بالإيمان بالله أو بالرسول ﷺ أو باليوم الآخر أو نحو ذلك من أصول الدين، وكل قضية تتعلق بأحكام الفروع ولو كانت الصلاة أو الزكاة أو الحج أو الصيام يجعلونها من فروع الدين، وجعلوا الأمور الأولى أموراً مهمة، والأمور الأخرى أموراً فرعية ليست ذات أهمية، والحق أن هذا التقسيم خطأ كبير جداً؛ لأن الدين الذي أخبر عنه الرسول ﷺ لما جاءه جبريل وقال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) شامل للإسلام بأركانه الخمسة، وشامل للإيمان بأركانه الستة، كما أنه أيضاً شامل للإحسان، وهو المرتبة العليا من الدين: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
ومن ثم: فإن مسألة الصلاة يقولون: إنها من فروع الدين، ولكنها بلا شك من أصول الدين، بمعنى أن الإقرار بهذه الصلاة واعتراف المؤمن بها أصل من أصول الدين، ومن جحدها فهو كافر بإجماع العلماء.
وكذلك الزكاة، وأيضاً تحريم الربا، وتحريم شرب الخمر، وتحريم الزنا وغير ذلك، فهذه كلها أمور معلومة من الدين بالضرورة، فهي من أصوله، فمن جاء ليجحدها ويقول: إن الله لم يحرم الربا، أو إن الله لم يحرم الخمر، أو إن الله لم يوجب الصلاة أو الزكاة فهو خارج عن دائرة الإسلام، فكيف يأتي قائل بعد ذلك ليقول: إن هذه من فروع الدين وليست من أصوله؟! فحينما نأتي ونقول: منهج السلف رحمهم الله تعالى في الاعتقاد لا يعني قضايا الاعتقاد التي يتحدث عنها بعض الناس، وإنما يشمل هذا أصول الدين التي هي أصول، ومن ثم: فإن التقسيم الصحيح لهذه المسائل إنما هو بتقسيمها إلى قسمين: خبر وطلب.
القسم الأول: خبر إما عن الله أو عن الرسول ﷺ ، أو خبر عن اليوم الآخر أو غيره من الأخبار، فهذه كلها تسمى أخباراً.
القسم الثاني: طلب، وهذا الطلب هو الذي فيه الأوامر والنواهي، ما أمرنا الله به من الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وما نهانا الله عنه من أكل الربا والخمر وغير ذلك، وهذا هو التقسيم المناسب والصحيح لهذا الدين، وكل من الخبر والطلب فيه ما هو أصول، وفيه ما هو فروع، وهذه هي القضية الأولى التي وددنا أن نشير إليها هنا.
стр. 207
أقسام الناس في اتباع الكتاب والسنة
المسألة الثانية: هي أن المتتبع لأحوال الناس جميعاً يجدهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: القسم الأول: المتبعون للرسول ﷺ على منهج الحق ظاهراً وباطناً.
القسم الثاني: المخالفون في ذلك، المعترضون على حكم الله وأمره، وعلى حكم رسوله ﷺ وأمره، ومن ثم: فإننا نشير هنا في هذه المقدمة إلى أنواع الذين اعترضوا على أمر الله وحكمه وشرعه، وهؤلاء ثلاثة أنواع: النوع الأول: الذين يعترضون بالشبه الباطلة، والتي يسمونها قواطع عقلية، وليست قواطع عقلية، وإنما هي خيالات، كالذين ينكرون أسماء الله وصفاته، أو عموم قدرته ﵎، أو غير ذلك بأدلة العموم، هذه هي الطائفة الأولى من المتفلسفة وأهل الكلام وغيرهم.
الطائفة الثانية: الذين يعترضون على شرعه وأمره، وهؤلاء ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم: الذين يعترضون بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أباحه الله ، أو إسقاط ما أوجبه أو إيجاب ما أسقطه إلى آخره، وهؤلاء هم أصحاب الأقيسة العقلية الفاسدة التي أرادوا أن يفسدوا بها دين الله .
القسم الثاني: الذين يعترضون على حقائق الإيمان وعلى حقائق الشرع بما عندهم، أو ما يسمونه بالأذواق والمواجيد والخيالات وغيرها، وهذا مشهور عند المتصوفة، فإن هؤلاء يعتقدون أن هذه الكشوفات -وهي كشوفات باطلة- تقدم على حقائق الإيمان والشرع، وقد يصل ببعضهم الأمر إلى أن يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ، ويجعل هذا مرتبة من مراتب الولاية.
القسم الثالث: الذين يعترضون على شرع الله وأمره بالسياسات الجائرة التي يقدمونها على حكم الله وعلى حكم رسوله ﷺ .
فهذه الأقسام الماضية كل واحد منهم يقدم أمراً على أمر الله ورسوله، فالأولون إذا تعارض عندهم العقل والنقل قالوا: نقدم العقل.
الطائفة الثانية: إذا تعارض الأثر مع القياس قدموا القياس على الأثر.
الطائفة الثالثة: إذا تعارض الذوق والوجد والكشوفات مع ظواهر الشرع قدموا أذواقهم وكشوفاتهم.
النوع الرابع: أصحاب السياسات يقولون: إذا تعارضت السياسة والشرع نقدم السياسة وهي السياسة الجائرة.
النوع الثالث: الذين يعترضون على أفعال الله وقدره، وهؤلاء هم أعظم الناس ضلالاً وجهالة.
وهذه الاعتراضات التي أشرنا إليها قبل قليل هي اعتراضات أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن دينهم، وأن يبدلوا شرع الله ودينه بعقائد وفلسفات، ويريدون أن يصرفوا الناس عن تحقيق وتحكيم شرع الله ، وهذا مبني على النقطة الأولى، وهو: أننا لا نقسم الدين إلى أصول وفروع، بل الدين كله دين، والتزام أمر الله وشرعه، والتزام العقيدة الصحيحة، كل ذلك شيء واحد يجب على الجميع أن يلتزمه، ولا يجوز لإنسان أن يعتقد أنه يجوز أن يتخلى عن شيء من ذلك.
стр. 208
المنهج العقلي الذي يصحح كل المفاهيم والمناهج
المسألة الثالثة في هذه المقدمة: أنه قد نبغت نابغة من قديم الزمان وهي موجودة إلى الآن جعلوا لهم منهجاً عقلياً، وهذا المنهج العقلي يسمى قديماً بالسوفسطائية، ويلتزمه كثير من أرباب الفلسفات المعاصرة، وقد ينتحله كثير من أرباب الحداثة وغيرهم، وهؤلاء هم الذين يقولون: ليس هناك حق ثابت في نفس الأمر، بل كل من اعتقد عقيدة، وكل من قال قولاً، فإن قوله يحتمل أن يكون حقاً، بل يجب أن يكون حقاً، وهؤلاء هم الذين يتنكرون لكل ثابت، ويقولون: إنه ليس هناك شيء ثابت في دين الله ، فيناقشون في البدهيات، ويدعي الواحد منهم علم كل شيء، والحق عند هؤلاء مسألة نسبية وإضافية، وهو ما يراه كل شخص بعينه، وهذه القضية تجد كثيراً ممن يطرحها ويقول: لماذا نأتي ونقول: نرجع إلى مذهب السلف الصالح؟ ولماذا تريدون أن تعودوا بنا إلى ذلك العهد؟ الظروف تختلف، والأحوال تختلف، ومن ثم فإن الحقائق أيضاً تختلف، ولما كان الأمر كذلك فإنك تجد الواحد من هؤلاء يظن أن كل من انتحل نحلة أو اعتقد عقيدة فإنه يجوز أن تكون هذه النحلة وهذه العقيدة صحيحة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، يقول الواحد من هؤلاء: إن كل شيء تنتجه الأرض الإسلامية فهو إسلامي وهو حق، ويجب أن نصدقه، ويجب أن يكون منهجاً لنا في مستقبل حياتنا، ولو كان هذا الشيء كفراً وشركاً وإلحاداً وغير ذلك، وهذه قضية من القضايا التي يطرحونها دائماً وباستمرار، وينبغي أن يتنبه لها أهل العلم، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله ، فقضية الرجوع إلى منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى هي مسألة دين وعقيدة، وليست مسألة اجتهاد، وكل مجتهد مصيب كما يزعم كثير من هؤلاء.
стр. 209
مصدر التلقي عند السلف الصالح
بعد هذه المقدمات الثلاث ننتقل إلى منهج السلف رحمهم الله تعالى ومصدرهم في التلقي.
стр. 210
الكتاب والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة
أول قضية بدهية تقف معنا في هذا الباب هي أن مصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هو الكتاب والسنة، فكتاب الله ﵎، وسنة رسوله ﷺ هما المصدران الأساسيان لهذه العقيدة، ولا يجوز لأي إنسان يدعي الإسلام ويدعي أنه مؤمن بهذا الدين أن يتخلى أو أن يتنقص هذين المصدرين بأي حال من الأحوال، وهذه قضية دلت عليها الأدلة الكثيرة، والله يقول في كتابه العزيز: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ويقول : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، وهذا دليل على أن من اعتمد على الكتاب والسنة ولم يخرج عنهما فهو الذي سلك المنهج الحق، ولا خيار لأي إنسان أن يسلك أي منهج شاء، يقول : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، وهذا في الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويتركون بعضه.
أما من السنة فقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في هذا الباب تبين وجوب اتباع شرعه، وأنه ﵊ آتاه الله القرآن ومثله معه، والرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فمسألة الاعتصام بالكتاب والسنة مسألة أساسية، وهي المصدر الأساسي لتلقي هذه العقيدة بأصولها وفروعها، والسلف رحمهم الله تعالى كانوا مسلمين بهذا تسليماً تاماً، ولما سئل الزهري رحمه الله تعالى عن قول النبي ﷺ : (ليس منا من شق الجيوب) ما معناه؟ فقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى كلمته المشهورة: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
فما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلا خيار لأحد أن يسلكه أو لا يسلكه، بل يجب عليه أن يسلكه، والله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] فالخيرة ليست لأحد، وإنما هي لما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن ثم فإن هذين المصدرين -الكتاب والسنة- هما اللذان سلكهما السلف الصالح رحمهما الله تعالى، وهما اللذان يجب أن نسلكهما إذا أردنا أن تعود لهذه الأمة الإسلامية حقيقة مجدها وعزها الذي عاشت فيه، والله تكفل بنصر دينه إذا نحن نصرناه، يقول ﵎ في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ونصر الله إنما يتحقق إذا نصرنا دينه، ونصر دينه إنما يكون بالاعتصام بهذا الدين بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ .
стр. 211
أقسام الناس تجاه الكتاب والسنة
الناس تجاه هذين المصدرين -الكتاب والسنة- على أنواع: النوع الأول: الذين يقبلونه ظاهراً وباطناً، يقبلون ما جاء به الكتاب ظاهراً وباطناً، وهؤلاء قسمان: أهل فقه وفهم، وأهل حفظ ورواية.
النوع الثاني: الذين يردون الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء أيضاً قسمان: قسم عرف الحق ولكنه حسداً من عند نفسه رفض الإيمان، ورفض اتباع الكتاب والسنة، والقسم الثاني هم أتباع لهؤلاء.
النوع الثالث: هم الذين قبلوه ظاهراً وردوه باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يعلنون أنهم مؤمنون، وأنهم لا يرضون عن الكتاب والسنة بديلاً، ثم هم في الباطن يحاربون الكتاب والسنة، ويحاربون الدعاة إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
النوع الرابع: من قبله باطناً وجحده ظاهراً، وهذه قد تحدث للمستضعفين في بعض الأزمان وفي بعض الأماكن، فلا يستطيع أن يظهر الإسلام، بل قد يضطر إلى أن يعلن أنه ليس من أهل الإسلام وإنما هو في حقيقة أمره في الباطن من المؤمنين الصادقين، وهذا حدث في فترات من تاريخنا الإسلامي، ففي الأندلس لما هجم النصارى على المسلمين هناك أرغموهم على إعلان النصرانية، فكان المسلمون هناك يظهرون النصرانية ويذهبون بأولادهم إلى الكنائس، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم يجلسون في الخلوات يعلمون أولادهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتلك محنة جرت للأمة الإسلامية يطول وصفها.
стр. 212
المعالم الأساسية في الاعتماد على الكتاب والسنة
ينبغي أن يعلم أن الاعتماد على الكتاب والسنة له معالم أساسية، وأول هذه المعالم: أن الإيمان لا يتحقق إلا بذلك.
الأمر الثاني: أن العقول البشرية لا يمكن أن تستقل بتحصيل المعارف بنفسها، فلا بد من الالتزام والاعتماد على خبر الصادق.
الأمر الثالث: ينبغي أن يعلم أن النبي ﷺ معصوم تمام العصمة فيما يبلغه عن ربه ﵎.
الأمر الرابع: ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن تكون بين نصوص الكتاب والسنة تعارض وتنازع، فلا يمكن أن يأتي نص يناقض نصاً ولا يخالفه؛ لأن نصوص الكتاب والسنة كما سلف قسمان: إما أخبار وإما أوامر ونواهي، فأما الأخبار فإن هذه لا يمكن أن يأتي نص يخالف نصاً أبداً، وأما الأوامر والنواهي فهي الأحكام الشرعية التي قد يدخلها النسخ، وقد تختلف فيها اجتهادات العلماء كما اختلف فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذه من حكمة الله ﵎، لكن لا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ في وقت واحد نصان متعارضان أبداً، وإنما قد يرد نص في الدلالة على أمر معين والأمر به، ثم بعد ذلك ينسخه الله أو ينسخه الرسول ﷺ بأمر من الله ﵎، لكن أن يكون هناك نصان يتعارضان فهذا لا يمكن أن يحدث أبداً.
وفي ختام الكلام على هذين المصدرين أود أن أشير إلى فكرة ربما يطرحها بعض الذين في قلوبهم مرض من العلمانيين وغيرهم، وهذه الفكرة قد تكون بدأت بوادرها الآن وهي: أن هؤلاء يرفعون الآن لواء الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الرجوع إلى فهم السلف للكتاب والسنة، وهذه قد تكون كلمة حق ولكن أرادوا بها باطلاً، وهم يعلمون أنه لا يمكن الهجوم على الكتاب والسنة، ولا يمكن أن يكون هناك رفض تام للعقيدة، ولا للكتاب ولا للسنة؛ لأن هذه ردة مفضوحة لا يستطيعون أن يطرحوها، فلجئوا إلى أسلوب آخر يريدون أن يبدءوا من خلاله تحطيم شريعتنا وتحطيم عقيدتنا، فجاءت هذه الفكرة تقول: ينبغي أن نرجع إلى الكتاب والسنة، وأن نفهمهما من خلال واقعنا المعاصر، ولا نلتفت إلى فهم السلف، ولا إلى فهم العلماء السابقين، ولا إلى ما أصلوه من أصول، ولا إلى ما قعدوه من قواعد، ومن ثم فنحن نرجع إلى الكتاب والسنة ونتدارس مفاهيمهما وما نخلص إليه هو الذي نتفق عليه، وهو الذي نعمل به، وهذه معناها أن نتخلى عن كل ما سبق من تاريخنا وتراثنا في فهم الكتاب والسنة وشروحهما، ثم نبدأ فهماً جديداً، ومن هو الذي يفهم هذا الفهم الجديد؟ كل من أراد أن يفهم الكتاب والسنة فليفهمهما، العالم والجاهل والعامي وهذا الملحد الزنديق الذي لم يعلم كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولم يتشبع بهما، كل هؤلاء يمكن أن يفسروا كتاب الله، وأن يفسروا سنة الرسول ﷺ ، وهذه قضية خطيرة جداً لعل فيما يأتي إن شاء الله تعالى إشارة إلى بعض جوانبها.
стр. 213
فهم الصحابة للنصوص مقدم على فهم غيرهم
القضية الثانية المتعلقة بمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هي: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم المبلغون عن الرسول ﷺ ، ومن ثم فإن فهمهم للنصوص مقدم على فهوم غيرهم، وهذه قضية تابعة للأولى لكنها مرتبطة بها ارتباطاً تاماً، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أحرص الناس ﵃ وأرضاهم على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقهما، ومن ثم فإن التطبيق العملي عقيدة وشريعة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ نجده أفضل ما يكون عند أولئك الصحب الكرام ﵃ أجمعين، ولقد تميز هؤلاء الصحابة بعدة ميزات، ولعل من أهمها حرصهم الشديد على الفهم عن رسول الله ﷺ ، حتى كان الواحد منهم إذا حدث عن الرسول ﷺ يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به ﵊.
كذلك أيضاً كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن المسائل وعما يشكل عليهم، والنبي ﵊ لما سأله أبو هريرة ﵁ وأرضاه وقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ له: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسأل عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث).
وكانوا أيضاً يراجعون السنة، بل كانت عائشة ﵂ وأرضاها زوج النبي ﷺ لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وهذا في صحيح البخاري.
وأنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول: (كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه).
فالصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين كل الحرص على التلقي عن رسول الله، وعلى حسن الفهم عنه، وعلى تطبيق ما يرد إليهم وما يسمعونه، سواء كان من كتاب الله أو من حديث رسوله ﷺ ، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم قد آتاهم الله حفظاً، ودعا الرسول لبعضهم، بل كانوا ﵃ وأرضاهم يحتاطون في الحديث عن رسول الله ﷺ احتياطاً شديداً، وهذه القضية معروفة لدى علماء الحديث، والنتيجة التي ينبغي أن نخلص منها هنا هي: أن الكتاب والسنة يرتبط فهمهما وتفسيرهما في الاعتقاد والفروع أول ما يرتبط بفهم السلف رحمهم الله تعالى، وأي انفكاك عن هذا الفهم فهو ضلال مبين، وانفتاح لباب القرامطة والرافضة، والعقلانيين والفلاسفة، والمعتزلة والمتأولة وغيرهم.
وهذه القضية -وهي قضية أن السلف رحمهم الله تعالى هم الذين يجب أن يتلقى عنهم فهم النصوص- هي التي قررها علماء السلف المتقدمون منهم والمتأخرون، حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو الذي عرف عنه تصوف ودخول في علم الكلام ثم بعد ذلك رجوعه في آخر أمره إلى الحديث.
هذا الرجل الذي اشتهرت كتبه وفيها كثير من البدع، لما كان في آخر عمره رجع إلى علم الحديث، ورجع إلى مذهب السلف رحمهم الله تعالى، وقرر أن الحق هو مذهب السلف، وأن هذا إنما يجب لأننا لا بد أن نسلم بعدة أصول: أولها: أن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بصلاح أحوال العباد في معاشهم ومعادهم، الثاني: أنه ﷺ بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، ولم يكتم شيئاً، وأنه كان أحرص الخلق على صلاح الخلق وإرشادهم إلى صلاح المعاش والمعاد.
الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام النبي ﷺ وأحراهم بالوقوف على كنهه، وإدراك أسراره، الذين لازموه وعاينوا التنزيل، وعرفوا التأويل وهم أصحابه.
الرابع: -وهذا كله للغزالي في آخر أمره- أن الصحابة في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان من الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً، ودعوا أولادهم وأهلهم إليه.
يقول الغزالي: فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوا.
وهذه نتيجة تجربة لأكبر علم من علماء أهل الكلام والتصوف، يقرر بعد تجربة امتدت عشرات السنين أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى هو الحق ولا حق غيره، فهل يعي ذلك أولئك العقلانيون وغيرهم الذين يريدون أن يدخلوا في ديننا وشرعنا تلك المعقولات الباهتة، والآراء والأقيسة العقلية، هل يعقلون تجارب هؤلاء نرجو ذلك.
стр. 214
من مصادر تلقي العقيدة: الإجماع
الأمر الثالث: من أمور مصادر تلقي العقيدة الإجماع، ومسألة الإجماع معناها: أن ما أجمع عليه المسلمون في عصر من العصور فلا يجوز لأحد خلافه أبداً، وقد يقول قائل: وهل المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة؟ نقول: نعم، المسائل التي أجمع عليها المسلمون مسائل واضحة ومحددة، وقد ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، فما أجمع عليه العلماء فلا يجوز لأحد خلافه مهما كان؛ لأن إجماع هؤلاء العلماء إنما هو إجماع مبني على الكتاب والسنة، أي: إجماع مبني على دليل فلا يجوز لأحد أن يخالفه بعد حدوث ذلك الإجماع، وبعض أهل الكلام حصروا الإجماع في مسائل الفروع، أما مسائل الأصول فيقولون: إن الإجماع لا يدخلها، وسبب ذلك أنهم يرون أن أدلة العقول يمكن أن تدخل في باب العقائد، ومادام يمكن أن تدخل فالإجماع غير وارد هنا، وهذه قضية من الخطأ بمكان؛ لأن الإجماع على أي أمر كان صواباً سواء من الأمور العقدية أو من أمور الشرع هو إجماع، ولا يجوز لأحد خلافه أبداً، وهذه المسألة -وهي مسألة الإجماع- من المسائل التي تحسم تلك النظرية التي تقول: إننا يجب أن نرجع إلى الكتاب والسنة دون أن نرجع إلى ما قاله العلماء، فماذا سيفعل هؤلاء بالإجماع؟ ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى هل سيقولون: نتخلى عنه، وننقض ذلك الإجماع، ونأتي بأفهام وآراء جديدة؟! تلك قضية واحدة فقط من القضايا الخطيرة التي تترتب على ذلك الرأي الخطير.
стр. 215
من مصادر التلقي: العقل الموافق للنقل
المصدر الرابع: هو دلائل العقول، وينبغي أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما يفهم أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة عن طريق الخبر فقط، وأما العقول فإنه لا مدخل لها في هذا الباب، وهذا فهم خاطئ تماماً، فإن السلف رحمهم الله تعالى يعتمدون على الكتاب والسنة في فهم ما يدل عليه الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك أن العقل لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يقولون: إذا تعارض العقل والنقل ظاهراً -وهما في الحقيقة لا يمكن أن يتعارضا- فالواجب تقديم النقل على العقل؛ لأنه أسلم، والعقل الذي يدعي أولئك المتكلمون والفلاسفة وغيرهم أنه مصدر مستقل في باب العقائد، وفي باب الإيمان والدين، هذا العقل لم يجتمعوا عليه ما هو: هل العقل هو الغريزة التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ أم أن العقل هو العلوم الضرورية التي يصدق بها الجميع كالقول بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أكبر من الجزء؟ أم أن العقل هو العلوم النظرية التي تحصل بالنظر والاستدلال ونحوها؟ ما هو العقل عند هؤلاء؟ لقد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد ذلك العقل، واختلافهم هذا أدى إلى تباين آرائهم وأقوالهم في هذا الباب، ومن ثم كان السلف رحمهم الله تعالى يجعلون للعقل دوره المناسب له، ولا يرفعونه فوق منزلته، ويجعلونه مستقلاً كما فعله أولئك المنحرفون، وليسوا من الذين يلغون العقل إلغاءً تاماً، وإنما يضعونه في منزلته الصحيحة له.
وهذا ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتابه: تأويل مختلف الحديث يقول مبيناً ضلال أولئك: وقد كان يجب على ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ألا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، فما بالهم -أي: أهل الكلام والفلسفة- أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد من الدين؟! وهذا يعطيك أن القول باستقلال العقل في باب الدين هو قول يؤدي إلى الضلال والانحراف.
السلف رحمهم الله تعالى كما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ يعتمدون على النقل الذي جاء بالدلائل العقلية، والله ضرب الأمثال وأمرنا أن نعتبر بالأمم من قبلنا؛ لأن أولئك الأمم لما خالفوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ جرى لهم ما جرى، ونحن أيضاً إذا فعلنا مثل فعلهم وخالفنا أمر الله وأمر رسوله ﷺ فسيجري علينا مثل ما جرى عليهم.
كذلك أيضاً بين الله أدلة البعث بعد الموت بأدلة عقلية، وأمثلة مضروبة توضح للإنسان أن الله قادر على البعث، وأنه يبعث من في القبور، وأن الناس لا بد أن تكون لهم رجعة يقفون فيها بين يدي ربهم ﵎.
следующие страницы →