Полный текст (616 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أقسام الناس تجاه الكتاب والسنة
الناس تجاه هذين المصدرين -الكتاب والسنة- على أنواع: النوع الأول: الذين يقبلونه ظاهراً وباطناً، يقبلون ما جاء به الكتاب ظاهراً وباطناً، وهؤلاء قسمان: أهل فقه وفهم، وأهل حفظ ورواية.
النوع الثاني: الذين يردون الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء أيضاً قسمان: قسم عرف الحق ولكنه حسداً من عند نفسه رفض الإيمان، ورفض اتباع الكتاب والسنة، والقسم الثاني هم أتباع لهؤلاء.
النوع الثالث: هم الذين قبلوه ظاهراً وردوه باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يعلنون أنهم مؤمنون، وأنهم لا يرضون عن الكتاب والسنة بديلاً، ثم هم في الباطن يحاربون الكتاب والسنة، ويحاربون الدعاة إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤].
النوع الرابع: من قبله باطناً وجحده ظاهراً، وهذه قد تحدث للمستضعفين في بعض الأزمان وفي بعض الأماكن، فلا يستطيع أن يظهر الإسلام، بل قد يضطر إلى أن يعلن أنه ليس من أهل الإسلام وإنما هو في حقيقة أمره في الباطن من المؤمنين الصادقين، وهذا حدث في فترات من تاريخنا الإسلامي، ففي الأندلس لما هجم النصارى على المسلمين هناك أرغموهم على إعلان النصرانية، فكان المسلمون هناك يظهرون النصرانية ويذهبون بأولادهم إلى الكنائس، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم يجلسون في الخلوات يعلمون أولادهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتلك محنة جرت للأمة الإسلامية يطول وصفها.
стр. 212
المعالم الأساسية في الاعتماد على الكتاب والسنة
ينبغي أن يعلم أن الاعتماد على الكتاب والسنة له معالم أساسية، وأول هذه المعالم: أن الإيمان لا يتحقق إلا بذلك.
الأمر الثاني: أن العقول البشرية لا يمكن أن تستقل بتحصيل المعارف بنفسها، فلا بد من الالتزام والاعتماد على خبر الصادق.
الأمر الثالث: ينبغي أن يعلم أن النبي ﷺ معصوم تمام العصمة فيما يبلغه عن ربه ﵎.
الأمر الرابع: ينبغي أن نعلم أنه لا يمكن أن تكون بين نصوص الكتاب والسنة تعارض وتنازع، فلا يمكن أن يأتي نص يناقض نصاً ولا يخالفه؛ لأن نصوص الكتاب والسنة كما سلف قسمان: إما أخبار وإما أوامر ونواهي، فأما الأخبار فإن هذه لا يمكن أن يأتي نص يخالف نصاً أبداً، وأما الأوامر والنواهي فهي الأحكام الشرعية التي قد يدخلها النسخ، وقد تختلف فيها اجتهادات العلماء كما اختلف فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذه من حكمة الله ﵎، لكن لا يمكن أن يصدر عن النبي ﷺ في وقت واحد نصان متعارضان أبداً، وإنما قد يرد نص في الدلالة على أمر معين والأمر به، ثم بعد ذلك ينسخه الله أو ينسخه الرسول ﷺ بأمر من الله ﵎، لكن أن يكون هناك نصان يتعارضان فهذا لا يمكن أن يحدث أبداً.
وفي ختام الكلام على هذين المصدرين أود أن أشير إلى فكرة ربما يطرحها بعض الذين في قلوبهم مرض من العلمانيين وغيرهم، وهذه الفكرة قد تكون بدأت بوادرها الآن وهي: أن هؤلاء يرفعون الآن لواء الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الرجوع إلى فهم السلف للكتاب والسنة، وهذه قد تكون كلمة حق ولكن أرادوا بها باطلاً، وهم يعلمون أنه لا يمكن الهجوم على الكتاب والسنة، ولا يمكن أن يكون هناك رفض تام للعقيدة، ولا للكتاب ولا للسنة؛ لأن هذه ردة مفضوحة لا يستطيعون أن يطرحوها، فلجئوا إلى أسلوب آخر يريدون أن يبدءوا من خلاله تحطيم شريعتنا وتحطيم عقيدتنا، فجاءت هذه الفكرة تقول: ينبغي أن نرجع إلى الكتاب والسنة، وأن نفهمهما من خلال واقعنا المعاصر، ولا نلتفت إلى فهم السلف، ولا إلى فهم العلماء السابقين، ولا إلى ما أصلوه من أصول، ولا إلى ما قعدوه من قواعد، ومن ثم فنحن نرجع إلى الكتاب والسنة ونتدارس مفاهيمهما وما نخلص إليه هو الذي نتفق عليه، وهو الذي نعمل به، وهذه معناها أن نتخلى عن كل ما سبق من تاريخنا وتراثنا في فهم الكتاب والسنة وشروحهما، ثم نبدأ فهماً جديداً، ومن هو الذي يفهم هذا الفهم الجديد؟ كل من أراد أن يفهم الكتاب والسنة فليفهمهما، العالم والجاهل والعامي وهذا الملحد الزنديق الذي لم يعلم كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولم يتشبع بهما، كل هؤلاء يمكن أن يفسروا كتاب الله، وأن يفسروا سنة الرسول ﷺ ، وهذه قضية خطيرة جداً لعل فيما يأتي إن شاء الله تعالى إشارة إلى بعض جوانبها.
стр. 213
فهم الصحابة للنصوص مقدم على فهم غيرهم
القضية الثانية المتعلقة بمصدر التلقي عند أهل السنة والجماعة هي: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم المبلغون عن الرسول ﷺ ، ومن ثم فإن فهمهم للنصوص مقدم على فهوم غيرهم، وهذه قضية تابعة للأولى لكنها مرتبطة بها ارتباطاً تاماً، وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أحرص الناس ﵃ وأرضاهم على فهم الكتاب والسنة وعلى تطبيقهما، ومن ثم فإن التطبيق العملي عقيدة وشريعة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ نجده أفضل ما يكون عند أولئك الصحب الكرام ﵃ أجمعين، ولقد تميز هؤلاء الصحابة بعدة ميزات، ولعل من أهمها حرصهم الشديد على الفهم عن رسول الله ﷺ ، حتى كان الواحد منهم إذا حدث عن الرسول ﷺ يقول: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به ﵊.
كذلك أيضاً كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن المسائل وعما يشكل عليهم، والنبي ﵊ لما سأله أبو هريرة ﵁ وأرضاه وقال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال النبي ﷺ له: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسأل عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث).
وكانوا أيضاً يراجعون السنة، بل كانت عائشة ﵂ وأرضاها زوج النبي ﷺ لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وهذا في صحيح البخاري.
وأنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول: (كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه).
فالصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين كل الحرص على التلقي عن رسول الله، وعلى حسن الفهم عنه، وعلى تطبيق ما يرد إليهم وما يسمعونه، سواء كان من كتاب الله أو من حديث رسوله ﷺ ، وكان الصحابة ﵃ وأرضاهم قد آتاهم الله حفظاً، ودعا الرسول لبعضهم، بل كانوا ﵃ وأرضاهم يحتاطون في الحديث عن رسول الله ﷺ احتياطاً شديداً، وهذه القضية معروفة لدى علماء الحديث، والنتيجة التي ينبغي أن نخلص منها هنا هي: أن الكتاب والسنة يرتبط فهمهما وتفسيرهما في الاعتقاد والفروع أول ما يرتبط بفهم السلف رحمهم الله تعالى، وأي انفكاك عن هذا الفهم فهو ضلال مبين، وانفتاح لباب القرامطة والرافضة، والعقلانيين والفلاسفة، والمعتزلة والمتأولة وغيرهم.
وهذه القضية -وهي قضية أن السلف رحمهم الله تعالى هم الذين يجب أن يتلقى عنهم فهم النصوص- هي التي قررها علماء السلف المتقدمون منهم والمتأخرون، حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي وهو الذي عرف عنه تصوف ودخول في علم الكلام ثم بعد ذلك رجوعه في آخر أمره إلى الحديث.
هذا الرجل الذي اشتهرت كتبه وفيها كثير من البدع، لما كان في آخر عمره رجع إلى علم الحديث، ورجع إلى مذهب السلف رحمهم الله تعالى، وقرر أن الحق هو مذهب السلف، وأن هذا إنما يجب لأننا لا بد أن نسلم بعدة أصول: أولها: أن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بصلاح أحوال العباد في معاشهم ومعادهم، الثاني: أنه ﷺ بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معاشهم ومعادهم، ولم يكتم شيئاً، وأنه كان أحرص الخلق على صلاح الخلق وإرشادهم إلى صلاح المعاش والمعاد.
الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام النبي ﷺ وأحراهم بالوقوف على كنهه، وإدراك أسراره، الذين لازموه وعاينوا التنزيل، وعرفوا التأويل وهم أصحابه.
الرابع: -وهذا كله للغزالي في آخر أمره- أن الصحابة في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان من الدين لأقبلوا عليه ليلاً ونهاراً، ودعوا أولادهم وأهلهم إليه.
يقول الغزالي: فنعلم بالقطع من هذه الأصول أن الحق ما قالوه، والصواب ما رأوا.
وهذه نتيجة تجربة لأكبر علم من علماء أهل الكلام والتصوف، يقرر بعد تجربة امتدت عشرات السنين أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى هو الحق ولا حق غيره، فهل يعي ذلك أولئك العقلانيون وغيرهم الذين يريدون أن يدخلوا في ديننا وشرعنا تلك المعقولات الباهتة، والآراء والأقيسة العقلية، هل يعقلون تجارب هؤلاء نرجو ذلك.
стр. 214
من مصادر تلقي العقيدة: الإجماع
الأمر الثالث: من أمور مصادر تلقي العقيدة الإجماع، ومسألة الإجماع معناها: أن ما أجمع عليه المسلمون في عصر من العصور فلا يجوز لأحد خلافه أبداً، وقد يقول قائل: وهل المسائل التي أجمع عليها المسلمون كثيرة؟ نقول: نعم، المسائل التي أجمع عليها المسلمون مسائل واضحة ومحددة، وقد ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، فما أجمع عليه العلماء فلا يجوز لأحد خلافه مهما كان؛ لأن إجماع هؤلاء العلماء إنما هو إجماع مبني على الكتاب والسنة، أي: إجماع مبني على دليل فلا يجوز لأحد أن يخالفه بعد حدوث ذلك الإجماع، وبعض أهل الكلام حصروا الإجماع في مسائل الفروع، أما مسائل الأصول فيقولون: إن الإجماع لا يدخلها، وسبب ذلك أنهم يرون أن أدلة العقول يمكن أن تدخل في باب العقائد، ومادام يمكن أن تدخل فالإجماع غير وارد هنا، وهذه قضية من الخطأ بمكان؛ لأن الإجماع على أي أمر كان صواباً سواء من الأمور العقدية أو من أمور الشرع هو إجماع، ولا يجوز لأحد خلافه أبداً، وهذه المسألة -وهي مسألة الإجماع- من المسائل التي تحسم تلك النظرية التي تقول: إننا يجب أن نرجع إلى الكتاب والسنة دون أن نرجع إلى ما قاله العلماء، فماذا سيفعل هؤلاء بالإجماع؟ ما أجمع عليه السلف رحمهم الله تعالى هل سيقولون: نتخلى عنه، وننقض ذلك الإجماع، ونأتي بأفهام وآراء جديدة؟! تلك قضية واحدة فقط من القضايا الخطيرة التي تترتب على ذلك الرأي الخطير.
стр. 215
من مصادر التلقي: العقل الموافق للنقل
المصدر الرابع: هو دلائل العقول، وينبغي أن نعلم أن كثيراً من الناس ربما يفهم أن مذهب السلف رحمهم الله تعالى إنما هو الرجوع إلى الكتاب والسنة عن طريق الخبر فقط، وأما العقول فإنه لا مدخل لها في هذا الباب، وهذا فهم خاطئ تماماً، فإن السلف رحمهم الله تعالى يعتمدون على الكتاب والسنة في فهم ما يدل عليه الكتاب والسنة، ولكن لا يعني ذلك أن العقل لا مدخل له في هذا الباب، وإنما يقولون: إذا تعارض العقل والنقل ظاهراً -وهما في الحقيقة لا يمكن أن يتعارضا- فالواجب تقديم النقل على العقل؛ لأنه أسلم، والعقل الذي يدعي أولئك المتكلمون والفلاسفة وغيرهم أنه مصدر مستقل في باب العقائد، وفي باب الإيمان والدين، هذا العقل لم يجتمعوا عليه ما هو: هل العقل هو الغريزة التي تميز الإنسان عن الحيوان؟ أم أن العقل هو العلوم الضرورية التي يصدق بها الجميع كالقول بأن الواحد نصف الاثنين وأن الكل أكبر من الجزء؟ أم أن العقل هو العلوم النظرية التي تحصل بالنظر والاستدلال ونحوها؟ ما هو العقل عند هؤلاء؟ لقد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد ذلك العقل، واختلافهم هذا أدى إلى تباين آرائهم وأقوالهم في هذا الباب، ومن ثم كان السلف رحمهم الله تعالى يجعلون للعقل دوره المناسب له، ولا يرفعونه فوق منزلته، ويجعلونه مستقلاً كما فعله أولئك المنحرفون، وليسوا من الذين يلغون العقل إلغاءً تاماً، وإنما يضعونه في منزلته الصحيحة له.
وهذا ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتابه: تأويل مختلف الحديث يقول مبيناً ضلال أولئك: وقد كان يجب على ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر ألا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون؛ لأن آلاتهم لا تدل إلا على عدد واحد، وإلا على شكل واحد، فما بالهم -أي: أهل الكلام والفلسفة- أكثر الناس اختلافاً، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد من الدين؟! وهذا يعطيك أن القول باستقلال العقل في باب الدين هو قول يؤدي إلى الضلال والانحراف.
السلف رحمهم الله تعالى كما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ يعتمدون على النقل الذي جاء بالدلائل العقلية، والله ضرب الأمثال وأمرنا أن نعتبر بالأمم من قبلنا؛ لأن أولئك الأمم لما خالفوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ جرى لهم ما جرى، ونحن أيضاً إذا فعلنا مثل فعلهم وخالفنا أمر الله وأمر رسوله ﷺ فسيجري علينا مثل ما جرى عليهم.
كذلك أيضاً بين الله أدلة البعث بعد الموت بأدلة عقلية، وأمثلة مضروبة توضح للإنسان أن الله قادر على البعث، وأنه يبعث من في القبور، وأن الناس لا بد أن تكون لهم رجعة يقفون فيها بين يدي ربهم ﵎.
стр. 216
من مصادر التلقي الفطرة السليمة
ثم يأتي المصدر الأخير وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فكل العباد مفطورون على الإيمان الصحيح، كما قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)، ومعنى الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، فلو ترك الصغير وفطرته لكان من المؤمنين المسلمين، أما إذا وجد من يؤثر فيه فالنبي ﷺ أخبر أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما هو معروف، وهذه قضية مهمة جداً؛ لأن الله فطر عباده على فهم الأمور بأبسط الدلائل، الأعرابي يستدل على وجود الله ، وعلى أن الله موجود بدلائل الفطرة؛ لأن الفطرة تدل على أن هذا الكون لا بد له من خالق، فالبعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أرض وأمواج، وسماء ذات أبراج، ألا تدل على الحكيم الخبير؟! الفطرة تدل على أن الإنسان يطلب ربه في العلو، فما احتاج الإنسان إلى ربه في أمر من أموره إلا ورفع بصره إلى السماء، وتلك الفطرة هي التي فطر الله عباده عليها، بل إن الفطرة تدل على توحيد الألوهية؛ لأن الإنسان إذا آمن بأن الله هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، وبيده الأمر كله ، إذا اعتقد ذلك فلا بد أن ينتهي به الأمر إلى أن هذا الإله الخالق الرازق المحيي المميت هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له، فلا تخضع القلوب إلا له محبة وإنابة وذلاً وخوفاً وخشية وتوكلاً وغير ذلك من أنواع العبادة لا تهفو القلوب بهذه العبادات إلا لله وحده لا شريك له، فكيف يخاف الإنسان أو يحب الإنسان محبة عبادة أو يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك هو لنفسه نفعاً ولا ضراً، تلك قضايا الفطرة تدل على ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فالفطرة والعقول السليمة مؤيدة لما جاء به كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ولا يمكن أن يأتي في الكتاب ولا في السنة شيء يخالف أو يناقض تلك العقول الصريحة ولا تلك الفطر السليمة.
стр. 217
منهج أهل السنة والجماعة في العقائد مستمد من الكتاب والسنة
أيها الإخوة! بعد هذا العرض السريع لمصادر تلقي العقيدة ننتقل إلى قضية عقدية أخرى مرتبطة بها، ألا وهي: أن منهج أهل السنة والجماعة في العقائد لا بد أن يستمد من الكتاب والسنة التي هي الأمور الخبرية، والتي يجب الإيمان بها والعمل على ضوئها، وكذلك أيضاً الاستدلال الشرعي على الأحكام الشرعية يجب أن يكون مبنياً على منهج واضح، ولا يقول قائل: تلك فروع، نقول: وإن كانت فروعاً إلا أن الاستدلال عليها يجب أن يكون المسلك فيه على وفق منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، والاستدلال الشرعي في باب الأحكام ليس فرعياً وإنما هو أصولي، فحينما تأتي قضايا تتعلق بعباداتنا، أو تتعلق بأمور معاملاتنا، أو تتعلق بحياتنا فكيف نستنبط حكمها الذي أوجبه الله علينا؟ لا بد من منهج شرعي سار عليه السلف رحمهم الله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يحيد عنه، وهذه هي مسألة وجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، فالتحاكم إلى الشريعة الإسلامية ليس أمراً فرعياً، وإنما هو أمر أصولي، ومن ثم فحينما نقول: منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في العقائد لا يعني فقط ذلك الجانب الذي يفهمه البعض فقط، وهو ما يتعلق بالإيمان بالله أو بأسمائه وصفاته أو بالإيمان بالرسول ﷺ ، وإنما يرتبط بذلك ارتباطاً أصيلاً منهج الاستدلال الشرعي، لأن الناس جميعاً يجب أن يكون حكمهم ورجوعهم عند التنازع والاختلاف إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، وهذا الذي ذكره الله في آيات عديدة، يقول ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وفي الآية الثانية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وفي الآية الثالثة: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] إلى آخره.
وهنا تظهر في البلاد الإسلامية أحياناً دعوات صريحة، وأحياناً مبطنة إلى رفض التحاكم إلى شريعة الله ، في بعض البلاد الإسلامية تطرح القضية علناً: هل تكون الشريعة هي المصدر الأساسي أو تكون مصدراً من المصادر؟ وفي بعض البلاد قد لا يجرؤ هؤلاء العلمانيون وغيرهم على مثل هذا الطرح الصريح؛ فيبحثون عن طروح أخرى مبطنة، ولهم في ذلك وسائل، وقد سبق أن ذكرنا وسيلة منها، وهي تلك التي يزعم فيها هؤلاء أنه ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة فقط دون الرجوع إلى فهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى لها، وهذا معناها: عود جديد، على وضع جديد، وتصدير جديد، وربما يؤدي إلى دين جديد.
ومن ذلك أيضاً ما يدعيه هؤلاء أن استنباط الأحكام الشرعية ليس مختصاً بالعلماء المجتهدين، وإنما هو أمر متروك لجميع الناس أو لكل من أراد أن يفكر ويستنبط من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، فيدخل في ذلك العلماء المجتهدون، ويدخل في ذلك الجهلة، ويدخل في ذلك من ليس عنده علم لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، وهذا مدخل خطير جداً؛ لأن معنى ذلك أن الحكم الشرعي وتطبيقه والإفتاء به لا يكون مختصاً كما كان في التاريخ الإسلامي وفي الأمة الإسلامية بفئة العلماء المجتهدين، وإنما ينتقل من هؤلاء إلى غيرهم، وسيتحول الأمر حينذاك إلى فوضى لا نهاية لها.
وهناك أيضاً طريقة أخرى لبعض هؤلاء تشبه طريقة الذين يتتبعون الرخص، فإن هؤلاء يقولون: كل مسألة للعلماء فيها أكثر من قول فيجوز أن نأخذ بأي قول من أقوالهم، فإذا طرحت قضية من القضايا قال لك: هذه القضية قال فيها فلان كذا وقال فيها فلان كذا وقال فيها فلان كذا وانتهى، أي رأي نأخذه من هذه الآراء هو رأي صحيح؛ لأنه قد قال به بعض العلماء، ومعنى هذا أن يتتبع الإنسان شواذ المسائل وشواذ أقوال العلماء والأقوال المرجوحة المخالفة للدليل الصحيح، وتتحول هذه القضايا وهذه المسائل إلى أصول، وهذا منهج أيضاً خطير جداً؛ لأن الواجب على الإنسان أن يعتمد على الدليل، وإذا وجد عنده قولان أو عرض له قولان فإنه لا بد أن يسأل عن الدليل ويبحث عنه، وإذا كان الإنسان عامياً لا يعرف فإنه يقلد من العلماء من كان أوثق وأعرف عنده بالكتاب والسنة، أما دعوى أن يترك الأمر لكل من أراد أن يفتي وأن يقول، ولكل مسألة توجد في الكتب لتكون معتمدة ومطبقة نقول: لا، المنهج الصحيح هو البحث عن الدليل، والترجيح بين الأقوال على ضوء الأصول التي ضبطها علماء السلف رحمهم الله تعالى.
المهم أن هؤلاء العلمانيين وأذنابهم يريدون أن يحطموا شريعة الله من الداخل، ويريدون أن ينتهي الأمر إلى طرح القضايا أمام الناس طرحاً يسمونه أحياناً طرحاً ديمقراطياً، فنقول: ما رأيكم في القضية الفلانية صوتوا؟! ثم نجمع الناس ويصوتون، فإذا صوت خمسة وخمسون بالمائة أو ستون بالمائة على الرأي الآخر أخذنا به ولو كان مخالفاً للدليل، ولو كان مخالفاً للشرع إلى آخره، بينما المنهج الصحيح في هذا الباب هو أن ترد الأمور عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وترد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بردها إلى العلماء المجتهدين العاملين، فلا ترد إلى آراء الرعاع وعامة الناس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معقباً على قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق.
وشيخ الإسلام هنا يشير إلى قول المنافقين: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢] وهذا الذي يقوله أصحاب السياسات الجائرة التي تخالف الكتاب والسنة، إذا جئتهم قالوا: السياسة والأمور لا تصلح إلا بهذا، ولو كانت مخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ .
شيخ الإسلام يقول: وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب.
ومن ثم فإن علماء الإسلام رحمهم الله تعالى بينوا أن من يتصدى للقضاء والإفتاء لا بد أن يتصف بعدة صفات ذكروا من ذلك: الإسلام، والتكليف، والعدالة، ثم ذكروا أن يكون من أهل الاجتهاد، وهذا الاجتهاد يشمل عدة أمور: أولها: العلم بالكتاب والسنة وما يتعلق بهما من أحكام، وتمييز ناسخ الآيات ومنسوخها، وناسخ الحديث ومنسوخه، وتمييز صحيحه من ضعيفه إلى آخره.
الأمر الثاني: العلم بلسان العرب.
الأمر الثالث: العلم بأصول الفقه التي هي أصول الاستدلال، حتى يكون المفتي بانياً فتواه على أصل مقرر لا على دعاوى، أو آراء عقلية مجردة.
وذكروا أيضاً صفات لمن يتصدى للإفتاء وللقضاء، ومنها: أن تكون له نية صالحة يريد فيها أن يبين أحكام الله للناس، وليس من الذين يريدون أن يبدلوا شرع الله ، كذلك أيضاً أن يكون متضلعاً في العلم الشرعي، دارساً له، متقناً له.
وكذلك أن تكون له معرفة بأخلاق الناس، وعاداتهم وانحرافاتهم ومقاصدهم؛ حتى تكون فتواه على بينة ومعرفة بأمرهم، ثم أن يكون حليماً متأنياً غير متسرع في إصدار الأحكام، وهذه قضايا مهمة جداً.
وينبغي أيضا أن يعلم أن الإفتاء أنواع: النوع الأول: إفتاء مجرد عن الاجتهاد، وهذا ما يكون من باب الأخبار الخالصة، كأن يسأل العالم سؤالاً فيجيب بما يعلمه من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، فيسأله السائل ويقول له: ما أعظم آية في كتاب الله؟ فيأتي هذا العالم ويقول: آية الكرسي؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك.
النوع الثاني: ما يكون معه اجتهاد، بأن يجتهد العالم لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا أيضاً على ضربين: أحدهما: ما يسمى بعلم أصول الفقه بتحقيق المناط، بمعنى: أن تكون الأحكام الشرعية معلومة بالكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي هذا المجتهد فينزل تلك الأحكام على هذه الواقعة، وفي هذه الحالة يجب على المفتي أن يعرف هذه الحالة فينزل عليها هذا الحكم، وهذا في الأمور التي قد وضحت دلالتها من الكتاب والسنة، وتكون مهمة المجتهد المفتي هنا هي فهم الواقعة فهماً صحيحاً لتنزيل ذلك الحكم عليها.
النوع الثاني من أنواع الاجتهاد: أن يكون الحكم الشرعي الذي يريده المجتهد لهذه الواقعة غير معلوم له، فيحتاج منه إلى أن يبحث في الأدلة ويجتهد فيها؛ ليستخرج الحكم، ثم بعد ذلك يطبق ذلك الحكم على تلك الواقعة، وكما تعلمون جميعاً فإن العلماء اشترطوا للمفتي شرطين أساسيين: أحدهما: معرفة الأحكام الشرعية، وهذه هي قضية الاجتهاد التي أشرنا إليها.
الثاني: فهم الواقع، ومعرفة صورة الواقعة التي حدثت معرفة تامة؛ حتى يكون إفتاؤه وحكمه فيها حكماً مبنياً على تصور واضح، فلا بد أولاً من تصور الحكم الشرعي، ولا بد ثانياً من فهم الواقعة.
ثم يأتي التطبيق العملي وهو الأمر الثالث، بتنزيل ذلك الحكم على تلك الواقعة، فأين هذا من منهج أولئك الذين يريدون أن يحرفوا الناس عن عقيدتهم وعن شريعتهم بتلك الوسائل، ويريدون ألا ترد الأمور إلى أهلها، وإنما ترد إلى عامة الرعاع من غير المجتهدين ومن غير العلماء؟! ذلك منهج خاطئ يجب أن ننتبه له، والعلمانيون وغيرهم قد بدءوا يسلكون هذا المسلك؛ ليجعلوا قضية فهم نصوص الكتاب والسنة عقيدة وشريعة متاحة للجميع، وكل يقول فيها بما يشاء، ويفتي فيها بما يشاء، وحينئذ تتحول الأحوال والأمور إلى آراء وأفكار بعيدة عن الشرع، والله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخ
стр. 218
الأسئلة
стр. 219
ضوابط الحوار في مسائل العقيدة
السؤال
نحن نعتقد أن المسائل الأصولية لا حوار ولا نقاش فيها، لكن بعض العلمانيين يقولون: لا بد من هذا الحوار، ويستدلون بالمناظرات والحوار الذي كان يجريه علماء السلف كـ ابن تيمية وغيره رحمهم الله تعالى، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
هناك أنواع من الحوار: النوع الأول: الحوار الذي يقع بين العلماء، وهذه قضية أظنها واضحة، وهي أن العلماء المجتهدين يجتمعون ويتحاورون، وينظرون في الأدلة، ثم إن اتفقوا على رأي فبها، وإلا صار لكل منهم رأيه المبني على الدليل، وقد وقع في التاريخ الإسلامي محاضرات ومساجلات علمية بين علماء الإسلام.
النوع الثاني من الحوار: الحوار لأهل الباطل للرد عليهم، بمعنى: أن يأتي هذا العالم والداعية ليحاور أولئك ليبين ضلالهم، وهذا هو الذي فعله شيخ الإسلام ابن تيمية، وفعله عبد العزيز المكي الكناني لما حاور المعتزلة، وهو الحوار الذي ينطلق فيه الداعية من منطلق أحقية ما يدعو إليه وبيان انحراف الطرف المخالف.
لكن هناك نوع من الحوار يدعو إليه أهل الباطل، وهذا الحوار يقصدون منه أن تتحول أمورنا ومسلماتنا إلى حوار، فمثلاً يأتي ليقول القائل من هؤلاء: لماذا لا نتحاور هل نعتمد الشريعة الإسلامية أو لا نعتمدها، وننظر؟! فهل الاعتماد على الشريعة الإسلامية وتطبيقها أمر يدخل في الحوار؟! هل الاعتماد على الكتاب والسنة في مسائل العقيدة يدخل في الحوار؟! هل الإقرار للملاحدة بأن يعلنوا إلحادهم ونلغي باب الردة في الفقه الإسلامي كله ونقول: من أراد أن يكون شيوعياً فليكن لأجل الحوار؟! لا، هذا لا يمكن، ومن ثم فإن هؤلاء الذين يدعون إلى الحوار ليس هو الحوار الشرعي الذي ذكرنا أنواعه، وإنما هو حوار يريدون منه أن يتحول الحوار إلى غاية، ما معنى أن يتحول الحوار إلى غاية؟ معناه: أن يكون هدفي وهدفك هو الحوار، إذاً لا تلزمني برأيك، ولا ألزمك برأيي، نطرح القضية، ونتحاور فيها، وكل يخرج مقتنعاً بما يريد، وهذا أمر خطير، معناه: أن كل إنسان يريد أن يطرح قضية فليطرحها ويقول: أنا أريد الحوار، ففرق بين هذا وذاك؛ لأن الحوار على مفهوم هؤلاء: أن تترك الحرية لجميع الآراء وللأفكار تناقش، بينما منهج السلف رحمهم الله تعالى أن الأمور المؤصلة المقطوع بها لا يمكن أن يدخل فيها حوار، بل يعاقب مخالفها، وهؤلاء يريدون أن ينقضوا هذه المسائل.
стр. 220
فهم العلمانيين لنصوص الكتاب والسنة
السؤال
فضيلة الشيخ! أشرت إلى أن العلمانيين يريدون الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولكن بفهمهم لا بفهم غيرهم من السلف، فهل يصدقون في ذلك؟ ثم هل يمكن ذكر مثال لتأويلهم لبعض النصوص؟
الجواب
إما أن يصدقوا أو لا يصدقوا، فهذه قضية علمها عند الله ، وإنما نحن نحاكم الفكرة نفسها، ونقول: إن هؤلاء يريدون من هذه القضية إلغاء الشريعة الإسلامية، وكما تعلمون جميعاً لو جئنا إلى نصوص الكتاب والسنة لنأخذها مجردة دون ما أجمع عليه السلف وفهموه؛ لأدى الأمر إلى فوضى متناهية، وكما تعلمون جميعاً أن النصوص أحياناً يسمعها الإنسان فربما يفهمها، وباب التأويل الذي دخل منه الصوفية والباطنية وغيرهم هو هذا الفهم الذي يقول: أنا إذا فهمت من الكتاب والسنة شيئاً ففهمي صحيح، وأنت إذا فهمت شيئاً ففهمك صحيح، إذا جاء الرافضي ليقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] البقرة هي عائشة ﵂ وأرضاها، فهل هذا فهم صحيح؟! أو حينما يأتي الصوفي إلى قول الله ﵎ لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٧ - ١٨]، فيقول هذا الصوفي: فرعون هو قلبك.
معنى ذلك: أن الله ما أمر موسى أن يقول لفرعون الطاغية حاكم مصر هذا الكلام، فالقول بأن أي فهم يدخل فيه هو فهم صحيح هو المنطلق الذي يريده هؤلاء العلمانيون، بينما نصوص الشرع مضبوطة بفهم السلف، والسلف هم خير القرون زمناً، والذين ساروا على ما كان عليه الرسول ﷺ في منهجه.
إذاً: عندنا قضيتان عندما نتكلم عن السلف، القضية الأولى: المنهج، بمعنى: من سار على مثل ما سار عليه الرسول ﷺ وأصحابه صار من السلف.
القضية الثانية: وهي القضية الزمنية، وهي أن القرون المفضلة يسمون سلفاً؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم بالخيرية، لكن من سار بعدهم على منهجهم فهو أيضاً من السلف، وهذا هو الذي يرجع إليه العلماء، ما كان مرتبطاً بمنهج السلف، وما كان واقعاً في تلك الفترة الخيرية التي أخبر عنها الرسول ﷺ بمثل قوله: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
стр. 221
علاقة القياس بمصادر التشريع
السؤال
أرجو إيضاح كل من: القياس وعلاقته بمصادر التشريع.
الثاني: هل لولي الأمر الحكم في مسألة ما وهو ليس من العلماء؟
الجواب
أما القياس فقد عرفه العلماء: بأنه إلحاق فرع بأصل لوجود العلة التي يشتركان فيها بحكم معين، والقياس كما سبق نوعان: قياس جلي: وهو ما يسمى بتحقيق المناط، وهذا التحقيق هو عين تطبيق الشريعة الإسلامية، بمعنى: أن الله يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] هذه الرقبة كونها ذلك الشخص الذي تريد أن تعتقه يكون تطبيقه على هذا، هذا يسمونه قياساً جلياً ولا أحد ينكره أبداً؛ لأن أي إنسان لا بد أن يطبق الأحكام على مواضعها.
النوع الثاني: تخريج المناط، وهو الذي تلحق به مسألة بمسألة أخرى، فمثلاً: تقول: الخمر مسكر وحرام، ثم تأتي إلى النبيذ فتراه مسكراً فتلحق النبيذ بالخمر بجامع الإسكار، وتنتهي بهما إلى حكم واحد وهو التحريم، فتلحق الفرع الذي هو النبيذ بالأصل الذي هو الخمر، بعلة الإسكار في كل منهما بحكم واحد وهو التحريم، فالنبيذ ما ورد نصاً في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فيأتي العالم ليلحق هذا الأمر بالخمر، وتكون النتيجة هي التحريم، هذا مثال مبسط للقياس.
أما الفقرة الثانية من السؤال وهي: هل للحاكم أن يحكم بما يراه؟ نقول: ليس لأي حاكم أن يحكم بما يراه أبداً إذا كانت المسألة مما ورد فيها دليل من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وحتى نميز المسائل التي هي مرتبطة بشرعنا، والمسائل التي هي مستجدة وقد تكون من القضايا الإدارية، وتلك ملحقة بتلك الأصول الشرعية.
فالخلاصة: أن الحكم إنما هو لله ولرسوله ﷺ .
стр. 222
حكم من توفي ولم تبلغه العقيدة الصحيحة
السؤال
ما حكم من توفي ولم تبلغه العقيدة الصحيحة أو لم يبلغه الإسلام، أو بلغه محرفاً، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
هؤلاء الذين لم تبلغهم العقيدة وأيضاً كانوا في وقت جاهلية ما يسمون فيه بأهل الفترات بين الرسل، فهؤلاء حكمهم معروف، وهو أن أهل الفترة والذين لم تبلغهم الشريعة اختلف العلماء في حكمهم في الآخرة، مع قطعهم بأن حكمهم في الدنيا على ما هم عليه، إن كانوا يعبدون الأصنام فهم مشركون، وإن كانوا ليسوا على دين فهم كفار، لكن هل يعذرون في الآخرة؟ اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال، منهم من جعلهم في الجنة، ومنهم من جعلهم في النار، ومنهم من فسق، وأرجح الأقوال أنهم يمتحنون يوم القيامة كما ورد بذلك الحديث، فتوقد لهم نار فيؤمرون بالدخول فيها، فمن أطاع الله ودخل فيها كان من أهل الجنة والنعيم، ومن عصى مع وضوح الأمور له فهو من أهل النار.
أما ما ذكره في آخر السؤال، وهو من بلغه الدين محرفاً فهذه مسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن من بلغه الدين قد يكون بلغه الدين على حقيقته لكن لا ينفك عن التحريف، بمعنى أن رؤساء الضلالة مثلاً من اليهود أو من النصارى أو من الملاحدة أو من المشركين، وإن كان يبلغهم دين الله إلا أنهم يحرفونه فيقولون مثلاً: إن هذا دين غير صحيح، هذا دين يأمر بكذا هذا دين يأمر بكذا إلى آخره وينفرون أتباعهم منه، فهؤلاء إذا كانت قد بلغتهم الرسالة فحينئذ حكمهم إذا أعرضوا عنها أنهم كفار.
стр. 223
عزة المسلم بإيمانه
لا عزة للمسلمين إلا بإيمانهم بالله ، فيوم أن يؤمنوا بالله ويتمسكوا بكتابه وسنة رسوله ﷺ فإنهم يكونون أعز أهل الأرض، وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا عند أن تخلوا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وصدر هذه الأمة خير شاهد على هذا؛ فإنهم عند أن تمسكوا بالوحيين دانت لهم الدنيا من شرقها إلى غربها، وخضعت لهم الأمم عن بكرة أبيها، ولما تركنا نحن مصدر عزتنا وقوتنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من ذل وضعف وهوان وهزيمة.
стр. 224
سبب الحديث عن هذا الموضوع
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز الحكيم، عز في ملكه وسلطانه، وخضعت له الرقاب، فلا يكون إلا ما يريد ، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، أعز عباده المؤمنين فنصرهم ورفع شأنهم، وأذل الكافرين فكبتهم وأصلاهم جهنم وساءت مصيراً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود والحوض المورود، أزال الله به ظلمة الجاهلية، فرفع به العرب من ذل إلى عز، ومن جهل إلى علم، ومن صغارٍ بين الأمم إلى قادة للأمم، فعليه الصلاة والسلام، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أيها الحبيب! حديثنا هو عن عزة المسلم بإيمانه وهل للمسلم، وهل لأي إنسان عزة بغير الإيمان؟
الجواب
لا والله، لا عزة ولا كرامة ولا رفعة ولا شأن لنا إلا بالإيمان، فالإيمان هو الذي به يفصل بين الناس يوم القيامة إلى فريق في الجنة وفريق في السعير، ولا ثالث لهما.
стр. 225
لا عزة بغير الإيمان
الذي دعا إلى الحديث عن هذا الموضوع عدة أمور: الأمر الأول: أن هناك بين المسلمين من يريد أن يجعل للمسلمين عزة بغير الإيمان، فيظن أن عزة المسلمين قد تكون بالمال، أو بالتقدم العلمي والتكنولوجي كما يقولون، أو أن تكون العزة بغير الله ، وقد تختبر في النفوس مثل هذه الأمور فيظن الظان أن الجاه أو المال أو غير ذلك من أمور الدنيا يمكن أن يستعز بها الإنسان، ويرفع بها جبهته أمام الأمم، وتلك -والله- خدعة نفس وخدعة شيطان؛ لأنه لا المال، ولا الجاه ولا المناصب ولا التقدم العلمي وحده يمكن أن يرفع المسلمين من هذا الذل الذي يحيط بهم من كل جانب.
стр. 226
وجوب الحذر من الحرب النفسية التي تحاك ضد المسلمين
الأمر الثاني: أن هناك حرباً نفسيةً تحاك ضد الأمة الإسلامية، وضد الصحوة الإسلامية في كل مكان، فأعداء الإسلام يريدون أن يهزموا المسلمين من الداخل، وأن يحبطوا هذه العزة وهذه الثقة الذي يجدها المسلم داخل إيمانه.
إنها حرب نفسية تريد من المسلمين أن يظنوا أنهم لا قوة لهم ولا مكانة لهم بين الأمم ولا عزة لهم ولا سلطان لهم، وإنما المكانة والعزة والسلطان إنما هي لأعداء الله ﵎ الذين تنكبوا الصراط المستقيم.
هكذا يريدون أن يصوروا الحال، وهكذا يريدون أن يغرسوا في نفوسنا وفي نفوس المسلمين وفي نفوس شباب الإسلام هذا الغرس الخبيث الذي هو في حقيقته حرب نفسية من الداخل، حتى يتيه المسلم في خضم الفتن والأحوال والأحداث وغيرها، فيظن أنه فقد عزته وفقد إيمانه وفقد مكمن الرفعة الذي هو الإيمان بالله ، ويبدأ يلتفت يميناً وشمالاً، وإذا ما التفت يميناً وشمالاً اعرض عن الله فأعرض الله عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام، إنهم يريدون حرباً نفسية من الداخل حتى يبحث الإنسان المسلم عن عزة ورفعة بغير هذا الإيمان الذي يحمله بين جنبيه، وإذا بحث عنها في غير الطريق المستقيم خاب وخسر وذل وصار مهيناً محتقراً، إما في نفسه وإما بين الأمم جميعها.
стр. 227
سبب عزة الأمة في عصورها المتقدمة
الأمر الثالث يجب علينا أن نعود إلى أصول ديننا وأصول عزتنا، والأمة الإسلامية في عصورها المتأخرة لم تجرب هذا العلاج الذي هو مصدر عزتها التجربة الكاملة، بحيث تُربى عليها النفوس، وتُربى عليها الأسر، وتُربى عليها الأمة، فوالله لو عاد المسلمون إلى دينهم حق العودة لكان لهم بين الأمم شأن آخر.
ونحن لا نقول هذا الكلام من عند أنفسنا، بل الله هو الذي يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ويقول ﵎: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]، ولماذا نقول هذا وأمامنا التاريخ يشهد بالحقائق وينطق بها؟ ألم يكن أهل هذه الجزيرة في مكة وفي غيرها يعيشون أذلة بين الأمم؟ ألم يكونوا قبل مبعث الرسول ﷺ أذلة يقتل بعضهم بعضاً، وينهب بعضهم بعضاً، ويعبدون الأصنام من دون الله؟ بل كان الواحد منهم يصنع إلهه من التمر ويعبده أول نهاره، فإذا أمسى وجاع أكله، ألم يكونوا أذلة أمام كسرى وقيصر وأصحاب الحبشة وغيرهم؟ ألم يكونوا على تلك الذلة؟ فما الذي رفعهم؟! هل رفعتهم جاهلية قومية كما ينادي بعض أدبائنا ومفكرينا بالعودة إلى القومية الجاهلية المسماة بالعروبة؟ وهل رفعهم كثرة المال؟ وهل رفعتهم قوتهم البدنية والقبلية وغيرها؟
الجواب
لا والله.
ما ارتفع أولئك الركب الكرام من أصحاب النبي ﷺ ، وما انتقلوا من حظيرة الجاهلية إلى عز الإسلام إلا بالإيمان، وهذا شاهد اجعله أمامك في كل وقت وفي كل آن، فإنه لما نطق رسول الهدى ﷺ في أرجاء مكة قائلاً للناس: (أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله، إني رسول الله لكم بين يدي عذاب شديد)، وصرخ بها ﵊ في وجه الجاهلية لوحده، ولما أن بدأ أصحابه يكثرون، ونشأ الإسلام في مكة، وصار الواحد من المسلمين يخالف أباه وأمه وأقربائه إذا اختلف معهم في العقيدة تغير الميزان، وظن الجاهليون -كما يظن الجاهليون اليوم- أن الرسول ﷺ إنما كان داعية ملك يريد أن يحكم العرب، فأرسلوا إلى النبي ﷺ رسولاً يقول له: إن أصحابك من قريش -أي: من زعماء قريش- عند الكعبة يريدونك.
فلما علم النبي ﷺ ظن أن هؤلاء الزعماء أرادوا الدخول في الإسلام، والرسول ﷺ كان حريصاً كل الحرص على أن يدخل قومه في الإسلام، فأتى إليهم ﵊ مسرعاً، فلما وقف عليهم قالوا له: يا محمد! لقد أتيت قومك بأمر عظيم، سفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم، وفرقت به جماعتهم، فتعال -يا محمد- لنعرض عليك أموراً.
قال: (قولوا، وأنا أسمع).
قالوا: يا محمد! إن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه ملكاً ملكناك علينا، وإن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه شرفاً سودناك علينا حتى صرت السيد المطاع فلا نقطع بأمر دونك، وإن كنت تريد بهذا الذي تدعو إليه مالاً جمعنا لك من الأموال حتى تصير أكثرنا مالاً.
وهذه هي عروض الجاهلية في كل زمان ومكان، فالقوميون اليوم يقولون: الوحدة العربية وبعدها الوحدة الإسلامية.
ومن طلب العز بغير الدين أذله الله، فالعز بالوحدة العربية ذل؛ لأنه لا عز إلا بالإسلام.
فقال النبي ﷺ : (ما جئت أريد ملككم، ولا الشرف فيكم، ولا أموالكم، ولكنني جئت أدعوكم إلى كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتخضع لكم بها العجم).
فقام أبو جهل ومعه بعض كبار المشركين، وقالوا: يا محمد! تريد كلمة واحدة؟! نحن نعطيك عشر كلمات.
أي: وتنهي المشكلة.
فقال النبي ﷺ : (قولوا: لا إله إلا الله).
فصاحوا جميعاً صيحة واحدة، وقالوا: أما هذه فلا.
ورفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله.
إذاً: عتاة الجاهلية رفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولكن الصحب الكرام من أصحاب النبي ﷺ هم الذين قالوها، وما زال الإسلام ينتشر وينتصر حتى امتدت الفتوحات الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، ودك المسلمون قصور كسرى وقيصر مهللين مكبرين رافعين رؤوسهم؛ لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، وهي قولة حق وصدق وإخلاص، فعملوا بمقتضاها، ولم يرتكبوا ما يناقضها، فأعزهم الله ورفع شأنهم.
ولما كان المسلمون في تلك الفتوحات يخوضون غمار المعارك في بلاد فارس طلب قائد الفرس من المسلمين أن يرسلوا رسولاً ليكلمه، فأرسل إليه القائد سعد بن أبي وقاص ﵁ أحد الصحابة، فخرج هذا الصحابي إلى إيوان القيادة الفارسية، ودخل عليهم وبيده سيف، وهو معتز بإيمانه، وصار يمشي ويخرق السجاجيد بسيفه حتى وقف عنده.
فقال له قائد الفرس: ما الذي جاء بكم؟ لقد عهدناكم صعاليك تتقاتلون فيما بينكم وترسلون إلينا لنحكم فيكم، ما الذي جاء بكم وغير أحوالكم حتى جئتم إلينا تريدون ديارنا؟ فقال الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وقوله: (من ضيق الدنيا) لأن الكافر عنده الدنيا هي كل شيء، ولذا فهو ضائق بها؛ لأنه لا يرى في الدنيا إلا ما التذ به فقط، فهو يريد أن يعب من شهواته في دنياه؛ لأنه لا أمل له في الآخرة، لكن الإسلام نقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وما أوسع الدنيا عند المؤمن بالله ! إن صحَّ عبد الله وحمده وشكره، وإن اغتنى عبد الله وحمده وشكره، وإن افتقر حمد الله وشكره وصبر، وإن مرض وجئته وهو مريض يقول لك: الحمد لله، ما ضاقت به الدنيا؛ لأنه حتى لو جاءه الموت يعلم أن الدنيا ليست هي نهاية المطاف، ولذا فهو نقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
стр. 228
سبب تغير حال الأمة من العزة إلى الذل
هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم، حتى صارت الأمة الإسلامية هي القائدة وهي الرائدة بين الأمم، وحتى صارت الأمة الإسلامية هي التي تقول الكلمة فيسمع لها الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
أما اليوم فقد انعكست -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الأمور، وأصبح الكفار يتكلمون فنسمع، وأصبح أعداء الإسلام يحاربوننا بالغزو الفكري، وبالأفكار الجاهلية، وبالتبشير وغيره، ونحن ننتظر!
و
السؤال
لماذا تغيرت الصورة؟
و
الجواب
تغيرت الصورة لأننا حتى الآن ما اعتصمنا بالله وبهذا الإيمان حق الاعتصام، لأننا حتى الآن لا يزال فينا ويوجد بيننا ومن يتكلم بلغتنا من يريد أن يبحث عن مكامن العزة في القوميات الجاهلية والقوانين الجاهلية والأنظمة الجاهلية، ويريد أن يجلبها من الشرق ومن الغرب، فهل لقوم بينهم من يقول مثل هذا الكلام أن تكون لهم عزة؟ لا.
стр. 229
عزة المؤمنين بالإيمان، وبيان معنى الإيمان الذي تكون به العزة
إن العزة لا تكون إلا بالله، العزة لا تكون إلا بالصراط المستقيم الذي بينه لنا رسول الهدى ﷺ .
ومن ثمَّ فإنني أحب هنا أن أذكر شيئاً عن هذا الإيمان الذي به عزة المؤمنين، ما هو هذا الإيمان؟ لقد بينه رسول الله ﷺ لنا بياناً واضحاً، ولكني أشير إلى إشارات وأمور مجملة: الأمر الأول: أن نسير على هذا الإيمان على وفق منهج أهل السنة والجماعة أصحاب الرسول ﷺ والتابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، إنهم السلف، وهم أهل الحديث، وهم أهل السنة والجماعة الذين صاروا على ذلك الخط في الاعتقاد في جميع جوانبه، فما غيروا وما بدلوا، بل ابتعدوا عن البدع، وعن علم الكلام، وعن كل ما يعكر صفو هذا الإيمان من أمور دخيلة على المسلمين، سواءٌ أكانت هذه الأمور أموراً فلسفية، أم أموراً كلامية، أم غيرها.
الأمر الثاني: أن الإيمان الذي به عزة المسلمين هو الإيمان الذي يولد عملاً، فبعض الناس يقول لك: أنا مؤمن.
وإذا جئت تكلمه في أمر من أمور الإيمان فتأمره بأمر أو تنهاه عن منكر قال لك: يا أخي! هذه أمور بسيطة، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره.
فنقول: نعم.
التقوى في القلب، ولو كانت التقوى في قلبك لما ارتكبت المنكر ولأتمرت بالمعروف؛ لأن الرسول ﷺ لما ذكر القلب الذي به يغرس الإيمان قال ﵊: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله)، فلو كان الإيمان موجوداً على الوجه الصحيح لما بقي كامناً، وإنما يتحول إلى عمل، يتحول إلى الصلاة الخاشعة، وإلى الصيام، وتأدية الزكاة، والبعد عما حرم الله من الزنا والربا والغش والغيبة والنميمة وغير ذلك من المنكرات، هذا هو الإيمان.
أصحاب النبي ﷺ كان الواحد منهم إذا انغرس في قلبه هذا الإيمان لم يرجع لينام في بيته، ولم يقل: أنا أقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وانتهى الأمر.
لا، وإنما كان هذا الإيمان -لأنه إيمان صحيح- يحول الواحد الفرد حركة دائبة للعمل والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يأتي ليدعو أقرب الناس إليه.
ونحن نعرف ذلك الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه الذي دخل في الإسلام، فلما آمن واستقر الإيمان في قلبه رجع إلى قومه -وكانوا على الشرك-، فلما اقبلوا عليه فرحين مستبشرين بمقدمه أقبل معهم عليه أبوه، فلما أقبل عليه ليسلم عليه قال: إليك عني، فلست مني ولست منك.
قال: وما ذاك؟ قال: لقد آمنت بالله ورسوله.
قال: أنا معك.
فجاءت زوجته مقبلة عليه فرحة بمقدمه، فقال: إليكِ عني، فلستِ مني ولست منكِ، لقد فصل بيني وبينك الإسلام.
فقالت: وما ذاك؟ قال: لقد أسلمت، ودخلت في دين محمد.
قالت: ديني دينك.
وجاءت أمه، وجاء أقرباؤه ففاصلهم حتى أسلموا.
إنه الإيمان الذي يولد عملاً، وليس إيمان النفاق، ولا إيمان المجاملات الباردة في دين الله.
إنه الإيمان الذي يحرك الغيرة في قلب العبد المؤمن إذا رأى حرمات الله تنتهك، والرسول ﷺ أخبر أن من صفات المؤمنين الغيرة، وأن الله يغار، ورسول الله ﷺ يغار، وقال عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: (لقد دخلت الجنة فرأيت قصراً لك يا عمر، فجئت لأدخله فرأيت في الباب جارية، فلما رأيتها تذكرت غيرتك يا عمر! فلم أدخله.
فقال عمر ﵁ وأرضاه: أعليك أغار يا رسول الله؟!).
إنه الإيمان الذي يجعل الإنسان لا يسير في هذه الحياة وكأنه أبله لا يفقه من أموره شيئاً، بل ينظر ماذا يخطط له الأعداء ويتدبر، فينظر ماذا يريد الأعداء في حربهم للمسلمين فيقف في وجوههم، وينظر ماذا يريد المنافقون وأذنابهم فيقف ضد مخططهم، هذا هو الإيمان الذي به العزة والرفعة والمكانة للأمة الإسلامية.
ثالثاً: الإيمان الذي نريده هو الإيمان القائم على العبادة الخالصة لله الواحد القهار الملك الجبار الذي بيده ملكوت كل شيء، فهو الذي يحيى ويميت، وهو الذي يذل ويعز، وهو الذي بيده الأمر كله، وحياتنا وأرزاقنا وآجالنا وأمراضنا كلها بيد الله ، فإذا كانت هذه الأمور بيد الله فهل يتوجه العبد بخوف أو محبة أو توكل على غير الواحد القهار؟
الجواب
لا.
فإنه لا يتوجه إلى غير الله من امتلأ قلبه إخلاصاً لله .
فالإيمان هو الإيمان الذي يجعل العبد يخلص في جميع أمور العبادة لله وحده لا شريك له.
والمحبة العبادية لا تكون إلا خالصة لله ، والخوف والرجاء لا يكون إلا من الله.
والاستعانة والاستغاثة والتوسل لا تكون إلا بالله.
والذبح والنذر والتوكل وغير ذلك لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، فلا الأولياء ينفعون، ولا أصحاب القبور ينفعون، ولا السحرة والكهان وغيرهم ينفعون، وإنما النفع والضر بيد الواحد القهار ، فليخلص العبد عبادته لله وحده لا شريك له.
الأمر الرابع: الإيمان الذي به العزة هو الذي يجد العبد طعمه وحلاوته في أموره وحياته كلها، فما هو هذا الإيمان الذي يجد الإنسان طعمه؟ هذا الإيمان يقول عنه الحبيب المصطفى ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وهذه هي الأولى، والرسول ﷺ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده -وفي رواية: من ولده ووالده- والناس أجمعين).
فهل نجد -أيها الأخ الحبيب- لرسول الله ﷺ من الحب أكثر مما نجده لأنفسنا وأولادنا؟! وهل نحن نحب المحبوب الحبيب المصطفى ﷺ لأن الله أنعم علينا بالهداية بسببه، فإذا قال الرسول ﷺ كلاماً خضعنا، وإذا أمر أمراً فعلنا، وإذا نهى عن أمرٍ اجتنباه، أم أننا نسمع القائل يقول: قال رسول الله.
أمر رسول الله.
نهى رسول الله ونحن عن ذلك معرضون؟! هل هذه محبة؟ الجواب: لا، ليست دلالة على المحبة.
الأمر الثاني الذي يجد به العبد حلاوة الإيمان قال عنه ﷺ : (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، وانظر اليوم إلى موازين البشر، هل هي بميزان الحب في الله والبغض في الله؟ الجواب: لا.
بل الحب والبغض أصبح لأجل الدنيا ولأجل القرابة فقط ولأجل المكانة والمنصب ولأجل ما ترجوه من هذا الشخص، هذا هو الميزان الذي عندنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والرسول ﷺ يبين أن حلاوة الإيمان تجدها بأن تحب المرء لا تحبه إلا لله، وأما علامة أن حبك لهذا العبد هو محبة في الله فعلامة ذلك أن لا يتغير هذا الحب إن أحسن إليك أو جفاك، فإذا أحسن إليك فأنت على ما كنت عليه من محبته، وإن جفاك فأنت على ما كنت عليه من محبتك له في الله، هذا هو الميزان.
أما الأمر الثالث الذي به توجد حلاوة الإيمان فهو كراهة الكفر، قال الرسول ﷺ : (وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)، وهذه -والله- ثلاث علامات يجد العبد بهن حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الناس في الله، وأن يكره الكفر وأن يعود فيه كما يكره أن يقذف في نار جهنم.
وقد كان الصحابة من شدة إيمانهم بالله أنهم كانوا ينظرون إلى الدنيا على أنها دار معبر، ولذلك كانوا يتدارسون أشراط الساعة، ويرون أن أشراط الساعة قادمة لابد منها، فكانوا يتدارسون الساعة والقيامة والبعث والحساب والجزاء؛ لأنها حقائق من حقائق الإيمان لابد أن تقع، وهذه المعرفة بهذه الأمور تؤدي بالإنسان إلى النشاط والعمل، ولا تؤدي به إلى الكسل كما يفعل بعض الناس.
وقد جاء أحد الصحابة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال النبي ﷺ : (ما أعددت لها -أي: ما الذي أعددته للساعة-؟ فقال هذا الصحابي: ما أعددت لها من كثير عمل إلا أنني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ -مبشراً له ومبشراً لأصحابه-: أنت مع من أحببت)، فمن أحب الله والرسول ﷺ فهو في الجنة مع رسول الله، وهو في الجنة يرى الله؛ فالمؤمنون يرون الله ربهم ﵎ في الجنة، وما وجد المؤمنون في الجنة ألذ ولا أطيب -وكل ما في الجنة طيب- من رؤيتهم لربهم ﵎، نسأل الله الكريم العظيم الجليل من فضله أن لا يحرمنا من النظر إلى وجه الله الكريم في جنات عدن.
стр. 230
يقظة الصحابة ﵃
إن الإيمان الذي به عزة المؤمنين هو الإيمان الذي يوقظ صاحبه إذا وقع في الذنوب والخطايا، وليس المؤمن هو الذي لا يخطئ أبداً، وإنما المؤمن هو الذي إذا وقع في الذنب تذكر أن له رباً يغفر الذنوب فتوجه إلى الغفور الرحيم، المؤمن هو الذي إذا وقع في المعصية لم ييأس ولم يستهوه الشيطان، ولكنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويتوجه إلى ربه ﵎.
ولقد كانت يقظة الصحابة عظيمة، فهذا أحدهم -وهو ثابت بن قيس بن شماس ﵁ وأرضاه- كان رجلاً جهوري الصوت، فإذا تكلم بين يدي النبي ﷺ صار صوته مرتفعاً، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات:٢] وسمع بهذه الآية جلس في بيته حزيناً، فسأل عنه النبي ﷺ فقيل: يا رسول الله! إنه في بيته جالس، وإنه يقول: أنا من أهل النار، وقد حبط عملي لأنني أرفع صوتي على صوت النبي ﷺ .
فقال النبي ﷺ : (مروه فليأت إليَّ، إنه من أهل الجنة).
إذاً رفع الصوت على النبي ﷺ هو بالاعتراض على حكمه وسنته ومنهجه، كما يفعل اليوم كثير من الناس، بل وكثير من المسلمين يرفعون أصواتهم فوق النبي ﷺ ، فيريدون حكم الجاهلية وأنظمة الجاهلية وقوانين الجاهلية وفتات وحقارات الجاهلية، ويضربون بحديث وشرع رسول الله ﷺ عرض الحائط، وهذا هو رفع الصوت على الرسول ﷺ .
فلما سمع هذا الصحابي الجليل فرح واستبشر، فلما كانت وقعة اليمامة في قتال المرتدين لبس كفنه، وقاتل ﵁ وأرضاه حتى قتل.
أما تيقظ هذا الإيمان فهاك قصة أخرى لأحد الصحابة أيضاً، فإن رسول الله ﷺ لما تحزبت عليه الأحزاب في المدينة من وثنية قريش ووثنية غطفان، فساروا إلى النبي ﷺ يريدون أن يسحقوا المسلمين في المدينة المنورة، وكانوا عشرة آلاف: أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من غطفان ومن حولها، وحاصروا المدينة، وحفر النبي ﷺ وأصحابه الخندق كما هو معروف.
ولكن هل هذا هو العدو وحده؟
الجواب
لا.
فقد كان في داخل المدينة عدوان جسيمان للمسلمين: أما أحدهما.
فيهود بني قريظة الذي كانوا داخل حصون المدينة، فنقضوا العهد، وتمالئوا مع المشركين على القضاء على المسلمين.
أما العدو الثاني فالمنافقون داخل صف المسلمين، وقد كانوا يريدون أن يؤخروا حفر الرسول ﷺ للخندق، وكانوا يريدون أن تأتي الجيوش الجرارة قبل أن يكتمل حفر الخندق، يريدون بذلك أن يهجم الأحزاب على المسلمين قبل أن يكتمل خط دفاعهم الأول، ولكن قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فكانت العاقبة للمؤمنين، حيث أنزل الله ريحاً وجنوداً على الكفار أكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وولوا مدبرين، وبعد ذلك ذهب الرسول ﷺ إلى الخونة من اليهود في بني قريظة يريد أن يقتص منهم، فتحصنوا بحصونهم، وقالوا: أرسل لنا رجلاً.
فأرسل لهم أحد الصحابة، فلما دخل عليهم هذا الصحابي الجليل -وهو أبو لبابة - استقبله اليهود داخل الحصن بالنساء والأطفال وهم يبكون بكاءً شديداً، يريدون أن يسترحموه، وصاروا يفاوضونه ويقولون له: ماذا ترى: هل ننزل على حكم محمد ﷺ ؟ فهذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه لما سألوه: هل ننزل على حكم محمد؟ قال لهم: نعم.
وأشار بيده إلى حلقه، يعني: نعم.
إنه الذبح.
ولم تنته هذه الحركة منه ﵁ وأرضاه حتى شعر بندم شديد على أنه فضح سر رسول الله ﷺ ، وأنه أعطاهم النصح قائلاً: إن نزلتم على محمد فسيكون حكمكم الذبح.
فكيف يرجع هذا الصحابي الجليل إلى رسول الله ﷺ يخبره عن نتيجة المفاوضات وقد وقع فيما وقع فيه؟ فما استطاع، فماذا فعل؟ نزل حزيناً كئيباً شاعراً بذنبه، حتى أتى إلى المسجد وربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وقال: والله لأبقين هكذا حتى يفك قيدي رسول الله ﷺ .
سجن نفسه في سارية المسجد، وكان بعض أهله يأتيه إذا حضرت الصلاة فيفك قيده ثم يصلي، ثم يرجع ويربط نفسه بالقيد، حتى بقي على ذلك سبع عشرة ليلة.
هذا هو إيمان العزة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، وأنزل الله توبته، وأنزل الله على رسوله ﷺ -كما ورد في بعض الآثار- قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢]، وبشر ﵁ وأرضاه بالتوبة، وجاء رسول الله ﷺ وفك قيده.
هذا هو الإيمان الذي يجعل العبد يستيقظ.
هذا الإيمان هو الذي دفع بذلك الشاب الذي كان على عهد النبي ﷺ في إحدى أماكن القبائل فسمع بالإسلام، فعزم على أن يذهب إلى الرسول ﷺ ليقابله، فلم يطعم طعاماً ولم يشرب شراباً، وإنما كان يركض لهفاً حتى إنه كان إذا جاع أخذ من الشجر وأكل منه حتى تجرح شدقاه ﵁، فأقبل بين مكة والمدينة وإذا بالنبي ﷺ مع أصحابه ذاهب إلى مكة للحج، فلما لقيهم هذا الشاب قالوا له: أين تريد؟ قال: ذاهب إلى المدينة أريد محمداً ﷺ .
فقالوا له: هذا هو رسول الله.
فأقبل هذا الشاب لهفاً على رسول الله ﷺ ، وقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، بماذا تأمرني؟ ما الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، فأخذ العلم من رسول الله ﷺ وانطلق، وما كاد ينطلق حتى عثرت دابته بجحور اليرابيع، فلما عثرت سقط فدقت رقبته فمات.
فقال النبي ﷺ لما أخبر بذلك: (ائتوني به) فأخذ النبي ﷺ ينظر إليه ويعرض، ثم قال ﷺ : (دونكم أخاكم فغسلوه وكفنوه)، فلما غسلوه وكفنوه وصاروا يحفرون قبره، أمرهم باللحد، وقال: (اللحد لنا والشق لغيرنا).
فقال النبي ﷺ : (أتدرون لما أعرضت عنه؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لقد رأيت الملائكة تطعمه بثمر من ثمر الجنة لأنه مات جائعاً) ﵁ وأرضاه.
هذا هو الإيمان، وليس إيمان الترف والاستكانة التي يعيشها الناس اليوم، بل إيمان العزة والكرامة، والثقة والنصر بالله .
ففي أحاديث النبي ﷺ ، وفي أحواله، وفي أحوال أصحابه قصص عظيمة للعبرة، ولكن عمر ﵁ وأرضاه أعطانا نموذجاً لذلك لما جاء ليفتح بيت المقدس، فإنه جاء على جمل يعتقبه هو وصاحبه، وخاض المفازة، فقال له أبو عبيدة: (لو أنك جئت إليهم راكباً؟) فقال عمر ﵁ وأرضاه كلمة مشهورة يجب أن نقف عندها دائماً، قال: (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا طلبنا العزة بغيره أذلنا الله).
стр. 231
أهم مظاهر ومعالم العودة إلى الإيمان
تلك -أيها الحبيب- لمحات في هذا الباب، وأختم هذا الموضوع بذكر بعض المظاهر التي يجب أن تكون لعزة المسلم في عصرنا الحاضر، والأمة الإسلامية تستقبل فجراً جديداً وصحوة إسلامية رائدة ورجوعاً إلى هذا الدين، وأسأل الله أن يرزقنا جميعاً التمسك بدينه والثبات عليه، وأن يوفق شباب المسلمين ونساءهم وفتياتهم، وأن يوفق الجميع إلى الاعتصام بحبل الله المتين.
стр. 232
وجوب التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة
أيها الحبيب! هناك معالم كثيرة لابد منها إذا أردنا أن ننطلق بإسلامنا وعزتنا به من جديد، وهاأنا أشير إليها باختصار، وأهم هذه المعالم للعودة إلى الإيمان واعتزازنا به: أولاً: التمسك بهذا الدين عقيدة وشريعة، فالتمسك بهذا الدين عقيدة بأن نعتصم بها، ونربي عليها أنفسنا وأسرنا وكل من ولانا الله إياه، عقيدة لا تقبل المساومة ولا التقصير، وإنما هي عقيدة سليمة مبناها على التوحيد الخالص لله ، ومحتواها السير على منهج السلف الصالح ﵏، وشريعة لا نرضى بها بديلاً، نحكمهما في جميع شئوننا، وفي كل أمورنا، وفي كل النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكل شأن من شئون الحياة لله ﵎ فيه حكم، فلا نتحاكم إلا إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 233
أهمية الدعوة إلى دين الإسلام
الأمر الثاني: الدعوة إلى الله، والدعوة إلى هذا الدين بكل ما نملك؛ لأننا نريد الخير للناس جميعاً، سواء -كانوا من المسلمين- أم من غيرهم، فكلهم ندعوهم إلى الله ليستقيموا على دين الله، وننشر منهج أهل السنة والجماعة في كل مكان، وندعو إلى الله في مشارق الأرض ومغاربها؛ لأن هذا الدين هو دين الله، وليس له حدود في الزمان ولا في المكان.
وهذه علامة واضحة، بل هي علامة كبرى على عزة المسلم بإيمانه، فإذا اعتز المسلم بإيمانه دعا إليه؛ لأنه يريد الخير للمسلمين كما يريده لنفسه، ولأنه يعلم أن هذا الدين هو الحق، وأنه لا عزة ولا كرامة إلا بهذا الدين، فيدعو إليه واثقاً، ويستخدم كافة الأساليب في الدعوة إلى دين الله ﵎، بالكلام، بالكتابة، وبالشريط، وبكل وسيلة من الوسائل.
стр. 234
وزن الأمم والأفراد بميزان الإيمان
الأمر الثالث: وزن الأمم والأفراد بميزان الإيمان، وهذه قضية واضحة جداً، فالإنسان الذي يحمل هذا الإيمان ويعتز به يزن الناس به، فأمامه أن الكفار لا وزن لهم، ولا قيمة لهم ولا كرامة؛ لأن الله أهانهم وأذلهم، بل قال -وهو سبحانه أصدق القائلين، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]- قال عن هؤلاء الكفار: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]؛ لأن الأنعام أتت بما خلقت له من مركب أو مأكل أو غير ذلك، لكن هؤلاء خلقوا للعبادة فأبوا أن يخلصوا لله الواحد، فهم كالأنعام، بل هم أضل منها.
فميزان المؤمن هو ميزان الولاء والبراء، فالمؤمنون لهم كرامة عنده، وأخوك المؤمن تحمل في قلبك حباً له، ولا تحتقره ولو كان أقل منك رتبة، وأقل منك مالاً، وتحمل في نفسك الكرامة لأخيك المؤمن؛ لأنك تحبه في الله، هذا هو الميزان الذي يدل على أنك تعتز بهذا الدين فتزن به الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
стр. 235
وجوب رفض كل ما سوى الكتاب والسنة
الأمر الرابع: أن الإنسان إذا اعتز بهذا الدين رفض كل ما سواه، فكل أنظمة البشر وكل ما يأتي به البشر إذا جاء مخالفاً لكتاب الله أو لما في سنة رسوله ﷺ فهو مرفوض لا قيمة له ولا وزن، ولو كان منمقاً مفصلاً مهيئاً إلى آخره.
والجاهليون والقوميون والعلمانيون وغيرهم يريدون أن يعرضوا جاهليات الغرب والشرق علينا بأن فيها السعادة وفيها الحياة والكرامة وفيها كذا وكذا، ولا والله، ليس فيها إلا الذل والمهانة لنا إن رفضنا شرع الله وأخذنا بها.
стр. 236
المستقبل للإسلام
الأمر الخامس من الأمور التي تبنى عليها عزة المؤمن في العصر الحاضر وفي كل عصر: اليقين بأن المستقبل للإسلام، واليقين بأن المستقبل لهذا الدين، فالحضارة الغربية بشرقها وغربها تعيش أزمة منذ سنوات في جميع نواحي أمورها، وإن ظهرت لنا بمظهر العلم والتكنولوجيا والاختراعات والقوات وغيرها، فالمستقبل للإسلام، وهذه قضية يعرفها الأعداء قبل الأصدقاء، ويعرفها اليهود والنصارى والملاحدة، والله تعالى يقول عن أهل الكتاب: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦].
واليهود يعلمون أنهم لا بقاء لهم، وأنهم سيحاربون وسيقاتلون في يوم من الأيام وسيطردون، ولقد أخبرنا رسول الله ﷺ بذلك، وقال: (لتقاتلن اليهود حتى ينطق الشجر والحجر.
ويقول: يا مسلم! يا عبد الله! إن ورائي يهودياً فتعال فاقتله.
إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)، وهم الآن يحيطون مستعمراتهم بشجر الغرقد.
стр. 237
بشائر عزة الإسلام
إن العزة للإسلام، والرسول ﷺ أعطانا عدة بشارات وسأشير إلى اثنتين منها: البشارة الأولى: أن الرسول ﷺ قال: (لتفتحن القسطنطينية وروما)، وروما هي عاصمة إيطاليا، وفيها دولة الفاتيكان أم النصرانية في العالم، (قيل: يا رسول الله! تفتح القسطنطينية أولاً أو روما أولاً؟ قال: القسطنطينية أولاً)، وهل فتحت روما؟ حتى الآن لم تفتح روما، وستفتح بوعد الصادق المصدوق ﷺ .
إذاً: المستقبل للإسلام، المستقبل لهذا الدين أبداً، فلا نطلب العزة بغيره.
البشارة الثانية: أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يبقى بيت وبر ولا مدر إلا دخله، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) هكذا يقول النبي ﷺ .
إذاً العزة والمستقبل للإسلام، العزة للإسلام، والمستقبل لمن حمل راية الإسلام، فلماذا لا نكون نحن -أيها الحبيب- من حملته؟ ولماذا لا نربي عليه أنفسنا وأولادنا ونساءنا وأقرباءنا؟ فلنترب عليه لنعود مرة أخرى.
أسأل الله أن يجعلنا ممن اعتصم به وتوكل عليه واعتز بدينه.
اللهم! إنا نسألك أن تغرس في قلوبنا الإيمان، وأن تثبتنا عليه إلى أن نلقاك.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، ويقام فيه علم الجهاد.
والله أعلم.
стр. 238
الأسئلة
стр. 239
كيفية إقناع الناس بأن العزة للإسلام
السؤال
كيف نغير المفاهيم عند بعض الناس ونقنعهم أن العزة بالإسلام؟
الجواب
تغيير المفاهيم يكون بأمرين: الأمر الأول: أن تكون -أيها الداعية- معتزاً بالإسلام؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا لم تكن أنت عندك الحرقة على هذا الدين والعزة به فكيف يمكن أن يقتنع بك الآخرون؟ الأمر الثاني: أن تبين له الإسلام الحق والإيمان الحق؛ لأن هذا البيان مع ذكر النماذج لذلك من عزة الإسلام في تاريخه السابق قد يولد عند أخيك القناعة بإذن الله وبعونه على أن العزة للإسلام.
стр. 240
الأسباب التي تؤدي إلى زيادة الإيمان
السؤال
من المعلوم أن الإيمان يزيد وينقص، فما هي الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؟ وكيف نحافظ على الإيمان؟
الجواب
لا شك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
والحقيقة أن المحافظة على هذا الإيمان إنما هي بسلوك السبل التي تؤدي إلى زيادته، والابتعاد عن الوسائل التي تؤدي إلى نقصانه.
والإيمان -بدون شك- عند الإنسان ليس على وتيرة واحدة، فأحياناً يرتفع هذا الإيمان عند الإنسان، وأحياناً يخبو قليلاً ويحس الإنسان بضعف في إيمانه وثقل حتى في تأديته أحياناً للعبادات، والذي أراه لإخواني في مثل هذه الحالة القيام بأمور: أولاً: أن يحرص تمام الحرص على أن لا يؤدي ضعف إيمانه إلى الكسل عن الفرائض، بمعنى أن الإنسان لو فرض أنه كسل عن طاعة وعن تطوع فإياه ثم إياه أن يؤدي به إلى الكسل عن صلاة الجماعة مثلاً، بل يحرص كل الحرص على أن يؤدي الفرائض؛ لأنها أحب الأشياء إلى الله.
الثاني: أن يحرص كل الحرص على أن يبحث عما يقوي إيمانه، وتقوية الإيمان تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد تكون بقراءة القرآن، وقد تكون بالنوافل، وقد تكون بمدارسة سيرة الرسول ﷺ ، وقد تكون بمجالسة الصالحين، وأقول: إن هذا هو الذي كان يفعله الصحابة ﵃ وأرضاهم، فقد كان الواحد منهم يلقى أخاه ويقول: يا فلان! تعال بنا نؤمن ساعة.
لأن الإنسان إذا صار عنده ضعف في إيمانه وذهب إلى أخيه، وأخوه في ذلك اليوم قوي إيمانه فجلسا فتحدثا فهذه الجلسة الأخوية، وهذه الزيارة في الله بحد ذاتها فرض عليه، فكيف إذا جلسا لمذاكرة علم أو شأن من شئون المسلمين؟ لاشك أن الإيمان يقوى.
والنتيجة هي أنك إذا ضعف إيمانك لا تستسلم للشيطان، بل ابحث عما يقوي إيمانك.
стр. 241
نصيحة للنساء
السؤال
هل هناك من نصيحة توجهونها إلى النساء؟
الجواب
أما نصيحتي لأخواتي المسلمات فتتخلص في ثلاثة أمور: الأمر الأول: تقوى الله في السر والعلن، فالتقوى هي لعموم المؤمنين ومنهم النساء، لكن المرأة مطلوب منها أن تتذكر تقواها لربها في عرضها وصلاتها وحق زوجها؛ لأن النبي ﷺ قال: (اطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها النساء.
فقلن: يا رسول الله! لمَ؟ قال: لأنكن تكفرن العشير، لو أحسنت إليها الدهر كله ثم رأت يوماً سوءً قالت: ما رأيت خيراً قط)، وهذه هي طبيعة المرأة، فعليها أن تتقي الله في نفسها، وفي مال زوجها وبيته، وفي وأولادها.
الأمر الثاني: يجب أن تحذر أختي المسلمة كل الحذر من دعايات المضللين والمنافقين والمنافقات، وبعض الناس يظن أنه لا منافقات، وهذا غلط؛ لأن الله يقول في أكثر من آية: (والمنافقون والمنافقات).
إذاً ليس النفاق خاصاً بالرجال، وإنما في النساء منافقات بنص القرآن الكريم، فعليها أن تحذر منهن ومنهم، فأولئك الذين يريدون أن يلبسوا الباطل بلباس الحق عليها أن تحذر من مكايدهم، وهكذا دعاة التبرج والسفور والاختلاط ودعاة هدم الأخلاق عليها أن تحذر كل الحذر من هؤلاء.
ولتعلم أختي المسلمة أنها إذا حذرت هؤلاء فإن البديل لها هو ما شرعه الله لها، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، أترون بنات المسلمين في عهد النبي ﷺ عشن شقيات لأنهن لم يخرجن ولم يتبرجن، ولم يُكنَّ مثل الرجال يخالطنهم في الوظائف والأعمال؟ الجواب: لا.
بل -والله- كنّ يعشن في أتم سعادة؛ لأنهن ائتمرن بأمر الله سبحانه في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١].
ائتمرن بأمر الله، فقامت المسلمة بدورها تصنع الرجال وتربي الأجيال وتخرجهم، حتى تربى الأولاد وتربت البنات على الطاعة والالتزام وعلى العزة بهذا الدين، فصار الواحد منهم يمشي في مشارق الأرض ومغاربها حاملاً مشعل الإيمان معتزاً بدينه رافعاً راية الحق خفاقة، يقول للكفار في كل مكان: هذا ديني وإسلامي، وهذا نسبي، فإلى من تنتسبون؟! هكذا صنعت النساء، وهكذا كن الصحابيات والتابعيات ومن جاء بعدهن يصنعن، فهل رأيتم صحابية أو من نساء السلف من أصيبت بمرض نفسي لأنها تجلس في البيت؟ أو أصيبت بعقدة كما يدعي المستغربون والمنافقون؟ الجواب: لا والله.
ولماذا لا نجد في تاريخنا -وفيه نساء كثيرات- ما يبثه اليوم أعداء الإسلام من قولهم: المرأة جالسة عاطلة؟ بل المرأة تقوم بدور عظيم جداً؛ لأن هذا من الطبيعة التي خلقها الله عليها، فالمرأة لها طبيعة خاصة، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣]، فلو جئنا لنعكس ونقول: الليل يكون نهاراً.
والنهار يكون ليلاً فكيف ستكون حياتنا؟ ستكون تعاسة؛ لأننا عكسنا الطبيعة التي خلق الله الكون عليها.
وكذلك أيضاً لو جئنا نعكس ونقول: المرأة تقوم بدور الرجل؛ لأن هذه طبيعة خلقها الله عليها، فالمرأة هي التي تحمل، وهي التي تصنع الرجال، وهي التي ترضع، وهي التي تقوم بالبيت، فإذا غيرنا هذه الأمور وقلنا للمرأة: تعالي فكوني أنت التي تحملين السلاح دائماً، وأنت التي تؤدين الوظائف، وأنت التي تختلطين بالرجال فسنرى أنه انعكست الأمور وانحطت الأخلاق وتحطمت الأمة، وهل بعد أمر الله أمر؟! وهل بعد اختيار الله اختيار؟! أما الوصية الثالثة لأختي المسلمة فهي أن تكوني داعية إلى الله بين أخواتك المسلمات، فالمرأة تؤثر على المرأة، ولا تكوني ممن تدعو أحياناً إلى السوء وهي لا تشعر، فبعض النساء تجدها أحياناً تفعل أشياء تظنها لا شيء فيها وهي أحياناً تؤدي إلى خراب البيوت.
مثلاً: قد تأتي المرأة إلى جارتها أو صديقتها فتجدها تخبر صديقتها عن أحسن أخلاق زوجها، وقد يكون زوجها له خلق أو خلقان ممتازان، لكن له ثلاثة أو أربعة سيئة، فتأتي مقابلتها التي تسمع منها ويكون هذا الخلق الذي ذكرته هو من أسوأ أخلاق زوجها، فتقول مثلاً: إن زوجي لا يرد لي مطلباً.
أو نحو ذلك من الأمور التي تذكرها المرأة أحياناً، فتلك تسمع منها وتقول: إذا كانت هذه المسألة قد حسنت أخلاق زوجها فيها فما بالك بالأخلاق الأخرى؟ فترجع على زوجها، وتسوء العلاقة بينهما، مع أنها لو فتشت في مجمل أخلاق زوجها ومجمل أخلاق زوج جارتها أو صديقتها لوجدت أن زوجها يفضل ذاك بكثير، لكن السبب هو تلك الأمور التي تحدث بين النساء ويكون فيها إسفاف، والوسائل والأمثلة كثيرة، لكن على المرأة المسلمة أن تكون داعية إلى الله، فإذا اجتمعت مع أختها تتذاكر معها كتاب الله، وسنة الرسول ﷺ والأمر الطيب والإصلاح بين الناس والحديث والسمر الذي يحبب النفوس ولا يبغض النفوس فذلك أمر محمود.
نسأل الله أن يرزق أخواتي المسلمات جميعاً التقوى والعفاف، وأن يعصمهن من الانحراف، وأن يوفق أولياء أمورهن على أن يكونوا عوناً لهن على طاعة الله؛ لأن من أولياء الأمور -ولا حول ولا قوة إلا بالله- من يكون عوناً للشيطان على أهل بيته، فإذا هدى الله بنته أو زوجه أو أخته صار ضدهم يريد أن يجرفهم وأن يحرفهم.
أسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 242
القضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر هو السعادة، وهو ركن الإفادة من هذه الدنيا والاستفادة، منه تنشرح الصدور، ويعلوها الفرح والحبور، وتنزاح عنها الأحزان والكدور، فما أحلاها من حياة عندما يسلِّم العبد زمام أموره لخالقه، فيرضى بما قسم له، ويسلِّم لما قدّر عليه، فتراه يحكي عبداً مستسلماً لمولاه، الذي خلقه وأنشأه وسواه، وبنعمه وفضله رباه وغذاه، فيسعد في الدنيا ويؤجر في الأخرى.
ولا يتم ذلك إلا لمن فهم القضاء والقدر، وعرف أسراره، وعلم حكمه على فهم سلف الأمة، فهم على علم أقدموا، وعن فهم كفوا وأحجموا، فلابد من الوقوف حيث وقفوا، وقصر الأفهام على ما فهموا.
стр. 243
أهمية عقيدة القضاء والقدر
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فموضوع هذا الدرس القضاء والقدر، وسنركز على بعض القضايا المتعلقة بمنهج دراسة مثل هذا الموضوع، وتعريفه، ومجمل عقيدة السلف فيه.
وأول قضية نحب أن ننبه إليها في هذا الموضوع هي: أن موضوع القضاء والقدر موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بحياة جميع الناس، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت.
ومن ثم فإن الله ﵎ بين لنا هذه المسألة في كتابه أتم بيان، كما أوضحها لنا رسوله ﷺ على منهج صحيح.
وأول ما يتبادر إلى الذهن حول أهمية القضاء والقدر أنه من أركان الإيمان، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ حينما سئل عن الإيمان أجاب بالأركان الستة، وختمها بالإيمان بالقدر خيره وشره.
والله ﵎ أخبرنا في كتابه العزيز أنه خلق كل شيء وقدره، وأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بتقديره ﵎ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ومن هنا فإن أركان الإيمان وما يتعلق بهذه الأركان من الأمور التي ينبغي لكل مسلم أن يتدبرها وأن يتعلمها وأن يتعمق فيها، وأن يكون إدراكه لها إدراك العالم البصير، وخاصة طلاب العلم؛ لأننا نجد جميع المسلمين -والحمد لله- يؤمنون بهذه الأركان، ولكن الإيمان المبني على الفهم الصحيح من الأدلة نجد الناس يتفاوتون فيه.
ومهمة طالب العلم والداعية إلى الله هو ألا يكون إيمانه بهذه الأركان إيمان معرفة مجردة، وإنما يكون إيمانه بها بفهم دقيق عميق بحيث يكون داعية إلى الله ، ومن ضمن ما يدعو إليه أن يبين للناس هذه الأركان، وأن يوضح ما يتعلق بمقتضياتها، وما يتعلق بآثارها في حياة الإنسان إلى آخره.
وهذه مسألة مهمة جداً؛ لأن فهم العقيدة بأدلتها، وفهم منهج السلف رحمهم الله تعالى بأدلتهم ومنهجهم أمر آخر غير الإيمان المجرد الذي ربما يؤمن به الإنسان وهو سائر في حياته، فحينما يأتي إنسان ملحد أو ضال أو منحرف ليعرض انحرافه أو شبهته، ففي هذه الحالة لا يتمكن من الرد عليه ودحر باطله وبيان الحق من الباطل فيما يقول إلا من تعمق بدراسة العقيدة الإسلامية من جميع جوانبها، وفهمها بأدلتها على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
فحينما نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، فالمقصود أن على المسلمين وعلى الدعاة إلى الله منهم خاصة وطلاب العلم أن يفقهوا هذا الركن وغيره على وفق فقه السلف.
стр. 244
كثرة الانحرافات في باب القضاء والقدر
مسألة القضاء والقدر من المسائل التي كثرت فيها الانحرافات، وتعددت فيها أقوال الطوائف، فصار بيان الحق من الباطل فيها مهماً، لو نظرنا إلى ما قبل الإسلام مثلاً لوجدنا أن الفلاسفة والوثنيين بل ومشركي العرب كل منهم خاضوا في مسألة القضاء والقدر، حتى إن مسألة الاحتجاج بالقدر التي نسمعها إلى الآن لو تأملنا في كتاب الله تعالى لوجدنا أن المشركين قد احتجوا بالقضاء والقدر على شركهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فربطوا شركهم بالقدر، واحتجوا بالقدر على شركهم، ولا شك أن حجتهم باطلة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
جاءت رسالة الإسلام، ونزل القرآن العظيم على قلب محمد ﷺ ، وفهم الصحابة العقيدة الفهم السليم؛ لأنهم حضروا التنزيل، وشافهوا الرسول ﷺ وتلقوا عنه، ثم جاء بعدهم من يتكلم بلا علم في قضايا العقيدة ومنها: قضية القضاء والقدر.
ولقد حدثت انحرافات خطيرة جداً في القرن الأول في أواخر عهد الصحابة ﵃، واستمر الانحراف والتفرق في موضوع القضاء والقدر، وظهرت الطوائف التي لاكته على حسب معتقداتها ومسلماتها فنشأ انحراف خطير.
وفي العصر الحاضر نجد أن الفلسفات المعاصرة كلها تجعل قضية القضاء والقدر من قضاياها الأساسية، التي تبلور بها ومن خلالها مناهجها وفلسفاتها، فهناك أصحاب مبدأ الحتمية، والجبرية، وهناك أصحاب مذهب الحرية التامة، وهكذا.
كل صورة في عصر من العصور نجد في السابق ما يشابهها، فلما كثرت الانحرافات في هذا الباب كان لزاماً بيان الحق في هذه المسألة، وبحثها على وفق منهج السلف رحمهم الله تعالى.
стр. 245
الشرع مرتبط بالقدر
الإيمان بالقضاء والقدر ليس من الأمور الخبرية التي يسلم بها الإنسان أو لا يسلم بها وفقط، وإنما هو من الأمور التي لا تنفك عن حياة الإنسان العملية، بمعنى: أن الشرع مرتبط بالقدر، وكل من اختل فهمه في عقيدة القضاء والقدر سيختل توازنه في تطبيقه لقضية الأمر والنهي والشرع الذي شرعه الله ﵎، وهذا نحسه ونلمسه دائماً من أولئك الذين يحتجون بالقدر أحياناً.
فقضية القضاء والقدر من القضايا المرتبطة ارتباطاً متيناً بقضية ما سيفعله الإنسان، أو ما أمر به وما نهي عنه على مقتضى الشريعة الإسلامية.
ومن هنا كان أولئك الذين يحتجون بالقضاء والقدر أول ما يحتجون به على انحرافهم في اتباع الأمر والنهي، فلما كانت قضية القضاء والقدر قضية عقدية مرتبطة بقضية الشرع وحياة الإنسان العملية، بل واستقراره النفسي في سيره إلى ربه ﵎؛ كان من المهم ألا نترك مثل هذه القضية وأن نعرض لها على وفق منهج سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.
стр. 246
حكم الخوض في القدر
وبعد بيان أهمية بحث مثل هذا الموضوع ننتقل إلى جزئية أخرى تتعلق بما ورد من النهي عن الخوض في القدر؛ لأن بعض الناس قد يقول: إن الخوض في القدر هو خوض فيما لا علم للإنسان به، ويقولون: إن القدر سر من أسرار الله، وينبغي الكف عن البحث فيه، ويحتجون لذلك بما ورد عن النبي ﷺ من حديث ثوبان ﵁ وأرضاه أنه قال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) وهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وهو حديث حسن بمجموع طرقه.
والعلماء الذين عرضوا لمثل هذه القضية اختلفوا فيها إلى منهجين أو طريقتين: فبعضهم ظن أن دلالة هذا الحديث تقتضي أنه يجب الإمساك عن القدر تماماً، وأنه يجب الكف عن الخوض والكلام فيه، وقال: إن هذا مهم جداً لمن آثر السلامة.
وبعضهم قال: يجوز الخوض في القدر والكلام فيه، وضعف هذه الأحاديث.
والذي نرجحه أن هذه الأحاديث تصل بمجموع طرقها إلى درجة الحسن، ونهي النبي ﷺ فيها هو نهي واضح لا ينصب على بحث القدر على المنهج الصحيح؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، وجاءت فيه أحاديث عن رسول الله ﷺ ، بل وردت فيه آيات كثيرة في القرآن العظيم، فهل معنى ذلك أننا منهيون أن نبحث في معاني هذه الآيات وهذه الأحاديث؟
الجواب
لا، بل إن في الحديث ما يدل على مسألة القضاء والقدر وهي: أن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فما معنى وجوب الإمساك عن ذكر الصحابة؟ هل معنى ذلك أننا لا نتحدث عن الصحابة وأنسابهم وأسمائهم وجهادهم وأحوالهم وأقوالهم إلى آخره؟! لا، بل الواضح أن المقصود بذلك: إذا ذكر الصحابة بباطل، وصار الناس يخوضون فيهم بين مخطئٍ لهم وقائل فيهم بما لا يجوز، وخاصة ما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم؛ فواضح جداً أن هذا من الخوض الذي لا يجوز، وقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى إذا ذكروا مثل هذه القضايا المتعلقة بالصحابة يقولون: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فيجب أن نطهر منها ألسنتنا، فلا نخوض فيهم بالباطل.
كذلك أيضاً القضاء والقدر، فمعرفته، ومعرفة الأدلة حوله، وأنه ركن من أركان الإيمان، وما يقوي الإيمان فيه، هذه من المسائل المتعلقة بالقدر التي يجوز الخوض فيها، بل مما يزيد الإيمان فيها أن يدرسها الإنسان ويتعمق فيها.
لكن إذا جاء خائض ليخوض في باب القدر بالباطل، ويأتي ليقول: لماذا قدر الله؟ لماذا كذا؟ لماذا كذا؟ ثم يأتي محتجاً ومعترضاً.
.
إلى آخره، ففي هذه الحالة ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (وإذا ذكر القدر فأمسكوا).
стр. 247
الهدف من دراسة قضية القضاء والقدر وفهمها
بعض الناس قد يظن أن بحث مسألة القضاء والقدر لا يكون إلا حينما يراد للأمة الاستكانة والخضوع، بمعنى: أنه إذا ابتليت الأمة بالمصائب، وتسلط عليها الأعداء من كل جانب، وصار المسلمون ضعفاء، فمن الأنسب أن نقول لهم: ما جرى إنما هو بقضاء الله وقدره، وعليكم أن تؤمنوا بالقضاء والقدر، وهذا الأمر لا يمكن أن ينفك عنكم أبداً إلى آخره، كما حكي عن بعض الناس أنه قال مثل هذا الكلام إبان الحروب الصليبية، فلما هجم الصليبيون على العالم الإسلامي تلك الهجمة الشرسة قال بعضهم: إن هذا من القضاء والقدر، وما دام أنه من القضاء والقدر فيجب أن نستسلم له! ونحن نقول: إن بحثنا لمثل هذه القضية، وفي مثل هذه الظروف التي تمر بالأمة الإسلامية، ليس مقصده شيئاً من هذا، بل العكس تماماً؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر والفهم الصحيح له هو الذي يحول الإنسان من إنسان متبلد إلى إنسان مقدام شجاع، وهذه مسألة سنعرض لها؛ لأن بعض مسائل العقيدة أحياناً تفهم على غير وجهها مثل: مسألة المهدي، ونزول عيسى، فإذا درست أحاديث المهدي ومجيئه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً، ثم ينزل عيسى ويقتل الدجال إلى آخره، يتبلور في أذهان بعض الناس أنه ينبغي أن ينتظر المهدي، وينتظر نزول عيسى ابن مريم، وأن علينا أن نسكت، وأن الدنيا لا تزيد إلا ظلماً، والاستسلام هو الأولى، والسكوت هو الأولى، وعليك بخويصة نفسك إلى آخره! نقول: هذا من الفهم الخاطئ لقضية المهدي ولمسألة نزول عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم؛ لأن الرسول ﷺ الذي أخبرنا بهذا، والصحابة الذين فهموا هذا، هل جاء في أذهانهم مثل هذه المفاهيم؟! لا، بل عملوا في حياتهم على مقتضى شرع الله؛ لتغيير الواقع، وللنهوض بالأمة الإسلامية بحسب جهدهم وبحسب مقدرتهم، ووفقهم الله ؛ لأنهم كانوا مخلصين في مقاصدهم، وكانوا أيضاً متبعين لشرع الله تعالى في أعمالهم وفي مناهجهم.
ومن هنا تجد أن قضية القضاء والقدر عند بعض العلماء لا يمكن أن تمر في ذهنه أنها تدعوه إلى الكسل والتواني، سواءً كان هذا على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة، حتى إن عبد القادر الجيلاني يؤثر عنه أنه قال: ليس الرجل الذي يسلم للأقدار -أي: يستسلم- وإنما الرجل الذي يدفع الأقدار بالأقدار.
وهذه قضية واضحة جداً، كل منا لو نظر في حياته لوجد أنه مضطر إلى هذا، فإذا كنت في أمورك العادية تدفع الأقدار بالأقدار حتى قدر الجوع تدفعه بقدر آخر وهو الأكل، وقدر العطش تدفعه بقدر آخر وهو الشرب والري، وهكذا.
كذلك قدر المعصية إذا وقعت تصبح قدراً فإنك تدفعها بقدر آخر وهو الطاعة والتوبة إلى الله كما سيأتي.
стр. 248
الطرق الصحيحة في دراسة مسائل القضاء والقدر
من المسائل المتعلقة بالمقدمات المتعلقة بقضية القضاء والقدر هي المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر.
مسألة المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر يجب أن تدرس دراسة مستقلة؛ لأنها تتعلق بالقضاء والقدر وبغيره، وكل خلط وانحراف في هذا الباب وفي غيره من أبواب الإيمان إنما منشؤه الخلط في المنهج، وانظروا إلى الفرق الإسلامية التي انحرفت، وانظروا إلى المذاهب المعاصرة التي انحرفت، فستجدوا من أسباب انحرافها أن منهجها في تلقي هذه العقيدة وفي فهمها منهج خاطئ.
ومن هنا فإنني لن أشير مطيلاً في هذه القضية؛ لأنها قضية تحتاج إلى محاضرات مستقلة، والحمد لله فإن هناك كتيبات وهناك محاضرات تبين مثل هذه المسألة، ولكن الذي أود أن أشير إليه في باب القضاء والقدر هو ثلاثة أمور في المنهج:
стр. 249
القدر مرتبط بعدل الله وحكمته ورحمته وصفاته
الأمر الثالث المتعلق بمنهج دراسة القضاء والقدر: أن الدارس المتفهم لهذه القضية يجب عليه أن يربطها ربطاً تاماً بربه ﵎، يربطها بعدل الله، وحكمة الله، ورحمة الله، وصفات الله ﵎، فقضية القضاء والقدر مرتبطة بصفات الله ﵎ الكاملة، فهو له الكمال المطلق في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، فلا ينبغي لإنسان يدرس هذه القضية وكأنه يجعل ربه ﵎ في قفص الاتهام كواحد من البشر، سبحان الله عما يصفون، بل يجب عليه أن ينظر إلى المسألة من منظار أنه عبد وأن الله رب، وأن يعرف جيداً أن هذه القضايا متعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته وكماله، والله ﵎ هو الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وهو سبحانه الذي أراد أن ينشئ هذا الكون، وأن يوجد هذا الإنسان، وهو الذي اقتضت إرادته أن تنتهي هذه الدنيا، وأن تنكدر النجوم، وتتشقق السماء، وتكور الشمس، وأن يتغير العالم، هو الذي أراد ذلك، وهذا أمر كائن لا محالة، فلننظر إلى هذه المسألة من منظار العقيدة الصافية المفهومة فهماً صحيحاً، وخاصة ما يتعلق منها بأسماء الله ﵎ وصفاته.
стр. 250
الأخذ من الكتاب والسنة
الأمر الأول: أن عقيدة القضاء والقدر يجب أن تؤخذ من الكتاب والسنة أولاً، ويستعان بما كتبه علماء الإسلام في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، بمعنى: أن الإنسان الذي يريد أن يفهم هذه القضية فعليه أن ينطلق من هذا المنطلق، قراءة الكتاب العزيز وتفسيره، وقراءة سنة النبي ﷺ وفهمها بحيث يستنتج الإنسان في النهاية استنتاجاً متلائماً مترابطاً حول هذه القضية، التي هي قضية القضاء والقدر؛ لأن مسألة القضاء والقدر من المسائل التي كثر الخوض فيها من جانب الفلاسفة ومن جانب المتكلمين، خاض الفلاسفة فيها جميعاً، خاض فيها الصوفية على مختلف أصنافهم، خاض فيها المتكلمون من معتزلة وأشاعرة، خاض فيها مختلف الطوائف من الفرق كالروافض والزيدية وغيرهم، كل خاض في هذه القضية، وهذه الكتب تجد منهجها توجيه هذه القضية توجيهاً منحرفاً، وأقرب مثال على ذلك، من هم أقرب الناس إلى أهل السنة والجماعة، وهم الأشاعرة والماتريدية، لو جئت إلى قضية القضاء والقدر لوجدت أن مناهجهم فيها كثير من الخلط، ولم تصف لهم هذه المسألة؛ لأنهم عندما واجهوا المعتزلة في بعض القضايا أدى بهم الأمر إلى أن يقعوا في الطرف الآخر من المسألة، بينما المنهج الحق هو الوسط لا هذا ولا هذا، وستأتي الإشارة إلى أشياء من هذا إن شاء الله تعالى.
إذاً: على الإنسان أن يرجع أولاً إلى الكتاب والسنة في العقيدة عموماً، وفي قضية القضاء والقدر خصوصاً.
следующие страницы →