← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حكم الخوض في القدر وبعد بيان أهمية بحث مثل هذا الموضوع ننتقل إلى جزئية أخرى تتعلق بما ورد من النهي عن الخوض في القدر؛ لأن بعض الناس قد يقول: إن الخوض في القدر هو خوض فيما لا علم للإنسان به، ويقولون: إن القدر سر من أسرار الله، وينبغي الكف عن البحث فيه، ويحتجون لذلك بما ورد عن النبي ﷺ من حديث ثوبان ﵁ وأرضاه أنه قال: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) وهذا الحديث رواه الطبراني وغيره، وهو حديث حسن بمجموع طرقه. والعلماء الذين عرضوا لمثل هذه القضية اختلفوا فيها إلى منهجين أو طريقتين: فبعضهم ظن أن دلالة هذا الحديث تقتضي أنه يجب الإمساك عن القدر تماماً، وأنه يجب الكف عن الخوض والكلام فيه، وقال: إن هذا مهم جداً لمن آثر السلامة. وبعضهم قال: يجوز الخوض في القدر والكلام فيه، وضعف هذه الأحاديث. والذي نرجحه أن هذه الأحاديث تصل بمجموع طرقها إلى درجة الحسن، ونهي النبي ﷺ فيها هو نهي واضح لا ينصب على بحث القدر على المنهج الصحيح؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، وجاءت فيه أحاديث عن رسول الله ﷺ ، بل وردت فيه آيات كثيرة في القرآن العظيم، فهل معنى ذلك أننا منهيون أن نبحث في معاني هذه الآيات وهذه الأحاديث؟ الجواب لا، بل إن في الحديث ما يدل على مسألة القضاء والقدر وهي: أن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، فما معنى وجوب الإمساك عن ذكر الصحابة؟ هل معنى ذلك أننا لا نتحدث عن الصحابة وأنسابهم وأسمائهم وجهادهم وأحوالهم وأقوالهم إلى آخره؟! لا، بل الواضح أن المقصود بذلك: إذا ذكر الصحابة بباطل، وصار الناس يخوضون فيهم بين مخطئٍ لهم وقائل فيهم بما لا يجوز، وخاصة ما جرى بينهم ﵃ وأرضاهم؛ فواضح جداً أن هذا من الخوض الذي لا يجوز، وقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى إذا ذكروا مثل هذه القضايا المتعلقة بالصحابة يقولون: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فيجب أن نطهر منها ألسنتنا، فلا نخوض فيهم بالباطل. كذلك أيضاً القضاء والقدر، فمعرفته، ومعرفة الأدلة حوله، وأنه ركن من أركان الإيمان، وما يقوي الإيمان فيه، هذه من المسائل المتعلقة بالقدر التي يجوز الخوض فيها، بل مما يزيد الإيمان فيها أن يدرسها الإنسان ويتعمق فيها. لكن إذا جاء خائض ليخوض في باب القدر بالباطل، ويأتي ليقول: لماذا قدر الله؟ لماذا كذا؟ لماذا كذا؟ ثم يأتي محتجاً ومعترضاً. . إلى آخره، ففي هذه الحالة ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (وإذا ذكر القدر فأمسكوا).

стр. 247

الهدف من دراسة قضية القضاء والقدر وفهمها بعض الناس قد يظن أن بحث مسألة القضاء والقدر لا يكون إلا حينما يراد للأمة الاستكانة والخضوع، بمعنى: أنه إذا ابتليت الأمة بالمصائب، وتسلط عليها الأعداء من كل جانب، وصار المسلمون ضعفاء، فمن الأنسب أن نقول لهم: ما جرى إنما هو بقضاء الله وقدره، وعليكم أن تؤمنوا بالقضاء والقدر، وهذا الأمر لا يمكن أن ينفك عنكم أبداً إلى آخره، كما حكي عن بعض الناس أنه قال مثل هذا الكلام إبان الحروب الصليبية، فلما هجم الصليبيون على العالم الإسلامي تلك الهجمة الشرسة قال بعضهم: إن هذا من القضاء والقدر، وما دام أنه من القضاء والقدر فيجب أن نستسلم له! ونحن نقول: إن بحثنا لمثل هذه القضية، وفي مثل هذه الظروف التي تمر بالأمة الإسلامية، ليس مقصده شيئاً من هذا، بل العكس تماماً؛ لأن الإيمان بالقضاء والقدر والفهم الصحيح له هو الذي يحول الإنسان من إنسان متبلد إلى إنسان مقدام شجاع، وهذه مسألة سنعرض لها؛ لأن بعض مسائل العقيدة أحياناً تفهم على غير وجهها مثل: مسألة المهدي، ونزول عيسى، فإذا درست أحاديث المهدي ومجيئه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلاً، ثم ينزل عيسى ويقتل الدجال إلى آخره، يتبلور في أذهان بعض الناس أنه ينبغي أن ينتظر المهدي، وينتظر نزول عيسى ابن مريم، وأن علينا أن نسكت، وأن الدنيا لا تزيد إلا ظلماً، والاستسلام هو الأولى، والسكوت هو الأولى، وعليك بخويصة نفسك إلى آخره! نقول: هذا من الفهم الخاطئ لقضية المهدي ولمسألة نزول عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم؛ لأن الرسول ﷺ الذي أخبرنا بهذا، والصحابة الذين فهموا هذا، هل جاء في أذهانهم مثل هذه المفاهيم؟! لا، بل عملوا في حياتهم على مقتضى شرع الله؛ لتغيير الواقع، وللنهوض بالأمة الإسلامية بحسب جهدهم وبحسب مقدرتهم، ووفقهم الله ؛ لأنهم كانوا مخلصين في مقاصدهم، وكانوا أيضاً متبعين لشرع الله تعالى في أعمالهم وفي مناهجهم. ومن هنا تجد أن قضية القضاء والقدر عند بعض العلماء لا يمكن أن تمر في ذهنه أنها تدعوه إلى الكسل والتواني، سواءً كان هذا على مستوى الفرد أو على مستوى الأمة، حتى إن عبد القادر الجيلاني يؤثر عنه أنه قال: ليس الرجل الذي يسلم للأقدار -أي: يستسلم- وإنما الرجل الذي يدفع الأقدار بالأقدار. وهذه قضية واضحة جداً، كل منا لو نظر في حياته لوجد أنه مضطر إلى هذا، فإذا كنت في أمورك العادية تدفع الأقدار بالأقدار حتى قدر الجوع تدفعه بقدر آخر وهو الأكل، وقدر العطش تدفعه بقدر آخر وهو الشرب والري، وهكذا. كذلك قدر المعصية إذا وقعت تصبح قدراً فإنك تدفعها بقدر آخر وهو الطاعة والتوبة إلى الله كما سيأتي.

стр. 248

الطرق الصحيحة في دراسة مسائل القضاء والقدر من المسائل المتعلقة بالمقدمات المتعلقة بقضية القضاء والقدر هي المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر. مسألة المنهج الصحيح لدراسة القضاء والقدر يجب أن تدرس دراسة مستقلة؛ لأنها تتعلق بالقضاء والقدر وبغيره، وكل خلط وانحراف في هذا الباب وفي غيره من أبواب الإيمان إنما منشؤه الخلط في المنهج، وانظروا إلى الفرق الإسلامية التي انحرفت، وانظروا إلى المذاهب المعاصرة التي انحرفت، فستجدوا من أسباب انحرافها أن منهجها في تلقي هذه العقيدة وفي فهمها منهج خاطئ. ومن هنا فإنني لن أشير مطيلاً في هذه القضية؛ لأنها قضية تحتاج إلى محاضرات مستقلة، والحمد لله فإن هناك كتيبات وهناك محاضرات تبين مثل هذه المسألة، ولكن الذي أود أن أشير إليه في باب القضاء والقدر هو ثلاثة أمور في المنهج:

стр. 249

القدر مرتبط بعدل الله وحكمته ورحمته وصفاته الأمر الثالث المتعلق بمنهج دراسة القضاء والقدر: أن الدارس المتفهم لهذه القضية يجب عليه أن يربطها ربطاً تاماً بربه ﵎، يربطها بعدل الله، وحكمة الله، ورحمة الله، وصفات الله ﵎، فقضية القضاء والقدر مرتبطة بصفات الله ﵎ الكاملة، فهو له الكمال المطلق في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، فلا ينبغي لإنسان يدرس هذه القضية وكأنه يجعل ربه ﵎ في قفص الاتهام كواحد من البشر، سبحان الله عما يصفون، بل يجب عليه أن ينظر إلى المسألة من منظار أنه عبد وأن الله رب، وأن يعرف جيداً أن هذه القضايا متعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته وكماله، والله ﵎ هو الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. وهو سبحانه الذي أراد أن ينشئ هذا الكون، وأن يوجد هذا الإنسان، وهو الذي اقتضت إرادته أن تنتهي هذه الدنيا، وأن تنكدر النجوم، وتتشقق السماء، وتكور الشمس، وأن يتغير العالم، هو الذي أراد ذلك، وهذا أمر كائن لا محالة، فلننظر إلى هذه المسألة من منظار العقيدة الصافية المفهومة فهماً صحيحاً، وخاصة ما يتعلق منها بأسماء الله ﵎ وصفاته.

стр. 250

الأخذ من الكتاب والسنة الأمر الأول: أن عقيدة القضاء والقدر يجب أن تؤخذ من الكتاب والسنة أولاً، ويستعان بما كتبه علماء الإسلام في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، بمعنى: أن الإنسان الذي يريد أن يفهم هذه القضية فعليه أن ينطلق من هذا المنطلق، قراءة الكتاب العزيز وتفسيره، وقراءة سنة النبي ﷺ وفهمها بحيث يستنتج الإنسان في النهاية استنتاجاً متلائماً مترابطاً حول هذه القضية، التي هي قضية القضاء والقدر؛ لأن مسألة القضاء والقدر من المسائل التي كثر الخوض فيها من جانب الفلاسفة ومن جانب المتكلمين، خاض الفلاسفة فيها جميعاً، خاض فيها الصوفية على مختلف أصنافهم، خاض فيها المتكلمون من معتزلة وأشاعرة، خاض فيها مختلف الطوائف من الفرق كالروافض والزيدية وغيرهم، كل خاض في هذه القضية، وهذه الكتب تجد منهجها توجيه هذه القضية توجيهاً منحرفاً، وأقرب مثال على ذلك، من هم أقرب الناس إلى أهل السنة والجماعة، وهم الأشاعرة والماتريدية، لو جئت إلى قضية القضاء والقدر لوجدت أن مناهجهم فيها كثير من الخلط، ولم تصف لهم هذه المسألة؛ لأنهم عندما واجهوا المعتزلة في بعض القضايا أدى بهم الأمر إلى أن يقعوا في الطرف الآخر من المسألة، بينما المنهج الحق هو الوسط لا هذا ولا هذا، وستأتي الإشارة إلى أشياء من هذا إن شاء الله تعالى. إذاً: على الإنسان أن يرجع أولاً إلى الكتاب والسنة في العقيدة عموماً، وفي قضية القضاء والقدر خصوصاً.

стр. 251

القدر سر الله الأمر الثاني: أن هناك مجالاً في باب القضاء والقدر لا مدخل للإنسان فيه أبداً، وهو الذي سماه بعض العلماء: سر القدر، قال الطحاوي رحمه الله تعالى: والقدر سر الله لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، هذه القضية يجب أن نعرفها وأن نؤمن بها؛ لكن لا يجوز أن نضعها في غير محلها كما يفهم البعض، مدار قضية أن القدر سر الله، وأن في القدر ما لا يمكن للإنسان أن يبحث فيه: هو التقدير الأزلي من الله ، وهو أن الله ﵎ هو الذي اختار أن يوجد الناس في هذه الحياة على الابتلاء: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]. لأن السائل قد يسأل هنا ويقول: لماذا لم يجعلهم الله مهتدين؟ والله تعالى أجاب عن ذلك في كتابه العزيز فقال لمحمد ﷺ : ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، لو أراد الله لجعل الناس كلهم مؤمنين مثل الملائكة: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ولكن الله -وهو الذي له المشيئة المطلقة- أراد ذلك لحكمٍ كثيرة، أراد الله أن يوجد البشر على هذه الأرض، وأن يكونوا مكلفين، وأن يكون منهم أهل استقامة واتباع؛ ليكونوا يوم القيامة من أهل الجنة، وطائفة أخرى أهل انحراف وكفر؛ ليكونوا يوم القيامة من أهل السعير. فمن قال: لماذا لم يجعل الله الناس كلهم مهتدين؟ مثل من جاء ليقول: لماذا لم يجعل الله الأرض على هذا الشكل؟ هذا سؤال لا نسأله نحن، وسيأتي إن شاء الله ما يبين أن الإيمان بهذه القضية من المواطن المهمة جداً لسلامة قلب الإنسان واستقراريته، وبقيت قضايا أخرى تتعلق بمشيئة الإنسان، وهل له حجة على الله؟ وهذه مسائل واضحة تمام الوضوح كما سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. إذاً: على الإنسان ألا يعترض على أصل المشيئة الإلهية، بمعنى: لا يأتي قائل يقول: لماذا أغنى الله هذا وأفقر هذا؟ لماذا هذا يعيش إلى مائة سنة وذاك يعيش عشر سنوات فقط أو عشرين أو ثلاثين؟ لماذا الله ﵎ أضل وهدى، وجعل الناس صنفين؟ هذه من الأسئلة التي هي موطن سر القدر، والقدر متعلق بمشيئة الله ﵎ النافذة.

стр. 252

تعريف القضاء والقدر لغة واصطلاحاً بعد هذه المقدمات الأربع ننتقل إلى المسألة الأولى من المسائل التي نحب أن نبينها، ألا وهي: مسألة تعريف القضاء والقدر، ولا نريد أن نخوض في المعاني اللغوية لمسألة معنى كلمة قضى، ومعنى كلمة قدر، وإنما أحب أن أشير هنا إلى كتاب ابن فارس الذي يسمى بمعجم مقاييس اللغة، وهو من أهم الكتب التي جمعت بين فقه اللغة وبين معنى اللغة، ومعاني الكلمات، فهو يحرص دائماً على بيان علاقة الحروف بالكلمة. ومن هنا فإنني سأشير إشارة صغيرة إلى قول ابن فارس في معنى كلمة قضى حيث قال: القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، وهذا المعنى واضح الدلالة جداً في علاقته بالقضاء والقدر، وإن كان القضاء والقدر له معانٍ أخرى معروفة كثيرة: فيأتي بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أمر. ويأتي بمعنى الحكم كما في قوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] في قصة سحرة فرعون، أي: احكم ما أنت حاكم، ما أنت تريد. ويأتي بمعنى الفراغ كما قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] أي: أنه فرغ من خلقهن وتسويتهن. ويأتي بمعنى الأداء تقول: قضى فلان صلاته، أي: أداها يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: إذا أديتم مناسككم. ويأتي بمعنى الإعلام كما في قول الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤]، أي: أوحينا وأخبرنا وأعلمنا إلى آخر المعاني التي هي معروفة في اللغة العربية. ولكن الذي يهمنا في هذا أن مجمل هذه المعاني ذات ارتباط بالمعنى الأساسي الذي نريده، وهو أن معنى كلمة القضاء مرتبطة بالقدر، فهي دالة على أن الله قضى هذا الأمر وفرغ منه، ودالة على أن الله أحكم هذا الأمر ونفذه، ودالة على أن الله قد قدر أن يجري قضاءه كما قدره . وكذلك كلمة القدر يقول فيها ابن فارس في كتابه المهم معجم مقاييس اللغة: القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء ونهايته. ومن هنا فإن القدر يطلق على الحكم والقضاء كما في حديث الاستخارة الوارد عن النبي ﷺ وفي آخره يقول الداعي: (فاقدره لي ويسره لي). وحينما يحرك الدال: (قَدَر) يكون بمعنى الطاقة، كما قال تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]. ويأتي القدر بمعنى التضييق كما في قول الله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، في قصة يونس، أي: ظن أن لن نضيق عليه. وأيضاً يأتي من التقدير كما في قول النبي ﷺ في الحديث: (فإن غم عليكم فاقدروا له)، ويوضحه الرواية الأخرى: (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً). فقول النبي ﷺ : (فاقدروا له) أي: قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً، وهذا يتعلق بمسألة فقهية معروفة. إذاً: إذا نظرنا إلى المعاني اللغوية للقضاء والمعاني اللغوية للقدر نجد أن لها علاقة واضحة بمعنى القضاء والقدر الذي نحن بصدده. إذاً: إذا كان هذا معناهما لغة فما معناهما اصطلاحاً؟ لم يرد تعريف مستقل دقيق لهذا، وإنما جمع العلماء رحمهم الله تعالى ما يتعلق بالأشياء التي يجب الإيمان بها في باب القضاء والقدر، وبينوا من خلالها معنى القضاء والقدر. ومن هنا فيمكن أن نقول: إن المقصود بالقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه بأنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ثم وقوع هذه الأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته وخلقه لها . وهذا التعريف يشمل عدة مسائل: الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي التام بأن الله علم في الأزل ما الخلق فاعلون. الثانية: الإيمان بأن الله ﵎ كتب -كما ورد في النصوص- في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة -وهو اللوح المحفوظ- ما هو كائن إلى يوم القيامة. الثالثة: الإيمان بأن الله تعالى له المشيئة النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. الرابعة: الإيمان أنه لابد أن تقع هذه الأشياء على وفق ما علمها وكتبها وأرادها، والإيمان بأن الله تعالى خالقها، أي: أن الله ﵎ خالق كل شيء. إذاً: تترتب هذه الأمور على هذا الترتيب: علم أزلي، ثم كتابة لهذا الأمر، ثم مشيئة إلهية لابد أن تنفذ، ثم وقوع المقدور، وأن الله تعالى هو خالقهم، فكل ما يقع في هذا الكون فهو مخلوق لله كما قال ﵎ في كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان علاقة هذه القضية بإرادة الإنسان وقدرته.

стр. 253

مراتب القدر الإيمان بالقضاء والقدر يقتضي من العبد أن يؤمن بأربع مراتب دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والمتتبع للنصوص الواردة في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ يجد أن هذه المراتب الأربع كاملة قد ورد الإخبار عنها بما يقتضي نسبتها إلى الله ، وهذه المراتب الأربع هي التي أشرنا إليها إجمالاً في التعريف وهي: الأولى: مرتبة العلم. الثانية: مرتبة الكتابة. الثالثة: مرتبة المشيئة. الرابعة: مرتبة الخلق. فهذه المراتب الأربع كلها لله ، وقد دلت على ذلك الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ . ونحن هنا نشير إلى بعض الأدلة على هذه المراتب. والإيمان بالقضاء والقدر قد وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة جداً، منها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]. ويقول النبي ﷺ في الحديث: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، ويقول في الحديث الآخر: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) وهذا حديث صحيح رواه الترمذي وغيره. ويقول النبي ﷺ -كما في حديث علي ﵁: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) وهذا أيضاً رواه الترمذي. وعن طاوس رحمه الله تعالى قال: أدركت ناساً من أصحاب النبي ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، ثم قال: وسمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز) ومعنى الكيس: الهمة والنشاط، والعجز: هو عجز الإنسان، فكل شيء بقضاء الله وقدره، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث هن أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد باق منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)، وهذا الحديث رواه أبو داود إلى آخر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في الإيمان بالقدر بإجمال.

стр. 254

أدلة مرتبة الخلق الله خالق كل شيء في هذا الكون، ومن ذلك أفعال العباد، فالله خالق العباد وخالق أفعالهم. وهذه المسألة -خلق أفعال العباد- هي مسألة القضاء والقدر التي صار فيها الكلام الطويل بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة، والأدلة على إثباتها كثيرة، ومنها: قول الله ﵎ في قصة إبراهيم لما كسر أصنامهم وجاءوا إليه فقال لهم إبراهيم ﵊: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦] أي: خلقكم وعملكم، هذه إذا كانت (ما) مصدرية. وهناك قول آخر: أن (ما) موصولة، أي: خلقكم وخلق العمل الذي تعملونه. وأيضاً قول الله ﵎ في كتابه العزيز: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، وقوله ﵎: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] إلى آخر الأدلة الكثيرة الواردة في كتاب الله تعالى. ومن الأحاديث الواردة ما يرويه زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) وهو في صحيح مسلم، والشاهد قوله: (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها) فالفاعل هو الله تعالى، فهو الذي يطلب منه ذلك، وهذا هو معنى قول الله ﵎: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]، قال سعيد بن جبير في تفسير هذه الآية: فالخلق لله، والإنسان قادر على سلوك أيهما شاء، وهو ومخير. وقال ابن زيد في معنى هذه الآية: جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها بالفجور. وورد حديث صحيح رواه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد، ورواه البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات، ورواه الحاكم في المستدرك، أن النبي ﷺ قال: (إن الله يصنع كل صانع وصنعته)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وهذا حديث صحيح إلى آخر الأدلة التي تدل على أن الله ﵎ خالق كل شيء. هذه المراتب الأربع عند أهل السنة والجماعة لابد أن يؤمن بها الإنسان، ناسباً لها لله الواحد القهار علماً وكتابة ومشيئة وخلقاً.

стр. 255

أدلة مرتبة المشيئة مرتبة الإرادة والمشيئة -الإرادة الكونية والمشيئة الكونية- المقصود بهذه المرتبة أنه يجب على المؤمن قضيتين: أن كل ما يقع في هذا الكون فهو بمشيئته ﵎ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وأنه لا يخرج شيء عن مشيئته مهما كان. إذاً: مشيئة الله شاملة نافذة عامة في كل ما يقع في هذا الكون. ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:٤٨]، فلو شاء الله ﵎ لجعل الناس أمة واحدة لا يختلفون أبداً؛ لكن شاء الله أن يبتلينا بالتفرق فنفذت مشيئته. ويقول ﵎ في قصة شعيب لما قال له قومه: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود:٣٢ - ٣٣]. وأيضاً يقول ﵎ عن موسى أنه قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، وقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. ويقول ﵎: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]. ويقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦]. ويقول ﵎ في باب الإرادة الكونية: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. إذاً: هذه المشيئة والإرادة الكونية هي شاملة لكل شيء، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، كما قاله تعالى مخاطباً رسول الله ﷺ . ومن الأحاديث الواردة في ذلك قول النبي ﷺ -وهذا في صحيح البخاري -: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء)، فأمر بالشفاعة، وأخبر أن الذي سيقع هو ما شاءه الله . والنبي ﷺ أقر علي بن أبي طالب حين سأله الرسول هو وزوجه فاطمة ﵄ وقال لهما: (ألا تصليان؟ فأجابه علي بقوله: أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال علي: فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤])، فالشاهد هنا إثبات المشيئة؛ لأن علياً احتج بالمشيئة، لكن الرسول ﷺ كأنه لم يرض بهذا الاحتجاج وإن كان حقاً، ومن ثم قرأ: (﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤]). وللعلماء أقوال حول معنى هذا الحديث منها: أنه قال ذلك تسليماً لعذرهما، وأنه لا عليهما. ومنها: أنه تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته إلى آخره. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن قلوب العباد -أو قلوب بني آدم- كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك). وأيضاً لما قال رجل للنبي ﷺ : (ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ : أجعلتني لله نداً؟ -وفي بعض الألفاظ: أجعلتني لله عدلاً؟ - بل ما شاء الله وحده)، فالنبي ﵊ ينفي أن تكون له مشيئة مع مشيئة الله، وإنما المشيئة هي مشيئة الله وحده، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ويقول تعالى عن سائر العباد: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فمشيئة العباد إنما هي داخلة تحت مشيئة الله ﵎.

стр. 256

أدلة مرتبة الكتابة الله ﵎ كتب مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهذا الكتاب هو الذي ذكره الله في كتابه العزيز، كما في قوله ﵎: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، على القول الصحيح في تفسير هذه الآية بأن المقصود بالكتاب هو اللوح المحفوظ، وإن كان هناك قول آخر بأن المقصود به هو كتاب الله القرآن. ومن الأدلة التي تدل على إثبات الكتابة قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، فربنا ﵎ أخبر أن هذا مكتوب مسطور في كتبه، وهذه المرتبة المهمة شاملة للكتابة الشرعية والقدرية. فالكتابة القدرية: أن الله كتب ما يقع لعباده، ومثال الكتابة الشرعية أن الله قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥]. وكذلك أيضاً من الأدلة التي تدل على إثبات الكتابة قول الله ﵎ في قصة أسارى بدر: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] أي: فلولا أن الله ﵎ قد قدر وسبق في كتابه أنه قد أحل للصحابة ﵃ وأرضاهم الغنائم، وأن الله ﵎ قد رفع عن هذه الأمة العذاب الكامل الذي يستأصل شأفتهم لجرى ما ذكره الله تعالى في هذه الآية: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. ومثله قول الله تعالى في هذه الآية التي تجمع بين المرتبتين: العلم، والكتابة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، فهذه الآية أشارت إلى المرتبتين كلتيهما. ويقول تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥] أي: ما من أمر خفي أو سر من الأسرار سواءً كان في السماوات أو في الأرض إلا في كتاب مبين، فقد أحاط هذ الكتاب بكل شيء، والأدلة في السنة على ذلك كثيرة منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا واضح الدلالة على أن الله كتب ذلك قبل خلق السماوات والأرض. وأيضاً الحديث الطويل الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار -وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة- قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ قال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قال ﵊: اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]) وهذا الحديث في صحيح البخاري، والأحاديث والنصوص الواردة في هذا الباب كثيرة جداً.

стр. 257

أدلة مرتبة العلم أدلة الإيمان بمراتب القدر الأربع كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ . فمرتبة العلم أدلتها كثيرة. يقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. وورد عن النبي ﷺ أنه سئل عن بعض المغيبات، فذكر أن هناك أموراً خمسة من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى، فالرسول ﷺ -وهو رسول الله- لا يعلم إلا ما أعلمه الله. ففي هذه الآية: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)، دلالة على أن العلم عند الله، وإذا أراد تعالى أن يعلم أحداً من خلقه أعلمه ببعض علمه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [الجن:٢٦ - ٢٨]. ومع ذلك فالنبي ﷺ كان يسأل أحياناً فيجيب بقوله: (الله أعلم) كما سئل عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). فالأدلة على إثبات علم الله تعالى كثيرة جداً وواضحة في كتاب الله العزيز. ومن السنة ما ورد عن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أَعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له) أي: قد علمهم الله ، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. وعن علي ﵁ وأرضاه قال: (كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالساً وفي يده عود ينكت به -يعني: يخط به أو يحرث به- فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦] إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠])، وهذا الحديث أيضاً في صحيح مسلم.

стр. 258

الفرق بين القضاء والقدر بعد بيان هذه المسألة نشير إشارة سريعة إلى الفرق بين القضاء والقدر. العلماء لما تحدثوا عن الفرق بينهما قال بعضهم: إنه لا فرق بينهما، فيأتي القضاء بمعنى القدر، ويأتي القدر بمعنى القضاء، أي: قد يذكر القضاء ويراد به القدر، ويذكر القدر لوحده ويراد به القضاء. وبعضهم فرق بينهما بقوله: إن القضاء: هو الحكم بالكليات على سبيل الإجمال الأزلي. والقدر: هو الحكم بوقوع الجزئيات التي من تلك الكليات كما قدرها . وبعضهم عكس الأمر فقال: القدر: هو التقدير الكامل الشامل، والقضاء: هو التفصيل والتقطيع. والصحيح أن هذه الأقوال التي فرقت بين القضاء والقدر لا دليل عليها، بل القدر يأتي بمعنى القضاء، والقضاء يأتي بمعنى القدر، وإذا جمعنا بينهما فإن كلاً منهما بمعنى الآخر، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه لم يرد في ذلك نص يوضح هذا. ودلالة اللغة العربية في مسألة الفرق بينهما تدل على أن كلاً منهما يستعمل استعمالات أخرى، ومن استعمالاتهما أن يكون القضاء بمعنى القدر الذي نحن بصدده.

стр. 259

من أقوال السلف في باب القدر بعد هذا ننتقل إلى فقرة نذكر فيها نماذج من أقوال السلف رحمهم الله تعالى في باب القدر. روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح إلى خالد الحذاء قال: قلت للحسن البصري: يا أبا سعيد! أخبرني هل آدم للسماء خلق أم للأرض؟ قال: لا، بل للأرض. قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له منه بد. قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٢ - ١٦٣]؟ قال: إن الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله عليه الجحيم. وهذا رواه أبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة. وهذا يثبت بأن السلف رحمهم الله تعالى يؤمنون بالقضاء والقدر. والله ﵎ قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، فصدق قدره؛ لأنه لابد أن يكون هذا الإنسان في هذه الأرض. ومن هنا نجد أن آدم ﵊ لما سأله موسى وقال له: (كيف أخرجتنا من الجنة؟ فأجابه آدم ﵊ بقوله: أتلومني في شيء قد كتبه الله علي قبل أن أخلق، فقال النبي ﷺ : فحج آدم موسى). وفي هذا الحديث لم يحتج آدم بالقدر على المعصية، وإنما احتج بالقدر على المصيبة؛ لأنه من المعلوم أن آدم لما سأله موسى كان قد تاب وتاب الله عليه ومحي عنه الذنب، وهو ليس بحاجة إلى أن يحتج بالذنب، ولكن لما سأله موسى أجاب آدم بالقدر السابق، فقال النبي ﷺ : (فحج آدم موسى). ومن هنا قالوا: يجوز الاحتجاج بالقدر في حالتين: الحالة الأولى: في حالة المصائب التي تصيب الإنسان. الحالة الثانية: فيما إذا أذنب الإنسان وتاب إلى الله واستغفره ورجع وعمل الحسنة بعد تلك السيئة، فيجوز أن يقول: إن تلك المعصية كانت بقضاء وقدر، أما أن يحتج بالقدر مسوغاً لها فهذا لا يقبل. وروى أبو داود بسند صحيح إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: فإنه كتب إلى أحد أصحابه رسالة يقول فيها: كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير -بإذن الله- وقعت، ما أحدث الناس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثراً ولا أثبت أمراً من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم، وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقيناً وتسليماً لربهم، وتضعيفاً لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدر، وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه، منه اقتبسوه ومنه تعلموه إلى آخر كلامه. وهذا أثر من عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يبين أن الإيمان بالقدر هو سبيل السلف في أن الأمر كله لله ، فإذا جاء المعتزلة أو القدرية أو غيرهم لينحرفوا في هذا الباب وليقولوا: إن هذا ظلم أو هذا كذا أو هذا كذا؛ فهذا كله لا يقبله السلف وإنما يرفضونه رفضاً تاماً. ومن هنا فإننا نجد أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا شديدين جداً على أولئك الذين ضلوا في مسألة القضاء والقدر، ولم تكن محل إشكال عندهم، روى أبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة -وهو حديث حسن الإسناد- أن عبد الله بن عمر كتب إلى صديق له من أهل الشام كان يكاتبه: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر). ومن هنا كانت للسلف مواقف قوية في هذا الباب، وقد تكلم غيلان القدري أحد القدرية مع ربيعة بن عبد الرحمن (ربيعة الرأي) الإمام المشهور، فقال له: يا أبا عثمان! أيرضى الله أن يعصى؟ فقال له ربيعة: أفيعصى قصراً؟! فسكت. وكلمة غيلان: أفيرضى ربنا أن يعصى؟ هي مبنية إشكال عندهم سيأتي بيانه بعد قليل في مسألة التفريق بين الإرادة والرضا، لكن انظر إلى الجواب ( أفيعصى قصراً؟) أي: لا تحل أنت المشكلة بمشكلة أخرى، وهذا ما وقع فيه كل من الجبرية والمعتزلة، وهذا الأثر رواه اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم (١٢٦٥). ومن قصص عمر بن عبد العزيز مع هذا الرجل القدري وهو غيلان الدمشقي أنه لما بلغه قوله بالقدر استدعاه عمر بن عبد العزيز فقال له: يا غيلان ويحك ما هذا الذي بلغني عنك؟! قال: يكذب عليّ يا أمير المؤمنين، ويقال علي ما لا أقول. قال: ما تقول في العلم؟ أي: علم الله الأزلي. قال: نفذ العلم. فقال له عمر بن عبد العزيز: أنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت، يا غيلان! إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم، خير لك من أن تجحده فتكفر. ثم قال له: اقرأ (يس). فقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] إلى آخر قصته مع غيلان. وهذا القول من عمر بن عبد العزيز من أعظم ما ورد في باب القدر عن السلف، وفيه فقه مذهب السلف، وبيان الرد على مذهب المعتزلة؛ لأن المعتزلة يقرون بالعلم، فإذا أقروا بالعلم فما فائدة أن يأتوا ويقولوا: الإنسان حر مختار إذا كان لا يقع شيء إلا وفق علم الله ؟! وسيأتي بيان شيء من ذلك. ورواية عمر بن عبد العزيز مع غيلان رواها عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة برقم (٩٤٨)، وأيضاً اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم (١٣٢٥). وأورد اللالكائي هنا أيضاً برقم (١٣٣٩) في كتاب شرح اعتقاد أهل السنة حكاية عن رجل اتفق مع رجل أن يعبر الشاطئ وأن يعطيه كذا من المال، فصار الرجل يعوم ليعبر الشاطئ، فلما قرب منه قال الرجل: عبرت والله، ما بقي له إلا قليل. فقال له ذلك الرجل: قل: إن شاء الله. قال: شاء أو لم يشأ. قال: فأخذته الأرض وابتلعته. وأيضاً أورد اللالكائي قصة الجارية التي كانت سيدها قدرياً، وكان يقول إذا أتته بقدح من ماء: إنني يمكنني أن أشربه أو ألا أشربه، كأنه يقرر أنه سيشرب هذا القدح شاء الله أولم يشأ! فهذه الجارية أعطته الماء مرة وهو يريد أن يشربه، وكان قد قال لها: إن لم أشربه فأنت حرة لوجه الله؛ فضربت القدح فسقط على الأرض وسال الماء؛ فعتقت الجارية، وكانت تسمى بمولاة السنة. والقدر كان عند السلف رحمهم الله تعالى أمر مسلم، حتى إن أحد أئمة المعتزلة -وهو عمرو بن عبيد - كان جالساً مع أصحابه في أحد المرات، فجاء أعرابي ووقف وقال: إن ناقتي سرقت؛ فادعوا الله أن يردها علي. فقال عمرو بن عبيد المعتزلي القدري: اللهم إنك لم ترد أن تسرق فسرقت، فردها عليه. انتبه لكلمة: (لم ترد أن تسرق)؛ فهو يعتقد أن هناك أشياء لا يريدها الله، وهو يقصد الإرادة الكونية، وليست الإرادة الدينية، فالأعرابي بفطرته قال له: لا حاجة لي في دعائك! قال: لماذا؟ قال: إذا كان الله أراد ألا تسرق فرغماً عنه سرقت، فأخاف أن يريد أن ترد فرغماً عنه لا ترد علينا، فلا حاجة في دعائك. أعرابي على الفطرة خصم هذا الشيخ المعتزلي الذي أمضى في الفلسفة وعلم الكلام وقتاً طويلاً؛ لأن الأمر بيد الله وبقدره.

стр. 260

علاقة القدر بالإنسان بعد هذا ننتقل إلى مسألة أخرى تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وهي علاقة القدر بالإنسان. نحن في الفقرات السابقة شرحنا وأوضحنا علاقة القدر بالله ، وقلنا: إن مراتب القدر الأربع يجب على العبد أن يؤمن بها، وأن هذا هو مقتضى الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. لكن بالنسبة للإنسان نفسه هل له إرادة ومشيئة وقدرة أو ليس له ذلك؟ هنا نذكر نقطتين هامتين: النقطة الأولى: أن الإنسان غير مجبور على فعله، ولم يرد عن السلف رحمهم الله تعالى حتى كلمة الجبر، لم ترد في النصوص، وإنما الوارد (الجَبْل) يقول الرسول ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خلقين جبلت عليهما: الحلم والأناة). فالله يخلق الإنسان على جبلة، لكن لفظ (جبر) لم يرد، حتى إن أبا عبيد وهو أحد أئمة اللغة قال: إن لفظ الجبر في باب القدر لفظ مولد، يعني: لم يأت إلا بعد استكمال النصوص الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ . إذاً: قضية أن الإنسان مجبور لم ترد في النصوص، وإنما الوارد في النصوص أشياء أخرى كما في قضية المشيئة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. وورد في النصوص الختم والطبع، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، والختم والطبع الوارد في كتاب الله ﵎ إنما هو عقوبة وجزاء لمن لم يسلك الطريق الصحيح، ولهذا لا تجد نصاً يفيد أن الله يطبع على القلب ابتداءً، وإنما يرد الطبع وزيغ القلب إذا لم يترك الإنسان المعصية، وهذه تكون من باب العقوبات الإلهية، فالله تعالى يعاقب العبد إذا فعل المعصية بأن يفعل معاصي أخرى، وتكون هذه عقوبة له على المعصية الأولى. النقطة الثانية: أننا لو نظرنا إلى قضية الإنسان وأفعاله لوجدنا أن الله في باب المحافظة والتكليف فرق بين عدة أشياء بالنسبة للإنسان، هناك أشياء تقع في الإنسان مثل كونه يولد في وقت كذا، أو يولد طويلاً، أو يولد قصيراً، أو يولد ولونه أسمر أو لونه أحمر أو لونه أبيض، أو كون الإنسان يعيش خمسين سنة أو أربعين سنة، أو كون الإنسان يعيش بأعضاء متكاملة بعضها أقوى من بعض، هذه الأمور التي تجري في الإنسان أوجدها الله له بدون إرادة منه، لهذا فهو لا يحاسب عليها، فلا يأتي الإنسان يحاسب الله ويقول: لماذا كنت أسود أو أحمر أو غير ذلك؟! هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 261

وماذا بعد الأحزاب من صفات اليهود التي عرفوا بها على مر التاريخ الغدر والخيانة، ومن ذلك ما حصل من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة المنورة، حيث نقضوا العهود مع النبي ﷺ وخانوه، بل وتآمروا عليه وحاولوا قتله، فأجلى النبي ﷺ منهم من أجلى، وقتل منهم من قتل.

стр. 262

موقف النبي ﷺ من يهود بني قريظة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: يستمر الحديث عن موقف النبي ﷺ من اليهود في المدينة النبوية، ومن يهود بني قريظة بالذات؛ فبعد لقاء بني قريظة بـ أبي لبابة الأنصاري ﵁ انقطع أملهم في التخفيف من العقوبة التي يستحقونها، وكان المفترض أن يدفعهم هذا إلى الاستكثار والقتال حتى الموت، خاصة وأن وضعهم في حصونهم أفضل بكثير من وضع المسلمين، فاليهود لم يخرجوا إلى معركة، وحصونهم تؤويهم، وفيها الغذاء الكافي لشهور طويلة، وفيها آبار المياه، وهي أيضاً قد آوتهم وأكنتهم من البرد. وعلى العكس من ذلك فالمسلمون خرجوا لتوهم من معركة هي من أصعب وأشد ما مر بهم؛ حيث كانوا في معركة الخندق يواصلون الليل والنهار في الحراسة والمرابطة في وجه أعدائهم المتحزبين الذين كانوا يعدون بالآلاف، إضافة إلى أن المسلمين كانوا في حالة مجاعة شديدة، والجو أيضاً خارج الحصون في غاية البرودة، ومن ثمَّ كانوا يرابطون حولها في العراء، فاجتمع عليهم الجوع والبرد. ومع هذا الفرق الواضح بين وضع الجيشين، إلا أن اليهود انهارت أعصابهم، وتحطمت معنوياتهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، حتى صاروا وهم على تلك الحالة من القوة والمنعة والتحصين ووفرة السلاح والعدد والعتاد والغذاء والمال، يفكرون في كل شيء إلا استعمال السلاح للدفاع عن حصونهم، فهل يعي المسلمون هذه الحقيقة في صراعهم مع اليهود؟ بل هل يعي المسلمون غيرها من الحقائق عن اليهود؟ فعندهم حقد أسود على الإسلام والمسلمين قد امتلأت به قلوبهم عداوة وبغضاء تستخدم فيها شتى الوسائل لحرب كل مسلم في أي مكان، وعندهم نقض للعهود والمواثيق مهما كانت صيغتها ومع من كان متى ما وجدوا الفرصة سانحة، وهناك تفرق واختلاف فيما بينهم، كما قال تعالى: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، وهناك رعب وخوف ملازم لهم، كما قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]، وعندهم جبن وخور إذا ما قاتلوا المؤمنين الصادقين. أيها الإخوة! وحتى لا يطول الحصار وحتى لا يستمر اليهود في المماطلة ذهب علي بن أبي طالب حامل اللواء ومعه الزبير بن العوام ﵄، فصاح وقال: (والله لأذوقن ما ذاق حمزة، ولأفتحن حصنهم)، ثم تحرك معه بقية الجيش لهجوم كاسح على يهود في حصونهم، فلما رأوا كتائب الجيش الإسلامي الصادق تتحرك، وأيقنوا أن الهجوم على حصونهم لا مفر منه أراد اليهود إيقاف الهجوم، وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم رسول الله ﷺ دونما قيد أو شرط. وقد أوقف المسلمون الهجوم، وسارع اليهود إلى فتح الحصون بعد أن ألقوا سلاحهم، وأخذوا في مغادرة حصونهم مستسلمين رجالاً ونساءً وأطفالاً، واستلم المسلمون هؤلاء اليهود؛ أما الرجال فقد وضعت القيود في أيديهم، ثم وضعوا في حبس خاص بهم، وأما النساء والذراري فقد عزلوا عن الرجال، ووضعوا في دار الضيافة في المدينة النبوية، ووكل بهم عبد الله بن سلام، وكان عدد الرجال ما بين أربعمائة إلى سبعمائة، وقيل: هم ثمانمائة، أما النساء والذرية فكانوا قرابة الألف، ووقف الجميع ينتظرون كيف سيتم الحكم في هؤلاء اليهود الخائنين كيف سيتم الحكم.

стр. 263

حكم سعد بن معاذ ﵁ في يهود بني قريظة

стр. 264

وساطة الأوس لحلفائهم بني قريظة أيها الإخوة! لما كان بنو النضير وبنو قينقاع من اليهود حلفاء الخزرج في الجاهلية، وقد شفعوا لهم وقبل النبي ﷺ شفاعة عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، فاكتفى بإجلائهم من المدينة، وهنا رغب الأوس وهم حلفاء بني قريظة أن يشفعوا لهم، كما فعل إخوانهم الخزرج مع حلفائهم، وتوجه وفد من وجوه الأوس إلى رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن يتكرم بالتخفيف من الحكم على هؤلاء اليهود ولو بنفيهم عن المدينة، كما فعل مع بني قينقاع. وقد كان رسول الله ﷺ بما جبل عليه من نبل وكرم ومراعاة لأصحابه خاصة الذين آووه ونصروه حان لا يرد طلباً يقدر عليه، وهاهو ﵊ قد استجاب قبل لرأس النفاق حين طلب من الرسول ﷺ أن يهب له حلفاءه من اليهود، فكيف لا يستجيب لأصحابه الكرام من الأوس الذين ناصروه في الإسلام ﵃؟ قال ابن إسحاق: فلما أصبحوا -أي: بني قريظة- نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فقال الأوس: يا رسول الله! إنهم كانوا موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا ما قد علمت. وكان رسول الله ﷺ قد حاصر بني قينقاع، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فوهبهم له، فلما سألته الأوس قال رسول الله ﷺ : (ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : فذاك سعد بن معاذ).

стр. 265

توجه سعد بن معاذ للحكم على بني قريظة وأين سعد بن معاذ؟ لقد كان سعد بن معاذ جريحاً في المدينة النبوية؛ لأنه أصيب في أكحله في غزوة الخندق؛ ولذلك لم يشترك ﵁ في حصار بني قريظة، وهنا طابت نفوس الأوس بهذا الحكم؛ حيث كانوا يأملون من ورائه أن يخفف سيدهم سعد بن معاذ من عقوبة حلفائه اليهود، ومن ثمَّ توجه أعيان منهم من المعسكر النبوي في بني قريظة إلى المدينة لمقابلة سيدهم الشاب الجريح، وإبلاغه القرار النبوي بشأن اليهود، وقابل الأوس سيدهم سعداً في المسجد النبوي، وأخبروه أن النبي ﷺ قد جعل أمر بني قريظة إليه ليحكم فيهم بما يريه الله تعالى، وطلبوا منه أن يرأف في الحكم بحلفائه، وذكروه بأن النبي ﷺ لم يجعل إليه أمرهم وهو حليفهم في الجاهلية إلا ليحسن إليهم، ويخفف الحكم عنهم. ولما كان سعد جريحاً هيأ له قومه حماراً ليركبه، ويسير به إلى مقر قيادة النبي ﷺ في بني قريظة؛ ليعلن الحكم هناك، وسار سعد يحف به قومه ويقولون له: يا أبا عمرو! حلفاءك ومواليك وأهل النكاية، يا أبا عمرو! أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال لهم وهو يقرب من مقر القيادة النبوية: (لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم)، ولما دنا سعد -كما في صحيح البخاري - قال النبي ﷺ : (قوموا إلى سيدكم أو خيركم).

стр. 266

خبرة سعد بن معاذ بحلفائه اليهود ولما استقر لـ سعد المقام بين يدي رسول الله ﷺ في مقر قيادته في بني قريظة قال له رسول الله ﷺ : (احكم فيهم يا سعد! فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، فقال له النبي ﷺ : قد أمرك الله أن تحكم فيهم). غير أن سعد بن معاذ وقد علم تفاؤل قومه في الحكم في حلفائه من اليهود أحب أن يستووا في قانون الجميع، ووقف الشاب الجريح في المعسكر، ووجه حديثه إلى قومه الأوس خاصة وإلى من في المعسكر عامة قائلاً: (عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت؟ قالوا: نعم)، ثم اتجه إلى النبي ﷺ وأشار إلى الناحية التي هو فيها وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالاً له وإكباراً، وأشار إلى الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ ، وفي رواية أنه أشار إلى بني قريظة المحجوزين جانباً في المعسكر ليستنطق منهم أيضاً، وقال لهم: (أترضون بحكمي؟ قالوا: نعم). كان هؤلاء اليهود قد بقي لديهم شيء من الأمل بعد أن علموا أن حلفاءهم الأوس قد بذلوا وساطتهم لدى الرسول القائد ﷺ ليخفف من عقوبتهم، وأنه نتيجة لهذه الوساطة قد جعل أمر هؤلاء اليهود لسيد حلفائهم سعد بن معاذ. وصدر الحكم من سعد، وانتظر الجميع قبل ذلك لحظات رهيبة، انتظروا سعداً ليعلن الحكم النهائي في هؤلاء اليهود، وقد كان الجميع لا يعلمون ما هو الحكم الذي سيصدره سعد، وإذا كان سعد حليفاً ليهود بني قريظة في الجاهلية فقد كان أيضاً خبيراً بحلفائه من اليهود، أليس هؤلاء اليهود هم الذين أسمعوا سعداً في أثناء غزوة الأحزاب وقد أرسله رسول الله ﷺ مع وفد يطلب منهم الوفاء بالعهد؛ فأسمعوه ومن معه شتم النبي ﷺ ، حيث ردوه رداً قبيحاً؟ أليسوا هم الذين نقضوا العهد وانضموا إلى الأحزاب، فصارت خطوط المسلمين من الخلف مكشوفة لهم؛ حيث أصروا على المشاركة الفعالة لاستئصال شأن المسلمين مغتنمين استحكام المحنة حين تحزبت عليهم الأحزاب؟ ألم ينصح سعد هؤلاء اليهود -وهم حلفاؤه- أن يبقوا على عهدهم مع رسول الله ﷺ ، وطلب ألا ينقضوا وألا يغدروا برسول الله ﷺ ، ولكنهم كما سمع سعد أجابوه جواباً فاحشاً، وهم في نشوة الفرح بإطباق الأحزاب على المسلمين، وكان مما قالوه: ومن هو رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد؟ الخلاصة: أن سعداً كان خبيراً بهؤلاء اليهود في طباعهم وما جبلوا عليه، وكان أيضاً مدركاً لمقدار الغدر والخيانة ونقض العهود الذي وقع فيه بنو قريظة.

стр. 267

صدور الحكم على بني قريظة وهنا أيها الإخوة! وسعد تجول في خاطره هذه الأمور نطق بالحكم، وكان الحكم صارماً وقوياً وحازماً، واستمع الجميع إليه وهو يعلن حكماً يسطره التاريخ إلى يوم القيامة بين المسلمين واليهود قائلاً ﵁: (أحكم فيهم: أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم)! لقد حكم بالإعدام على رجالات يهود بني قريظة، وحكم بالأسر والسبي والغنائم على نسائهم وجواريهم وأموالهم، ولما نطق سعد بهذا الحكم علق النبي ﷺ عليه تعليقاً تهتز له الجبال الشامخات، وقال كما في صحيح البخاري -: (لقد حكمت فيهم يا سعد! بحكم الله من فوق سبع سماوات). لقد وافق سعد في حكمه حكم الله ﵎، ومع هول الحكم وشدته صمت الجميع، ولم يعترض عليه أحد حتى من اليهود أنفسهم، وأنى لهم الاعتراض في مثل هذه المواقف الرهيبة؟ وصدر الحكم، ولما صدر رجع النبي ﷺ إلى المدينة لتنفيذ حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، وأمر بحفر خنادق عريضة لتدفن فيها جثثهم بعد إعدامهم، ولما حفرت الخنادق جلس النبي ﷺ ومعه كبار الصحابة، ثم أمر بإحضار الرجال من بني قريظة المحكوم عليهم بالإعدام، وقد ميز المقاتلة من بينهم بإنبات الشعر، كما ثبت ذلك في الصحيح، وهنا أتي بهم دفعة دفعة، وكلما أعدمت وقتلت دفعة رمي بها في الخنادق، ثم وضعوا عليها التراب، وهكذا، وقد تم إعدام هؤلاء اليهود جميعاً في ليلة واحدة، وجرى الإعدام والقتل على ضوء مشاعل؛ لأنه كان في الليل كما في بعض الروايات.

стр. 268

قتل حيي بن أخطب ولقد كان على رأس الذين نفذ فيهم حكم الإعدام سيد بني النضير حيي بن أخطب الذي حزب الأحزاب، وجمع جيوشها لغزو المدينة، وحمل بني قريظة على نقض العهد، وأعطاهم العهد أن يكون مصيره مصيرهم، فاستسلم حيي ضمن بني قريظة، ولما جاء تنفيذ الحكم في هذا الطاغوت الكبير أتي به إلى النبي ﷺ وعليه حلة فقاحية، أي: لونها يضرب إلى الحمرة، قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها. أيها الإخوة! ولما أتي به إلى النبي ﷺ مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، ووقف أمام رسول الله ﷺ ، فقال له الرسول ﷺ : (ألم يمكن الله منك؟!) قال حيي: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذله الله، ثم ضربت عنقه وألقي بجثته في الخندق.

стр. 269

قتل كعب بن أسيد وأتي بزعيم بني قريظة كعب بن أسد، فقال: له النبي ﷺ لما وقف أمامه أسيراً: (يا كعب! قال: نعم يا أبا القاسم! قال: ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم وكان مصدقاً بي؟ أما أمركم اتباعي، وإن رأيتموني تقرئوني السلام؟! قال: كعب: بلى، والتوراة يا أبا القاسم! ولولا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك)، فأمر النبي ﷺ أن يقدم فتضرب عنقه، فضربت.

стр. 270

موت سعد بن معاذ ﵁ أيها الإخوة! وفي قصص بني قريظة وتنفيذ حكم الإعدام تفصيلات وأحداث فيها عبر، أعرضنا عنها لضيق الوقت. أيها الإخوة! أما سعد بن معاذ صاحب الحكم فقد انفجر جرحه بعد حكمه بقليل، ثم انتقل ﵁ وأرضاه إلى لقاء ربه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 271

وقفات ودروس من غزوة بني قريظة الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله مؤدب المشركين واليهود وغيرهم من الكفرة والمنافقين، ﷺ وعلى أصحابه الذين ساروا على منهاجه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! وانتهت غزوة بني قريظة، ولنا في ختام هذه الغزوة وأحداثها عدد من الوقفات والدروس نكتفي بثلاث منها:

стр. 272

التعريف بسعد بن معاذ ﵁ أولها: من هو سعد الذي حكم في هؤلاء اليهود فأصدر حكمه السابق الذي وافق حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات؟ إنه سيد الأوس الذي أسلم على يد مصعب بن عمير في المدينة قبل الهجرة، فلما أسلم ﵁ وقف على قومه فقال: (يا بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا فضلاً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلامكم علي حرام رجالكم ونساؤكم حتى تؤمنوا بالله ورسوله) قال الراوي: فوالله! ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا، فكان ﵁ من أعظم الناس بركة على قومه. وسعد بن معاذ هو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، فقد روى البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ)، وفي رواية لـ مسلم وذكرها البخاري بمعناها: (اهتز لها عرش الرحمن أي: لجنازة سعد بن معاذ. قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد تواتر قول النبي ﷺ : (إن العرش اهتز لموت سعد فرحاً به)، وفي رواية عند أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن جابر قال: (جاء جبريل إلى الرسول ﷺ فقال له: من هذا العبد الصالح الذي مات؟! فتحت له أبواب السماء، وتحرك له العرش، فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد قد مات، قال: فجلس على قبره) إلى آخر الحديث. وسعد هو الذي روى فيه أنس بن مالك ﵁ قال: (لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته -يعني: لحكمه في بني قريظة- فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: إن الملائكة كانت تحمله) رواه الترمذي وإسناده صحيح. وقد ثبت أن سبعين ألفاً من الملائكة نزلوا إلى الأرض لم ينزلوا إليها من قبل؛ ليشهدوا جنازة سعد الذي حكم في يهود بني قريظة ذلك الحكم المشهود. أيها الإخوة! هذه بعض مواقف سعد الذي وافق حكمه حكم الله من فوق سبع سماوات.

стр. 273

تحريم الاعتراض على حكم الله ورسوله ﷺ ثانياً: أن هذا الحكم الذي صدر هو حكم الله في هؤلاء اليهود الخونة، ومن ثم فلا يجوز لمسلم الاعتراض عليه ولا نقضه، ولا يجوز وصفه بما وصفه به أعداء الإسلام وأعداء النبي ﷺ ممن كتبوا عن حياته وسيرته، أو تعرضوا لهذه القضية بالذات، حيث وصفوا هذا الحكم بأنه قسوة ووحشية. إن المعترض عليه معترض على حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. نعم لقد كان هذا الحكم هو الذي يليق بهؤلاء الخونة ناكثي العهود مع أكرم الخلق ﷺ ومن معه من المسلمين. أيها الإخوة في الله! إن هذا الحكم وإن كان صعباً وإن كان شديداً إلا أنه لائق بهؤلاء، وهو قبل ذلك وأثناء ذلك وبعد ذلك حكم الله ﵎ من فوق سبع سماوات.

стр. 274

حقيقة الخلاف بين المسلمين واليهود ثالثاً: ما الذي حول الأوس والخزرج من عرب ضعفاء أمام اليهود يتحكمون فيهم في الجاهلية، ويهددونهم في كل حالة قائلين لهم: قد أطل زمان نبي نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم؟! وما الذي حول العرب في المدينة وما حولها في الجاهلية حيث كانوا يتهافتون على اليهود ويقبلون أحكامهم، بل إن غالب سلاحهم كان يصنعه اليهود، واقتصاد المدينة كان يسيطر عليه أيضاً اليهود؛ فما الذي حول الأوس والخزرج من تلك الحالة التي كانوا عليها إلى هذه الحالة التي أصبحوا فيها يتحكمون فيهم، بل ويحكم واحد منهم في قبيلة كاملة من قبائل اليهود؟! إنه الإسلام ولا شيء غير الإسلام، واليوم لما كان غالب صراعنا مع اليهود تحت رايات القومية والعلمانية وغيرها انقلب الأمر؛ فصار حالنا اليوم كحال الأوس والخزرج في الجاهلية، يصيبنا الرعب حينما يذكر اليهود أو خطط اليهود أو أن هذا وراءه اليهود، بل نتسابق على التعاون معهم، والاستسلام لهم، وهاهم اليهود يحاولون التحكم في أسلحة المسلمين وفي اقتصاد المسلمين، ألا هل من معتبر أيها الإخوة المؤمنون؟! ألا هل من معتبر ومقارن بين حالة الأوس والخزرج قبل الإسلام وبعد الإسلام، وبين حالنا في هذه الأيام في صراعنا مع اليهود؟! إنها حقيقة يعلمها اليهود قبل المسلمين في هذه الأيام؛ فالصراع إنما هو صراع مع الإسلام وليس مع العروبة ولا مع غيرها من الرايات، وإن نتيجة المعركة لا تحدد إلا حينما يكون صراع اليهود مع المسلمين الصادقين. أيها الإخوة المؤمنون! إنها حقيقة لا شك فيها، فهل نعتبر أيها الإخوة المؤمنون بحقائق التاريخ؟! وهل نعتبر بحقائق سيرة رسول الله ﷺ ؟! وهل نعتبر ونحن اليوم أمام مفترق طرق؟ أيها الإخوة المؤمنون! إن اليهود يعرفون الحقيقة كاملة، فهل نعرفها نحن كما يعرفونها؟ وهل نتعامل معها كما يتعاملون معها؟ نرجو ذلك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم انصر المؤمنين المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم انصر المسلمين المجاهدين في سبيلك في بلاد الشيشان وفي البوسنة وفي فلسطين، وفي كل بلاد المسلمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم من اليهود والروس والنصارى وغيرهم. اللهم دمر أعداء المسلمين يا رب العالمين! اللهم واجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم فرق كلمتهم، وشتت أمرهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين! اللهم اجعل بلاد الشيشان مقبرة للروس يا رب العالمين. اللهم ذكر المسلمين هناك بدينهم يا رب العالمين. اللهم اجعل لنا من لدنك عوناً على الرجوع إلى دينك وتحكيم كتابك وسنة نبيك ﷺ . اللهم انصر المسلمين في كل مكان. اللهم إنا نسألك أن تنزل بأسك وعذابك بكل عدو للإسلام والمسلمين، اللهم أنزل به رجزك، اللهم أنزل به عذابك يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك يا إلهنا يا رب العالمين أن ترزقنا الإيمان، اللهم ارزقنا الإيمان، اللهم حببه إلينا، اللهم كره إلينا الكفر والفسوق العصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 275

التوكل على الله التوكل على الله من أعظم العبادات، ومن أجل الطاعات، دلت على فضله آيات وأحاديث كثيرة، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أئمة الناس وساداتهم في التوكل على الله، ومن توكل على الله في جميع أموره وفوض أمره إليه سبحانه حماه الله ووقاه، ورزقه وكفاه. وللتوكل ثمار وآثار محمودة في الدنيا والآخرة لا يفقهها إلا من سلم أمره لله سبحانه، وقد ضل في جانب التوكل بعض الطوائف والفرق، فحادوا عن الطريق وجانبوا الصواب، وهكذا حال كل من لم يسلم للنصوص عقله، ويخضع للدين قلبه.

стр. 276

تنبيهات مهمة بين يدي الموضوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتوكل عليه وحده فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]. وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله، أفضل من توكل على ربه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ﵎ كيف يشاء، وإن رسول الله ﷺ -وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- كان كثيراً ما يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك). وحينما تشتد الشدائد على المسلمين وتنزل بهم البلايا والمحن فليس لهم من معين، وليس لهم من سبب يتمسكون به إلا الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله . أيها الأخ المسلم! لا شك أن موضوع التوكل على الله موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بأعمال القلوب، ولأنه أيضاً يتعلق بحياة الناس كلها، في ذهابهم ومجيئهم، ليلاً ونهاراً، وفي أمورهم كلها، لذلك فسنتعرض لهذا الموضوع من عدة نواحٍ، وقبل أن أتحدث عن هذا الموضوع بفقراته المختلفة أود في هذه المقدمة القصيرة أن أعرض لبعض المسائل المهمة. أولاً: أنه يجب التفريق في مسائل أعمال القلوب -من التوكل والمحبة والرجاء والخوف والإنابة والاستعانة وغيرها- بين العلم النظري وبين العمل القلبي، فإنسان قد تكون عنده معرفة، وربما يحفظ الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، أو في باب الخوف أو الرجاء أو المحبة أو نحوها، ولكنك تجده في داخل قلبه وفي أعماله ربما يخالف ما في علمه، وهذه قضية مهمة جداً، ومن ثم فعلى العبد أن يربي نفسه، وأن يهيئ قلبه لئلا يخاف إلا الله، وأن لا يرجو إلا الله، وأن يحب المحبة الخالصة لذاته إلا الله ، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده لا شريك له، وهكذا، حتى تتربى في النفوس معاني العبادة ولا تبقى نظرية. الأمر الثاني: أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة وعلى كل مسلم ومسلمة أن يتدبرا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ليتعرفا على أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وليعرفا معانيها ودلالتها، ويعرفا آثارها في القلوب والنفوس. ونحن نعلم جميعاً أننا نقرأ في كتاب الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] إلى آخر الآيات التي فيها ذكر لأسماء الله وصفاته، لكن ما معاني هذه الأسماء؟ ما هي دلالاتها؟ وما هي آثارها على النفوس والقلوب؟ هذه المسألة ينبغي أن نعنى بها، وأن نربي عليها أنفسنا وأسرنا، حتى يعلم الإنسان أن العبد إذا عرف معاني أسماء الله وصفاته امتلأ قلبه تعظيماً لله، وامتلأ قلبه خوفاً من الله ومهابة له، فأثر ذلك على سلوكه وأخلاقه وعلى فعله للأوامر واجتنابه للنواهي. ولا شك أن من تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ سيجد فيهما ما يغنيه ويكفيه، والله ﵎ أمرنا بطاعته وطاعة رسوله واتباع شرعه واتباع ما أوحاه إلى نبيه محمد ﷺ من القرآن ومن السنة التي سماها الله وحياً.

стр. 277

حقيقة التوكل ومعناه عند السلف التوكل على الله معناه باختصار: أن يعتمد العبد على الله وحده في جميع أمور فيما يرغب فيه من الحاجات، وفيما يحذره مما يخافه، وفيما يفعله تقرباً إلى الله ، فنعتمد على الله في هذه الأمور كلها مع فعل الأسباب التي أذن الله بها، فمثلاً: في الصلاة يتوكل على الله في أن يعينه على القيام بهذه الصلوات الخمس بأركانها وشروطها وأوقاتها، وهو مع ذلك يفعل السبب، فلا يجلس في بيته ويقول: توكلت على الله في الصلاة وإنما يذهب ليتوضأ، ويذهب ليبحث عن الجماعة ليصلي معهم، ويبحث عما يوقظه لصلاة الفجر، فيفعل الأسباب ويتوكل على الله في أموره كلها، ومن ثم فلا بد في باب التوكل على الله من أمرين، ولا بد أن يجتمع هذان الأمران: أحدهما: الاعتماد على الله اعتماداً حقيقياً خالصاً، فتعتمد على الله وحده في أمورك كلها. الأمر الثاني: أن تفعل الأسباب التي أذن الله بها. ومن اعتمد على أمر واحد من هذين دون الآخر فقد وقع إما في الانحراف وإما في نقص العقل، فلو أن إنساناً توكل على الله دون أن يفعل سبباً لقيل: هذا ناقص العقل. لأنه لا يمكن أن يتم ما يريده الإنسان إلا بفعل الأسباب التي أمر الله بها. وكذلك -أيضاً- لو أن إنساناً اعتمد على الأسباب وحدها دون أن يتوكل على الله وحده لربما كان ممن دخل في الشرك والعياذ بالله؛ لأنه اعتمد على الأسباب وحدها، والتوكل على الله فسره بعض العلماء بعدة تفاسير تدل على بعض معانيه: فالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: التوكل عمل القلب. فعمل القلب هو التوكل، ولا شك أنه من أعظم أعمال القلوب، وبعض العلماء فسر التوكل على الله بالرضا، أن يرضى الإنسان بأمر الله ويسلم لله ﵎ أموره كلها، وإذا سلم أموره كلها اعتمد على الله سواء جاءت الأسباب بما يحبه أو بما لا يحبه، فيرضى بما قدر الله له، ولذلك سئل يحيى بن معاذ فقيل له: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً. وبعضهم قال: إن التوكل هو التعلق بالله في كل حال. وهذه مسألة مهمة، فيتعلق بربه ﵎ في كل أحواله، إن جاء هـ المال والشرف لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله. إن ابتلي بالصبر والمرض لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله، وهكذا في أحواله وأموره كلها، حتى إن بعضهم قال: إن التوكل معناه: أن يستوي عندك الإقلال والإكثار. أن يستوي عندك الغنى والفقر، وكيف يستويان؟ يستويان حينما تعلم أن الله هو المدبر الرازق، وحينما تعلم أن الله هو الذي بيده الأمر كله، وهو الله المتصرف بعباده كما يشاء، فإذا ما صرت غنياً أو فقيراً لا تتغير أحوالك ومعاملتك لربك ﵎.

стр. 278

الأدلة الواردة في فضل التوكل على الله نجد أن الله في كتابه العزيز في غير ما آية أمر بالتوكل وجعله أحياناً شرطاً للإيمان، وبين بعض ثمراته، فتدبر كتاب الله فستجد فيه ما يرضي النفس ويشرح الصدر ويزيل غمه، ويجعل الإنسان في حياته وكل أحواله مستريحاً مطمئناً.

стр. 279

قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ويقول : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي: كافيه، والحسب: هو الكافي، ولا يجوز أن يكون أحد من الخلق حسباً لأحد، بل الحسب وحده، والكافي وحده هو الله ، وهذه الآية ذكرها الله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]؛ لأن الطلاق نتيجة ما يقع في البيوت من نزاع وخلاف إلى آخره، فعقب الله بتلك التعقيبات في سورة الطلاق، وهي تعقيبات عجيبة ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]، ﴿وََمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] إلى آخر الآيات التي ذكرها الله في هذه السورة؛ لتطمئن النفوس والقلوب حتى في حال الخلاف والشقاق.

стр. 280

قوله تعالى: (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا) المؤمنون يتوكلون على الله ، يقول الله ﵎: ﴿قُُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك:٢٩]، ويقول : ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، وتأمل هذه الثلاثة الأمور: توكل: وهو الاستعانة، وإنابة وهي العبادة، وإليك المصير: أي المرجع إلى الله سبحانه وحده والمآب إليه ﵎، وهنا نرى أن الله كثيراً ما يأمر رسوله ﷺ -ويقصد به أمته أيضاً- بالتوكل عليه، فيقول الله : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩] يا محمد! إنك على الحق المبين، إنك على الصراط المستقيم، فتوكل على الله وحده لا شريك له، وأنعم بالله وكيلاً .

стр. 281

قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١]. ويقول ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، حتى تنقطع الآمال في العباد، وحتى لا يبقى للمسلم تعلق بغير الله ؛ لأن العباد يموتون، الملوك، الرؤساء، قواد العروش والجيوش يموتون، إذا جاء أمر الله لا يغنيهم مالهم ولا قوتهم؛ لأنهم يموتون، لكن على من يتوكل العبد؟ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، له صفة الحياة أزلاً وأبداً، لكن العباد يموتون، ويمرضون، ولو عاشوا دهراً فلا بد أن ينتهوا إلى الفناء، فكيف يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن أمر غيره؟! ولذلك يروى عن إبراهيم الخواص أنه لما قرأ هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] قال: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. وصدق؛ لأن من تيقن أن الله هو الباقي وهو مالك الملك وهو الحي الذي لا يموت فإنه يرجئ توكله واعتصامه بالله وحده لا شريك له.

стр. 282

قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) ويقول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وهذا في غزوة أحد لما وقع للمسلمين ما وقع، وأصابهم القرح، واستشهد من المسلمين سبعون، وجرح رسول الهدى ﷺ وناله من الأذى ما ناله، فخرج المشركون بعد نهاية المعركة، وقيل للنبي ﷺ : إنهم خرجوا يريدون المدينة. فقال النبي ﷺ وهو في جراحاته والمسلمون في جراحاتهم -وعددهم يقل عن عدد المشركين، عددهم أقل من ألف، ووقع لهم ما وقع وجرى لهم ما جرى- قال النبي ﷺ بعزم الصادق المتوكل على الله: (والله لئن ذهبوا إلى المدينة لأناجزنهم فيها)، ولحق بهم رسول الله ﷺ فذهب إلى مكان يسمى (حمراء الأسد)، ولكن المشركين رضوا من الغنيمة بما نالوه وخشوا من الهزيمة ففروا، فلقيهم في الطريق وفد من عبد القيس، فسألوهم فقالوا: اذهبوا إلى محمد، وقولوا له: إن قد جمعنا له وجمعنا له. فأتى هذا الوفد ومر على رسول الله ﷺ ، فقال: إن أبا سفيان -وكان مشركاً آنذاك- وقريشاً قالوا ما قالوا. فقال النبي ﷺ وأصحابه: (((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]، ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]). ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، من توكل على الله كفاه، وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم ﵊، كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار)، لما ألقي في النار حين وجمع له الحطب وأرادوا أن يلقوه فيها، قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، ونجا إبراهيم ﵊ كما نجا محمد ﷺ وأصحابه.

стр. 283

النبي ﷺ سيد المتوكلين والنبي ﷺ أمر بالتوكل عليه، وهذا هديه ﷺ ، من تدبر سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان في جميع أحواله أفضل المتوكلين، وانظر إليه في مكة، وفي المدينة، وفي الهجرة، وفي غزواته كيف كان توكله على الله والتجاؤه إليه، مع أنه ﵊ كان يبذل الأسباب، ظاهر بين درعين ﵊، لبس درعين واحداً فوق الآخر، وكان يدرب أصحابه ويأمرهم بالتدريب والرمي، وكان ﷺ ينظم صفوفه ويجمع السلاح امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. إذا صدقنا في التوكل على الله فلن تخافنا الجيوش التي أمامنا من جيوش الأعداء، وإنما ترعب الجيوش التي بيننا وبينها مئات الكيلو مترات، وهذا الذي نصر به النبي ﷺ ، ونصر به أصحابه، الرعب لكن متى يتحقق الرعب للأمة الإسلامية؟ عندما تصدق في إيمانها وتحكيم قرآنها وتوكلها على ربها واعتصامها به، وإلا فلا كرامة وإن تسموا بالإسلام وإن تظاهروا به، لا كرامة إلا لمن اعتمد على الله وتوكل عليه وأناب إليه وحكم شرعه. هذه موازين لا تتغير أبداً باختلاف الزمان والمكان، موازين ثابتة، والنبي ﷺ في أحواله كلها كان أفضل من توكل على ربه، وكان قدوة لنا في ذلك، ولن ندخل في تفاصيل سيرته؛ لأن هذا معلوم للجميع، وأدعو إلى تدبر سيرته ﷺ لنخلص منها إلى مثل هذه المعاني الإيمانية. ولما وصف النبي ﷺ أن هناك سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال في وصفهم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فإذا ما توكل الإنسان على غير الله نقص إيمانه، وربما زال إيمانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدعية النبي ﷺ شاهدة على توكله ﷺ ، كان الرسول ﵊ يدعو ويقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت)، وكان ﵊ يقول إذا خرج من بيته: (باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فيقال له: هديت ووقيت وكفيت. ويقول: (إذا خرج الإنسان من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله يقول له الملك: هديت وكفيت ووقيت).

стр. 284

قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) ويقول الله في آية أخرى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وهذه جرت في قصة موسى مع قومه من بني إسرائيل كما نعلم جميعاً في سورة المائدة، فإن الله لما نجى بني إسرائيل من فرعون وقومه ذهب بهم إلى ديار فلسطين، ثم إنهم لما أقبلوا على الأرض المقدسة كان يحكمها أناس يقال لهم: (العماليق الجبابرة)، فقال موسى لقومه -كما أخبرنا الله ﵎: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]، إذاً: موسى يأمرهم، وأمر الرسول واجب الطاعة، ويبشرهم بأن الله كتبها لهم، ويقول: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١]، لكن اليهود أبوا، وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، لكن لم يكن قوم موسى كلهم على هذه الحال، بل كان فيهم من عباد الله المؤمنين. ﴿قََالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، لكنهم لم يسمعوا لكلام موسى ولا لكلام الرجلين، وقالوا -كما أخبرنا الله-: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، نعوذ بالله من الجبن! وكيف نقارن حال هؤلاء مع حال أصحاب رسول الله ﷺ لما واجهوا المشركين في بدر، ولم يكونوا خرجوا للجهاد والقتال وإنما خرجوا لطلب العير؟! أولئك الصحابة لما استشارهم النبي ﷺ في الدخول في المعركة تكلم أبو بكر وتكلم عمر فقالا خيراً، ثم تكلم الأنصار، وقال سعد: (والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد). وقال المقداد ﵁ وأرضاه: (امض -يا رسول الله- لما أمرك الله به)، ثم ذكر أنهم صبر عند اللقاء صدق في الحرب، ثم قال: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكننا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، هذا هو صدق الإيمان وصدق التوكل على الله والاعتصام به، والله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: على الله وحده لا على غيره.

стр. 285

قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) يقول الله ﵎ في صفات المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هذه هي الصفة الأولى: الخوف من الله. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، هذه الصفة الثانية، إذا قرؤوا القرآن يخشعون، وإذا تلي عليهم القرآن يزداد الإيمان عندهم، وهنا في الآية دلالة على أن الإنسان قد يخشع حينما يتلى عليه القرآن، والرسول ﷺ أمر بعض الصحابة أن يقرأ عليه القرآن، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، وبكى ﵊ لما قرئ عليه القرآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]. الصفة الثالثة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. فقوله: (عَلَى رَبِّهِمْ) الجار والمجرور هنا يدل على الحصر، أي: يتوكلون على الله لا على غيره، ثم ذكر الصفة الرابعة، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣] والصفة الخامسة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣].
следующие страницы →