Полный текст (616 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت)
يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١].
ويقول ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]، حتى تنقطع الآمال في العباد، وحتى لا يبقى للمسلم تعلق بغير الله ؛ لأن العباد يموتون، الملوك، الرؤساء، قواد العروش والجيوش يموتون، إذا جاء أمر الله لا يغنيهم مالهم ولا قوتهم؛ لأنهم يموتون، لكن على من يتوكل العبد؟ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، له صفة الحياة أزلاً وأبداً، لكن العباد يموتون، ويمرضون، ولو عاشوا دهراً فلا بد أن ينتهوا إلى الفناء، فكيف يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن أمر غيره؟! ولذلك يروى عن إبراهيم الخواص أنه لما قرأ هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] قال: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى.
وصدق؛ لأن من تيقن أن الله هو الباقي وهو مالك الملك وهو الحي الذي لا يموت فإنه يرجئ توكله واعتصامه بالله وحده لا شريك له.
стр. 282
قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم)
ويقول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وهذا في غزوة أحد لما وقع للمسلمين ما وقع، وأصابهم القرح، واستشهد من المسلمين سبعون، وجرح رسول الهدى ﷺ وناله من الأذى ما ناله، فخرج المشركون بعد نهاية المعركة، وقيل للنبي ﷺ : إنهم خرجوا يريدون المدينة.
فقال النبي ﷺ وهو في جراحاته والمسلمون في جراحاتهم -وعددهم يقل عن عدد المشركين، عددهم أقل من ألف، ووقع لهم ما وقع وجرى لهم ما جرى- قال النبي ﷺ بعزم الصادق المتوكل على الله: (والله لئن ذهبوا إلى المدينة لأناجزنهم فيها)، ولحق بهم رسول الله ﷺ فذهب إلى مكان يسمى (حمراء الأسد)، ولكن المشركين رضوا من الغنيمة بما نالوه وخشوا من الهزيمة ففروا، فلقيهم في الطريق وفد من عبد القيس، فسألوهم فقالوا: اذهبوا إلى محمد، وقولوا له: إن قد جمعنا له وجمعنا له.
فأتى هذا الوفد ومر على رسول الله ﷺ ، فقال: إن أبا سفيان -وكان مشركاً آنذاك- وقريشاً قالوا ما قالوا.
فقال النبي ﷺ وأصحابه: (((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]، ((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣]).
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، من توكل على الله كفاه، وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم ﵊، كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار)، لما ألقي في النار حين وجمع له الحطب وأرادوا أن يلقوه فيها، قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، ونجا إبراهيم ﵊ كما نجا محمد ﷺ وأصحابه.
стр. 283
النبي ﷺ سيد المتوكلين
والنبي ﷺ أمر بالتوكل عليه، وهذا هديه ﷺ ، من تدبر سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان في جميع أحواله أفضل المتوكلين، وانظر إليه في مكة، وفي المدينة، وفي الهجرة، وفي غزواته كيف كان توكله على الله والتجاؤه إليه، مع أنه ﵊ كان يبذل الأسباب، ظاهر بين درعين ﵊، لبس درعين واحداً فوق الآخر، وكان يدرب أصحابه ويأمرهم بالتدريب والرمي، وكان ﷺ ينظم صفوفه ويجمع السلاح امتثالاً لأمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
إذا صدقنا في التوكل على الله فلن تخافنا الجيوش التي أمامنا من جيوش الأعداء، وإنما ترعب الجيوش التي بيننا وبينها مئات الكيلو مترات، وهذا الذي نصر به النبي ﷺ ، ونصر به أصحابه، الرعب لكن متى يتحقق الرعب للأمة الإسلامية؟ عندما تصدق في إيمانها وتحكيم قرآنها وتوكلها على ربها واعتصامها به، وإلا فلا كرامة وإن تسموا بالإسلام وإن تظاهروا به، لا كرامة إلا لمن اعتمد على الله وتوكل عليه وأناب إليه وحكم شرعه.
هذه موازين لا تتغير أبداً باختلاف الزمان والمكان، موازين ثابتة، والنبي ﷺ في أحواله كلها كان أفضل من توكل على ربه، وكان قدوة لنا في ذلك، ولن ندخل في تفاصيل سيرته؛ لأن هذا معلوم للجميع، وأدعو إلى تدبر سيرته ﷺ لنخلص منها إلى مثل هذه المعاني الإيمانية.
ولما وصف النبي ﷺ أن هناك سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال في وصفهم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فإذا ما توكل الإنسان على غير الله نقص إيمانه، وربما زال إيمانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأدعية النبي ﷺ شاهدة على توكله ﷺ ، كان الرسول ﵊ يدعو ويقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت)، وكان ﵊ يقول إذا خرج من بيته: (باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فيقال له: هديت ووقيت وكفيت.
ويقول: (إذا خرج الإنسان من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله يقول له الملك: هديت وكفيت ووقيت).
стр. 284
قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)
ويقول الله في آية أخرى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وهذه جرت في قصة موسى مع قومه من بني إسرائيل كما نعلم جميعاً في سورة المائدة، فإن الله لما نجى بني إسرائيل من فرعون وقومه ذهب بهم إلى ديار فلسطين، ثم إنهم لما أقبلوا على الأرض المقدسة كان يحكمها أناس يقال لهم: (العماليق الجبابرة)، فقال موسى لقومه -كما أخبرنا الله ﵎: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١]، إذاً: موسى يأمرهم، وأمر الرسول واجب الطاعة، ويبشرهم بأن الله كتبها لهم، ويقول: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١]، لكن اليهود أبوا، وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، لكن لم يكن قوم موسى كلهم على هذه الحال، بل كان فيهم من عباد الله المؤمنين.
﴿قََالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، لكنهم لم يسمعوا لكلام موسى ولا لكلام الرجلين، وقالوا -كما أخبرنا الله-: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، نعوذ بالله من الجبن! وكيف نقارن حال هؤلاء مع حال أصحاب رسول الله ﷺ لما واجهوا المشركين في بدر، ولم يكونوا خرجوا للجهاد والقتال وإنما خرجوا لطلب العير؟! أولئك الصحابة لما استشارهم النبي ﷺ في الدخول في المعركة تكلم أبو بكر وتكلم عمر فقالا خيراً، ثم تكلم الأنصار، وقال سعد: (والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد).
وقال المقداد ﵁ وأرضاه: (امض -يا رسول الله- لما أمرك الله به)، ثم ذكر أنهم صبر عند اللقاء صدق في الحرب، ثم قال: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.
ولكننا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، هذا هو صدق الإيمان وصدق التوكل على الله والاعتصام به، والله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]، أي: على الله وحده لا على غيره.
стр. 285
قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)
يقول الله ﵎ في صفات المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هذه هي الصفة الأولى: الخوف من الله.
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، هذه الصفة الثانية، إذا قرؤوا القرآن يخشعون، وإذا تلي عليهم القرآن يزداد الإيمان عندهم، وهنا في الآية دلالة على أن الإنسان قد يخشع حينما يتلى عليه القرآن، والرسول ﷺ أمر بعض الصحابة أن يقرأ عليه القرآن، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، وبكى ﵊ لما قرئ عليه القرآن: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢].
الصفة الثالثة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
فقوله: (عَلَى رَبِّهِمْ) الجار والمجرور هنا يدل على الحصر، أي: يتوكلون على الله لا على غيره، ثم ذكر الصفة الرابعة، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣] والصفة الخامسة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣].
стр. 286
المسائل التي بها يتحقق التوكل على الله
بعد أن عرضنا معنى التوكل وبعض النصوص الواردة فيه من الكتاب والسنة نعرض المسألة الثالثة، وهي أن التوكل على الله لا يتم إلا بأن يتحقق في الإنسان عدة أمور:
стр. 287
معرفة الله بأسمائه وصفاته
الأمر الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته، فمن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته لا يكمل ثوابه، من لم يعلم أن الله هو الحي القادر علام الغيوب جبار السموات والأرض المتكبر بيده الأمر كله إلى آخر أسمائه وصفاته لا يستقر في قلبه أن الله المتصف بهذه الصفات هو الذي يستحق التوكل، فينقص توكله على الله .
стр. 288
إخلاص التوحيد لله ﵎
الأمر الثاني: إخلاص التوحيد لله ﵎ والبعد عن الشرك، فمن تعلق قلبه بغير الله فقد نقص توكله على الله ، من تعلق قلبه بمخلوق مهما كان هذا المخلوق، ولياً، أو صالحاً، أو غنياً، أو ملكاً، أو غير ذلك، فمن تعلق قلبه بأحد من الخلق نقص إيمانه وتوكله على الله ، ولكن إخلاص التوحيد لله ﵎ شرط أساسي لإخلاص التوكل، وصدقه باعتماد العبد وتوكله على الله وحده لا شريك له.
стр. 289
فعل الأسباب دون الاعتماد عليها
الأمر الثالث: أن الإنسان وهو يعتمد على الله يفعل الأسباب، لكنه لا يعتمد على الأسباب نفسها، وإنما يعلم أنها أسباب، وأن الله أمرنا بها، فلا يقع في قلبه أن هذه الأسباب التي جعلها الله في خلقه أنها هي التي تنفع وتضر، وهي وحدها المتصرفة، لا، وإنما يفعل السبب ويصدق في توكله على الله ، وأنه ﵎ هو الذي بيده الأمر كله.
стр. 290
حسن الظن بالله
الأمر الربع: حسن الظن بالله ، فمن ساء ظنه بربه ﵎ نقص توكله أو عدم توكله.
فعلى الإنسان أن يحسن ظنه بالله.
كما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله .
стр. 291
أنواع التوكل
стр. 292
التوكل على الله في أمور لا يقدر عليها سواه
المسألة الرابعة: ينبغي أن نعلم أن التوكل أنواع: النوع الأول: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، من جلب النفع ودفع الضر، والنصر، والشفاء، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، فيجب على العبد أن يتوكل على الله وحده في هذه الأمور كلها، ومن توكل على غيره فيها فقد نقص توحيده، وربما وقع في الشرك الأكبر.
من اعتقد أن ولياً من الأولياء ينفع ويضر أو يشفي مريضاً، كما يفعل القبوريون وغيرهم الذين يعتقدون في الأولياء من أهل القبور -وأحياناً من غيرهم- يعتقدون أن هؤلاء ينفعون أو يضرون، فإذا مرض قريبه أو زوجته، وإذا قل ماله أو ركبه الدين، وإذا أصابه المرض تجد هذا الإنسان يقول: يا فلان! اشف مريضي يا شيخ! ارزقني.
فيدعو غير الله ، فهذا توكل تام على غير الله، وهو من الشرك الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة، وينبغي أن نعلم أن الإنسان لا يتوكل على غير الله في هذا الأمر إلا وقد وقر في قلبه أن ذلك الشيء فيه نفع وضر، وأن عند هذا الشخص الذي توكل عليه سبب خفي لأجله اعتمد وتوكل عليه، وهذه مسألة ينبغي أن ننتبه لها، وأن ننبه إخواننا المسلمين في كل مكان عليها؛ لأن تعلق القلب بغير الله في هذه الأمور معناه أن الإنسان اعتقد فيها وعبدها من دون الله ، فتوكل العبادة لا يصرف إلا لله، فإن صرف لغير الله كان شركاً.
стр. 293
التوكل في الأسباب الظاهرة المادية
النوع الثاني من التوكل: التوكل في الأسباب الظاهرة المادية، مثل أن يتوكل الإنسان على غني أو أمير في رزقه، ويشبه كثيراً ما نشاهده من بعض الناس في اعتمادهم في رواتبهم على الدولة، ويستقر في قلب الإنسان أحياناً أنه إن انقطع الراتب مات، أو بالأحرى إن انقطع هذا الراتب ساءت حاله وضاع مستقبله، وهذا في الحقيقة من الأمور الخطيرة التي نشاهدها ونسمعها، خاصة من شبابنا الذين قد تخرجوا أو قد قرب تخرجهم، يظن أنه لا يمكن أن يضمن مستقبله -كما يعبرون- إلا بأن يكون له راتب في الوزارة الفلانية، أو في الشركة الفلانية، فهذا سماه العلماء شركاً أصغر، وقالوا: إنه شرك خفي ومعنى أنه شرك أصغر أنه لا يخرج الإنسان من الملة، لكنه من الكبائر التي ينقص فيها إيمان العبد ويضعف إيمانه بالله .
стр. 294
الوكالة في الأمور العادية
النوع الثالث من أنواع التوكل: ما يسمى بالوكالة في الأمور العادية، يوكل شخصاً آخر في أمر من أموره فيما يقدر عليه هذا الشخص، فهذا من الأمور الجائزة، ولا يكون في ذهن الإنسان إذا وكل فلاناً في هذا الأمر أنه مستقل بالأمر، فإن خطر بباله أنه مستقل بالأمر وأنه توكل على فلان في القضية الفلانية لينجزها له واعتمد عليه نقص توكله على الله ووقع في الشرك الأصغر، وربما وقع في الشرك الأكبر، لكن توكيل الإنسان غيره في الأمور العادية كشراء شيء أو بيعه، أو إنابته عنه أو غير ذلك، بل -كما هو معلوم- إن غالب التوكيل إنما يكون من الأقوى إلى الأضعف، فتجد الإنسان يوكل ابنه الأصغر، أو يوكل أخاه الأصغر، أو يوكل فلاناً من الناس في مبلغ من المال أن يفعله له، فهذا توكيل لا من الأدنى إلى الأعلى، وإنما من الأعلى إلى الأدنى، فهذا دليل على أن توكيله -والحالة هذه- إنما هو توكيل في أمر عادي لا شيء فيه.
стр. 295
درجات الناس في توكلهم على الله
وينبغي أن نعلم أن الناس في توكلهم على الله على درجات: فأعظم الناس منزلة الأنبياء وأتباع الأنبياء جعلنا الله وإياكم من أتباع الأنبياء، فهم الذين يتوكلون على الله في أمورهم كلها، في إيمانهم بالله، في عباداتهم لله، في دعوتهم إلى الله، في جهادهم في سبيل الله ونصرتهم له ومجاهدة أعدائه، في أمورهم كلها يتوكلون على الله وحده.
ودونهم درجة من يتوكل على الله في استقامة نفسه، وصلته بربه فقط، لكن لا يهمه أمر المسلمين أو أمر الآخرين، فهذا إنسان توكل على الله في أن الله يحميه ويحمي دينه فقط، لكنه أقل درجة من النوع الأول المجاهدين الداعين إلى الله .
وأدنى من هؤلاء درجة من يتوكل على الله في أمور دنياه فقط، في رزق يناله، أو عافية، أو زوجة يريدها، أو نصر على عدو، أو حصول شيء ما.
وأشر من هؤلاء جميعاً من يتوكل على الله في المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء، تجده وهو يحجز للسفر إلى الفساد يقول: بإذن الله ﵎ نسافر، بإذن الله تقابلني فلانة فيتوكل على الله في أمور المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء!
стр. 296
أصناف الذين ضلوا في باب التوكل على الله
التوكل على الله -كما سبق- لا يتم إلا لمن أخلص لله التوحيد واستقام على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ثم فإننا نجد أن الذين ضلوا في باب التوكل على الله عدة أصناف: الصنف الأول: المعطلة، الذين نفوا أسماء الله وصفاته، فهؤلاء على من يتوكلون إذا كانوا لا يقرون في أن الله خلاق رزاق محي مميت عالم قادر إلى آخر أسمائه وصفاته؟! يضعف إيمانهم ويسوء توكلهم على الله .
الصنف الثاني من الذين ضلوا: القدرية والمعتزلة، الذين قالوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن الله.
وقالوا: إن العبد هو الذي يخلق أفعاله، وإن الله لا يخلق أفعال العباد.
فهؤلاء لا يتوكلون على الله في أمورهم، وإنما يتوكلون على أنفسهم، فيظنون أنهم هم أنفسهم الذين يفعلون أفعالهم، فلا حاجة فيهم إلى التوكل على الله.
الصنف الثالث من الذين ضلوا في هذا الباب: الأشعرية والصوفية، فإن الأشعرية أنكروا الأسباب، وقالوا: الله هو الفاعل والأسباب لا قيمة لها، وإنما يأتي الفعل عند السبب، لا بالسبب، والصوفية أيضاً -كما تعلم وكما تسمع- من أحوالهم -قالوا: حقيقة التوكل ترك الأسباب، فلا تطلب الرزق، ولا تسعى في الأرض.
ومن ثم تجد أن كثيراً من هؤلاء يذهب إلى البراري لا يحمل معه شيئاً، ويقول: أنا متوكل على الله.
وهذا لا شك أنه خطأ كبير وضعف في العقول؛ لأن العقول المستقيمة هي التي تعلم أن الأمر إنما يتم بسببه.
فلو أن إنساناً قال: أنا سأتوكل على الله ويأتيني أكلي وأشبع فلا يمكن حصول هذا إلا بفعل السبب.
ولو قال رجل: أنا أتوكل على الله، وإن شاء الله سيأتيني الولد.
ولا يتزوج، فلا يمكن هذا.
وهكذا في بقية أمور الحياة، فمن ترك الأسباب، أو زعم أن الأسباب لا قيمة لها إطلاقاً فقد انحرف في فهمه بتوكله على الله .
стр. 297
آثار التوكل على الله
стр. 298
التوكل ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر
من ثمرات التوكل أن التوكل على الله ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر.
وقد ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أصابتنا فاقة -فقر- فجئت رسول الله ﷺ لأسأله، فوجدته يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس! والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنك) هكذا يقول المصطفى ﷺ ، (وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) هكذا يقول الرسول ﷺ .
معنى قوله: (من يستغن)، الاستغناء: هو أن لا يرجو الإنسان أحداً إلا الله، فيستشرف ما عنده والاستعفاف: أن لا يسأل أحداً.
ولهذا سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التوكل قال: قطع الاستشراف إلى الخلق -أي: لا يكون في قلبك أن أحداً يأتيك بشيء- فقيل له: الحجة في ذلك؟ فقال: قول الخليل لما قال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فاعتمد على الله فنجاه الله.
فمن يستغن بالله يغنه الله، لكن من يعلق قلبه بالناس وفلان وعلان والرزق الفلاني والراتب الفلاني يكله الله إليه، كما ورد في الأثر: (من تعلق شيءٍ وكل إليه).
قال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل، فتضيع أمر آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك.
وكلنا نعلم الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن المبارك والحاكم وابن حبان وابن أبي الدنيا في التوكل على الله ، وهو حديث صحيح، يقول فيه النبي ﷺ : (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وهنا في هذا الحديث بعض العلماء قال: قوله: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً) لا يعني أنها تفعل السبب، وإنما هي بطبعها تتحرك في الهواء وفقط، وهذا من جنس حركة المرتعش بالنسبة لها، فمن توكل على الله حق توكله رزقه الله كما يرزق الطير.
ولكن المعنى الصحيح للحديث: هو أن قوله ﵊: (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) أن الطير فعلت السبب، والله هو الذي هداها لتفعل السبب، فتغدو في الصباح (خماصاً) جائعة ضامرة البطون، وترجع في المساء (بطاناً) قد رزقها الله .
وإذا كان الأمر كذلك فإن كل الناس يذهب ويغدو، فما معنى (حق توكله)؟ كيف يشبهه الرسول ﷺ بالطير؟ الذي يظهر -والله أعلم- أن الرسول ﷺ شبه من توكل على الله حق توكله بالطير -مع أن الإنسان يفعل السبب- أن الطير يبيت لا يحمل هم رزقه، فلا يقول: أين التجارة الفلانية والربح الفلاني والخسارة الفلانية والمال الفلاني والفلوس الفلانية؟ بل يبيت مطمئناً مرتاحاً، هذا هو الطير، فمن توكل على الله جعل الله له الاطمئنان، ويسر له الأسباب دون أن يحزن، فيصير مثل الطير، يفعل السبب ويرزقه الله ويأتيه رزقه، وهذا هو معنى التوكل على الله ولذلك يروى أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لما كان في عهد خلافته جاءه رجل من الأعراب ممن يطلب الرزق فجلس عند بابه، وصار عمر يعطيه لأنه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، فمكث عند بابه لينال رزقه، فجاء إليه رجل وقال له: يا هذا! أنت هاجرت إلى عمر أو إلى رب عمر؟ قال: وما ذاك؟ قال: اذهب فاقرأ القرآن، فإن الله يغنيك عن عمر فاستيقظ الرجل وذهب لقراءة القرآن وعبادة الله وطلب العلم فأغناه الله، ولكن عمر الذي كان يرعى رعيته سأل عن الرجل؛ لأنه انقطع عنه أياماً، فبحث عنه في المدينة حتى لقيه، فقال له: يا فلان! كنت عندنا فإلى أين ذهبت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! جاءني رجل فقال لي هذا الكلام: اقرأ القرآن واعتمد على الله لا على عمر فقرأت القرآن فأغناني الله فقال له عمر: يا أخي! وماذا وجدت في القرآن -يعني: ما الذي لفت انتباهك في القرآن-؟ قال: قول الله ﵎: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فالتوكل على الله يجعل العبد راضياً مطمئناً، فالإنسان الذي يبيت ليله مطمئناً وليس عنده مال، والإنسان الآخر الذي يبيت ليله قلقاً وعنده الملايين أيهما أكثر راحة وسعادة؟ تلك موازين نعرفها جميعاً، لكن نحن بحاجة إلى نتفاعل معها عملياً في حياتنا، فلا نغضب إذا نقصت أموالنا، ولا نحزن، وإنما نفرح لأننا على الإيمان والهدى والتقى، وهذا هو رأس مال المؤمن.
أيها الأخ المسلم! وردت قصة رواها ابن أبي الدنيا في التوكل على الله، وقعت في إحدى الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية، والآثار في هذا الباب -في باب التوكل والكرامات- التي يذكرها الصوفية كثيرة، لكننا أعرضنا عنها صفحاً لأننا لا ندري ما صحتها، وإنما يحسنونها في كتبهم، ولكن هذه الرواية وردت بسند صحيح إلى عون بن عبد الله قال: بينا رجل في بستان بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئباً معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه فسنح له صاحب مسحاة، فجاءه هذا الرجل صاحب المسحاة فقال له: مالي أراك مكتئباً حزيناً؟ قال: فكأنه ازدراه.
رأى شكله، وحاله فقال: لا شيء.
فقال له صاحب المسحاة: ألدنيا؟! فإن الدنيا عرض حاضر -يعني: غير باق- يأكل منها البر والفاجر، والآخرة أجل صادق يحكم بها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل.
فلما سمع ذلك الرجل هذا الكلام كأنه أعجبه، فأخبره بما في نفسه، وقال له: إنني حزين مكتئب لما فيه المسلمون.
يعني: لأحوال المسلمين.
فقال له هذا الرجل: فإن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين، ومن ذا الذي سأل الله فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟! قال عون بن عبد الله: فتعلقت بالدعاء، اللهم! سلمني وسلم مني.
فتجلت- يعني: الفتنة- ولم تصب منهم أحداً.
فهذا الرجل يقول: بشفقتك على المسلمين فأين أولئك الذين يسمعون الأحداث تمر بالمسلمين من حولهم ولكنهم لا يحركون ساكناً ولا تتحرك قلوبهم، لكن المؤمن كما أخبر النبي ﷺ : (المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذا الرجل يقول: إن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين لأنك تحمل هم المحن، هم الأمة الإسلامية، يحزنك إذا أصاب المسلمين في مكان ما حوادث أو كوارث، يحزنك إذا قصر المسلمون في إيمانهم ودينهم، تحمل هم المسلمين؛ لأنك إذا حملت هم المسلمين فمعناه أنك في شغل، وهو الطاعة والعبادة، وهو التقوى والرضا بالله ، ولقد كان قواد المسلمين ﵏ يتوكلون على الله في جميع أحوالهم، ولا أطيل بذكر الأمثلة، ولكنني سأذكر مثالاً واحداً لرجل من الرجال الذين قاوموا الصليبيين زمن الحروب الصليبية، كان له جهاد وأي جهاد! أفنى عمره وحياته في قتال الصليبيين من مكان إلى مكان، وهو نور الدين محمود زنكي، فإن هذا الرجل ذكر عنه أنه كان يمرغ وجهه في التراب قبل المعارك، ويدعو ربه ويقول: من محمود؟ يعني نفسه، يعني أنه لا قيمة له انتصر أو لم ينتصر، يا رب! من محمود؟ إنما هو دينك، إنما هم عبادك، اللهم! انصرنا.
لا أنانية، وإنما هو رجل عاش لله وبالله، واعتصم بالله، وصار هم المسلمين همه وشغل المسلمين شغله، فجاهد في الله، ونسأل الله أن يجمعنا وإياه والمسلمين جميعاً في مستقر رحمته.
روى أبو شامة في الروضتين وابن قاضي شهبة في كتابه الكواكب الدرية الذي ترجم فيه لـ نور الدين هذا، روى أن القدس لما كانت بأيدي الصليبيين، وكان نور الدين يجاهدهم وينتصر عليهم -لكن تحرير القدس إنما تم بعد نور الدين محمود عندما جاء صلاح الدين، فذهب بعض الناس إلى زيارة بيت المقدس وهو تحت الاحتلال الصليبي، فماذا وجد الصليبيين يقولون عن نور الدين؟ وجدهم يقولون عنه: إن له مع الله سراً، فإنه ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره، وإنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل.
وكان مشهوراً بصلاة الليل، نور الدين محمود كان معروفاً عنه صلاة الليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول هؤلاء الكفار: إنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي الليل ويرفع يديه إلى الله ويدعو، والله سبحانه يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله وما يرد يده خائبة، ويظفر علينا بهذا.
فالتوكل على الله مطلوب من جميع الأمة رئيسها ومرؤوسها، من جميع الناس، فإذا توكلوا على الله فإن الله يوفقهم ويهديهم وينصرهم.
стр. 299
التوكل على الله سبب في عون الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي
ومن ثمرات التوكل أن التوكل على الله يكون سبباً لأن يقوم الإنسان بما أمر الله به من فعل الأوامر واجتناب النواهي، فالإنسان ضعيف تحيط به الوساوس والشياطين، ويضعف عن الصلاة، ويضعف عن الإتيان بها في أوقاتها، ويضعف عن فعل ما أمر الله، ويضعف عن ترك ما نهى الله من المعاصي، ولكن التوكل على الله يبني في قلب العبد المؤمن ما يجعله يقوم بما أمره الله به ويجتنب ما نهى الله عنه على الوجه الأكمل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن النفس لا بد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن لم تكن متوكلة على الله في ذلك واثقة به لا يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقاً، بل لا بد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة، فلا تصح العبادة لله وطاعة أمره بدون التوكل عليه، كما أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
فالعبادة لا تتحقق إلا بالاستعانة، فأنت تريد أن تعبد الله على الوجه الحق، لكن كيف تعبده وأنت غير مستعين بالله؟! لا يمكن، فلا بد من الاستعانة بالله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨ - ٩].
(تبتل إليه) اعبده، ومتى؟ إذا علمت أنه رب المشرق والمغرب واتخذته وكيلاً، وكفى بالله وكيلاً.
يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: والمقصود أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون التوكل والاستعانة، ومن كان واثقاً بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضره أمكن أن يدع هواه ويطيع أمره، وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول: إنه محتاج فيه إلى غيره.
وهنا يلاحظ على أحوال الناس عندما تأتيهم المحن ويخافون على أنفسهم، يلاحظ عليهم أمران على ضوء هذه الثمرة من ثمرات التوكل: الأمر الأول: أن الإنسان الذي كان يحرص على الصلاة في أول أوقاتها يتابع الإذاعة والتلفاز، وينظر ماذا جرى، خوف ورعب في نفسه، بينما الإنسان في حال المحنة والخوف يلجأ إلى الله ويفعل الأسباب، لكن الناس انصرفوا، حتى إن الإنسان ليجد أحياناً المرأة في بيتها التي كانت تستمع الشريط الإسلامي وكانت تستمع إلى إذاعة القرآن وقراءة القرآن وفتاويه يجدها قد انصرفت وانشغلت بغير ذلك، تتابع الأخبار، وتتحدث في الهاتف عما جرى وعما سيجري وما هو متوقع، وصار الناس كلهم يحللون الأحداث حتى العوام والصبيان، ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يتابع الأحداث، الإنسان من لحم ودم، وعاطفة وقلب وروح، لكن أن يكون حال الناس وقت المحنة أضعف من حالهم قبلها فهذا خطر، بل يجب أن يكون حال الإنسان عندما يشتد به الأمر أن يكون قربه من الله وتوكله على الله، وقراءته للقرآن، واعتصامه بالله، وتدبره لآيات الله، ودراسته لسيرة رسول الله ﷺ ، وحرصه على العلم وطلبه، وعلى تربية أسرته وبنائها، وعلى توجيه الناس، وعلى الدعوة إلى الله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي غيرها من الأمور أن يكون حرصه عليها أكثر مما سبق؛ لأنه أحوج إلى الله .
وفي حديث عبد الله بن عباس الذي ذكرناه قبل قليل يقول له النبي ﷺ فيه: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فإذا عرفك الله في الشدة أعانك على عبادته وطاعته والاعتصام به، وأزال عنك الخوف والرعب.
الأمر الثاني الملاحظ على الناس في وقت المحن: أن بعض الذين بيدهم الأمر إذا فعلوا بعض الأسباب قد يخطر في قلوبهم أن هذه الأسباب كافية لوحدها لمنع الشر والفتنة، فيتوكلون عليها، ويظنون أنها هي التي نفعتهم وهي التي أبعدت الشر عنهم، ويستقر هذا الأمر في نفوسهم، ومن ثم فتجد الواحد من هؤلاء يقطع أو تضعف صلته بالله وما ينبغي أن يكون عليه به من الثقة في زمن المحنة حتى يمنع الله عنه الشر والفساد، تجد هؤلاء يظن الواحد منهم أنه ما دمنا اتكلنا على هؤلاء في هذا الأمر كفى.
إذاً ينبغي أن نغير أحوالنا، وأن نتدبر حالنا والمعاصي المنتشرة فينا فنمنعها.
ونوثق صلتنا بالله وبالعلماء، حتى نغير تغييراً حقيقياً، هل نحن نفعل شيئاً من هذا الآن؟ لا.
هذا الأمر الآن أمر ثانوي، وهذا الأمر الذي استقر في بعض النفوس خطير جداً؛ لأن الله ﵎ يبتلي عباده ويمتحنهم، فإذا جاءتهم الآيات ولم يعتبروا بها فإن الأمر مؤذن بخطر ربما يأتي من طريق لا يحسب الإنسان حسابه، وهذه مشكلة، أن يستقر في النفوس أن هذه الأمور المتعلقة بإسلامنا وديننا وتحكيم شرعنا يكفي فيها ما نحن فيه ولا داعي للتغيير.
стр. 300
التوكل على الله يزيل عن النفس الخوف والرعب
والتوكل على الله من أعظم ثمراته أنه يزيل عن النفس الخوف والرعب، ومن توكل على غير الله أصابه الله بالخوف والرعب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاجة أو صديقاً أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع من التوكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه.
فقف عند هذه الكلمة أيها الأخ المسلم! ما رجا أحد مخلوقاً وتوكل عليه إلا كانت النتيجة عكسية، خاب ظنه فيه فينقلب عليه.
قال: إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك والحالة هذه، والله يقول- هكذا يقول شيخ الإسلام -: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]، وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:١٥١]، ومن أخلص قلبه من الشرك هو الذي يحصل له الأمن، كما قال ﵎ في كتابه العزيز: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، والظلم هنا فسره النبي ﷺ لما شكا إليه الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال النبي ﷺ إنما ذلك الشرك، ألم تسمعوا إلى العبد الصالح -يعني: لقمان- حينما قال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فالذي لم يلبس إيمانه بظلم -أي: بشرك- له الأمن، وعكسه له الرعب والخوف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 301
إمداد المتوكل بالقوة
المسألة السادسة: التوكل على الله له آثار عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، وفي حياة الأمم، وسنشير إلى بعض هذه الآثار، ومنها: أولاً: أن التوكل على الله يعطي الإنسان القوة والعزة بالله وحده لا شريك له، ومن ثم فإن بعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله.
لأن الإنسان إذا توكل على الله وحده لا يخاف أحداً مهما كان، لو اجتمعت الدنيا كلها بعروشها وجيوشها على أن يكيدوك -أيها الإنسان- لا يملكون، كما قال النبي ﷺ لـ ابن عباس وهو غلام صغير: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
إذاً التوكل على الله يجعل الإنسان قوياً في إيمانه، قوياً في حياته، قوياً في صبره على البلاء، قوياً في مواجهته للمحن والابتلاء، قوياً حينما تدلهم الفتن وتضطرب الأمور ويحيص الناس.
ويحار الحليم، يقف قوياً لأنه يتوكل على الله وحده لا شريك له، ويعتصم به، ويعتمد عليه وحده لا شريك له.
وقد ورد في الصحيحين -صحيح البخاري ومسلم - عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ صفته في التوراة: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق) إلى آخر الحديث.
(سميتك المتوكل) فرسول الله ﷺ من أسمائه (المتوكل)، كما أن له أسماء أخرى معروفة (محمد)، و (أحمد)، و (الحاشر) إلى آخره.
وقد روي في بعض الآثار أن حملة العرش إنما يقوون على حمله لقولهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال عن هذه الكلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة).
стр. 302
التوكل على الله يكسب الإنسان الرضا بما قسم الله له
ومن ثمراته الرضا أن يرضى الإنسان بما قسم الله له، فإذا توكل على الله في أموره كلها رضي بالله وبما قسم له؛ لأن كل أمر قدره الله على العبد فلا بد له فيه من أمرين: الأمر الأول: التوكل على الله قبل وقوعه.
وأثناء سيره.
ثم إن صدق الإنسان بهذا يأتي الأمر الثاني، وهو الرضا بالله على أي حال وقع المقدور، وهذا الذي علمنا إياه رسول الله ﷺ في باب الاستخارة، والاستخارة إنما تكون في الأمور الدنيوية، أما الأمور الشرعية المطلوبة فلا يستخير الإنسان فيها، إذا أراد الإنسان أن يصلي، أو يقوم الليل، أو يصوم، أو يحج، أو يعتمر، أو يتصدق لا يقول: أستخير.
وإنما يقدم عليها؛ لأنها طاعة لا يتردد فيها، ولكنه يستخير في أموره الدنيوية التي لا يدري هل يكون له فيها خير أم يكون له فيها شر، فإذا تردد في الأمر ولم يترجح له أوصاه النبي ﷺ بدعاء الاستخارة، الذي فيه يقول النبي ﷺ : (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر) ثم في آخر هذا الحديث يوصي النبي ﷺ أن الإنسان بعد ما يسمي حاجته يقول: (وإلا فاصرفه عني) يعني: إن لم يكن خيراً لي (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)، فيرضى الإنسان بما قسم الله له، ولا شك أن الإنسان إذا توكل على الله وأحسن الظن بالله لا يغضب من أي أمر قد قدره الله عليه.
стр. 303
التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب
بقيت مسألة يسيرة أحب أن أشير إليها، وهي أن نعلم أن التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب.
وإنما التوكل على الله هو عينه سبب من الأسباب، مثل الدعاء تماماً، كما أن الله أمر بالدعاء وجعله عبادة، بل ورد أنه العبادة، فإن الدعاء سبب، فأنت مأمور بالدعاء لكن قد يحصل وقد لا يحصل.
كذلك أيضاً التوكل على الله سبب من الأسباب، فإذا توكلت على الله في أمر من الأمور فقد يحصل ذلك الأمر وقد لا يحصل، لكنك عبدت الله وتوكلت عليه، فيكون لك الخير حيث كان، كما قال النبي ﷺ في الدعاء، في الحديث الصحيح: (ما من عبد يدعو ربه بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم إلا كان على الله أن يعطيه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب دعاءه) هذا الاحتمال الأول (أو أن الله يدفع عنه من الشر مثله) هذا الثاني (أو أن الله يدخر له يوم القيامة من الأجر مثله).
إذاً الداعي لا يخيب أبداً، قال الصحابة: (يا رسول الله! إذاً نكثر)، أي: ما دمنا رابحين إذاً نكثر من الدعاء، فقال: (الله أكثر).
فلا يقول القائل: أنا دعوت ولم يستجب لي.
ومثله إذا توكل على الله في الأمر، فقد يكون من أمر الله أن الله يريد أن يبتليه، فلا يقول: توكلت على الله وما استجاب.
لا، وإنما سيكون لك الخير لأنك عبدت الله حق عبادته، وقد يكون ذلك الأمر الذي جرى عليك من محنة أو غيرها سبباً لتمحيص ذنوبك وإيمانك ورفع درجاتك.
أسأل الله أن يجعلنا جميعاً ممن توكل عليه وكفاه، وأن يجعلنا ممن اعتصم به فنجاه.
كما نسأله أن يعيذ هذه الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله أن يهيئ لها من أمرها رشداً، يُعز أهل الطاعة، ويُذل أهل المعصية، كما نسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن ختم له بخاتمة السعادة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، والله أعلم.
стр. 304
الأسئلة
стр. 305
نقص التوكل عند الناس في حال الخطبة وطلب الزواج
السؤال
هناك أناس إذا أتاهم الخاطب ليتزوج ابنتهم وهو حديث التخرج ولا يعمل بوظيفة حكومية لا يزوجونه، فهل التوكل عند هؤلاء الناس ناقص أم هو أخذ بالسبب؟
الجواب
الحقيقة أن هذا توكل ناقص بغير شك، فقد قال رسول الله ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، وما قال: (وترضون ماله) والنبي ﷺ أوصى بذلك الشباب فقال: (من استطاع منكم الباءة) أي: القدرة على الزواج (فليتزوج)، فإذا جاءكم الشاب معه المهر وعنده القدرة فزوجوه، أما أن تربطوا الموضوع بأمر غيبي فلا، الأمر بيد الله ، والحقيقة أن هذا أمر خطير جداً، ومثله أولئك الذين يربطون الزواج بالدراسة، شخص اتصل بأحد المسئولين عن التعليم يتحدث معه عن ابنته، فيقول: إن لم تقبلوها فمعناه أنها لن تتزوج.
فما هذا الكلام؟! فالأمر خطير جداً، واعلم أن العبد يعان على النكاح، كما ورد عن النبي ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم -وذكر منهم-: الناكح يريد العفاف)، وأنتم تشاهدون هذا، هل وجدتم شاباً تزوج فافتقر بسبب زواجه؟ لا، وإنما الذي نشاهده أن الشاب إذا تزوج رزقه الله، وجاءه الرزق من كل مكان، وجاءته الإعانات التي ليس فيها منة، ويسر الله أمره، وإذا جاءه المولود جاء ومعه رزقه، لكن ضعف في النفوس التوكل على الله، يظن أنه ما لم يكن الشاب في وظيفة وما لم يكن الشاب عنده بيت وما لم يكن الشاب عنده كذا وكذا فلن يزوج، هذا تعلق بأمور وأسباب، فأخشى على هؤلاء أن يعاقبهم الله بنقيض قصدهم، فيزوجون من كان ظاهره المال، فيكون وبالاً على ابنتهم، فاتقوا الله في بناتكم، وامتثلوا أمر رسوله ﷺ حين قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته -أو: وخلقه- فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 306
حكم من يقول: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة
السؤال
في هذه الأيام هناك بعض الناس يقول بعد الأزمة: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة، ما هي نصيحتكم لهؤلاء الناس؟
الجواب
مثل هذا الكلام خطير جداً؛ لأنه لو قال الإنسان -كما ورد في كتب التوحيد-: لولا الكلب لأتانا اللصوص.
لولا الباب كان قوياً لدخل اللصوص وسرقوا البيت.
فهذا من الشرك الأصغر، والإنسان ربما يظن هذا الظن، لكن مثل هذه العبارة التي يقول فيها الإنسان: لولا أمريكا لذهبت الجزيرة توحي العبارة بأن قلبه كأنه ظن أن أولئك هم الذين حموا البلاد، وأنه لولاهم لذهبت، ولا شك أن هذا أمر خطير جداً، ويدل على ضعف اليقين والتوكل على الله ، وما يدري الإنسان ماذا سيجري بعد ذلك، الأمر بيد الله، لكن الشيء الذي نقطع به أن الملاحدة والمشركين والعلمانيين ومثلهم اليهود والنصارى لا يمكن أن يريدوا خيراً للمسلمين.
خذوها قاعدة وميزاناً ربانياً، يقول الله في كتابه العزيز: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فإذا كانت هذه الأمور جاءت لسبب فلنجعل هذا السبب في محله فقط، ولا نأتي لنزعم أو لنعتقد، كما يحدث من بعض الناس عندما يتابع الأخبار، فيحب هؤلاء النصارى ويواليهم، ويظن أنهم فيهم الخير الكثير وفيهم المحبة والشفقة إلى آخره، هذا خطأ، خطأ أن ينقلب هذا الأمر إلى موالاة لغير الله ، وإنما نحصر الأمر في مكانه، نحدث ونعلم أن العصمة لنا ولبلادنا ولبلاد المسلمين إنما هي بعدة أموره منها -وعلى رأسها- عبادة الله والتوكل عليه.
ومنها تحكيم شرع الله ، والأخذ على يد السفهاء، فإذا حكمنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حتى ولو وصفه الواصفون بأن القطع رجعية، وأن الرجم رجعية وتأخر فالله ليهابنا الأعداء كما هو واقع، يهابنا الأعداء في كل مكان، ولكن المشكلة أننا نرى بعض الصحفيين جاؤوا ليكتبوا على إثر الأزمة وليقولوا: يجب أن نراجع أمورنا ومسلماتنا.
وما هي مسلماتنا التي نراجعها؟ تحكيم القرآن نراجعه، الحكم بالشريعة الإسلامية نراجعه، الاعتماد على الله وعبادته وحده لا شريك له نراجعه، هكذا يدخل العلمانيون وأذناب القوميين وغيرهم في سلك الصحف ليقولوا: يجب أن نراجع هذه الأصول، تبين لنا أن الحكم بالشريعة لا ينفعنا وقت الأزمات.
وهذا كلام خطير فعلينا أن نعتصم بالله، وأن نتوكل على الله، وأن نكون ممن يزن الأمور بميزانها القرآني الصحيح.
стр. 307
طلب الدواء لا ينافي التوكل على الله
السؤال
مرض الرجل فلم يتداو، وإذا سئل عن ذلك ذكر حديث من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويقول: الحديث واضح، وظاهره يقول: (لا يسترقون) أي: لا يتداوون.
فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
أولاً: يجب أن نعلم أن هذا الحديث ورد في معرض الخبر عن هؤلاء، بأنه بلغ بهم التوكل على الله أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث لا يؤخذ لوحده، وإنما تؤخذ الأحاديث الأخرى التي فيها أن النبي ﷺ تداوى وأوصى أصحابه بالتداوي، فإذا جمعنا هذه الأحاديث تبين لنا أن التداوي وطلب الدواء أمر مشروع، ولا يخالف سنة النبي ﷺ .
стр. 308
أحوال وأهوال
اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل الدنيا دار عمل، فإذا انتهى الناس من الأعمال أقيم لهم بعد موتهم يوم يحاسبون ويجازون فيه بأعمالهم، وذلك اليوم هو اليوم الآخر، وتبدأ مشاهده من لحظات فراق الدنيا، فحينئذ يعلم العبد ما هو مقبل عليه من أمره، وقد أخبرنا الله تعالى وأخبرنا رسوله ﷺ عن اليوم الآخر بأخبار مليئة بالأحداث والمشاهد والصور المفزعة، ولا شك أن ذلك كله حادث، وسيعقبه الجزاء الأخير على العمل، فأهل الصلاح إلى جنة النعيم والرضوان، وأهل الشقاء إلى الجحيم والنيران.
стр. 309
تميز القرآن والسنة بتفصيل أحوال يوم القيامة وأهواله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فحديثنا في هذه الوريقات بعنوان: (أحوال وأهوال)، وهذا الموضوع نحتاج إليه في هذا الزمان؛ لأن الفتن تنوعت طرائقها، وامتحان القلوب تعددت مداخله، في ظل عولمة مادية طاغية تريد أن تهلك الحرث والنسل، وأن تدخل إلى البيوت والقلوب لتغيرها وتفسد ما بقي فيها من خير وإيمان وطاعة لله .
كان المصطفى ﵌ يعلم أصحابه أن يتعرفوا على تلك الأحوال والأهوال، وجاء في كتاب الله ﵎ وفي سنة المصطفى ﵊ التفصيلات الكاملة التي لا توجد في غيرهما، فإذا جئت إلى التوراة وإلى الإنجيل وما يتبعهما من الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى لا تجد الحديث عن هذه الأحوال والأهوال إلا حديثاً هو نزر قليل، ومن ثم رأينا في عالم اليوم -وخاصة عند النصارى وهم الكثرة الغالبة اليوم -رأينا مادية طاغية تظهر آثارها مشرقاً ومغرباً.
أما نحن المسلمين فقد أكرمنا ربنا وأنعم علينا بالإسلام الذي جاءت فيه تفاصيل تلك الأحوال والأهوال وكأنما نراها رأي العين، لمن ألقى السمع وهو شهيد.
وما يكون لمثلي وأنا العبد الفقير المذنب المقصر أن أنقل إليك بعضاً من هذه الأحوال والأهوال، وأسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياك في تلك الأحوال والأهوال من العاملين الفرحين المسرورين الفائزين.
أيها الأخ المسلم! سنتحدث إن شاء الله تعالى عن بعض من مظاهر هذه الأحوال والأهوال، ولكن ينبغي أن يستقر في نفس كل واحد منا وهو يقرأ عرضاً مختصراً عن بعضها وأحداثها استشعار حقائق تلك الأهوال والأحوال، ويصور نفسه وكأنه ذلك الذي تتحدث عنه الحادثة، أو تشرح حاله الآية، أو يبين أمره حديث المصطفى ﵌.
أظنك عرفت المقصود بالأحوال والأهوال، فإنها -والله- ما زال يعيشها ويعيش أحداثاً منها أناس من آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأقرب الناس إلينا، فإن بعض الأحداث من تلك الأحوال والأهوال عاشها من سبقنا، ولكن بقينا نحن وبقيت في الأحوال والأهوال أحداث قادمة سيقدم عليها جميع العباد.
وسنقف وقفات قصيرة ولمحات؛ لأن الأحوال والأهوال يطول بعرضها المقام، ولذا سننتخب منها انتخابا، ونسأل الله ﵎ أن يوقظ قلوبنا جميعاً، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال والنيات.
سنتحدث عن أحوال وأهوال حول الموت والقبور ويوم القيامة والجنة والنار، فهل تحركت القلوب لتلك الحقائق التي لا شك فيها كما أنكم تنطقون.
стр. 310
الموت وأهواله
تعال نقف -أيها الأخ- مع بعض تلك الأحوال والأهوال، ونبدأها بذلك الأمر الذي كتبه الله على جميع الخلائق، إنه الموت الحق الذي لا شك فيه، والدليل الذي نشاهده كل يوم بأعيننا، نودع فيه أناساً كثيرين من الأحباب والأصحاب، بل حتى من الأعداء؛ لأن سنة الله فيه أن الله كتبه على الجميع ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
стр. 311
لحظات الوفاة
وأول حدث من أحداث الموت هو أن الإنسان إذا جاءه الموت فقبل قبض روحه تحضر ملائكة الموت، فملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صور فظيعة مخيفة.
ففي حديث البراء بن عازب عند أبي داود وغيره -وهو حديث صحيح- يقول فيه الصادق المصدوق ﵌: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط -وهو الطيب وما يتبعه مما يوضع بين الأكفان- من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد بصره)، وهذا كله قبل الموت عند حضور موت المؤمن، وهذا دليله قول الله ﵎ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، إنها حالة الموت يبشر بها المؤمن بالله ، ويا لها من حالة ما أطيبها للمؤمن وإن كان أهله وأحبابه من ورائه في ألم شديد، لكن شتان بين الحالتين، أولاد وأحباب يبكون، والميت مبتسم يستقبل الملائكة بهذه الأشكال الطيبة، إنه فرح مسرور في لحظة هي من أشد اللحظات التي تمر على الإنسان.
قال ﵌: (ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: يا أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: يا أيتها النفس المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان.
قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها)، هذه حالة للمؤمن الصادق.
أخي في الله! تعال إلى حالة مقابلة لها، هي من الأهوال الفظيعة، يقول الصادق المصدوق في نفس الحديث: (وإن العبد الكافر -وفي رواية: الفاجر- إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه، معهم المسوح)، والمسوح هي ما يلبس من الشعر من الألبسة والأكسية الغليظة، تلك التي يلبسها البعض تقشفاً؛ قال: (معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده)، يعني أن الروح يصيبها الرعب من هذا الخطاب الرهيب فتنكص إلى الجسد لا تريد أن تخرج؛ لأنها إنما تقبل على غضب من الله، قال: (فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، قال: فتتقطع معها العروق والعصب)، يعني أن ملك الموت ينزع هذه الروح الخبيثة نزعاً من أعماق العروق والعصب، ويا لها من رحلة لهذه الروح حين تخرج هذا المخرج الذي وصفه لنا رسولنا ﵌.
ومصداق حضور الملائكة سود الوجوه قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال:٥٠ - ٥١].
стр. 312
حالات الناس في السكرات
حالة أخرى هي سكرات الموت، ويكفي في بيان سكرات الموت أن سيد المرسلين ﵌ لما جاءه الموت كانت عنده ركوة فيها ماء، فكان ﵌ يدخل يده في الركوة ويمسح بها جبينه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)، وإذا كان هذا رسول الله ﷺ فكيف بحال من عداه، ثم كيف بنا نحن المساكين المذنبين! ومن هنا فإن أعظم من يعاني من السكرات الكفار، فإنهم يعانون من السكرات أشدها، وتلك عقوبات تكون لهؤلاء معجلة؛ لأنهم كفروا بالله وبيوم الحساب.
وفي حال السكرات تكون للناس حالتان: الحالة الأولى: الكافر والعاصي يتمنيان الرجعة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فالكافر يتمنى العودة ليسلم ويؤمن بالله، وأما العاصي فإنه يتمنى العودة ليتوب مما فرط فيه من الذنوب والمعاصي في حياته الدنيا.
أما الحالة الثانية: فإن المؤمن يفرح بلقاء ربه، وكيف لا يفرح والملائكة تتنزل عليه بتلك الصور المشرقة تبشره؟ روى البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﵌ أنه قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).
إنه حديث مؤثر في النفس؛ لأننا جميعاً نكره الموت ونفر من الموت، فهل نحن جميعاً من الصنف الثاني؟ لا.
لقد كانت بصائر أصحاب رسول الله ﵌ على نور من ربها، فعندما قال المصطفى هذا الحديث قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إنا لنكره الموت.
تعني: ما الصنيع؟ فإذا كنت تقول: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فإننا نكره الموت بالطبيعة والجبلة، فقال المصطفى ﵊ موضحاً ومفرجاً للهموم: (ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه)، وعليه فالموت هو عنوان اللقاء، واللقاء إنما يكون يوم القيامة، فالمؤمن يبشر بالرضوان فيفرح ويستبشر فيحب ما أمامه ويفرح به، فإذا أحب لقاء الله أحب الله لقاءه؛ قال: (وأما الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره مما أمامه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه).
وروى أبو سعيد الخدري -كما في صحيح البخاري - أن النبي ﷺ قال: (إن الجنازة إذا احتملها الرجال إن كانت صالحة قالت: قدموني.
وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها -وأهلها في الغالب هم حملة نعشها-: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق)، إنها حالة الموت وسكرات الموت، فأين تختار يا عبد الله ويا أمة الله؟ حالتان للموت لا ثالثة لهما، حالة البشرى والسعادة، وحالة البؤس والشقاء، أما المشمرون في مسألة سكرات الموت، فقد روى الترمذي في حديث حسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة) إنها المجازاة، قدم نفسه لربه ﵎ فأعاضه الله ألا يكون معه من السكرات إلا ألم القرصة، فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يرزق الشهادة في سبيله.
стр. 313
حالات الناس في حسن الخاتمة وسوئها
وفي لحظة الموت تبرز حالتان كبريان ينقسم إليهما الناس: الأولى منهما: حسن الخاتمة.
والثانية: سوء الخاتمة.
وأبدأ بسوء الخاتمة، أسأل الله أن يعافني وإياكم منها.
سوء الخاتمة -أيها الأخ في الله- أن يأتي الموت الإنسان وهو غير مستعد له، وأعظم ما يكون من سوء الخاتمة الموت وهو على ضلالة وكفر ونفاق، أو على معصية، نسأل الله السلامة والعافية، فسوء الخاتمة على درجتين: أعلاهما وأخطرهما: أن يموت على شرك أو كفر، أو يموت جاحداً أو شاكاً في دين الإسلام، أو تاركاً للصلاة ونحو ذلك، فهذه خاتمة عنوانها هو الخسران المبين.
وحالة أخرى دونها: وهي أن يموت على الإسلام، لكن يموت مصراً على المعاصي غير تائب، فهذا له الحسرة بحسب ذلك، وحسبك بإنسان يموت وهو على مسكر، أو على عقوق والدين، أو ذاهب لخنى وفجور، أو يردد أغنية ماجنة، أو غير ذلك من أحوال سوء الخاتمة، نسأل الله السلامة والعافية.
وسوء الخاتمة لها أسباب يجب أن يقف عندها كل مسلم، ومنها فساد الاعتقاد، والإصرار على المعاصي، وسلوك طريق أهل الاعوجاج، والتعلق بالدنيا وعبادتها، ونسيان الآخرة، ومرافقة أصحاب السوء الذين قد يموت الإنسان وهو معهم.
أما الحالة الأخرى: فهي حسن الخاتمة التي تكون للمؤمنين الموفقين، وكم سمعنا من أحوال الصالحين الطيبة، ذلك الصالح الذي أحسن الله له الختام فاستعد لما أمامه بتوبة لربه ، فذاك يموت في سبيل الله، وآخر يموت مهاجراً إلى الله ورسوله، وثالث يموت وهو ذاهب إلى الحج أو راجع منه، ورابع يموت وهو ذاهب إلى الدعوة إلى الله .
وقد أُخْبِرتُ عن مجموعة من الأخيار ذهبوا إلى الدعوة إلى الله في أقصى هذه البلاد، وبينما هم مسافرون لخطبة الجمعة وإلقاء بعض الدروس إذا بالحادث يأتي فيموت اثنان منهم ويصاب الثالث، أسأل الله ﵎ أن يتغمد الميتين برحمة منه وفضل، وأن يرزق الثالث الشفاء العاجل، إنها علامة -فيما نحسبهم والله حسيبهم- على حسن الخاتمة.
حال يموت فيها مؤمن وهو يصلي لله رب العالمين، رجل خطب الجمعة ثم لما صلى بالناس مات في السجود في الركعة الثانية، وآخر جلس يصلي لصلاة الظهر وبينما هو يصلي إذا به في الركعة الثالثة يسجد السجود الأخير، إنها من علامات حسن الخاتمة، وآخر ينتظر الصلاة فتذهب الروح إلى ربها وهو يسبح لله رب العالمين.
أحوال طيبة مباركة، أحوال خيرة، ما أسعد أصحابها أيها الأخ في الله! أما الاستعداد لحسن الخاتمة فمن وفقه الله ﵎ لذلك فليبادر إلى مسيرة جديدة، وإلى توبة نصوح قبل أن يأتيه الموت، ولا بد أنه آت ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩].
стр. 314
أهوال القبور وأحوالها
ثانياً: القبور أهوالها وأحوالها: مات الميت واحتمله أهله، مات الميت وسارع بحمله أهله، فأحب الناس إليه يسارعون في نقله إلى ظلمة القبر، هل رأيت حالة أعجب من هذه الحالة أيها الأخ في الله؟! هل رأيت حالة أعجب من أن يسارع إلى إنزاله في ظلمة القبر أحب الناس إليه؟! هل تدبرت هذه الحال وتصورت أنك أنت صاحب الحال؟ القبر حقيقة لا شك فيها، لكن تعال لنقف عند بعض أهوالها وأحوالها: القبر مظلم، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح أنه ﵊ سمع بامرأة كانت تقم المسجد أنها ماتت، ولم يعلموه بموتها، فسأل عنها، ثم ذهب إلى قبرها فصلى عليها بعد دفنها، ثم قال ﵊: (إن هذه القبور مليئة ظلمة على أهلها، وإن الله منورها لهم بصلاتي عليهم)، فصلى الله على هذا النبي الكريم الذي يسأل عن أمة سوداء ماتت لم يعرف بموتها إلا القليل.
ظلمة القبر هي التي أقضت مضاجع الصالحين، كان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: يا أمير المؤمنين! تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟! فقال ﵁: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: (القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه).
قال ﵁: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه) رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح.
ظلمة القبر ومنظر القبر حقيقة ستكون داخلها -أخي في الله- قرب الزمان أو بعد، فأعد لذلك المقام مقالا، فسيدخل الإنسان في قبره، فالمؤمنون يدخلون القبور، بل سيد المرسلين ﷺ دفنه أحبابه في القبر وأهالوا عليه التراب، ولما رجعوا قالت فاطمة ﵂: كيف سمحت لكم نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! هذا القبر يدفن فيه كذلك الكفار؛ لأن غالب الكفار يستخدمون القبور إلا النادر منهم، ثم إن القبر حالة برزخية لا ينفك عنها من دفن ومن لم يدفن، ولذا فإن من أهوال القبر ضمة القبر، روى النسائي وغيره -وهو حديث صحيح- في قصة موت سعد بن معاذ ﵁ الذي اهتز عرش الرحمن لموته أنه قال: (لقد ضم ضمة ثم فرج عنه)، وقال ﵊: (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا سعد بن معاذ)، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ) رواه الإمام أحمد، فهل ينجو منها أحد؟ عن أنس مرفوعاً أن النبي ﷺ قال: (لو أفلت أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي)، فما موقعك -يا عبد الله- إذا وضعت في القبر وضمك القبر ضمة، هل تراك ناجياً بعد ذلك؟! وفي القبر فتنة القبر وسؤال الملكين، فلا ينجو من السؤال أحد، تسأل الأسئلة الكبرى: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالناس على حالتين: مجيب يتحول القبر بعده إلى روضة من رياض الجنة، يفتح له فيه مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها وريحانها.
وآخر لا يجيب على الأسئلة الواضحة وضوح الشمس، فيضرب بمطرقة من حديد فيصرخ صرخة يسمعها جميع المخلوقات إلا الثقلين، ولو سمعناها ما تدافنا، كما قال ﷺ .
وهنا -أيها الأخ- يكون عذاب القبر ونعيمه، حالتان من حالات القبر تستمران مع عباد الله إلى يوم يبعثون، فالكفار يتحول القبر عليهم إلى حفرة من حفر نار جهنم ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، الكفار في لهيب النار، وإن كنا إذا نظرنا إلى القبر لا نرى شيئاً، فهو عذاب برزخي، أما المؤمنون الصادقون فما أطيب مقعدهم! أحباب الميت يرجعون إلى بيوتهم أسفين حزينين، والواحد منهم ربما رجع من الباب الآخر فرحاً أنه نجا من الموت، ولكنه لم يعلم أن أخاه الذي مات على الإيمان والطاعة أحسن حالاً وأطيب منزلاً من قصره المعمور، حالة حقيقية لا شك فيها وهي أن قبر المؤمن يتحول إلى روضة من رياض الجنة.
стр. 315
مشاهد يوم القيامة
ثالثاً: يوم القيامة:
стр. 316
أوصاف يوم القيامة
يبقى الناس في قبورهم من مات ومن سيموت ومن تقوم عليهم الساعة، يبقون في قبورهم ما شاء الله ﵎ على تلك الحال إلى يوم القيامة، ويوم القيامة جاء تفصيل أحداثه في كتاب الله تعالى، وجاءت له أسماء معبرة، فهو يوم القيامة، وهي الساعة، وهي الحاقة، وهي الآزفة، وهو يوم التناد إلى آخر أسماء يوم القيامة.
لكن هناك أسماء تدل على هول ذلك اليوم، فيكفي أن يصفه ربنا ﵎ بأنه يوم عظيم، قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].
وهو يوم ثقيل ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧].
وهو يوم عسير، قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩ - ١٠].
هذا اليوم تجتمع فيه الأهوال من كل جانب، وهو يوم الرعب والفزع العظيم، ووالله إن تصوير ذلك اليوم لا يستقيم التعبير عنه أمام كلام الله ﵎ لأحد، فاقرأ القرآن تعرف حقائق ذلك اليوم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
وهو يوم تشخص فيه أبصار الظلمة على مختلف أنواع ظلمهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]، شاخص البصر لا يرتد إليه طرفه من شدة الهول.
وهو يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].
وهو يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم يجعل الولدان شيباً، إنه يوم عظيم، فهل أحضرت في ذهنك ذلك اليوم العظيم وتصورت نفسك واحداً من ذلك الجمع الكبير؟ ما هي حالك يا عبد الله؟ ويكفي في هول ذلك اليوم أنه يوم طويل جداً، نحن في الدنيا نعيش سنوات معدودات، لكن ذلك اليوم قال تعالى عنه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وبعد أن يكسى إبراهيم يكسى محمد ﷺ ثم الأنبياء ثم المؤمنون.
أما الكفار والفجار فهل يكسون يوم القيامة؟
الجواب
لا.
ولكن يسربلون بسرابيل القطران ودروع الجرب من نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 317
الحساب ودواوينه
وننتقل مختصرين إلى حالة أخرى من أحوال وأهوال يوم القيامة، ألا وهي الحساب ودواوين الحساب: تصور نفسك واقفاً للحساب وللجزاء، تلاقي ربك ليس بينك وبينه ترجمان، ويكلمك ربك بأعمالك، ويُنشَر كتاب بسطت فيه أعمالك لا يترك الكتاب منها شيئاً، كما قال تعالى عن المجرمين: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، ويبدأ الحساب والمحاضرة الربانية، فماذا عملت في دنياك؟ أيها الأخ في الله! يحاسب الله العباد في ساعة واحدة، كما يبعثهم في ساعة واحدة، إنه الله الذي لا إله إلا هو ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
وفي الحساب ثبت عن النبي ﷺ أن الدواوين ثلاثة، فقف معها -يا أخي- وقفة متأمل: ديوان لا يقبل الله معه صرفاً ولا عدلاً: إنه ديوان الشرك والكفر إذا مات العبد عليه، فلا يكتب له حسنات ولا عمل صالح، ومهما عمل الصالحات في دنياه فإنها تكون هباء منثوراً، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهل تصورت فظاعة الموت على الشرك بالله؟ هل تصورت فظاعة الموت على الكفر بالله ؟ إنه الوقوف العظيم بين يدي الله ﵎ حيث لا يقبل الله مع الكفر صرفاً ولا عدلاً، هذا الديوان الأول، فيا أخي في الله في مشارق الأرض ومغاربها! اتق الله وابتعد عن الشرك أكبره وأصغره، اتق الله ولا تشرك بالله شيئاً ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، اتق الله ولا تتعلق بغير الله من ولي أو صاحب قبر أو طاغوت، اتق الله وأخلص التوحيد لربك؛ فإن الأمن يوم القيامة لا يكون إلا للمؤمنين الموحدين.
الديوان الثاني: ديوان لا يترك الله منه شيئاً، فلا بد من تدقيق الحساب فيه، وهو حقوق العباد بعضهم على بعض، فيوم القيامة يبنى على المشاحة، لا قريب ولا صديق، ومن ثم فكل إنسان يريد حقه لأنه خائف، ومن ثم فالحقوق بين العباد لا يترك الله منها شيئاً، حق مال، أو حق عرض، أو حق دم، أيما حق عليك لأي أحد من أهل الجنة أو من أهل النار فوالله لتحاسبن عليه في هذا اليوم في ذلك الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، وإنما يقتص العباد بعضهم من بعض.
فهل تدبرت تاريخك وحياتك مع عباد الله وتذكرت يوم تقف بين يدي الله ؟ فيا من تعادي إخوانك المؤمنين وتكيد لهم! ألا تعلم أنهم سيأخذون حقوقهم منك يوم القيامة؟ فتب إلى الله ، فإن هذا ديون عظيم أيها الأخ المسلم.
وأما الديوان الثالث: فهو ديوان بعد ذينك الديوانين، فمن نجح في الديوان الأول وهو التوحيد الخالص لله، ثم صفى الديوان الثاني وهو حقوق العباد، فالديوان الثالث هو ما بين العبد وبين ربه، فمن رحمة الله للعبد المؤمن أن هذا الديوان لا يترك الله منه شيئاً، فيغفره جميعه لعبده المؤمن، فأين أنت من ربك الغفور الرحيم؟ أين أنت من حسن الظن بربك ؟ اللهم آمنا في ذلك اليوم واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين.
стр. 318
انحلال العلاقات الدنيوية يوم القيامة
ومن الأهوال -أيها الأخ في الله- هول عجيب، هول إذا عشنا صورة منه في الدنيا تكاد الأفئدة تتقطع، ألا وهو علاقة القرابة والأحبة، تأمل أحوال الناس في هذه الرابطة الدنيوية، كيف أن الأم تموت حسرة وكمداً خوفاً على وليدها، والأب كذلك، والزوج والزوجة والأخ والأخت، فلاحظ معي -أيها الأخ- في هذه الدنيا كيف أن الإنسان يقدم لمن يعز عليه نفسه فداءً، وهذا موجود والحمد لله.
فالأم دائماً دعاؤها أن لا تذوق يوم وفاة ولدها، أن تموت هي قبله فتفديه بنفسها، والأب والزوج والزوجة، لكن إذا جاء يوم القيامة فالهول فظيع جداً أيها الأخ في الله، فالأنساب تتقطع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، بل والله -أيها الأخ- إن هول ذلك اليوم لأشد من ذلك، ليته اقتصر على تقطع الأنساب في ذلك اليوم، إنه أعظم هولاً وأفظع، إن من صور هول ذلك اليوم أن المجرم يود لو يفتدي من عذاب جهنم بأحبته، فهل تصورت ذلك اليوم الذي يتمنى أن ينجو فيه وأن يقذف بأمه وأبيه وصاحبته في نار جهنم! قال الله ﵎: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يعني أنهم في ذلك اليوم يرون الحقائق (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١١ - ١٦]، ولا يمكن أن يفتدى.
ويجوز أن يفتدي الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً، لكن أن يفدي المجرم نفسه بأحبته فهذا والله هول شديد، يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس:٥٤]، إذاً لماذا تظلم اليوم من أجل الأرض والمال ومتاع الدنيا الزائل، ألا تتذكر -يا عبد الله- أنك في يوم القيامة لا تتمنى قليلاً من المال لتفتدي به، وإنما تتمنى ما في الأرض جميعاً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨] فالظالمون والكافرون يتمنى أحدهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به، لكن أنى له ذلك؟ ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨].
أما الكافر فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١]، ثم هأنت تبيع دينك لأجل عرض من الدنيا! روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ الله عليه وسلم قال: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم.
فيقال: كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك، سألتك أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك).
стр. 319
صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وأبأسهم في الجنة
وفي أهوال يوم القيامة صور متنوعات عجيبات، سنقف مع مواقف مختصرة منها، ولا أريد أن أقول: صغيرة لأنها -والله- أهوال كبيرة.
موقف يجتمع فيه الخلائق، ثم يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، وتأمل كيف أن هذا الموقف سيكون أمام العالم كله، أمام الأولين والآخرين، فقبل دخولهم النار يؤتى بأنعم أهل الدنيا، ولك أن تتصور أنعم أهل الدنيا وما الذي اجتمع له من الجاه والسلطان والمال والبساتين إلى آخر النعم التي تتصور، يؤتى به يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة واحدة في ثانية أو أقل من ثانية، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله -يا رب- ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم قط.
نسي نعيم الدنيا.
وصورة أخرى مقابلة، يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة ممن اجتمع عليه المرض والفقر والجوع والابتلاء إلخ، ثم يصبغ صبغة في الجنة، فيقال له والناس يسمعون: هل رأيت بؤساً؟ هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت بؤساً وما مر بي بؤس.
مشاهد عظيمة من مشاهد يوم القيامة، والناس ينظرون وينتظرون بقية الحساب.
стр. 320
موقف الفرط المحتسب
وهناك مشهد آخر هو مشهد الصبي الذي مات قبل البلوغ، لكن أباه مؤمن وأمه مؤمنة، فاحتسبا أجره عند الله وصبرا: تصور صبياً يوم القيامة يبحث في ذلك الهول الفظيع؛ إنه يبحث عن والديه، فيمسك بهما والله أعلم ما حال والديه، فقد يكونان مقصرين، وقد يكونان مذنبين، لكن الصبي يأخذ بهما ويشفع عند ربه ويقول: يا رب! لا أدخل الجنة إلا مع والدي، فيشفعه الله فيهما، لاحتساب الأجر عند الله والصبر عنده.
следующие страницы →