← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أوصاف يوم القيامة يبقى الناس في قبورهم من مات ومن سيموت ومن تقوم عليهم الساعة، يبقون في قبورهم ما شاء الله ﵎ على تلك الحال إلى يوم القيامة، ويوم القيامة جاء تفصيل أحداثه في كتاب الله تعالى، وجاءت له أسماء معبرة، فهو يوم القيامة، وهي الساعة، وهي الحاقة، وهي الآزفة، وهو يوم التناد إلى آخر أسماء يوم القيامة. لكن هناك أسماء تدل على هول ذلك اليوم، فيكفي أن يصفه ربنا ﵎ بأنه يوم عظيم، قال تعالى: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦]. وهو يوم ثقيل ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]. وهو يوم عسير، قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩ - ١٠]. هذا اليوم تجتمع فيه الأهوال من كل جانب، وهو يوم الرعب والفزع العظيم، ووالله إن تصوير ذلك اليوم لا يستقيم التعبير عنه أمام كلام الله ﵎ لأحد، فاقرأ القرآن تعرف حقائق ذلك اليوم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. وهو يوم تشخص فيه أبصار الظلمة على مختلف أنواع ظلمهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]، شاخص البصر لا يرتد إليه طرفه من شدة الهول. وهو يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر، قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨]. وهو يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم يجعل الولدان شيباً، إنه يوم عظيم، فهل أحضرت في ذهنك ذلك اليوم العظيم وتصورت نفسك واحداً من ذلك الجمع الكبير؟ ما هي حالك يا عبد الله؟ ويكفي في هول ذلك اليوم أنه يوم طويل جداً، نحن في الدنيا نعيش سنوات معدودات، لكن ذلك اليوم قال تعالى عنه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وبعد أن يكسى إبراهيم يكسى محمد ﷺ ثم الأنبياء ثم المؤمنون. أما الكفار والفجار فهل يكسون يوم القيامة؟ الجواب لا. ولكن يسربلون بسرابيل القطران ودروع الجرب من نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 317

الحساب ودواوينه وننتقل مختصرين إلى حالة أخرى من أحوال وأهوال يوم القيامة، ألا وهي الحساب ودواوين الحساب: تصور نفسك واقفاً للحساب وللجزاء، تلاقي ربك ليس بينك وبينه ترجمان، ويكلمك ربك بأعمالك، ويُنشَر كتاب بسطت فيه أعمالك لا يترك الكتاب منها شيئاً، كما قال تعالى عن المجرمين: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، ويبدأ الحساب والمحاضرة الربانية، فماذا عملت في دنياك؟ أيها الأخ في الله! يحاسب الله العباد في ساعة واحدة، كما يبعثهم في ساعة واحدة، إنه الله الذي لا إله إلا هو ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. وفي الحساب ثبت عن النبي ﷺ أن الدواوين ثلاثة، فقف معها -يا أخي- وقفة متأمل: ديوان لا يقبل الله معه صرفاً ولا عدلاً: إنه ديوان الشرك والكفر إذا مات العبد عليه، فلا يكتب له حسنات ولا عمل صالح، ومهما عمل الصالحات في دنياه فإنها تكون هباء منثوراً، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فهل تصورت فظاعة الموت على الشرك بالله؟ هل تصورت فظاعة الموت على الكفر بالله ؟ إنه الوقوف العظيم بين يدي الله ﵎ حيث لا يقبل الله مع الكفر صرفاً ولا عدلاً، هذا الديوان الأول، فيا أخي في الله في مشارق الأرض ومغاربها! اتق الله وابتعد عن الشرك أكبره وأصغره، اتق الله ولا تشرك بالله شيئاً ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، اتق الله ولا تتعلق بغير الله من ولي أو صاحب قبر أو طاغوت، اتق الله وأخلص التوحيد لربك؛ فإن الأمن يوم القيامة لا يكون إلا للمؤمنين الموحدين. الديوان الثاني: ديوان لا يترك الله منه شيئاً، فلا بد من تدقيق الحساب فيه، وهو حقوق العباد بعضهم على بعض، فيوم القيامة يبنى على المشاحة، لا قريب ولا صديق، ومن ثم فكل إنسان يريد حقه لأنه خائف، ومن ثم فالحقوق بين العباد لا يترك الله منها شيئاً، حق مال، أو حق عرض، أو حق دم، أيما حق عليك لأي أحد من أهل الجنة أو من أهل النار فوالله لتحاسبن عليه في هذا اليوم في ذلك الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً، وإنما يقتص العباد بعضهم من بعض. فهل تدبرت تاريخك وحياتك مع عباد الله وتذكرت يوم تقف بين يدي الله ؟ فيا من تعادي إخوانك المؤمنين وتكيد لهم! ألا تعلم أنهم سيأخذون حقوقهم منك يوم القيامة؟ فتب إلى الله ، فإن هذا ديون عظيم أيها الأخ المسلم. وأما الديوان الثالث: فهو ديوان بعد ذينك الديوانين، فمن نجح في الديوان الأول وهو التوحيد الخالص لله، ثم صفى الديوان الثاني وهو حقوق العباد، فالديوان الثالث هو ما بين العبد وبين ربه، فمن رحمة الله للعبد المؤمن أن هذا الديوان لا يترك الله منه شيئاً، فيغفره جميعه لعبده المؤمن، فأين أنت من ربك الغفور الرحيم؟ أين أنت من حسن الظن بربك ؟ اللهم آمنا في ذلك اليوم واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين.

стр. 318

انحلال العلاقات الدنيوية يوم القيامة ومن الأهوال -أيها الأخ في الله- هول عجيب، هول إذا عشنا صورة منه في الدنيا تكاد الأفئدة تتقطع، ألا وهو علاقة القرابة والأحبة، تأمل أحوال الناس في هذه الرابطة الدنيوية، كيف أن الأم تموت حسرة وكمداً خوفاً على وليدها، والأب كذلك، والزوج والزوجة والأخ والأخت، فلاحظ معي -أيها الأخ- في هذه الدنيا كيف أن الإنسان يقدم لمن يعز عليه نفسه فداءً، وهذا موجود والحمد لله. فالأم دائماً دعاؤها أن لا تذوق يوم وفاة ولدها، أن تموت هي قبله فتفديه بنفسها، والأب والزوج والزوجة، لكن إذا جاء يوم القيامة فالهول فظيع جداً أيها الأخ في الله، فالأنساب تتقطع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، بل والله -أيها الأخ- إن هول ذلك اليوم لأشد من ذلك، ليته اقتصر على تقطع الأنساب في ذلك اليوم، إنه أعظم هولاً وأفظع، إن من صور هول ذلك اليوم أن المجرم يود لو يفتدي من عذاب جهنم بأحبته، فهل تصورت ذلك اليوم الذي يتمنى أن ينجو فيه وأن يقذف بأمه وأبيه وصاحبته في نار جهنم! قال الله ﵎: (يُبَصَّرُونَهُمْ) يعني أنهم في ذلك اليوم يرون الحقائق (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١١ - ١٦]، ولا يمكن أن يفتدى. ويجوز أن يفتدي الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً، لكن أن يفدي المجرم نفسه بأحبته فهذا والله هول شديد، يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس:٥٤]، إذاً لماذا تظلم اليوم من أجل الأرض والمال ومتاع الدنيا الزائل، ألا تتذكر -يا عبد الله- أنك في يوم القيامة لا تتمنى قليلاً من المال لتفتدي به، وإنما تتمنى ما في الأرض جميعاً، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨] فالظالمون والكافرون يتمنى أحدهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدي به، لكن أنى له ذلك؟ ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:١٨]. أما الكافر فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٩١]، ثم هأنت تبيع دينك لأجل عرض من الدنيا! روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ الله عليه وسلم قال: (يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال: كنت سألتك ما هو أيسر من ذلك، سألتك أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك).

стр. 319

صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وأبأسهم في الجنة وفي أهوال يوم القيامة صور متنوعات عجيبات، سنقف مع مواقف مختصرة منها، ولا أريد أن أقول: صغيرة لأنها -والله- أهوال كبيرة. موقف يجتمع فيه الخلائق، ثم يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، وتأمل كيف أن هذا الموقف سيكون أمام العالم كله، أمام الأولين والآخرين، فقبل دخولهم النار يؤتى بأنعم أهل الدنيا، ولك أن تتصور أنعم أهل الدنيا وما الذي اجتمع له من الجاه والسلطان والمال والبساتين إلى آخر النعم التي تتصور، يؤتى به يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة واحدة في ثانية أو أقل من ثانية، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله -يا رب- ما رأيت خيراً قط، وما مر بي نعيم قط. نسي نعيم الدنيا. وصورة أخرى مقابلة، يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة ممن اجتمع عليه المرض والفقر والجوع والابتلاء إلخ، ثم يصبغ صبغة في الجنة، فيقال له والناس يسمعون: هل رأيت بؤساً؟ هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت بؤساً وما مر بي بؤس. مشاهد عظيمة من مشاهد يوم القيامة، والناس ينظرون وينتظرون بقية الحساب.

стр. 320

موقف الفرط المحتسب وهناك مشهد آخر هو مشهد الصبي الذي مات قبل البلوغ، لكن أباه مؤمن وأمه مؤمنة، فاحتسبا أجره عند الله وصبرا: تصور صبياً يوم القيامة يبحث في ذلك الهول الفظيع؛ إنه يبحث عن والديه، فيمسك بهما والله أعلم ما حال والديه، فقد يكونان مقصرين، وقد يكونان مذنبين، لكن الصبي يأخذ بهما ويشفع عند ربه ويقول: يا رب! لا أدخل الجنة إلا مع والدي، فيشفعه الله فيهما، لاحتساب الأجر عند الله والصبر عنده.

стр. 321

موقف الشهيد من الشفاعة وهناك مشهد آخر، فالشهيد ورد أنه يشفع لسبعين من أهل بيته، فلك أن تتصور كيف حال الشهيد مع أهل بيته في عرصات القيامة، فيختار منهم سبعين يطلب لهم الشفاعة ويشفعه الله فيهم، فهل سيقدم على والديه أحداً؟ هل سيقدم على زوجه وأولاده أحداً؟ الجواب لا. لكن سينتقل أيضاً إلى الآخرين، ولك أن تتأمل حالك -يا عبد الله- وأحد أقربائك من الشهداء وأنت في هول فظيع، وهو صاحب لك في الدنيا يعرفك، أراك ستقبل عليه تريه وجهك لعله يتذكرك فيعدك من السبعين الذين يطلب الشفاعة لهم، فما حال ذلك الذي يسخر من الشهداء في سبيل الله ويقول: فلان مجنون راح للجهاد ومات فيه، أمه مسكينة ذهب ولدها ومات في سبيل الله، لكن أن يموت في حادث سيارة أو يموت مدمناً للمخدرات، فهذا حدث عادي لا يستنكره الناس.

стр. 322

تصنيف وتمييز أهل الجنة والنار ويجتمع العباد ويأتي الهول الفظيع، وسأحكي الحديث لأنه يصور الأمر صورة واضحة تماماً، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﵌ قال: (يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك. ثم يقول الله: أخرج بعث النار. قال -أي آدم-: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال ﷺ : فذاك حين يشيب الصغير، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الرجل؟ ولكن البشير ﷺ قال لهم: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجلاً. ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة. ثم قال: شطر أهل الجنة). مشهد فظيع (أخرج بعث النار يا آدم) وهو أبو البشر، فما حالك يا عبد الله؟ هل تكون من هؤلاء الذين يؤمر بهم إلى النار، أم من أولئك الذين يؤمر بهم إلى جنات النعيم؟

стр. 323

الجزاء والمقر الأخير رابعاً: الجنة والنار:

стр. 324

جزاء أهل الشقاوة ونبدأ بالنار أعاذنا الله وإياكم منها: والصراط منصوب على متن جهنم يمر عليه الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، يقول الرسول ﵌: (ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء) متفق عليه. ونار جهنم يلقى فيها من أهل النار الأعداد الكثيرة، والكافر فيها يضخم جسمه حتى يصير ضرسه مثل جبل أحد، كما ثبت في الحديث الصحيح، وما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام، فتصور الكافر بهذا الحجم العظيم، ويلقى فيها الكفار جميعاً، ويتكردس من يتكردس من عصاة الموحدين، والنار تشتد تغيظاً وزفيراً ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠]، نار قعرها بعيد، الحجر يهوي فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها. وجهنم -أيها الأخ- يؤتى بها يوم القيامة، فهل تصورت جهنم يؤتى بها ونحن في القيامة واقفون بين يدي الله للحساب والجزاء، وهل تصورت كيف يؤتى بها؟ روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك)، ألا ما أعظمها من نار! نسأل الله ﵎ أن ينجينا منها. وأبواب الجنة ثمانية، لكن أبواب النار سبعة ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] ويساق الكفار إلى جهنم زمرا، أي: جماعات. أيها الأخ المسلم! وصف النار فظيع جداً، إن الناس في الدنيا يتقون الحر والكرب بالماء والهواء، والحر هو الكرب في الدنيا، ونجد كثرة استخدام الناس الماء والهواء للتبريد والظل بعداً عن الشمس وحرارتها، لكن النار يكون أهلها في عذاب شديد حتى في هذه الأمور الثلاثة، فأهل النار في سموم وفي ظل من يحموم وماؤهم الحميم الذي بلغ الغاية في الغليان ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٣]، وهو ظل دخان نار جهنم ﴿لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٤]، ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣٣]، ومن ثم فهذه النار لا تبقي ولا تذر، بل تدمر كل شيء وتأكل كل شيء، وهذه النار وقودها الناس والحجارة، وهي دائمة لا تنقطع ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]. وهي نار تتكلم، فهل تصورت ناراً تتكلم؟ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يخرج يوم القيامة عنق من النار لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، تقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) صححه الترمذي. وأما الحالة الاجتماعية فالأقارب في نار جهنم، والضعفاء والأسياد حالهم شر حال، وأهل النار يلعن بعضهم بعضاً ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]، ويكون الحوار بين الضعفاء والمستكبرين، ولكنه حوار لا ينفع، إنها الدعاوى التي لا تقبل أبداً. هل تأملت -أيها الأخ- ذلك اليوم وأمامك نار جهنم حين تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلى جثا على ركبتيه من الخوف؟ هل تصورت المشهد فعملت لذلك المشهد؟ يا عبد الله! تذكر في جميع أحوالك في هذه الدنيا نار جهنم، وتمثل ذلك اليوم وأنت ذليل خائف وجل لا تدري متى يؤمر بك إلى النار، إن هول ذلك اليوم أقض مضاجع الصالحين العابدين القانتين، فكان الواحد منهم يبكي فإذا قيل له: ألست على كذا وكذا من الخير؟ فيقول: ولكن أخاف في ذلك اليوم أن يقول الله: خذوه إلى النار ولا يبالي ﵎. يوم يغضب الله فيه غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإذا كان هذا حال الصالحين فكيف حال المقصرين؟ ألا يخاف العبد أن يأمر الله الملائكة بأن تأخذه إلى نار جهنم ولا يبالي ﵎ وهو الغني عن العالمين؟ ويشتد الهول في نار جهنم حين يذبح الموت، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ .

стр. 325

جزاء أهل السعادة ويقابل أحوال أهل النار الأحوال الأخرى النيرة المضيئة، أحوال أهل الجنة، يدخل الجنة أهلها زمرا، وتفتح لهم الأبواب قبل ذلك، فما أطيبه من مدخل! ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥]. هل تصورت دخول أهل الجنة الجنة، هل تخيلت اللحظة التي فيها تخطو أول خطوة إلى الجنة، الإمام المجاهد أحمد ﵀ قال له ولده: يا أبتي متى تستريح؟ قال: يا بني! عند أول خطوة نخطوها إلى الجنة. تأمل كيف يختصر الإمام أحمد أكدار الدنيا وأحزانها، ويختصر -وهو الخبير بالسنة والكتاب- أهوال القيامة كلها، ويرى أن الأمر لا يستقيم لراحة عبد حتى يخطو أول خطوة ليأمن في ذلك اليوم الذي هو يوم الفزع الأكبر، فيا بشرى المؤمنين إذا دخلوا الجنة في نعيم متنوع فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نعيم يكفي أن موضع السوط فيه خير من الدنيا وما فيها، يكفي أن غطاء رأس المرأة -نصيفها- في الجنة خير من الدنيا وما فيها. ومن مشاهد الجنة العظيمة التي يعظم فيها الفوز المبين، اجتماع الشمل والتئام الأحبة في الجنة، فيا طيبه من مقام إذا اجتمعت فيها الأحبة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فيا طيب جنة معك فيها الأبوان والزوجة والأولاد والأحبة على سرر متقابلين في جنات النعيم! هل تصورت ذلك اليوم الذي تخطو فيه أول خطواتك في جنات النعيم؟ إنه مشهد تحصل عليه بقليل من العمل؛ لكن بإخلاص للواحد القهار ﵎. وفي الجنة يعظم الأنس ويكثر حديث المؤمنين عن أحوالهم فيها، فما أطيبها من أحاسيس! وفي الجنة أيضاً يعظم حال المؤمنين حين يرون أهل النار في نار جهنم، وفي المقابل يشتد الأمر على الكافرين حين يرون أهل الجنة. أيها الأخ المسلم! هذا المشهد من أعظم المشاهد، وتصور أهل الجنة في نعيم، وأهل النار في عذابهم ينظر بعضهم إلى بعض، تصور أنك في الجنة تنظر إلى أهل النار وما فيها من العذاب والنكال، وتصور أنك في النار تنظر إلى أهل الجنة وما فيها من النعيم، أي الحالتين تختار يا عبد الله؟ وأي الحالتين تختارين يا أمة الله؟ ((وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)) [الأعراف:٥٠]، فأهل الجنة يكلمون أهل النار ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]. ويطلع المؤمن على أهل النار فيتذكر صاحباً له من قادة الضلالة كان يسخر منه ومن إيمانه، يبحث عنه ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] أي: في وسط نار جهنم، فيكلمه وهو في الجنة وذاك يسمع وهو في نار جهنم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] إنهم الأصدقاء والصديقات أيها الأخ في الله وأيتها الأخت في الله! ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. عجيب -أيها الأخ- حديث أهل الجنة مع أهل النار، اجعل هذا المشهد أمامك دائماً، واقرأ الآيات إذا مررت عليها في كتاب الله ﵎ بتدبر ويقظة. ويتم النعيم بزوال الخوف والأحزان والأكدار حين يؤتى بالموت ويذبح بين الجنة والنار، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثبت ذلك في حديث صحيح عند الشيخين. أما تمام النعيم وأعظمه فهو يوم المزيد، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٤ - ٣٥]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فسرها الصادق المصدوق ﷺ بأن الزيادة رؤية المؤمنين لربهم ﵎ في الجنة. فيا له من يوم ما أعظمه! وما أشد سرور المؤمنين حين ينظرون إلى ربهم عياناً كما نرى الشمس اليوم ليس دونها سحاب، وكما نرى القمر ليلة البدر! يرون ربهم فيصيبهم من النور والضياء، ويجدون من اللذة ما يصغر معه نعيم الجنة على ما فيها من أنواع النعيم، ويرجعون إلى بيوتهم قد ازدادوا نوراً وضياءً، فهل اشتقت -يا عبد الله- إلى رؤية الله ﵎ (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه). وتختم الأهوال أهوال أهل النار وفظاعتها، وتختم الأحوال أحوال أهل الجنة وطيبها بذلك الأمر المفظع، وهو الخلود أبد الآباد، فأهل الجنة يخاطبهم ربهم ﵎ فيقول: (ماذا تريدون؟ فيقولون: وماذا نريد يا ربنا، ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة؟ فيقول الله ﵎: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ولهذا تكون خاتمة قول أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]. أما أهل النار فيا شدة ذلك اليوم حين يقال لهم: خلود فلا موت. أيها الأخ في الله! هل من طالب وراغب إلى الجنة؟ أخبرنا رسول الله ﷺ عن أدنى أهل الجنة منزلة، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة أن الله يعطيه من نعيم الجنة مثل الدنيا من أولها إلى آخرها عشر مرات، إذاً فما حال المؤمنين الصادقين والمقربين والشهداء؟

стр. 326

دعوة إلى العمل أيها الأخ في الله! هذه الأحوال والأهوال التي عرضنا لمشاهد منها نريد منها عبرة واحدة، ألا وهي تجديد المسار وصدق التوبة، والبدء بحياة جديدة تهاجر فيها إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، إلى الله بالتوحيد والإخلاص والمحبة والطاعة والامتثال، وإلى رسوله ﷺ بالاتباع بعيداً عن الابتداع. فهل نبدأ المسيرة فينطلق الأب والأم والزوج والزوجة والأخ والأخت؟ هل نأخذ من هذا عبرة لنجدد ونحدد المسار؟ اللهم آمنا من أهوال تلك الأيام، اللهم آمن روعنا يوم الفزع الأكبر، اللهم آمن روعنا يوم الفزع الأكبر، اللهم آمنا في ذلك اليوم ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وجميع المسلمين. اللهم إنا نسألك أن تغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات، اللهم اغفر لهم ولمن دعوا له، اللهم كما جمعتنا في الدنيا نسألك أن تجمعنا في الجنة على سرر متقابلين، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تعزه، وأن تنصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم أجب دعاءنا، اللهم لا تردنا خائبين يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 327

الجواب ما تراه لا ما تسمعه تواجه الأمة الإسلامية محناً كثيرة على كافة المستويات، ففي بقاع كثيرة سلبت أرضها، وقتل رجالها، ويتم أطفالها، وانتهكت أعراضها، ومن جهة أخرى هناك تسلط فكري من قبل الأعداء على هذه الأمة، وما نرى من فتن ومغريات ما هو إلا صورة من صور هذا الغزو الفكري الماكر وأمام هذا كله ليس هناك حل أنجع من الحل العملي والجواب الفعلي، فلن تنفع الكلمات ولا المقالات إلا إذا تبعها العمل بشتى صوره وأساليبه.

стр. 328

الحرب الموجهة على الإسلام والمسلمين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فهذا الدرس هو بعنوان: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)، وهذا العنوان له قصة، ولكن قبل أن أسوقها أقول: إن الناظر في أحوال المسلمين اليوم يجد أمرين: أحدهما: أن الإسلام الذي أكرمنا الله ﵎ به وأنعم به علينا أعظم نعمة هو دين الله الحق الباقي الذي لا يقبل من أحد ديناً سواه بعد بعثة محمد بن عبد الله ﷺ ، وهو الذي ترتفع رايته اليوم في مشارق الأرض ومغاربها على رغم أنف أعداء الدين كلهم. ورسول الله ﵌ أخبرنا وبشرنا بأن هذا الدين سيبقى إلى آخر الزمان، وسينتشر في الأرض حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار، فلا يبقى بيت وبر -شعر- ولا مدر -طين- إلا دخله هذا الدين العظيم بعز عزيز أو بذل ذليل. وهذه حقيقة كبرى نلمسها ونعلمها ونوقن بها، ونحمد الله ﵎ ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، نحمده -وهو للحمد أهل- ونشكره ﵎ على أن مَنَّ علينا بنعمة الإسلام فأصبحنا مسلمين، لسنا يهوداً ولا نصارى ولا وثنيين، بل حنفاء مسلمون لله ﵎، وتلك نعمة لا يمكن لأحد أن يعرف قدرها وعظمتها. أما الأمر الثاني فهو أنه في مقابل ذلك -أعني في مقابل ما عرفناه من أن دين الله الإسلام هو الدين الحق- أننا نرى حرباً موجهة إلينا نحن -المسلمين- وموجهة إلى ديننا العظيم بشتى أنواع الوسائل، فقد استخدم فيها أعداء الله وأذنابهم كل ما يملكون من قوى ووسائل إعلامية وغير إعلامية لحرب المسلمين وصدهم عن دين الله ﵎، وهذا أمر لا أظن أحداً منا يشك فيه. فهي حرب عقدية بمختلف وسائل الإعلام، وأخص منها تلك الوسائل التي تأتي من فوق من خلال الذبذبات والأطباق لتدخل قعر بيوت المسلمين المؤمنين لتشككهم في دينهم وعقيدتهم. وهي أيضاً حرب أخلاقية مركزة على شباب المسلمين وعلى المرأة المسلمة وعلى الأسرة المسلمة وعلى الطفل المسلم، حرب تريد أن تغير في نفوسنا معالم ما أكرمنا الله به من الإيمان والغيرة على دين الله والغيرة على محارم الله ﵎، حرب تريد أن تنزع من نفوسنا وقلوبنا هذه الغيرة، فنرى المنكر وربما يقع فيه بعضنا ولا تتحرك فيه هذه الغيرة؛ لأن تلك الوسائل صارت تدق كل ليلة على وتر الفساد الأخلاقي والعري والرقص والغناء ومختلف وسائل الإفساد، ليخرج في النهاية شباب أو مجتمع نزعت منه الغيرة، والرسول ﷺ يقول: (إن الله يغار)، وهو أيضاً ﷺ يغار، والمؤمن أيضاً يغار على محارم الله حين تنتهك. وهي أيضاً فوق كونها عقدية وأخلاقية هي حرب فكرية متنوعة موجهة إلى مختلف أصناف المجتمع، يريدون منا أن نتخلى عن ديننا وننحرف عنه ولو شيئاً فشيئاً، وأعداء الله ﵎ لا يمكن أن يكلوا ولا أن يتركوا ما هم فيه من كيد لدين الله ﵎؛ لأن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية، بل ربنا ﵎ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام:١١٢]، فالنبي الموحى إليه من عند الله جعل الله له عدواً؛ لأن الصراع بين الحق والباطل لا بد منه، ومن هنا فنحن لا ننتظر ولن ننتظر من أعدائنا في الشرق والغرب ومن أذنابهم من العلمانيين والحداثيين وغيرهم، لن ننتظر منهم إلا أن يسلكوا هذا المسلك الذي سلكوه، وهو أن يستغلوا ما أوتوا من قوى وقدر لحرب الإسلام وصرف المسلمين عن دينهم، ونحن لا ننتظر غير ذلك. لكن يبقى السؤال الكبير: كيف نقف أمام هذه الحرب المتنوعة مع علمنا بالحقيقة الأولى، وهي أن دين الإسلام حق وباق ومنصور ومن تمسك به فهو الغالب؟ كيف نواجه هذه الحرب المتنوعة؟

стр. 329

مواجهة الحرب على الإسلام

стр. 330

الجواب العملي على أعداء الإسلام الأمر الثاني: ينبغي أن يكون جوابناً عملياً لا نظرياً. وقد عنونت للموضوع بعنوان: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)؛ لأن هذا هو الذي عرفناه من تاريخ الإسلام، وهذه العبارة قالها أحد خلفاء بني العباس، وهو هارون الرشيد. وقد شوه المستشرقون والمبشرون وأذنابهم كـ جورجي زيدان وغيره تاريخ هذا الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي كان يحج عاماً ويغزو عاماً. هذا الخليفة أرسل إليه أحد ملوك الروم -واسمه نقفور - أرسل إليه خطاباً يتوعده فيه، ويقول له: إنك فعلت وفعلت، وكان قبلي من هو ضعيف، أما وقد أتيت فسأفعل وأفعل وأفعل. يهدد المسلمين ويهدد الخليفة العباسي هارون الرشيد ويتوعده. فماذا فعل هارون الرشيد؟ هل قابل هذا الهجوم بما نسمعه اليوم من صراخ وهجوم إعلامي كما نسمعه في قضية فلسطين؟ اليهود يخططون ويفعلون، ونحن إذا تكلمنا تكلمنا بصراخ ليس وراءه شيء. أخذ هارون الرشيد الخطاب، ومن باب الاستهتار بصاحبه كتب على ظهره -لأنه لو كان مكرماً لحفظ الخطاب عنده وكتب له خطاباً جديداً- كتب على ظهره عبارة مختصرة يقول له فيها: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه لا ما تسمعه. وكان الجواب تطبيقاً عملياً لهذه الرسالة؛ بأن سير في يومه ذاك جيشاً لجباً انطلق من موطن الخلافة العباسية إلى بلاد الروم، فأدب نقفور ومن وراءه. إذاً جواب هارون الرشيد هو الجواب العملي. وأمام هذه الحرب الموجهة إلينا نحن -المسلمين- والمركزة في كثير من فنونها علينا نحن -الشباب- وعلى المرأة المسلمة نقول: ما الذي ينبغي أن يكون عليه جوابنا؟ إن الذي يجب أن يكون عليه جواب الشباب المسلم -بل وكل المسلمين- هو الجواب العملي، أن يقول المسلم فيه بلسان الحال لا بلسان المقال: يا أعداء الله! أنتم تحاربونني بكل الوسائل، فجوابي جواب عملي سأزداد فيه التزاماً، جوابي جواب عملي سأزداد فيه ثقة بديني وعقيدتي، جوابي فيه جواب عملي سأحرص على الصلاة ولن أتخلف عنها أبداً، جوابي فيه جواب عملي أتعلم فيه أمور ديني لأنه أعظم دين، جوابي فيه جواب عملي ألتقي فيه بإخواني من الشباب الطيب لنتآخى ونتآزر على الاستقامة والسير على المنهج الصحيح، جوابي جواب عملي أبتعد فيه عما حرم الله علي، تحاربونني بهذه الوسائل والأطباق! جوابي أنني أقاطعها عملياً، لا أكتفي فيها بالقيل والقال، وإن كنت أقول وأتكلم وأعظ الناس وأبين لهم، لكن واقع حالي هو أن جوابي هو الجواب العملي، أقاطع هذه الوسائل، أقاطع هذه الحرب الشعواء لألتف على نفسي وديني وعقيدتي وصلاتي وأخلاقي وإخواني المسلمين من الشباب الطيب. فليكن الجواب جواباً عملياً، ليقل الواحد منا وهو يرى هذه الحرب الشعواء المتنوعة علينا نحن -المسلمين- ليقل فيها: جوابي لكم هو ما ترونه لا ما تسمعونه، انظروا إلى تجدوني شاباً ملتزماً، انظروا إلي تجدوني في المساجد أحافظ على الصلاة، انظروا إلي تجدوني معرضاً عن تلك المجتمعات والأسواق التي تعج بالمفسدين، انظروا إلي أحارب هذه الأطباق وهذه الوسائل الإعلامية المفسدة، جوابي عملي بأنني واثق بديني، واثق بربي، واثق بمنهاجي، أرجو فيه ثواب الله، أرجو بذلك السعادة والطمأنينة في الدنيا والفوز بجنات عرضها السماوات والأرض عند رب العالمين، وليس بيني وبين ذلك إلا أن تنتهي هذه الدنيا الدنية القصيرة لأرجع إلى ربي وما أعد لعباده المؤمنين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أرأيت كيف ينبغي أن يكون جوابنا نحن -المسلمين وأخص منهم الشباب- جواباً عملياً، يقول فيه لكل داعية إلى الفساد: الجواب ما تراه لا ما تسمعه، لن أقول كلاماً كثيراً، وإنما سأعمل كثيراً، سترى من حالي وشكلي، سترى من عباداتي وأعمالي، سترى من تصرفاتي وأخلاقي ما يدل على جوابي العملي. ليكن الشاب المسلم وهو يسير في هذه الحياة شاباً يجيب أعداء الله وهم في أقصى مشرق الدنيا ومغربها، ويقول لهم: حاربوني بكل ما شئتم، حاربوني بكل الوسائل التي أعطيتم إياها، فوالله لن تجدوا مني إلا جواباً واحداً حقاً، هو أنني كلما حاربتموني ازددت تمسكاً وثباتا ًعلى ديني. وهذا الجواب نفسه ينبغي أن تقوله المرأة المسلمة، حين يوجه الهجوم على حجابها وعلى عفافها، وتتنوع الوسائل التي تريد أن تنزع المرأة من عفتها وحشمتها وبيتها، لتخرج مقلدةً أهل الشرق والغرب من الكفار، ليكن جواب المرأة المسلمة وهي أم وزوجة وأخت هو: يا أيها المحاربون للمرأة المسلمة! يا أيها المدعون لتحريرها وهم كاذبون! يا أيها المنوعون لوسائل حربهم! الجواب ما ترونه لا ما تسمعونه، حاربوني في كل وسائل الإعلام، سيكون جوابي عملياً، زيادة في حجابي، زيادة في استقراري ببيتي، زيادة في توكلي على ربي وعبادتي لربي، زيادة في دعوتي إلى الله لأخوات مسلمات أدعوهن للتمسك بدين الله ﵎، زيادة في بعدي عن كل بهرج وكل وسيلة تريد أن تفسدني، زيادة في كل عمل صالح يقربني إلى ربي ﵎. وليكن عنوان جوابها هو: (الجواب ما ترونه لا ما تسمعونه).

стр. 331

لا يشترط في مواجهة أعدائنا أن نكون على مثل قوتهم إن مواجهة هذه الحرب المتنوعة تحتاج منا إلى أمور، وحتى لا يتشعب بنا الكلام فأحب أن نركز على أمرين: أما الأول منهما فهو أن نعلم أنه ليس من شرط انتصارنا على أعدائنا وعلى حربهم الفكرية والعقدية وغيرها ليس من شرط ذلك أن نكون مثلهم في القوة، فلا ينبغي لقائل من المسلمين أو الدعاة إلى الله أن يقول: إننا لن ننتصر على أعداء الله في الشرق والغرب حتى نكون مخترعين للأطباق والصواريخ والكمبيوتر وغيرها، لنكون مثل العدو، حتى نحاربهم بمثل ما هم يفعلون. نحن لا ننتظر هذا، ولم نكلف بهذا، وهذا من رحمة الله بنا. أتدري ما الذي كلفنا به؟! لم نكلف بأن نكون مثل عدونا في القوة، يقول ﵎ للمؤمنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]. فالمطلوب من المسلمين أن يعدوا ما استطاعوا، ولو كانت مقدرتهم العَددية والعُديَّة محدودة، فالواجب عليهم مع الإيمان والإخلاص أن يعدوا ويأخذوا بالأسباب المادية بما استطاعوا فقط، ونحن نعلم أنه في تاريخ المسلمين منذ عهد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما رأينا مواجهة بين المسلمين وأعدائهم كان المسلمون فيها مثل عدوهم أو أكثر، بل كل معاركهم -تقريباً- كان المشركون فيها أكثر من المسلمين أضعافاً مضاعفة، وكانت نتائج ذلك كله -تقريباً- أن الله ينصر عباده المؤمنين. إذاً ونحن نشاهد هذه الوسائل ينبغي أن لا نيأس، ينبغي أن لا يصيبنا رعب من هذه الوسائل لنعلن أن العدو مسيطر، ولم يبق لنا إلا أن نستسلم له. نقول: لا وألف لا! نحن مسلمون أكرمنا الله بالإسلام، فإذا توكلنا عليه واعتصمنا به وأخذنا بالأسباب ولو كانت قليلة؛ فإن الله ﵎ ناصرنا وراد عنا كيد الكائدين، والله ﵎ يقول -ومن أصدق منه قيلاً وحديثاً-: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ويقول سبحانه وتعال موجبا ًعلى نفسه شيئاً لا يجب عليه لكنه أوجبه على نفسه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. فنحن إذا تمسكنا بديننا وأخذنا بما استطعنا من وسائل في الدعوة إلى الله، في رد كيد الكائدين، وفي تبصير الناس بدينهم، وفي مقاومة هذا الغزو الفكري والأخلاقي، وفي مقاومة العدو بمختلف الوسائل، متى ما أخذنا نحن -المسلمين- بهذه الوسائل مع اعتمادنا وإخلاصنا وتوكلنا على ربنا فلنعلم أن سنة أن الله ينصر عباده المؤمنين ولو كانوا أقل عدداً وعدة.

стр. 332

حاجتنا إلى الجواب العملي نحن بحاجة ماسة إلى هذا الجواب العملي، فهذا الجواب العملي هو الذي يضفي على القلب وعلى الجسم نور الإيمان ونور العمل الصالح والتقوى والاستقامة ونور البصيرة وانشراح الصدر. فإن كل من سلك مسلكاً من مسالك الباطل فلا بد أن تغيم عليه وتخيم على قلبه قسوة القلب وظلمته ووحشته، وهذا لا شك فيه أبداً؛ لأن المعاصي لها ظلمة على القلب، حتى لو رأيت صاحبها يضحك ويقهقه وكأنه مسرور، فلا والله، إنه يضحك ويريد أن يضحك لشدة ما يجده في داخل قلبه من ظلمة ووحشة. وفي مقابل ذلك تجد الشاب المؤمن وهو يجاهد نفسه ويجاهد شهواته ويجتهد في طاعة ربه قوي الإيمان منشرح الصدر؛ لأن الله تبارك وتعال قد وعد من التجأ إليه وتوكل عليه وعمل بطاعته أنه لا يشقى في الدنيا ولا في الآخرة. وتصور وعداً ربانياً لإنسان لا يشقى في الدنيا والآخرة. من هو؟ إنه الشاب الملتزم، إنه الرجل الملتزم. وإذا تركت ليلة دعاك إليها صديق السوء لتسمر وذهبت إلى الطيبين، أو نمت على خير وصليت صلاة الفجر فاعلم -أيها الشاب المسلم- أنك -والله- قد نلت فوزاً عظيماً، وأن رحلة أولئك إلى موطن الفساد لن يزيدهم إلا فساداً ووحشة وضلالاً وانحرافاً وتعقيداً في حياتهم. وهذه سنة الله ﵎، أن من أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكاً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]-يعني في الدنيا- ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. السعادة هي أن نكون مؤمنين وأن نكون شجعاناً في الثبات على الحق. ولتكن هذه الكلمة عنواناً لحياة الشاب المسلم، بأن يقول: يا أعداء الله! يا من تحاربوننا بكل الوسائل! الجواب هو ما ترونه لا ما تسمعونه ستجدون مني التزاماً وطاعة؛ لأن هذا هو الذي يريحني، وهو الذي يسعدني، وهو الذي يرضيني، وهو الذي يرضي ربي في الدنيا والآخرة، ونعمت التجارة الرابحة بين العبد وبين ربه.

стр. 333

نماذج يتبين بها بعد ما بين ظلمة العصيان ونور الإيمان

стр. 334

المغني الصومالي الذي تاب إلى الله أما المثال الآخر فهو لشخص معاصر لنا يعيش الآن في مدينة الرياض، وهو من بلد الصومال، كان هذا الرجل مطرباً مغنياً في بلد الصومال، وبلغ في الطرب والغناء شأواً بعيداً، حتى إنه كان يقيم حفلات لرئيس الصومال السابق زياد بري وأولاده ووزرائه، وصار مطرباً مشهوراً على مستوى الصومال من أوله إلى آخره، وكان يقيم الاحتفالات بأغلى الأثمان، فأصبح من الشباب الذين اجتمع لهم الجاه والشهرة والمال والعلاقات مع كبار القوم، واستمر على ذلك ردحاً من الزمان، لكن هل وجد في هذه الأشياء الراحة والسعادة؟ كان بداية أمره أن تزوج، وكان نساء الصومال من أولهن إلى آخرهن يتمنين هذا الشاب للصوت الجميل، والمطرب المؤثر على مستوى الدولة تتمنى كل واحدة أن يكون زوجها، لكنه تزوج من إحدى قريباته، يقول: فلما تزوجت كنت أظن أن هذه الفتاة التي تزوجت بها ستكون أسعد الناس. يقول: وتم الزواج، ثم بعد ذلك كنت أذهب لأحيي بعض الحفلات، ثم بعد أن أكون نلت الشهرة والمال والتصفيق أرجع إلى عروسي وإلى بيتي لأنعم معها بذلك الرضا وتلك الشهرة، يقول: فكنت إذا أقبلت عليها أنتظر منها أن تستقبلني بما أنا أهله وبفرح؛ لأنني أوقن أن كل فتاة تتمنى أن يكون هذا الشاب زوجاً لها، نعم هي تستقبلني استقبالاً طيباً، ولكنني لا أجد فيها الفرح الذي أظن أنني أعطيتها إياه بهذه الشهرة والمكانة والمال ونحو ذلك، يقول: وشيئاً فشيئاً إذا بي أحس أنها غير مرتاحة، وليست غير مرتاحة لسبب سوى سبب واحد، وهي أنها غير مرتاحة لهذا الأمر، فلم تزل به شيئاً فشيئاً حتى تاب إلى الله ﵎، وترك الشهرة والمال والجاه والطرب. فقد يكون الواحد منا ليس عنده جاه ولا عنده مال، فيقول: من أنا؟! سيان التزمت أو لم ألتزم! نقول: أنت الرابح على كل حال. ولكن قد يوجد نموذج مثل هذا، اجتمعت له القمة التي يسعى إليها بعض الناس فيبيع لأجلها دينه ليرقى إلى الشهرة، أو يرقى إلى المال، أو يرقى إلى الجاه، ولكن هذا النموذج يبيع هذه كلها في سبيل الله ﵎. إذاً هو نموذج يقصر عليك الطريق يا أيها الشاب، يا من لك طموحات، قد تنظر إلى لاعب بلغت شهرته الآفاق، أو مغن يحضر حفله الألوف، أو رجل مشهور تتحدث عنه الصحف ووسائل الإعلام، فتقول: ما أحسن هذه الشهرة! نقول لك: يا أيها الشاب المتبصر! تمعن في الأمر، هل هذا الذي اشتهر به يقربه إلى الله؟ هذا هو المقياس الحقيقي، فاختصر الطريق، وخذ العبر والدروس من هذه الحياة، وانظر إلى غيرك، واعرف ما هي الأشياء التي تجلب السعادة الحقيقية، وما هي الأشياء التي تجلب الشقاء وغضب الجبار ﷻ ، ولتكن صاحب عين وبصيرة. هذا الشاب تاب إلى الله وترك الجهل، حاولوا معه حتى قبل أن يجري على الصومال ما جرى، ولكنه ترك ذلك، ثم قدم إلى هذه البلاد المباركة ليعيش فيها عيشة هنية، وهو في الرياض اليوم، ومعه خمسة أولاد أربع بنات وابن واحد، ويسكن في بيت صغير. والرجل فقير كما أعلم من حاله، لكنه يقول لي بالحرف الواحد: والله إني -والحمد لله- في سعادة ليس فيها أحد، اثنان من أولادي حفظا القرآن الكريم كاملاً، وثلاثة منهم الآن في طريقهم إلى حفظه. ومع ذلك فإن عليه ضغوطاً نفسيةً، يقول: أحياناً يأتيني الشيطان فيذكرني بما كان لي من جاه. الشيطان حريص على كل إنسان، وخاصة مثل هذا؛ لأن الشيطان يجد لديه تاريخاً يحييه، فالشيطان يحاول أن يحيي لأصحاب المعاصي تاريخهم، فهو يوسوس للشاب الذي تاب إلى الله، ويقول له: تذكر السهرة الفلانية، تذكر كذا، تذكر كذا. فلابد أن يتغلب الشاب على هذه الوسوسة ويصرفها بسرعة ويتقي الله ويعود إلى ربه ويبادر إلى العمل الصالح، لا أن ينساق مع الوسوسة من شياطين الإنس وشياطين الجن. يقول لي هذا الرجل: فأحياناً تأتيني الوسوسة تذكرني بالمال وأنني الآن فقير، تذكرني بالجاه حين كان رئيس الجمهورية وأولاده يتصلون بي. مَنْ مِنَ الناس يتصل به؟ رئيس الجمهورية وأولاده والوزراء وغيرهم! يقول: فكلما كثرت الوساوس أذهب لأقرأ قصة مصعب بن عمير. ونحن نعرف قصة مصعب بن عمير، ذلك الشاب الذي كان أنعم شباب مكة، فلما أسلم حرمته أمه وأهله المال، فصار فقيراً جداً، وكان أول داعية إلى الله في المدينة النبوية، واستشهد ﵁ وأرضاه، فلما استشهد لم يجدوا له كفناً إلا بردة قصيرة إذا غطوا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا بها رجليه بدا رأسه، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد وقف أمامه: (لقد رأيتك بمكة وما بها أحدٌ أرق حلةً ولا أحسن لمةً منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة)، ثم أمر به أن يقبر، وأمر بأن يغطى بها رأسه وأن يوضع على رجليه من الإذخر. يقول هذا الرجل -أسأل الله أن يثبتني وإياكم وإياه-: إذا جاءتني الوساوس ذهبت إلى قصة مصعب بن عمير فتذهب عني الوساوس. مصعب بن عمير ترك الدنيا من أولها إلى آخرها، لكن بقي له أنه صحابي جليل، أنه الداعية الأول إلى المدينة، أنه الشهيد في سبيل الله الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن انظر إلى أهل الفساد في الأرض بعد أن انتهت الشهرة وانتهى المال وغيره، ماذا بقي لهم؟ لم يبق لهم إلا التاريخ الأسود والذنوب والأوزار؛ لأنه إذا عمل ذنباً انتشر هذا الذنب، فعليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة؛ فإن المطرب أو المغني يأتي بكلمات مبتذلة فيها دعوة إلى الفحش والتفحش، ثم بعد ذلك تحفظ هذه الأغنية، فكل من تأثر به وضل فعليه وزره إلى يوم القيامة. إذاً ينبغي أن يكون جوابناً ونحن نواجه هذه التحديات المتنوعة -وعلى رأسها التحديات الفكرية والعقدية والأخلاقية الموجهة إلينا نحن الشباب- ينبغي أن يكون جوابنا هو أن نقول لهم: (الجواب ما تراه لا ما تسمعه)، وقد عرفت تفاصيل هذه الكلمة وأنها الجواب العملي الذي يجيب به الملتزم.

стр. 335

أبو سفيان بن الحارث دعني أضرب لك مثلين فيما يتعلق بظلمة البعد عن الله ونور الإيمان، أحدهما قديم، والآخر حديث صاحبه معاصر وموجود في مدينتنا، أما المثال القديم فهو في زمن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالنبي ﵊ لما بدأ دعوته استجاب له القلة وحاربه الكثرة، وكان ممن حاربه بعض أقاربه، وعلى رأسهم الهالك الممقوت الموصوف بالقرآن أبو لهب عم الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]. وكان أيضاً ممن حارب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرابته ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، وهو غير أبي سفيان بن حرب والد معاوية بن أبي سفيان، بل هو شخص آخر اسمه أبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا الرجل أبو سفيان بن الحارث كان رجلاً له مكانة في قومه شريفاً نسيباً، وكان شاعراً، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاداه، وصار يقول الشعر في عداوة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وامتدت عداوته طول العهد المكي، حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد غزوة بدر وأحد والخندق، واستمر على ذلك حتى جاء صلح الحديبية، ثم نقضت قريش الصلح في قصة معروفة، فجاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى مكة فاتحاً، فكان مما أعلنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مقبل على مكة أن فلاناً وفلاناً لا عهد لهم، اقتلوا فلاناً ولو وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة؛ لأنه رجل حرب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا يقبل منه شرط ولا عهد، فقال في حق بعضهم: (إذا وجدتموه فاقتلوه ولو وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة)، فكان ممن أهدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دمه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مكة ضاقت بـ أبي سفيان هذا الدنيا من أولها إلى آخرها، فماذا يصنع؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقبل على مكة بجيش عرمرم، وقريش مستسلمة ترى أنها لا تستطيع لذلك مقاومة، فماذا يصنع؟ أظلمت عليه الدنيا، وصار ما كان يفعله في السابق من تبجح ومفخرة في قريش وقيادة لحرب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه من المسلمين صارت هذه أحلاماً مزعجة؛ لأنه ينتظر العقوبة، فقيل له: يا أبا سفيان لو أنك أتيت إلى محمد بن عبد الله؛ فإنه رجل يقبل من أتاه تائباً! ففكر في الأمر هل يهرب؟ هل يذهب يميناً أو شمالاً؟ فلم يجد له مجالاً إلا أن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن كيف يأتيه والرسول قد أهدر دمه؟ كل من يراه من المسلمين سيقتله. فلما قرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة ذهب وأخذ معه ولداً له صغيراً عمره قرابة سبع سنوات، لعل رسول الله ﷺ يرق له إذا رأى الطفل الصغير، فأخذ معه ولده الصغير، وذهب ليلقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان مخفياً نفسه حتى لا يرى، فأتى إلى العباس، فأخذه العباس حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مع أصحابه، فقيل له: يا رسول الله! هذا ابن عمك أبو سفيان فاقبله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من شدة الغضب. ويا له من موقف! ووالله إن موقف العاصي حين يقف بين يدي الله لهو أشد ذلاً من هذا الموقف. ذلك الذي سرح ومرح في معاصي الله يضحك ويلهو لا بد له من الوقوف بين يدي الله : ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم:٤٣]، كل واحد منهم قد رفع بصره إلى السماء في موقف الحساب لا يدري ماذا يؤمر به، حتى إن كثيراً من أهل المحشر -بل كل أهل المحشر- يصابون بالفزع الشديد حين تزفر جهنم، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً. أقول: انظر إلى ذل أبي سفيان بن الحارث وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم! فلما أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أظلمت عليه الدنيا من أولها إلى آخرها، وقال: والله لئن لم يقبلني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأخرجن أنا وولدي هذا إلى البرية حتى نهلك ونموت عطشاً. ضاقت عليه الدنيا من أولها إلى آخرها، لكن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي وصفه الله بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ففيه رحمة من رحمة ربه . رحمه لما قال هذا الكلام وقبله، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وصار من كبار المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم في سائر المعارك كلها، ومنها معركة حنين، فرضي الله عنه وأرضاه. ولأنه شاعر فقد سطر تجربته في أبيات من الشعر كان ينشدها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتأمل قوله ﵁ وأرضاه وهو يحكي تاريخه الجاهل وما أكرمه الله به من الإيمان ونور الإسلام، يقول أبو سفيان بن الحارث ﵁: لعمرك إني يوم أحمل رايةً لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى فأهتدي تصور إنساناً مدلجاً مسافراً في الليل لا أحد حوله ولا عن يمينه ولا عن شماله ثم أظلم عليه الليل! يقول: لكالمدلج الحيران أظلم ليلة فهذا أواني حين أهدى فأهتدي أتاني هادٍ غير نفسي فدلني إلى الله من طردت كل مطرد من هو الذي طرده كل مطرد؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي طرده كل مطرد هو الذي هداه الله بسببه، تقول بعض الروايات: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سمع البيت الأخير الذي يقول فيه: أتاني هادٍ غير نفسي فدلني إلى الله من طردت كل مطرد يضرب على كتف أبي سفيان بن الحارث ويقول له: (أنت الذي طردتني كل مطرد) يعني: قد أبدلك الله ﵎ بذلك هداية وإسلاماً. هذه صورة لإنسان ظن أنه في يوم من الأيام في القمة، وإذا به يجد الظلمة وليس له نور إلا نور الإسلام والاستقامة على منهاج الله ﵎، ومن ثم شارك بعد ذلك في الجهاد حتى مات في سبيل الله ﵁ وأرضاه. فهذا مثال.

стр. 336

الأسئلة

стр. 337

حكم من ألزم نفسه بأداء ركعتين يومياً بنية التوبة السؤال رجل كلف نفسه ركعتين يومياً بنية التوبة من الذنوب، فما الحكم؟ الجواب إن كان عزم في قلبه فنقول: استمر على العمل الصالح، وإن كان نذراً فأوف بنذرك ما استطعت.

стр. 338

حكم اشتمال المحاضرة الدعوية على الطرائف والأشعار السؤال يوجد بعض ممن ينتسبون للدعوة ينتهجون نهجاً غريباً، وهو إدخال القصائد والطرائف والمزاح والحكايات بدل الأحاديث والآيات والآثار؟ الجواب هذا الكلام فيه تفصيل، فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يمزح، وكان لا يقول إلا حقاً، وكذلك أيضاً الطرائف منها ما هو مفيد أحياناً، ومنها ما هو مسلٍّ بشرط أن لا يكون فيه ضرر، إنما الممنوع أن يتحول المجلس إلى نكت وطرائف، أما أن يتخلل الحديث أو الكلام أو البرنامج شيء من هذا مما فيه حق وليس فيه باطل فأقول: لا بأس بذلك إذا لم يكثر.

стр. 339

علاج قسوة القلب السؤال ما هو علاج قسوة القلب؟ الجواب كلنا نشكو من قسوة القلب، أسأل الله أن يلين قلوبنا بالإيمان والقرآن، والعلاج يحتاج إلى مجاهدة وصبر ومصابرة؛ فالدنيا سجن المؤمن كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلابد من المجاهدة، لذلك لا تنتظر من واحد أن يعطيك كلمتين ثم إذا بقلبك يصبح قلباً منشرحاً مباشرة، لا، وقد يكون في الموعظة ما يشرح قلبك، لكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة: فالشيطان الرجيم حريص على إغوائك والوسوسة لك بشتى أنواع الوساوس، نفسك الأمارة بالسوء بكل قواها وشهواتها، وشياطين الإنس من الأصدقاء والزملاء والجيران وغيرهم. فأنت -والله- كأنك في معركة، فلذلك عليك بالمجاهدة، وهذه المجاهدة هي التي بها تزول قسوة القلب. وأعظم ما يعينك على راحة النفس وطمأنينة القلب والبعد عن قسوته عشرة أمور ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين، وعلى رأسها الإيمان والتوحيد والعقيدة الصحيحة والمحافظة على الصلاة ومجالسة الصالحين، فلا بد من أن تبحث لنفسك عن هذه الوسائل التي ترقق قلبك وتقوي إيمانك، مع البعد تماماً عن كل ما يقسي القلب. فالذي أقوله: اصبر وصابر وأبشر يا أيها الشاب، ولا تحزن إذا رأيت الشباب المنفلت يمينا ًوشمالاً، فلا يغرنك ضحكهم وانخلاعهم، اصبر وصابر على طاعة الله وعبادة الله، أنت -والله- القوي، وأنت المنتصر، وأنت العزيز، وأنت الرابح، وهؤلاء الذين سلكوا تلك المسالك إن لم يتوبوا إلى الله فهم -والله- خاسرون، لذلك ينبغي لك أن تكون عندك عزيمة قوية وصبر ومصابرة على طاعة الله، واحرص كل الحرص على الأخوة الصادقة وعلى الإخوة الملتزمين؛ فإنهم يعينونك، وأصحاب الرسول -ومن هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في علمهم وإيمانهم وجهادهم- كانوا يشعرون بهذه الحاجة، كان الواحد منهم يلتقي بأخيه ويمسك به ويقول: تعال -يا أخي- اجلس بنا نؤمن ساعة. مع أن هذا الصحابي لا يعرف لهواً ولا عبثاً، لا يعرف إلا الإيمان والقرآن والصلاة والجهاد، ومع ذلك يشعر بالحاجة إلى أخيه، ويقول: اجلس بنا نؤمن ساعة. فكيف بنا نحن في هذا الزمان حيث كثرت الفتن وتنوعت؟! نحن أحوج ما نكون إلى الجلساء الطيبين الذين يعينوننا على طاعة الله، نعينهم ويعينوننا، واعلم -يا أيها الشاب- أنك إذا جلست مع أخيك وإخوانك الطيبين أنك تعينهم وهم يعينونك، فأنت بحاجة إليهم وهم أيضاً بحاجة إليك، فتكون مأجوراً على تلك المجالس والأخوة الطيبة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 340

دفع الله عن عباده المؤمنين السؤال ذكر ابن القيم في الجواب الكافي ما نصه: وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] ما المقصود بالنفس؟ الجواب ابن القيم يشير إلى أن الله يدافع عن العبد المؤمن بنفسه هو ، فالله هو الذي يدافع، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، لكن دفاع الله عن المؤمنين إنما يكون بما يهيئه الله من الأسباب، وأولها قوة القلب وطمأنينته وبغضه للمعاصي، وهذا من أعظم الدفاع، فإذا وفقك الله ﵎ لأن يكون قلبك قلباً حياً مستيقظاً مراقباً لله فهذا من أعظم ما من الله به عليك من الدفاع، ومنها أن يهيئ الله لك الناس الصالحين ليعينوك على طاعة الله، ومنها أن الله يرد كيد العدو، فكم من عدو يأتي إليك -يا عبد الله- ليكيدك، فالله يوقفه ويرد كيده عنك، فالله يرد كيد الكائدين لمن اتقى الله وعمل بالطاعات وابتعد عن المعاصي، كما بين ذلك ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).

стр. 341

تأثير الذنوب على التوبة السؤال هل الذنب يؤثر على التوبة أم لا؟ الجواب الذنب لا شك أنه يبعد عن الله ويقرب إلى الشيطان، لكن بالنسبة للتوبة فالتوبة لا تنقطع، والإنسان مهما كان مادام في هذه الحياة فتوبته مقبولة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]. حتى الشرك بالله إذا تاب منه العبد قبل الموت فالله يتوب عليه، لكن إذا مات على الشرك لم يقبل منه عمل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالتوبة مفتوحة ما لم تأت الغرغرة أو تطلع الشمس من مغربها إذا أتى بها العبد بشروطها، لذلك فنحن نقول: إذا أذنب الإنسان ذنباً فينبغي له أن يحذر الشيطان الذي يغويه؛ لأن الشيطان يقول للمذنب: أنت ليس لك توبة. بل قد يقول له: أنت لا تصلح للتوبة. وهذه من إغواءات الشيطان، فيجب عليك أن تبادر إلى التوبة، والله يفرح بتوبتك فرحاً عظيماً، كما ثبت في ذلك الحديث الصحيح عن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 342

تكرار الذنب بعد التوبة السؤال هل الذي يكرر الذنب يكون قد خلط عملاً سيئاً وآخر صالحاً؟ الجواب لا شك أن تكرار الذنب ليس بطيب، لكن عليه أن يبادر بالتوبة، لكن الذي نوصيه به هو أن الإنسان إذا تاب إلى الله فعليه أن يعمل بدواعي التوبة، فلا بد -حتى يحقق شرط الإقلاع من الذنب- من أن يقلع عن وسائل ومجالس الذنوب، أليس من شروط التوبة الإقلاع؟! الإقلاع ليس كلاماً تقوله، لا يكفي أن تقول: أقلعت. وإنما يجب أن يكون عملياً، والإقلاع العملي يكون بترك الذنب نفسه وبترك وسائله، ولهذا قال تعالى: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١]؛ لأن خطوات الشيطان تدعو إلى المعاصي، كذلك أيضاً ينبغي للتائب أن يبتعد عن المجالس، فالإنسان إذا تاب من ذنب من الذنوب كان قد اجتمع عليه مع غيره فليعتزل هذا الاجتماع، وهذه العصبة أشد عليه من عدو معه رمح يريد أن يطعنه به، فلا بد من الإقلاع والبعد، كذلك أيضاً من شروط التوبة العزم على أن لا يعود، ومن وسائل العزم على أن لا يعود أن يجدد طاعة، وأن يحرص على لقاء الطيبين بأن يستبدل بتلك المجالس السيئة مجالس طيبة، فلابد من المجاهدة. والتوبة إلى الله لو كانت كلمة يقولها الإنسان لكانت أسهل شيء، ولكنا نذنب في اليوم مئة ذنب ونتوب وينتهي الموضوع، لكنها ليست كذلك، التوبة تحتاج إلى مجاهدة، لكن فيها مسرة وراحة نفس وطمأنينة قلب؛ لأن الله يفرح بعبده، وتصور أن الله فوق سبع سماوات يفرح بك. إذا تبت إلى الله فعليك أن تعمل بالوسائل التي تعينك على هذه التوبة، نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة النصوح.

стр. 343

حكم النوم داخل القبور بقصد تليين القلوب السؤال هناك من الشباب الملتزم من يذهبون إلى المقابر ويقومون بالنوم داخل القبور ليلاً بهدف تليين القلوب، فما حكم فعلهم هذا؟ الجواب هذا لم يرد عن السلف، وليس هناك داع لمثل هذا، بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذهب ليزور القبور ويرى المقابر، أما نومه هذا فغير مشروع.

стр. 344

حكم إدخال الدش من أجل وجود قنوات دينية أو برامج نافعة السؤال هناك بعض القنوات الدينية التي تعرض في الدش، وهي لا تخرج عن البث، فهل يخرج الدش بالكامل أم يستفاد من بعض القنوات؟ الجواب أولاً ينبغي أن نعلم أن هناك قاعدة شرعية معروفة عند العلماء ومعروفة أيضاً لدى كثير من الناس، وهي أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فالآلة التي فيها مفاسد متنوعة ولو كان فيها مصلحة واحدة فدفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإذا كان الدش فيه عدد من القنوات المفسدة، ثم فيه برنامج أو قناة قد يكون فيها خير، نقول: ينبغي دفع المفسدة. وكثير من الناس قد يدخل من خلال هذا الكلام الذي ورد في السؤال مدخلاً شيطانياً، فيقول: أدخل هذه الآلة من أجل أن تسمع أو ترى هذا الشيء الجيد. ثم بعد ذلك ينظر إليه مرة وينظر إلى ما بجانبه ثانية وثالثة، كما قال بعضهم: البصر يخطف مرة من هنا ومرة من هنا. حتى يجد نفسه منساقاً إلى الأمور الأخرى، وهذه قالها من جربها، أليس كذلك؟! هذه قضية. القضية الأخرى: هذه الدشوش والوسائل المفسدة إذا جاء أحد ليخفف من إفسادها بشيء ليس فيه انحراف ولا بدعة فنقول: جزاك الله خيراً، لكن أنا وأنت والثاني والثالث ليس لنا ذلك، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، فما نأتي ونقعد عند الدش أمام الأولاد والبنات والأسرة، ثم نقول: لأننا سمعنا في يوم من الأيام أو في محطة من المحطات كلاماً جميلاً. هذا لا يمكن، ولذلك أنا أقول: ينبغي أن تكون هناك بدائل، لكن بشرط أن تكون هذه البدائل منضبطة شرعية.

стр. 345

القوة العلمية والعملية لقد حرص السلف على طلب العلم والعمل به اقتداء بكتاب الله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، فهما الجناحان اللذان يصل بهما العبد في سفره إلى مقصوده في الآخرة، ولابد أن يعلم الإنسان أنه قد تعتريه في طريق العلم والعمل عوائق ومحبطات، فعليه أن يستعين بالله في مدافعة ذلك، وأن يكون يقظاً لما يعتريه، فإن الطريق صعب أمام الكسالى والمتهاونين.

стр. 346

أهمية العمل بالعلم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فقد روى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: (تعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء)، وروى عنه أيضاً أنه قال: (كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو متبعاً، ولا تكن الخامس فتهلك. قال: قلت للحسن: وما الخامس؟ قال: المبتدع). قال ابن عبد البر معلقاً: الخامسة التي فيها الهلاك معاداة العلماء وبغضهم، ومن لم يحبهم فقد أبغضهم أو قارب ذلك وفيه الهلاك. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: كان يقال: إذا استطعت فكن عالماً، فإن لم تستطع فكن متعلماً، وإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم. قال عمر بن عبد العزيز معلقاً: لقد جعل الله مخرجاً. ولقد شدد الأئمة رحمهم الله تعالى على العلم بالعمل، فعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (يا حملة العلم! اعملوا به، فإنما العالم من عمل ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً). وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يقول: (إنما أخشى من ربي يوم القيامة أن يدعوني على رءوس الخلائق فيقول لي: يا عويمر! فأقول: لبيك يا رب. فيقول: ما عملت فيما علمت؟) وأخرج عبد الرزاق عن علي ﵁ (أنه ذكر فتناً تكون في آخر الزمن فقال له عمر ﵁: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلم العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة).

стр. 347

القوتان اللتان بهما يصل العبد إلى مقصوده في الآخرة أيها الأخ في الله! ما علاقة العلم بالعمل؟ وأيهما أشد احتياجاً إلى الآخر؟ لما كان العباد قد خلقوا للعبادة، وكلهم سائر إلى ربه تعالى فملاقيه للحساب والجزاء كان السائر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصير إلى مقصوده إلا بقوتين: إحداهما: قوة علمية. والثانية: قوة عملية. فبالقوة الأولى العلمية ينار له الطريق، ويبصر منازله، فهو يسير ومعه هذا النور القوي نور العلم، فيفيده في ناحيتين في أثناء سيره، لا بد منهما لكل سائر: إحداهما: معرفة الطريق الصحيح والأقرب، فهو بهذا النور يعرف طريقه، ولا يتيه يميناً ولا شمالاً، وإنما هو سير على الجادة الموصلة إلى الله تعالى، وهو في سيره وإن طال الطريق إلا أنه يصبر؛ لأنه واثق من مسيره بهذا النور، ليس عنده تردد، وإنما هو الجزم والعزم والتوكل على الله ﵎. أما من لم يوفق إلى العلم الصحيح وإلى العلم المؤصل المبني على أدلة الكتاب والسنة فتجده في سيره متخبطاً، كلما أبصر طريقاً في سيره يميناً أو شمالاً سلكه، فهو تائه بين هذه الطرق وأنى له الوصول؟! الناحية الثانية التي يستفيد منها من نور الله قلبه بالعلم الصحيح: تجنب أسباب الهلاك ومواضع العطب، فهو بهذا النور مبصر لطريقه، عارف بما فيه من الأحجار والشوك والحفر ونحو ذلك، فهو يتجنبها ويحذرها، فهو حذر من البدع والمعاصي، ومواضع فتن القلوب التي تعرض لها، ووساوس شياطين الجن والإنس التي يحاول أصحابها صرف السائر إلى الله تعالى عن طريقه. فبالقوة العلمية وبنور العلم الصحيح يعرف الإنسان ويدرك أعلام الطريق الموصلة إلى الله، فيسلكها ويسير عليها، ويدرك مواضع العطب والهلكة فيتجنبها ويحذرها، هذه هي القوة العلمية. أما القوة العملية فهي حقيقة السير إلى الله تعالى في العمل والعبادة والطاعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل خير يقرب إلى الله ﵎. والإنسان إذا عرف الطريق والسفر ومنتهاه وذلك من خلال ماضي المعرفة والعلم قد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر، وهو أن يشمر عن ساعد الجد مسافراً في الطريق إلى الله تعالى، قاطعاً له منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع المرحلة الأخرى، واستشعر القرب من المنزل فهان عليه مشقة السفر. وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطاً وفرحاً وهمةً، فهو يقول: يا نفس! أبشري، فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرت وواصلت المسير وصلت حميدة منصورة جذلة، وتلقتك الأحبة بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درجات تلك الساعة، فالله الله لا تنقطعي في المفازة، فهو -والله- الهلاك والعطب لو كنت تعلمين. فإن استصعبت عليه فليذكرها ما أمامهما من أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من الإهانة والعذاب وأنواع البلاء، وليجعل حديث الأحبة حاديها وسائقها، ونيل معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصدق ودادهم وحبهم غذاءها وشرابها ودواءها، ولا يوحشه انفراده في طريق سفره، ولا يغتر بكثرة المنقطعين، وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج له المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول إليهم. فيا قرة عينه إذ ذاك! ويا فرحته إذ يقول: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]! ولا يستوحش مما يجده من كثافة الطبع ودأب النفس وبطء سيرها، وكلما أدمن على السير وواظب عليه غدواً ورواحاً وسحراً قرب من الدار، وتلطفت تلك الكثافة، وزالت تلك الخبائث والأدران، فظهرت عليه همة المسافرين وسيماهم، فتبدلت وحشته أنساً، وكثافته لطافة، ودرنه طهارة. أيها الأخ في الله! هكذا يصور ابن القيم رحمه الله تعالى الطريق، ويصور القوة العملية التي يسير عليها السائر إلى ربه ﵎، وهذه القوة العملية هي التي عبر عنها السلف الصالح رحمهم الله تعالى بالعمل، وهي الغاية التي من أجلها يتعلم الإنسان العلم، فهو علم وعمل حتى يلقى العبد ربه تعالى. أما الدنيا فدار عمل لا راحة فيها، وإنما الراحة الحقيقية راحة الآخرة، قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: عند أول قدم يضعها في الجنة. نعم أيها الأخ في الله، عند أول قدم يضعها في الجنة تكون الراحة، أما الدنيا فهي دار كد، ودار عمل، ودار أحزان، إن أفرحت أياماً أحزنت أياماً أخرى، وهكذا دواليك.

стр. 348

أصناف الناس تجاه قوتي العلم والعمل أيها الأخ في الله! تجاه تلك القوتين -القوة العملية والقوة العلمية- كيف تجد نفسك؟ وقبل أن تضع نفسك موضعها أذكر لك أصناف الناس تجاه هاتين القوتين: فمنهم صنف تكون عنده القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها، وأعلامها، وعوارضها، فهو إن تحدث أو تكلم يتكلم بكلام المتبصر العالم، المدرك لحقائق الدين وحقائق عوارض الطريق في السير إلى الله ﵎. ولكنه ضعيف في القوة العملية، فهو يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، وهو يرى المعاطب والمتالف من المعاصي والمنكرات ثم لا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل، فإذا حضر العمل شارك الجهال في التخلف، وفارقهم في العلم، هذا هو الصنف الأول. الصنف الثاني: من تكون له القوة العملية الإرادية، وتقتضي هذه السير والسلوك والزهد في الدنيا، والرغبة والتشمير في العمل، ولكنه لضعف القوة العلمية عنده يكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد، أو الانحرافات في الأعمال والأقوال، فهو شديد الهمة، كثير العمل، ولكنه ضعيف في باب العلم، فيقع في أنواع من البدع والمخالفات، هذا هو الصنف الثاني. الصنف الثالث: ضعيف في هاتين القوتين، فهو ضعيف العلم وضعيف العمل، فهو لكثرة القواطع وشدتها -لضعفه في هذين الأمرين- على طريقه هالك إن لم يتداركه ربه ﵎ برحمة منه، ضعيف العلم وضعيف العمل، فهو يتقلب في دنياه بين جهل وقلة عمل، قد تسلطت عليه شياطين الإنس والجن من جميع الجوانب، فهو على طريق هالك إن لم يتداركه ربه ﵎. الصنف الرابع: من كانت له هاتان القوتان جميعاً، فهو مستقيم في سيره إلى ربه ﵎ بعلم قوي ونور نافذ وعمل صالح دائمٍ غير منقطع إلى أن يلقى ربه ﵎، وهذا هو الذي يرجى له الاستقامة، ويُرجى له رد القواطع والموانع التي تمنع العبد وتعيقه في سيره إلى الله تعالى، وهؤلاء هم الموفقون السائرون على منهاج السلف علماً وعملاً، جعلنا الله ﵎ وإياكم من هؤلاء، ووفقنا لسلوك طريقهم بمنه وكرمه. هذه هي الأصناف الأربعة وضحت معالمها، فمن أيها نحن نكون أيها الأخ في الله؟! إن الأمر ليس بالأماني ولا الدعاوى، إن الأمر اجتهاد وعمل، إن الأمر تشمير في سيرك إلى ربك ، فأنت تطلب العلم وتعمل بهذا العلم، وهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 349

ما يهم الإنسان عند سلوكه طريق العلم والعمل إن العبد حين يسلك هذا الطريق -طريق العلم والعمل جميعاً- في أحواله وأقواله وأعماله فعليه أن ينتبه إلى أمرين مهمين: أحدهما: أن السفر إلى الله تعالى مقطوع به، ومدة سفر الإنسان هو عمره الذي كتب له، والأيام والليالي مراحل لسفره، فكل يوم وليلة فمرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر. والكيس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه، فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمل فيقسو قلبه ويمتد أمله وينشغل بالتسويف والتأخير، ولا يحزن من قلة السالكين، بل يسير على الدرب ما دام أنه على نور من ربه ﵎، وهذا هو معنى ما كان عليه السلف من حرصهم على العمل في كل يوم وليلة، فيعملون فيهما وكأنهما آخر أيامهم من الدنيا، وهكذا. الأمر الثاني: الحذر من الخواطر الشيطانية، وحراسة النفس من هذه الخواطر وحفظها، والحذر من الاسترسال معها؛ فإن هذه الخواطر الشيطانية أصل الفساد كله، ومن قبلها يجيء بذر الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، فإذا تمكن من بذرها تعاهدها الشيطان يسقيها مرة بعد أخرى، حتى تصير إرادات، ثم تصير عزائم، ثم لا يزال بها حتى تثمر الأعمال المنحرفة، نسأل الله السلامة والعافية. فلابد للعبد من دفع هذه الخواطر، وأن لا يتساهل فيها، فهي كمن يتهاون بشرارة من نار ربما تحرقه وتحرق بيته ومن حوله. ويستعين لحفظ النفس من هذه الخواطر بعدة أمور: منها: العلم الجازم باطلاع الله تعالى ونظره إلى قلبك، وعلمه بخواطرك: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]. ثانيها: حياؤك من الله تعالى أن تسترسل في هذه الخواطر التي تغضب الله تعالى. ثالثها: إجلالك لله أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته. رابعها: خوفك من الله أن تسقط من عينه بتلك الخواطر. خامسها: خشيتك من أن يتولد من تلك الخواطر ما يهلك القلب والعمل. سادسها: أن تعلم أن هذه الخواطر بحر من الخيال لا ساحل له، فإذا دخل القلب فيه غرق وتاه. سابعها: أن هذه الخواطر وادي الحمقى وأمان الغافلين، أما الحقائق فهي في الآخرة عند ربك ﵎ يوم القدوم عليه. فلابد للعبد من سير إلى ربه ﵎، ولا بد له في أثناء هذا السير من العلم والعمل، فشمر عن ساعد الجد طلباً للعلم، وعملاً وعبادة لله وحده لا شريك له، فهذا -والله- هو عز الدنيا والآخرة، وهذا هو -والله- فرح النصر، وهذا هو -والله- دواء كل مرض يعرض على النفس. إننا جميعاً مسئولون أمام ربنا ﵎ عن علمنا، وعن قوتنا، وعن شبابنا، وعن أعمارنا، فبماذا نحن مجيبون ربنا ﵎؟! يا طلبة العلم! انتبهوا للأمر فإن الأمر جد، انتبهوا للأمر فإن النفس تحتاج إلى مجاهدة، يا أيها المؤمنون! اجعلوا من الدراسة ومن طلب العلم على مختلف أشكاله باباً تنطلقون منه لعبادة ربكم ﵎، تعزون فيه دينكم، وتنشرون فيه دينكم، وترفعون فيه لواء هذا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. أيها المؤمنون! استعينوا بالله واصبروا، استعينوا بالله على طلب العلم، واصبروا على طلب العلم، استعينوا بالله واصبروا على طريقكم وسيركم إلى ربكم ﵎. اللهم! إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً، اللهم! إنا نسألك الاستقامة على دينك حتى نلقاك يا أكرم الأكرمين. اللهم! إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم! حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

стр. 350

أهمية العقيدة ومصدر تلقيها عند السلف من المعلوم أن العقيدة هي المحرك الأول للصراع بين الأمم والحضارات، وبها تحافظ المجتمعات على هويتها وثقافتها واستقلالها، وتتميز عقيدة الإسلام عن تلك العقائد بكونها هي الحق الذي يتواءم مع الفطر السليمة، والعقول المستقيمة؛ لأنها ربانية المصدر، سهلة المأخذ، لا يشوبها غلو ولا جفاء، لذلك لا جرم إن كانت منجية في الدنيا من الاضطراب، وفي الآخرة من العذاب. وهذه العقيدة الصافية الصحيحة هي ما كان عليه الصحابة الأخيار، وسلف الأمة الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 351

الأسس التي تميز العقيدة الصحيحة عن غيرها بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة في الله! حديثنا في هذه الليلة عن أهمية العقيدة، وعن مصدر تلقيها عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأنتم تعلمون جميعاً أن العقيدة لها أثرها الكبير في حياة الإنسان وفي حياة الأمم، ولكن ما هي هذه العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، ونتحدث عن مصادر تلقيها وعن أهميتها؟ لقد التبست الأمور في هذه العصور المتأخرة، حتى صار كلٌ يدعي أنه على عقيدة صحيحة، وصار الناس كما قال الشاعر: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل يدعي أنه على عقيدة، وأن عقيدته سليمة، وأن مصادرها صحيحة، ومن هنا -أيها الأخوة- فلا بد أن نبين بادئ ذي بدء ما هي العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، إنها عقيدة تتميز وتقوم على عدد من الأسس لابد من فهمها أولاً.

стр. 352

أنها عقيدة السلف الصالح أولها: أنها عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وليست عقيدة من خالفهم من أهل البدع من بين مشرق ومغرب، فهي عقيدة تمتد جذورها مع تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينتهي تاريخ الأنبياء بمبعث الخاتم محمد ﷺ الذي أتى بالعقيدة والشريعة كاملة، وليبقى أتباعه إلى يوم القيامة على ذلك المنهاج القويم.

стр. 353

أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله وحده ثانياً: أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله الواحد القهار، تقوم على أساس توحيد العبادة، فأساسها: هو لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله ليست كلمة يقولها الإنسان بلسانه وفقط، وإنما هي كلمة لما وزنت بالسماوات والأرض ثقلت عليها كما ورد في الأثر عن رسول الله ﷺ ، فهي عقيدة تمحض العبادة لله الواحد القهار، وهي عقيدة ترفض العبودية لغير الله ، وترفض أن يُصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، ومن هنا قامت هذه العقيدة على أسس ثلاثة: على الخوف من الله، والرجاء في الله، والحب في الله، وإذا اجتمعت هذه الأمور في قلب العبد المؤمن صار لربه عابداً مخلصاً، أما إذا صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله اضطربت أحواله وانتكس، وهذه حقيقة لا شك فيها أيها الإخوة المؤمنون!

стр. 354

أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة وتوحيد المتابعة ثالثاً: أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة، وهي قائمة على توحيد المتابعة لرسول الله ﷺ بشهادة أن محمداً رسول الله، ومقتضاها أن هذا النبي الكريم هو رسول الله حقاً، ومن ثم فإن ما جاء به من القرآن أو من الحديث، أو من سنته العملية أو من سيرته الصحيحة: فهو شرع يجب أن يقتدي به المسلمون، ومن ثم كانت شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أموراً كثيرة عظيمة لو تحققت في حياتنا -نحن المسلمين- لغرست في نفوسنا العقيدة السلمية؛ ولتحولت حياتنا إلى حياة أخرى غير ما نشاهده الآن، حيث نشاهد -نحن المسلمين- الأحداث من حولنا فيها الذل والتبعية، نعيش حياة الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، حتى أصبحنا كما أخبر عنا رسول الله ﷺ (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وفعلاً عددهم أكثر من ألف مليون مسلم، ولكنهم أمام أعدائهم غثاء كغثاء السيل!

стр. 355

أنها عقيدة مرتبطة بالعمل رابعاً: أنها عقيدة لا يقولها الإنسان بلسانه فقط، وإنما هي عقيدة تنتقل إلى واقع عملي في حياته، ومن ثم فهي عقيدة تنبثق منها، شريعة شاملة ونظام حياة. ومن هنا كان هذا الانبثاق من هذه العقيدة عقيدة، لا كما يقول البعض: إن الشريعة تنقسم إلى عقيدة وإلى أحكام وفروع، بل نقول: إن كل ما جاء به رسول الله ﷺ عقيدة تنبثق منها شريعة كاملة تنظم شئون الحياة من أولها إلى آخرها، فهي ليست عقيدة مختصة بالقلوب فقط، وليست عقيدة مستقرة بين الصدور فقط، وإنما هي عقيدة تتحول وتنطلق إلى عمل وإلى خلق وإلى عبادة وإلى ولاء وبراء وإلى جهاد في سبيل الله وإلى أعمال يسير فيها السائر والمهاجر إلى ربه ، يسير فيها حياته كلها ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، إي والله! فهي حياة تتحول عند المسلم إلى حياة طاعة وعبادة لله الواحد القهار. هذه العقيدة ليست كلاماً يقال ويدندن به فقط، وإنما هي أعمال تتحدث عن نفسها لتدل في النهاية على أن هذا الرجل صاحب عقيدة، وعلى أن هذا المجتمع مؤسس على عقيدة، وعلى أن هذه الأمة ربيت على عقيدة، لكن حينما تختلط الأوراق، ويشرئب النفاق، يجلجل البعض بصوته مدعياً، ولكن دعواه -حينما ينظر فيها من خلال الأعمال- يتبين أنها عكس ما يقول.
следующие страницы →