← Джавами‘

Джавами‘ · id 7739

دروس للشيخ عبد الرحمن المحمود

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (616 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأسس التي تميز العقيدة الصحيحة عن غيرها بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة في الله! حديثنا في هذه الليلة عن أهمية العقيدة، وعن مصدر تلقيها عند السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وأنتم تعلمون جميعاً أن العقيدة لها أثرها الكبير في حياة الإنسان وفي حياة الأمم، ولكن ما هي هذه العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، ونتحدث عن مصادر تلقيها وعن أهميتها؟ لقد التبست الأمور في هذه العصور المتأخرة، حتى صار كلٌ يدعي أنه على عقيدة صحيحة، وصار الناس كما قال الشاعر: وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك كل يدعي أنه على عقيدة، وأن عقيدته سليمة، وأن مصادرها صحيحة، ومن هنا -أيها الأخوة- فلا بد أن نبين بادئ ذي بدء ما هي العقيدة التي نتحدث عنها وعن أثرها، إنها عقيدة تتميز وتقوم على عدد من الأسس لابد من فهمها أولاً.

стр. 352

أنها عقيدة السلف الصالح أولها: أنها عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وليست عقيدة من خالفهم من أهل البدع من بين مشرق ومغرب، فهي عقيدة تمتد جذورها مع تاريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وينتهي تاريخ الأنبياء بمبعث الخاتم محمد ﷺ الذي أتى بالعقيدة والشريعة كاملة، وليبقى أتباعه إلى يوم القيامة على ذلك المنهاج القويم.

стр. 353

أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله وحده ثانياً: أنها عقيدة قائمة على إخلاص العبادة لله الواحد القهار، تقوم على أساس توحيد العبادة، فأساسها: هو لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله ليست كلمة يقولها الإنسان بلسانه وفقط، وإنما هي كلمة لما وزنت بالسماوات والأرض ثقلت عليها كما ورد في الأثر عن رسول الله ﷺ ، فهي عقيدة تمحض العبادة لله الواحد القهار، وهي عقيدة ترفض العبودية لغير الله ، وترفض أن يُصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، ومن هنا قامت هذه العقيدة على أسس ثلاثة: على الخوف من الله، والرجاء في الله، والحب في الله، وإذا اجتمعت هذه الأمور في قلب العبد المؤمن صار لربه عابداً مخلصاً، أما إذا صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله اضطربت أحواله وانتكس، وهذه حقيقة لا شك فيها أيها الإخوة المؤمنون!

стр. 354

أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة وتوحيد المتابعة ثالثاً: أنها عقيدة تقوم على توحيد العبادة، وهي قائمة على توحيد المتابعة لرسول الله ﷺ بشهادة أن محمداً رسول الله، ومقتضاها أن هذا النبي الكريم هو رسول الله حقاً، ومن ثم فإن ما جاء به من القرآن أو من الحديث، أو من سنته العملية أو من سيرته الصحيحة: فهو شرع يجب أن يقتدي به المسلمون، ومن ثم كانت شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أموراً كثيرة عظيمة لو تحققت في حياتنا -نحن المسلمين- لغرست في نفوسنا العقيدة السلمية؛ ولتحولت حياتنا إلى حياة أخرى غير ما نشاهده الآن، حيث نشاهد -نحن المسلمين- الأحداث من حولنا فيها الذل والتبعية، نعيش حياة الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، حتى أصبحنا كما أخبر عنا رسول الله ﷺ (ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وفعلاً عددهم أكثر من ألف مليون مسلم، ولكنهم أمام أعدائهم غثاء كغثاء السيل!

стр. 355

أنها عقيدة مرتبطة بالعمل رابعاً: أنها عقيدة لا يقولها الإنسان بلسانه فقط، وإنما هي عقيدة تنتقل إلى واقع عملي في حياته، ومن ثم فهي عقيدة تنبثق منها، شريعة شاملة ونظام حياة. ومن هنا كان هذا الانبثاق من هذه العقيدة عقيدة، لا كما يقول البعض: إن الشريعة تنقسم إلى عقيدة وإلى أحكام وفروع، بل نقول: إن كل ما جاء به رسول الله ﷺ عقيدة تنبثق منها شريعة كاملة تنظم شئون الحياة من أولها إلى آخرها، فهي ليست عقيدة مختصة بالقلوب فقط، وليست عقيدة مستقرة بين الصدور فقط، وإنما هي عقيدة تتحول وتنطلق إلى عمل وإلى خلق وإلى عبادة وإلى ولاء وبراء وإلى جهاد في سبيل الله وإلى أعمال يسير فيها السائر والمهاجر إلى ربه ، يسير فيها حياته كلها ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، إي والله! فهي حياة تتحول عند المسلم إلى حياة طاعة وعبادة لله الواحد القهار. هذه العقيدة ليست كلاماً يقال ويدندن به فقط، وإنما هي أعمال تتحدث عن نفسها لتدل في النهاية على أن هذا الرجل صاحب عقيدة، وعلى أن هذا المجتمع مؤسس على عقيدة، وعلى أن هذه الأمة ربيت على عقيدة، لكن حينما تختلط الأوراق، ويشرئب النفاق، يجلجل البعض بصوته مدعياً، ولكن دعواه -حينما ينظر فيها من خلال الأعمال- يتبين أنها عكس ما يقول.

стр. 356

أثر العقيدة الصحيحة على حياة الفرد

стр. 357

تغرس في النفس التوكل على الله الأمر الثالث: أن هذه العقيدة تغرس في النفس التوكل على الله والاعتصام به، وهذا يريح الإنسان كثيراً في حياته، فكم من إنسان خاف من غير الله فأصبح شريداً طريداً، خاف من غير الله فتحولت حياته إلى جحيم، يخاف مرة من الجن، يخاف مرة من العين، يخاف مرة من قطع الأرزاق، يخاف مرة مما لا يملك العباد منه شيئاً!! أما إذا توكل على الله واعتصم بالله فإنه يعيش سعيداً؛ لأنه يوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعليك أن توقن أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، كما أنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك أبداً، تلك والله عقيدة إذا غرست في النفوس تحول العبد إلى عبد لله حقاً.

стр. 358

تورث الشجاعة في الحق والثبات عليه الأمر الرابع: أن هذه العقيدة تورث الشجاعة في الحق والثبات عليه، وإن ضعف مواقفنا وضعف إيماننا وكثيراً من هزائمنا -النفسية وغير النفسية- إنما سببه أننا لم نؤمن بالله حق الإيمان، ولم تغرس في نفوسنا هذه العقيدة ذلك الغرس الصحيح، فلما أصبحت حياتنا على هذه الحال تحولنا إلى ضعفاء، تحولنا إلى جبناء حتى أمام أخس أعدائنا! وسنة الله أنه إذا اعتصم الإنسان بالله قواه الله ، أما إذا اعتصم بغيره وكله الله إلى ذلك الغير؛ فتحول إلى عبد ذليل لذلك الغير، وهذا أمر مشاهد.

стр. 359

تجلب للنفس الطمأنينة والانشراح هذه العقيدة ترجع أهميتها إلى عدة أمور: فهي عقيدة لها أثر عظيم جداً على حياة الفرد، وأعظم آثارها على حياة الفرد عدة أمور: أحدها: أنها تجعل النفس والقلب في طمأنينة وانشراح، فهي عقيدة إذا تحولت إلى عمل وتحولت إلى أعمال قلوب: انشرح الصدر واطمأن؛ ولهذا قال الرسول ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً)، وطعم الإيمان طعم خاص يحس به أولئك العابدون لله حتى قال قائلهم وهو يعيش في الدنيا عابداً لله: والله إن كان أهل الجنة يعيشون كما نعيش الآن في راحة نفس وطعم إيمان إنهم لفي عيش طيب. إن في الآخرة جنة لا يدخلها إلا من دخل جنة الدنيا، وجنة الدنيا إنما تكون بالعبودية لله وحده لا شريك له، عندما تقوم أيها العبد تصلي ركعتين لله الواحد القهار، تصوم يوماً لله الواحد القهار، تنفق نفقة لله الواحد القهار، تؤدي حجك، تؤدي فرضك، تقوم بواجباتك كلها وأنت تحقق العبودية لله الواحد القهار؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه -في كلمة له يجب أن نفهمها وأن نفقهها-: والله إني لا أحب الدنيا -أي: إنني لا أحب البقاء في الدنيا- لولا ثلاثة أمور ما هي هذه الثلاثة التي من أجلها أحب عمر بن الخطاب الحياة؟ وكلمته ﵁ تكتب بماء الذهب، قال: لولا ثلاث: إحداها: أن أسجد لله رب العالمين، وأؤدي الصلاة، فهو يفرح بالحياة؛ لأنه يصلي لله رب العالمين في كل يوم خمس مرات ما عدا النوافل. والثانية قال: ولولا أني أحمل في سبيل الله، أي: الجهاد في سبيل الله، فهو يحب الحياة؛ لأنه ينتقل من جهاد إلى جهاد. والثالثة: مجالسة الصالحين، يقول: وأني أجالس أقواماً يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر. رحمك الله يا أمير المؤمنين! يا عمر بن الخطاب! رحمك الله فلقد أحسست بقيمة العبودية لله الواحد القهار، وقد أصبحت موازيننا وقيمنا مختلفة تماماً عن تلك القيم التي كان عليها أولئك الصحب الكرام.

стр. 360

تخلص العبد من العبودية لغير الله الأمر الثاني من أثر العقيدة على الفرد: أنها تخلص العبد من العبودية لغير الله إلى العبودية لله ، ووالله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تجعل الإنسان عبداً لله ليس عبداً للمادة، ولا عبداً لملك من الملوك، ولا عبداً للشرف والشهرة، وإنما هو عبد لله الواحد القهار، والله لو لم يكن في هذه العقيدة إلا أنها تحرر الإنسان التحرير الحقيقي؛ لكفى بها أهمية، ولكفى بذلك أن يعتصم الإنسان بها، وأن يحافظ عليها، من تعلق بغير الله ﵎ ذل لذلك الغير، لكن من تعلق بالله صار عزيزاً.

стр. 361

أثر العقيدة الصحيحة على حياة الأمة والمجتمع

стр. 362

تربي المجتمع على الأخلاق الكريمة الأمر الثالث من آثارها على المجتمع: تربية المجتمع على الأخلاق الكريمة، نعم والله! إن العقيدة تربي الإنسان الصالح ليكون صالحاً في كل مكان. إن التربية الغربية -الإنجليزية أو الأمريكية أو الفرنسية- تربي المواطن حينما يكون في بلده، على أن يحافظ على القوانين والنظم، لكن حينما يخرج يتحول إلى ذئب مفترس يهين الناس ويقتلهم كما هو مشاهد، لكن العقيدة تبني الإنسان الصالح إن كان بين أقاربه أو غيرهم، إن كان في بلده فهو إنسان صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وإن كان مع أعدائه أو في غير بلده فهو صالح؛ لأنه يحمل عقيدة، وشتان شتان بين هذا وذاك.

стр. 363

تجمع كلمة الأمة الأمر الرابع: جمع كلمة الأمة، إن بعض الناس يقول: لا تركز على العقيدة؛ فإنها تفرق الأمة! ونحن نقول: والله إن العقيدة هي التي تجمع الأمة، تعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية، ما هي أسباب تفرقها؟ إن لها أسباباً كثيرة جداً، وأعظم الأسباب رايات القومية، المصالح المشتركة، العداء الأطماع إلى آخره، لكن العقيدة إذا وجدت تجمع الأمة ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، العقيدة تجمع لكن الاختلاف والتفرق له أسباب أخرى، ولا يجوز لقائل أن يقول: إن العقيدة تفرق، نقول: إن الذي يجمع الأمة وقد اختلفت بلدانها واختلفت لهجاتها وتعددت أعراقها وقبائلها؛ هي العقيدة الصحيحة التي جمعت بين صهيب وسلمان، والتي جمعت بينهم وبين أبي بكر وعمر بن الخطاب، العقيدة هي التي جمعت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها فصارت أمة واحدة، وهي التي تجمع الناس في كل زمان.

стр. 364

ظهور بركات السماء والأرض الأمر الخامس: من آثار هذه العقيدة أيضاً -وهو أثر عظيم جداً- ظهور بركات السماء والأرض، إن البركات تنزل حينما نعتصم بالله، ونكون على هذه العقيدة الصحيحة.

стр. 365

تنجي صاحبها يوم القيامة الأمر السادس: هناك أثر مهم جداً لهذه العقيدة، وهذا الأثر أخرته لأهميته ألا وهو: أنه ينجي الإنسان يوم القيامة من عذاب الله، ويجعله من أهل الجنة، والله لو لم يكن للعقيدة إلا هذا الأثر لكفى به أن يلتزم الإنسان بهذه العقيدة ويعتصم بها ولو ناله ما ناله، إن الدنيا قصيرة، والرحلة قريبة، والموت لا يفرق بين صغير أو كبير ولكن الشأن ما بعد الموت. أيها الإخوة في الله! إن هذه العقيدة حينما تكون عقيدة سليمة تنجي صاحبها يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، ما هو القلب السليم؟ إنه القلب المخلص لله، إنه القلب السليم من آثار الشبهات والشهوات، إنه القلب السليم الذي جاء ربه به أبونا إبراهيم أبو الحنيفية عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤]، ما هو القلب السليم؟ إنه قلب المؤمن، إنه قلب صاحب العقيدة الحنيفية الخالصة القائمة على عقيدة التوحيد والكفر بالطاغوت، القائمة على عقيدة الولاء والبراء، القائمة على عقيدة امتثال أمر الله وتطبيق شرعه والإيمان بأن ذلك عقيدة، إنها عقيدة متكاملة، فإذا أخلص العبد فيها لله رب العالمين جاء يوم القيامة آمناً ليشرب من حوض النبي ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من هؤلاء. أثر هذه العقيدة يدل على أهميتها العظيمة، ويدل على أنه يجب أن ندعو إليها، ويجب أن نركز على هذه العقيدة، ويجب أن نربي النفوس وأن نغرس في القلوب هذه العقيدة، نربي فيها الأسرة، نربي فيها الأمة، نربي فيها المجتمع، ندعو إليها في كل مكان.

стр. 366

تؤدي إلى استقلال الأمة ترجع أهمية هذه العقيدة إلى أن لها أثراً عظيماً في حياة الأمة وحياة المجتمع، ومن تلك الآثار: أولها: استقلال الأمة، فإنه لا يتم ذلك إلا باستقلالها في توحيدها وعقيدتها واعتزازها بدينها، وانظروا كيف كان حال العرب في الجاهلية قبل مبعث محمد بن عبد الله ﷺ ، كانوا متفرقين، كانوا يدينون بالولاء مرة للروم ومرة للفرس، فكيف استطاع العرب أن يستقلوا؟ وكيف استطاع العرب أن يقودوا العالم؟ إن ذلك لم يتم إلا حين استجابوا للمبعوث محمد ﷺ ، فآمنوا به وصدقوه وناصروه، وآمنوا بالله الواحد القهار رباً، ومن ثم تحولت حياتهم إلى حياة أخرى، ولم يمض عليهم وقت قصير إلا وقد أصبحوا قادة الأمم وسادتها، وهذه تجربة تاريخية مشاهدة أمام أعيننا. إن استقلال الأمم في جميع أمورها -الفكري، والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره- لا يكون إلا حينما تغرس العقيدة في هذه الأمة، فإذا غرست هذه العقيدة السليمة الصحيحة في هذه الأمة فلا بد أن يظهر فيها الاستقلال، ولا تكتفي بذلك، بل تعود قائدة رائدة للأمم جميعاً.

стр. 367

تحقق الأمن والأمان الأمر الثاني: وهو الأثر الكبير في حياة الأمة حينما تعتصم بعقيدتها، إنه الأمن، وما أدراكم ما الأمن؟ قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك، هكذا فسره الرسول ﷺ ، يتحقق الأمن حينما تخلص الأمة عبوديتها لله وحده لا شريك له، وحين تتخلص من عبودية الشرق أو الغرب، وحين تتخلص من عبودية الكرة والتمثيلية، وحين تتخلص من عبودية المادة، وحين تتخلص من عبودية الجن والسحرة والصوفية والقبورية، وحين تتخلص من عبودية العلمنة التي أصبحت تعيش بيننا ليلاً ونهاراً، إذا تخلصت من العبودية لتلك الآراء والأفكار، أتاها الأمن بإذن الواحد القهار، ونقف عند تجربة تتعلق بالأمن. أيها الإخوة المؤمنون! كانت قريش في الجاهلية قبيلة من القبائل تعيش مثل غيرها، ولكن جرى لها قبل مبعث النبي ﷺ بأربعين عاماً قضية وقصة مشهورة، ألا وهي أن أحد الكفار أراد أن يهدم الكعبة التي بناها إبراهيم، وكان يدين بدين النصرانية، وهو أبرهة، فجاء إلى مكة ليهدم الكعبة، وكانت قريش تعبد الأصنام، ولما جاء أبرهة بفيلته لم تستطع قريش مقاومته؛ لأنها لم تكن صاحبة عقيدة، بل فروا إلى الجبال وهم العرب الشجعان، انهزامية كما ينهزم العرب اليوم أمام أحفاد القردة والخنازير؛ لأنهم يرفعون راية العروبة ولا يرفعون راية العقيدة، وفرت قريش إلى الجبال، ولكن الله كان يريد لهذه الجزيرة أمراً آخر، فجاء أبرهة، وقبيل دخوله بجيشه مكة أرسل الله عليه طيراً أبابيل من السماء تحمل حجارة من سجيل فقضت عليه، فكيف انتهت النتيجة أيها الإخوة الأحباب؟! انتهت النتيجة بأن أبرهة هزم شر هزيمة، هزيمة نكراء، هزيمة تحدثت عنها الأمم في مشارق الأرض ومغاربها في ذلك الوقت، لكن على يد من؟ ليست هزيمته على يد قريش، وإنما جاء النصر من الله ، ووقع أن قريشاً كسبت القضية لأمر أراده الله ، فتحولت مكة وما حولها إلى أمن، حتى أصبح الإنسان في أي مكان سواء كان لصاً أو رئيس قبيلة تريد أن تغير على غيرها، سواء كان ذا قوة أو ليس ذا قوة؛ لا يفكر أبداً بأن يغزو قريشاً ولا أن يتعرض لها. أيها الإخوة في الله! قفوا عند هذه القضية فإنها مهمة، أمن الله قريشاً، بل أمن قوافلهم التي تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب في رحلة الشتاء والصيف، ولا يفكر أحد أن يعتدي عليها، لماذا؟ لأن قريشاً نصرت ذلك النصر العجيب، حين أرسل الله على أعدائها طيراً أبابيل، ولهذا لما بعث النبي ﷺ ، وأراد أن يجهر بالدعوة؛ قال كلمته المشهورة وقد صعد على الصفا: (يا معشر قريش! لو أخبرتكم أن خيلاً خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟! قالوا: نعم ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). قد يسأل سائل ويقول: إن هذا قياس مع الفارق، الرسول يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً خلف هذا الوادي يريد أن يغير عليكم هل تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ فاحتج عليهم بهذا أنه رسول من عند الله، إذاً: هو قياس مع الفارق، فمن الصعب أن يقول قائل: يا محمد! لو أخبرتنا أن هناك جيشاً لصدقناك، لكن أن تكون رسول الله فلا! لكن القضية هي متعلقة بقريش، فالأمن تحول عند قريش إلى أمن شامل حتى أصبح من المستحيلات، بل من عاشر عاشر المستحيلات أن يفكر في غزو مكة، فكأن الرسول يقول لهم: يا قريش! أنتم تعلمون أن هذا من المستحيل أن يأتي أحد ليغير عليكم، لكن ناشدتكم الله لو قلت: إن هناك جيشاً -مع أنه مستحيل- أتصدقوني؟ قالوا: لو أخبرنا واحد غيرك لكذبناه، لكن لأنك محمدٌ الأمين فلا نكذبك، فقال لهم: إذا صدقتموني في هذا الأمر البعيد المستحيل لو أخبرتكم به؛ فصدقوني في أمر آخر وهو أني رسول رب العالمين، جئتكم بين يدي عذاب شديد، وكانت الحجة قاطعة، ولكن هل استجابت قريش لرسول الله ﷺ ، وقد أنعم الله عليها بالأمن؟ لا والله. إن من المؤسف حقاً أن قريشاً لم تستجب، ولكنها احتجت بحجة غريبة جداً فقالوا للرسول ﷺ ما حكاه الله عنهم: ﴿َقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، قالوا: يا محمد! إن نؤمن بك تهجم علينا القبائل وتقاتلنا، انتبهوا إلى الحجة! إن نتبعك يا محمد تهجم علينا القبائل عن يميننا وعن شمائلنا ومن أمامنا ومن خلفنا، وتقتلنا وتزيل هذا الأمن! فقال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧]، كيف تحتجون بهذه الحجة؟ من الذي مكنكم حتى أصبحتم آمنين؟ إنه الله الذي أنزل على قلب محمد هذا القرآن، فلماذا تعكسون القضية؟ تعالوا -أيها الإخوة- إلى واقعنا اليوم، واقعنا اليوم هو نفس واقع قريش، إذا دعا الداعية وقال: أيها الناس! التزموا العقيدة، طبقوا الشريعة، قالوا: الغرب يأبى علينا، ولا يريدوننا أن نطبق العقيدة، إنهم سيهجمون علينا وسيقاتلوننا وسيزيلون ملكنا وسيصنعون وسيصنعون، سبحان الله هذه هي حجة قريش: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، وهؤلاء يقولون: إن نطبق الشريعة يغضب علينا الغرب، ويهجم علينا، ويقطع عنا المصالح! قال الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا)، ونحن نقول: أولم ينعم الله عليكم بالأمن؟ إن الحفاظ على الأمن لا يكون ولن يكون إلا بالحفاظ على هذه العقيدة، وعلى ما انبثق منها من شريعة، وهذه حقيقة لا شك فيها.

стр. 368

مصادر تلقي العقيدة الصحيحة هذه العقيدة التي ندعو إليها والتي بدأها رسولنا ﷺ ، والتي جددها المجددون في كل قرن، وقد جددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذه البلاد؛ هي عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى، هي الخط المستقيم حينما خط رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، ثم خط من حوله خطوطاً أخرى، فقال ﷺ (هذا سبيل الله، وهذه سبل الشيطان)، والعقيدة التي يجب أن نعتصم بها وأن ندعو إليها: هي عقيدة السلف، ومن ثم فإننا نحب أن نبين قضية كبرى تبين منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى في هذه العقيدة، ألا وهي مصدرهم في تلقي هذه العقيدة، ما هي مصادر تلقي هذه العقيدة؟ ومن أي مصدر نأخذها؟ وكيف نأخذها؟ إن مصادر تلقي هذه العقيدة تقوم على الأسس التالية:

стр. 369

ثالثاً: الإجماع ثالثاً: المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف الصالح: الإجماع، أي: ما أجمع عليه المسلمون وما أجمع عليه السلف الصالح خاصة، وقد يقول قائل: إن الإجماع إنما هو في باب الأحكام الشرعية، ونحن نقول: لا، إن الإجماع يكون أيضاً في باب العقائد، كم من قضية من القضايا محكومة عند سلفنا الصالح لا تحتاج إلى نقاش، بل تتحول عندنا إلى ثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان، لكنّ علمانيي وحداثيي زماننا عندهم شيء اسمه الثوابت والمتغيرات، يقولون: إن هناك كثيراً من المتغيرات تتغير بتغير الزمان والمكان، ونحن نقول: إن الذي يتغير هو أشكال الحياة ومادياتها، لكن أصولها لا تتغير، العبادة لله وحده لا شريك له، هي عبادة لله وأنت في كهف، وأنت تحت ظل شجرة، وأنت في خيمة، وأنت في الطائرة محلق في الفضاء، العبودية هي العبودية لله. طاعة الرسول ﷺ هي طاعته ﵊، أحكام الله ثابتة، حكم الله في المسح على الخفين لا يتغير بتغير الزمان والمكان، التيمم إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله لا يتغير، حكم الله ثابت، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بمحمد ﷺ واتباع شريعته كل ذلك لا يتغير. إذاً: في عقيدتنا ثوابت وأصول هي محل إجماع لا تتغير بتغير الزمان والمكان، أما ضعفاء الإيمان علمانيو عصرنا وحداثيوهم ومبتدعوهم فإنهم يريدون منا أن نغير حتى في تلك الثوابت التي لا يمكن أن تتغير، لقد قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي هو بشرى لكل مؤمن: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎. أيها الإخوة في الله! ومن مصادر التلقي هذه يتميز منهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى، ومن هنا فإننا إذا أردنا أن نغرس العقيدة في النفوس، وأن نعود إلى هذه العقيدة؛ فلا بد أن نعود إليها بأصولها ومصادرها كلها، لابد أن نعود إليها بفهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وحينما نحقق ذلك نعمر الكون، وحينما نحقق ذلك لا ننزوي وننكس رءوسنا ونموت، بل نعمر الأرض كما عمرها سلفنا الصالح، لقد فتحوا البلاد شرقاً وغرباً وعمروها وتقدموا علمياً في المخترعات، وحضارة أوروبا الآن إنما نشأت حينما اقتبسوا علومنا المادية. أيها الإخوة في الله! إنه لابد أن نعتصم بالله حتى نعود كما كنا أعزة بدين الله، معتصمين به، حتى نعود كما كان أسلافنا الصالحين رحمهم الله تعالى على إيمان قوي نرفع جباهنا أمام الأمم، معتصمين بالله متوكلين عليه.

стр. 370

ثانياً: الاعتماد على فهم الصحابة الأساس الثاني: اعتصامنا بالكتاب والسنة لا يكفي بمجرده، بل لا بد من أمر آخر، ألا وهو الاعتماد على فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ لأنهم هم الذين شاهدوا التنزيل، وهم الذين بلغوا الوحي، والقرآن الكريم إنما وصلنا عن طريق الصحابة، وكذلك سنة الرسول ﷺ وصلتنا عن طريق الصحابة ﵃ وأرضاهم، فهم أعلم منا بالكتاب والسنة، فإذا اختلفنا في فهم نص من نصوص الكتاب والسنة؛ فإن الواجب علينا أن ننظر إلى فهم أولئك الصحب الكرام ﵃ أجمعين؛ ولهذا كان أصحابه ﵊ ﵃ قد اختصوا بصفات عظيمة منها: شدة حرصهم على الحديث النبوي واهتمامهم في تفسيره، فهذا أحدهم يقول وهو يحدث عن رسول الله ﷺ : لقد سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به رسول الله ﷺ ، وهذا أبو هريرة الصحابي المكثر ﵁ قال له الرسول ﷺ لما سأله: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال له: (لقد ظننت يا أبا هريرة! ألا يسألني عن هذا أحد قبلك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، ثم قال: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). كذلك أيضاً: كان الصحابة أهل علم وفقه، كانوا يسألون رسول الله، وكانت عائشة لا تستشكل شيئاً إلا سألت رسول الله ﷺ عنه وراجعته فيه، وأنس بن مالك ﵁ يقول: كنا نكون عند النبي ﷺ فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه. إذاً: كانوا حريصين على سنة رسول الله ﷺ وحفظها وتبليغها، أما تبليغ القرآن فقد تكفل الله بحفظه، وقد كانوا حفظة له مبلغين، ثم حفظ الله هذا القرآن بجمعه وكتابته في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان ﵃. ثم إن هؤلاء الصحابة دعا لهم رسول الله ﷺ ، كما دعا لـ أبي هريرة وكما دعا لـ ابن عباس. ثم إن هؤلاء الصحابة كانوا يحتاطون كثيراً في تحديثهم عن رسول الله ﷺ . أيها الإخوة في الله! إننا حينما نقول: إن من مصادر فهم الكتاب والسنة فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ إنما نقول ذلك لأن هذا يحدد المسار الصحيح لمنهج السلف الصالح ﵏. لقد وجد في زمننا هذا، بل وجد قبل ذلك من يأخذ بنصوص الكتاب والسنة دون أن يرجع إلى فهم السلف الصالح، فأهل البدع قديماً كانوا يأخذون بالكتاب والسنة مع مصادرهم الأخرى من عقولهم، فإذا قيل لهم: إن هذا مخالف لفهم الصحابة والسلف، قالوا: هم رجال ونحن رجال! فوقعوا في الجدال، ووقعوا في التحريف، بل وقعوا في أنواع من التحريف الباطل الذي هو كفر بالله ، فهؤلاء الرافضة -عليهم من الله ما يستحقون- إذا تلوت على أحدهم قول الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] قال: أتدري ما اللؤلؤ والمرجان؟ اللؤلؤ والمرجان هما الحسن والحسين، الله يقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٢]، وهذا يقول: الحسن والحسين! وإذا تلوت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] في قصة موسى وبني إسرائيل؛ قال لك هذا الباطني الرافضي: البقرة هي عائشة ﵂! وهكذا من دونهم من أهل البدع، يفسرون النصوص بأهوائهم، وفي عصرنا وجد العلمانيون الذين لا يستطيعون رفض التراث -كما يسمونه- لأنهم يعلمون أن الطعن في الكتاب والسنة ردة، ولكن يقولون: نحن لا نفسر القرآن والسنة كما فسرها الصحابة والسلف، فهم رجال ونحن رجال. وهذا وقع كثيراً حيث يأتي أحدهم إلى كتاب الله تعالى ويفسر الآية كما يشاء، فتقول له: لقد أجمع المسلمون على هذا الفهم، ولا يجوز الخروج على إجماعهم، فيقول: لا، لكنني أنا عربي وأفهم! وجاءوا بتأويلات وتحريفات لنصوص الكتاب والسنة حتى ضاع الدين، وحتى حولت العلمنة الإسلام في كثير من بلاد المسلمين إلى دين شكلي، وضاعت الشريعة، فالربا تحول إلى ضرورة اقتصادية بفتاوى من هؤلاء، والخمر سميت بغير اسمها، وعطلت الشريعة وإقامة الحدود وتطبيق أحكام الله في جميع الأمور، وقالوا: هذا لا يمكن تطبيقه في عصرنا الحاضر، وإنما هذا يصلح للعصر البدوي! قرأت لأحد الحداثيين يقول عن حكم السرقة: يجب أن نفهم حكم السرقة فهماً عصرياً حديثاً، ويجب أن نرجع إلى أسباب النزول، قال: نزلت آية السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، والعرب كانوا بدواً رحلاً ليس عندهم سجون ثابتة؛ لذلك عدلوا عن السجن إلى قطع اليد، لكن في عصرنا الحاضر بنيت الفلل والبيوت والخرسانة المسلحة؛ فينبغي لنا أن نرجع إلى الأصل فنعدل عن قطع يد السارق إلى السجن! أرأيتم إلى فهم هذا الحداثي! وهو أستاذ الحداثيين في بلادنا. أيها الإخوة! إننا حينما نعدل عن فهم السلف الصالح ونترك الحبل على غاربه لكل من يريد أن يفتي بلا علم شرعي؛ يتحول إسلامنا وديننا إلى أن يكون إسلاماً أملس شكلياً، وأعداؤنا يريدون أن يكون إسلامنا شكلياً، لكن يجب أن نعود إلى أصول العقيدة، وأن نرجع إلى المنهج الصحيح في فهم هذه العقيدة وفي تطبيقها، وإن غضب الكثير الكثير من بني جلدتنا وأبناء عمومتنا.

стр. 371

أولاً: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أولها: أن المصدر الأساس لهذه العقيدة: هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ رتب الله عليهما الإيمان في مثل قول الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وتحكيم الرسول إنما هو تحكيم لما جاء به من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ ؛ ولهذا قال الله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]، لا يتبعون المتشابه، ولا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض كما قال ربنا ﵎ عن المنافقين: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، الكتاب والسنة هما مصدر العقيدة، فكتاب الله ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، وسنة النبي ﷺ هي التطبيق العملي لذلك الكتاب، ومن ثم فإننا نأخذ عقيدتنا من الكتاب والسنة، فإن أعظم مصدر للعقيدة هو الكتاب، ووالله لو تأملنا كتاب الله تعالى لوجدنا فيه القضايا العقدية المتعددة، سواء ما يتعلق بتوحيد الربوبية، أو الألوهية، أو الأسماء والصفات، أو الإيمان بالقضاء والقدر أو الإيمان باليوم الآخر، أو بالرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ ، ففي هذا القرآن ما يشفي الصدور، ويعمر القلوب، ويغذي النفوس بعقيدة صالحة. ثم بعد ذلك سنة رسول الله ﷺ ، والحمد لله أن الله هيأ لهذه الأمة من يمحص سنة النبي ﷺ ويميز صحيحها من ضعيفها؛ فجاءتنا سنة الرسول ﷺ صافية، صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله، صحيح مسلم هو الكتاب الثاني بعد صحيح البخاري، فكل ما فيهما من الأحاديث صحيحة، وهل فيهما عقيدة؟ نعم والله! فيهما عقيدة، بل أبواب من أبواب العقيدة، في صحيح البخاري تجد كتاب الإيمان، تجد كتاب التوحيد، تجد كتاب القدر، تجد كتاب الفضائل لأصحاب رسول الله ﷺ ، تجد كتاب بدأ الخلق، تجد كتاب القيامة وما فيها، والجنة وما فيها، أبواب وكتب في صحيح البخاري، وكذلك أيضاً في صحيح مسلم، وكذلك أيضاً في غيرهما من السنن والمسانيد، وكل ذلك عقيدة صافية ممحصة. فنحن نجعل هذا الكتاب الكريم والسنة النبوية هما المصدر؛ ولهذا أيها الإخوة في الله! سئل الزهري -الإمام المشهور- عن قول النبي ﷺ (ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود)، ما معناه؟ فأجاب بجواب يبين كيف نتعامل مع سنة الرسول ﷺ ، قال ﵀: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، نسلم بما جاء من رسول الله ﷺ ، ولهذا يقول الله في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، فإذا اختلفنا في شيء فإلى من نرده؟ هل إلى أهواء البشر وإلى قوانين البشر وإلى عادات البشر؟ لا، بل نرد الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه عقيدة، فإذا اختلفت الأهواء وتعددت البدع فإلى من نتحاكم؟ نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ؛ لنميز المنهج الصحيح من غيره، وحين تختلف الأمة في أحكام الحوادث النازلة بها، فيجب عليها عقيدة أن تتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ . يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وغيرها من الآيات التي تأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة، يقول شيخ الإسلام: وفي هذه الآيات أنواع من العبر الدالة على ضلال من تحاكم إلى غير الكتاب والسنة، وعلى نفاقه وإن زعم أنه يريد التوفيق -انتبهوا! - بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات من الأمور المأخوذة من بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب. المنافقون يريدون التوفيق بين نصوص الوحي وبين أهوائهم، يريدون التوفيق بين العقل وبين النقل، يريدون التوفيق بين نصوص الشرع وبين السياسات الجائرة والقوانين الوضعية، فماذا يقول الله عنهم؟ ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٢]، ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق، فبين الله أن هؤلاء منافقون. أيها الإخوة في الله! ومن هنا فإن التنازع يجب أن يرد حين يقع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، ومن ثم فإن الناس تجاه الكتاب والسنة ينقسمون إلى أربعة أقسام: القسم الأول: يقبل الكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً. القسم الثاني: يقبله ظاهرا ًولكنه يرده باطناً، وهؤلاء هم المنافقون الذين يقولون: نحن نريد الكتاب والسنة، ونعتمد على الكتاب والسنة، ونريد أن تكون عقيدتنا قائمة على الكتاب والسنة، لكنهم في الباطن مخالفون لهذا، ويجلسون مع أعداء الله من المنافقين ومن غيرهم ويقولون لهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤]. القسم الثالث: من رده ظاهراً وباطناً، وهؤلاء هم الكفار. القسم الرابع: من قبله باطناً، ولكنه جحده ظاهراً لأمر طرأ عليه، وهذا قد يقع لبعض المستضعفين الذين أكرهوا وقلوبهم مطمئنة بالإيمان. أيها الإخوة في الله! إن المصدر الأساس لهذه العقيدة هو الكتاب والسنة، وفي الكتاب والسنة ما يغني ويكفي والحمد لله.

стр. 372

السنة تشمل المتواتر وما صح من الآحاد قد أشرت إلى أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة، والسنة في منهاج السلف الصالح: هي كل ما صح عن رسول الله ﷺ ، ومن ثم فلم يكن السلف الصالح رحمهم الله تعالى يفرقون بين ما هو متواتر وآحاد، وعلماء الحديث يقسمون الحديث إلى قسمين: متواتر: وهو ما رواه جمع عن جمع يستحيل عليهم الكذب. والآحاد: وهو ما دون ذلك، إما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر لكن لم يبلغ حد التواتر. منهاج السلف الصالح أنهم يحتجون بالأحاديث إذا صحت دون أن يفرقوا بين المتواتر وغير المتواتر، لكن أهل البدع من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم قالوا: إن أخبار الآحاد تفيد الظن فلا يحتج بها في باب الاعتقاد، ونقول لهم: إن هذا ضلال وانحراف، ولم يكن أصحاب النبي ﷺ يعرفون هذا التفريق بين أحاديث الآحاد وغيرها، ولم يكونوا يميزون بين العقيدة والأحكام، بل يأخذون بأحاديث الآحاد سواء كانت مما ترتب عليه حكم شرعي أو كان خبراً عن الله أو خبراً عن اليوم الآخر، أو أي قضية من قضايا العصر؛ ولهذا فإن منهج السلف الصالح ﵏ أن الحديث الصحيح إذا ثبت وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد العلم، ويحتج به في باب العقيدة كما يحتج به في باب الأحكام الشرعية، والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يتلقون الحديث ولو كان آحاداً، ولم يكونوا يفرقون بين ما هو عقيدة وما هو شريعة، فالصحابة وصدقوا بأحاديث عذاب القبر وهي أحاديث آحاد ليست متواترة، صدقوا بالأحاديث المتعددة المتعلقة بحوض النبي ﷺ أو بالميزان أو بالصراط أو حتى فيما يتعلق ببعض صفات الله تعالى، وأثبتوها وإن كانت أحاديث آحاد ليست متواترة، لم يكونوا يفرقون بين هذا وهذا، النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، ولما بعثه علمه كيف يدعو فقال له: (يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهل قال المسلمون هناك في اليمن لـ معاذ: أنت أتيتنا بعقيدة أنه لا إله إلا الله، لكنك واحد، وهذا خبر آحاد لا نقبل هذا حتى يأتي معك جمع؟! لم يفعلوا ذلك، وإنما استجابوا لـ معاذ. وهكذا كان النبي ﷺ يرسل الآحاد إلى الملوك وإلى القبائل معلمين لهم العقيدة شارحين لها، وكان أولئك يتقبلونها دون أن يفرقوا بين العقائد والأحكام. إذاً: ما عليه أهل البدع من المعتزلة والمدرسة العقلية الحديثة وغيرهم من الطعن في سنة رسول الله ﷺ ؛ مخالف تمام المخالفة لمنهاج السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 373

الأسئلة

стр. 374

تحصيل الخوف من الله تعالى السؤال أنا طالب علم أعرف كثيراً من الأحكام الشرعية، ولكنني أجد نفسي ضعيفاً في فعل الواجبات وترك المحرمات، فكيف أنمي في نفسي الخوف من الله ؟ الجواب ندعو الله لك ولنا وللحاضرين، أن يقوي إيماننا، فكلنا نمر بهذا الضعف الذي تمر فيه، كلنا نمر بهذا ونقع في المحرم، ولهذا فإنني أقول لك أولاً: لا يدخل عليك الشيطان لييئسك من رحمة الله، الشيطان على الإنسان حريص يريد أن يضله، وله مع الإنسان في المعصية مرحلتان خبيثتان، إحداهما: قبل المعصية، يأتيه الشيطان ويزين له المعصية: هذه بسيطة وسهلة! ولا يدري عنك أحد! ولا كذا ولا كذا إلى آخره، حتى يورط الإنسان فيقع في المعصية، فإذا ما وقع في المعصية أتاه الشيطان مرة أخرى بطريقة ماكرة خبيثة، فقال له: أتدري ماذا صنعت؟ إنك فعلت كذا وكذا، إنك أغضبت الله، إنك إنسان منافق لا تصلح للإيمان، إنك إنسان يظن الناس فيك الخير لكنك خبيث النفس! ولا يزال به حتى ييئسه من رحمة الله! انظر كيف الخبث، قبل المعصية يزينها له، وبعد المعصية ييئسه من رحمة الله ﵎؛ ولذلك فإنني أنصحك أولاً: ألا تخضع للشيطان لتقع في اليأس من رحمة الله. ثانياً: أن تبحث عن الوسائل التي تقوي إيمانك وأنت في هذه الحالة، والمريض أدرى بنفسه وبعلاجه، ابحث عن العلاج، الأدوية موجودة، القرآن شفاء، السنة النبوية نور، مجالسة الصالحين تقوي الإيمان، وعبادة الله ترفع الإنسان درجات وتقوي إيمانه، ذكر الله على كل حال يقوي إيمانك، الأدوية موجودة ومتوافرة والحمد لله، فابحث عما يصلح لك ويقوي إيمانك، وأنا أقول لك: إن هذه الأدوية تتفاوت فابحث عن الدواء الناجح، بعض الناس إذا قرأ القرآن استراح قلبه وقوي إيمانه، لكن بعض الناس إذا أخذ يقرأ القرآن أتاه وتسلط عليه الشيطان؛ فليبحث عن دواء آخر، ليبحث مثلاً عن الأخ الوفي الصادق الصالح ليجالسه كما قال عمر بن الخطاب لولا ثلاث لما أحببت البقاء في الدنيا -وذكر اثنين ثم قال:- وأناس يلتقطون أطايب الكلام كما يلتقط أطايب التمر، فاجلس معه، فإنك ربما تأتيه وأنت ضائق الصدر فتجده مرتاحاً، تجده مشمراً، عنده تفاعل عظيم وثقة في الله، فإذا ما جلست معه وتحدثت وإياه تأثرت به، فأصحاب النبي ﷺ كان الواحد منهم يقول لأخيه: يا فلان! تعال اجلس بنا نؤمن ساعة، لما يجد من أثر الأخوة الصادقة، فابحث عن هذه العلاجات وادع ربك، فإن الله أخبرنا بأن العبد إذا تقرب إلى الله شبراً تقرب إليه باعاً، وإذا أتى الله يمشي أتاه هرولة، ولا يزال العبد يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الله، فإذا أحبه الله فما أعظم سعادته! يتحول إلى إنسان رباني، تتحول حياته كلها إلى طاعة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هؤلاء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 375

حكم تعليق الخيوط على البطون مع اعتقاد نفعها السؤال بعض الناس يعلقون سيوراً على بطونهم، ويعتقدون أنها تنفعهم، فما حكم من فعل ذلك جهلاً، أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب هذه من التمائم، وهي من الشرك، وقد حذر منها رسول الله ﷺ ، وحكمها واضح، ونحن نقول: من علقها جهلاً يجب أن يعلم، فإذا رأى الإنسان شخصاً علق سلسلة في يده أو حلقة في عضده أو حبلاً أو سيراً على بطنه من جلد أو غير ذلك فهذه من التمائم التي هي شرك، وهذه التمائم إن اعتقد صاحبها أنها بذاتها تدفع عنه من دون الله فهذا شرك أكبر، لكن إن اعتقد أن الذي يرفع الضر أو المرض هو الله لكنها سبب، فهذا شرك أصغر، يخاف على صاحبه من العذاب.

стр. 376

الضابط في معرفة إجماع السلف السؤال فضيلة الشيخ! لقد أشكل علي فهم المصدر الثالث وهو الإجماع، فهل المقصود به إجماع الصحابة أم إجماع من بعدهم حتى إجماع علمائنا في هذا العصر؟ الجواب الإجماع يشمل العقيدة والأحكام، كانت هناك أحكام مجمع عليها في عهد الصحابة، أحكام شرعية في الصلاة والزكاة والحج والطلاق وغيرها، وكانت هناك أشياء وأمور أجمع عليها التابعون، وهناك أمور أجمع عليها العلماء في القرن الثالث، على خلاف بين العلماء في حجية الإجماع، فهذا إجماع في باب الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية تقبل الاختلاف، ويختلف فيها نظر المجتهد، والصحابة اختلفوا، ومن ثم وجدت المذاهب الفقهية، فقيل المذهب الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي، ولم ينقطع الاجتهاد إلى عصرنا الحاضر، فلا يزال الاجتهاد قائماً لأهل الاجتهاد، فهم يجتهدون في المسائل، فإذا وقع الإجماع في أي عصر من العصور فإنه يكون حجة، ولا يجوز لأحد أن يخالفه. القضية الثانية: الإجماع في قضايا العقيدة، قضايا العقيدة ما فيها خلاف؛ ولهذا فإن الذي يخالف في العقيدة مبتدع، ليس لنا أن نقول: هل استوى الله على العرش؟ فيها قولان: قيل: يثبت أنه استوى، وقيل: استولى! ليس عندنا هذا، ما عندنا إلا قول واحد أجمع عليه السلف ألا وهو: أن الله استوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، ومن قال: استولى أو نفى العلو فهو ظالم؛ لهذا فإنا نقول: إجماع الصحابة حتى نحتج على أهل البدع، فإن العقيدة أجمع عليها الصحابة ولم يختلفوا إلا في أمور يسيرة قابلة للاجتهاد، مثل هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج بأم عينيه أم لا؟ اختلف الصحابة في هذه المسألة، والقول الصحيح أنه لم يره بأم عينيه، والصحابي الذي قال: رآه بأم عينيه رجع عن هذا القول. إذاً: ما أجمع عليه الصحابة في أمور الاعتقاد، وما أجمع عليه السلف الصالح يحدد فهمنا للنصوص المتعلقة بالعقيدة، وهذا الإجماع حجة؛ ولذلك لا يأتي أحد الآن ينكر قضية من القضايا المتعلقة بأسماء الله أو صفاته أو الإيمان باليوم الآخر أو الملائكة، وهي أخبار غيبية واردة وموجودة نصوصها، ولا تختلف فيها النصوص، ولا يختلف فيها الصحابة، فلا يأتي أحد في يوم من الأيام ويقول: هل في هذه المسألة أقوال، ومن ثم فإننا نقول: ما أجمع عليه الصحابة وكذلك أيضاً ما أجمع عليه السلف الصالح في القرون المفضلة الثلاثة فهو حجة، من جاء بعدهم يوزن وتوزن أقواله بأقوال هؤلاء؛ ولذلك فإننا نعتبر المخالف من أهل البدع، مثلاً: الصحابة أجمعوا على الإيمان بالقضاء والقدر، ووجد في آخر زمن الصحابة من يقول: إن الأمر أنف، لم يسبق لله فيه علم، فهل نقول: هذا فيه خلاف وليس فيه إجماع؟! الصحابة أجمعوا على الإيمان بالقضاء والقدر، وخلاف هؤلاء لا يعتد به، ومن ثم فإن هذا هو الإجماع الذي يعتمد، ثم في القرن الرابع نشأ المذهب الأشعري، أو نشأ المذهب الماتريدي، أو نشأ مذهب الكرامية، أو غيرهم من أهل البدع، فإذا جاء أحدهم يقول: أنا عندي العالم الفلاني يقول: كذا وكذا ينفي العلو أو ينفي صفة من صفات الله أو نحو ذلك، فماذا نقول له؟ أنقول له: المسألة خلافية؛ لأن القضية اختلف فيها في القرن الرابع أو الخامس، وما دام قال العالم الفلاني كذا والعالم الفلاني كذا، فالمسألة خلافية، وكل واحد له اجتهاده، ومن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر؟! لا فهذه القضية لم يختلف فيها الصحابة، أجمع عليها الصحابة وإجماعهم حجة، فنقول: ائتني بدليل أو بقول واحد من هؤلاء يقول بقول هذا العالم! ولهذا قال العلماء حتى في باب الأحكام الشرعية: إن العلماء إذا أجمعوا على عمل لا يجوز لمن بعد زمنهم أن يخالف فيه، كذلك نحن نقول: أجمع الصحابة وأجمع السلف الصالح من القرون المفضلة على هذه العقيدة وعلى فهمها الصحيح، فمن جاء في القرن الرابع أو الخامس أو السادس أو العاشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر ليقول بقول مخالف لهذا فإننا نرد قوله؛ لأنه مخالف لإجماع السلف.

стр. 377

الكتب والمتون التي ينصح بدراستها وحفظها السؤال ما هي المتون التي ترشدنا إلى أن نحفظها في هذه العقيدة العظيمة؟ الجواب لقد بينا أن مصدر العقيدة هو الكتاب والسنة؛ لذلك فإننا نقول: إن الذي يجب أن يعتمد عليه الإنسان أولاً في العقيدة هو مصدرها الأصلي، ارجع إلى الكتاب والسنة، والإنسان إذا وفق لحفظ كتاب الله أو حفظ ما تيسر منه، وواظب على تلاوة هذا الكتاب العظيم، ينبغي له أن يتجه أيضاً إلى الحرص على سنة رسول الله ﷺ ، فيحفظ منها ما شاء الله، وهذا الإنسان بدون شك أنه يرجع إلى حفظه ذلك؛ لذلك فأي مصدر آخر وأي كتاب آخر سنذكره فهو يرجع إلى الكتاب والسنة. وإذا أردت أيها السائل تحديداً للكتاب الذي ترى أن ترجع إليه في باب العقيدة فأقول: إن كتب العقيدة كثيرة والحمد لله، فارجع أولاً بعد الكتاب والسنة إلى كتب السنة التي تبين عقيدة السلف، ثم إلى كتب الأئمة الذين شرحوا وبينوا هذه العقيدة، مثل كتب ابن قتيبة، وكتاب السنة لـ ابن أبي عاصم، وكتاب السنة للالكائي، وكتاب العلو للذهبي، وكتاب الشريعة للآجري، وكتاب التوحيد لـ ابن مندة، وكتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب الدارمي في الرد على الجهمية. وفي العصور التي تلت ذلك ارجع إلى كتب شيخ الإسلام، وبالأخص ما تجده في مجموع الفتاوى في المجلدات الأولى، فإن فيها العقيدة الواسطية، والتدمرية، والحموية، والمراكشية، وكتاب شرح الأصفهانية ليست موجودة فيها لكن هي مطبوعة مستقلة، وهذه الكتب لـ شيخ الإسلام هي كتب ذات منهج سليم في بيان عقيدة السلف الصالح ﵏. وفي العصر الحاضر ارجع إلى كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وإلى شروحه، ومن أفضلها فتح المجيد، وإلى شرح العقيدة الواسطية للشيخ الفوزان أو للشيخ العثيمين أو لغيرهما من الفضلاء، فإن شروحها كثيرة، الشيخ عبد العزيز السلمان له شرح، والشيخ ناصر الرشيد له شرح، والشيخ زيد الفياض له شرح، فكل واحد من هذه الشروح كاف، وقد أجاد فيها أصحابها وفقهم الله جميعاً، وهي على منهاج السلف الصالح. ولابد أن تجمع بين كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشرحه وبين الواسطية؛ لتجمع بين شرح توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات. وأوصيك أخيراً بكتابين أحدهما: كتاب طيب جداً يصلح للمبتدئين من طلبة العلم، ألا وهو أعلام السنة المنشورة للشيخ حافظ حكمي فإنه أتى به على صيغة السؤال والجواب بما يقارب المائتي سؤال، وهو كتاب مبسط ممتاز، وهو -والحمد لله- مطبوع ومنتشر. الكتاب الثاني -وهو كتاب واسع الانتشار- ألا وهو معارج القبول للشيخ حافظ حكمي أيضاً، وهذا الكتاب متكامل فيه شرح لعقيدة السلف وتوضيح لها بشكل ممتاز جداً، شرح توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية وما يضاده ومسائله والشرك وأنواعه والنفاق، شرح هذه الأمور بشكل ممتاز جداً فارجعوا إليه، والكتاب الأول (أعلام السنة) يكاد أن يكون مختصراً لهذا الكتاب، والكتب كثيرة يكفي منها ما ذكرناه. أما بالنسبة للمتون التي سأل عنها الأخ فإنها -والحمد لله- كثيرة، لكن أوصي بثلاثة متون أحدها: العقيدة الواسطية، الثاني: لمعة الاعتقاد، الثالث: سلم الوصول للشيخ حافظ حكمي، والأولان نثريان، أما الثالث -وهو سلم الوصول- فهو نظم، وهو الذي شرحه الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول، وسلم الوصول يمتاز بتكامله وشموله للعقيدة وسهولته ووضوحه، وهناك متون مفيدة كثيرة.

стр. 378

حلقات تعليمية - السيرة النبوية في العهد المدني - غزوة تبوك غزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها النبي ﷺ ، وقد لاقى فيها النبي ﷺ وأصحابه المشاق والمتاعب، وعانوا من قلّة الظهر والزاد، ولهذا سميت غزوة العسرة، ولذلك ففيها دروس وعبر عظيمة، ومن خلالها ظهرت حكم وتشريعات جليلة.

стр. 379

غزوة تبوك مواقفها ودروسها

стр. 380

سبب تسمية غزوة تبوك بهذا الاسم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فموضوع هذا الدرس عن آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، ألا وهي غزوة تبوك، وإن الإنسان لينظر اليوم إلى حال إلى الأمة الإسلامية فيرى عجباً، ويقرأ في سيرة الرسول ﷺ فيرى فيها من العبر والعظات ما يجعل اقتفاء أثر تلك السيرة أمراً واجباًً علينا جميعاً، وحديثنا عن هذه الغزوة -إن شاء الله تعالى- سيكون حديثاً موجزاً؛ لأن هذه الغزوة تحتاج إلى عدد من الدروس، وما دمنا سنوجز فسنضطر أحياناً إلى الاختصار، سواء كان في السياق أو في بعض الدروس. وأقول في البداية: إن أول قضية سنعرض لها هو مجمل مختصر لسياق هذه الغزوة: هذه الغزوة سميت بغزوة تبوك لأن النبي ﷺ لما قدم متوجهاً إلى جهة الشام وكان في منطقة المنتصف بين المدينة ودمشق تقريباً قال ﷺ : (إنا قادمون غداً إلى عين، فمن وصل منكم إليها فلا يمسها)، ولكن سبق إليها اثنان فمساها، فلما أقبل رسول الله ﷺ على العين وجدها تسرب سرباً ضعيفاً، فقال للرجلين: (هل مسستماها؟ قالا: نعم. فسبهما رسول الله ﷺ ، وقد كانا يبوكانها -أي: يحركانها- ليزداد ماؤها، والنبي ﷺ نهى أن تمس حتى تبقى عيناً فائضة، فسميت الغزوة من هذه الحادثة؛ لأنهما كانا يبوكان العين، أي: يحركانها.

стр. 381

تاريخ وقوع غزوة تبوك وهذه الغزوة كانت سنة تسع من الهجرة في شهر رجب، وكانت في وقت القيظ والحر الشديد، حتى قال الواصفون لها: إن الحر كان قد اشتد، وطابت الظلال والثمار، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بأن يتأهبوا لغزو الروم، والروم في عرف ذلك الزمان كانت أقوى دولة في العالم، سواء من جهة موقعها الجغرافي، أو من جهة نفوذها، فقد كانت متنفذة على كثير من نصارى العرب في شمال الجزيرة، بل وفي جنوبها. وأمر رسول الله ﷺ المسلمين جميعاً بالنفير، ولما كان الأمر كذلك، وكان النفاق قد اشرأب- كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى- أخذ يتباطأ بعض المنافقين، وأخذ المسلمون الصادقون يتهيئون للجهاد مع رسول الله ﷺ ، وحظ على النفقة، فأنفق الصحابة ما لديهم من مال، وتنافسوا في ذلك، ثم تجمع ذلك الجيش الكبير الذي بلغ -على أصح الروايات- أكثر من ثلاثين ألفاً، وسار رسول الله ﷺ بذلك الجيش قاصداً الروم في بلاد الشام. وفي أثناء سيره ﷺ جرت له معجزات، وجرت له أحداث كثيرة جداً، ثم إنه ﷺ لما وصل بجيشه إلى عين تبوك أقام في تلك العين قرابة عشرين يوماً، ولم يلق قتالاً، وإنما أرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل، فغزاه خالد بن الوليد، وأتى به إلى رسول الله ﷺ ، فأطلق الرسول ﷺ سراحه على أن يدفع الجزية، ثم صالح رسول الله ﷺ صاحب أيلة، وأهل جرباء، وأذرح، وأعطوا رسول الله ﷺ الجزية، أما الروم فإنهم لم يقع بينهم وبين رسول الله ﷺ قتال، ثم إنه ﷺ بعد أن بقي تلك المدة رجع إلى المدينة النبوية ظافراً منتصراً قد أظهر هيبة الإسلام أمام الروم وأمام غيرهم.

стр. 382

سبب غزوة تبوك، وسبب تسميتها بغزوة العسرة كان للمسلمين في هذه الغزوة العظيمة دروس وأي دروس! ولما كان استعراض تلك الغزوة يطول بنا فإننا آثرنا أن نقف بعد هذا العرض الموجز السريع عدة وقفات تبين شيئاً من أحداثها. وأول وقفة نشير إليها هنا هي: سبب هذه الغزوة، ولماذا سميت بغزوة العسرة؟ قال : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:١١٧]. وقد ذكرت عدة أسباب لهذه الغزوة، لكن المتأمل لها يجد أنها أسباب ضعيفة. فقد قيل: إن نصارى العرب قالوا لـ هرقل: إن هذا النبي قد مات، فأدرك دينك واهجم على جزيرة العرب. فاستعد هرقل لحرب الرسول ﷺ والمسلمين في الجزيرة، فعزم الرسول ﷺ على قتالهم. وقيل: إن اليهود قالوا للنبي ﷺ : لو أنك ذهبت إلى بلاد الشام لأنها بلد الأنبياء وبلد المحشر. فذهب الرسول ﷺ إلى هناك استجابةً لقول هؤلاء، ونزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦]، ولكن أيضاً هذا القول ضعيف؛ إذ كيف يخرج النبي ﷺ بأمر من يهود وهو يعرف كذبهم وخداعهم؟ كذلك أيضاً قيل: إن الروم جمعوا جموعاً لحرب النبي ﷺ فأراد الرسول أن يواجههم هناك. كذلك أيضاً قيل: إن الرسول ﷺ إنما غزا هذه الغزوة ثأراً لابن عمه جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة. وكل هذه الأقوال ليس لها سند صحيح، فكل هذه الأسباب إما أسباب ضعيفة، وإما أسباب باطلة لا تليق بمقام رسول الله ﷺ . ويأتي السؤال هنا: إذاً ما هو سبب هذه الغزوة؟ و الجواب الحقيقة أن المتأمل لأحداثها ومنهج رسول الله ﷺ في الجهاد يجد أن سبب هذه الغزوة هو مشروعية الجهاد في سبيل الله، أي أن الرسول ﷺ أراد أن يعلم أصحابه من بعده، وأراد أن يعلم هذه الأمة أنه لابد من الجهاد في سبيل الله امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿َوقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]. وامتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:١٢٣]، فخرج النبي ﷺ لملاقاة الروم لإثبات أن هذا الدين هو الدين الحق، وأن هذا الدين هو الذي يجب أن يسود في الأرض، وأن المسلمين واجب عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله، وأن لا يتركوا الجهاد أبداً، ومن ثَّم قال رسول الله ﷺ : (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلوا). إذاً: هو تخطيط من رسول الله ﷺ ، تخطيط دقيق في آخر غزوة غزاها، حيث أراد أن يعلَّم المسلمين أن الإسلام وأن الفتوحات يجب أن تنتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الذي فعله أصحاب رسول الله ﷺ ، فما توقفوا ﵃ بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى في مكان، وإنما امتدت الفتوحات إلى بلاد فارس، وإلى بلاد الروم، وإلى مصر، وإلى مشارق الأرض ومغاربها، وصلوا إليها فاتحين مجاهدين في سبيل الله، ينشرون العدل والتوحيد والإيمان والحكم الإسلامي الذي يبنى على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم حين تخضع البلاد لحكم المسلمين ولهيمنتهم لا إكراه في الدين بالنسبة لأهل الكتاب في غير جزيرة العرب، ولهذا فرسول الله ﷺ في هذه الغزوة علم أمته ذلك. وهذه الغزوة سميت غزوة العسرة؛ لأنها تميزت بجوانب مختلفة عن غيرها من الغزوات، ومن ذلك: أولاً: أنها كانت في شدة الحر، وفي لهيب القيظ المحرق، ولقد وصف أصحاب النبي ﷺ ما وجدوه، حتى قال قتادة: خرجوا إلى الشام في تبوك في لهيب الحر على ما يعلم الله من الجهد، حتى ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، وهكذا. ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك فنزلنا منزلاً، فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستتقطع من شدة الحر). ثانياً: أنه كان في هذه الغزوة سفر بعيد، وليست غزوة يصلون إليها خلال يوم أو يومين، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [التوبة:٤٢]، فكان السفر بعيداً. ثالثاً: أن العدو خطير، وهو الروم بجيوشهم وعتادهم وسلطانهم ونفوذهم، ولقد كانت قلوب المنافقين تتقطع في المدينة خوفاً من مواجهة الروم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. رابعاً: أن الجيش الإسلامي كان جيشاً ضخماً يحتاج إلى مؤن، ويحتاج إلى استعداد، والمسلمون في غاية الحاجة والفقر. ولهذه الأسباب كانت هذه الغزوة غزوة عسرة، وقد تربى فيها أصحاب النبي ﷺ أيما تربية، ولهذا كانت هذه الغزوة فيها من العبر وفيها من الدروس وفيها من مواقع التربية الشيء الكثير.

стр. 383

بعض دلائل النبوة التي وقعت للنبي ﷺ في غزوة تبوك الوقفة الثانية: الآيات ودلائل النبوة التي وقعت في هذه الغزوة. لقد كان رسول الله ﷺ وهو في هذه الغزوة التي اشرأب فيها النفاق يؤيده الله بأنواع من المعجزات، ونذكر نماذج من ذلك: ففي بعض الأماكن وهم في سيرهم إلى تبوك أصبح المسلمون ولا ماء، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ ربه، فنشأت سحابة في الحال فأمطرت المسلمين حتى ارتووا، وكان ذلك آية من آيات صدق نبوة رسول الله ﷺ . ومنها أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (ستهب في هذه الليلة ريح، فلا يخرجن أحدكم إلا ومعه رفيق له)، فهبت تلك الريح في تلك الليلة، والتزم المسلمون بذلك الأمر من رسول الله ﷺ إلا اثنين منهم، حيث ذهب واحد منهم وحده ليقضي حاجته، فأصيب بالخنق وهو يقضي حاجته فدعا له الرسول ﷺ فيما بعد فشفي. وأما الثاني فحملته الريح إلى جبال طيء، ثم فداه رسول الله ﷺ حين فدا الأسرى فيما بعد. كذلك أيضاً من الآيات المعجزات أن النبي ﷺ ضلت ناقته، وبحث الصحابة عنها فلم يجدوها، فتكلم المنافقون وقالوا: هذا رسول الله يزعم أنه يوحى إليه من السماء ولا يدري أين ناقته، فلما سمع النبي ﷺ ذلك قال: (والله! إني بشر لا أعلم إلا ما يوحي الله إلي، وإن الله قد أوحى إلي الآن أن ناقتي في وادي كذا قد حبس خطامها في جذع شجرة)، فذهب الصحابة ﵃ إلى ذلك الوادي فوجدوها كما وصف رسول الله ﷺ . ومنها أيضاً أن المسلمين أصبحوا ولا ماء عندهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، فأتوه بماء قليل، فوضع يده المباركة فيه فنبع الماء من بين يديه ﵊. إنها آيات بينات، ومعجزات ودلائل تضيء لمن استجاب لرسول الله ﷺ الطريق خاصة في هذه الغزوة العظيمة التي بلغ فيها الجهد من المسلمين مبلغاً عظيماً، ولهذا كان من تلك الآيات البينات أنّ رسول الله ﷺ لما أرسل خالد بن الوليد إلى أكيدر صاحب دومة الجندل قال له الرسول: (إنك ستجد أكيدر يصيد البقر)، أي: بقر الوحش. يقول أكيدر نفسه: فلما كان من الليل سمعت البقر- أي: بقر الوحش- تضرب بقرونها باب القصر. تصور الغزلان التي تستوحش من كل شيء جاءت إلى باب القصر لتضرب بقرونها، فقالت له زوجته: يا أكيدر! أما تسمع؟ إن هذا لعجب! فقال لها: نعم. قالت: وهل يترك هذا؟ فحمل على فرسه، وأخذ معه بعضاً من أهل بيته، وذهب ليلحق ببقر الوحش فإذا خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه قد أقبل عليه فأمسك به. ومنها أيضاً أن رسول الله ﷺ أخبر أصحابه بأنواع من علامات الساعة، ففي هذه الغزوة أخبرهم ببعض العلامات، وذكر منها موته ﵊، وفتح بيت المقدس، وذكر منها: (موتان يصيب الناس كقعاص الغنم). وذكر منها: (أن المال يكثر حتى يعطى الرجل مائة دينار ولا يزال ساخطاً). وذكر منها هدنة تكون بين المسلمين وبين بني الأصفر، كما أنه أيضاً قال عن عين تبوك: (لئن طال بك المقام لتجدن هذا المكان عيناً معيناً)، وهذا مشابه لما أخبر به الرسول ﷺ في حديثه الآخر أنه: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً)، وهذا في صحيح مسلم.

стр. 384

بروز خطر النفاق في غزوة تبوك الوقفة الثالثة: هي أهم وقفة مع غزوة تبوك وأعظمها وأخطرها، ألا وهي بروز النفاق وخطره في هذه الغزوة. ونحن نعلم جميعاً أن النفاق إنما يوجد ويكثر ويشتد خطره حينما تكون مع المسلمين العزة والنصر، ففي مكة لما كان المسلمون مستضعفين لم يكن هناك منافقون، لكن لما هاجر النبي ﷺ وضرب الجاهلية والمشركين ضربته الكبرى في غزوة بدر بدأ النفاق، وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: هذا أمر قد توجه. وأظهر نفاقه. ثم بعد ذلك ما زال النفاق ينقص قليلاً قليلاً حتى فتح الله على رسوله مكة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ودخلت القبائل في دين الله تعالى، فاعتز الإسلام وجاء نصر الله ، فبدأ النفاق مرحلة جديدة. أيها الأخ في الله! إن من أخطر ما يمر بالمسلمين اليوم -والأخطار كثيرة- خطر النفاق الذي يتظاهر أصحابه بالإسلام وهم يحاربونه في الخفاء، ولهذا فإننا سنقف وقفات مع بعض أحداث هذه الغزوة، وننظر ماذا فعل المنافقون في هذه الغزوة، وسأقسم الكلام على النفاق إلى قسمين: القسم الأول: مواقف وأحداث من جانب المنافقين. والقسم الثاني: قصة مسجد الضرار.

стр. 385

قصة مسجد الضرار أما القسم الثاني فيما يتعلق بالمنافقين فهي تلك القصة العجيبة الغريبة المتعلقة بمسجد الضرار، ومسجد الضرار هذا مسجد بناه المنافقون قبل ذهاب رسول الله ﷺ إلى تبوك، حيث كان هناك رجل نصراني عربي اسمه أبو عامر الراهب؛ سمي الراهب لأنه كان نصرانياً، فسماه النبي ﷺ الفاسق، فهذا النصراني ذهب إلى هرقل ملك الروم وجلس معه يخططان لضرب المسلمين في داخل الجزيرة العربية، واتفقا على خطة معينة، فقال أبو عامر الراهب، لمن يسير على خطاه من المنافقين في المدينة: إنني لا أستطيع أن أرسل لكم الرسل يفضحون ويُعلم بحالهم، فما رأيكم لو أنكم بنيتم مسجداً؟ هذا المسجد يكون ظاهره أنه للصلاة، ولا يشك أحد فيه، ويكون في الحقيقة مكاناً نجتمع فيه، وإذا أرسلت إليكم رسولاً يجدكم في ذلك المسجد. فبنوا المسجد، وأتى المنافقون إلى الرسول ﷺ وقالوا له: يا رسول الله! إنا بنينا مسجداً للضعفة، وللناس في الليلة المطيرة والشاتية، وإننا نريد منك -يا رسول الله- أن تصلي فيه، يريدون أن يجعلوا من صلاة رسول الله صلى الله علي وسلم شهادة لهم وتغطية للدور الحقيقي الخفي الذي يريدون أن يقوم به هذا المسجد، ولكن رسول الله ﷺ عصمه الله من أن يصلي فيه، فقال لهم: (إنا مسافرون غداً إلى تبوك، ونصلي فيه إذا رجعنا إن شاء الله)، ولما رجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أعلمه الله بحقيقة هذا المسجد، وأنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١١٠]. فلما نزلت هذه الآيات أرسل الرسول ﷺ عدداً من الصحابة إلى ذلك المسجد فأمر بهدمه وإحراقه بما فيه. وهكذا حال مساجد الضرار التي ظاهرها للصلاة وللخير والدعوة، ولكن في باطنها ضرارٌ وكفرٌ وتفريقٌ بين المؤمنين وإرصادٌ لمن حارب الله ورسوله من قبل، وما أكثر مساجد الضرار في عالم المسلمين اليوم! وما أشد حاجتنا وحاجة المسلمين إلى أن نتدبر هذا الأمر ونتدبر هذه العظة من هذه الغزوة! إن رسول الله ﷺ ما قال: لأنه مسجد تعالوا لنغير القائمين على المسجد ونضع فيه إماماً من عندنا ومؤذناً من عندنا. وإنما أمر بإحراقه؛ لأنه بني على أساس فاسد، فأراد ﷺ أن يعلم أصحابه أن ما أنشئ لغير وجه الله لا يكون فيه الخير أبداً.

стр. 386

إرادة المنافقين قتل النبي ﷺ عند عودته من تبوك وأخطر حادثة وقعت في هذه الغزوة هي ما فعلوه عند رجوع رسول الله ﷺ من هذه الغزوة، فإن الرسول ﷺ لما رجع منها وصل به المسير إلى عقبة، فتجمع عدد من المنافقين يزيدون عن العشرة وتلثموا، ولحقوا برسول الله ﷺ ، وكان يقود ناقته حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر، فلحقوا بالنبي ﷺ عند العقبة يريدون قتله، فلما رآهم عمار بن ياسر لحق بهم وصار يطاردهم بحربته حتى فروا، فأقبل على الرسول ﷺ ، فقال له: (يا عمار -وفي رواية: يا حذيفة! - هل تعلم القوم؟ قال: لا؛ إنهم كانوا ملثمين. فقال: هل تعلم ماذا كانوا يقصدون؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال ﷺ : لقد عزموا على أن يطرحوني في العقبة فيقتلوني). إنهم منافقون، وهكذا كانوا من قصة إلى قصة، ومن حادثة إلى حادثة يتنقلون فيها وهم داخل جيش المسلمين يصنعون ما ذكرنا من النماذج، وما أكثر النفاق في كل زمان وفي كل مكان! خاصةً حينما ترتفع للمسلمين رايةٌ وصحوة.

стр. 387

نماذج من أحداث المنافقين مع النبي ﷺ لقد وقعت من المنافقين أحداث عجيبة، وهاك نماذج منها: فأول موقف منهم هو أنه لما أمر الرسول ﷺ بالجهاد صار هؤلاء المنافقون يثبطون المسلمين، ويقولون -كما قال الله تعالى حاكياً عنهم-: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]، فكان الواحد منهم يجتمع بالعدد من أصحاب الرسول ﷺ -وهو منافق، ولا يُعلم بأنه منافق؛ لأنه يتظاهر بالإسلام- فيقول لهم: كيف يخرج بنا رسول الله ﷺ في هذا الحر الشديد؟ الحادثة الثانية: أن بعض المنافقين قال للنبي ﷺ : يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني ومن هؤلاء الجد بن قيس الذي قال له النبي ﷺ : (يا جد! هل لك في جلاد بني الأصفر؟) فقال الجد بن قيس: يا رسول الله! إنك تعلم أنني مغرم بالنساء، وإنني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن فأفتن عن ديني. فأذن لي يا رسول الله. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] أي أنه قال: إنه يخاف من فتنة النساء وهو كاذب، فسقط في فتنة النفاق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذا الرجل هو الذي قال لولده -وكان له ولد صحابي فاضل اسمه عبد الله-: ما لي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إلى بني الأصفر، فأنا أخالفهم في منزلي فأغزوهم، وإني لعالم بالدوائر! أي: ينتظر الدوائر برسول الله ﷺ . فقال له ولده صاحب العقيدة الصلبة: لا والله! ولكنه النفاق، والله لينزلن بك قرآناً. فضربه أبوه ضربة على وجهه بنعله، فانصرف عنه ابنه ولم يكلمه. ومن الحوادث أيضاً أن الرسول ﷺ وهو يتهيأ لتلك الغزوة علم أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن غزوة تبوك، فبعث رسول الله ﷺ إليهم طلحة بن عبيد الله مع نفر وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم هذا ففعل، فاقتحم المنافقون جدران البيت وفروا. ومن الأحداث -أيضاً- أنه كان أولئك المتخلفون عن غزوة تبوك من المنافقين على قسمين: قسم منهم غلبهم الخوف والذعر والجبن والخور، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا بأن يكونوا مع الخوالف، وأذن لهم الرسول مع أنه يعلم نفاقهم، كما قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]. وقسم آخر من هؤلاء المنافقين قعدوا ولم يعتذروا، ولا شك أن قعودهم هذا فيه ما فيه من التثبيط للرسول الله ﷺ ولأصحابه. ولم يكتف المنافقون بمثل هذا، بل سار بعضهم مع رسول الله ﷺ يرجفون بالجيش الإسلامي كلما سنحت فرصة. ومن ذلك أنه لما خلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في أهل بيته أرجف المنافقون، فقالوا: ما ترك علي بن أبي طالب إلا استثقالاً له! فلما سمع بذلك علي بن أبي طالب أتى إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! أسمعت ما يقول أولئك؟! فقال ﷺ له: أما ترضى -يا علي - أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، فرجع ﵁ وأرضاه راضياً ممتثلاً لأمر رسول الله ﷺ . ومن ذلك أيضاً لمزهم للمتطوعين من المؤمنين في الصدقات، فلما جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه بأربعة آلاف دينار قال المنافقون: ما جاء بها إلا رياءً. ولما جاء صحابي آخر لا يملك إلا صاعين من تمر، فأبقى صاعاً لأولاده طعاماً وأتى بالصاع الثاني إلى رسول الله ﷺ ، فلما وضعه بين يديه قال المنافقون: إن الله ورسوله غنيان عن صاعك هذا، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩]. ومن ذلك أيضاً أنه كان يقول بعض المنافقين للمسلمين: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم لبعض؟ والله! لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال. يقولون هذا إرجافاً وترهيباً للمؤمنين، ولهذا كان هؤلاء الذين قالوا ما قالوا في أثناء الغزوة يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون رسول الله ﷺ والخلص من أصحابه- أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء. فأنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. هكذا كانت أحوال المنافقين، ومن ذلك ما سبق ذكره قبل قليل حين أرجفوا بناقة رسول الله ﷺ حين ضلت، ولم يعلم الرسول ﷺ أين هي إلا بعد أن أخبره الله .

стр. 388

قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك الوقفة الرابعة مع هذه الغزوة وقفة مع قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وقصتهم مشهورة رواها البخاري في صحيحه عن كعب بن مالك أحد الثلاثة، ولما كانت القصة معروفة لدى الجميع فإنني أحب أن أقف معها وقفات، فأقول: أولاً: هؤلاء الثلاثة مؤمنون صادقون تخلفوا لأسباب من ضعف الإيمان في ذلك الوقت، وبقوا في المدينة، فلما رجع رسول الله ﷺ اعتذر من اعتذر من المنافقين، وقبل الرسول ﷺ عذرهم، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم صدقوا رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! ما لنا من عذر. فأمر النبي ﷺ بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم المسلمون لا يكلمونهم ولا يسلمون عليهم، وجرى لهم ما جرى، حتى أنزل الله عليهم التوبة، فتاب الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]. ونحب أن نقف مع قصة هؤلاء الثلاثة عدة وقفات؛ فإننا أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى أن نقف هذه الوقفات، فأول هذه الوقفات هي مع أسباب تخلفهم. إن المتأمل لهؤلاء الثلاثة يرى عدة أنواع من الأسباب، أما أولهم -وهو مرارة بن الربيع - فإن سبب تخلفه أنه كان له حائط -بستان جميل-، وكان في ذلك الوقت قد أزهر وأينع وأثمر، فصار ينظر إليه ويتردد هل يذهب مع الرسول أو يبقى مع حائطه حتى فاته الغزو. وأما الثاني -وهو هلال بن أمية - فكان له أهل قد تفرقوا، ففي ذلك الوقت اجتمع أهله وجمع من أقاربه في المدينة، فأحب أن يمكث معهم ويأنس بهم، وتردد في الذهاب مع رسول الله ﷺ حتى فاته الغزو. وأما الثالث -وهو: كعب بن مالك - فإن سبب تخلفه هو التردد، فقد كان كل مرة يريد أن يتأهب، ثم يحاول أن يتأهب فما يصنع شيئاً، فيعود مرة ثانية، وهكذا في اليوم الأول والثاني والثالث حتى فاته الغزو مع رسول الله ﷺ ، ولهذا فإن أحد الصحابة -وهو أبو خيثمة - تداركه الله برحمته فلم يجعله مع هؤلاء الثلاثة، وإن كانت له قصة مشابهه لقصتهم، فإن أبا خيثمة لما تجهز رسول الله ﷺ وسار ذهب إلى بيته، فوجد أن زوجتيه قد صنعت كل واحدة منهما عريشاً ورشته بالماء، وأتت بالطعام الطيب، فلما وقف نظر إلى هذه الزوجة وقد أحسنت في صنعها وهيأت أطايب الظلال والثمار، ونظر إلى الأخرى فإذا بها قد صنعت مثل ذلك، فتوقف، واستيقظ الإيمان في قلبه ﵁ فقال: سبحان الله! رسول الله ﷺ في الريح وحر القيظ وأبو خيثمة مع زوجتيه في ظل بارد وثمر طيب، والله لا يكون هذا، والله لا دخلت بيت إحداكن إلا وقد هيأت لي ما أتزود به. ولم يدخل بيت واحدة منهما حتى هيأتا له زاده وراحلته، فلحق بالنبي ﷺ ، وما زال يسير ويسير حتى كان رسول الله ﷺ هناك في تبوك بين أصحابه، فأقبل رجل من بعيد، فقالوا: يا رسول الله! هذا راكب قد قدم. فقال ﷺ : (كن أبا خيثمة)، فلما أقبل إذا به أبو خيثمة ﵁ وأرضاه. وقارن بين هذه العزيمة وبين تردد كعب بن مالك ﵁ وأرضاه، وكيف جرى لهذا ما جرى ﵃ أجمعين. الوقفة الثانية مع قصة الثلاثة هي أن هؤلاء خلفوا، ومعنى أنهم خلفوا: أنهم لم يبين حالهم، كما أخبر كعب بن مالك بذلك، أي أن أولئك المنافقين عذرهم الرسول ووكلهم إلى سرائرهم، لكن هؤلاء الثلاثة خلفوا، ولم يحسم ويقطع في الحكم فيهم إلا بعد خمسين ليلة، حيث أنزل الله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]، وليس المقصود به: التخلف، كما قد يفهمه بعض الناس من ظاهر الآية. وقد كان في المتخلفين الثلاثة شيخان كبيران، وهما: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بعد مرور أربعين ليلة هؤلاء الثلاثة بأن يعتزلوا نساءهم قال كعب بن مالك لامرأته: الحقي بأهلك. وهلال بن أمية قال لامرأته: الحقي بأهلك. لكنه كان شيخاً كبيراً، فذهبت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! هل تأذن لي أن أخدم هلالاً؛ إنه والله ليس له خادم، وهو شيخ ضائع، فهل تكره -يا رسول الله- أن أخدمه؟ فقال ﷺ : لا بأس، على أن لا يقربك، قالت: وأين هو من ذاك؛ إنه لم يزل يبكي ليلاً ونهاراً). ولهذا فإن هؤلاء الثلاثة الذين امتحنوا هذه المحنة وهجرهم المسلمون جرى لهم من المحنة القاسية ما لا يمكن أن يصفه واصف، فـ هلال بن أمية ومرارة بن الربيع اعتزلا المسلمين، وصارا يبكيان ليلاً ونهاراً، أما كعب بن مالك فكان أجلدهم، وكان يأتي يصلي الجماعة مع رسول الله ﷺ .

стр. 389

دروس ووقفات في قصة الثلاثة هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ وجرى لهم ما جرى أنزل الله توبتهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ومن الواجب أن يقف الإنسان مع هذه الدروس وقفات.

стр. 390

أهمية الصدق أما الدرس الأخير من دروس هذه الغزوة فهو أهمية الصدق، فإن هؤلاء الثلاثة لما صدقوا صدقهم الله . يقول كعب بن مالك: فلما أنزل الله توبتي علمت أن هذا هو الصدق، فعزمت على أن لا أقع في أي شيء من الكذب بقية عمري. وهكذا كان ﵁ وأرضاه، فالصدق منجاة، فيجب على المسلم الصدق مع الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس، وليحذر من الكذب والدوران والتمويه وغير ذلك، فإنه لا يمكن أن يفيد صاحبه أبداً. فقد جاء المنافقون وكذبوا على رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! لدينا أعذار، ولدينا كذا، ولدينا كذا، فكان عاقبة ذلك أن جعل الله ذلك نفاقاً في قلوبهم، أما أولئك الصحابة الذين صدقوا ربهم فإن الله ﵎ قد أنزل عليهم توبة فرحوا بها فرحاً عظيماً. يقول سعيد بن زيد: لما نزلت هذه الآية أتيت إلى بني واقفة -أهل هلال بن أمية؛ لأن هلال بن أمية واقفي- فبشرته، فسجد لله شكراً، فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه؛ لما كان فيه من الجهد؛ ولأنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائماً لا يفتر عن البكاء. أما كعب بن مالك فإنه لما نزلت توبته نزع ثوبيه اللذين كان لا يملك غيرهما وأعطاهما البشير، ثم استعار ثوبين وأتى إلى رسول الله ﷺ . وهكذا عاقبة الصدق، حتى لو أن الإنسان امتحن، ولو أن الإنسان واجه ما واجه، إلا أنها عاقبة خير، ولهذا قال النبي ﷺ لـ كعب بن مالك: (أبشر -يا كعب - بخير يوم من أيامك)؛ لأنه يوم التوبة الذي تاب الله فيه على هؤلاء الثلاثة ﵃.
следующие страницы →