Полный текст (518 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الديون
وسبب آخر من أسباب هذه الأزمة يبرز من خلال كثرة الديون، والحمالات المالية، مع العجز والكسل عن إيفائها، أو الجبن والبخل الذي يصيب المرء حينما يبتلى بالفرق السعري، ومما يدل على أن هذا الأمر يعد أساساً في حدوث مثل هذه الظاهرة، ما رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ : ﴿دخل المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة فقال: يا أبا أمامة! مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته، أذهب الله همك وقضى عنك دينك، قال: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني﴾ .
هذه بعض الأسباب لا كلها، وقد رأينا صلتها الوثيقة بما جاء التحذير عنه في ملتنا السمحة، ومنهاجنا الأغر، في حين أن جماع هذه الأسباب: هو البعد عن هداية الله، والاستقامة على طريقه، والتعلق بالأسباب الدنيوية، بعيداً عن مسببها سبحانه، ومن تعلق شيئاً فقد وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله فقد وكل إلى ضيعة وخراب: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 107
علاج الحزن والاكتئاب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فيا أيها الناس: من باب أن نوجد شيئاً من التكامل، ولو كان مقتضباً حول الحديث عن ظاهرة الحزن والاكتئاب، فإنه من اللازم لنا أن نشير بلمحة سريعة إلى أنجع الأدوية الشرعية الروحانية، والتي لها أثر فعال من خلال نصوص الشارع والواقع المجرب، حتى من أخصائي الطب النفسي أنفسهم، ناهيكم عما بسطه أطباء القلوب وصيارفته، من علماء إسلاميين، هم قطب الرحى، والقدح المعلى في هذا المضمار.
стр. 108
العمل بأوامر الله
فأول هذه الأدوية مكانة: هو قيام الأمة في مجموعها بما فرض الله عليها؛ من الجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، والحذر من متاع الدنيا وزينتها، فبمثل ذلك يكون الانشراح والطمأنينة، ويزول الضيق والضنك، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم ذلاً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم﴾ رواه أحمد.
وأخرج الطبراني مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: ﴿عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، يدفع الله به عن النفوس الهم والغم﴾ ، ولقد صدق الله إذ يقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٤] .
стр. 109
الرضا بالقضاء والقدر
ودواء آخر للحزن والاكتئاب عباد الله: يكمن في الموقف الصحيح مع القضاء والقدر، وبلوغ منزلة إيمان العبد؛ بأن ﴿ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه﴾ وأن الأمور بيد الله مقاديرها، فليس يأتيه منهيها ولا يقصر عنه مأمورها، وأن الأرزاق مقسومة والآجال محتومة، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فالمرء يتوكل على ربه دون توتر ولا ريبة ولا قلق، فمثل هذا يستقبل الدنيا بشجاعة ويقين، ولسان حاله يقول، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر
ومن الأدوية عباد الله: تحقيق الرضا عن الله سبحانه، إذ هو المحك أمام العبد، فمن قلّ رضاه عن الله صار مرتعاً للأوهام والأحزان والأدواء، وقد سئل الحسن البصري ﵀: من أين أوتي هذا الخَلْق؟ فقال: من قلة الرضا عن الله.
ونقل أبو حاتم البستي عن بعض السلف قوله: لا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة، ولذلك دعا به زكريا لولده فقال: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم:٦] .
والرضا عن الله لا يكون إلا باستحضار العبد لحكمة الله في الأقدار، وأنه لا يعطي ولا يمنع إلا لحكمة بالغة، مما يهون على المرء ما يلاقيه من المصائب والأقدار المؤلمة، بل حتى في حال الفرح كما قال سليمان ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] ، ويدل لذلك قول النبي ﷺ حين وفاة ابنه إبراهيم: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، ولولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم وجداً، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون﴾ رواه البيهقي وابن ماجة، وأصله في الصحيحين، فهو ﷺ يعني بذلك: لولا أنه يعلم حكمة الله في قبضه إليه، لحزن عليه حزناً شديداً.
стр. 110
الإكثار من ذكر الله والصلاة
ومن الأدوية أيضاً: كثرة التسبيح، والسجود، والعبادة، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧-٩٩] .
وقد ﴿كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ وكان يقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ .
ومن الأدوية كذلك: ما يسمى بالتلبينة؛ وهي طعام يصنع من حساء من دقيق أو نخالة، ويجعل فيه عسل أو لبن، أو كلاهما، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ﴿إن التلبينة تجم فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن﴾ وقوله ﷺ : ﴿تجم فؤاد المريض﴾ أي: تريحه.
стр. 111
الدعاء
ثم نختم -أيها المسلمون هذه الأدوية- بوصية النبي ﷺ ، فيما رواه أحمد في مسنده، أن النبي ﷺ قال: ﴿ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحاً، قالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات، قال: أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن﴾ .
فهذه بعض الأدوية الناجعة، وهي شذرات وقطرات، مفادها: تشخيص هذه الظاهرة والتفكير بها، فالجزء دليل على الكل، ولا حول ولا قوة لنا إلا بالله.
اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء.
اللهم وآت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن الهم والحزن، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 112
من أسباب التخلف
الأمة اليوم مصابة بالتخلف، بل بجميع أنواع التخلف سواءً كان تخلفاً عقلياً، أو تخلفاً اجتماعياً، أو تخلفاً صناعياً، أو تخلفاً عسكرياً، والسبب في ذلك يرجع إلى أمور كثيرة منها: ترك دين الله جانباً، ومنها: الاغترار بما عليه الغرب من حضارة مادية ونسيان ما هم عليهم من فساد أخلاقي وعقدي.
ومنها: تضييع وتمييع عقيدة الولاء والبراء.
والله جل وعلا لا يغير نعمة أنعمها على عبد إلا إذا تغير هذا العبد بكفر أو عصيان، وبالمقابل إذا أصيب المجتمع بعقوبات فلا يزيلها إلا بتوبة وعودة إليه.
стр. 113
التخلف وأسبابه
الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أكرم من شاء بامتثال أوامره والبعد عما عنه نهى، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له العزة والكبرياء، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صفوة العالم طرى، وسيد الأنام برى، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الكرام البررة.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.
أيها الناس! المجتمع المسلم المتميز هو ذلكم المجتمع الذي تتحقق له ضروراته وحاجياته وتحسيناته تحت ظل الشريعة الغراء التي لا تنغصها أزمة، ولا يعكرها ضيق، ذلكم المجتمع الذي يجد حرمته مصونةً مكرمة، لا تهدر تحت ناب سبعٍ عادٍ، ولا تستباح بمخالب باغٍ متوحش، أو سطوة معتدٍ صائل، هكذا يعيش المجتمع المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود، غير أنه عند أدنى اختلال لما مضى، وإحلال الضد محله، من الاستخفاء وراء أسوارٍ من الصلف والغطرسة، والمقت لوحي الله وحملته، وجعل سبيل الله موحشةً لطول ما ترادف على سالكيها من أدواء وأعباء، لهو الباب الحقيقي للمثول أمام حاضرٍ كريه، ومستقبلٍ مغلق، وحينئذٍ تزل القدم بعد ثبوتها، ويسبق الخصم إلى إذلالها وكبح حريتها.
стр. 114
الاهتمام بالجسد على حساب الروح
إن الشعور العام بين الناس ليحكي بأن العالم اليوم قد قطع مراحل شاسعة في طريق التقدم الحضاري والصعود المادي، فسارعت همم الناس تترى كالبارع الذكي، والنشط المتوقد في اللهف وراء التقدم الصناعي والحضاري ونحوهما، ولكن هذا كله كان على حساب إيجاد المرء الصالح التقي والبار الوفي، فتقدمت الصناعة وتخلفت الروح، استطالت المادة واستكان الالتزام بالدين، حتى نشأ من هذا الضمور في الوعي تفاوت مقلق كان سبباً ولا شك في اختلال سير القافلة المسلمة واعتلالها، واتزانها وإبصارها الواعي بما تقبل عليه وما تحجم عنه، ثم تجتال القنوط آمال لفيفٍ من العلماء والمفكرين بعد أن اعتلى جوارهم من القحط الروحي الذي يسود أرجاء المسلمين بصورة لافتة.
إن التدين الحقيقي هو الإيمان بالله، والشعور بخلافته في الأرض قلباً وقالباً، والتطلع إلى السيادة الشرعية التي اقتضتها هذه الخلافة، بيد أن ذلك لا يتم إلا بتطويع كل ما جعله الله وسيلة مشروعة؛ لتحقيق هذا المفهوم وسط دنيا ينبغي أن يحكمها المجتمع المؤمن باسم الله وعلى بركة الله وفضله، من خلال الحكم بما أنزل الله شريعة ومنهاجاً، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذليل السبل في الدعوة إلى الله جلَّ وعلا، والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته، وبمثل هذا يُقضى على الجفوة بين مفهومي الحضارة والإسلام، ويرأب الصدع، وتُسد الثلمة، لتصل سفينة المجتمع المسلم الماخرة إلى شاطئ العز والتمكين، كما أنه يجب أن يكون واضحاً جلياً تقرير أن الفضائل والعبادات التي شرعها الله لنا لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمها المادي وسط المجتمعات المسلمة؛ لأن الإنسان عقل وقلب، ومن يظن أن صحوة القلب لا تتم إلا مع خمول الفكر وتهميش الدنيا من كل جوانبها، فهو مخطئ خطأً فاحشاً، كما أن من يظن بأن سيادة العقل وبلوغ الأرب في التقدم المادي لا يتم إلا بتحنيط الإيمان بالله، وفصله عن واقع الحياة، لهو مخطئ أيضاً خطيئة كبيرة.
ولذا فإن زكاة الروح قد تتم بدون دمار الجسد، وضمان الآخرة والتشمير لها قد يتم بدون ضياع الدنيا وخسرانها، ولقد صدق الله حين قال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧] .
стр. 115
تنحية شرع الله عن الواقع
أيها المسلمون! إنه لا يشك عاقل البتة في أن تخلف المسلمين اليوم عن الإمساك بزمام الأمور في الأرض، كما كان أسلافهم، وفي الاتصاف بالتبعية والاستفزاء مع ما يُصاحب ذلك من قلقٍ متنامٍ، وتوجس مكابد، وشعورٍ بأنهم وسط عنق زجاجة يصعدون فيها ولا يلوون على شيء؛ أن ذلك كله بسبب بعدهم عن دينهم، وتنحيتهم لشرع الله عن الواقع، وخفر العهود والمواثيق كما قال النبي ﷺ لبعض المهاجرين محذراً: ﴿وما خفر قومٌ العهد إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم﴾ رواه البيهقي وابن ماجة.
стр. 116
أسباب انسياق الأمة خلف القعدة العاجزين
ثم اعملوا يا رعاكم الله! أن ثمة سببين اثنين ينخران في جسد الأمة بنهمٍ لتلحق بركاب القعدة العاجزين:
стр. 117
اللهث وراء التيارات الغربية
السبب الأول: هو اللهث وراء التيارات الغربية القائمة على فلسفة التفوق المادي، والفكر التحرري، الذي لاقى رجع الصدى وسط الغوغاء من أبناء الأمة المسلمة، مترفهم ومثقفهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم، إلى أن صاروا أذناً وعيناً، ولساناً وقلماً، لنهجهم وفكرهم، سياسة وحضارةً، وثقافةً وإعلاماً، فأصلحوا بإفساد، وداووا بالطاعون، وتقدموا بالتأخر، فهضمت حقوق المسلمين، واغتيلت مروآتهم، بتقليدٍ أعمى، ولهثٍ بليد، فتحقق فيهم قول الرسول ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن﴾ رواه البخاري ومسلم.
وأي تبعية أقبح من أن تشبه بدخول جحر الضب المظلم مع ما فيه من ضيقٍ وقوارس، إلا وأن ذلك دليل على التبعية مع عصب العينين على وجه الانتحار غيلة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة:٦٩] يقول ابن عباس ﵄: [[ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم]] ويقول ابن مسعود ﵁: [[أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟]] .
стр. 118
تضييع عقيدة الولاء والبراء
السبب الثاني: هو ذلكم الجاثوم الكابت الذي يعمل على تذويب الهوية الإسلامية للأمة المسلمة وتميزها، المتمثل في الاستعزاز بالإسلام، وبما فرضه الله عليها من الولاء والبراء، والحب في الله والبغض فيه، وجعل المسلمين -بعامة- خاضعين لمصالح مشتركة أياً كان نوعها، حتى ولو كانت خارج الإطار المشروع، ما دامت تصب في مصالح دولية وقوالب مادية للأفراد والجماعات، فيجرها هذا الجاثوم طوعاً أو كرهاً إلى فلكها عبر بنودٍ يصعب التراجع عنها أو الإخلال بها، بناءً على ما تقتضيه مصلحة الفرد أو المجتمع من أعباء الحياة التي يُصبحون من خلالها في غير غنىً عن الغرب ومادته، وفلسفته وسيادته.
وفي كلا السببين عباد الله! تتضاءل إن لم تتلاش صلة المسلم بربه ودينه، وينحصر الأفراد والجماعات داخل بوتقةٍ من ضيق الأفق، فلا يرون فيها إلا مصالحهم الخاصة، ويندفع جهدهم كله وراء المنفعة العادلة بغض النظر عما يحكم ذلك من حلالٍ أو حرام، والله جل وعلا يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] .
ولقد ﴿بايع جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله تعالى عنه- النبي ﷺ على أن ينصح لكل مسلم، ويبرأ من الكافر﴾ رواه أحمد.
ومن هذا المفهوم -عباد الله- يوقن كل منصفٍ أن أهل الكفر والإلحاد لم ينتصروا بقواهم الخاصة قدر ما انتصروا بفراغ قلوب المسلمين من خلال شهواتهم اليقظة، وإخلادهم إلى الأرض، واتباع الهوى، والسعار إلى الملذات والرغبات، وافتقار صفوفهم إلى ما يجمعها ولا يفرقها، وإلى ما تعتز به من الدين لا ما تستحيي منه أو تخجل بسببه: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٣-١٤] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارا.
стр. 119
نداء لتغيير حالنا المزري
الحمد لله ولي الصالحين، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
стр. 120
سنة الله في التغيير
أيها الناس: إن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يكشف أسباب الانكسار، ويبرز دواعي الانشطار الذي يصيب المسلمين -بعامة- بين الحين والآخر، ومثل هذا لا يُعد بدعاً في أمم الإسلام دون غيرها من الأمم، فقد بين الله في محكم التنزيل ما يدل على سنته في الناكصين والظلمة والمتسللين عن دينهم لواذاً في كل زمانٍ ومكان: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:٥-٥٣] ، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ومع هذا كله فإن الباري -جلَّ شأنه- بَرٌّ بعباده، رحيم بهم، يمن عليهم بفضله ورحمته، ويصبغ عليهم ستره ونعمته، ويصبحهم ويمسيهم بالتوفيق والبركة، في الحلم والرفق، غير أن كثيراً من المجتمعات قد تحسن الأخذ ولا تحسن الشكر، تمرح بالنعم ولا تقدر الله حق قدره، ومثل هذا الاستغفال حين يبلغ مداه إضافة إلى الإصرار عليه، والإحساس بإمكانية الاستقلال دون تصحيحٍ أو محاسبة نفسٍ، فحينئدٍ تدق قوارع الغضب أبواب الأمم، فتظلم الوجوه بهزائم الدنيا، وتجرع الخوف فيها قبل حساب الآخرة ونكالها، والله جلَّ وعلا لا يبدل أمن الأمم قلقاً، ولا رخاءها شدةً، ولا صحتها سقماً، ولا عزها ذلاً، من باب الظلم لهم، أو التشفي بهم، كلا.
فإن الله واحدٌ لا يتغير، ولكن الناس هم الذين يتغيرون، كما أن الله عادلٌ لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] .
стр. 121
كيف يأتي التغيير
إن رياح التغيير -عباد الله- لا تهب عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يُمكن أن تهب إلا من داخل صف المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعه من لا يخاف الله ولا يُؤمن بشرعته، بل لا بد أن يصنعه المسلمون أنفسهم، انطلاقاً من شرعتهم الغراء، وخارجاً عن إطار القوميات والإقليميات والعصبيات الجاهلية، وإن المسلمين متى ما أروا الله من أنفسهم صدقاً في التصحيح، وعلم الله فيهم خيراً في حسن المقصد، وصدق اللجوء إليه، مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه الأّمرين، فإن ذلك ليس بمانعهم أن يقلب كربهم فرجاً، وترحهم فرحاً، يقول الله -جلَّ وعلا- عن أسرى بدر من المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال:٧٠] .
فالعودة إلى الله سببٌ في الفلاح وسر في النجاح، غير أن العودة لا يمكن أن تكون بمجرد شقشقة لسانٍ، أو حركة ببنان، أو بوعودٍ كاذبة في التصحيح والاستقامة فور انكشاف الكربة وانقشاع الغياية، كلا.
فتلك وعودٌ كاذبة لو انطلت على بعض البشر فإنها لا تخفى على رب البشر، ولذلك أعقب الله حديثه عن الأسرى بقوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٧١] .
فالحاصل -عباد الله- أن استقامة المجتمع وفلاحه ونجاحه في سياسته العامة، وبلوغه المكانة العالية، إنما تجيء من الحرص على التكامل، وتهذيب النفوس من الوحشة والنفرة بعد تحقيق الصلة بالله، ولدى المسلمين في مجتمعهم الحاضر كنوزٌ مشحونةٌ بمثل هذه المعاني الغضة تسع أهل الأرض جميعاً لو قُسِّمت بينهم، ولكنهم عن ذلك ذاهلون، وفي نيل الغاية الأسمى مُفرطون: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩١-٩٣] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك اللهم على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يُجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وآتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اجعل ما أنزلته سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرق ولا استدراج يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 122
كيف تلهو ؟!
الفراغ نعمة مغبون فيها كثير من الناس، وقد جاءت الحضارة الجديدة والعولمة الحرة لتزيد هذا الفراغ اتساعاً، وقد جاء الإسلام فوضع أسساً وضوابط يتعامل فيها المسلم مع الفراغ مع الاهتمام بجانب الترفيه والترويح عن النفس.
стр. 123
الفراغ مشكلة الحضارة الجديدة والعولمة الحرة
الحمد لله المتوحد بالجلال بكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله على الجماعة، ومن شذَّ عنهم فمات فميتته جاهلية.
أيها المسلمون: إن حياة الناس بعامة مليئة بالشواغل والصوارف المتضخمة، والتي تفتقر من حيث الممارسات المتنوعة إلى شيء من الفرز والترتيب لقائمة الأولويات، مع عدم إغفال النظر حول تقديم ما هو أنفع على ما هو نافع فحسب، ثم إن الضغوط النفسية والاجتماعية الكبيرة الناتجة عن هذا التضخم ربما ولدت شيئاً من النهم واللهث غير المعتاد تجاه البحث عما يبرد غلة هذه الرواسب المتراكمة ويطفئ أوارها.
إن الحضارة العالمية اليوم قد عنيت بإشعال السلاح، ورفع الصناعة، وعولمة بقاع الأرض، تلكم الحضارة التي حوَّلت الإنسان إلى شبه آلة تعمل معظم النهار -إن هي عملت- ليكون ساهراً أو سادراً أو خامداً ليله، هذه هي الثمرة الحاصلة ليس إلا.
إن تلكم الحضارة برمتها لم تكن كفيلة في إيجاد الإنسان العاقل الإنسان المدرك الإنسان الموقن بقيمة وجوده في هذه الحياة وحكمة خلق الله له، بل إنما فيها من آليات متطورة وتقنيات، كان سبباً بصورة ما في إيجاد شيءٍ من الفراغ في الحياة العامة، مما ولد المناداة في عالم الغرب بما يُسمى علم اجتماع الفراغ، وإن لم يكن هذا الفراغ فراغ وقت على أقل تقدير فهو فراغ نفسٍ، وفراغ قلبٍ، وفراغ روح، وأهدافٍ جادةٍ، ومقاصد خالية من الشوائب.
﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] ، ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:١-٤] .
إن الحضارة العالمية حينما تُوفِّر للإنسان -بالتقدم العلمي والجهد الصناعي قوة الإنسان ونشاطه- مزيداً من الوقت، ثم يكون في نفسه وقلبه وروحه ذلك الفراغ، فهنا تحدث المشكلة، ويكمن الداء، الذي يجعل أوقات الفراغ في المجتمعات تعيش اتساعاً خطيراً، حتى صارت عبأً ثقيلاً على حركتها وأمنها الفكري والذاتي، ومنفذاً لإهدار كثيرٍ من المجهودات والطاقات المثمرة.
إن غياب الضبط والتحليل والترشيد للظاهرة الحضارية الجديدة المنشأة -أوقات الفراغ- ليمثلُ دليلاً بارزاً على وجود شرخٍ في المشروع الحضاري والعولمة الحرة، غير بعيدٍ أن تؤتى الأمة المسلمة من قبله، وإن عدم وعينا التام بخطورة هذا المسلك تجاه أوقات الفراغ، وعدم وعينا التام بالمادة المناسبة لشغل تلك الأوقات في استغلال العمليات التنموية والفكرية، والاقتصادية البناءة، لجدير بأن يقلب صورته إلى معول هدمٍ يُضاف إلى غيره من المعاول -من حيث نشعر أو لا نشعر- التي ما فتئ الأجنبي عنها يبثها ليل نهار؛ لنسخ حضارة المسلمين على كافة الأصعدة بلا استثناء، كيف لا! ورسول الله ﷺ يقول: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ﴾ رواه البخاري.
стр. 124
الإسلام دين صالح للواقع والحياة
إن الإسلام دين صالح للواقع والحياة، يُعامل الناس على أنهم بشر لهم أشواقهم القلبية وحضوضهم النفسية، فهو لم يفترض فيهم أن يكون كل كلامهم ذكراً، وكل شرودهم فكراً، وكل تأملاتهم عبرة، وكل فراغهم عبادة! كلا.
ليس الأمر كذلك، وإنما وسع الإسلام التعامل مع كل ما تتطلبه الفطرة البشرية السليمة من فرح وترح، وضحك وبكاء، ولهو ومرح، في حدود ما شرعه الله، محكوماً بآداب الإسلام وحدوده.
عباد الله: إن قضية إشغال الفراغ باللهو واللعب والفرح، لهي قضية لها صبغة واقعية على مضمار الحياة اليومية، لا يمكن تجاهلها لدى كثيرٍ من المجتمعات، بل قد يشتد الأمر ويزداد عند وجود موجبات الفراغ كالعطل ونحوها، حتى أصبحت عند البعض منهم مصنفة ضمن البرامج المنظمة في الحياة اليومية العامة، وهي غالباً ما تكون غوغائية تلقائية ارتجالية، ينقصها الهدف السليم ولا تحكمها ضوابط زمانية ولا مكانية فضلاً عن الضوابط الشرعية، وما يحسن من اللهو وما يقبح.
стр. 125
مفهوم الترويح والترفيه في الإسلام
عباد الله: الترويح والترفيه هو إدخال السرور على النفس، والتنفيس عنها، وتجديد نشاطها، وزمها عن السآمة والملل، وواقع النبي ﷺ إبَّان حياته يُؤكد أحقية هذا الجانب في حياة الإنسان، يقول سماك بن حرب: قلت لـ جابر بن سمرة: ﴿أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
كان طويل الصمت، وكان أصحابه يتناشدون الشعر عنده، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، ويضحكون، فيبتسم معهم إذا ضحكوا﴾ رواه مسلم.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: [[لم يكن أصحاب رسول الله ﷺ منحرفين، ولا متماوتين، وكانوا يتناشدون الأشعار في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أُريد أحدهم على شيءٍ من دينه دارت حماليق عينيه]] .
وذكر ابن عبد البر ﵀ عن أبي الدرداء أنه قال: [[إني لأستجم نفسي بالشيء من اللهو غير المحرم فيكون أقوى لها على الحق]] .
وذكر ابن أبي نجيح عن أبيه قال: [[قال عمر بن الخطاب ﵁: إني ليعجبني أن يكون الرجل في أهله مثل الصبي، فإذا بُغي منه حاجة وُجِدَ رجلاً]] ، وذكر ابن عبد البر عن علي ﵁ أنه قال: [[أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان]] .
يقول ابن الجوزي: "ولقد رأيت الإنسان قد حمل من التكاليف أموراً صعبة، ومن أثقل ما حمل: مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب وعلى ما تكره، فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس".
وبمثل هذا تحدث أبو الوفاء ابن عقيل فقال: "العاقل إذا خلا بزوجاته وإمائه لاعب ومازح وهازل، يعطي للزوجة والنفس حقهما، وإن خلا بأطفاله خرج في صورة طفل، وهجر الجد في بعض الوقت".
هذه بعض الشذرات حول مفهوم اللهو والتسلية والترويح، يُؤكد من خِلاله أن الإسلام قد عني بهذا الجانب حق العناية؛ غير أننا نود أن نبين هنا وجه الهوة السحيقة بين مفهوم الإسلام للترويح والتسلية، وبين اللهو والمرح في عصرنا الحاضر، والذي هو بطبيعته يحتاج إلى دراسات موسعة تقتنص الهدف للوصول إلى طريقة مُثلى للإفادة منها في الإطار المشروع، فينبغي دراسة الأنشطة الترويحية الإيجابية منها والسلبية، والربط بينها وبين الخلفية الشرعية والاجتماعية للطبقة الممارسة لهذا النشاط، ومدى الإفادة من الترويح، والإبداع في الوصول إلى ما يُقرِّب المصالح ولا يُبعدها، وما يُرضي الله ولا يُسخطه، وتحليل الفعل وردود الفعل بين مُعطيات المتطلبات الشرعية والاجتماعية، وبين متطلبات الرغبات الشخصية المشوهة، وأثر تلك المشاركات في إلكاء الطاقات والكفاءات الإنتاجية العائدة للأسر والمجتمعات بالنفع في الدارين.
стр. 126
ولكن ساعة وساعة
إن علينا جميعاً كمسلمين أن نشد عزائمنا؛ لصيانتها ما أمكن من أي ضياعٍ في مرحٍ أو لهوٍ غير سليم، أو مما إثمه أكبر من نفعه، فلا ينبغي للمسلمين أن يُطلقوا لأنفسهم العنان في الترويح، بحيث يزاحموا آفاق العمل الجاد، واليقظة المستهدفة، ولا أن يشغل عن الواجبات، أو تضييع الفرائض والحقوق بسبب الانغماس فيه، إذ ليس استباحة الترويح مضيعة للجد وما هو إلا ضربٌ من ضروب العون وشحذ الهمة على تحمل أعباء الحق، والصبر على تكاليفه، والإحساس بأن ما للجد أولى بالتقديم مما للهو والترويح، وبهذا يُفهم قول النبي ﷺ لـ حنظلة بن أبي عامر ﵁ وقد شكا إليه تخلل بعض أوقاته بشيءٍ من الملاطفة للصبيان والنساء، فقال له ﷺ : ﴿ولكنْ ساعةً وساعة﴾ أمَّا أن يُصبح الترويح للنفس طابع الحياة في الغدو والآصال، والخلوة والجلوة، وهماً أساسياً من هموم المجتمعات في الحياة، فهو خروج به عن مقصده وطبيعته، واتجاه بالحياة إلى العبث والضياع، والإنسان الجاد عليه أن يجعل من اللهو والترويح له ولمن يعوله وقتاً ما، ويجعل للعمل والجد أوقاتاً لا العكس، لاسيما ونحن نعيش في عصرٍ استهوت معظم النفوس فيه كل جديد وطريف، حتى صارت أكثر انجذاباً إلى احتضان واعتناق ما هو وافد عليها في ميدان اللهو والمرح.
ولا غرو في ذلك عباد الله! فإن الاسترخاء الفكري وهشاشة الضابط القيمي لدى البعض منا هما أنسب الأوقات لنفاد الطرائف والبدائع إلى النفوس، وهنا تكمل الخطورة ويستفحل الداء.
стр. 127
أخطار اللهو المنفتح على الأمة الإسلامية
إن اللهو المنفتح والذي لا يُضبط بالقيود الواعية؛ إنه ولا شك يتهدد الأصالة الإسلامية لتُصبح سبهللاً بين خطرين، أحدهما: خطر في المفاهيم؛ إن كان هناك شيءٌ من بعض المسابقات تدعى ثقافية تقوم في الغالب على جمعٍ للتضاد الفكري، أو تنمية الصراع الثقافي، أو تصديع الثوابت المعلوماتية لدى المسلمين، بقطع النظر عن التفسير المادي للتاريخ والحياة، أو على أقل تقدير: الإكثار من طرح ما علمه لا يحتاج إليه الذكي، ولا يستفيد منه البليد.
والخطر الثاني عباد الله: تلك التي تُعدّ وسائل للترويح والتسلية عبر القنوات المرئية التي تنتج مفاهيم مضللة عبر طرق جذابة في الثقافات والشهوات لاسترقاء الفكر؛ من خلال فنون أو أساطير أو عروض لما يفتن، أو للسحر والشعوذة وما شاكلها، ونتاج الخطرين ولا شك تمزقٌ خطير متمثل في سوء عشرة زوجية، أو تباين أفراد أسرة إسلامية، ناهيكم عن القتل والخطف، والانتحار والتآمر، والمخدرات والمسكرات، وهلمَّ جرَّاً.
وما حال من يقع في هذا الترويح إلا كقول من يقول: "وداوني بالتي كانت هي الداء! " أو كما يتداوى شارب الخمر بالخمر، فلرب لهوٍ لمرةٍ واحدة يقضي على برجٍ مشيدٍ من العلم والتعليم للنفس.
ويالله كم من لذة ساعة واحدة أورثت حزناً طويلاً: ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٥-٩٦] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 128
ضرورة ضبط الترويح بالضوابط الشرعية
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أن شريعة الإسلام شريعةٌ غراء، جاءت بالتكامل والتوازن والتوسط، ففي حين أن فيها إعطاء النفس حقها من الترويح والتسلية؛ فإن فيها كذلك ما يدل على أن منه النافع ومنه دون ذلك، فقد صح عند النسائي وغيره أن النبي ﷺ قال: ﴿كل لهوٍ باطل غير تأديب الرجل فرسه، وملاعبته لأهله، ورميه لسهمه﴾ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذا الحديث: "والباطل من الأعمال هنا ما ليس فيه منفعة ولم يكن محرماً، فهذا يُرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، وهذا الحق في القدر الذي يحتاج إليه في الأوقات التي تقتضي ذلك؛ كالأعياد، والأعراس، وقدوم الغائب ونحو ذلك".
ويقول ابن العربي ﵀ عن هذا الحديث: "ليس مراده بقوله باطل أي أنه حرام، وإنما يريد به أنه عارٍ من الثواب، وأنه للدنيا محض لا تعلق له بالآخرة والمباح منه باقي".
عباد الله: هذا في اللهو المباح وأما اللهو المحرم، أو اللهو المباح الذي قد يفضي إلى محرم، فاستمعوا -يا رعاكم الله- إلى كلام البخاري ﵀ في صحيحه حيث يقول: (باب: كل لهوٍ باطلٌ إذا أشغله عن طاعة الله) يعلق الحافظ ابن حجر على هذا فيقول: "أي: كمن التهى بشيء من الأشياء مطلقاً، سواءً كان مأذوناً في فعله أو منهياً عنه؛ كمن اشتغل بصلاة نافلة، أو بتلاوة، أو بذكر، أو تفكر في معاني القرآن مثلاً، حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمداً، فإنه يدخل تحت هذا الضابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها".
فالحاصل -أيها المسلمون- أن الترويح والفرح ينبغي أن يخضع للضوابط الشرعية، وألا يبغي بعضها على حدود الله، والله يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ألا وإن من أراد أن يفرح ويلهو فليكن فرح الأقوياء الأتقياء، وهو في نفس الوقت لا يزيغ ولا يبغي بل يتقي الأهازيج والضجيج التي تقلق الذاكر، وتكسر قلب الشاكر.
ولله ما أحسن كلام أبي حامد الغزالي الذي يصف فيه الباغين في اللغو العابثين فيه الوالهين به، دون رصدٍ للحق أو رعاية للحدود، فقال في إحيائه عن مرحهم: "إنه من مشوشات القلب إلا في حق، أقوياء فقد استخفوا عقولهم وأديانهم من حيث لم يكن قصدهم إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت، فلم يكن لهم قصد نافع، ولا تأديب نافذ؛ فلبسوا المرقعات، واتخذوا المتنزهات؛ فيظنون بأنفسهم خيراً، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويعتقدون أن كل سوداء تمرة، فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم، فإن الله تعالى يُبغض الشباب الفارغ، ولم يحملهم على ذلك إلا الشباب والفراغ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 129
ربما تصح الأجسام بالعلل
تحدث الشيخ عن الشريعة الإسلامية وأهميتها، كما أن التمسك بها والدعوة إليها هما أمان هذه الأمة من الفتن والزوابع.
وقد حذر الشيخ من الفتن بذكر أحاديث المصطفى ﷺ في ذلك، كما ذكر العواصم من الفتن.
ونبه إلى أن الشدائد قد تكون وسيلة للتمكين، فربما صحت الأجسام بالعلل.
ثم حذر من الانخراط في سوء الظن، والفحش في القول والفعل، وحذر من الغلظة في القول أيضاً.
стр. 130
عموم الدين الإسلامي للناس كافة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
أيها الناس: إن شريعةٌ الإسلام شريعةٌ غراء، سمتها الجليلة أن يُعبدَ الله وحده في الأرض ولا يُشرك به، متبعة بقواعد فَرَضَها رب البرية، هي خيرٌ كلها، ونورٌ كلها، وسلامٌ كلها، وفرحٌ كلها ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩] ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] .
عباد الله: إن الدين الإسلامي هو شريعة الله العادلة على العالم أجمع، وما إرسال الله لخاتم رسله ﷺ للناس كافة بشيراً ونذيراً إلا من أجل أن يدخل الناس في دين الله وصبغته ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣] .
إن الدين الإسلامي هو شريعةٌ مبناها على الاتباع لا الابتداع، وعلى الاقتداء والتأسي لا على النكوص والتنسي، ودين المرء لم يكن ديناً حقاً إلا إذا كان الخضوع فيه للحق سبحانه دون سواه.
وإن خير هدي ينتهجه الناهجون هو هدي رسوله ﷺ ، وهيهات أن يأتي الناس في أعقاب الزمن بأهدى منهما حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩] .
عباد الله: إنه في أعقاب الزمن ووسط عصور الانتقال، تتعدد مسالك الحياة، وتتزاحم تداعياتها هبوطاً وصعوداً بمدى قرب الناس من دينهم أو بعدهم عنه، ومكان رسالة خاتم النبيين ﷺ بين ذلك كله أنها دعوة كمال وعدل، فكلما تردد الإنسان عبر هذه العصور التي تُسمى عصور الانفتاح بين طريقين اثنين، أو حارت نفسه في اختيار أحد مسلكين، فإن السنة تدعوه -لا شك- إلى خيرهما، وإذا تردد العقل في خضم هذه النوازل المدلهمة بين الحق والباطل، والزين والشين، دعته السنة إلى الحق والزين؛ لأن الحق أبلج والباطل لجلج.
وبهذا يُعلم أن دعوة السنة وَسَطَ هذه الزوابع؛ إنما تكون لأصعب الطريقين، وأشق الأمرين بالنسبة لأهواء البشر المحاطة بعالمٍ أصبح عبر وسائله المختلفة كالكتلة الواحدة، ولا غرو في ذلك؛ فإن النار حُفَّت بالشهوات، والجنة حُفَّت بالمكاره، ويبدو ذلك بوضوح في أن الانحدار مع الهوى سهل يسير، ولكن الصعود إلى العلو من الصعوبة والمشقة بمكان.
ألا ترون -حماكم الله- أن الماء ينزل وحده حتى يستقر في عمق الوادي، ولكنه لا يصعد إلى العلو إلا بالجهد والمضخات.
стр. 131
تمسك الأمة بدينها هو سر أمنها واستقرارها
إيها المسلمون: إن البعد عن زمن النبوة مظنة -ولا شك- في البعد عن تعاليمها وآدابها، فرسول الله ﷺ يقول: ﴿خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم﴾ ، ويقول أيضاً: ﴿إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً﴾ ، ويقول أيضاً: ﴿لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم﴾ .
لأجل هذا -عباد الله- فإن الثوابت الشرعية؛ من توحيد الله، والإيمان به، والدعوة إليه، والحب والبغض فيه، قد يغيب أكثرها أو بعضها مع مرور الزمن، وغلبة الأهواء، وشيوع الهزل، حتى إنها لتحتاج إلى من يرد لها الحياة بعد ما اعتراها ما اعتراها من ذبول.
إذاً: لدينا كتاب الله لا تخلق جلدته ولا تفنى فروته، ولدينا نور نبوة ملهم السيرة، نقي السنن، وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعمى النفس المؤمنة مع هذا الإشعاع؟ بل كيف يستوحش المرء في هذا العالم الموار، ومصدر الأمن والطمأنينة فوق ظهره محمول، شريطة ألا يغفل عن قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] .
إنه رغم الدمار البالغ الذي تُصاب به المجتمعات حيناً بعد حين، والوكزات التي تتلقاها أمة الإسلام فجأة، ثم هي تُصرع أمامها إثر تقويض الرابطة الإسلامية الجامعة الحقة، وعلى الرغم من المكانة الملحوظة التي وفرها الإٍسلام للمجتمعات الإسلامية بأسرها من خلال تعاليمه المحكمة، وثوابته التي لا تتغير -بل يخضع لها كل عصر وليست تخضع هي لكل عصر- إنه رغم ذلك كله إلا أن ثمة خللاً ما، يؤكد أن تلك المجتمعات أحوج ما تكون إلى أن تلتمس لطف الله وعفوه، وترتقب رحمته وإحسانه، وتلزم اللجوء إليه والعياذ به، عاملة بما دعاها به المصطفى ﷺ : ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] .
فلا إله إلا الله! ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] .
стр. 132
الحث على الدعوة إلى دين الله
إنه ينبغي علينا -معاشر المسلمين- أن ندعو إلى دين الله -جلَّ وعلا- الذي هو مصدر عزتنا، وسر قوتنا؛ من خلال التحدث عنه على حقيقته وصورته التي ارتضاها الله جل شأنه، دون استحياء ولا تخوف ولا استجداء، متبعين ذلك على أنه دين العبودية لله وحده في كل شيء، والاتباع لرسوله ﷺ .
وحذارِ حذارِ من أن يخطئ أحد حال التحدث عنه فيعدل عن الوجه الصحيح!
ثم إن الدعوة إلى الإسلام برمتها أشبه ما تكون بالقضية العادلة؛ غير أنها -وللأسف الشديد- قد تقع بين أيدي المحامين عنها، فيفشلون في عرض حقيقة الدفاع، وإيضاح البينات، وما ذلك إلا من خلال التنازل عن ثوابتها وأسسها؛ بحثاً لعرض، أو خوفاً من عرض.
ولا غرو في ذلك -عباد الله- فلربما نسمع كثيراً من المتحدثين عن الإسلام يحامون عنه، ويود المرء منا لو أنهم سكتوا فلم ينبسوا بحرف واحد.
إن أمثال هؤلاء -ولا ريب- لم يفهموا الإسلام بكماله كما تنزَّل من عند الله، والنزر اليسير ممن يتحدث عنه، ويدَّعي فهمه قد لا يحسنون الإبانة عنه، من خلال الخلط والمزج بينما يصح وما لا يصح، ومن هنا يعظم الخطر؛ لأننا في أزمنة خدَّاعة تحتاج إلى المهرة من ذوي الأفهام عبر عصور يتزن فيها القبيح من المبادئ، فتعرض نفسها على الناس في تزاويق خادعة، كما تتوارى الشمطاء وراء حجب من الأصباغ والحلي.
إن الإسلام في حدِّ ذاته كالدواء، لا يحتمل أن يجتهد فيه كل محتس له، كما أن الدواء لا يكون دواءً لأن مادته تحوي أسباب الشفاء فحسب، كلا! بل لا بد من تناوله بطريقته التي يُشير بها الطبيب على الوجه الذي وضع له الدواء، ومن تكلف طريقةً من عنده لم يقل بها الطبيب فلا يأمن أحدٌ حينئذٍ إذا استفحل الداء ولات ساعة استشفاء!
وهيهات هيهات أن تصلح المجتمعات وقد وهت فيها حبال مقومة الشريعة الحقة، وأسس الحياة المحكومة بصبغة الله وشرعته، دون اكتراث بما يُرضي الله وما يسخطه، فكيف إذا كانت الحال في التشكيك في تلك المقومات، أو السعي الدءوب في إماتتها، أو بث ما من شأنه اتهام المسلمين أو بذل الفرقة بينهم، أو التطلع إلى إرساء قواعد التراجع عن الدين أو -على أقل تقدير- إشعار الغير بأن من يتجرع الإسلام بآدابه وكماله فإنه لا يكاد يصيغها إلا معتوهاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!
стр. 133
التحذير من الفتن والانجرار خلفها
أيها المسلمون! إن من خصائص رسالة المصطفى ﷺ : أنه ما من خيرٍ إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، وقد كان مما حذَّر الأمة منه: الفتن التي تكون في آخر الزمن وتكاثرها، والغواسق التي تحيط بالأمة من كل جانب، فتموج بهم كموج البحر حتى أنها لتدع الحليم حيراناً، بل ولربما تستمرئها النفوس الضعيفة، وتستشرف لها رويداً رويداً إلى أن تلغ في حمأتها وهي لا تشعر، فإذا ألفتها لم تكد تتحول عنها إلا في صعوبة بالغة بعد أن تفقد خصائصها، ومِنْ ثمَّ تميع وتذوب، ثم:
ما لجرحٍ بميت إيلام
وإذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
حتى تقع النفس في أتون الفتن؛ فتحترق بلا لهب، ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من استشرف لها تستشرفه الحديث﴾ .
يقول الحافظ ابن حجر ﵀ ما معناه: "قوله: من استشرف لها، -أي: تطلع لها؛ بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يُعرض عنها".
وفي الصحيحين أيضاً أن النبي ﷺ قال: ﴿يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج.
قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: القتل، القتل﴾ .
عباد الله: إننا في زمن تداعت فيه الفتن كداهية دهياء؛ فقلَّت فيه الأمانة، ونُزِعت فيه الخشية من الله، وتنافس الناس فيه على الدنيا وحضوض النفس، وكّثُرَ فيه القتل وبلغ أوج صوره على اختلاف تنوعه، حتى لربما لا يدري القاتل فيم قَتَلَ، ولا المقتول فيم قتل، كما قال ذلك النبي ﷺ فيما صح عنه.
ولكن لمستفهم أن يقول: ما النجاة في خضم هذه الأحداث؟
وما موقف المؤمن من متغيرات زمانه وفجاءة النقمة فيه؟
والجواب على هذا بين بحمد لله، فإن لكل داءٍ دواءً، علمه من علمه وجهله من جهله.
والدواء في مثل هذا كثير التنوع.
فمن ذلك:
أولاً: حمد الله على العافية، مما ابتلى به كثيراً من الناس من الفتن والرزايا، والحروب المدمرة، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة والإيمان بأن ما يريده الله كائنٌ لا محالة، وأن ما أصاب الناس لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١] .
جاء عند مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مبِينٍ﴾ [لأنعام:٥٩] ﴾ .
فلا إله إلا الله ما أوسع علم الله! انظروا إلى الأحداث والمستجدات -عباد الله- كيف تحل بنا فجأة على حين غرة، دون أن تقع في ظن أحدنا، أو يدور بخلده أن أحداثاً ما ستكون يوماً ما، مما يُؤكد الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واللجوء إليه وخشيته وحده بالتوبة والإنابة، وكثرة الدعاء، والاستغفار، والصدقة، وبذل الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فلا ملجأ من الله إلا إليه، ألا إن من خاف البشر فرَّ منهم، غير أن من خاف الله فإنه لا يفر إلا إليه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] ، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لا يرد القدر إلا الدعاء﴾ .
ألا وإنما يحدث في هذه الأزمنة من كوارث تحل بنا بغتة ليُذكرنا باليوم الذي تقوم فيه الساعة والناس في غفلةٍ مُعرضون، مع ما يتقدمها من أماراتٍ وأشراط تدل عليها، فقد جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي منه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها﴾ كل ذلك -يا عباد الله- دليل على فجأة النقمة، وأن نفساً لا تدري ماذا تكسب غداً، ولا تدري بأي أرض تموت.
ثم اعلموا -رحمكم الله- أنه ينبغي للمرء المسلم في خضم الأحداث الرهيبة، والمتغيرات المتنوعة، ألا يُصاب بشيء من الاستغسال مع مشاعر القنوط واليأس، وألا يحبس أنفاسه مع الجانب الذي قد يكلح في وجهه على حين غفلة من جوانب الخير الأخرى في حياته، دون التفاتٍ إلى المشوشات من حوله، والتخوفات التي ليس لها ضرير.
فليس بلازم عقلاً أن تكون تلك المخاوف صادقة كلها، فلربما كانت كاذبة؛ إذ قد تصح الأجسام بالعلل، وقد يكون مع المحنة منحة، ومع الكرب فرج، وإن مع العسر يسرى ولن يغلب عسرٌ يُسرين، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 134
آداب الإسلام في الفتن
الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فيا أيها الناس! إن مما لا شك فيه أن كثرة الفتن تزلزل كيان الناس، وأن فتيل الحروب إذا اشتعل عَسُرَ انطفاؤه، وأن التهويش والتشويش والقيل والقال والظن لمما يزيد الأمر سوءاً وتعقيداً، والنار اشتعالاً واضطراماً، ولا جرم! فإن النار قد تذكى بالعيدان، كما أن في مبدأ الحرب كلام اللسان.
ولقد كان السلف الصالح أحرص الناس على اتقاء الفتن، والنأي بأنفسهم عن أن يقعوا في شراكها، بل يستعيذون بالله منها، وكلما لاحت لهم في الأفق فتنة تمثلوا بما رواه البخاري في صحيحه عن خلف بن حوشب: أن السلف كانوا يقولون عند الفتن:
الحرب أول ما تكون فتية تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ولَّت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء يكره لونها وتغيرت مكروهة للشم والتقبيل
ثم اعلموا -أيها المسلمون- أن من أدب الإسلام في الفتن: كف اللسان وحبسه، وعدم الزج به فيما لا يعني، وزمه عن الفحش والتفحش أو الوقوع في الظن، فإن إطلاق اللسان وسيلان الأقلام خائضة في المدلهمات، ولاجة في المشتبهات والقضايا المزعجات، دون زمام ولا خطام؛ لمن شأنه أن يضعف إيمان المرء المسلم، ويوقعه مواقع الزلل، غير آبه بوصية النبي ﷺ لـ عقبة بن عامر حينما سأله: ﴿ما النجاة؟ قال: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك﴾ رواه الترمذي.
إن اللهث وراء كل حدث وخبر باللسان تارة، وبالأقلام أضعافها، في البيت والسوق، وفي المجالس والمنتديات، وعبر شبكات تقنية يكثر فيها اللغط دون تروٍ أو توثق أو محصلة من العلم والفهم؛ لمما يُقلل العافية والسلامة من الخطأ، فضلاً عن أن يُقدِّم حلاً عاجلاً سوى الخلط والجهل والتضليل، ولله در أبي حاتم البستي حين قال: "إن العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في السكوت؛ لأن من الناس من لا يكرم إلا للسانه، ولا يهان إلا به، فالواجب على العاقل ألا يكون ممن يهان به".
ثم اعلموا -عباد الله- أن الحوارات الشفهية، والمطارحات الورقية لا ينبغي أن تكون لكل راكب، ولا علكاً يلوكه الكل، وأمور الناس بعامة لا ينبغي أن يتصدى لها أي أحد كيفما اتفق، دون تميز بين الغث والسمين، وبينما يعقل وما لا يعقل، وإنه لمن المستكره أن يكون مقدار لسان الإنسان أو قلمه فاضلاً على مقدار علمه ومقدار علمه فاضلاً على مقدار عقله، فلقد روى البخاري في صحيحه عن علي ﵁ أنه قال: [[حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!]] .
فمن هرف بما لا يعرف فهو ممن قال الله فيهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] قال قتادة ﵀: [[هم أهل الغلظة والظنون]] وروى الإمام أحمد وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن أمام الدجال سنون خداعات، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكذوب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم الرويبضة.
قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة﴾ .
فعلى حملة الأقلام وذوي اللسان أن يتقوا الله سبحانه، وألا يستخفوا بأحد، وألا يبغوا على أحد من المسلمين، يقول ابن عبد البر ﵀: "أحق الناس بالإجلال ثلاثة: العلماء، والإخوان، والسلطان، فمن استخف بالعلماء أفسد دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخف بأحد".
ومما يزيد الأمر تأكيداً وتوثيقاً -عباد الله- حينما يكون الخوض فيما قال الله أو قال رسوله ﷺ ، فليس لذلك إلا العلماء والأتقياء الأنقياء، فهم ورثة الأنبياء ومصابيح الدجى.
فحذارِ حذارِ لمن تجاوز طريقهم أن يقع في قول النبي ﷺ : ﴿من أُفتي له بغير علم كان إثمه على من أفتاه﴾ رواه أبو داود.
وقد قال عبد الله بن وهب: [[قال لي مالك بن أنس: يا عبد الله! لا تحملن الناس على ظهرك، وما كنت لاعباً به من شيء فلا تلعبن بدينك]] .
وقال: سفيان الثوري ﵀: [[ما كفيت عن المسألة والفتيا فاغتنم ذلك]] .
فلا تنافس، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله، أو ينشر قوله، أو يسمع قوله، وإياك وحب الشهرة، فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا العلماء الجهابذة: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْب
стр. 135
ثبات وسط الزوابع
العالم الإسلامي في عصرنا الحاضر يمر بقلاقل وزوابع لا يعلمها إلا الله من شدتها وكثرتها، فجرح في فلسطين وجرح في أفغانستان، وجرح في الشيشان، إلى غير ذلك من محاربة الطغاة للدعاة في البلاد الإسلامية باعتقالهم، وتشويههم بالدعايات الزائفة، إلى غير ذلك من الزوابع والفتن.
والله حثنا على الثبات أمام هذه الزوابع ورسم لنا الطريق الصحيح للثبات، فمن ثبت فله سلف في ثباته، ومن غيرته صروف الحياة وزلت قدمه فإنما هو مفرط ضائع، ناقض بعد غزل.
стр. 136
الإسلام شريعة حرة
الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، له مقاليد السموات والأرض، سبحانه كل يوم هو في شأن، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد ولد آدم أجمع، وخير من صلى وركع، وأبلغ من دعا إلى الله فأسمع، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة، ورضي عنهم وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: -
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، والتوكل عليه، والاستغاثة به، والاعتماد عليه، والتذلل بين يديه، فبذلك تكون الرفعة، وتحصل المنَّة، وتنال الدرجة، وتكون العاقبة المحمودة في الأولى والأخرى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .
أيها الناس: إن المترقب في مجموع العالم اليوم بقضه وقضيضه، والذي يلقي بثاقب نظره صوب الفلك الماخرة وسط زوابع يموج بعضها في بعض، ونوازل تتلاطم كموج من فوقه موج من فوقه سحاب، ليوقن من خلال سبره للأحداث العامة والمدلهمات المتكاثرة، على كافة مناحي الحياة بلا استثناء، نعم.
إنه ليوقن أن الذين يفهمون أن مبدأً ما من المبادئ، أو حركة ما من الحركات، أو دعوة ما من الدعوات المنبثقة هنا وهناك يمكن أن تكبح جماح المظالم، بشتى صورها مهما زوقت وزيف للناس مفادها، أو أن تسد ثلمة المجتمعات الشارخة، دون أن يكون ذلك كله من خلال الإسلام، وروحه وشريعته، ومن يفهم خلاف ذلك فهو شاذٌ برمته، إما أنه مريض خراص، أو عرق دخيل دساس، لا يعول على مثله ولا يوثق به.
إن الإسلام في صميمه شريعة حرة، قد حررت العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ودلت على أن العزة مرهونة بها، والهوان والدون نتيجة للنائي عنها، يبدأ ذلك جلياً من ضمير الفرد، وينتهي في محيط ضمير المجتمعات بأسرها.
ومهما يكن الأمر فإن الإسلام لا يمكن أن يعمر قلباً بحلاوته، ثم هو يدعه مستسلماً خاضعاً لسلطانٍ في الأرض غير سلطان واحد قهار: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] ، وتلك لعمر ربي هي صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة.
إننا -أيها المسلمون- إذا ما رأينا المظالم تقع على الأرض حثيثة، وإذا ما سمعنا المنكوبين وذوي الديار المغتصبة والأراضي المتخطفة يئنون ويصرخون ويهرعون ويتوجعون حتى تلامس صيحاتهم أسماع أمة الإسلام، غير أنها لم تلامس أسماع نخوة أمة حاضرة، تهب لرفع ما نزل، ودفع ما قد يقع، فلنا حينئذٍ أن تساورنا الشكوك جميعاً تجاه خلل ما، هو السر الكامن في وجود هذا الوهن العظيم وسكون من له حق وحراك من لا حق له، والذي من خلاله فُتَّ عضد الأمة، ونُكثت جراحها، وجعلها شذر مذر، ولا جرم أن من استطب لواقعه فلن يعدم معرفة الداء ومحله.
أيها المسلمون: النسيم قد لا يهب عليلاً داخل المجتمعات المسلمة على الدوام، فقد يتعكر الجو، وقد تثور الزوابع، وتضطرم فوهات البراكين، كما أن ارتقاب الراحة الكاملة إنما هو نوع وهم وطيف وتخييل، ومن العقل والحكمة توطين النفس على مواجهة بعض المضايقات على الإسلام والمسلمين والاستعداد لحلها، والوقوف بحزم أمامها، وترك إضاعة الأوقات في التعليق المرير عليها والذي قد يفقأ العين ولا يقتل صيداً، ثم إن الفتن التي تعترض أمة الإسلام حيناً بعد آخر إنما هي في حقيقتها تمحيص وابتلاء: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال:٣٧] .
وقد شرع الله لنا أن نقابل ابتلاءه بالسراء بقوله عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] وكذلك أن يكون موقفنا في الضراء مغايراً لما ذكره الله على وجه الذم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] .
إن غير المسلمين لن يرضوا عن أمة الإسلام إلا بعد أن تترك ديناها وتبتعد عن شريعتها، أو لا أقل من أن تتراجع أو أن تقدم تنازلات، فلا تبقي من الإسلام إلا اسمه، وهذا أمر ينبغي ألا يختلف فيه اثنان وألا يجادل فيه متفيهقان.
جاء عند أحمد وابن أبي شيبة من حديث جابر ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه فغضب وقال: ﴿لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني﴾ .
ومن هذا المنطلق -عباد الله- فإن المساومة على الانتماء للدين صورة ومعنى، أو المساومة على الثوابت التي لا تقبل الخلاف والجدل والتي يخضع لها كل زمن وليست تخضع هي لكل زمن: إن المساومة على مثل هذا لهو خيانة عظمى وجنون لا عقل معه، وإغماء لا إفاقة فيه، إذ شرف المرء وشرف المجتمع إنما هو في الانتساب إلى الإسلام والعمل به، والدعوة إليه، والثبات عليه حتى الممات.
إن من غيرته صروف الحياة، أو هزت كيانه خطوب وتداعيات، ورغبة أو رهبة، ثم زلت قدمه عن دينه بعد ثبوتها، فإنما هو مفرط ضائع، ناقض بعد غزل، وحالٌّ بعد عقد حتى يصبح فريسة الحور بعد الكور، والذل بعد العز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٥-٢٨] .
فمن هنا -عباد الله- جاءت شريعة الإسلام بالتحضيض على الثبات على الدين، والعضِّ عليه بالنواجذ حتى الممات: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] .
وكان من دعاء النبي ﷺ قوله: ﴿
стр. 137
زوابع الزنادقة
فالعجب كل العجب عباد الله! ممن يعلم خطورة الركون إلى غير الإسلام، أو ميل القلب أو العاطفة تجاه من هم على غير ملة الإسلام مهما كانت الظروف التي تحيط بالواقع، ودوافع الرغبة أو الرهبة الداعية إلى مثل هذا، فإن هذا وإن كان لا يعد مسوغاً للميل إليهم والخنوع لهم وتحبير الأقلام والأفهام لهم أو الانسياق خلف مطامعهم وتطلعاتهم، أو الاستجابة لدعواتهم المتكررة في لمز دين الإسلام وهمزه، أو التنازل عن بعض ثوابته وعماده، أو التشكيك المزوق في مناهج التعليم الشرعية، وثمار الصحوة المأتية، فإن الانسياق مع مثل هذا جرم فاضح، وإحسان الحديث عنه زور وبهتان، وما محبو مثل هذا في عالمنا الإسلامي إلا كأنوف أزكمها غبار الافتتان فاستوت عندها الروائح، أو كجسوم تندت ولم ينزع مبلولها، فما هي إلا الحمى ما منها بُدّ.
وإن تعجبوا عباد الله! فعجبٌ تلك الأفهام التي تحمل اسم الإسلام وما يخطه بنانها، وتلوكه ألسنتها، غريب كل الغرابة عنه، يدفعهم إلى مثل هذا كونهم منهومي المال، مفتوني الجاه، أو رائمين شهوات مشبوهة، قد ركبت تركيباً مزجياً يمنعهم من الصرف والعدل، وإن أحسن الظن بهؤلاء: فهم من صرعى الأفئدة المقلدة الذين لا يفرقون بين الثوابت والمتغيرات، أو ممن يضيفون الأسباب إلى غير مسبباتها، ويستسمنون كل ذي ورم، ثم هم يغفلون عن حقيقة هذا وذاك، فلو سرق إنسان في المسجد؛ لعلت صيحاتهم تدعو إلى هدم المساجد أو إغلاقها؛ لئلا تتكرر السرقة زعموا.
ولو أن امرأة محجبة غشت وخدعت لتنادوا إلى نزع الحجاب وبيان خطره، وأنه مظنة الغش والخداع، فلا هم في الحقيقة قطعوا يد السارق، ولا عزروا تلك التي غشت وخدعت، وإنما دعوا لهدم المسجد ونزع الحجاب، وهذا هو سر العجب! وهو ما يثير الدهشة حينما نرى مثل هذا الفكر المقلوب الذي لا صحيح فيه إلا أنه غير صحيح، وأحسن ما فيه أنه غير حسن.
قدم أبو سفيان -رضي الله تعالى عنه- المدينة قبل أن يسلم، فدخل على ابنته أم حبيبه زوج النبي ﷺ ورضي عنها، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: [[يا بنية! ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش أم رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس]] .
هكذا فعلت أم المؤمنين ﵂ في أبيها بكلمة حق خرقت بها مثلاً عربياً مشهوراً:
كل فتاة بأبيها معجبة
وما فعلها هذا إلا لأن الإيمان لم يخامر قلب أبيها، وكلمة التوحيد لم ينطق بها لسانه، ولم يكن لنسب الأبوة حق عندها في أن يلامس ولو مجرد الفراش.
ألا إن رسالة المصطفى ﷺ كفراشه، فمن أجلس عليه من ليس منه أو طواه حياء أو استجداء فما رعى حق الله ولا حق نبيه ﷺ ولا حق دينه وأمته؛ ولأجل هذا فمن البديهي قطعاً أنه لا يمكن أن نتصور نضجاً إنسانياً مع انقطاع الصلة بالله، وإضمار الكراهية لشريعته.
وما يشاع بين الفينة والأخرى من أن ثَمة أفكاراً ومستجدات تضع إمكانية مقاطعة المرء المسلم لدينه، أو مجاملته بكلمات باهتة، أو مجرد التمسك بخيط واحد من حبله المتين، ثم هو يختط لنفسه طريقاً لا يعرف من خلاله المسجد، ولا يقيم وزناً لحدود الله، لهو فكر خطر الملمس يثير تسائلات واسعة النطاق من قبل الباحثين عن الحق.
هل قضية الإيمان بالله من السهولة بمكان بحيث يستوي فيها النفي والإثبات، والأخذ والترك، والشرك والتوحيد؟
هل هذه القضية من خفة الوزن بمكان بحيث لا يفرق فيها بين الثابت والمتغير، وبين العدل والجور، وبين الصدق والريبة؟
إننا لو سمعنا برجل ما يقول: إن الأرض مربعة، أو يزعم أن مياه البحار والمحيطات غاية في العذوبة، فإننا -ولا شك- نزري بعقله ونرميه بالجنون والسفه، فإذا كان الخطأ في فهم بعض الحقائق الدنيوية له هذا الوزن في الإنكار، فكيف بالخطأ الجسيم في الحقائق العلوية المتصلة بمن استوى على العرش ويعلم السر وأخفى؟! ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] .
فيا ليت شعري أين ذوو الأقلام النيرة، والأفهام السوية، يدلون الناس على ما يحفظ لهم دينهم، ويحصن كيانهم، ويزرع الثقة في مبادئ شريعتهم، ومناهج تعليمهم، ويحذرونهم من شرور المبغضين، وحسد الحاسدين، ويقيمون لهم ميزان العدل في القول والعمل، فيرجعون عقلاء مميزين، يعرفون ما يأخذون وما يذرون.
فبلاد الإسلام مستهدفة، وثوابت الشريعة الغراء تواجه تضليلاً وتشكيكاً من خارجها وداخلها، بل وممن على أرضها، ويتكلمون بلغتها، وبلاد الحرمين الشريفين -مهبط الوحي، ومعقل الإسلام المعاصر- لم تسلم براجمها من هذه الأوخاز، حتى طالتها الاتهامات والهجمات، غير أنها بحمد الله لن تكون علكاً ملتصقاً يلوكه كل مشكك في دينها وثوابتها وصحوتها ومناهجها الشرعية، وصحوتها من شباب وكهول، إن ما نَهلوه تربية إسلامية غير معوجة، وأفكارهم واطروحاتهم مبنية على ركائز العقيدة الصحيحة والولاء لله والبراء فيه، وهم في ذلك ثمرة علمائها، وشعب حكامها، ولن يكون أهلها -بإذن الله- أبواقاً ينفخ من خلالها المغرضون، ومطايا يمتطيها الحاقدون، ضد هذه البلاد، ومناهجها الشرعية، وعقيدتها الراسخة، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون واستغفروا الله إنه كان غفاراً.
стр. 138
نقاط على طريق الثبات
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فيا أيها الناس: إن لكل نظام من النظم على أرض الواقع فلسفته وفكره، وحله وعقده، وله حلوله الخاصة التي يواجه بها مشكلاته بقطع النظر عن صحتها من سقمها، أو زينها من شينها، بيد أنه ليس من المنطق ولا من المعقول -فضلاً عن أنه ليس من الإنصاف جدلاً- أن تقحم الشريعة الغراء، متهمة في مشكلات وتبعات لم تنشأها أمة الإسلام، وليست من بابتها، وإنما فجرتها نظم وممارسات أجنبية عن أمة الإسلام، ثم تريد هي من أمة الإسلام أن تفكر بعقلها، لا بالعقل الإسلامي، وأن تحس بقلبها لا بالقلب الإسلامي.
ولكي نعمق الولاء للإسلام والبراء فيه، ونردم الوهدة التي تفصل الكثيرين عن ماضيهم ومجدهم الزاهر، والوقوف أمام كل نابتة تنبت في هذا الطريق الخضم المائج، ولئلا تقدم الأمة تنازلات فكرية أو عقيدية أو تعليمية غير مبررة ولا مفهومة، بل هي من نسج الحاقد، واضحة النشوز في مسار الصحوة الفكري، ورفض التبعية والتغريب، لأجل أن ندرك ذلك كله فلا بد لنا أن نضع الحقائق التالية نصب أعيننا:
أولها: أن عقيدتنا أساسها التوحيد لله، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهيهات هيهات أن يكون أي تجسيد عقدي سوى ذلك أرجح منه وأولى بالقبول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ * وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧١-٧٢] .
وثانيها: أنه لا يمكن إدراك تضامن إسلامي ناجح بين أفراد ومجتمعات بعضها يبغض بعضاً، أو ينفر من بعض، أو يكره الإسلام، أو يرفض بعض تعاليمه في ساحات كثيرة أو قليلة.
وثالثها: أنه ينبغي لأي وحدة منشودة أو تمازج مقترح في المصالح الشرعية أو في درء المفاسد أن يتفق في الوسيلة أو في الغاية وفق الحق والشريعة، وإن أي وحدة صف أو أي هدف منشود فإنه يعتبر وهماً مع هذا الخروج على المقررات الإسلامية والثوابت الشرعية.
ورابعها: أن التراجع والتخاذل بين المسلمين إنما يجيء بالدرجة الأولى من داخل النفس قبل أن يجيء من ضغوط من سواهم، ولسنا أول أمة ابتليت وفرض الله عليها أن تثبت على دينها وتكافح لأجل أن تحيا عزيزة شماء.
وخامسها: أن تكون ثقافتنا المذاعة والمنشورة قائمة على التقريب بيننا لا على المباعدة، وعلى الرتق لا الفتق، وعلى الاعتزاز لا الابتزاز، وعلى دعم القيم الدينية ورد الشبهات التي تثار حول أمة الإسلام ومناهجها، وعلى أن تكون دعوتها لإحياء وحدة المسلمين في أن تميت صيحات الجاهلية، وأن تبرز العنوان الإسلامي وحده أساساً للنهضة البناءة والفكر السوي: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] .
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٥-٣٨] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم إذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضنا إليك غير مفرطين ولا مفتونين ياذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تشمت بنا الأعداء ولا الحاسدين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق يا ذا الجلال والإكرام! اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد، برحمتك يا أرحم الراحمين!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 139
أَوَّه على التفريط !
إن الإنسان المسلم بين الحين والآخر يصاب بالتفريط في الأعمال الصالحة، لأنه غير مدرك لفضلها ونفعها في الدنيا والآخرة، فيا ترى ما هي أسباب هذا التفريط؟
وهناك أيضاً بعض الأعمال الصالحة التي يفرط فيها المفرطون، فأين المسابقين إلى الخيرات؟ وليحذر الكسل فإنه شرداء.
стр. 140
التفريط وخطره
الحمد لله فاطر السموات والأرض غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين -الجن والإنس- بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، أقام الله به الحجة، وأوضح به الطريق، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وخلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعلى سائر أصحابه الأخيار النجباء الأطهار.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، والاعتصام به في السراء والضراء، وألا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون، واعلموا أن ما بكم من نعمة فمن الله، أفغير الله تتقون؟!
عباد الله: في دنيا الناس أمثلة وضروب، ومحادثات لاقت رجع الصدى بين الحين والآخر في غير ما مجلس، يتحدث من خلالها المتحدثون، عما يُشاهدونه مرات وكرات؛ من تفويت للحظوظ، وتفريطٍ في المصالح الظاهرة، لا سيما تلك المصالح التي تكون في معايش الناس، وهي لا تساوي إلا ثمناً بخساً زهيدا، يتحصل من خلاله على مردود ليس بالقليل، من الحظ الوافر والرزق الواسع.
ألا وإن من المقرر شرعاً وعرفاً بين الناس، أن من ظهر له ربحاً ما في مرابحةٍ لا يحتاج بأن يعتاظ عنها إلا شيئاً يسيراً، ثم هو يُفرِّط في تحصيلها؛ فإنه قلَّ أن يسلم ولا شك من بروز من يصفه بالسفه والحمق، ولربما تعدَّى الأمر إلى دعوى أن مثله أهلٌ لأن يُحجر عليه؛ بسبب تفويته مصلحةً محققة بأقل كُلفة دون مسوغٍ.
стр. 141
التفريط في الأعمال الصالحة
والأمر الذي نُريد أن نتحدث عنه هنا باختصار في هذه العُجالة شبيه بما ذكرناه آنفاً، غير أن ما يُعنينا هنا هو أمر أخروي لا دنيوي، وراجح لا مرجوح، بل هو خيرٌ من كنوز كسرى وقيصر، وخيرٌ من مال قارون وخيرات سبأ، بل إنه من الحسنات اللآتي يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين.
ذلكم -يا عباد الله- هو ما يعرف باسم التفريط في الأعمال الصالحة، وأخص بالحديث منها فضائل الأعمال.
أيها الناس: إننا حينما نتحدث عن فضائل الأعمال وفقهها، فسيأخذ الحديث بألبابنا، ولربما طال بنا المقام، والقلوب مشرئبة إلى سماعها بتمامها، بيد أن الذي نود تسليط الحديث عليه هو ذلكم الشعور السلبي، والإحساس شبه المغيب حقيقة، عن استحضار الصور الحقيقية لفضائل الأعمال، لا سيما تلك الأعمال التي تستجلب الحسنات الكثيرة في مقابل العمل الصغير، والتي قد يفعلها جمهور من الناس، غير أنه يقل من يستشعر أبعادها، أو يدرك حقيقة أجرها، بغض النظر عن كون بعضهم يُؤديها على شبه صورة اعتيادية، فضلاً عمن نأى بنفسه عنها بالكلية، مع أنه لو علم ما فيها من الأجر والمثوبة لحكم على نفسه بالسفه والحطة: كيف يضيعها لتغدو عنه سبهللاً؟
ولا جرم يا عباد الله! فعُمر الإنسان مهما طال فهو إلى القصر أقرب، ولو استحضرنا قليلاً حديث النبي ﷺ في قوله: ﴿أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك﴾ رواه الترمذي وغيره لو استحضرنا هذا الحديث، وقمنا بقسمة عُمْرَ من بلغ الستين، وجعلنا له من يومه ما يُقارب سبع ساعاتٍ يأخذها في النوم، فإن ثلث الستين سنة سيكون نوماً قطعاً، وإنما يُعادل سنتين تقريباً سيكون لتناول الطعام لو قلنا بالوجبات الثلاث، وما يقارب الخمسة عشرة سنة يكون سن طفولة وصبوة دون التكليف، وحينئذٍ لا يبقى له حقيقة من الستين إلا ما يقارب ثلاثاً وعشرين سنة، كل ذلك يؤكد للمرء أنه أحوج ما يكون إلى كل مبادرة للعمل الصالح.
أيها المسلمون: إن في ضرب المثل غنية وكفاية لمن هو في الفهم والإدراك فحل، فإليكم أمثلة متنوعة، نستطيع من خلال ذكرها أن ندرك -جميعاً- مدى الهوة السحيقة والبون الشاسع بيننا وبين البدار إلى الأعمال الصالحة:
جاء عند مسلم في صحيحه: ﴿أن ابن عمر ﵄ كان يُصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من تبع جنازةً فله قيراط، قال ابن عمر ﵄: لقد فرطنا في قراريط كثيرة﴾ .
ألا فانظروا -يا رعاكم الله- إلى ندم ابن عمر ﵄، وكيف أسف على تضييعه لهذه القراريط، ولا غرو -أيها المسلمون- في ذلك، فإن القيراط الواحد كـ جبل أحد.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر﴾ .
وعند مسلم أنه ﷺ قال: ﴿أيعجز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة﴾ .
وعند أحمد وأصحاب السنن، أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة﴾ .
فانظروا -يا رعاكم الله- إلى هذه الحسنات الهائلة، وإلى ما يُقابلها من العمل اليسير، حسنات يعب منها الإنسان عباً، لا غلاء ولا كلفة، غير توفيق الله لمن بادر، ألا فليت شعري أترون نخيل الجنة كنخيل الدنيا؟! لله بكم يُشترى أطايب النخيل في دنيانا! ألا فالله أكبر ولا إله إلا الله نخلة في الجنة ثمنها سبحان الله وبحمده، أوَّه! تالله لقد فرطنا في نخيل كثيرةٍ، فالله المستعان!
стр. 142
حسن الخلق والتفريط فيه
عباد الله: هذا في الذكر، فما تقولون فيمن حسن خلقه فكف أذاه، وخفض جناح رحمته، وزم نفسه عن سفساف الأمور لينال معاليها فرحم وصدق، وبرَّ وأوفى، وهش في وجه أخيه وبش إن ظُلم صبر، وإن أخطأ اعتذر، لا يستنفره الغضب، ولا يستثيره الحمق فيه وفي أمثاله يقول النبي ﷺ : ﴿ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء﴾ رواه الترمذي.
وعند أبي داود وغيره أن النبي ﷺ قال: ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾ .
فيالله العجب! إذا كان هذا هو أجر الخلق فعلام النزق من أقوام؟ وما سر ضيق العطن لدى آخرين؟ ولِمَ الحسد والغرور وبطر الحق وغمط الناس ﴿ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة﴾ .
стр. 143
فضل الصوم وحال المفرطين فيه
عباد الله: لقد جاء في أجور صيام النوافل وفضلها ما يعلم المقصر من خلاله أنه كان خلف تفريط صار به من القعدة المفرطين، ولو رمق المفرط بمقلتيه إلى نصوص السنة النبوية في فضل صيام النوافل لعلم سر التحريض والتحضيض في تحصيلها، وإدراك ما أمكن من الفرص التي يتأكد استغلالها.
فقد جاء في الحديث الصحيح: ﴿من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾ أي: كصيام سنة كاملة بعدد أيامها.
وفي الحديث الصحيح الآخر يقول النبي ﷺ عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض: ﴿إنها كصيام الدهر﴾ أي: كصيام سنة كاملة.
فلو نظرنا -عباد الله- إلى محصلة مجموع الصيامين في السنة لوجدناهما يبلغان، اثنين وأربعين يوماً، فتكون النتيجة أن من صامها كاملةً كان كمن صام سبع مائة وعشرين يوماً فيما سواها، أي: أكثر من سبعة عشر ضعفاً، فلا إله إلا الله والله أكبر، كم نحن مفرطون!
عباد الله! ما مضى ذكره إنما هو جزء من كل، ونقطة من محيط، والفرص الثمينة ما لفواتها من عوض، وإن انتهازها لدليل على قوة الإرادة النابعة عن عزم اليقين، فمن علم خيراً فليبادر هواه لئلا يغلبه، فلعله يظفر بما مضي الوقت فيه هو الغنم، وعلى الضد يكون الغرم.
ألا وإن من فرح بالبطالة جبن عن العمل، ومهما علم الإنسان من الأجور والفضائل وكانت رغباته صالحة، فإنه لن يستفيد إلا إذا انتهز كل فرصة سانحةٍ له.
ثم إن الأعمال الصالحة بعامة لا تأخذ من الناس وقتاً طويلاً، ما لم يشرع الناس لأنفسهم ما لم يأذن به الله، فيشقوا على أنفسهم ويرهقوها عسراً.
стр. 144
المسابقة إلى الخيرات
اعلم -أيها المسلم- أنك في ميدان سباقٍ، والأقوات تنتهك، وإياك إياك! والخلود إلى الكسل، فما فات ما فات إلا بالكسل، وما نال من نال إلا بالجد والعزم، وثمرة الأمرين أنَّ تعبَ المحصل للفضائل راحته في المعنى، وراحة المقصر في طلبها تعبٌ وشين إن كان ثم فهم لديك، يا رعاك الله!
والدنيا كلها إنما تُراد لتُعبر لا لتُعمر، وما يناله أهل النقص بسبب فضولها والانشغال بها عما هو خير منها؛ فإنه يُؤذي قلوب معاشريها حتى تنحط، ومن ثَمَّ يأسف أمثال هؤلاء على فقد ما وجوده أصلح لهم، في حين إن تأسفهم ربما يكون شبه عقوبة عاجلة على تفريطهم.
يقول ابن الجوزي ﵀ متحدثاً عن زمنه: "لقد اشتد الغلاء بـ بغداد، فكان كلما جاء الشعير زاد السعر، وتدافع الناس على اشتراء الطعام، فاغتبط من يستعد كل سنة بزرع ما يقوته، وفرح من بادر في أول الناس إلى اشتراء الطعام قبل أن يُضاعف ثمنه، وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان، وبان ذل نفوسٍ كانت عزيزةً، فقلت: يا نفس! خذي من هذه الحال بشارة، ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه، وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة".
أ.
هـ
وروى الإمام مالك في الموطأ: أن النبي ﷺ كان يقول في بعض دعائه: ﴿واقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط﴾ ، والله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 145
أسباب التفريط في الأعمال الصالحة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله: ثم اعملوا أن للتفريط في الأعمال الصالحة أسباباً كثيرة يطول حصرها، غير أن من أهمها ما يلي: الغفلة عن مدى حاجة المرء المسلم إلى تحصيل مثل هذه الأجور المضاعفة والتي قد يسد بها نقصاً كبيراً من الخلل الوارد على الفرائض، ناهيكم عن التزود في الطاعة، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] .
ومن الأسباب: ضعف التصور الصحيح، أو تلاشيه وبعده عن حقيقة أجور بعض الأعمال المضاعفة.
فإن الاستمساك بالشيء والعض عليه بالنواجذ، إنما هو فرع عن تطوره وإدراكه، يقول ابن الجوزي ﵀: "من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف".
ومن الأسباب كذلك: توهم البعض من الناس أنهم بلغوا درجةً عُليا من كمال زائفٍ في الجوانب الإيمانية، مما شكَّل حاجزاً منيعاً في الحيلولة دون اغتنام الفرص وزيادة نسبة الإيمان لدى الواحد منهم.
ومنها: يا رعاكم الله! العجز والكسل اللذان تعوَّذ منهما النبي ﷺ ، وإن كان العاجز معذوراً في بعض الأحايين لعدم قدرته، فإن الكسول الذي يتثاقل ويتراخى مع القدرة قد لا يُعذر ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] .
وآخر الأسباب: كثرة الاشتغال بالمباحات والإفراط فيها، حتى ينغمس فيها المرء فيثقل، ويركن إليها فيبرد.
ولذلك كان نهج السلف واضحاً في الإقلال من المباحات الملهية، والتي يأنس لها القلب فتقعده عن قربة مستحبةٍ، أو فرصة سانحة، ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: "إني لأدع ما لا بأس فيه خشية الوقوع في ما فيه بأس".
следующие страницы →