Полный текст (518 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التفريط في الأعمال الصالحة
والأمر الذي نُريد أن نتحدث عنه هنا باختصار في هذه العُجالة شبيه بما ذكرناه آنفاً، غير أن ما يُعنينا هنا هو أمر أخروي لا دنيوي، وراجح لا مرجوح، بل هو خيرٌ من كنوز كسرى وقيصر، وخيرٌ من مال قارون وخيرات سبأ، بل إنه من الحسنات اللآتي يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين.
ذلكم -يا عباد الله- هو ما يعرف باسم التفريط في الأعمال الصالحة، وأخص بالحديث منها فضائل الأعمال.
أيها الناس: إننا حينما نتحدث عن فضائل الأعمال وفقهها، فسيأخذ الحديث بألبابنا، ولربما طال بنا المقام، والقلوب مشرئبة إلى سماعها بتمامها، بيد أن الذي نود تسليط الحديث عليه هو ذلكم الشعور السلبي، والإحساس شبه المغيب حقيقة، عن استحضار الصور الحقيقية لفضائل الأعمال، لا سيما تلك الأعمال التي تستجلب الحسنات الكثيرة في مقابل العمل الصغير، والتي قد يفعلها جمهور من الناس، غير أنه يقل من يستشعر أبعادها، أو يدرك حقيقة أجرها، بغض النظر عن كون بعضهم يُؤديها على شبه صورة اعتيادية، فضلاً عمن نأى بنفسه عنها بالكلية، مع أنه لو علم ما فيها من الأجر والمثوبة لحكم على نفسه بالسفه والحطة: كيف يضيعها لتغدو عنه سبهللاً؟
ولا جرم يا عباد الله! فعُمر الإنسان مهما طال فهو إلى القصر أقرب، ولو استحضرنا قليلاً حديث النبي ﷺ في قوله: ﴿أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك﴾ رواه الترمذي وغيره لو استحضرنا هذا الحديث، وقمنا بقسمة عُمْرَ من بلغ الستين، وجعلنا له من يومه ما يُقارب سبع ساعاتٍ يأخذها في النوم، فإن ثلث الستين سنة سيكون نوماً قطعاً، وإنما يُعادل سنتين تقريباً سيكون لتناول الطعام لو قلنا بالوجبات الثلاث، وما يقارب الخمسة عشرة سنة يكون سن طفولة وصبوة دون التكليف، وحينئذٍ لا يبقى له حقيقة من الستين إلا ما يقارب ثلاثاً وعشرين سنة، كل ذلك يؤكد للمرء أنه أحوج ما يكون إلى كل مبادرة للعمل الصالح.
أيها المسلمون: إن في ضرب المثل غنية وكفاية لمن هو في الفهم والإدراك فحل، فإليكم أمثلة متنوعة، نستطيع من خلال ذكرها أن ندرك -جميعاً- مدى الهوة السحيقة والبون الشاسع بيننا وبين البدار إلى الأعمال الصالحة:
جاء عند مسلم في صحيحه: ﴿أن ابن عمر ﵄ كان يُصلي على الجنازة ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من تبع جنازةً فله قيراط، قال ابن عمر ﵄: لقد فرطنا في قراريط كثيرة﴾ .
ألا فانظروا -يا رعاكم الله- إلى ندم ابن عمر ﵄، وكيف أسف على تضييعه لهذه القراريط، ولا غرو -أيها المسلمون- في ذلك، فإن القيراط الواحد كـ جبل أحد.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر﴾ .
وعند مسلم أنه ﷺ قال: ﴿أيعجز أحدكم أن يكسب كل يومٍ ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة﴾ .
وعند أحمد وأصحاب السنن، أن النبي ﷺ قال: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة﴾ .
فانظروا -يا رعاكم الله- إلى هذه الحسنات الهائلة، وإلى ما يُقابلها من العمل اليسير، حسنات يعب منها الإنسان عباً، لا غلاء ولا كلفة، غير توفيق الله لمن بادر، ألا فليت شعري أترون نخيل الجنة كنخيل الدنيا؟! لله بكم يُشترى أطايب النخيل في دنيانا! ألا فالله أكبر ولا إله إلا الله نخلة في الجنة ثمنها سبحان الله وبحمده، أوَّه! تالله لقد فرطنا في نخيل كثيرةٍ، فالله المستعان!
стр. 142
حسن الخلق والتفريط فيه
عباد الله: هذا في الذكر، فما تقولون فيمن حسن خلقه فكف أذاه، وخفض جناح رحمته، وزم نفسه عن سفساف الأمور لينال معاليها فرحم وصدق، وبرَّ وأوفى، وهش في وجه أخيه وبش إن ظُلم صبر، وإن أخطأ اعتذر، لا يستنفره الغضب، ولا يستثيره الحمق فيه وفي أمثاله يقول النبي ﷺ : ﴿ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء﴾ رواه الترمذي.
وعند أبي داود وغيره أن النبي ﷺ قال: ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾ .
فيالله العجب! إذا كان هذا هو أجر الخلق فعلام النزق من أقوام؟ وما سر ضيق العطن لدى آخرين؟ ولِمَ الحسد والغرور وبطر الحق وغمط الناس ﴿ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة﴾ .
стр. 143
فضل الصوم وحال المفرطين فيه
عباد الله: لقد جاء في أجور صيام النوافل وفضلها ما يعلم المقصر من خلاله أنه كان خلف تفريط صار به من القعدة المفرطين، ولو رمق المفرط بمقلتيه إلى نصوص السنة النبوية في فضل صيام النوافل لعلم سر التحريض والتحضيض في تحصيلها، وإدراك ما أمكن من الفرص التي يتأكد استغلالها.
فقد جاء في الحديث الصحيح: ﴿من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾ أي: كصيام سنة كاملة بعدد أيامها.
وفي الحديث الصحيح الآخر يقول النبي ﷺ عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض: ﴿إنها كصيام الدهر﴾ أي: كصيام سنة كاملة.
فلو نظرنا -عباد الله- إلى محصلة مجموع الصيامين في السنة لوجدناهما يبلغان، اثنين وأربعين يوماً، فتكون النتيجة أن من صامها كاملةً كان كمن صام سبع مائة وعشرين يوماً فيما سواها، أي: أكثر من سبعة عشر ضعفاً، فلا إله إلا الله والله أكبر، كم نحن مفرطون!
عباد الله! ما مضى ذكره إنما هو جزء من كل، ونقطة من محيط، والفرص الثمينة ما لفواتها من عوض، وإن انتهازها لدليل على قوة الإرادة النابعة عن عزم اليقين، فمن علم خيراً فليبادر هواه لئلا يغلبه، فلعله يظفر بما مضي الوقت فيه هو الغنم، وعلى الضد يكون الغرم.
ألا وإن من فرح بالبطالة جبن عن العمل، ومهما علم الإنسان من الأجور والفضائل وكانت رغباته صالحة، فإنه لن يستفيد إلا إذا انتهز كل فرصة سانحةٍ له.
ثم إن الأعمال الصالحة بعامة لا تأخذ من الناس وقتاً طويلاً، ما لم يشرع الناس لأنفسهم ما لم يأذن به الله، فيشقوا على أنفسهم ويرهقوها عسراً.
стр. 144
المسابقة إلى الخيرات
اعلم -أيها المسلم- أنك في ميدان سباقٍ، والأقوات تنتهك، وإياك إياك! والخلود إلى الكسل، فما فات ما فات إلا بالكسل، وما نال من نال إلا بالجد والعزم، وثمرة الأمرين أنَّ تعبَ المحصل للفضائل راحته في المعنى، وراحة المقصر في طلبها تعبٌ وشين إن كان ثم فهم لديك، يا رعاك الله!
والدنيا كلها إنما تُراد لتُعبر لا لتُعمر، وما يناله أهل النقص بسبب فضولها والانشغال بها عما هو خير منها؛ فإنه يُؤذي قلوب معاشريها حتى تنحط، ومن ثَمَّ يأسف أمثال هؤلاء على فقد ما وجوده أصلح لهم، في حين إن تأسفهم ربما يكون شبه عقوبة عاجلة على تفريطهم.
يقول ابن الجوزي ﵀ متحدثاً عن زمنه: "لقد اشتد الغلاء بـ بغداد، فكان كلما جاء الشعير زاد السعر، وتدافع الناس على اشتراء الطعام، فاغتبط من يستعد كل سنة بزرع ما يقوته، وفرح من بادر في أول الناس إلى اشتراء الطعام قبل أن يُضاعف ثمنه، وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان، وبان ذل نفوسٍ كانت عزيزةً، فقلت: يا نفس! خذي من هذه الحال بشارة، ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه، وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة".
أ.
هـ
وروى الإمام مالك في الموطأ: أن النبي ﷺ كان يقول في بعض دعائه: ﴿واقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط﴾ ، والله تعالى يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 145
أسباب التفريط في الأعمال الصالحة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله: ثم اعملوا أن للتفريط في الأعمال الصالحة أسباباً كثيرة يطول حصرها، غير أن من أهمها ما يلي: الغفلة عن مدى حاجة المرء المسلم إلى تحصيل مثل هذه الأجور المضاعفة والتي قد يسد بها نقصاً كبيراً من الخلل الوارد على الفرائض، ناهيكم عن التزود في الطاعة، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] .
ومن الأسباب: ضعف التصور الصحيح، أو تلاشيه وبعده عن حقيقة أجور بعض الأعمال المضاعفة.
فإن الاستمساك بالشيء والعض عليه بالنواجذ، إنما هو فرع عن تطوره وإدراكه، يقول ابن الجوزي ﵀: "من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف".
ومن الأسباب كذلك: توهم البعض من الناس أنهم بلغوا درجةً عُليا من كمال زائفٍ في الجوانب الإيمانية، مما شكَّل حاجزاً منيعاً في الحيلولة دون اغتنام الفرص وزيادة نسبة الإيمان لدى الواحد منهم.
ومنها: يا رعاكم الله! العجز والكسل اللذان تعوَّذ منهما النبي ﷺ ، وإن كان العاجز معذوراً في بعض الأحايين لعدم قدرته، فإن الكسول الذي يتثاقل ويتراخى مع القدرة قد لا يُعذر ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] .
وآخر الأسباب: كثرة الاشتغال بالمباحات والإفراط فيها، حتى ينغمس فيها المرء فيثقل، ويركن إليها فيبرد.
ولذلك كان نهج السلف واضحاً في الإقلال من المباحات الملهية، والتي يأنس لها القلب فتقعده عن قربة مستحبةٍ، أو فرصة سانحة، ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: "إني لأدع ما لا بأس فيه خشية الوقوع في ما فيه بأس".
стр. 146
تضاعف السيئات
عباد الله: وهناك أمر ينبغي أن يوضح ويجلى، وهو أن هناك سيئاتٍ تتضاعف وتتكاثر حتى تثقل سجل العبد وميزانه، وهي فيما يظهر له أنها من السيئات اليسيرة التي لا يتصور العبد أنها من الخطورة بمكان، فقد يفوه بكلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته، أو لا يلقي لها بالاً، فتهوي به في النار سبعين خريفاً، أو يكون سبباً في إحياء سيئة أو سنها بين الناس، فيتبعها غيره فيضل، فيعود إليه وزرها ووزر من عمل بها بعده ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] ، ويقول الرسول ﷺ : ﴿لا تُقتل نفسٌ ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سن القتل﴾ رواه البخاري ومسلم.
فحذارِ حذارِ -أيها المسلم- من أن تُوقع نفسك في مغبة هذا الشرك الموحش، أو أن يكون لك من السوء ما لا يقتصر أثره عليك أنت وحدك، بل يتعداك إلى آحاد المسلمين، ولقد أحسن الإمام الشاطبي حين قال: "طوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة، ومائتي سنة، يعذَّب بها في قبرهُ ويُسأل عنها إلى انقراضها".
اللهم إنا نعوذ بك من الإثم، وما حاك في الصدور، أو أن نجر به على مسلم أو مسلمة إنك سميع عليم.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 147
الزاد بعد شهر العبادات
أصبح الكثير من الناس لا يعرفون الله إلا في رمضان، فتجدهم مصلين، قارئين لكتاب الله، محافظين على الصفوف الأولى وعلى الصدقات، والنوافل والطاعات، فما أن ينتهي رمضان إلا وانقطعت تلك الأعمال كلها، كأنها أوراق خريف أتت عليها الرياح فتطايرت وتساقطت، ومن كان هذا حاله فهو ولاشك على خطر عظيم فلينتبه.
стр. 148
التحذير من ترك الطاعة بعد رمضان
الحمد لله الحي القيوم، الدائم الذي لا يزول، هو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والباطن فليس دونه شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، يُقلِّب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، ويداول الأيام بين الناس ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من خاف ربه، وصلى فرضه، وصام شهره، وحجَّ بيته، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، وراقبوه في السر والعلن، واعبدوه كأنكم ترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٧-٢٢٠] .
عباد الله: إن في كَرِّ الأيام والليالي لعبرة، والأيام تمر مَرَّ السحاب، عشيةٌ تمضي، وتأتي بكرةٌ، وحسابٌ يأتي على مثقال الذرة، والناس برمتهم منذ خُلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو في السعير، ألا وإن سرعة حركة الليل والنهار لتؤكد تقارب الزمان الذي هو من أشراط الساعة كما صح بذلكم الخبر عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا كله -عباد الله- يُعدَّ فرصة عظمى لإيقاظ ذوي الفطن وأصحاب الحجى؛ لفعل الخير، والتوبة النصوح، وإسداء المعروف، وترك ما يشين: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] .
لقد ظل المسلمون -جميعاً- شهراً كاملاً ينالون من نفحات ربهم، ويرون الله من أنفسهم، متقلبين في ذلك بين دُعاءٍ وصلاة وذكر وصدقة وتلاوة للقرآن؛ ولكن سرعان ما انقضت الأيام، وتلاشت الذكريات، وكأنها أوراق خريف عصفت بها الريح على أمرٍ قد قُدِر، أو بلابل روح قد هدأ تغريدها، وإلى الله المصير.
أيها المسلمون: إنَّ من يُقارن أحوال الناس في رمضان وبعد رمضان ليأخذ العَجَب مِن لُبِّه كلَّ مأخذ، حينما يرى مظاهر الكسل والفتور، والتراجع عن الطاعة في صورة واضحة للعيان، وكأن لسان حاله يحكي: أن العبادة والتوبة وسائر الطاعات لا تكون إلا في رمضان، وما علموا أن الله -سبحانه- هو رب الشهور كلها، وما شهر رمضان بالنسبة لغيره من الشهور إلا محط تزوُّد وترويض على الطاعة، والمصابرة عليها، إلى حين بلوغ رمضان الآخر؛ ولا غرو في ذلك عباد الله، فالله -جلَّ وعلا- أتبع فرض الصيام على عباده بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .
стр. 149
عقوبة ترك الطاعة وفعل المعصية
ومن هنا -عباد الله- كان لزاماً علينا أن ننظر إلى حقائق العبادات وآثارها، لا إلى صورها ورسومها؛ إذْ كم مِن مُجهِدٍ نفسَه كان حظه من صيامه الجوع والعطش، وكم من مواصل للعبادة فيه فكان حظه من ذلك التعب والسهر، وآكَد ما يدل على ذلك حينما يسائل الناس أنفسهم: كم مرة قرءوا القرآن في رمضان؟! وكم سمعوا فيه من حِكَم ومواعظ وعبر؟! ألم يسمعوا كيف فعل ربهم بعادٍ؟!: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧-٨] ألم يقرءوا صيحة عادٍ؟! وصاعقة ثمود؟! وخسف قوم لوط؟! ألم يقرءوا الحاقة، والزلزلة، والقارعة، وإذا الشمس كورت؟!
فسبحان الله! ما هذا الران الذي على القلوب؟! ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] أفَقُدَّت قلوبُنا بعد ذلك من حجر؟! أم خلقت من صخر صلب؟!
ألا فليت شعري! أين القلب الذي يخشع؟! والعين التي تدمع؟! فلِلَّه كم صار بعضها للغفلة مرتعاً! وللأُنس والقُربة خراباً بلقعاً! وحينئذٍ لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الكبير فينا يلتحق بالصفوة، بل قد فرطنا في كتاب ربنا بالخلوة والجلوة، وصار بيننا وبين الصفاء أبعد ما بين الصفا والمروة، فلا حول ولا قوة إلا بالله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:٢٤-٢٥] .
ألا فاعلموا يا رعاكم الله! أن من قارب الفتور والكسل بعُد عنه النصب والاجتهاد، ومن ادعى الترويح والتسلية وُكِل إلى نفسه، ومن وُكِل إلى نفسه فقد وُكِل إلى ضيعة.
стр. 150
الاغترار بفعل الطاعات في رمضان
فإياك إياك -أيها المسلم- أن تغتر بعزمك على ترك الهوى في رمضان بمقاربة الفتنة بعده، فإن الهوى مكايد، وكم من صنديد شجاع في غبار الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه، واذكروا رحمكم الله حمزة مع وحشي ﵄.
إن من وقع في التقصير بعد التمام، أو تمكَّن من الذنوب بعد الإقلاع عنها لَهُوَ أبعد ما يكون عن الفوز بالطاعة، ولو غش نفسه بعبادات موسمية ذات خداج، إلا أنها لا تبرح مكانها، بل لربما وجد معها خفي العقوبة الرئيس، وهو سلب لذة المناجاة، وحلاوة التعبد؛ إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات مِنْ عُبَّاد رب الشهور كلها، بواطنهم كظواهرهم، شَوَّالهم كرمضانهم، الناس في غفلاتهم وهم في قطع فلاتهم، وحينئذٍ:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
ولأجل هذا لم يكن العجب في أن يَغْلِب الطبع، وإنما العجب في أن يُغْلَب الطبع، وأمثال هؤلاء هم ولا شك ممن يسيرون على هدي المصطفى ﷺ في المداومة على الطاعة.
نعم.
لرمضان ميزة وخصوصية بالعبادة ليست في غيره من الشهور، بيد أنه ليس هو محل الطاعة فحسب، ولذلك كان النبي ﷺ جواداً في كل حياته غير أن جوده يزداد إذا حلَّ رمضان، ناهيكم عن أن الرجوع والنكوص عن العمل الصالح هو مما استعاذ منه النبي ﷺ بقوله فيما صح عنه: ﴿وأعوذ بك من الحور بعد الكور﴾ والله جلَّ وعلا يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] ويؤكد ذلك ما قاله ﷺ في دعائه المشهور: ﴿واجعل الحياة زيادة لي في كل خير﴾ إذ لم يُقْصِر الخير على شهر رمضان فحسب، بل إن هذا كله إنما هو استجابة لأمر ربه -جل وعلا- بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فلا منتهى للعبادة والتقرب إلى الله إلا بالموت.
стр. 151
أحب الأعمال
إن مما لا شك فيه أن هناك ضعفاً في البشر لا يملكون أن يتخلصوا منه، وليس مطلوباً منهم أن يتجاوزوا حدود بشريتهم، غير أن المطلوب أن يستمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله في كل حين، وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم -ثقافة وأسرة وإعلاماً- من الثوابت التي لا تتغير، ولا تُخدع بها النفس في موسم ما دون غيره، كما أنها تمنعهم في الوقت نفسه -بإذن الله- من التساقط والتهالك، وتحرسهم من الفترة بعد الشِّرّة مهما قلَّت، ما دامت هي على الدوام، فرسول الله ﷺ يقول: ﴿يا أيها الناس! خذوا من الأعمال ما تُطيقون، فإن الله لا يملَّ حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قلَّ﴾ رواه البخاري ومسلم.
لأجل هذا -أيها المسلمون- فإن هناك عبادات هي من الثوابت التي لا تتغير بعد رمضان، كالصلاة، والزكاة، والصدقة، وكذا الدعاء لنفسك ولمن أوصاك به ولإخوانك في الملة والدين من المعوِزين والمستضعفين والمجاهدين، ناهيكم عن ثابت التوبة المطلوبة في كل حين وآن، والتي أمرنا الله بها في قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] وكان يتأولها النبي ﷺ بقوله: ﴿إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة﴾ .
إذا عرفت -أيها المرء- هذه الأمور كلها، فما عليك إلا أن تلزم، ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع أو علم، ولقد ذقتَ طعم العبادة في رمضان ولذة القرب من الله، فلا تُعكِّرنَّ هذا الصفو بالكدر، والهناء بالشقاء، والقرب بالبعد.
إن البقاء على الطاعة في كل حين، أو التهاون عنها كرات ومرات ليعودان بالمرء -بإذن الله- إلى القلب، وهو أكثر الجوارح تقلباً في الأحوال، حتى قال فيه المصطفى ﷺ : ﴿إنما سُمِّي القلبُ مِن تقلُّبه، إنما مَثَل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهراً على بطن﴾ رواه أحمد، ولأجل هذا كان من دعائه ﷺ : ﴿يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك﴾ رواه الإ مام أحمد.
стр. 152
وقفة مع العيد وآدابه
وبعدُ يا رعاكم الله! فإن من حق نفسك عليك -أيها المرء- أن تفرح بعيدها، فالله -جلَّ وعلا- جعل الفرح والرَّوح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك، وساخط العيش -عباد الله- هو في الحقيقة كثير الطيش، وكأن الدنيا في عينه سَمُّ الخياط، حتى يكون حرضاً أو يكون من الهالكين.
والعيد -عباد الله- مسرح للاستئناس البريء البعيد عن الصخب والعطب، بيتاً ومجتمعاً وإعلاماً، ومتى تجاوز الناس حدود الله في أعيادهم، من لَهْو محرم، وإيذاء للآخرين بالضجيج والأهازيج، فما قَدَروا الله حق قدره، وما شكروه على آلائه، ولقد رأى علي -رضي الله تعالى عنه- قوماً يعبثون في يوم عيدٍ بما لا يرضي الله، فقال: [[إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يُتَقَبَّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين]] ، ورحم الله ابن القيم حين قال عن الفرح: إن الله سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بِيَدِ مَن ليس عارفاً بها فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراًَ﴾ [الجمعة:٥] .
فعلى المسلم إذاً ألَّا يكون مفراحاً إلى درجة الإسراف؛ لأن الله لا يُحب الفرحين من أمثال هؤلاء، إذ بمثل هذا الفرح يتولد الأَشَر والبَطَر، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] ففد قال بعض المفسرين: "إن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن والفرح، فإذا ذكر الله خَنَسَ".
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، والله الله في الانضباط حال الفرح والسرور والابتهاج، فالمؤمن الصادق لا يفرح إلا فرح الأقوياء الأتقياء، وهو في الوقت نفسه لا يبغي ولا يزيغ ولا ينحرف عن الصواب، ولا يفعل فعل أصحاب النار الذين قال الله فيهم: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥] .
وقد قال علي بن أبي طالب ﵁: [[كل يوم لا يعصي العبد فيه ربه فهو عيد]] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 153
صيام الست من شوال والأيام البيض
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن الشارع الحكيم قد سن لكم صيام الست من شوال، وجعل ذلك من متابعة الإحسان بالإحسان، فقد قال النبي ﷺ : ﴿من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر كله﴾ رواه مسلم.
ووجه كون صيام الست بعد رمضان كصيام الدهر؛ هو أن الله -جلَّ وعلا- جعل الحسنة بعشر أمثالها، كما في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] فصيام رمضان يُعدُّ مضاعفاً بعشرة شهور، وصيام الست بستين يوماً، فيتحصل من ذلكم أجر صيام سنة كاملة.
والأفضل في صيام هذه الست أن تكون على الفور بعد يوم العيد، وأن تكون متتالية، ومن فرَّق بينها فلا بأس، ومن أخرها إلى وسط الشهر أو آخره فلا بأس، وهي ليست واجبة ولا صحة لما يظنه بعض العوام منْ أنَّ مَنْ صامها سَنَة وجبت عليه في السني الأخرى، بل هي سُنَّة مَن فعلها أثيب عليها، ومَن تركها فلا شيء عليه، ومن كان مواظباً عليها في كل عام ثم مرض أو سافر في عام آخر، فإنها تُكتب له وإن لم يصمها؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿إذا مرض الإنسان أو سافر كتِِب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً﴾ .
كما أنه لا يجوز تقديم صيام الست على أيام القضاء من رمضان؛ لأن من شروط حصول أجر الست من شوال أن يكون المرء قد صام رمضان بأكمله، ولذلك يكون المرء كأنما صام عاماً بأكمله.
ثم إن من أراد الزيادة ومضاعفة الأجر، فليحافظ على صيام أيام البيض من كل شهر، وهي: يوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، فلقد صح في السنن: ﴿أن النبي ﷺ جعل صيامها كصيام الدهر﴾ أي: كسنة كاملة، والسنة فيها اثنان وأربعون يوماً من الأيام البيض فقط، ويُضاف إليها ستة وثلاثون يوماً لرمضان وست من شوال، فيكون صيام ثمانية وسبعين يوماً في السنة يعدل صيام سنتين كاملتين، أي: أكثر من سبعمائة يوم، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في سبيلك في كل مكان يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم لا تمنع عنا خير ما عندك بشر ما عندنا.
اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنعنا بذنوبنا فضلك يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 154
وقفات مع الرؤى
يعتبر موضوع الرؤى والأحلام من أهم المواضيع التي تشغل الكثير من الناس في عصرنا الحاضر، حتى انصرف إليها فئام من الناس هنا وهناك، وبنوا كثيراً من تصرفاتهم عليها.
وهناك آداباً كثيرة متعلقة بها آداب تتعلق بالرائي، وآداب تتعلق بالمعبر، يجب الوقوف عليها والأخذ بها مع العلم أن الرؤيا لا تثبت بها الأحكام الشرعية، فهي محكومة بالشرع لا حاكمة.
وهناك أمر يجب التنبيه إلى مخاطره ومزالقه وهو ما انتشر هذه الأيام من التعبير عبر الشاشات والقنوات.
стр. 155
اختصاص الله بعلم الغيب
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من ركع لله وسجد، وأفضل من دعا إلى طريق الحق والرشد، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن هذه الدنيا دار ممرً وأن الآخرة هي دار القرار، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] .
أيها الناس: إنَّ لبني آدم ولعاً بالغاً وشغفاً ثائراً فيما يتعلق بالأمور الغيبية، الماضي منها واللاحق، وإنكار هذه الظاهرة ضربٌ من ضروب تجاهل الواقع والنأي عنه، غير أن تراوح هذه الظاهرة صعوداً وهبوطاً يعد مرهوناً بمدى قرب الناس من مشكاة النبوة والشرعة الحقة التي أحكمت هذا الباب، وأخبر الله من خلالها بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] .
ولا غرو حينئذ إذا وجدنا هذه العصور المتأخرة مظنةً للخلط واللغط بالحديث عن الغيبيات، وتوقان النفوس الضعيفة إلى مكاشفتها، ما بين مؤمن بالخرافة، وراضٍ بالكهانة، وآخرين سادرين بالسجع والتخمين، يقذفون بالغيب في كل حين، مع أن آيات الله تتلى عليهم بكرةً وعشياً، وفيها قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] وتُقرأ عليهم سنة المصطفى ﷺ وفيها قوله: ﴿خمسٌ لا يعلمهن إلا الله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ رواه الترمذي.
إذاً لا مجال للحديث عن المغيبات إلا من خلال ما ذكره لنا ربنا جل وعلا، أو ما أوحاه إلى رسوله ﷺ ، وما عدا ذلك فما هو إلا مجرد تكهناتٍ إن لم تكن محور أساطيرٍ وأوهام، وخليط كلامٍ يقذف به مسترقو السمع من الجن.
والإسلام في حقيقته دين يزيل الخرافة من الفكر، والرذيلة من القلب، والشرود من المسيرة، فالإيمان بالغيب ليس إيماناً بالأوهام ولا هو إيذاناً لأنواع الفوضى.
стр. 156
حقيقة الرؤى
ثم إن الناجين من هذه الظاهرة قد لا يسلمون من تطلعٍ آخر يحملهم عليه الشغف وروم معرفة الحال اللاحقة، والتي يظنون أن لها ارتباطاً وثيقاً باستقرار مستقبلهم من عدمه؛ فاشرأبت نفوسهم إلى الوقوف على ذلك في مناماتهم من خلال ما يعتريهم من رؤى وأحلام، ولذا فإن أحدنا قد يلاقي أخاً له أو صديقاً فيراه عبوساً متجهماً، أو فرحاً؛ مسروراً فيزول عنه العجب حينما يعلم أن سبب هذا الفرح أو الحزن رؤياً مؤنسة، أو أخرى مقلقة.
وهذا الأمر -عباد الله- ليس قاصراً على أفراد الناس وعامتهم فحسب، بل يشركهم فيه العظماء والكبراء، فكم أقضت الرؤيا عظيماً من مضجعه، وكم بشرت الرؤيا أفراداً بمستقبلهم، وكم شغلت شعباً كبيراً برٌمَّته، وما رؤيا يوسف ﵇ بغائبة عنا، ولا رؤيا ملك مصر بخافية علينا، فقد اجتمع فيها تبشيرٌ وتحذيرٌ في آن واحد، إذ بشارتها هي في السعة عليهم في الرزق سبع سنين، ونذارتها هي في الجدب والقحط سبعاً مثلها.
عباد الله: إن الرؤى لها أهميتها الكبرى في واقع الناس قبل الإسلام وبعد الإسلام، لكنها من خلال نظرات المتعلمين المثقفين قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً باختلاف المرجعية من قِبَل كل طائفة، فقد أنكرها الفلاسفة ونسبوا جميع الرؤى إلى الأخلاط التي في الجسد، فرأوا أنها هي التي تُحدِث انعكاساً مباشراً على نفس الرائي بقدر هيجان الأخلاط التي في جسده، ولبعض علماء النفس موقفٌ سلبيٌ تجاه هذه الرؤى -أيضاً- قاربوا فيه قول الفلاسفة، فجعلوها خليطاً من الأمزجة والرواسب التي تكمن في ذاكرة الإنسان فيهيجها المنام، حتى قصروا أمرها في قالب مادي بيولوجي صرف كما زعموا.
стр. 157
الرؤيا من المبشرات
وأما شريعة الإسلام فإن علماءها وأئمتها قد ساروا على منهاج النبوة، ووقفوا من الرؤى بما نص عليه الكتاب والسنة، فذهبوا إلى أن الرؤيا المنامية الصالحة الصادقة إنما هي حق من عند الله، فمنها المبشرة ومنها المنذرة، لما روى مالك في الموطأ وغيره عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ذهبت النبوة وبقيت المبشرات قيل: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له﴾ وأصل هذا الحديث في البخاري.
والتبشير هنا يحتمل التبشير بالخير والتبشير بالشر، كما قال الله تعالى عن الكفار: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] .
وهذه الرؤيا -عباد الله- هي التي قال عنها الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة﴾ رواه البخاري ومسلم.
стр. 158
الهدي النبوي في التعامل مع الرؤى
عباد الله! لقد تكالبت همم كثيرٍ من الناس في هذا العصر بسبب الخواء الروحي الذي يتبعه الجزع والفرق ونأي النفس عن تعلقها بالله، وإيمانها بقضائه وقدره، وبما كان ويكون، وأن شيئاً لن يحدث إلا بأمر الله ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، حتى لقد تعلقت نفوسهم بالرؤى والمنامات تعلقاً خالفوا فيه من تقدمهم في الزمن الأول من السلف الصالح، ثم توسعوا فيها وفي الحديث عنها والاعتماد عليها؛ إلى أن أصبحت شغلهم الشاغل عبر المجالس والمنتديات والمجامع بل والقنوات الفضائية إلى أن طغت على الفتاوى الشرعية، فأصبح السؤال عن الرؤى أكثر بأضعافٍ من السؤال في أمور الدين، وما يجب على العبد وما لا يجب كل ذلك إبَّان غفلة وسِنة عما ينبغي أن يقفه المؤمن تجاه هذه الرؤى.
وإن هناك هدياً نبوياً للتعامل معها، ينبغي ألا يتجاوزه المرء فيطغى، ولا يتجاهله فيعيا، لأن النبي ﷺ تركنا على المحجة البيضاء، فأغنانا في الحديث عنها عن إتعاب النفس في التعلق بها والسعي الدءوب في معرفة تأويلها، بَلْه التعلق بها والاعتماد عليها، وما تهافُتُ الناس بالسؤال عنها بهذه الصورة المفْرِطة إلا لونٌ من ألوان الخروج عن الإطار المرسوم، والتوازن المتكامل، فتجد أحدنا يرى الرؤيا أياً كانت، فتضطرب لها حواسه، وترتعد منها فرائصه، وتحبس أنفاسه، فلا يطفئ ذلك إلا البحث بنهمٍ عن معبر لها ليعبرها حتى يظهر له أشرٌ هي أم خير، ولو وقف كل واحدٍ منا عند الهدي النبوي مع الرؤى، لما رأينا مثل هذه الجلبة ولا مثل هذا التعلق الشاغل الذي استثمرته بعض المجامع والمنتديات، فضلاً عن الفضائيات التي جعلته وسيلة جلبٍ واستقطابٍ لمشاهديها من خلال هذا الطُعم المهوع.
стр. 159
آداب التعامل مع الرؤى
ولأجل أن نقف جميعاً على صورة مثلى للتعامل مع الرؤى المتكاثرة؛ فلنستمع إلى جملة من الآداب المرعية تجاه هذه الظاهرة الناخرة في المجتمع.
فقد روى مسلم في صحيحه أن أبا سلمة قال: ﴿كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى لقيت أبا قتادة فذكرت ذلك له، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره﴾ وفي رواية عند مسلم قال أبو سلمة: ﴿إن كنت لأرى الرؤيا أثقل علي من جبلٍ، فما هو إلا أن سمعت بهذا الحديث فما أباليها﴾ .
ومن هنا -يا عباد الله- فما كل ما يراه النائم يعد من الرؤى التي لها معنىً تفسر به؛ إذ إن ما يراه النائم في منامه يتنوع إلى ثلاثة أنواع لا رابع لها، كما عند ابن ماجة من حديث عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة﴾ .
يقول البغوي ﵀: في هذا الحديث بيان أنه ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله ، وما سوى ذلك أضغاث أحلامٍ لا تأويل لها.
ومثال هذه الأضغاث ما رواه مسلم في صحيحه: ﴿أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضرب فتدحرج فاشتددت على أثره، فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك﴾ .
وأما موقف المرء من هذا النوع من الرؤى -وهو الغالب على حال الكثيرين- فإنه قد جاء في السنة آدابٌ خاصة به في أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما وهي:
التعوذ بالله من شر هذه الرؤيا ومن شر الشيطان، وأن يتفل الرائي حين يَهبُّ من نومه ثلاثاً عن يساره، وألا يذكرها لأحدٍ أصلاً، وأن يصلي ما كتب له، وأن يتحول من جنبه الذي كان عليه، وزاد بعض أهل العلم قراءة آية الكرسي؛ لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من قرأها لا يقربه شيطان﴾ وهذا النوع من الرؤى إنما هو من الشيطان.
يقول النووي ﵀: وينبغي أن يجمع الرائي بين هذه الآداب كلها ويعمل بجميع ما تضمنته الروايات، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله، كما صرحت بذلك الأحاديث.
وأما النوع الثاني من الرؤى فهو: ما يحدث به المرء نفسه في يقظته؛ كمن يكون مشغولاً بسفرٍ أو تجارةٍ أو نحو ذلك، فينام فيرى في منامه ما كان يفكر فيه في يقظته، وهذا من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها.
فلا يبقى إلا النوع الثالث، وهو: الرؤيا الصادقة الصالحة التي تكون من الله، وهي التي تكون بشارةً أو نذارةً، وقد تكون واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى تأويلٍ، كما رأى إبراهيم ﵇ أنه يذبح ابنه في المنام.
وقد تكون خافيةً برموزٍ تحتاج فيها إلى عابرٍ يعبرها، كرؤيا صاحبي السجن مع يوسف ﵇، وهذا النوع هو الذي نهى رسول الله ﷺ أن يُقَصَّ إلا على عالمٍ أو ناصح، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لا تقص الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصح﴾ رواه الترمذي.
стр. 160
الرؤى لا تثبت شيئاً من الأحكام الشرعية
وما عدا ذلك من الرؤى التي تتعلق بإثبات شيءٍ من أحكام الشريعة في حلالٍ أو حرام، أو فعل عبادة أو تحديد ليلة القدر مثلاً، وهي التي أريها النبي ﷺ ثم أنسيها، أو تلك الرؤى التي ينبني عليها آثار متعدية تتعلق بحقوق الناس وحرماتهم وإساءة الظنون بهم من خلال بعض الرؤى مثلاً، أو الحكم على عدالتهم ونواياهم من خلالها؛ فإن ذلك كله من أضغاث الأحلام، ومن الظنون التي لا يجوز الاعتماد عليها في قول جمهور أهل العلم، كـ الشاطبي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن حجر وغيرهم.
وقد ذكر الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام: أن الخليفة المهدي أراد قتل شريك بن عبد الله القاضي، فقال له شريك: ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين ودمي حرامٌ عليك؟ قال: لأني رأيت في المنام كأني مقبلٌ عليك أكلمك وأنت تكلمني من قفاك، فأرسلت إلى المعبر فسألته عنها فقال: هذا رجلٌ يطأ بساطك وهو يسير خلافك.
فقال شريك: يا أمير المؤمنين! إن رؤياك ليست رؤيا يوسف بن يعقوب، وإن دماء المسلمين لا تسفك بالأحلام.
فنكس المهدي رأسه، وأشار إليه بيده أن اخرج فانصرف.
وقد ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق: أن بعضهم رأى في المنام الشافعي ﵀ فقال له: كذب عليَّ يونس بن الأعلى في حديثٍ ما هذا من حديثي ولا تحدثت به فقال الحافظ ابن كثير ﵀ معلقاً على هذا الكلام: يونس بن الأعلى من الثقات لا يطعن فيه بمجرد منامٍ.
وقد نقل الذهبي ﵀ عن المروزي قال: أدخلتُ إبراهيم الحصري على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وكان رجلاً صالحاً فقال: إن أمي رأت لك مناماً هو كذا وكذا وذكرت الجنة، فقال: يا أخي! إن سهل بن سلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا وخرج إلى سفك الدماء، وقال: الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره.
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.
стр. 161
عظم مسئولية المعبرين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فيا أيها الناس! إن من باب الإنصاف والمصارحة والنصح ألاّّ نلقي باللائمة كلها في موضوع الرؤى والإفراط فيها على آحاد الناس فحسب، بل لا بد من تأدية الأمر إلى العابرين أنفسهم الذين يعبرون الرؤى، إذ عليهم مسئولية عظمى تجاه الرائين، فلا بد للعابر أن يكون عالماً بهذا العلم العظيم، وأن يدرك المصالح والمفاسد في هذا الميدان، وألاَّ ينصب نفسه للفُتيا في الرؤى ويتطلع إليها، لاسيما عبر الشاشات وفي المجامع الكبيرة، فإن تعبير الرؤى قرين الفُتيا، وقد قال الله حاكياً عن الملك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:٤٣] .
يقول ابن القيم ﵀: المفتي، والمعبر، والطبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره، ثم إن على العابرين ألا يتسارعوا في التعبير، وألا يجزموا بما يعبرون، وأن يعلموا خطورة هذا الجانب، وما يوصله إليه من الافتتان والإعجاب بالنفس، وتعظيم شأنه فوق شأن المفتين وأهل العلم.
وقد نقل ابن عبد البر عن الإمام مالك أنه سئل: أيعبر الرؤى كل أحد؟ فقال مالك: أبالنبوة يلعب؟! وقد نقل ابن عبد البر أيضاً عن هشام بن حسان أنه قال: كان ابن سيرين يسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء، إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم.
وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب.
فإذا كان هذا هو قول إمام المعبِّرين في زمانه وما بعده من الأزمان؛ فما الظن بمن جاء بعده، إننا لنسمع بالمعبر يسأل عن ألف رؤيا لا تسمع مرة يقول: لا أدري، أو يقول: هذه أضغاث أحلام، أو يقول: هذه حديث نفسٍ، إلا من رحم ربك.
стр. 162
مخاطر التعبير من خلال القنوات الفضائية
كما أن على العابرين أن يدركوا خطورة تعبير الرؤى من خلال الشاشات التي يراها الملايين من الناس، وكذا المجامع الممتلئة بالحشود، وذلك للأمور التالية:
أولها: أنَّ الانفتاح المطلق في التعبير نوع فتنة من أجل حديثه في أمور الغيب؛ لاسيما أن أحداً لا يستطيع أن يجزم بصحة ما يقول العابر من عدمه، إلا من رأى ذلك في واقعه، وهذا شبه متعسرٍ عبر الشاشات.
ثانيها: تعذر معرفة حال الرائي عبر الشاشات والمجامع من حيث الاستقامة من عدمها، وهذا له صلةٌ وثيقةٌ بتعبير الرؤيا، فقد سأل ابن سيرين رجلان كلٌ منهما رأى أنه يؤذن، فعبرها للصالح منهما بالحج لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] وعبرها للآخر بأنه يسرق، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] .
والشاطبي ﵀ يقول في مثل هذه الحالة: فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غير الصالحة.
ثالثها: عدم إدراك عقول الناس لطريقة بعض العابرين للرؤيا، لاسيما عبر الشاشات والمجامع؛ بحيث يكون تعبيرهم بصورة تجعل المستمع الجاهل لأول وهلة يقول: هذا تكهن أو تخمين أو عرافة، ونحن قد أمرنا بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، فقد أخرج البخاري في صحيحه قول علي ﵁: [[حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟]]
وعند مسلم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [[ما أنت محدثٌ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة]] .
رابعها: أن درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح فالمفسدة من خلال التعبير عبر الشاشات أشد من مصلحته لأمور لا تخفى على متتبعها؛ لاسيما أنها في أمور غيبية وأنها كالفتوى، والسلف الصالح كانوا يتدافعون الفتوى ما استطاعوا، ناهيكم عن بعض الفساد المتحقق من خلال ما يشاهد ويسمع من تعبير رؤياً لفتاةٍ -مثلاً- بأنها ستفشل في نكاحها، أو لامرأة تعبر لها بأن زوجها تزوج عليها سراً بامرأة أخرى، فما ظنكم بحال الأولى والأخرى، فهذه تترقب الفشل في كل حين مع ضيق نفسها وانشغال بالها، وتلك باهتزاز كيانها والشك في زوجها المرة تلو الأخرى، ناهيكم عمَّن يرين مثل هذه الرؤى، فيكتفين بما سمعنه من تعبيرٍ لغيرهن، فيقفن عليه دون الرجوع إلى عابرٍ عالم اكتفاءً بما سمعنه أو شاهدنه، فتكون الطامة حينئذٍ، وقولوا مثل ذلك فيما يراه الرجال والشباب.
وأما ما يحتج به بعض الناس من أن مسلماً روى في صحيحه: ﴿أن رسول الله ﷺ كان كثيراً ما يسأل أصحابه بعد الفجر فيقول: من رأى منكم رؤيا؟﴾ فالجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا رسول الله ﷺ ، وتعبيره حق لا يشوبه شائبة.
الوجه الثاني: أن تعبيره كان في مسجدٍ يحضره عددٌ ليس كالأعداد التي تعد بالملايين حينما تشاهد التعبير عبر الشاشات، وما ظنكم بحضورٍ عند رسول الله ﷺ من الصحابة العقلاء الفضلاء، مقارنة بحضورٍ عند غيره ﷺ ، فأين الثرى من الثريا؟
الوجه الثالث: أنه لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة -كالخلفاء الأربعة ولا من بعدهم من التابعين- أنه كان يفعل في المسجد كما كان النبي ﷺ يفعل، لاسيما أبو بكر ﵁ وقد شهد له النبي ﷺ بأنه عارفٌ بتعبير الرؤى، وهو معدودٌ من المعبرين عند كثيرٍ من أهل العلم.
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، وراقبوه في السر والعلن، والقصد القصد تفلحوا.
هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
стр. 163
من تواضع لله رفعه
التواضع خلق يفتقده الناس اليوم، فتجد اليوم المتكبر بماله، والمتكبر بجاهه، والمتكبر بسلطانه وحشمه، وما علموا بأنه لن يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر.
التواضع وبيان أهميته وصفات لفاقد التواضع وصور من تواضع رسول الله ﷺ والصحابة كل ذلك موجود في هذا الدرس بشيء من التفصيل، مع بيان أقسام التواضع.
стр. 164
نظرة خاطئة للإنسان عند الغرب
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
فيا أيها الناس: في خضم هذه العصور المتأخرة برزت وبصورة جلية آلياتٌ مستجدة، وإحداثياتٌ خدمت معظم بقاع الأرض في تغطية حاجياتها وتحسينياتها حتى أصبحت طوفاناً مادياً جارفا، منحدراً من فوهة بركان فجرته الحضارة المادية الجافة، والتي اجتالت على حسابها كثير من المعايير الفاضلة، كما أن حمأة التنافس على اكتساب مستجدات هذه الحياة لا ينبغي أن تكون حاجزاً مانعاً عن بقاء المبادئ الإسلامية الشريفة والتي رعاها الإسلام حق رعايتها، بل وطالب بها ودعا إليها في كل حين وآن، مهما اتسع الناس في ماديتهم أو ضاقوا.
ما أشد مضض ما تعانيه الأمة المسلمة اليوم، إن كثيراً من موروثاتها الروحية ليذهب فرطاً، وإن الغفلة قد بلغت من الناس مبلغ من يظن أنه مسرمد في هذه الحياة، وكأن رحى الأيام لن تدور عليه يوماً ما، مما أبرز الصدر الوحر واللسان المذق، والذي على إثره تندرس جملة من معاني الأخلاق الشريفة كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما زهدٌ ولا رحمةٌ ولا صلةٌ ولا تواضع ولا لين، بل لقد أصبحت مفاهيم بعض السذج من الناس تجاه التعامل مع الآخرين ومعاشرتهم: إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، وإن لم تجهل يجهل عليك، وإن لم تتغدَّ بزيد تعشى بك.
ثم زعموا أن الفلسفة الأخلاقية العظمى عندهم هي في انطلاق النظرة للآخرين من زاوية: كم تملك وما مركزك، ويرون أن في ذلك غنية وضماناً للسلام والرخاء، وعوضاً عن التربية والتهذيب الروحي، وأن ما عداها فهي سجايا وخصال أكلت عليها السنون وشربت، هكذا يزعم جفاة الأخلاق الحميدة الذين أثَّرت فيهم المعاني النفسية التي تعلو بعرضٍ من الدنيا وتهبط بعرض، وأن أي خلل في الحياة الاعتيادية فإن المال يرممها، والحسب والجاه يرأب الصدع فيها، هكذا زعموا!
أما إنه لو أدرك المسلم أن أول حق عليه للمسلمين: هو أن يحمل في نفسه معنى الناس لا معنى ذاته، لعلم أن من فاق الناس بنفسه الكبيرة دون تميز كانت عظمته حقيقة في أن يفوق نفسه الكبيرة متخطياً ما فيها من طمعٍ وجشع وكبرياء، وبمثل هذا يصبح الناس أحراراً متى حكمتهم معاني الدعة والتواضع والتوادِّ والتعاطف تحت ظل الإسلام الوارف.
وأما المركز والمال والجاه فإنما هي عوارض سرعان ما تزول بعدما كانت رسماً ظاهراً لا يمس بواطن القلوب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] .
كتب وهب بن منبه إلى مكحول: أما بعد: فإنك قد أصبت بظاهرك عند الناس شرفاً ومنزلة، فاطلب بباطن عملك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تنازع الأخرى.
بمثل هذا كله يتصل ما بين العظيم والسوقة، وما بين الغني والفقير اتصال التواضع في كل شيء، بعيداً عن معاني الدينار والدرهم وحِماهما، حتى يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
стр. 165
أهمية التواضع في حياة المسلمين
أيها المسلمون: التواضع بين المسلمين خصلة مرجوة، هي أسٌ في خلق المجتمعات، ومقبض رحى حسن الاتصال بينهم، لها مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، بتمامها وصفائها يميز الله الخبيث من الطيب، والأبيض من الأسود المرباد المجخي كما الكوز.
إنه لا بد أن يكون للتواضع بين ظهرانينا محلٌ طريٌ لين، لم تستحكمه الشهوات ولا المصانعات، محلٌ يهش أمامه ويبش، محلٌ يوحي إلى المجتمع أنهم ليسوا غرباء ولو تفرقت نواحيهم، وإلا كان تواضعاً مفقوداً في تيه العقل المادي الذي اكتسى فاقده ثياب كبرٍ مدمرة لا يهش له الناظر بل تغض منه العيون وتنبو عنه الأفئدة الحية، وينفض الناس من حوله، وحينئذ يكشف مضمار المجتمع عن الستار المسدل في صراع الأخلاق المحموم بين طغيان الأنفة وطغيان الإعواز إلى التواضع.
إنه لا ينبغي لأحدٍ من المسلمين أن يمتنع عن التواضع أو يجبن عن تحقيقه إذ به تكتسب السلامة، وتورث الألفة، ويرفع الحقد، ويشعر الجميع بحقوقهم تجاه غيرهم والعكس بالعكس، ألا فإن تواضع الشريف إنما هو زيادة في شرفه، كما أن تكبر الوضيع إنما هو زيادة في ضعته، كالعائل المستكبر الذي لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب اليم.
فيا سبحان الله! كيف لا يتواضع من خلق من نطفة مذرة، وآخره يعود جيفة قذرة، وهو بينهما يحمل العذرة أجلكم الله؟! إنه لو لم يكن في التواضع خصلة تحمد إلا أن المرء كلما كثر تواضعه كلما ازداد بذلك رفعة لكان الواجب على كل واحدٍ منا ألا يتزيا بغيره، ولا جرم -عباد الله- فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من امرئ إلا وفي رأسه حكمة -يعني: كاللجام- والحكمة بيد ملك إن تواضع قيل للملك: ارفع الحكمة، وإن أراد أن يرفع قيل للملك: ضع الحكمة﴾ رواه الطبراني والبزار بسندٍ حسن.
стр. 166
صفات فاقد التواضع
عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله﴾ .
فاقد التواضع إنما هو امرء استعبده الكبر الغائل، والعجب الغالب، فهو عنيد صلد، به يخبو قبسه ويكبو فرسه، فاقد التواضع، عقله مفقود؛ لأنه بعجبه وأنفته يرفع الخسيس ويخفض النفيس، كالبحر الخضم تسهل فيه الجواهر والدر، ويطفو فوقه الخشاش والحشاش، أو هو كالميزان يرفع إلى الكفة ما يميل إلى الخفة.
فاقد التواضع عديم الإحساس، بعيد المشاعر، شقي لا يتعظ بغيره، غير مستحضرٍ أن موطأه قد وطئته قبله آلاف الأقدام وأن من بعده في الانتظار، ألا وإنه ما رؤي أحدٌ ترك التواضع وترفع على من هو دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه، ومن استطال على الإخوان فلا يثقن منهم بالصفاء، ومن تكبر فلم يتواضع فقد رمى بثقله في ثلاث خصالٍ مذمومة:
أولها: أنه لا يتكبر على أحدٍ حتى يعجب بنفسه، ويرى لها الفضل على غيرها.
وثانيها: ازدراؤه بالناس من حوله؛ لأن من لم يستحقر الناس لم يتكبر عليهم، وكفى بالمستحقر لمن أكرمه الله بالإيمان طغياناً، وأنى للمستكبر أن يستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!
وثالثها: منازعة الله جل وعلا في صفاته؛ إذ الكبرياء والعظمة له وحده، يقول سبحانه في الحديث القدسي: ﴿الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما عذبته﴾ رواه مسلم.
ألا فليت شعري ما الذي يحمل الكثيرين على أن يركنوا إلى العجب والأنفة وينأوا بأنفسهم عن التواضع وخفض الجناح، أفيكون السبب في ذلك فطرة يفطر عليها المتكبر فيدعي جبليتها وصعوبة الخلاص منها؟
كلا والله.
فالنبي ﷺ يقول: ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد﴾ رواه مسلم.
أم أن ذلك نقيصة يجدها المرء في نفسه ثلمة يسد ثلمتها بعجبٍ وفخرٍ يحتال بهما على نفسه؟ ربما يكون مثل هذا، ولكن لمن جهل حقيقة الشرف والرفعة وأنها في التواضع لا في الفرار منه بحجة سد النقيصة أو قضاء الوطر.
يقول الصديق ﵁: [[وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع]] .
ثم ألم يكن الأمر لا هذا ولا ذاك، فما الذي يحمل المرء على ذلك؟
هل هو الحسد والتشفي وحب الذات؟ أم هو سورة كسورة الخمرة تأخذ شاربها كلما أخذ حتى ينتشي، فإذا انتشى عاود حتى يصير مدمناً فيستوي عنده حال الخمار والإفاقة، وأين كان ذلك فإن النأي عن التواضع سمة مرذولة، وخصلة مستهجنة، ووسم تعلق به نار الحدادين؛ لأن عين المعجب بنفسه تنظر من زاوية داكنة، فهي تعمى عن الفضائل حتى يكون أسرع ما يتسرب الإيمان من امرئ هذه حاله كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم.
стр. 167
صور من تواضع رسول الله ﷺ وصحابته
ويالله العجب! كيف لا ينظر أمثال هؤلاء إلى سير الأسلاف من قبلهم، وعلى رأسهم إمامنا وقدوتنا سيد ولد آدم، ذو النسب الرفيع، والجاه الوسيع، فهاهو قد نام على الحصير وابتسم في وجه من أوجعه، ووقف إلى جانب امرأة في الطريق تشكو إليه، وشرب مع أصحابه في إناء احد، وكان آخرهم شرباً، كما أكل مع أهل الصفة، ثم دخل مكة في الفتح متواضعاً، ومشى في الأسواق والناس من حوله يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا خليفته الصديق ﵁ كان يحلب لأهل الحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: [[بلى لأحلبنها لكم وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه]] .
ثم سل الفاروق وما أدراك ما الفاروق! خطب بعد خلافته فقال: [[اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم البعض، وإنني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف]] .
فلا إله إلا الله! أحقيقة ما نسمع أم هو نسجٌ من الخيال!؟ أهو فتون يتردد أم هي حقيقة اكتنفتها قلوب من يعرفون ما الدنيا وما الله؟!
عند الترمذي والحاكم أن جبير بن مطعم قال: [[تكونون في التيه وقد ركبت الحمار، ولبست الشملة، وقد حلبت الشاة، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء﴾ ]] .
ألا فليتنبه لذلك المغرورون المعجبون بأنفسهم وجاههم في حين إنهم بادو الكبرياء، كالحو الوجوه، ومن هذه حاله فلا يغتر بكونه يملك ألفاً فإن عليه من الحقوق والتبعات ما قد يزيد على الألفين.
стр. 168
حقيقة الجمال
ألا وإن حسن الصورة وجمال المظهر لا يقدم في ذلك ولا يؤخر، فإن جمال الوجه في قبح نفسٍ كقنديلٍ على قبر مجوسي.
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم إذا كانت الأخلاق غير حسان
ومن قايس بين الجمال والفعال تبين له أن الملاحة بالقباحة لا تفي بالمقصود، فلله ماذا يعني لباس المظهر إذا كان المخبر عارياً باديةً للناس سوءته! قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] إن من سُرَّ بأنفته فليعلم أن الجمل أشد كبراً منه، بل وأشد منه ذلكم الطاووس الذي يمشي مشي المرح المختال، يتصفح ذنبه وجناحيه فيقهقه ضاحكاً لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه، فأي فخرٍ وأي سرور فيما تكون فيه صورة البهائم متقدمة عليه، والعاقل إذا رأى من هو أكبر منه سناً تواضع له وقال: سبقني إلى الإسلام، وإذا رأى من هو أصغر منه تواضع له وقال: سبقته بالذنوب، وإذا رأى من هو مثله عده أخاً قريباً فلا يحقرن أحداً من المسلمين، فكم من عودٍ منبوذ ربما انتفع به فحك الرجل به أذنه.
قال ابن عيينة ﵀: [[لو قيل أخرجوا خيار هذه القرية لأخرجوا من لا نعرف]] .
يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 169
التواضع المحمود والتواضع المذموم
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد:
فيا أيها الناس: لا زلنا نؤكد بأن التواضع شأنه عظيم، وأمره جسيم، قد تكلم فيه أهل العلم والحكمة، وأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم مبينين ماله وما عليه بالأدلة الشرعية، فجعلوا منه التواضع المحمود والتواضع المذموم.
стр. 170
صور التواضع المحمود
من التواضع المحمود: أن يترك المرء التطاول على عباد الله، والترفع عليهم، والإزراء بهم حتى مع وقوع الخطأ عليه، فقد قال النبي ﷺ : ﴿ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً﴾ رواه مسلم.
ومن ذلك أيضاً: التواضع للدين والاستسلام لشرع الله بحيث لا يعارضه المرء بمعقولٍ ولا رأيٍ ولا هوى، ولا يتهم للدين دليلاً صحيحاً، وأن ينقاد لما جاء به خاتم الرسل ﷺ ، وأن يعبد الله وفق ما أمر به، وألا يكون الباعث على ذلك داعي العادة، وألا ترى لنفسك على الله حقاً لأجل عملٍ عملته، وإنما تعلم أنك ترجو رحمته وتخشى عذابه، وأنك لن تدخل الجنة بعملك وإنما برحمته لك.
كما أن من التواضع المحمود أيضاً: أن تترك الشهوات المباحة، والملذات الكمالية احتساباً لله وتواضعاً بعد التمكن منها والاقتدار عليها دون أن توصف ببخل أو طمعٍ أو شح، فقد قال النبي ﷺ : ﴿من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه؛ دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها﴾ رواه أحمد والترمذي.
ومما يزيد الأمر وضوحاً: أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن المتواضع حقيقة هو المقتدر على الشيء لا العاجز عن تحصيله، فلقد قال رسول الله ﷺ : ﴿يا عائشة! لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة -أي موضع شد الإزار- فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل ﵇ فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت: نبياً عبداً﴾ رواه أبو يعلى والطبراني بسندٍ حسن.
стр. 171
صور التواضع المذموم
أما التواضع المذموم -يا رعاكم الله- فهو التواضع أمام نصرة دين الله سبحانه، والذي يسبب التخاذل وهجر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخنوع أمام الباطل، والبعد عن نصرة الظالم والمظلوم، حتى يكون من هذه حاله كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.
كما أن من التواضع المذموم: تواضع المرء لصاحب الدنيا والجاه والنسب رغبة في شيء مما عنده، حتى يصبح عالة أمام المغريات فيفتن بها.
وحاصل الأمر: أن التواضع من أعظم ما يتخلق به المرء، فهو جامع الأخلاق وأسها، بل ما من خلقٍ في الإسلام إلا وللتواضع منه نصيب، فبه يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات، وهلم جراً.
اللهم إنا نعوذ بك من الغل والحسد، ونعوذ بك أن نجر بهما على مسلم سوءاً يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 172
مخاصمة السنة
السنة النبوية هي وحي من الله جل وعلا لا تنفصل عن القرآن الكريم.
وقد وجد في عصرنا هذا من يطعن في السنة ويحاربها، تارة بالتشكيك بصحة الأحاديث الصحيحة، وتارة بتسهيل عملية انتقاد النصوص، دون جعل ذلك كبيرة يعاقب عليها الفرد.
والسنة النبوية تحارب لأسباب كثيرة منها: حب الشهرة والرياسة تحت راية: خالف تعرف، والإعجاب بالغرب، وعرض النصوص على العقل الذي لا يرتقي إلى إدراك الأحكام من وراء نصوص الشريعة.
стр. 173
خطورة الطعن في السنة النبوية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
فيا أيها الناس: نور النبوة وإشعاعها، والهداية المتحققة -بإذن الله- في الاقتباس من ذلك النور، مرهون بمدى قرب المسلمين من هدي نبيهم ﷺ والبعد عما يخالفه، وكلما ازداد المسلمون تمسكاً برسالته ﷺ ، ازداد هذا النور واتسع، وعمَّ ضياؤه المدر والوبر.
وعلى العكس من ذلك: كلما ابتعدوا عنه، أو زهدوا فيه، أو اقتبسوا نوراً من غيره، ضاق ما اتسع، وأظلم ما هو منير لهم، وهذه سنة الله في المتخاذلين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] .
إن المترقب لأحوال كثير من المسلمين في جملة من الأقطار قد يرى ما يؤسفه، ولربما صدق حدسه، وظهر أثر ترقبه ونتيجة سبره واستقرائه، على أن جهوداً غير قليلة تتسلل لواذاً، وتبذل على تخوف مشوب بمكر على الإخلال بواقع المسلمين، حتى يرضى المسلمون ولو ببعض الإسلام الذي تلقوه عن نبيهم ﷺ وعرفوه من كتاب ربهم سبحانه.
نعم.
قد تبذل مثل هذه الجهود لتهميش الإسلام من قبل أعدائه ممن هو أجنبي عنه، أو ممن يتكلم بلغته، وهم مع ما يبذلونه من جهود في هذا الإطار، لم يهدأ لهم بال، أو يقر لهم قرار، حتى يروا في واقعنا إسلاماً منقوص الحقيقة والأطراف، إسلاماً منقوض العرى والوشائج، ينكر عليه المنكرون ويزمجرون: كيف يتدخل في شئون التشريع كافة دون استثناء، أو يبت في قضايا المجتمع أو يقتلع من السلوك العام ما يخدش قيمه ويمس مثله الرفيعة؟!
إنهم لا يريدون أن يبقى من الإسلام إلا اسمه، أو على أقل تقدير الإبقاء بضرورات لا تلبث أن تزول، ليصدق فيها ما ذكر النبي ﷺ منوهاً إلى آخر الزمان بقوله: ﴿يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا زكاة﴾ .
إن الجهود الغامضة لا تزال تبذل في غير ما سبيل، لتحصل أجيال مهيأة لقبول مثل هذه الصورة المشوهة للإسلام، حتى ترتضي ما قام في أوساط البسطاء السذج من أهله: من الجرأة على تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل، والوصول إلى واقع يدفع فيه معظم الأمور الثوابت بعيدة من هداية الله، فيألف البعض التفلت من المُسَلَّمَات، كتحقيق توحيد الله جلَّ شأنه، وكالربا، وذرائع الزنا، مع مصادمة لسنة النبي ﷺ ، ودعوات متهافتة لاقت رجع الصدى يمنة ويسرة، داعية إلى تحرير الناس من أواصر قيود الشريعة زعموا!
ولعل من أشهر من صب عليه التغريب دون هداوة أو تريث سنة المصطفى ﷺ التي هي أس من أساسات هذا الدين، والتي حذر النبي ﷺ من الوقوع في مغبة ما ذكر في قوله: ﴿إن مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان، فالنجاة النجاة! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا -أي: ساروا ليلاً- وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا على مكانتهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واستباحهم، فذلك مثلي ومثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق﴾ رواه البخاري.
إن ما خشي منه النبي ﷺ بدأت تظهر ملامحه على فترة من أهل العلم، وإبان طفرة طاغية من الظواهر المعلوماتية والثقافات العولمية، والتي تصب في قالب واحد؛ هو جعل العالم كله كالكتلة الواحدة دون تميز، مما سبب الهجوم الكاسح والحرب التي لا هوادة فيها تجاه سنة النبي ﷺ ، مع قلة في الإنصاف وبعد عن الطرح الصحيح الموافق للشرع الصحيح والعقل الصريح.
وأمثال الخائضين في مثل هذا مهما قصروا هجومهم على سنة النبي ﷺ فحسب، فإنهم لو تم لهم ما يريدون لأضاعوا القرآن والسنة على حد سواء، حيث أن خدش السنة ذريعة لخدش القرآن، ومن ثم القضاء على الدين بالمرة.
стр. 174
وسائل الطعن في السنة
ولأجل أن نقترب من فهم هذه القضية، فلا أقل من تصويب الطرح بوضوح على بعض الوسائل التي سار عليها أصحاب الغارة على سنة المصطفى ﷺ بعد التأكيد الجازم على تعددها عندهم واختلاف محاورها باختلاف البيئات قوة وضعفاً.
فكان من أشهر وسائل الطعن في السنة أمران:
стр. 175
التشكيك في صحة جملة من الأحاديث النبوية
الأمر الأول: التشكيك في صحة جملة من الأحاديث النبوية، لا سيما تلك التي يبني عليها المسلمون مرتكزاتهم الدينية، وثوابتهم الشرعية، فيصفونها بعدم الثبوت تارةً، أو أنها مكذوبة تارةً أخرى، أو يشككون في ثقة رواتها وحسن مقاصدهم، مع أن للأحاديث جهابذة وصيارفة على مدى التاريخ، يبينون صحيحها من سقيمها.
يقول أبو القاسم الأصبهاني ﵀: ولئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث؛ فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ورتوة العلماء -أي: رؤسائهم- حتى أنهم عدوا أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون، بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في: كم حديث غلط، وفي كم حرف حرّف، وماذا صحف انتهى كلامه ﵀.
стр. 176
الجرأة على نقد نصوص السنة النبوية
الأمر الثاني: فهو الترويض والتنشئة على استسهال نقد نصوص السنة دون مسوغات شرعية، والجرأة على مواجهتها بأنها تخالف العقول مما سبب قلة الاكتراث بها وذوبان هيبتها في نفوس المشاهدين لذلك أو المستمعين له على وجه التلقي والقابلية، حتى يكون أسهل شيء لدى البعض أن ينتقد حديثاً صحيحاً: إما بتكذيبه، أو بدعوى مخالفته للعقل؛ فيتلاعب جمهور الدهماء بذلك، وينتهكون حرمة النص النبوي، ويسيئون الظن به.
ولقد أحسن ابن القيم ﵀ في وصف أمثال هؤلاء بقوله: ومن ذلك تلاعبهم بالنصوص، وانتهاك حرماتها، فلو رأيناهم وهم يلوكونها بأفواههم، وقد خلت بها المثُلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد إلى أن يقول ﵀: فلا إله إلا الله والله أكبر! كم هدمت بهذه المعاول معاقل الإيمان! وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن! وكم أطلقت في نصوص الوحي لسان كل جاهل أخرص ومنافق أرعن!
стр. 177
الرد على المشككين في سنة النبي ﷺ
عباد الله: إن المشككين في سنة النبي ﷺ والمحاربين لها، لو قاموا في حربهم على أسس علمية لوجب ألا يدرس التاريخ في بلد ما، إذ لأي شيء يقبل التاريخ على أنه علم مسلَّم به، وتهتم كل أمة به، ثم هي لا تقبل جملة من سنة النبي ﷺ ، مع أن طرق الإثبات في التاريخ أقل شأناً من طرق الإثبات في الحديث النبوي، ثم لماذا تدرس سير العظماء ومواقفهم، وتعرض للتأسي والإعجاب، ويحرم من ذلك الحق رسل الله، لا سيما محمد ﷺ من خلال سنته؟!
إننا حينما نتطرق لمثل هذا عباد الله، فإنما نقوله لأجل أن نبين أنَّ للسنة رجالها الخبراء بها، وهم أئمة الدين من العلماء والفقهاء، النجوم الثواقب، ورواسي الأرض وأوتادها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣] .
إنَّ ترك الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر -وهم العلماء- سبيل من سبل اتباع الشيطان، فحري إذاً ألا يقبل في هذا الميدان ما يرسله المتهورون من أحكام طائشة، تجعل التطويح بالسنة النبوية أمراً جائزاً، أو تجعل تكذيب حديث النبي ﷺ والتلاعب به هوىً مطاعاً وكلأً مباحاً.
وما سبب قولنا هذا -عباد الله- إلا ما نراه في هذه الأزمنة، من ذهاب أهل العلم الذين تنقص الأرض بموتهم، مع فشو القلم، وكثرة الكذب، والقول على الله بلا علم، ونطق الرويبضة؛ وهو الرجل التافه الحقير الذي يتكلم في أمور العامة، وهو من العلم خواء وفؤاده هواء، حتى كثر المتعالمون، وصار الحديث في أحكام الدين مطلق العنان لدى البعض دون زمام ولا خطام، فخاض البعض في السنة وخاصموا، ولتوا وعجنوا، من خلال محادثات شفهية أو مطارحات صحفية، أو عبر كتب النشر المقروءة والقنوات المرئية، فبدءوا يتحدثون عن مسلمات في الدين، وثوابت لا تتغير، فشككوا في الربا، وهمشوا الولاء والبراء، فأعموه من حيث أرادوا تكحيله.
وتحدثوا عن المرأة وميراثها ونقصانها عن الرجل، وتحدثوا عن حجابها، وعزلتها عن الرجال، وقرارها في البيوت، فكان الذي طرح ليس من السنة في ورد ولا صدر، وما ذاك إلا لغياب مفهوم خطورة الفتوى، وتدخل الغير في غير فنه، وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
فالواجب: جعل تقرير الشريعة في العلاقات الفردية والدولية، وشئون الأسرة، وتداول المال العام والخاص، وأساليب الحكم والتحاكم وغير ذلك من شئون أهل الذكر، أما العمال والفلاحون والصحفيون والمتفيهقون فما لهم ولهذه الشئون؟!
ألا إن قلة البضاعة من العلم محنة، فإذا انضم إليها حب التطاول على النصوص وتلمس المتشابه، زادت المصيبة، وتفاقم الداء؛ فلا يزال الورم في نفوخ، فلا غرو إذاً ألا يصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا، وألا يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس أكابرهم في الزوايا.
стр. 178
أسباب محاربة السنة النبوية
عباد الله: لمستفهم أن يسأل فيقول: قد علمنا خطورة الناعقين في وجه السنة النبوية، وما يدفع ذلك من سوء المغبة وهوة الحال، ولكن لماذا يفعل هؤلاء هذه الأفاعيل؟ وما هي الأسباب الداعية إلى ذلك؟
الجواب أن نقول: يصعب بداهة سرد أسباب ذلك في هذه العجالة، على أننا نؤكد أن من أهمها: الجهل بالعلم الشرعي، والخوض في غير التخصص، غير أن من الأسباب ما يلي:
стр. 179
الهوى وحب الرياسة والشهرة
السبب الأول: الهوى، وحب الرياسة والشهرة.
من باب ما يقال: خالف تذكر، وأصحاب الهوى كثر، فلو خلي لهم السبيل لأفسدوا في الأرض: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] والهوى قَتَّالٌ عبادَ الله، ولربما صار لصاحبه أتباع ينعقون له ويهرفون بما لا يعرفون، وقد أشار ابن قتيبة ﵀ إلى مثل هذا بقوله: والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضاً، ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجدوا على ذلك أتباعاً وأشياعاً.
وإشارة إلى حب هؤلاء للشهرة والرئاسة، يقول ابن قتيبة أيضاً: ولكن يمنع من الحق طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات.
وذكر ابن القيم ﵀ عن يحيى بن أكثم أنه قال: قال هارون الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجّل مني؟ قلت: لا.
قال: لكن أعرفه، رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ ، قال: قلت: يا أمير المؤمنين! أهذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين؟ قال: نعم.
ويلك، هذا خير مني؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبداً، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون الدهر.
وذكر ابن القيم أيضاً عن ابن العميد الوزير المشهور قوله: فوددت في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث.
إذاً عباد الله: هذه هي الشهرة الشريفة، وإنما تكون في الأخذ بالنصوص لا في تركها، وفي تحكيمها لا في مخاصمتها.
стр. 180
احتجاج المخاصمين بمعارضة السنة للقرآن
السبب الثاني: أن بعض المخاصمين في السنة يحتجون بأنها قد تعارض القرآن.
وفي ذلك يقول أبو القاسم الأصبهاني ﵀: وقول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث، فهذا جهل؛ لأن سنة رسول الله ﷺ مع كتاب الله تقام مقام البيان عن الله ، ليس هناك شيء من سنن رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله؛ لأن الله أعلم خلقه أن رسول الله ﷺ يهدي إلى صراط المستقيم فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] .
صح عند أحمد وأبي داود والحاكم من حديث عبد الله بن أبي رافع، أن النبي ﷺ قال: ﴿لا أعرفن ما بلغ أحدكم عني حديث من حديثي قد أمرت فيه أو نهيت، وهو متكئ على أريكته، فيقول: لا حاجة لي به، هذا القرآن ما وجدنا فيه اتبعناه وما لم نجد فيه لم نتبعه﴾ .
قال عمر بن الخطاب ﵁، مشيراً إلى هذه المسألة: [[سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله]] .
اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق مشتبهاً علينا فنضل يا أرحم الراحمين، ونستغفرك اللهم إنك كنت غفاراً.
следующие страницы →