Полный текст (518 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الجرأة على نقد نصوص السنة النبوية
الأمر الثاني: فهو الترويض والتنشئة على استسهال نقد نصوص السنة دون مسوغات شرعية، والجرأة على مواجهتها بأنها تخالف العقول مما سبب قلة الاكتراث بها وذوبان هيبتها في نفوس المشاهدين لذلك أو المستمعين له على وجه التلقي والقابلية، حتى يكون أسهل شيء لدى البعض أن ينتقد حديثاً صحيحاً: إما بتكذيبه، أو بدعوى مخالفته للعقل؛ فيتلاعب جمهور الدهماء بذلك، وينتهكون حرمة النص النبوي، ويسيئون الظن به.
ولقد أحسن ابن القيم ﵀ في وصف أمثال هؤلاء بقوله: ومن ذلك تلاعبهم بالنصوص، وانتهاك حرماتها، فلو رأيناهم وهم يلوكونها بأفواههم، وقد خلت بها المثُلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، وتقاذفت بها رياح الآراء، واحتوشتها رماح الأهواء، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد إلى أن يقول ﵀: فلا إله إلا الله والله أكبر! كم هدمت بهذه المعاول معاقل الإيمان! وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن! وكم أطلقت في نصوص الوحي لسان كل جاهل أخرص ومنافق أرعن!
стр. 177
الرد على المشككين في سنة النبي ﷺ
عباد الله: إن المشككين في سنة النبي ﷺ والمحاربين لها، لو قاموا في حربهم على أسس علمية لوجب ألا يدرس التاريخ في بلد ما، إذ لأي شيء يقبل التاريخ على أنه علم مسلَّم به، وتهتم كل أمة به، ثم هي لا تقبل جملة من سنة النبي ﷺ ، مع أن طرق الإثبات في التاريخ أقل شأناً من طرق الإثبات في الحديث النبوي، ثم لماذا تدرس سير العظماء ومواقفهم، وتعرض للتأسي والإعجاب، ويحرم من ذلك الحق رسل الله، لا سيما محمد ﷺ من خلال سنته؟!
إننا حينما نتطرق لمثل هذا عباد الله، فإنما نقوله لأجل أن نبين أنَّ للسنة رجالها الخبراء بها، وهم أئمة الدين من العلماء والفقهاء، النجوم الثواقب، ورواسي الأرض وأوتادها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣] .
إنَّ ترك الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر -وهم العلماء- سبيل من سبل اتباع الشيطان، فحري إذاً ألا يقبل في هذا الميدان ما يرسله المتهورون من أحكام طائشة، تجعل التطويح بالسنة النبوية أمراً جائزاً، أو تجعل تكذيب حديث النبي ﷺ والتلاعب به هوىً مطاعاً وكلأً مباحاً.
وما سبب قولنا هذا -عباد الله- إلا ما نراه في هذه الأزمنة، من ذهاب أهل العلم الذين تنقص الأرض بموتهم، مع فشو القلم، وكثرة الكذب، والقول على الله بلا علم، ونطق الرويبضة؛ وهو الرجل التافه الحقير الذي يتكلم في أمور العامة، وهو من العلم خواء وفؤاده هواء، حتى كثر المتعالمون، وصار الحديث في أحكام الدين مطلق العنان لدى البعض دون زمام ولا خطام، فخاض البعض في السنة وخاصموا، ولتوا وعجنوا، من خلال محادثات شفهية أو مطارحات صحفية، أو عبر كتب النشر المقروءة والقنوات المرئية، فبدءوا يتحدثون عن مسلمات في الدين، وثوابت لا تتغير، فشككوا في الربا، وهمشوا الولاء والبراء، فأعموه من حيث أرادوا تكحيله.
وتحدثوا عن المرأة وميراثها ونقصانها عن الرجل، وتحدثوا عن حجابها، وعزلتها عن الرجال، وقرارها في البيوت، فكان الذي طرح ليس من السنة في ورد ولا صدر، وما ذاك إلا لغياب مفهوم خطورة الفتوى، وتدخل الغير في غير فنه، وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
فالواجب: جعل تقرير الشريعة في العلاقات الفردية والدولية، وشئون الأسرة، وتداول المال العام والخاص، وأساليب الحكم والتحاكم وغير ذلك من شئون أهل الذكر، أما العمال والفلاحون والصحفيون والمتفيهقون فما لهم ولهذه الشئون؟!
ألا إن قلة البضاعة من العلم محنة، فإذا انضم إليها حب التطاول على النصوص وتلمس المتشابه، زادت المصيبة، وتفاقم الداء؛ فلا يزال الورم في نفوخ، فلا غرو إذاً ألا يصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا، وألا يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس أكابرهم في الزوايا.
стр. 178
أسباب محاربة السنة النبوية
عباد الله: لمستفهم أن يسأل فيقول: قد علمنا خطورة الناعقين في وجه السنة النبوية، وما يدفع ذلك من سوء المغبة وهوة الحال، ولكن لماذا يفعل هؤلاء هذه الأفاعيل؟ وما هي الأسباب الداعية إلى ذلك؟
الجواب أن نقول: يصعب بداهة سرد أسباب ذلك في هذه العجالة، على أننا نؤكد أن من أهمها: الجهل بالعلم الشرعي، والخوض في غير التخصص، غير أن من الأسباب ما يلي:
стр. 179
الهوى وحب الرياسة والشهرة
السبب الأول: الهوى، وحب الرياسة والشهرة.
من باب ما يقال: خالف تذكر، وأصحاب الهوى كثر، فلو خلي لهم السبيل لأفسدوا في الأرض: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] والهوى قَتَّالٌ عبادَ الله، ولربما صار لصاحبه أتباع ينعقون له ويهرفون بما لا يعرفون، وقد أشار ابن قتيبة ﵀ إلى مثل هذا بقوله: والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضاً، ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجدوا على ذلك أتباعاً وأشياعاً.
وإشارة إلى حب هؤلاء للشهرة والرئاسة، يقول ابن قتيبة أيضاً: ولكن يمنع من الحق طلب الرياسة، وحب الأتباع، واعتقاد الإخوان بالمقالات.
وذكر ابن القيم ﵀ عن يحيى بن أكثم أنه قال: قال هارون الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجّل مني؟ قلت: لا.
قال: لكن أعرفه، رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ ، قال: قلت: يا أمير المؤمنين! أهذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين؟ قال: نعم.
ويلك، هذا خير مني؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبداً، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون الدهر.
وذكر ابن القيم أيضاً عن ابن العميد الوزير المشهور قوله: فوددت في مكاني أن الوزارة والرياسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني لأجل الحديث.
إذاً عباد الله: هذه هي الشهرة الشريفة، وإنما تكون في الأخذ بالنصوص لا في تركها، وفي تحكيمها لا في مخاصمتها.
стр. 180
احتجاج المخاصمين بمعارضة السنة للقرآن
السبب الثاني: أن بعض المخاصمين في السنة يحتجون بأنها قد تعارض القرآن.
وفي ذلك يقول أبو القاسم الأصبهاني ﵀: وقول من قال: تعرض السنة على القرآن، فإن وافقت ظاهره، وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث، فهذا جهل؛ لأن سنة رسول الله ﷺ مع كتاب الله تقام مقام البيان عن الله ، ليس هناك شيء من سنن رسول الله ﷺ يخالف كتاب الله؛ لأن الله أعلم خلقه أن رسول الله ﷺ يهدي إلى صراط المستقيم فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] .
صح عند أحمد وأبي داود والحاكم من حديث عبد الله بن أبي رافع، أن النبي ﷺ قال: ﴿لا أعرفن ما بلغ أحدكم عني حديث من حديثي قد أمرت فيه أو نهيت، وهو متكئ على أريكته، فيقول: لا حاجة لي به، هذا القرآن ما وجدنا فيه اتبعناه وما لم نجد فيه لم نتبعه﴾ .
قال عمر بن الخطاب ﵁، مشيراً إلى هذه المسألة: [[سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله]] .
اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق مشتبهاً علينا فنضل يا أرحم الراحمين، ونستغفرك اللهم إنك كنت غفاراً.
стр. 181
الإعجاب بالغرب وحضارتهم
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فإن ثالث الأسباب -عباد الله- في مخاصمة السنة: يكمن في ميل بعض المخاصمين إلى أهل الغرب والإعجاب بهم، والحرص على مسايرة ركبهم رغبة في اللحاق بهم، ونزع معرة التخلف التي وسموا بها -على حد زعمهم- من خلال التقيد الكامل بما دلت عليه النصوص الشرعية، مما لا يمكن بسبب العمل بها أن يلتقي هؤلاء وأولئك، مما سبب تلك المواقف الصارخة، والتي ولدتها بعد ذلك العداوة للنصوص، فنظروا بعين عداوة، ولو أنها عين الرضا لاستحسنوا ما استقبحوا، وهذا الميل الجارف لأهل الغرب، ولد لدى من يحبهم شيئاً من المحاكاة في الطبع والمنهج.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أصل مثل هذه المسألة فقال: إن الله تعالى جبل بني آدم -بل سائر المخلوقات- على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يئول الأمر إلى ألا يميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط.
ثم يستطرد ﵀ مؤكداً على ما تزعمه في هذا الإطار فيقول: وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام.
ولله در الحافظ ابن حجر، فقد أحسن حيث قال: وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأنَّ من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف.
стр. 182
تعظيم العقل وإكباره
ونختم برابع الأسباب عباد الله: وهو تعظيم العقل وإكباره حتى يكون هو الحكم على نصوص السنة لا العكس، وهذه لوثة نعوذ بالله من تبعات قسماتها، كفانا الله شر غوائلها، وفي مثل هؤلاء يقول الفاروق ﵁: [[إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم فلم يعوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا]] .
يقول ابن تيمية ﵀: والداعون إلى تمجيد العقل إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنم سموه عقلاً، وما كان العقل وحده كافياً في الهداية والإرشاد، وإلا لما أرسل الله الرسل.
ويقول القرطبي ﵀: إن الله لم يبن أمور الدين على عقول العباد ولم يعدهم وعداً على ما تحتمله عقولهم ويدركونها بأفهامهم، بل وعد وعداً بمشيئته وإرادته، وأمر ونهى بحكمته، ولو كان ما لا تدركه العقول مردوداً لكان أكثر الشرائع مستحيلاً على عقول العباد.
وقد روى أبو داود وغيره، أن علياً ﵁ قال: [[لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت الرسول ﷺ يمسح على ظاهر خفيه]] .
إذاً: العقل وحده غير كافٍ في معرفة الحق والنور، بل لا بد من إخضاع العقل للشرع على وجه التسليم به، والإيمان بمراده، كما قال تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] .
يقول ابن القيم ﵀: إن عقل رسول الله ﷺ أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق، فلو وزن عقله بعقولهم لرجح بها كلها.
وقد أخبر سبحانه أنه ﷺ قبل الوحي لم يكن يدري الإيمان كما لم يكن يدري الكتاب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبرهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم.
اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم من مات من علمائنا فاغفر له وارحمه، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله أجمعين، ومن كان منهم حياً، فوفقه وسدده لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لتسقيَ به العباد، وتحييَ به البلاد، ولتجعلَه بلاغاً للحاضر والباد.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 183
التوبة
إن الله خلق الخلق، وجعلهم يذنبون، ولو لم يذنبوا لذهب بهم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم، فيا أيها المذنب! ويا أيها العاصي! إن رحمة الله قريب من المحسنين، فأحسن في عملك، وتب إلى الله ولا تقنط من رحمة الله سبحانه.
стр. 184
ختام رمضان وحال الناس فيه
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا إلى عباده بطوله، مانح كل غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وضيق، نحمده على سوابغ نعمه وواسع كرمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أولاًَ وآخراً، وظاهراً وباطناً، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فما أنتم في هذه الدنيا إلا غرض تنتظرون فيه المنايا، مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يحيا لكم أثر إلا مات لكم أثر، ولا يتجدد لكم جديد إلا بعد أن يبلى لكم جديد، وقد مضت أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله!
أيها الناس: إن شهركم هذا قد بدا إدباره، وآذن بوداع، وإن ما بقي منه فسيمر مثل طرفة عين أو كلمح بصر أو هو أقرب، وهو عند ذوي العقول: كفيء الظل، بينا تراه سابغاً حتى قَلَص، وزائداًَ حتى نَقَص، ولا جرم -عباد الله- فإن الشيء يُتَرَقب زواله إذا قيل تَمَّ قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] .
ألا فإن ما بقي من الشهر اليوم هو المضمار، وغداً السباق، والسَّبَقَة الجنة والهرب من النار، أفلا تائبٌ من خطيئته قبل ختام شهره؟! ألا عاملٌ لنفسه قبل يوم بؤسه؟! ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل.
فيا ويح طالب الجنة إذا نام! ويا بؤس الهارب من النار إذا غفا ثم هو لا يتخوف قارعة حتى تحل به!
ومن هذه حاله فليس هو من عُمَّار الشهر في مراحٍ ولا مغدى.
عباد الله: إن في هذا الشهر أناساً أشغلوا أنفسهم عن ذكر الله وطاعته، حتى قَصَروا غاية بِرِّهم به في جعله موسماً حولياً للموائد الزاخرة، وفرصة سانحة لِلَّهو والسمر الممتدَّين إلى بزوغ النهار، فصبحهم مثل ليلهم، وأجواؤهم سود، وأجفانهم جمر يومض، جعلوا من هذا الشهر محلاً للألغاز الرتيبة والدعايات المضللة، أو المواعيد المضروبة، لارتقاب ما يستجد من أفلام هابطة، وروائيات مشبوهة، ترمي بشرر كالقصر؛ لإحراق ما بقي من أصل حشمة وعفاف، أو تديُّن يستحق التشجيع والإذكاء؛ وبذلك تخسر الأمة في كل لحظة مواطناً صالحاًَ يضل ضلالة، يغش بها ويخدع، ويسرق ويحتال، تمتعاً بهذا الترف المرئي والداء المستشري، ولسان حال هؤلاء يقول: صفِّدت شياطين رمضان إلا شياطينهم، حتى صاروا بذلك يطلبون ولا يُعطون، ويستحون ولا يصبرون، ويحسنون الجمع في حين أنهم لا يعرفون القسمة، إلى أن تحطمت فيهم روح المغالبة والمقاومة، فلا عجب حينئذٍ إذا لم يجد هؤلاء بهذا الشهر المبارك ما يجده المؤمنون الصادقون.
وفي المقابل -عباد الله- فإن لهذا الشهر أناساً غضَّ أبصارَهم ذكرُ المرجع، وأراقَ دموعَهم خوفُ المحشر، فهم بين شريد هارب من الكسل والخذلان، وخائف مقهور، وداعٍ مخلص، وثكلان مُوْجَع.
стр. 185
البدار بالتوبة قبل الفوات
ألا فاتقوا الله أيها الصائمون القائمون! وتنفسوا قبل ضيق الخناق، وانقادوا قبل عنف السياق، فـ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وإلا فما يصنع بالدنيا مَن خُلق للآخرة؟! وما يصنع بالمال مَن عمَّا قليل سيُسْلَبُه وتبقى عليه تَبِعاتُه وحسابُه؟!
فالله الله وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم، وفي الفسحة قبل الضيق، ويا لَفوز مَن سعوا في فكاك رقابهم من قبل أن تغلق عليهم رهائنها!
ألا إن لله عتقاء من النار في هذا الشهر المبارك، وأما هذه الدنيا فهي غرارة ضرارة، حائلة زائلة، لا تعدو أن تكون بزخرفها كما قال الله تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف:٤٥] .
إنه ما بين أحدنا وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به, وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة مهما طالت، وإن غائباًَ يحدوه الجديدان -الليل والنهار- لَحَرِيٌّ بسرعة الأوبة.
فرحم الله امرأً قدم توبته وغالب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية والتفريط ليركبهما، ويمنيه التوبة ليسوفها ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [النساء:١٢٠] .
стр. 186
لا مفر من الموت فعلى المرء التوبة
فالبِدار البِدار قبل مفاجئة الأجل! فلو أن أحداً يجد إلى البقاء نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء دون أن يُقضى عليه بالموت لكان ذلك لسليمان بن داوُد ﵇، الذي سخر الله له مُلك الجن والإنس و ﴿الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٦-٣٨] هذا مع نبوته وعظيم زلفته، غير أنه لما استوفى طُعمته واستكمل مدته؛ رماه قوس الفناء بنبال الموت، وأصبحت الديار منه خالية، وورثها قوم آخرون.
وإن لكم في القرون السالفة لعبرة، وإلا فأين العمالقةُ وأبناءُ العمالقة؟!
وأين الفراعنةُ وأبناءُ الفراعنة؟!
أين أصحابُ مدائن الرجز؟! وأين عادٌ وثمود، وإرم ذاتُ العماد الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ؟!
فيا مؤخراً توبته بمطل التسويف؛ لأي يوم أجَّلتَ توبتك وأخَّرتَ أوبتك؟!
لقد كنتَ تقول: إذا صمتُ تبتُ، وإذا دخل رمضان أنبتُ، فهذه أيام رمضان عناقيد تناقصت، لقد كنت في كل يوم تضع قاعدة الإنابة لنفسك، ولكن على شفا جرف هار.
ويحك أيها المقصر! فلا تقنع في توبتك إلا بمكابدة حزن يعقوب عن البَين، أو بعَبرة داوُد ومناجاة يونس لربه في ظلمات ثلاث: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] أو بصبر يوسف عن الهوى، فإن لم تطق ذلك فبذل إخوته يوم أن قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٧] .
стр. 187
توبة الأنبياء والصالحين
أيها المذنب المقصر: لا تخجل من التوبة، ولا تستحِ من الإنابة؛ فلقد فعلها قبلك آدم وحواء حين قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] .
وفعلها قبلك إبراهيم حين قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] .
وفعلها موسى حين قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] .
وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿إن أيوب نبي الله لبث في بلائه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلَين من إخوته كانا من أخص إخوانه كانا يغدُوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله- لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحدٌ من العالمين، قال له صاحبُه: وما ذاك؟! قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول؟! غير أن الله يعلم أني كنت أَمرُّ على الرجلَين يتنازعان فيذكران الله؛ فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يُذكر اللهُ إلا في حق.
قال: وكان يخرج إلى حاجته, فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فاستبطأته فبلغته، فأقبل عليها حتى قد أذهب الله ما به من البلاء، فهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟! فوالله ما رأيت أحداً كان أشبه به منك إذ كان صحيحاً! قال: فإني أنا هو.
وكان له أنْدَران: أنَدَر القمح وأنْدَر الشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الوَرِق حتى فاض﴾ رواه ابن حبان والحاكم، وصححه الذهبي.
فلا إله إلا الله! من يمنع المذنب من التوبة؟!
ولا إله إلا الله! ﴿مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] .
يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [[دعا الله إلى مغفرته مَن زعم أن عزيراً ابن الله، ومَن زعم أن الله فقير، ومَن زعم أن يد الله مغلولة، ومَن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول لهؤلاء جميعاً: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤]] ] .
ألا فإن التوبة للمرء كالماء للسمك، فما ظنكم بالسمك إذا فارق الماء.
﴿جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني، فردها النبي ﷺ ، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله! لِمَ تردُّني؟! لعلك تريد أن تردَّني كما رددتَ ماعزاً! فوالله إني لحُبلى.
قال: أمَا فاذهبي حتى تلدي.
فلما وَلَدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: ها قد ولَدْتُه.
قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه.
فلما فطَمَته أتته بالصبي في يده كسرة خبز حرصاً منها على التوبة وإقامة الحد فقالت: يا رسول الله! ها قد فطمتُه، وقد أكل الطعام.
فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أَمَر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها فتنضَّخ الدم على وجه خالد فسبَّها، فسمع نبي الله سَبَّه إياها فقال: مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مُكْس لَغُفِر له﴾ وصاحب المكس هو الذي يأخذ الضريبة من الناس.
رواه مسلم، وفي رواية: ﴿لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجَدَتْ شيئاً أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟!﴾ .
إن صاحب الذنب مهما غفل عن التوبة أو تناءى عنه الوصول إليها، فسيظل أسير النفس، قلقاً لا قرار له، متلفتاً لا يصل إلى مبتغاه ما لم يُفتح له باب التوبة ليطهر نفسه من كلكلها، ويخفف من أحمالها.
إلهنا!
يا من يرى مدَّ البعوض جناحَها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ
ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النُّحَّلِ
امنن عليَّ بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأولِ
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه كان غفاراً.
стр. 188
التوبة سبب للنجاة من النار
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد:
فيا أيها الناس: في يوم من الأيام ﴿صعد رسول الله ﷺ درجات المنبر، فلما رقى عتبة الأولى قال: آمين، ثم رقى عتبة الثانية وقال: آمين، ثم رقى عتبة الثالثة وقال: آمين، ثم قال: أتاني جبريل، فقال: يا محمد! مَن أدركَه رمضان فلم يُغفر له؛ فأبعدَه الله، قل: آمين فقلت: آمين﴾ الحديث، رواه ابن حبان وغيره.
صدق رسول الله ﷺ ، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فلقد خِسر وفرَّط ورغم أنفه مَن ضيَّع فرصة رمضان ونكص على عقبَيه.
ألا أين أنتم أيها التائبون؟! عقلكم يحثكم على التوبة وهواكم يمنعكم، والحرب بينهما سِجال، فلو جهزتم جيش عزم لفر العدو منكم تنوُون قيام الليل فتتكاسلون، وتسمعون القرآن فلا تبكون، بل أنتم سامدون، ثم تقولون: ما السبب؟!
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] .
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين! وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحاًَ، توبوا إلى الله أفراداً وجماعات، فما توبة الأمة بأدنى شأناً من توبة الأفراد، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] .
ألا ترون -يا رعاكم الله- ما قاله الباري جل شأنه في كتابه: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] .
فيا أيها المسلمون: ما هي إلا التوبة والاستغفار، وإلا فالمصير النار والخسار، وما لهذا الجلد الرقيق صبر عليها! فارحموا أنفسكم؛ فقد جربتموها في مصائب الدنيا، أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه، والرمضاء تحرقه؟! فكيف إذا كان بين طابقين من نار! ضجيع حجر، وقرين شيطان، في نار يحطِم بعضُها بعضاً، لا تسمع فيها إلا تغيظاً وزفيراً، كلما نضجت فيها الجلود بدلها الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج:١٥-١٨] .
يقول الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه : ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتَني ورجَوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي يا بن آدم! لو بلَغَتْ ذنوبُك عنان السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أبالي يا بن آدم! لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ رواه الترمذي في جامعه.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٥-٥٦] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان يا حي يا قيوم، اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم سقيا رحمة، لا سقيا هدم، ولا بلاء، ولا غرق.
اللهم لتحيي بها البلاد، وتسقي بها العباد، ولتجعلها بلاغاً للحاضر والبادِ.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 189
الباقيات الصالحات
الشريعة الإسلامية الغراء جاءت كاملة، وسهلة يسيرة؛ والدليل على ذلك أن هناك عبادات لا تحتاج إلى كثير جهد ولا كثير تعب، فمن هذه العبادات ذكر الله جل وعلا؛ ففضل ذكر الله عظيم وله من الأجر الكبير ما لا يعلمه إلا الله.
والباقيات الصالحات هن بعض الأذكار التي يذكر بها الله جل وعلا، وهن غراس الجنة، وهن الكلمات الخفيفات على اللسان الثقيلات في الميزان.
стр. 190
أهمية الذكر
الحمد لله على تقديره، وحُسن ما صرف من أموره، نحمده سبحانه على حسن خلقه وتصويره، وعلى إعطائه ومنعه، يخير للعبد وإن لم يشكره، ويستر الجهل على من يظهره، خوف من يجهل من عقابه، وأطمع العامل في ثوابه جلَّ شانه، لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، والسراج المنير، بعثه الله رحمة للعالمين، ومِنّة للإنس والجن، بَراً حريصاً بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، عليه من الله أزكى صلاة وأتم تسليم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فيا أيها الناس: إنه لا أحوج للمرء المسلم ولا أبلغ في أن يذكر به ويوصى من تقوى الله سبحانه، فإنها الزمام، وبها القوام، فتمسكوا -رحمكم الله- بوثائقها، واعتصموا بحقائقها؛ تئول بكم إلى أكنان الدعة وأوطان السعة، ومنازل العز والرفعة، في يوم تشخص فيه الأبصار، وينفخ فيه الصور فتدك الشم الشوامخ والصم الرواسخ، فيصير صلدها سراباً رقرقاً، ومقرها قاعاً صفصفاً، وإلا فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار، يوم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً.
عباد الله: أمر مقرر معلوم، لا إخاله خافياً على كل من يحمل مع روحه عقلاً صحيحاً وعلماً صريحاً، وهو أن لكل بداية نهاية، وأن البزوغ يعقبه الأفول، وآحاد العبادات من فرائض وسنن لها أوقات تحد للبداية والنهاية، بل إن طاقات البشر البدنية والنفسية -بلا استثناء- قد تقوى حيناً من الدهر، فتقوى بقوتها العبادة، كما أنها قد تضعف أحياناً، فتضعف بضعها العبادة ما خلا أمراً واحداً لا تعيق عنه العوائق، يستوي فيه الشرخ والشيخ، والصحيح والسقيم، والقادر والعاجز، والقائم والقاعد، بل والمستلقي على ظهره، لا يحتاج إلى استنهاض قوىً، ولا استجماع نشاط، أتدرون ما ذاك عباد الله؟
إنه ذكر الله تعالى، ذكر الله الذي لا يستساغ عذر منقطع عنه، كيف لا وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال له: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ رواه الترمذي وابن ماجة.
ذكر الله -أيها المسلمون- أمر الله جل وعلا به الحجاج بعد انقضاء نسكهم، بل وأمرهم أن يلهجوا به مع الإكثار منه فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠] ، وهذه الآية عباد الله! لا تفيد بمنطوقها ولا بمفهومها، أن يذكر المسلمون آباءهم مع الله، كلا.
ولكنها تحمل طابع التوجيه إلى الواجب واللازم: وهو استبدال ذكر الله بذكر الآباء، بل إنها تؤكد على المسلمين أن يكونوا أشد ذكراً لله، ولا غرو في ذلك إذ المؤمنون هم أشد حباً لله، وذكر الله تعالى هو الذي يرفع العبد حقاً وليس هو التفاخر بالآباء، وما سوى ذلك من حطام الدنيا الفانية، وإن في الأمر بالذكر عند انقضاء النسك معنىً جلياً، وهو أن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه، فالمؤمن الصادق يعيش على ذكر الله، ويموت عليه، وعليه يبعث، فما طابت الدنيا إلا بذكره جلَّ وعلا.
يقول ابن القيم ﵀: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!
стр. 191
وقفات مع الباقيات الصالحات
أيها المسلمون: يقول البارئ جل شأنه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] ، ويقول: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ [مريم:٧٦] .
هاتان الآيتان قال عنهما جمهور من المفسرين: إن الباقيات الصالحات هن الكلمات المأثور فضلها، وهن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
روى الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿خذوا جُنتكم، قلنا: يا رسول الله! من عدو قد حضر؟ قال: لا.
جُنتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة منجيات ومقدمات وهن الباقيات الصالحات﴾ ، ومعنى كونها باقيات صالحات أي: أنها من حرث الآخرة، وأن ثوابها باق لها.
стр. 192
الباقيات الصالحات غرس الجنة
إننا -أيها المسلمون- لفي حاجة داعية إلى تحصيل الباقيات الصالحات، إن في المسلمين من الضعف والخواء، والضيق والوحشة، وكثرة الهذيان واشتغال اللسان بما لا طائل من ورائه، ما يحتاجون معه إلى استشعار الباقيات الصالحات، ألا إن أحدنا ليمدن عينه إلى زهرة الحياة الدنيا، بل إن أحدنا ليرى فيه من الحرص على مسكنه، وعلى ما يزينه به من غراس جميل، وخضرة خلابة، هي من سعادة الناظر في الحياة الدنيا، ما يؤكد عليه أن يفقه الباقيات الصالحات.
تمعن أيها المرء! بكم تشتري الفسائل أو أطايب الشجر، وكم يستهويك غرسه أو جنيه، لله كم تزاود أو تماكس في بيعه وشرائه، ألا تشرئب إلى من يدلك على ما هو خير من ذلك كله، بل وأرخص منه، بل ولربما عدَّك العقلاء من الناس مفرطاً مفلساً إن لم تتعجل بشرائه أو غراسه؛ لأن الوقت محدود، والفرصة سانحة، والعذر ليس ذا بال.
إن شئت -أيها المرء- فاسمع الآتي: يقول أبو هريرة ﵁: ﴿مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا أغرس غراساً فقال: يا أبا هريرة! ما الذي تغرس؟ قلت: غراساً لي، قال: ألا أدلك على غراس خير لك من هذا؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة﴾ رواه ابن ماجة.
وروى مسلم والترمذي وغيرهما ﴿أن النبي ﷺ قال: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد اقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، -أي: مستوية- وأن غراسها، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر﴾ .
стр. 193
فوائد الباقيات الصالحات
قال ﷺ فيما رواه الترمذي وابن ماجة: ﴿لأنْ أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ .
وفي رواية: ﴿أربع أفضل الكلام لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر﴾ .
تلكم -أيها المسلمون- فضائل هذه الكلمات في الجملة، ناهيكم عن كون الإكثار منها سبباً في غفران الذنوب، ومحو الخطايا، وما أحوجنا إلى مثل ذلك.
قال أبو الدرداء ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿عليك بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يحططن الخطايا، كما تحط الشجرة ورقها﴾ رواه ابن ماجة.
أضيف إلى ذلك أيها المسلمون: أن ذكرها قد يكون سبباً في إجابة الدعاء، أو قبول الصلاة، كما بين ذلك النبي ﷺ بقوله: ﴿من تعارَّ من الليل -أي: استيقظ- فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على لك شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم دعا استجيب له، فإن قام فتوضأ، ثم صلى قبلت صلاته﴾ رواه البخاري وغيره.
стр. 194
معنى الباقيات الصالحات
أيها المسلمون! تلكم الكلمات الأربع على قلة عددها ويسر أدائها، إلا أنها كلمات عظيمة المعنى، واسعة الأثر، قد يوجد في الناس من يرددها، وربما يكثر منها، ولكنه في منأىً عن فقه معناها، أو استخلاص لوازمها حتى يصبح القلب بسبب ذلك بعيداً عن استشعار جلال الله وعظمته، وقدره حق قدره، ولا جرم فإن ذكر الله كلام تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، بيد أن الناس مما ألفوا منه، وما جهلوا من معناه لا يرددونه، إلا كما يرددون كلاماً تقليدياً، لا يعدو كونه تمتمات، يلوك بها المرء لسانه، قد طغت على معالمه بسبب الألفة والاعتياد المتجرد عن الامتثال لله سبحانه؛ ولذا فإن من المناسب جداً أن نشير على عجالة واقتضاب شديدين إلى معاني تلك الكلمات الأربع:
стр. 195
معنى سبحان الله
فأولهن (سبحان الله) : والتي معناها: التنزيه والإعلاء والتقديس للباري جل وعلا بكل ما لا يليق بقدره، فيسبح الله عن كل شرك، أو عبودية لغيره، ويسبح الله عن أن يوصف بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال.
وتسبيح الله -أيها المسلمون- ليس مقتصراً على جانب التنزيه فحسب، وإنما هو مرتبط كذلك ارتباطاً وثيقاً بجانب الخشية من الله، كأن المرء يراه، وإنه إن لم يكن يراه فإن ربه يراه، فلا ينبغي أن يصدر من العبد ما لا يرضى به ربه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأن المرء المسلم إذا نأى بنفسه عن أن يقع في زلة أو هفوة، بسبب تسبيحه لله، فهو ممن أدى حق الخشية والتنزيه والإعلاء.
ألا تسمعون قول البارئ جلَّ وعلا يصف أحاديث الإفك المفترى، على أم المؤمنين عائشة ﵂: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] .
إن المرء المسلم ليربأ بنفسه عن أن يكون مقوالاً مهذاراً لكل ما يرد إليه لا تحكمه أناة، ولا يردعه خشية، ولا يكفكفه عقل، ويكفيه كذباً أن يحدث بكل ما سمع، وإن الذين يرمون الأبرياء بما ليس فيهم تحقيقاً لشهوات دنيئة ومآرب غير نقية، ما قدروا الله حق قدره، وما نزهوه وسبحوه كما يليق بجلاله.
وقولوا مثل ذلك -عباد الله- في الظن بالله جلَّ وعلا، إذ على المرء أن يعلم علم اليقين، أن الله خلق كل شيء، فقدره تقديراً، وأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، وشقية أو سعيدة، وألا يبالي المرء أعطاه الناس أو منعوه، فإنما هم رسل الله في الرزق، يعطون من قدر الله أن يعطوه، ويمنعون من قدر الله أن يمنعوه، وما على المرء المسلم إلا أن يتوكل على الله كما تتوكل الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً، فتوكل على الحي الذي لا يموت، وسبح بحمده.
وليس بخافٍ عليكم -أيها المسلمون- ما حكاه الله عن أصحاب الجنة في سورة نون ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم:٢٣-٢٩] .
стр. 196
معنى الحمد لله
الكلمة الثانية -رحمكم الله- هي كلمة الحمد، (الحمد لله) إنها كلمة لها شعبتان من المعاني: شعبة تتصل بتمجيد الله وكشف الران والجهل الذي يغشى القلوب، فلا تعرف حق الله من المدح والثناء، والحمد في هذه الشعبة، يذكر في السراء والضراء، فالله جل شأنه يحمد في البلاء كما يحمد على النعماء، ويدل على ذلك أن الله جلَّ شأنه إذا أودع أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، تأتي عبارة الحمد من الملائكة على هذا القضاء بين فريق الجنة وفريق السعير، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] .
يقول النبي ﷺ : ﴿إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم.
فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم.
فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد﴾ رواه أحمد والترمذي.
وأما شعبة الحمد الثانية: فهي معنى (الشكر) في مقابل السراء والنعم التي تنهمر على العباد صباح مساء دون أن تحصى أو تعد، بيد أن كثيراً من الناس يعمهم قوله سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] .
يقول النبي ﷺ منبهاً إلى نعمة الشكر المنسية وفضلها المجحود فيما رواه أبو داود وابن حبان: ﴿من قال حين يُصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم﴾ .
اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك مثنين بها عليك، قابليها وأتمها علينا ياذا الجلال والإكرام، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 197
معنى لا إله إلا الله
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والشكر له على كرمه ومنته وتتابع الهبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتين نلقى الله بهما عند الممات وجمع الرفات، وأصلي وأسلم على أشرف خلقه وآله وصحبه.
أما بعد:
فثالث الكلمات الأربع -عباد الله- هي كلمة التوحيد والإخلاص: ﴿لا إله إلا الله﴾ ، والتي هي باب الإسلام، ومدخله مع ضميمتها الأخرى، وهي: (محمد رسول الله) إذ لا يتم إيمان عبدٍ إلا بتحقيق كلمة التوحيد، بمعنى: أن تجمع نفياً وإثباتاً، نفياً لكل ما يعبد من دون الله، وإثباتاً لعبادة الله وحده، ومعنى الكلمة: أنه لا معبود بحق إلا الله.
إذ أن ما سواه من معبودات أو متبوعات، لا تستحق العبادة، بل هي كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] ، وفي صحيح مسلم، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم دمه وماله وحسابه على الله ﴾ فالتوحيد والشرك نقيضان لا يجتمعان في قلب امرئ مسلم ألبتة، ومن أشرك بالله شيئاً فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
غير أنه قد يقول قائل: أين نحن من عبادة الأصنام والأوثان، لا نعلم أحداً يعبد حجراً أو يصلي إلى صنم؟
ف
الجواب
إن من ظن أن الشرك بالله لا يكون إلا بذلك، فقد أخطأ الطريق، لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] .
والإيمان بالله والكفر بالطاغوت هو معنى لا إله إلا الله، والطاغوت قال عنه ابن القيم ﵀: إنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم، من يتحاكمون إليه من دون الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما ليس طاعة لله ورسوله، ومن هنا أزال النبي ﷺ الإشكال، الوارد على عدي بن حاتم ﵁ عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] .
قال عدي: ﴿يا رسول الله! لسنا نعبدهم، قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى، قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم﴾ رواه الترمذي والبيهقي.
وحاصل فضل هذه الكلمة -عباد الله- قول النبي ﷺ فيما رواه الترمذي والنسائي: ﴿أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: لا إله إلا الله﴾ .
стр. 198
معنى الله أكبر
أما رابع الكلمات -يا رعاكم الله- فهي كلمة التكبير (الله أكبر) التي هي رأس التكبير وعماده، وهي أول ما كلف به الرسول ﷺ حين أمر بالإنذار فقال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١-٣] إنها كلمة عظيمة، تحيي موات الأرض الهامدة، لصوتها هدير كهدير البحر المتلاطم أو هي أشد وقعاً، ولا غرو -أيها المسلمون- فإن شئتم فاسمعوا قول النبي ﷺ عن فتح القسطنطينية في آخر الزمان، يقول ﷺ : ﴿فإذا جاءوها، نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر فيسقط أحد جانبيها، ثم يقول الثانية، لا إله إلا الله، والله أكبر فيسقط جانبها الآخر ثم يقول الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا﴾ الحديث رواه مسلم.
فيا لله! ما أعظم هذه الكلمة وما أبلغها! إنها كلمة ينبغي أن تدوي في سمع كل فاسق مفسد، ليرتجف فؤاده، ويهتز كيانه، وينبغي أن تدوي في سمع كل من يهم بمعصية أو إثم ليقشعر ويرتدع، وينبغي أن تدوي في سمع كل ظالم معتد متكبر ليتذكر إن كان من أهل الذكرى أن هناك إلهاً أقوى منه، وأكبر من حيلته ومكره واستخفافه، فالله أكبر، الله أكبر كبيراً.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك ومنك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وسلِّم الحجاج والمسافرين والمعتمرين في برك وبحرك وجوك يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 199
خطبة وصلاة الاستسقاء
إن الذنوب والخطايا هي السبب في عدم نزول الأمطار، وهي السبب في كل شر وبلاء، لذلك لابد من الإقلاع عنها حتى يرحمنا الله وينزل علينا الغيث، ولابد كذلك من توبة نصوح إلى الله تعالى كي يرحمنا ولا يؤاخذنا بما فعلنا.
стр. 200
التقوى جماع كل خير
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسبباً للمزيد من فضله، ودليلاً على آلائه وعظمته، أمره قضاء وحكمة، ورضاه أمان ورحمة، يقضي بعلمه، ويعفو بحلمه، نحمدك اللهم على ما تأخذ وتعطي، وعلى ما تعافي وتبتلي، الحمد لك يا رب! إذ لم تجعلنا ميتين ولا سقماء، ولا مضروبين على عروقنا بسوء، ولا مقطوعاً دابرنا، ولا مرتدين عن ديننا، ولا منكرين لربنا، ولا مستوحشين من إيماننا، ولا معذبين بعذاب الأمم من قبلنا، أصبحنا عبيداً مملوكين لك، لك الحجة علينا، ولا حجة لنا عليك، لا نقدر أن نأخذ إلا ما أعطيتنا، ولا أن نتقي إلا ما وقيتنا، نحمدك اللهم على آلائك، كما نحمدك على بلائك، شرنا إليك صاعد، وخيرك إلينا نازل، نستعين بك اللهم على هذه النفوس في البطاء عما أمرت به، والسراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفرك اللهم مما أحاط به علمك، وأحصيته في كتابك، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان القول وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يرجح ميزان ترفعان عنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأتقياء البررة، وعلى من سار على طريقهم واقتفى أثرهم إلى يوم المعاد.
نستغفر الله نستغفر الله نستغفر الله نستغفر الله اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهاراً.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، التي هي الزاد وبها المعاد، زاد مبلغ، ومعاد منجح، دعا إليها أسمع داع، ووعاها أفقه واع، فأسمع داعيها وفاز واعيها.
عباد الله: إن تقوى الله سبحانه حمت أولياء الله عن محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته استقربوا الأجل فبادروا العمل، وكذبوا الأمل ولاحظوا الأجل، ثم إن الدنيا دار فناء وعناء، وإن ملك الموت لموتر قوسه، لا تخطئ سهامه، ولا تنسى جراحه، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق، فإن الرجاء مع الجائي واليأس مع الماضي.
وإن من العناء -يا عباد الله- أن يجمع المرء ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله لا مالاً حمل، ولا بناءً نقل، فسبحان الله! ما أغر قصور الدنيا، وأظمأ ريها، وأضحى فيئها! فلا جاءٍ يرد، ولا ماض يرتد.
أيها الناس: إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، واعلموا -يا رعاكم الله- أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح؟ وكم من مزيد خاسر؟ ألا وإن الذي أُمرتم به أوسع من الذي نُهيتم عنه، وما أحل لكم أكثر مما حُرِّم عليكم، فذروا ما قلّ لما كثر، وما ضاق لما اتسع.
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
стр. 201
الثقة بالله تفرج الكرب
أيها الناس: إن خير ما ألقي في الضمائر يقينٌ بالله يرسخ في القلوب كالرواسي، وإيمان صادق بكفاية الله لعباده، يدفعهم إلى تقديم مرضاة ربهم على رضاء خلقه وعلى عبيده وعلى النقيض من ذلك! فئام من الناس ضَعُف فيهم اليقين بالله، فأرضوا الناس بسخط الله، وجاملوهم في معاصي الله، وتعلقوا بهم واشتغلوا عن ربهم رغبة منهم في نوال حطام الدنيا، أو خوفاً من سطوة ساط أو بغي باغ، فالحذر الحذر من مثل صنيع هؤلاء.
يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: [[إن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل وله إليه حاجة، فيقول له: أنت كيت وكيت، يثني عليه لعله أن يقضي من حاجته شيئاً، فيسخط الله عليه، فيرجع وما معه من دينه شيء]] ، ويقول حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: ﴿بايعنا رسول الله ﷺ على ألا نسأل الناس شيئاً﴾ رواه مسلم، حتى أن الرجل من الصحابة ليسقط سوطه من على راحلته فينزل فيأخذه لا يسأل أحداً أن يناوله إياه.
عباد الله! في أعقاب الزمن تتنكس الفطر، وتدرس معالم الشريعة كما يدرس وشي الثوب إلا ما شاء الله، وإنه ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، وإنكم ستعرفون من الناس وتنكرون حتى يأتي على الناس زمن ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله، حتى أصبح الكتاب والسنة في الناس وليس فيهم، ومعهم وليس معهم، فاجتمع أقوام على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، كأنهم أئمة كتاب وليس الكتاب إمامهم.
ألا فاعلموا -عباد الله- أن من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلاً هدي للتي هي أقوم، وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم، فإن رفعة الذين يعلمون عظمته أن يتواضعوا له، وسلامة الذين يعلمون قدرته أن يستسلموا له، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب، والبريء من ذي السقم، فالتمسوا الرشد -رعاكم الله- من عند أهله، فإنهم عيش العلم وموت الجهل، لا يخالفون الدين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] .
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.
стр. 202
قل هو من عند أنفسكم
أيها المسلمون! إن الله سبحانه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات؛ ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق ورحمة الخلق، فقال سبحانه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠-١٢] .
قرأها الفاروق ﵁ من على المنبر وهو يستسقي ثم قال: [[لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر]] فما لبعض الناس لا يرجون لله وقاراً، وقد خلقهم أطواراً.
فرحم الله امرأً استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيته روى البيهقي وابن ماجة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ﴿كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا بوجهه، وقال: يا معشر المهاجرين! خمس خصال أعوذ بالله أن تُدركوهن، ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما بأيدهم، وما لم يعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم﴾ .
يقول أبو هريرة ﵁: [[إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم]] ، وقال مجاهد ﵀: [[إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، تقول: هذا لشؤم معصية ابن آدم]] .
ألا فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن الأرض التي تحملكم، والسماء التي تُظلكم مطيعة لربكم فلا تمسكان بخلاً عليكم، ولا رجاء ما عندكم، ولا تجودان توجعاً لكم، ولا زلفى لديكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود الله مصالحكم فقامتا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] .
يقول عليّ بن أبي طالب ﵁: [[إنه ليس من عبدٍ إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢]] ] .
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهاراً.
стр. 203
تضرع ودعاء
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا خرجنا إليك من تحت البيوت والدور، وبعد انقطاع البهائم وجدب المراعي، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرت أرضنا، اللهم فارحم أنين الآنَّة، وحنين الحانَّة، اللهم اسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين اللهم إنا خرجنا إليك حين اعتركت على إخواننا مواقع القطر، وأغلبتهم مخايل الجوع، فكنت رجاء المبتئس والمجير للملتمس، اللهم انشر علينا وعليهم رحمتك من السحاب، سحاً وابلاً، غدقاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مجللاً، نافعاً غير ضار اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتحيي به ما قد مات، وترد به ما قد فات، وتأنس به الضعيف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك اللهم سقيا هنيئة! تروى بها القيعان، وتسيل البطان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار.
اللهم إنا نسألك ألا تردنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد.
عباد الله: اعلموا أنه يُسن في مثل هذا الموطن أن تقلبوا أرديتكم، اقتداءً بفعل نبيكم ﷺ ، فقد حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه تفاؤلاً بتحويل الحال عما هي عليه من الشدة إلى الرخاء ونزول الغيث وادعوا ربكم وأنتم موقنون بالإجابة.
وصلوا وسلموا على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.
نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، وأمددنا بأموال وبنين، واجعل لنا جنات واجعل لنا أنهاراً.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 204
وحدة الأمة
إن الناظر في حال الأمة المحمدية المعاصر ليجد أشياء وعجائب يندى لها الجبين، من ذلة بعد عزة، وبدعة بعد سنة، وتخاذل بعد نصرة، وتشرذم وتفرق بعد وحدة وجماعة؛ وما ذلك إلا بسبب تركهم كتاب الله وراءهم ظهرياً، وتخليهم عن آداب وتعاليم الإسلام، واقتدائهم بالغرب وتعاليمهم وأخلاقهم، والرضا بذلك الدون والهوان والذلة والصغار ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
стр. 205
الدنيا وتأثيرها في المجتمع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] .
أما بعد:
فيا أيها الناس: في دنيانا المحيطة بنا أمثلة وضروب تتلون وتتجدد، ثم إن بعضها يتبع بعضاً على وجه المطالبة الحثيثة بحيث إن النفوس المؤمنة تستمرئها بسبب تتابعها رويداً رويداً حتى تألفها فلا تكاد تتحول عنها، وهذه الأمور -عباد الله- إنما هي نماذج لأحزان وأشجان وقروحٍ تمس بلاد الإسلام حسية ومعنوية، مما يجعلها سبباً لكثير من الناس في أن يسعوا جاهدين على إزالة همومهم وغمومهم بشيء من الكيوف الموقوتة، والسراب الخادع، من كل ما هو من زخرف الدنيا وزينتها، والذي يجب على المسلمين جملة ألا يغتروا بما يرونه من زخرف الحياة الدنيا وزينتها في أمة تقطعت روابطها وانفصمت عراها قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] .
من أجل الدنيا وزينتها يغش التجار ويطففون، ومن أجل الدنيا يتجبر الرفعاء ويستكبرون، ومن أجل الدنيا وزخرفها يروج الصحفي بقلمه الكذب والزور، ويخفي الحقائق وهي أوضح من فلق الصبح، ومن أجل الدنيا يصبح المرء مسلماً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا مقيت.
كل الناس على هذه البسيطة يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو نفسه فموبقها، من مترفٍ مبطون يأكل ولا يشبع، داؤه العضال هو: أن تذكره بذوي المسغبة أو المسكنة أو المصاب الجلل من بني ملته، ومن قارونيٍ يجمع ويجمع ثم يأخذ ويمنع، ومصابه الجلل في أن تحثه على الإنفاق في سبيل الله جهاداً ودعوة وصدقة، ومن شباب وفتياتٍ دعوا إلى الفضيلة فأبوا، ونودوا إلى صيانة النفس فتمردوا، وألقوا ثيابهم لكل قادمٍ ناهب، وكشفوا أوعيتهم لكل سبع والغ.
والحق -عباد الله- أن هذا الانطلاق المحموم في مهام الحياة ودروبها أفراداً ومجتمعاتٍ دون اكتراثٍ بما كان ويكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة؛ الحق أن ذلك نذير شؤم والعياذ بالله، وقد عده الله سبحانه سمة من سمات المنافقين الذين لا كياسة لديهم ولا يقين لهم قال تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] .
أيها المسلمون: في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وفي لهيب الشمس وسموم الحر يستطلب الظل وتستجلب النفحات، وما أروع العدل حين يطغى الجور، والإنصاف حين يعلو الغمط، والوقوف مع النفس في مكاشفة ومصارحة في عصرٍ غلبت عليه المجاملات والرتابة، والفرقة والوحشة والتنافر بين النفوس شذر مذر.
ومن هنا يأتي الحديث ضرورياً عن الوحدة والاجتماع والتآلف والتآخي والتناصر والتكاتف في عصرٍ كثرت فيه الموجعات وقلت فيه الرادعات ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 206
أهمية وحدة الأمة وأسس روابطها
أيها المسلمون! لطالما تحدث المتحدثون، وهتف الهاتفون من أمة الإسلام بأنه يجب أن تكون هناك وحدة قوية راسخة الأسس شامخة المعالم تطال أمة الإسلام طراً، حتى تكون بعد ذلك صخراً صلباً تتحطم أمامه أمواج الضعف وتتخاذل، وهذه الدعوة في حقيقتها ليست مستحيلة ولا ضرباً من التخييل أو نزوة من أحلام اليقظة، كلا.
عباد الله! فلو كان الأمر كذلك لما حض الباري جل شأنه عباده المؤمنين على أن يكونوا إخوة في الله، متناصرين متعاونين، تجمعهم كلمة واحدة ورابطة واحدة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ولما حرض رسول الله ﷺ على أن يتلاحم المسلمون ويكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، غير أن السؤال الذي قد يشغل بال الكثيرين هو كيف نبني هذه الوحدة؟
وعلى أي أساس يجب أن تنهض ليشتد عودها ويستقيم ظلها، أتقام هذه الوحدة على أساس من اللغة؟
لا؛ فاللغة وحدها غير كافية إذ قد يكتنفها مسلمٌ وكافر، فضلاً عن أنه لم يكن اللسان يوماً ما هو سبيل الاتحاد والوحدة، فكم هم الذين يتكلمون بلغتنا ومن بني جلدتنا وهم في الحقيقة شياطين في جثمان أنس، كما وصفهم النبي ﷺ بذلك عند مسلم في صحيحه.
أفتقام إذاً هذه الوحدة على أساس من الجنس؟
كلا؛ فالجنس وحده ليس معياراً يعتمد عليه أو يجعل تكئة للإتلاف العميق، فالإسلام لا يقيم للجنس في تقديره وزناً، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وإن كان لهم من أصلهم نسبٌ يفاخرون به فإنه لا يعدو كونه الطين والماء: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
إذاً على ماذا تقام هذه الوحدة وبأي شيء تكمل؟
إنها لا تقوم حقيقة إلا على أساس يجمع الأرواح قبل أن يجمع الأشباح، ويقنع العقول إثر سيطرته على القلوب، ويؤلف بين الرغبات والأهواء كما يؤلف بين النبات والماء، هذا الأساس بكله هو عقيدة الإيمان المستقرة في الخواطر والصدور، وملة الإسلام التي تظل أبناءها جميعاً ليتفيئوا ظلالها بلواء العلي الغفار: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] .
إنه يجب علينا جميعاً أن نؤمن بأن الدعوة للوحدة ليست عصبية أو جنسية أو إقليمية أو تأليباً على الشر أو اعتزاماً للبطش والعدوان، بل هي الوحدة المؤمنة العادلة التي يلزمها أن تقوم للناس بالحق والقسط، والدين الإسلامي هو أقوى وترٍ حساسٍ في نفوس المؤمنين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وتباين أقطارهم وبلدانهم، ولن تجتمع كلمتهم يوماً ما دون أن تؤسلم قضاياهم وتحدد معاييرها من خلال الإطار الإسلامي الخالد والإسلام بحقيقته ليس إلا.
والإسلام في حقيقة أمره إنما انطلق في وحدته من خلال توحيد الخالق : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢] ووحدة الرسول ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ووحدة الدين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ووحدة الكتاب: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ووحدة القبلة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ووحدة الأمة: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢] هذه هي معايير الوحدة الحقة، وأي وحدة سواها فهي كالظئر المستأجرة أو النائحة المزورة.
стр. 207
مكملات الوحدة وحقيقتها
عباد الله: إن من مكملات الوحدة وتداعياتها نصرة الأخ المسلم وخوض ميدان دعمه حال اشتباكه مع قوى الباطل في معركة موصولة الكر والفر، ولا يحصل مثل ذلك إلا بترويض النفس على شيء من المجاهدة والمثابرة، وحمل هم الإسلام لنضمن شيئاً من الكفاية ونتقي الفضول، ولنكون أعون شيءٍ على رفع مستوى الثغور والجبهات لأمة الإسلام، وتوفير العزة إرضاءً لله سبحانه، فإنه ولا شك لا يتفق طمعٌ في الدنيا وانتصار للمثل العليا، كما أنهما لا ينسجمان ألبتة: حرص على إعلاء كلمة الله، وحرص على تكثير المغانم والعب منها، مع استرضاء الخلائق واستفزازهم بالخور والجبن.
وهنا التفاتة سريعة إلى دنيا الناس في مجملها تجاه النصرة والخذلان والرفعة والدون، فإنها يمكن أن تصور لنا الناس كحال رجلين اثنين، إما رجلٌ له مالٌ وبنون طال أجله وأدبر شبابه، وكان واجباً عليه أن يتهيأ للآخرة بزادٍ حسن، ومثله لو قتل في سبيل الله، فإنه لم يترك وراءه شيءٌ يخاف عليه الضيعة لا الزوجة العجوز ولا الأولاد الكبار، ومع هذا فهو أشبه ما يكون بشيطانٍ أخرس أو ناطقٍ يفرق من كلمة حق، ويوجل من موقف شرف، ويتشبث بأذيال الحياة طلباً للمزيد بنهمٍ وسعار.
وفي المقابل: مثل شباب لهم آمال وتعتريهم صبواتٌ أيما صبوات، ولهم أحمال وعليهم أعباء، ومثلهم لو توثقت علائقهم بالدنيا أو قهرتهم الصبوة بكلكلها لما كان في سيرتهم كبير عجبٍ، ومع هذا كله يذهلون عن الدنيا المقبلة، ويتركون ذرية ضعافاً خافوا عليهم، ويقبلون على نصرة دين الله بنبلٍ وجلال، هذان مثلان مضروبان يمكن تنزيلهما في واقع الناس على كافة المحاور شعوباً وحكوماتٍ وأفراداً كلاً بحسبه.
стр. 208
مظاهر عزة الإسلام في فلسطين
ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر، فإن المؤمن الصادق لا يمل كثرة الحديث عن ثالث المسجدين وعن مسرى رسول الله ﷺ عن فلسطين الأبية؛ لأنها اليوم تعد نقطة الارتكاز في ميدان القضية الإسلامية والجهاد الإسلامي.
وقضيتها حديث القضايا الإسلامية، وساحتها محطة انتحارٍ وكشفٍ لقوة المسلمين وغيرتهم على دينهم وأوطانهم وحرماتهم، فهي أرض المسلمين، ولا تصلح إلا للمسلمين، أرض أظهرت صور رجالها البواسل حينما أخرجت العالم من مكتبه، والعامل من معمله، واستنجدت المرأة في بيتها، والطفل في مدرسته، أمسوا على وهج النار، وأصبحوا على دخان البارود إنهم يدافعون عن دينهم وكرامتهم، إنهم يسوقون في وجوه الغاصبين شباباً أنضر من الزهر، وأبهى من الوضاءة، وأثبت من الجبل، وأمضى من العاصفة، إنهم يكافحون بشيوخٍ لهم حماسة الشباب، وشبابٍ لهم همة الشيوخ، ونساء لهم قوة الرجال، وصغار لهم عزائم الكبار، ولأن هلك منهم فوجٌ ليأتون بأفواج، ولأن صبر مغتصبهم يوماً ما ليرمونه بأيام.
إن من يستشعر مثل هذا ليس له منطلق إلا الإسلام، فإنه سيوقن ولا ريب أن المسلمين أصحاب دين لا يموت ولا ينبغي له أن يموت مهما هبت الأعاصير وادلهمت الخطوب، وهو باقٍ خالد إلى قيام الساعة وعندما يشرئب أعداؤه أن تشيع جنازته، فإنهم سيصعقون ببزوغ شمسه من جديد.
стр. 209
علاقة القوة بانتصار الإسلام
كما أنه ينبغي علينا جميعاً أن ندرك جيداً بأن انتصار المسلمين وانكسارهم لا يرجع إلى قوة أعدائهم أو ضعفهم، وإنما الانتصار والانكسار في الحقيقة يعودان إلى الأمة الإسلامية نفسها، فإذا وحدت كلمتها ومن قبل ذلك وحدت ربها ولزمت أمره وأقامت حقه، فإنها منصورة لا محالة: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] .
والقلة والكثرة ليست هي المعيار الحقيقي؛ فقد انتصر المسلمون في بدر وهم قلة أذلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣] ثم هزموا في حنين وهم كثرة كاثرة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] .
والمسلمون -عباد الله- إنما ينتصرون إذا أحسنوا علاقتهم بالله وعزموا على نصرة دين الله، فإن من لا يعرف إلا الله لن يغلبه من لا يعرف الله، ومن لا يعرف إلا الحق لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت إن صواباً فمن الله وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 210
ضرورة الارتباط بالله سبحانه
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المتقين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس! إن العجب كل العجب أن تثقل النفس المؤمنة حتى لا تطلب رفعةً، أو تقنط حتى لا يكون لها أملٌُ، أما لو أيقن المسلمون أن لهذا الكون مدبراً عظيم القدرة، وأنه القاهر فوق عباده، تخضع كل قوةٍ لعظمته، وتدين كل سطوة لجبروته، وأن هذا القادر العظيم بيده مقاليد كل شيء يصرف عباده كيف يشاء لما أمكن مع ذلك أن يتحكم فيهم اليأس، أو تغتال آمالهم غائلة القنوط، فما على المسلمين إلا أن يتحقق بينهم روح الإخاء والتضامن في الدين، فيأخذ القوي بيد الضعيف، ويشد المقتدر من أجل العاجز، وترفع راية التوحيد المحضة، ويطرح التفاهم بإخلاص في الأمور مع الاعتماد على الله واللجوء إليه، مع بذل الأسباب المادية ومحض النصح للقيادة ابتغاء وجه الله، فدين الله وشرعه وإن ضعف فيه شخص المتقين المجاهدين فهو باقٍ خالد، وضعت فيه صفات المتقين، وخطط المجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
كما أن الواجب على المسلمين عامة أن يبحثوا في كل مظنة ضعف عن سبب قوةٍ، ولو أخلصوا في تلمس ذلك وطلبه لانقلب الضعف إلى قوة؛ لأن الضعف قد ينطوي على قوةٍِ مستورة يؤيدها الله بعنايته ورعايته، فإذا هي تهد الجبال وتحير الألباب: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الفتح:٧] .
سمع معاوية ﵁ أن رجلاً من خصمائه شرب عسلاً فيه سمٌ فمات فقال ﵁: إن لله جنوداً منها العسل.
كما أنه ينبغي علينا جميعاً أن نعترف بأخطائنا في الواقع والتي يتكاثر عدها ويستحيل حصرها والتي تخل بنظام السببية في النصر والتمكين، وأن يكون هذا الطرح بصورة صريحة في واقعنا عبر كافة الوسائل المتاحة دون اقتراف خياناتٍ قاتلة من ذوي الأقلام المؤثرة والألسن المستميلة، في حق دينهم وأمتهم بتجاهل تلك القضايا المهمة، والتي بتجاهلها وغض الطرف عنها يؤخر يوم النصر ولا يقدم، فتقود إلى الغرق في بحر لجي من الخداع والتضليل، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
فهل يرتفع شعار الإسلام وترفرف رايته في تحليل القضايا الإسلامية؛ أم تبقى تحت الرايات العلمانية لنبلغ بها القاع والعياذ بالله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠-٤١] .
هذا وصلوا -رحمكم الله- على من أمركم الله بالصلاة عليه فقد قال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم سدد آراءهم وثبت أقدامهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم طهر بيتك المقدس من هؤلاء الأرجاس، اللهم خالف بين كلمتهم واجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم!
اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا وما قصرت عنه آمالنا وأعمالنا من الخيرات فبلغنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 211
قل هو من عند أنفسكم
تحدث الشيخ حفظه الله عن الخلل الذي أصاب المسلمين، والنكايات المتلاحقة التي لحقت بهم، وأوضح أن سبب ذلك يرجع بشكل رئيس إلى السبب النفسي (من عند أنفسكم) وأن الله تعالى لم يكن ليهلكنا ونحن مصلحون، وسرد عدة مفاهيم تعتبر غاية في الأهمية فيما يعانيه المسلمون اليوم على مختلف الأصعدة، ثم بين خطر المعصية وأنها سبب من أعظم أسباب الهزيمة.
стр. 212
أحوال المسلمين
الحمد لله القوي المتين، الملك الحق المبين، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما اتخذ صاحبة ولا ولداً، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أتى بالمحجة وأقام الحجة، وأشهد أمته على نفسه عام الحجة، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على طريقهم واقتفى.
أما بعد:-
فإن النصيحة المبذولة لي ولكم -عباد الله- هي تقوى الخالق جل شأنه، فهي عدة الصابرين، وذخيرة المجاهدين، وسلوان المصابين، ما خاب من اكتسى بها، ولا ندم من اكتنفها، بها النجاة في الأولى، والفوز في الأخرى، لا يسألكم الله رزقاً هو يرزقكم والعاقبة للتقوى.
أيها الناس: لعل المسلمين في ثنايا هذه العصور المتأخرة هم أكثر الناس آلاماً، وأوسعهم جراحاً، ولعل أرضهم وديارهم وأموالهم هي التي يستنسر بها البغاة، وتستأسد الحمر، والمسلمون مع ذلك يتجرعون هذه الجراحات في صياصيهم وهم لا يكادون يسيغونها.
ويحملون معها أثقالاً إلى أثقالهم.
إنهم يدعون إلى الاستكانة والاستجداء دعاءً، وتتقاذفهم مضارب الغالبين إلى أن يعترفوا بأن حقهم باطل، وباطل غيرهم حق يزج بهم في كل مضيق من أجل أن يقلبوا الحقائق، ويتقبلوا أضدادها على مضض حتى ينطق لسانهم بالرسم المغلوط، والفهم المقلوب، فتكون عبارتهم لعدوهم بلسان حالهم.
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم ونعتذر
стр. 213
أسباب الهزيمة
أيها المسلمون: إن المتأمل في هزائم المسلمين المتلاحقة، وضعفهم الحثيث، واستكانتهم المستحوذة عليهم أمام أعدائهم؛ يجد أنها لم تكن بدعاً من الأمر، ولا هي نتائج بلا مقدمات، ولم تكن قط قد قفزت هكذا طفرة دونما سبب، وإنما هي ثمرة خلل وفتوق في ميدان الأمة الإسلامية، وتقصير ملحوظ تجاه خالقها ورسولها ﷺ ودينها، وهذه الثغرات والفتوق هي التي أذكاها أعداء الإسلام بما يبثونه عبر سنين عديدة من المكر والخديعة، واللت والعجن منذ زمن على الإسلام والمسلمين.
وبسبب نقمتها هذه اختبأت وراء صور الاستعمار المتنوعة، تناولت من خلاله ما تشاء من الأساليب، فإذا احتاج الأمر إلى المكر لانت، وإذا احتاج الأمر إلى القسوة بطشت، وهي في لينها تبثُّ السمَّ في العسل، وفي شدتها تحترف الهمجية والجبروت، وهي في كلتا الحالتين لا تنام عن غايتها أبداً، ولو نامت بإحدى مقلتيها فإنها بالأخرى يقضانة ساهرة وهذا سر أسفنا المتصاعد يا عباد الله.
أيها المسلمون: إن الكثيرين منا ليتساءلون إثر كل بلية تحل بدار الإسلام ما السبب؟ وكيف؟ ولم؟ ومم؟ وعم؟ كل صور الاستفهام تتناثر صيحاتها في مسامعنا حيناً بعد آخر.
ولكن هل نجعل هذا التساؤل جديداً على أسماعنا؟ أم أن في أفئدتنا وما أعطانا الله من صلة بكتابه العزيز، ما يذكر بسؤال مماثل للرعيل الأول في أزمة هي من أشد الأزمات التي حلت بهم، ألا وهي هزيمتهم في معركة أحد، يندبون حالهم، ومن ثم يتساءلون فيقول الله عنهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] فيجيبهم الله بخمس كلمات لم ينسب ولا في كلمة واحدة سبب الهزيمة إلى جيش ولا إلى عدة، ولا إلى تحرف في قتال، وإنما قال لهم بصريح العبارة: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] .
يقول الله لهم ذلك؛ ليبين لهم ولمن بعدهم بوضوح أن خواتيم الصراعات والمدافعات بين الأمم على كافة الأصعدة لا يمكن أن تقع خبط عشواء، وإنما هي وفق مقدمات أثمرت النتيجة بعد استكمال أسبابها: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] .
стр. 214
الحكمة من الهزيمة
تقع الهزائم ليستيقظ الناس، وتتوالى الضربات لتحل المحاسبة محل النفس، ويتضح مثل هذا بما أتبع الله الآية بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران:١٦٦-١٦٧] .
لقد كتب الله سبحانه على نفسه النصر لرسله وأوليائه، فقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] .
ولكن الله سبحانه علق هذا النصر بتحقيق الإيمان في القلوب واستيفاء مقتضاياته في كل مناحي الحياة، وهذه هي سنة الله في النصر، وسنة الله لا تحابي أحداً، وحين تقصر الأمة وتفرط فعليها أن تقبل النتيجة المرة؛ لأنها مع كونها مسلمة إلا أن ذلك لا يقتضي خرق السنن وإبطال النواميس.
стр. 215
إلقاء اللائمة على الغير
أيها المسلمون: إن على رأس الضعف الأصيل البعد عن تشخيص الأحداث بصورتها الحقيقية، مع الاكتفاء بمجرد التلاوم، وإلقاء التبعة على الغير، فعامة الناس يلقون باللائمة على العلماء والمصلحين والمثقفين، وهؤلاء بدورهم يلقون باللائمة على الساسة والقادة الآخرين، وما القادة، والساسة، والعلماء، والمصلحون، والعامة إلا جزء من كل، ولا استقلال في اللوم لصنف دون آخر، وإلا كان جرماً واستكباراً وخروجاً عن الواقعية، فرسول الله ﷺ يقول: ﴿كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته﴾ .
ثم إن المنصف الحذق يلمح من خلال هذا التلاوم المشترك أنه ليس في الحقيقة أحد ملوم، إذ كل يلقيه على الآخر؛ فيلزم من ذلك الدور، وهو ممنوع عند جميع العقلاء.
ورحم الله مالك بن دينار حينما وعظ أصحابه موعظة وجلوا منها، وارتفع بكاؤهم، وبينما هم كذلك إذ فقد مصحفه الذي بين يديه، فالتفت إليهم وقال: ويحكم تبكون جميعاً فمن الذي سرق المصحف إذاً؟!
следующие страницы →