← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قل هو من عند أنفسكم تحدث الشيخ حفظه الله عن الخلل الذي أصاب المسلمين، والنكايات المتلاحقة التي لحقت بهم، وأوضح أن سبب ذلك يرجع بشكل رئيس إلى السبب النفسي (من عند أنفسكم) وأن الله تعالى لم يكن ليهلكنا ونحن مصلحون، وسرد عدة مفاهيم تعتبر غاية في الأهمية فيما يعانيه المسلمون اليوم على مختلف الأصعدة، ثم بين خطر المعصية وأنها سبب من أعظم أسباب الهزيمة.

стр. 212

أحوال المسلمين الحمد لله القوي المتين، الملك الحق المبين، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما اتخذ صاحبة ولا ولداً، ليس له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أتى بالمحجة وأقام الحجة، وأشهد أمته على نفسه عام الحجة، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على طريقهم واقتفى. أما بعد:- فإن النصيحة المبذولة لي ولكم -عباد الله- هي تقوى الخالق جل شأنه، فهي عدة الصابرين، وذخيرة المجاهدين، وسلوان المصابين، ما خاب من اكتسى بها، ولا ندم من اكتنفها، بها النجاة في الأولى، والفوز في الأخرى، لا يسألكم الله رزقاً هو يرزقكم والعاقبة للتقوى. أيها الناس: لعل المسلمين في ثنايا هذه العصور المتأخرة هم أكثر الناس آلاماً، وأوسعهم جراحاً، ولعل أرضهم وديارهم وأموالهم هي التي يستنسر بها البغاة، وتستأسد الحمر، والمسلمون مع ذلك يتجرعون هذه الجراحات في صياصيهم وهم لا يكادون يسيغونها. ويحملون معها أثقالاً إلى أثقالهم. إنهم يدعون إلى الاستكانة والاستجداء دعاءً، وتتقاذفهم مضارب الغالبين إلى أن يعترفوا بأن حقهم باطل، وباطل غيرهم حق يزج بهم في كل مضيق من أجل أن يقلبوا الحقائق، ويتقبلوا أضدادها على مضض حتى ينطق لسانهم بالرسم المغلوط، والفهم المقلوب، فتكون عبارتهم لعدوهم بلسان حالهم. إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتخطئون فنأتيكم ونعتذر

стр. 213

أسباب الهزيمة أيها المسلمون: إن المتأمل في هزائم المسلمين المتلاحقة، وضعفهم الحثيث، واستكانتهم المستحوذة عليهم أمام أعدائهم؛ يجد أنها لم تكن بدعاً من الأمر، ولا هي نتائج بلا مقدمات، ولم تكن قط قد قفزت هكذا طفرة دونما سبب، وإنما هي ثمرة خلل وفتوق في ميدان الأمة الإسلامية، وتقصير ملحوظ تجاه خالقها ورسولها ﷺ ودينها، وهذه الثغرات والفتوق هي التي أذكاها أعداء الإسلام بما يبثونه عبر سنين عديدة من المكر والخديعة، واللت والعجن منذ زمن على الإسلام والمسلمين. وبسبب نقمتها هذه اختبأت وراء صور الاستعمار المتنوعة، تناولت من خلاله ما تشاء من الأساليب، فإذا احتاج الأمر إلى المكر لانت، وإذا احتاج الأمر إلى القسوة بطشت، وهي في لينها تبثُّ السمَّ في العسل، وفي شدتها تحترف الهمجية والجبروت، وهي في كلتا الحالتين لا تنام عن غايتها أبداً، ولو نامت بإحدى مقلتيها فإنها بالأخرى يقضانة ساهرة وهذا سر أسفنا المتصاعد يا عباد الله. أيها المسلمون: إن الكثيرين منا ليتساءلون إثر كل بلية تحل بدار الإسلام ما السبب؟ وكيف؟ ولم؟ ومم؟ وعم؟ كل صور الاستفهام تتناثر صيحاتها في مسامعنا حيناً بعد آخر. ولكن هل نجعل هذا التساؤل جديداً على أسماعنا؟ أم أن في أفئدتنا وما أعطانا الله من صلة بكتابه العزيز، ما يذكر بسؤال مماثل للرعيل الأول في أزمة هي من أشد الأزمات التي حلت بهم، ألا وهي هزيمتهم في معركة أحد، يندبون حالهم، ومن ثم يتساءلون فيقول الله عنهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران:١٦٥] فيجيبهم الله بخمس كلمات لم ينسب ولا في كلمة واحدة سبب الهزيمة إلى جيش ولا إلى عدة، ولا إلى تحرف في قتال، وإنما قال لهم بصريح العبارة: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] . يقول الله لهم ذلك؛ ليبين لهم ولمن بعدهم بوضوح أن خواتيم الصراعات والمدافعات بين الأمم على كافة الأصعدة لا يمكن أن تقع خبط عشواء، وإنما هي وفق مقدمات أثمرت النتيجة بعد استكمال أسبابها: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] .

стр. 214

الحكمة من الهزيمة تقع الهزائم ليستيقظ الناس، وتتوالى الضربات لتحل المحاسبة محل النفس، ويتضح مثل هذا بما أتبع الله الآية بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران:١٦٦-١٦٧] . لقد كتب الله سبحانه على نفسه النصر لرسله وأوليائه، فقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] . ولكن الله سبحانه علق هذا النصر بتحقيق الإيمان في القلوب واستيفاء مقتضاياته في كل مناحي الحياة، وهذه هي سنة الله في النصر، وسنة الله لا تحابي أحداً، وحين تقصر الأمة وتفرط فعليها أن تقبل النتيجة المرة؛ لأنها مع كونها مسلمة إلا أن ذلك لا يقتضي خرق السنن وإبطال النواميس.

стр. 215

إلقاء اللائمة على الغير أيها المسلمون: إن على رأس الضعف الأصيل البعد عن تشخيص الأحداث بصورتها الحقيقية، مع الاكتفاء بمجرد التلاوم، وإلقاء التبعة على الغير، فعامة الناس يلقون باللائمة على العلماء والمصلحين والمثقفين، وهؤلاء بدورهم يلقون باللائمة على الساسة والقادة الآخرين، وما القادة، والساسة، والعلماء، والمصلحون، والعامة إلا جزء من كل، ولا استقلال في اللوم لصنف دون آخر، وإلا كان جرماً واستكباراً وخروجاً عن الواقعية، فرسول الله ﷺ يقول: ﴿كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته﴾ . ثم إن المنصف الحذق يلمح من خلال هذا التلاوم المشترك أنه ليس في الحقيقة أحد ملوم، إذ كل يلقيه على الآخر؛ فيلزم من ذلك الدور، وهو ممنوع عند جميع العقلاء. ورحم الله مالك بن دينار حينما وعظ أصحابه موعظة وجلوا منها، وارتفع بكاؤهم، وبينما هم كذلك إذ فقد مصحفه الذي بين يديه، فالتفت إليهم وقال: ويحكم تبكون جميعاً فمن الذي سرق المصحف إذاً؟!

стр. 216

مفاهيم لتشخيص الداء واستجلاب الدواء عباد الله: لأجل أن نصل إلى حال راقية من المكاشفة والوضوح في الطرح، ولأجل أن نحسن تشخيص الداء، لنستجلب الدواء؛ فإن ثمة مفاهيم ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا طرفة عين، حتى نصل إلى المقصود، ويتَّحد الهدف.

стр. 217

الناس إن لم يجمعهم الحق شعبهم الباطل فمن هذه المفاهيم: أن الناس إن لم يجمعهم الحق شعبهم الباطل، وإذا لم توحدهم عبادة الرحمان، فرقتهم غواية الشيطان، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة اجتالهم متاع الدنيا، فتخاصموا عليها، ولو غلغلنا النظر في كثير من الابتسامات لرأينا حب الدنيا والأثرة العمياء تكمن وراء هذه الحزازات، وهذا هو سر الوهن العظيم الذي سئل عنه النبي ﷺ حين قال: ﴿وليقذفن الله في قلوبكم الوهن قيل: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت﴾ . ويظهر هذا الأمر جلياً في سبب من أسباب هزيمة المسلمين في أحد حيث يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] . يقول ابن مسعود ﵁: [[والله ما علمت أن معنا في أحد من كان يريد الدنيا إلا لما نزلت هذه الآية]] ولأجل هذا -يا عباد الله- كانت هذه الهزيمة، حينما لم يستجب أقوام منهم لوصية الله ﵎ في أول عظة للمسلمين، بعدما انتصروا في معركة بدر، بأن يوحدوا صفوفهم، ويلموا شملهم، حيث قال سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١] . أنزل الله عليهم هذه الآية ليقطع على النفس مطامع الدنيا، وغلبة حب الغنيمة على حب نصر دين الله ورفعته.

стр. 218

منطق الأعداء واحد ومن المفاهيم التي يجب أن تعرف: هو أن منطق الأعداء الحاقدين واحد، وهو برمته ليس جديداً على الساحة العامة، كما أن قلب الحقائق وتشويه صورة المسلمين ليست هي بدعة العصر الحديث، فمنطق المجرمين واحد، ولو تطاولت القرون، وإن شئتم -يا رعاكم الله- فاسمعوا قول فرعون عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] . هذا هو منطق فرعون الأول، يُظهر غيرته على دين الناس وأمنهم، فهو يخاف عليهم من إفساد موسى في الأرض، فيقرر أن موسى يرهب أهل الأرض جميعاً فهو لا يستحق البقاء هذا هو منطق فرعون الأمس، وهاهو التاريخ يعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة! فهل يتعظ المسلمون ويقولون من بعد ذلك: ﴿أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] . إن استجابة النفس للدعاوى الأفاكة، والاستسلام لشيوعها، والتي تصل بسبب قوة طرحها والتأثير الإعلامي لها إلى درجة الرضا بها، والقبول لها، ومن ثم يتحول الافتراء إلى حقيقة مسلَّمة، وواقع لا مماراة فيه، ولنضرب مثالاً على هذا فنقول: نحن نعلم أن حقوق المسلمين ودماءهم في أقطار كثيرة تهدر وترخص، حتى لو داهمهم مغتصب، والتوت عليهم يد معتد، فأبدوا مقاومة واهنة أمام المغير عليهم، ودفعوا براحاتهم أفتك أنواع السلاح، وارتفعت صيحات وشنشنات أخزمية تقول: المسلمون معتدون، المسلمون إرهابيون، ومن ثم يكون هذا، تبريراً للدبابات والمجنزرات أن تصب جام غضبها على أمة لا تملك إلا الحجارة. ويبدو أن مثل هذا الإفك لا ينقطع أبداً، وأن الإصرار بأن المسلمين إرهابيون أكذوبة كبرى، فهي كما يقول علماء النفس: نوع من الإسقاط الذي يدفع المرء إلى اتهام غيره بما في نفسه هو من شر. وقديماً قيل: كل إناء بما فيه ينضح. ومع ذلك كله تصاب أمة الإسلام بصدمة عنيفة من قبل آراء عالمية تصف المالك الطريد إرهابياً لا حق له، وتجعل اللص الغالب ربَّ بيت محترماً، ثم بعد ذلك يقول المسلمون: ﴿أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] .

стр. 219

الحذر من المنافقين المفهوم الثالث: يتجلى في الحذر من المغرضين ومن بني جلدة المسلمين، والذين يعرفون في لحن القول والله يعلم إسرارهم، هم سر في ضعف المسلمين، وثغرةٌ صارخةٌ في صفوفهم، يعدُّ أمثالهم في دول كبرى طابوراً خامساً حسب قواميسهم، فهم يتقونهم في مجتمعاتهم وبكل ما يملكون من سبل، وإن معرفة مثل هؤلاء والوقاية منهم سبب رئيس في تحصيل القوة والبعد عن الهزيمة، وعلينا أن نعلم جميعاً أن الله فعل ما فعل بالمسلمين في أحد لحكم ظاهرة، منها: قوله جل وعلا: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران:١٦٧] .

стр. 220

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ومفهومٌ رابع عظيم: وهو أن تغير هذا الواقع المرير إلى واقع رفيع مرهون ولا شك بتغير واقع الناس أنفسهم، وهذا يعني -بداهة- أنه متى دب الضعف، وتأخر النصر؛ فإن هناك أسباباً تؤخره بلا ريب، ورأس هذه الأسباب: هو أن الباحثين عن نصر الله وتغير حالهم لم يغيروا ما بأنفسهم، ولذلك كان الغنم بالغنم، والغرم بالغرم، والله جل شأنه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم

стр. 221

المعصية وأثرها في الهزيمة الحمد لله الكبير المتعال، له الحمد على كل حال، وله الشكر بالغدو والآصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شديد المحال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المفضال، صاحب النوال، وسديد المقال، صلى الله عليه وعلى آله وأصاحبه وإخوانه والآل. أما بعد:- فاتقوا الله أيها المسلمون! واعلموا أن ثمة مفهوماً مهماً ينبغي ألا يغفل عنه، لأنه لبٌّ في الموضوع، وعمود ارتكاز في التصحيح، ألا وهو المعصية وما لها من أثر وشؤم وموقع عظيم في تحديد معايير النصر والهزيمة. وإن من يلقي النظر على غزوة أحد، وإلى السبب الرئيسي للهزيمة؛ يجد أنه يكمن في المعصية، والتي تلقى المسلمون بسببها لطمة موجعة أفقدتهم من رجالهم سبعين بطلاً، على رأسهم سيد الشهداء حمزة رضي الله تعالى عنه فردتهم الهزيمة إلى المدينة، وهم يعانون الأمرّين من جرائها وشماتة كفار قريش. وإن تعجبوا يا عباد الله! فعجب أمر هذه المعصية في أحد! إنها لم تكن في فشو زناً بينهم، ولا في احتساء خمرة مسكرة، ولم تكن في إقصاء شريعة وتحكيم قوانين خارجة عنها، ولا في فساد امرأة أو انحراف شباب، بل إنهم خرجوا إلى أحد ومعهم إيمانهم بالله، وحبهم لرسوله ﷺ ، ودفاعهم عن الحق، وطلبهم رفعة الدين ونصرته. وكل ذلك في الواقع يرشحهم بأقوى أنواع الترشيح في أن ينتصروا ولا يهزموا، ولكن يبلو الله المؤمنين في أحد فينزل الرماة عن الجبل، لا لقصد عصيان الرسول ﷺ ، ولكن لما رأوه من الانتصار للمسلمين، فخاف بعضهم فوات حظه من الغنائم، ثم كانت الكارثة هزيمة موجعة فاجعة مهولة، وأثابهم الله غماً بغم، وكسرت رباعية الرسول ﷺ ، وشج رأسه، وقتل سبعون شهيداً. فالله أكبر ما أعظم أثر المعصية على واقع المسلمين! حتى في أحلك الظروف. تلك هي معصيتهم فما هي معاصينا إذاً؟ إنه لسؤال صعب والجواب عليه أشد من لعق الصبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم﴾ رواه أحمد وغيره. إن شؤم المعصية يعم مهما قل حجمه، أو ضعف الاكتراث به، إنه يمحق البركة، ويفسد العمل، ولو كان جهاداً في سبيل الله. دخلت العالية امرأة أبي إسحاق السبيعي على عائشة ﵂، ودخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: [[يا أم المؤمنين! إني بعت غلاماً من زيد بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقداً فقالت لها عائشة رضي الله تعالى عنها: بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل، إلا أن يتوب]] رواه الدارقطني بسند جيد. فرحماك يا رب رحماك! ولا حول ولا قوة لنا إلا بك! هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال عز من قائل عليماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان. اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم اجعل شأنهم في سفال، وأمرهم في وبال، واجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 222

مفاهيم رمضانية في شهر الحكم الربانية، والتجليات الروحانية، يجدر بالمؤمن الحق أن يستغل أوقاته، فإن هذا الشهر فرصة سانحة للاستثمار، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران. وإذا كان هذا الشهر الكريم مرتبطاً ببطولات وأمجاد تعلقت في ذاكرة الأجيال؛ فعلى أبناء هذه الأمة ألا يكتفوا بالتذكر والتمني، بل يبذلوا الأسباب والأثمان، فإن سلعة الله غالية. وقد تضمنت هذه الخطبة بالإضافة إلى ذلك تحذيرات من اللهو وتضييع الأوقات في هذا الشهر الكريم سواءً بمشاهدة البرامج المرئية، أو الجلوس في الطرقات، أو الانشغال بالأطعمة والأشربة.

стр. 223

العبادة في رمضان الحمد لله المبدئ المعيد، الفعَّال لما يريد، خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، لا يستأخرون عنها ساعة ولا يستقدمون، قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] ومشيئته تنفُذ لا مشيئة العباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] فله الحمد كله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣] وبيده الخير كله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من صلى وقام، وحج وصام، ونصح لله، وجاهد فيه حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، أولي العفاف والنُّهى، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيا أيها الناس: لا وصية مبذولة، ولا تذكير مقروء، يقرب إلى الله من تقواه سبحانه، فاتقوه وراقبوه على كل حال، واعبدوه كأنكم ترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] . أيها المسلمون: في شهر رمضان المبارك تتجلى أسرار خوالد، وتترادف حلقات حِكَم بواهِر، يَتَضَوَّأ بعضُها على بعض، بحيث لا يُمَل كثرةُ الحديث عنها، فلا تخْلَق جِدَّتُه، ولا يَبْلى ترجيعُه، ولا تُسْأَمُ سيرتُه، بل قد يحلو إذا أُعيد وتكرر، كما يحلو مذاق الشهد عند تكريره. ولأجل ذا -عباد الله- ما برحت النفوس المسلمة تشرئب لمثل هذه الإطلالة السنوية والتي تعم المدر والوبر ما عم الأجدَّان: الليل والنهار. فلا غروَ إذاً عباد الله، حين نسلط الضوء ولو قليلاًَ على ما نصحح به بعض مفاهيمنا أو رتابتنا مع شهر رمضان، وما نحيي به ما تراكم عليه غبار النسيان في النفوس، حين يتخذ كثير من الناس في هذا الشهر صورة تقليدية تحكمها حركة العادة، لا حركة العبادة. ففي هذا الشهر المبارك -عباد الله- تُشَدُّ النفوسُ إلى الدين والتديُّن، يذكرهم هذا الشهر بحق الله تعالى عليهم، تُشَمُّ رائحة التديُّن في أكثر من مجلس يُجلس فيه، يُحَث بإقبال الناس على العبادة والعمل الصالح، حتى إنهم يرفعون بذلك درجة الاستعداد لتغيير ما في النفوس، حتى يغير الله ما بهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] . يشعر الكثيرون في هذا الشهر المبارك بضرورة هذا الدين لهم، كضرورة الماء والهواء، ثم إن كل أمة تهمل أمر دينها، وتعطل كلمة الله في مجتمعها، فإنما تهمل أعظم طاقاتها، وتعطل أسباب فلاحها في الدنيا والآخرة. وكل أمة يُفْقَد التدين في مجتمعها، فلا جرم أن أمورها تضطرب، ويموج بعضُها في بعض، فيقلب الله عزها ذلاً، وأمنها خوفاً، وإحكامها فوضى. في شهر رمضان المبارك ترتفع معايير القوة لدى المرء المسلم؛ بحيث يصعب اهتزازه، إذا هو أحسن الإعداد فيه، وأدرك سراً عظيماً من أسرار هذا الشهر، قد تمثل في مثل قول النبي ﷺ : ﴿إذا دخل شهر رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النيران، وصُفِّدت الشياطين﴾ رواه البخاري ومسلم. يقول ابن القيم ﵀ معلقاً على هذا الحديث: لأن في الصوم تضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب. فالخشية إذاً كل الخشية -عباد الله- على أنفسٍ مسلمة لم تجعل للشيطان حساباً في واقعها، وباتت غير آبهة بمكره وألاعيبه، هو وجندُه من الجن والإنس: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] .

стр. 224

الشلل الأخلاقي إنه مما لا شك فيه أن النفوس المسلمة قد تكون معترفة بقابليتها لألاعيب الشيطان ومكره؛ لكونها غير معصومة؛ إلا أن بعض هذه النفوس قد اعتقد أهلها أنهم محميون ضد آثاره وإفساده، بعد أن كوَّنوا حولهم هالة زائفة من الاطمئنان لأحوالهم وأوضاعهم الرتيبة، مع الاكتفاء بظواهر طفيفة من الإسلام، حتى أمسوا وكأن ما يحملونه هو الإسلام فحسب، مما يحرمهم ولا شك من إصلاح أخطائهم من جهة، ومن الاستفادة من الصواب الذي يأتي به الخير من جهة أخرى. ألا إن هذا هو الشلل الأخلاقي بقضه وقضيضه، وهو الارتضاع من ثدي الهوى بعد الفطام، مع أن الرضاع إنما هو للطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، والذين يتضورون على مرارة الفطام. فلا جرم عباد الله! إذ الهوى مكايد، وكم من صنديد في غبار الحق اغتيل! كيف لا ورسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾ ؟! رواه البخاري ومسلم. إن الشعور الدائم بالتقصير هو الشعور الإيجابي المثمر الذي يدفع للعمل الآني واليومي، كما أن الشعور بالكمال العقيم شعور عاطفي، لن ينفي عن كل مسلم مسئوليته أمام الله عن أي سوء في حاله أو سلوكه أو حياته، دينياً كان أو دنيوياً: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه﴾ [النساء:١٢٣] .

стр. 225

بطولات رمضان وأمجاده أيها المسلمون: كثيرون هم الذين يتحدثون من على منابر متنوعة عن شهر رمضان، وأنه شهر البطولات والأمجاد، وهذا أمر لا مراء فيه ولا جدال، غير أن الذي يجب تأكيده والثبات عليه هو أن البطولات والأمجاد لا تنال بمجرد التمني والتخييل؛ في حين أن القلب غافل لاهٍ. ألا إن للبطولات والأمجاد ثمناً يندر تحصيله والوقوف عليه؛ لأن سلعة الله غالية، وسلعة الله هي الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ [التوبة:١١١] . إن هذه السلعة -عباد الله- هي الرابط الأساس بين المؤمنين وبين نصر الله لهم، وإنهم كلما كانوا إلى تحصيل هذه السلعة أقرب، كان النصر إليهم أقرب، والعكس بالعكس، ولا أدَلَّ على ذلك من قوله تعالى عن غزوة أحد حين ذاق فيها المسلمون أول هزيمة لهم إبَّان أوج كيانهم: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] . إن أثر المعصية وشؤمها على المجتمعات المسلمة أنها لفي أمر مريج؛ من كثرة المواقعين لها، والعابِّين من قيعانها كَمَا الهيم. إلا أن للنصر شروطاً، منها: جز المعاصي، والنأي بالنفس عن أن تواقعها أو تتراءى لها؛ ولا أدل على أثرها في الخذلان والهزيمة أمام العدو من قول ابن مسعود ﵁ فيما رواه أحمد في مسنده عن هزيمة أحد: [[فلو حلفتُ يومئذٍ رجوتُ أن أبَر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]] ] .

стр. 226

الطريق إلى النصر إن طريق المسلمين إلى النصر هو في سلوك فعل النبي ﷺ حينما أحيا ليله في بدر، وهو قائم يصلي، ويلظ بالحي القيوم؛ ليتأكد من خلال هذا عِظَم شأن الصلاة واللجوء إلى الله في كشف الملمات ورفع النوازل، فقد جاء في السنن: ﴿أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة﴾ . إن شعوباً لا تخاف إلا الله لن يغلبها من لا يخاف الله، وإن من لا يعرف إلا الحق لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل، فجند الله هم الغالبون بالسيف والسنان، كما أنهم هم الغالبون بالحجة واللسان؛ غير أن الأمر قد بات من الخطورة بحيث يوجِِب البحث عن الأسباب المفضية إلى ضعف المسلمين وإلى تكاثر خسائرهم الفادحة، ثم لننظر إلى مصدرها. هل هو خلل ثقافي، أو عوج خُلُقي، أو تضارب سياسي واجتماعي، وما الذي أفقد الأمة كيانها، وجعلها تتلقى الضربات تلو الضربات، ثم هي تُصْرَع أمامها. عباد الله: في شهر رمضان المبارك يلوح عبر الأجواء المطمئنة خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين الذي هو مفتاح القبول لدى القلوب، والذي يضع الحياة الهانئة محل الجاهلية الجهلاء والأثرة العمياء، فيرهُف الطبع، وتَجِمُ فيه النفس؛ إذ هذا هو الدواء إذا استشرى الداء، وهو النصرة حين تُخْذَل القوة. إنه لو أدرك المرء المسلم أن أول حق للمسلمين عليه أن يحمل في نفسه معنى الناس، لا معنى نفسه، لَعَلِم أن مَن فاق الناس بنفسه الكبيرة دون تميز، كانت عظمته في أن يفوق نفسه الكبيرة، بهذا الأثر الطيب يحس المرء بقيمة المال، لما يحققه من مصالح، ويضمنه من منافع.

стр. 227

الضوابط المالية في الكسب والإنفاق إن الأمة المسلمة يوم يكون مالها أداة ترف ومصدر استعلاء وطغيان، ويوم يكون الأغنياء وذوو اليسار أحلاس شح وبخل، فالويل والخسران لأمة أورثها مالهُا هذه الحال. الجمع بين الصيام والصدقة موجب من موجبات الجنة؛ حيث يقول رسول الله ﷺ : ﴿إن في الجنة غرفاً يُرى ظهورُها من بطونها، وبطونُها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيَّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى والناس نيام﴾ رواه أحمد والترمذي. إن من القسوة -عباد الله- أن يمنع الواجد المعونة، وأن يتقلب في رغد من العيش وسعة من الرزق، ومن أتت عليهم صروف الحياة في شدة من الضيق وألم من الإعسار، ومن هذه حاله فلا جرم أنه قاسي القلب خالٍ من الشفقة، وكأنما قُدَّ قلبُه من صخر صلب، فهو بعيد من رحمة الله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] . إن المال غادٍ ورائح، ومقبل ومدبر، وما هو إلا وسيلة للإنفاق والبذل، وبلوغ الأَرَب الأخروي، يقول النبي ﷺ : ﴿أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى﴾ رواه البخاري ومسلم. فرحم الله عبداً كسب فتطهر، واقتصد فاعتدل، ورُزِق فأنفق، وذكر ربه، ولم ينس نصيبه من الدنيا، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، ويا خيبة من طغى عليه ماله، وأضاع دينه وكرامته، فضل وطغى أن رآه استغنى!! وكان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة:١١] . إن الواجب على الأمة المسلمة ألا تعظم الدينار والدرهم لئلا تستعبدها المعاني المنحرفة في النظرة للمال والحياة، فيكنز الغني مالاً، ويكنز ذو المسغبة عداوة؛ وليعلم الجميع أن العزة في الإسلام بإنفاق المال لا بإمساكه، وفي بذل الحياة لا في الحرص عليها، وفي اعتبار الغني ما يعمل بماله، لا ما يجمع منه؛ وبهذا كله غلب أهل الإسلام الأمم، لأنهم قبل ذلك غلبوا النفوس والشهوات. ألا إن النعم لا تدوم، وإن مع اليوم غداً، وإن بعد الحياة موتاً، وإن بعد الموت لحساباً: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] . أقول ما تسمعون. وأستغفر الله.

стр. 228

خطر الإعلام في هذا الشهر الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، أحمده حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يُحمد. وأصلي وأسلم على أفضل المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان فصام وصلى وتعبَّد. أما بعد: فيا أيها الناس: حسن العبادة ووفرة الطمأنينة الناتجة عن الذكر والتذكير والمدارسة في هذا الشهر المبارك تبدو واضحة جلية في استشعار عظمة هذا الشهر والإحساس بحرمته وهيبته، والبُعد عن المنغصات والملهيات التي تفسد على المرء دينه، أو تشوش عليه عبادته، أو تخلق له جواً من المتضادات اللامسئولة، فكما أن للشهر مرغبات وحوافز، فإن هناك مزعجات ومنغصات، ينبغي أن يزِمَّ المسلمون نفوسهم عنها. فمن ذلكم -عباد الله- ما يُشاهَد من حركة نشطة واستنفار مثير للدهشة في برامج مرئية عبر أقمار متنوعة، تفتقد إلى الهدف المنشود من خلاف عرض ما يخدش الحياء أو ينشر الإثم، مما يحلق الدين قبل حلق العفاف والحياء، فيبرز الطرب والسهر الذي يتناوش الرشيد والسفيه والقويم والفاسق. وكأن معدِّي تلك المشاهد قد رأوا الأمة في حالة من المحاصرة عن الترويح بحلول هذا الشهر المبارك، أو أنهم على شفا جرف هلكة، لا يتم الإيناس فيها والتعويض عن الصوم والإمساك فيها عما يغضب الله إلا بمثل ذلك، فلا غرو أنه بذلك يختل برنا برمضان، ثم إن الأمة بذلك تخسر في كل لحظة مواطناً صالحاً، يضل بسبب مشهد يغش به ويخدع، ويسرق ويغتال ويتعلم مما يرى كيف يتخلص من عقوبة السرقة، أو بفتاة فاتنة يصورون فكاكها من غيرة وليها بالتضليل عليه، أو بالتعويل على إلفة الاختلاط بين الجنسين، وليس بمثل هذا يترفه الناس، ولا يتعلم الناس، ولا يصلح الناس؛ إذ كيف يستقيم الظل حينئذٍ والعود أعوج؟!

стр. 229

خطر الاختلاط ومنغص آخر من المنغصات في هذا الشهر المبارك يتمثل في وضع الشباب والفتيات حينما يشغلون أوقاتهم فيما يذهب سبهللاً؛ بحيث لا يغوي الشباب إلا الطرق والممرات، فيزعجون ويوقظون ويلحظون ويضايقون، حتى تبدو الممرات والطرق، وكأنها لهم مأدبات إبليسية بتلقي القبيح من القول، والسيئ من الفعل. وأما الفتاة المسلمة فبإضاعة وقتها في التفنن بأنواع الطعام والشراب إن هي أحسنت، أو أن تكون خرَّاجة ولاَّجة جرياً بين الأسواق، أو أماكن العبادة، دون تقيد بآداب الشرع أو إعطاء الطريق حقه بالحشمة والستر والبُعد عن أن تَفتن أو تُفتن، فتحمل بذلك الوزر من حيث أرادت الأجر، وليس ذلك بمُعْفٍ للوالدَين عن المسئولية، فالكل راعٍ، والكل مسئول عن رعيته، و ﴿كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول﴾ . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم. اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 230

ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الجهود التي قام بها أهل الكفر والشرك لم تذهب أدراج الرياح، فنحن نرى بين الفينة والأخرى نفوساً ضعيفة، وأقلاماً مريضة، ترعرعت في كنف الكفر، فأخذت تبث دعايات مضللة، كالحرية والإخاء، والعدل والمساواة، مفادها هدم أصل من الإسلام ألا وهو ركن الولاء والبراء، فيجب علينا أن نعود إلى ديننا، ونلتفت إلى واقعنا؛ لنعلم زيف هذه الدعايات.

стр. 231

أحوال الناس قبل بعثة النبي ﷺ الحمد لله، شرع الجهاد لحماية حوزة الإسلام، وجعله رفعة للمسلمين، هو للإسلام ذروة سنامه، أحمده سبحانه جعل النصر لحزبه، فأعظم بتأييد الملك العلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام، وعلى من تبعهم وسار على نهجهم ما ظهرت النجوم وتوالت الأيام وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون: واعلموا أن أحسن الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يدٌ الله مع الجماعة، ومن شذ عنهم شذ في النار. أيها الناس: قبل نبوة المصطفى ﷺ بعشرات السنين، كان الناس في هذه البسيطة على فترة من الرسل، منقطعين عن المدد الروحي من السماء الذي كانت تعاني فيه الأرض وأهلها على اجتياز ظلمات المادة، وفسق المادة، وجفاف المادة، تخبط الناس في مهام الحياة ودروبها خبط عشواء في ظلمات ثلاث: ظلمة العقائد، وظلمة القوانين البشرية، وظلمة الأنفس. ظلمة عقائدٍ لا يجد فيها الحاذق بصيص نورٍ يهتدي به إلى هداية، أو يخلص به من ضلالة، واستبد الأحبار والرهبان بقلوب الناس وعواطفهم. وظلمة قوانين لا يجد فيها العاقل ما يعين على عدالة، أو ما يخرج من مظلمة، فاستعبد العظماء أموال الناس وظهورهم: فالظلم عندهم كما قيل: والظلم من شيم النفوس وإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم وظلمة أنفس لا يجد فيها المتأمل مكاناً لرحله، أو نوراً يضيء ظلمةً، إلا من رحم الله. فما زالت الإنسانية تتخبط في هذه الظلمات الثلاث، وتنحدر إلى هاوية سحيقة، حتى تنصبت عن أمم كان من قسوتها وفظاعتها أن تقتل بنيها شر قتله؛ مخافة أن يشاركوهم في مأكلهم أو ملبسهم، قال ابن عباس ﵁: [[إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ قول الله : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٠]] ] . وكان من عقلها ودينها أن تصنع معبودها بأيديها، ومن مجدها الذي تتغنى به الحذق في انتزاع الأرواح، والمهارة في إيتام الأطفال، وإرمال النساء، وإثكال الأمهات والآباء، حتى لقد صدق قول الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] .

стр. 232

أحوال الناس بعد بعثة النبي ﷺ بعد هذا التخبط المقيت، بعث الله الرسول الأمي: ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥-١٦] فانبهر الناس ودهشوا لهذا النور الوهاج، وتكاتف هذا النور واتسع نطاقه في الأرض؛ فهزمت أمامه كل من الظلمات الثلاث: ظلمة القوانين، وظلمة العقائد، وظلمة الأنفس، ولم تستطع ظلمةٌ من هذه الظلم الثلاث أن تساقطه أو تواقصه، حتى صار لهذا الدين أنصار وقادة يحملونه في إحدى اليدين، وفي الأخرى يحملون الحديد ذا البأس الشديد، يذودون عنه الإيذاء والاعتداء، ويخلّون له الطريق إلى القلوب والعقول. فما أجمل الحق يعرضه القوي في لين! وما أجمل القوة تنصر الحق في شجاعة! حمل هذا الدين رجالٌ وقادة، علمهم نبيهم ﷺ ألا يخاف العبد إلا ربه، وألا يذل إلا لمن ذل له كل شيءٍ وخلق كل شيء، ومن بيده أسباب الخوف وأسباب الأمن، وحده قال الله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وعلمهم نبيهم ألا يتأخر عن الموت إلا من طلب الحياة وأحبها، فإن من رغب في الموت ذلت له ناصية الحياة، ومن رغب في الحياة ذلت ناصيته للموت، قال أبو بكر ﵁: [[احرص على الموت؛ توهب لك الحياة]] . كانوا يقدمون على الموت إقدام من ليس حياته ملكاً له، فأخذوا بنواصي الأكاسرة، وهامات القياصرة، وذروا التراب على جباه الطغاة الذين طالما جرعوا الإنسان الذل والهوان، وأذاقوه غصص الخسف والاستفزاز. عباد الله: قال الله : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١] المدافعة بين الإسلام والكفر ضرورية لحياة الشعوب وبقائها، وكل شعبٍ فقد هذا الدواء على مر التاريخ؛ فقد الحياة ولا محالة؛ فأكلته شعوب الكفر، وطحنه تنازع البقاء، وذهب أقساماً بين أشتات المطامع والأهواء.

стр. 233

هزائم المسلمين في الحاضر ليست بدعاً في تاريخهم الطويل أيها الأحبة في الله: يخطئ كثيراً من يظن أن هزائم المسلمين في عصرهم الحاضر كانت بدعاً في تاريخهم الطويل، كلا. فالأمر ليس كذلك، بل إن أمر المسلمين قد يعلو تارة، ويهبط أخرى، بمقدار قربهم من ربهم وإحيائهم لسنة الجهاد في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : ﴿من لم يغز أو يجهز غازياًَ أو يخلف غازياً في أهله بخير؛ أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة﴾ والقارعة: هي الداهية. لذا فقد هبط أمر المسلمين في قرون النضج، حتى اغتصب الحجر الأسود، فما عاد إلى موضعه إلا بعد سنين عدة مؤن، ولكن هذا التاريخ الذي هبط سرعان ما علا وارتفع، وهكذا أصبح تاريخ المسلمين يتأرجح بين مد وجزر في صورةٍ حقيقة لا ينكرها إلا مكابر. أيها المسلمون: إن الناظر في واقع العالم اليوم، إن كان ذا لبٍ وبصيرةٍ، فإنه لن يتمالك من قوة الفهم إلا أن يقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه اليوم بالأمس، فهاهو التاريخ يعيد نفسه، تتغير مراكز القوى، وتنقلب معايير النفوذ والاتساع؛ حتى أصبحت متمركزةً في معسكرات الكفر، بحيث لا يفسر إلا بالقوة التي كان يمارسها الجاهليون ضد الإسلام، وإن كان دور أهل الكفر الذين سيطروا على المسلمين في قرونٍ مضت لا يتجاوز سيوفاً ضربوا بها هام المسلمين ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وضربوا منهم كل بنان، حتى يقول الكافر للمسلم: قف مكانك حتى آتي بسيفي لأقتلك، فيقف المسكين مكانه لا يحرك ساكناً حتى يأتي ذلك الرجل فيقتله. إن كان ذلك هو أسلوب أهل الكفر في ذلك الحين، فإن أسلوبهم في هذا العصر ينطلق من محاور متعددة؛ أورثت لدى المسلمين جبناً وخوراً، فلا حول ولا قوة إلا بالله! وانطلقوا يغزونهم في عدة ميادين تمثلت في إنشاء التخلف العلمي، والتخلف الاقتصادي والصحي، والتحدي الثقافي في مجال الدراسات الإسلامية، والدراسات التاريخية والأدبية واللغوية، والتحديات الاجتماعية، والإعلامية، وإثارة الحروب الأهلية، والنعرات الطائفية، إنها حربٌ شعواء لا هوادة فيها! إن أهل الكفر هم أبعد الناس عن العدالة، وأنأى الناس عن الرحمة وإن زعموا العدل في محاكمهم الدولية، أو مجالسهم ومقرراتهم الدستورية، لقد صار غبياً عندهم من يحاول أن ينال حقه باسم العدالة أو الرحمة الدولية، أو باسم القوانين الخاصة أو القوانين العامة، أو باسم المدنية والإنسانية، وصار المهزول حقاً هو ذلك الضعيف المهزول الجاثي على ركبتيه المهزولتين، أمام تلك القوى الكافرة الظالمة يستجديها حقه ويسألها إنصافه، ويطلب إليها بمجمعه لا بمدفعه أن يمسح الدم عن أظفاره الدامية، ويطهر دمه من لحوم الضعفاء الأبرياء، ويناديه باسم المدنية، وباسم الحقوق الإنسانية، وصار لا يوجد العدل إلا حيث يوجد الجور، ولا يوجد السلم إلا حيث توجد الحرب، وصارت القوى الكافرة الظالمة لا تذكر العدالة، ولا الحقوق الإنسانية إلا إذا تحدثوا إلى الأقوياء الباطشين أمثالهم، أما الضعيف العاجز عن المدافعة فماله عندهم إلا التنديد زعموا ومعناه: إفساد الأخلاق والأذواق والعقائد، والاستعمار ومعناه: الجوع والجهل، والتطبيع وسائر ما للبأس والشقاء من مظاهر ومعانٍ. كل ذلك -أيها المسلمون- مصداق لقول المصطفى ﷺ : ﴿يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: أومن قلةٍ نحن يا رسول الله؟! قال: لا. بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل﴾ هجمت عليهم الدنيا فتنافسوها؛ فقلبت موازين الحياة عندهم ونسوا قول الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] ونسوا قول الله : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] ونسوا قول الله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] ونسوا قول المصطفى ﷺ : ﴿إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم﴾ انقلبت موازين الحياة عندهم؛ فأخرجت سنة المدافعة، وظنوا أن الشجاع المقاتل يقتل دون الجبان المسالم، المقر للخصم في دينه وملته وأرضه، حسبوا أن الجبناء أطول آجالاً من الشجعان فقالوا: يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول ولأجل هذا تجد كل من يحرصون على الحياة يهرعون إلى السلم والمسالمة، والحقيقة الواضحة في هذا العصر -أيها المسلمون- على العكس من ذلك، فإنه لا يقتل غالباً إلا الجبان، ولا يقع في الحرب إلا الهارب إلى السلم، ولا ينال الشر إلا أهل الدعة واللين والخوف.

стр. 234

أهمية عقيدة الولاء والبراء عباد الله: إن الإرهاصات المتتابعة التي أداها أهل الكفر والشرك لم تذهب أدراج الرياح، وإن تلك الجهود التي قاموا بها من اقتلاع لقوة الإسلام من جذورها لم تذهب سدىً، فنحن نرى بين الحينة والأخرى نفوساً ضعيفةً، وأقلاماً مريضةً ترعرعت في كنف الكفر، فأخذت تبث دعايات مضللة، مفادها هدم ركنٍ ركين وأصلٍ أصيل من أصول الإسلام ألا وهو ركن الولاء والبراء؛ الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين، الولاء والبراء الذي هو من لوازم كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ذلك اللازم المؤكد في قول الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨] وفي مثل قوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] ، وفي مثل قول المصطفى ﷺ لـ جرير بن عبد الله البجلي لما بايعه على الإسلام قال له: ﴿أن تنصح لكل مسلم وتبرأ من الكافر﴾ رواه أحمد بسند حسن.

стр. 235

صفة الكفر بالطاغوت أيها المسلمون: قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] قال العالم المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: فأما صفة الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم. وذكر ﵀ من نواقض الإسلام: من لم يكفر المشركين أو يشك في كفرهم أو يصحح مذهبهم؛ كفر. وقال ﵀: ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] قال رسول الله ﷺ : ﴿والذي نفس محمدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار﴾ رواه مسلم. هذا الركن الركين والحصن الحصين، مالت نفوسٌ ضعيفة اجتالتها الشياطين عن فطرة التوحيد، مالت بهم إلى نبذهم لواقع حياتهم، فيما يسمونه بالعالمية أو زمالة الأديان، أو التطبيع بين الكفر والإسلام، ومعنى تلك المسميات كلها: هو توسيع دائرة الولاء بحيث يدخل فيها كل الأقوام والأديان والأوطان، حتى يصبح المسلم لا يشعر بالفارق بينه وبين غيره من الكفار في بقاع الأرض، وقد يطبع على هذا المبدأ الباطل، شعارات براقةٌ خادعة، كالحرية والإخاء، والعدل والمساواة، وبذلك تطمس عقيدة الولاء والبراء، وذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله، وقد ذم الله هذا الصنيع وحذر منه بقوله: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ [الأعراف:٨٦] . فاتقوا الله -أيها المسلمون- وعودوا إلى دينكم عوداً حميداً، اتقوا الله والتفتوا إلى واقعكم، انظروا إلى دماء الأبرياء من بني ملتكم تصرخ ولا مغيث! إن ضعف المسلمين واستكانتهم؛ جعلت من دم المسلم عملة رائدة في سوقٍ سوداء، لا تخضع لنظام، ولا يحميها قرار. أيها المسلمون: استمعوا إلى نصح ربكم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١١٨-١٢٠] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 236

حقيقة المعركة بين الإسلام والكفر الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله واعلموا أن معركة الإسلام مع الكفر ليست وليدة اليوم، وإنما هي فصول يقصها القرآن وترويها السنة في أجواء مختلفة، ولن يخلو زمان أو مكان من تلك المعركة الضارية، غير أن النور الذي حمله رسول الله ﷺ ليضيء للدنيا لن ينطفئ أبداً، بل هو باقٍ خالص في أيدي المسلمين، يحملونه إلى البشرية ليضيء الدنيا مرةً أخرى بأمر من الله، ويوحد الكلمة ويجمع الشتات، وإن للمسلمين في وعد ربهم ما يشد عزائمهم للثبات على دينهم قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] قال ابن جرير ﵀: أي: ليعلي الإسلام على الملل كلها، ولو كره المشركون بالله ظهوره عليها. وقال ابن كثير ﵀: أي: ليظهره على سائر الأديان كما ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها﴾ . إن شعوباً لا تعرف إلا الله لن يغلبها من لا يعرف الله، وإن من لا يعرف إلا الحق لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان؛ غير أن الأمر قد بات من الخطورة بحيث يوجب البحث عن الأسباب المفضية إلى ضعف المسلمين وخسائرهم الفادحة وإلى مصدرها، هل هو غش ثقافي؟ أو عوجٌ خلقي؟ أو خلل سياسي أو اجتماعي؟ وما الذي أفقد الأمة كيانها ثم جعلها تتلقى الضربات وتصرع أمامها؟ فاتقوا الله أيها المسلمون! وانظروا إلى نصوص الشرع برضاً وطواعية، تصحوا بين الاستسلام لله ولشرعه، وليعلم الذين يخالفون شرع الله بواقع حياتهم، أو يخرجون جانباً من جوانب الإسلام في سياسةٍ أو حكم أو اقتصاد أو ما شابه ذلك؛ ليعلموا أن ركب الإسلام سائرٌ بإذن الله والرسول ﷺ قال: ﴿وأن الله سيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولن يدع الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر﴾ . فالأولى بالمقصرين من أهل الإسلام، والمعادين له من أهل الكفر والشرك، أن يستسلموا لشرع الله بعودة صادقة إلى الله وإخلاء الطريق للشعوب المسلمة لتسعد بشرع الله: ليت الذي لم يقم بالحق مقتنعاً يخلي الطريق ولا يؤذي من اقتنعا هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صحاب الحوض والشفاعة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وراض اللهم عن الأئمة الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح، إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا بلاءٍ ولا غرق، اللهم لتسقي به العباد، وتحيي به البلاد وتجعله بلاغاً للحاضر والباد. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى. اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. عباد الله: اذكروا الله العظيم؛ يذكركم، واشكروه على نعمه؛ يزدكم، ولذكر الله أكبر؛ والله يعلم ما تصنعون.

стр. 237

أمن المرء في سربه توفر الأمن والقوت والعافية، معايير ثلاثة لتوفر الحياة الهانئة والاستقرار المعيشي المطلوب. وقد شبه الرسول ﷺ توفر هذه المعايير الثلاثة بحيازة الدنيا بحذافيرها. ما هي ضوابط هذه الثلاثة؟ وما مدى توافرها في حياة الناس اليوم؟ إجابات هذه الأسئلة وغيرها نجدها في ثنايا هذه المادة.

стр. 238

أسباب الحياة الهانئة الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من صلى لله وتعبد، وقام وتهجد، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن لله تعبد. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دليل الحيران، وري الظمآن، وأنيس الولهان، بها يسمو المرء ويرتفع، وتصقل النفس وتنتفع، هي الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال. أيها الناس: إن إعطاء المرء المسلم نفسه، شيئاً من فرص المناصحة، وأوقات المراجعة وسط دواوين السنة المطهرة، ومن ثم حمل نفسه على أن يقف وقوفاً دقيقاً عند حديث رسول الله ﷺ المنبعث من مشكاة النبوة ليعرف أسراره، ويستضيء بأنواره، حتى تنشرح النفس وتصفو، فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، وتتبع النور الذي أنزل معه، إنه ولا شك سيقرأ أو يسمع كلاماً صريحاً، لا فلسفة فيه ولا تعقيد، كلاماً يقرر أن حقيقة الإنسان المسلم ومكانته العالية وحياته المستقرة الخالصة من المكدرات المزمنة، والشوائب العالقة، لن تكون فيما ينال من لذة عارضة، أو صبوة سانحة، أو انفلاتٍ من مسلماتٍ يظنها الأغرار نوعاً من القيود والتحجير، كلا. فالأمر ليس كذلك يا عباد الله! بل إن المطلع على سنة المصطفى ﷺ لن يجد إلا ما يسره، ويرسم له طريق الحياة المختصر، الذي يسرع بوصوله إلى الغاية العظمى ورؤية الرب ﵎. يقول المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾ رواه الترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد. لله أكبر! إنها كلمات يسيرات، لكنها حوت معنى الحياة الحقة والاستقرار الدائم، بل إنها كلماتٌ ترسم للمرء صورة الحياة بقضها وقضيضها، وحلوها ومرها، وسهلها وصعبها، على أنها لا تتجاوز هذه المعايير الثلاثة، والتي لا يمكن لأي كائنٍ بشريٍ عاقل أن يتصور الحياة الدنيوية الهانئة بدون توافرها، وهي: أمن المرء في سربه -أي: في بيته ومجتمعه- ومعافاته في بدنه، وتوفر قوت يومه. إنها عبارات سهلة على كل لسان، غير أن وصف النبي ﷺ لها بكونها تعادل حيازة الدنيا بحذافيرها، يجعل كل واحدٍ منا يتأمل، ويدقق النظر في أبعاد هذه المعاني وتنزيلها على واقع حياتنا جميعاً، ومدى تأثيرها فينا وجوداً وعدماً، إيجاباً وسلباً.

стр. 239

الأمن وضرورة الحفاظ عليه أمن المرء في سربه -عباد الله- مطلب الفرد والمجتمعات على حدٍ سواء، وهو الهدف المرتقب لكل المجتمعات بلا استثناء على اختلاف مشاربها، ثم إن إقرار الحياة الآمنة هو ديدن كافة المنابر، للصلة الوثيقة بينه وبين إمكانية استقرار المجتمعات، وإلا فما قيمة لقمةٍ يأكلها المرء وهو خائف، أو شربة يشربها الظمآن وهو متوجس قلق، أو نعسة نومٍ يتخللها يقظات وسنان هلع، أو علمٍ وتعليمٍ وسط أجواء محفوفةٍ بالمخاطر. إن كل مجتمعٍ يفقد الجانب الأمني في ثناياه، إنما هو في الحقيقة، فاقد لمعنى الحياة لا محالة، حتى يكون تكأة لنهب الناهبين وتفريط المقصرين، فيذهب أقساماً بين أشتات المطامع والأهواء. ومن أجل الأمن -عباد الله- جاءت الشريعة الغراء بالعقوبات الصارمة، والحدود الرادعة، تجاه كل مخلٍ بالأمن كائناً من كان، بل وقطعت أبواب التهاون في تطبيقها، أياً كان هذا التهاون؛ سواء كان في تنشيط الوسطاء في إلغائها، أو في الاستحياء من الوقوع في وصمة نقد المجتمعات التي تدعي الحضارة، ومعرة وصفهم للغير بالتخلف، وحين يدب في الأمة داء التسلل الأمني، فإن المتسببين في ذلك يهيلون التراب على تراث المسلمين، ويقطعون شرايين الحياة الآمنة عن الأجيال الحاضرة والآمال المرتقبة.

стр. 240

شمول معنى الأمن يجب علينا ألا نقصر جانب المفهوم الأمني على الفرد وحده، ولا على معنىً واحد من معانيه فحسب؛ كأن يقصر على ناحية حماية المجتمع من الجرائم لا غير، أو أن يقصر مفهوم حمايته على جناب الشرط والدوريات الأمنية دون سواها، بل إن شمولية مفهوم الأمن تنطلق بادي الرأي في عقيدة المجتمع وارتباطه الوثيق بربه، والبعد عن الشرك وشغله، والذي هو الظلم بعينه كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] ناهيكم عن المجالات الأمنية المتكاثرة في المجتمعات؛ كالأمن الغذائي، والأمن الصحي الوقائي، والأمن الاقتصادي، والأمن الفكري، والأمن الإعلامي، والأمن الأدبي، فعلى الأمة برمتها ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب تجاه أي معنىً من المعاني الأمنية الآنفة، وألا تقترف خياناتٍ أمنيةً في أي لونٍ من ألوانه، فالأمن على مثل هذا لا يقل أهمية عن أمن الأرواح والأموال، فكما أن للبيوت لصوصاً ومختلسين وللأموال كذلك فإن للعقول لصوصاً ومختلسين وللأفئدة لصوصاً ومختلسين، بل إن لصوص العقول والقلوب أشد خطراً وأدهى وأمر. إن إصباح المرء المسلم آمناً في سربه، لهو من أوائل بشائر يومه وغده، وما صحة البدن وقوت اليوم إلا مرحلة تالية لأمنه في نفسه ومجتمعه، إذ كيف يصح بدنٌ خائف؟ وكيف يكتسب من لا يأمن على نفسه وبيته؟

стр. 241

انتهاك الأمن في أرض الإسراء ولأجل هذا -عباد الله- كان لزاماً علينا أن نقدر حقيقة الأمن، وأن نستحضرها نصب أعيننا بين الحين والآخر، حتى لا نكون مع كثرة الإمساس لها فاقدي الإحساس بها، ولا سيما حينما نشخص بأبصارنا يمنةً ويسرة لنرى بعض الأقطار الملتهبة بالصراع والتي يطحن بعضها بعضاً من داخلها، أو بما هو أدهى وأمر من خلال سطوة البغاة عليها، واجتياح العدوان المسلح استباحة لأرضها، وقطعاً لحرماتها. ألا من مشاطرٍ لنا أحزان ما يجري في مسرى رسول الله ﷺ وثالث المسجدين، يصاب المسلمون فيه بالذعر عند كل زفرة نفسٍ من أنفاسهم، يستيقظون عند كل رمية برصاص، أو حركة مجنزراتٍ ظالمة، إنهم يرجون الأمن والأمان، يناشدون العدالة والإنصاف، ينادون المتخصصين -فيما زعموه- مكافحة الإرهاب، لقد ناشدوا وناشدوا وناشدوا، حتى لربما انطلقت صيحات الغير تصفهم بالغباء حينما يناشدون بمدمعهم لا بمدفعهم، أو يطالبون بالعدل من حيث لا يوجد إلا الجور، أو بالسلم من حيث لا توجد إلا الحرب، أين المتحدثون عن الإرهاب، وخطورة الإرهاب، واجتثاث الإرهاب؟! أين المتعاطفون مع الأبرياء؟! أين ما يسمى بالحقوق الإنسانية؟! أين وأين وأين!! ألا يكون قتل المسلمين إرهاباً؟! ألا يكون ترويعهم إرهاباً؟! ألا يكون اجتياح أرضهم إرهاباً؟! ألا ليت شعري من يدري لعل دلالة اللفظ في حق ثالث المسجدين لا تسمى عند البعض إلا ترحاباً! وأما فيما عداها فإنها لا تسمى عندهم إلا إرهاباً! ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] ، ولقد صدق رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت﴾ رواه الإمام أحمد وأبو داود. ألا إن الله غالب على أمره -عباد الله- ولكن أكثر الناس لا يعلمون: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٦-١٩٨] .

стр. 242

نعمة الصحة وأهميتها أيها المسلمون: لقد أتبع النبي ﷺ أمن المرء في سربه بكونه معافىً في جسده، وجعل المعافاة في الجسد ثلث حيازة الدنيا بحذافيرها، وهذا أمر واضح جلي؛ لأن الصحة تاج فوق رءوس الأصحاء لا يراه ويحس به إلا المرضى من الناس. والصحة والعافية -عباد الله- محل لأن يغبن فيها المرء على حد قول النبي ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة، والفراغ﴾ رواه البخاري وغيره، فالسلامة لا يعدلها شيء، والصحة التامة والسلامة من العلل والأسقام في البدن ظاهراً وباطناً لهو من مكامل الحياة الهانئة المستقرة، إذ فيها عونٌ على الطاعة، والقيام بالتكاليف الشرعية على أحسن وجه كان، ناهيكم عن أثر الصحة والبسطة في الجسم في نواحي الحياة المختلفة: ﴿والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير﴾ والبسطة في العلم والجسم مما تنال به معالي الأمور، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] وقال سبحانه عن موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] .

стр. 243

حِكَم الأمراض وفوائدها والأمراض والأسقام -عباد الله- أدواءٌ منتشرة انتشار النار في يابس الحطب، ومن هنا تكون الغبطة للأصحاء، غير أن هذه الأسقام وإن كانت ذات مرارةٍ وثقل واشتداد وعرق إلا أن الله جل شأنه جعل لها حكماً وفوائد كثيرة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. ولقد حدث ابن القيم عن نفسه: أنه أحصى ما للأمراض من فوائد وحكم فزادت على مائة فائدة، وقد قال رجلٌ لرسول الله ﷺ : ﴿أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا مالنا بها؟ قال: كفارات، قال أبي بن كعب: وإن قلت؟ قال: وإن شوكةً فما فوقها﴾ رواه أحمد، وعند البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما من مسلمٍ يصيبه أذىً من مرضٍ فما سواه، إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها﴾ . غير أنه لا يظن مما سبق -عباد الله- أن المرض مطلبٌ منشود، أو بلاءٌ يتطلع إليه العبد المسلم، كلا. بل هو محنةٌ يكون الصبر مطلباً عند وقوعها، والمرء المؤمن لا يتمنى البلاء، إذ رسول الله ﷺ يقول: ﴿سلوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية﴾ رواه النسائي وابن ماجة، وقال مطرف ﵀: [[لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر]] . وعلى كلا الأمرين -عباد الله- فإن الصحة بلا إيمان هواء بلا ماء، والمرض بلا صبر ورضا بلاءٌ يتلوه بلاء، وجماع الأمرين دينٌ وإيمان بالله، يقول ابن مسعود ﵁: [[إنكم ترون الكافر من أصح الناس جسماً وأمرضهم قلباً، وتلقون المؤمن من أصح الناس قلباً وأمرضهم جسماً، وايم الله لو مرضت قلوبكم وصحت أجسامكم لكنتم أهون على الله من الجعلان]] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] . بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 244

قوت اليوم: الوسطية بين الغنى والفقر الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: المال في الإسلام وسيلة لا غاية, وطلبه من طريق حله وطيبه أمرٌ مشروع لكل مكتسب، والنبي ﷺ حينما قال: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه﴾ أراد بقوت اليوم الحال الوسط بين ضدين، إما حال الأثرياء المترفين الذين ضعف عند بعضهم الخلق والدين، وإما حال المفلسين القعدة الذين استمرءوا الكسل والبطالة والتشرد. إن الذين يكسلون ولا يربحون، ثم يتسولون أو يحتالون، باسم التكسب أو العيش، ليسوا على سواء الطريق، والذين يحبون المال حباً جماً حتى يعميهم عن دينهم وأخلاقهم وخلواتهم القلبية وجلواتهم الروحية ليسوا على سواء الطريق أيضاً، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. فعن الأول يقول النبي ﷺ : ﴿تعوذوا بالله من الفقر والقلة والذلة﴾ ويقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر﴾ رواهما الإمام أحمد. وعن الآخر يقول الله ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] . وخير الأمور -عباد الله- هو الوسط؛ فإن الفقر كاد أن يكون كفراً، بل هو مظنة الاتكال على الغير، وربط الأمور مع الناس بما يملكون من مال لا ما يملكون من خلق، فتختل عند الفقير المعايير، كما أن الغنى مظنة الطغيان، والوقوع في طرق الكسب المحرمة بحثاً عن المال بنهم، أو هو مظنة الفرار من الحقوق كالصدقة والزكاة وأوجه البر، ولهذا فإن من ملك قوت يومه فإنه يكون في منأىً عن بطر الغنى وهوان الفقر، فيكون كافاً عافاً، ومن هنا جاءت حيازة الدنيا، فالفقر دون برمته، والغنى يحمد في الخير ويذم في الشر: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] وصدق رسول الله صلى الله عليه سلم إذ يقول: ﴿نعم المال الصالح للرجل الصالح﴾ رواه أحمد. نقول مثل هذا -عباد الله- لأجل أن نذكر كل ذي نعمةٍ بنعمته، ولنعلم جميعاً أن هناك من المسلمين: عن اليمين وعن الشمال غزين، من يصبح لا يدري ما مصير أمنه، ولا قوت يومه، ولا معافاة بدنه، يعيشون أجواءً مقلقة، وحياةً متقلبة، ما عند يوم أحدهم ثقةٌ له بغده، شيوخٌ ونساء وأطفال بُرآء ما جنوا ذنباً، أطهار ما كسبت أيديهم إثماً، سقوفهم واكفة، وجدرانهم نازة، وجبالهم تسيل حمماً وشظاياً، حتى غدت أوديتهم بمآسيهم أباطح، فلم تعد الدور دوراً ولا المنازل منازلاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] . هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم طهر بيتك المقدس من هؤلاء الأرجاس، اللهم خالف بين كلمتهم، ومزق شملهم، اللهم اجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين، يا ذا الجلال والإكرام، بقوتك يا قوي يا عزيز. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 245

خطبة عيد الأضحى المبارك إن مما امتن الله به على عباده المؤمنين، أن جعل لهم مواسم وفرصاً يتسابقون فيها إلى الله بالطاعات والعبادات، وقد تكلم الشيخ حفظه الله عن منة عظيمة من الله وهي: عيد الأضحى المبارك، ثم تكلم عن مسائل متفرقة كالاهتمام بالإسلام وبحكم الله، واهتمام الإسلام بشئون المرأة وحقوقها، وذم التشبه بالكفار، مبيناً ضرورة إقامة التوحيد وترك البدع والضلالات والمحدثات.

стр. 246

فرضية حج بيت الله الحمد لله الذي لا يطلب منحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون. أحمده سبحانه، استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته، واستعصاماً من معصيته. وأستعينه فاقة إلى كفايته، إنه لا يضل من هداه، ولا يعز من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، له الحمد فرض علينا حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام، يردونه رجالاً وركباناً كل عام، ويألهون إليه ولوه الحمام، جعله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، فاختار من خلقه سماعاً أجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا موقف أنبيائه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله للإسلام علماً، وللقاصدين حرماً، فرض حجه، وأوجب حقه، وكتب علينا وفادته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نتمسك بها أبداً ما أبقانا، وندخرها لأهاويل ما يلقانا، فإنها عزيمة الإيمان وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر الصادع؛ إزاحة للشبهات، واحتجاجاً بالبينات، وتحذيراً بالآيات، وتخويفاً بالمثلات، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر كبيراً! والحمد لله كثيراً. الله أكبر عدد ما ذكره الحاجون وبكوا! والله أكبر عدد ما طافوا بالبيت الحرام وسعوا! الله أكبر عدد ما زهرت النجوم، وتلاحمت الغيوم! الله أكبر عدد ما أمطرت السماء، وعدد ما غسق واقب أو لاح ضياء! الله أكبر عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته! الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً. أما بعد:- فيا أيها المسلمون: ويا حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه، فاتقوه في المنشط والمكره، والغضب والرضا، والخلوة والجلوة، واعلموا أنه قد اجتمع لكم في هذا اليوم عيدان، عيد الأضحى، وهو يوم الحج الأكبر، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، فأكثروا من الشكر لله جل وعلا، وبادروا بالأعمال قبل انقطاعها واعلموا أن الله غفور رحيم. أيها المسلمون! إن الناس ما زالوا منذ أذن فيهم إبراهيم ﵇ بالحج يفدون إلى بيت الله الحرام، في كل عام من أصقاع الأرض كلها، وأرجاء المعمورة جميعها، مختلفة ألوانهم، متمايزة ألسنتهم، متباينة بلدانهم، يفدون إليه وأفئدتهم ترف إلى رؤية البيت العتيق، والطواف به، ويستوي في ذلك الغني والفقير، والقادر والمعدم، كلهم يتقاطرون إليه، تلبية لدعوة الله، التي أَذَّن بها إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] . إن الحجاج إذ يستبدلون بزيهم الوطني، زي الحج الموحد، ويصبحون جميعاً بمظهر واحد، لا يتميز شرّقيهم عن غرّبيهم، ولا عربيّهم عن أعجميّهم، كلهم لبسوا لباساً واحداً وتوجهوا إلى رب واحد، بدعاء واحد، وتلبية واحدة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. تراهم يلبون وقد نسوا كل الهتافات الوطنية، وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية، ونكسوا كل الرايات العصبية والعرقية، ورفعوا راية واحدة هي راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يطوفون حول بيت واحد، ويؤدون نسكاً واحداً. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد! إن الله يوم شرع الحج للناس أراد بما أراد من الحكم أن يكونوا أمة واحدة، متعاونة متناصرة، متآلفة متكاتفة، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. إن الحج سلامٌ حقيقي برمته، سلام غير مزيف، يدخل فيه المسلم مدة هذا النسك فيتعلم من خلاله احترام حق الحياة لكل مسلم حي، مهما كانت درجة حياته، فلا يتعدي على أحد، ولا يظلم أحداً، ولا يبغي على أحد.

стр. 247

الإسلام دين السلام إن كل عاقل ومنصف يشهد بالله: أن السلام الحقيقي والتعاون القلبي والروحي، والتعاون على البر والتقوى، لا ظل له في الواقع إلا بالإسلام ومن خلال الإسلام وتاريخ الإسلام، وأما غير المسلمين من شتى الأمم ومختلف الديانات فإن أقوالهم معسولة وأفعالهم مسمومة فيما يدعون إليه، إذ جعلوا مفهوم حقوق الإنسان عندهم مبنياً على فتح باب الحريات على مصراعيه، حسب ما يقتضيه المفهوم العلماني عندهم، والذي يرقب شرعة الله وصبغته، بل يتم به تدمير الأخلاق، وإشاعة فوضى الغرائز، ثم هم يزعمون أنها برمتها تعني مبادئ الحضارة والتقدم والرقي، ومن خالفها وكابر فيها رموه بأنه مخالف لحقوق الإنسان، وهي ليست من الحقوق في ورد ولا صَدَر، ولا هي من بابته، بل إن حلوها مرٌ، وسهلها صعب، ودماثتها ذميمة، ويا لله! لقد صدقوا ظنهم، فاتبعوهم أغرار ولهازم، من مفكرين وكتاب، بالعلوم السياسية والاقتصادية والقانونية وعلم الاجتماع، وجملة هؤلاء هم في الحقيقة أشياع لدعوات الغرب ولدات. يتسللون لواذاً عن أصول دينهم، فيشوشون بالتشريع ويهوشون في الحدود، وليس غريباً أن تتبدى خطوط مثل هذه القضية عبر هذه الفتن المتلاطمة، ولا يظن بالطبع أن ما بقي من ألوانها ورسومها بمعجزنا أن نتخيله، فمواقعوها هم صنف من الناس، يتمددون بالحرية، وينكمشون بالإسلام، وكفاكم من شر سماعه، وتلكم ثمالة نعيذكم بالله من غوائلها. لقد طب أصحاب تلك الدعوات زكاماً، فما أحدثوا في الحقيقة إلا جذاماً، وحللوا بزعمهم الهموع غداً وبالذي وضعوه زادت العقد، فكم يقتل من المسلمين، وكم تنزع من حريات، وكم يعتدى على حقوق في حين أن دعاة حقوق الإنسان يخفضون جناح الذل من رحمتهم وعدلهم المزعوم على دعم وتحصيل منظمات عالمية لمحبي الكلاب، وأصدقاء الحيوانات الأليفة، فتفتح الصوالين للكلاب، ليقوم أخصائيون بقص شعرها وتزينها وتعطيرها، وبالمقابل -عباد الله- تفتتح الصوالين الدموية التي يقص من خلالها شعور البشر المسلمين، ويحلقون أديانهم ويغتصبون أرضهم وأموالهم. فليت مخبراً يخبرنا أتكون الكلاب المكلبة أهم وأعظم من قطر إسلامي بأسره، تعدو عليه حثالة لئيمة من ذئاب البشر وعبدة الطاغوت، فيقتلون الشيوخ والأطفال، ويرملون النساء في مسرى رسول الله ﷺ ، وفي غيره من أراضي المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ إنهم بذلك هم قتلة الإنسان، وهم حماة حقوق الإنسان المجرم. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر كبيراً!

стр. 248

شمولية الإسلام أيها المسلمون: يا حجاج بيت الله الحرام! ما أحوج البشرية في هذا العصر وهي تكتوي بلهيب الصراعات الدموية والنزاعات الوحشية، ما أحوجها وهي تلتفت إلى بيت الله الحرام، إلى أن تخلِّص نفوس أبنائها من الأنانية والبغضاء، والكراهية والشحناء، وترتقي إلى أفق الإسلام السامي، فتتعلم الحياة بسلام ووئام، كما أراد الله لعباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨-٢٠٩] . إنه بهذا الصفة، وتلك الجموع، يقرر الإسلام: أنه ليست هناك دواع محفولة تحمل الناس على أن يعيشوا متناكرين، بل إن الدواعي القائمة على الطريق الحق تمهد للمسلمين مجتمعاً متكافلاً، تسوده المحبة، ويمتد به الأمان، على ظهر الأرض كلها، والله رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أمرين اثنين، ليجعل من هذه الرحب ملتقى تتشابك عنده الصِلات، وتستوثق العُرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] . إنه التعارف لا التنافر، والتعاون لا التخاذل، فالأرض أرض الله، والكل عباد الله، وليس هناك إلا ميزان واحد، تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس، ألا وهو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ألا أن الكريم حقاً هو الكريم عند الله، وهو يزنكم عن علم وخبرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد!

стр. 249

بيت الله يجدد معالم التوحيد حجاج بيت الله الحرام! إن بيت الله العتيق ما برح يطاول الزمان، وهو شامخ البنيان، في منعة من الله وأمان، بناه إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉، إعلاناً بالتوحيد الخالص، إذ بناؤه مرهون بتوحيد الله، حيث قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] . فمن أجل التوحيد بني بيت الله، لئلا يعبد إلا هو وحده، فقد حطم المصطفى ﷺ الأصنام من حول الكعبة -وعلى رأسها أعلاها وأعظمها هبل- وهو يردد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] . لقد تمثل التوحيد في الحج من خلال التلبية، وفي قراءة سورتي الكافرون وقل هو الله أحد في ركعتي الطواف، وتمثل في خير الدعاء وهو دعاء يوم عرفة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . إذاً: فالتوحيد -عباد الله- هو لباب الرسالة السماوية كلها، وهو عمود الإسلام وشعاره الذي لا ينفك عنه، وهو الحقيقة التي ينبغي أن نغار عليها ونصونها من كل شائبة، فالتوحيد وسيلة كل نجاح وشفيع كل فلاح، يصير الحقير شريفاً، والوضيع مطريفاً، يطول القصير ويقدم الأخير، ويعلي النازل، ويشهر الخامل، وما شيد ملك إلا على دعائمه، ولا زال ملك إلا على قواصمه، ما عزت دولة إلا بانتشاره، ولا زالت وذلت إلا باندثاره، ألا وإن معظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام وأشد البلايا التي حلت بها إنما كانت بسبب ضعف التوحيد في النفوس، وما تسلط من تسلط من الأعداء، وتعجرف من تعجرف، وغار من غار على حياض المسلمين، واستأصل شأفتهم إلا بسبب ضعف التوحيد، وما تأريخ التتار عن المسلمين بغائب، حيث بلغ الضعف في نفوس كثير من المسلمين آنذاك مبلغاً عظيماً؛ بسبب ضعف التوحيد، حتى ذكر بعض المؤرخين: أن جموعاً من المسلمين، أبان الهجوم التتري لبلاد الإسلام كانوا يرددون: يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر عوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الضرر كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] . لقد ابتلي كثير من الناس بالجهل بالتوحيد، حتى لم يعرفوا حق الله وحق العبد، ومزجوا بعض ما لله فجعلوه للعبد، حتى انحاز بعضهم إلى أصحاب القبور، وتضرعوا أمام أعتابها، وتمسحوا بها، واستغاثوا بأهلها بالشدائد والكروب، بل لقد كثر مروجوها والداعون إليها من قبوريين ومخرفين، والذين يخترعون حكايات سمجة عن القبور وأصحابها وكرامات مختلقة لا تمس إلى الصحة بنصيب. بل قد طاف بعضهم بالقبور كما يطاف بالكعبة المعظمة، وأوقفوا الأموال الطائلة على تلك الأضرحة، حتى إنه لتجتمع في خزائن بعض المقبورين أموال يصعب حصرها، فيا لله! كيف أن أحياءهم لا يكرمون بدرهم واحد، وبألف ألف قد يكرم أمواتهم!! لقد قصر أناس مع التوحيد، فتقاذفتهم الأهواء، واستحوذت عليهم الفتن والأدواء، فمن مفتون بالتمائم والحروز يعلقها عليه وعلى عياله؛ بدعوى أنها تدفع الشر، وتذهب بالعين، وتجلب الخير، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] . لقد قصر جمع من المسلمين مع التوحيد، فافتتنوا بالمشعوذين، والدجاجلة الأفاكين، من سحرة وعرافين ونحوهم، والذين يأكلون أموال الناس بالباطل، بدعوى أنهم يكاشفونهم بأمور الغيب، فيما يسمى مجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، ليكاشفوا الناس -على حد زعمهم- عما سيحدث في العالم خلال يوم جديد، أو أسبوع سيطل، أو شهر أوشك حلوله، أو عام مرتقب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] . ناهيكم -عباد الله- عن اللت والعجن عبر الصحف والمجلات ونحوها، فيما يسمى قراءة الأبراج ومستقبلها، والذي يروج من خلاله بأنه يا لسعادة كاملة لأصحاب برج الجدي، ويا لغنى أصحاب برج العقرب، وأما أصحاب برج الجوزاء فيا لتعاسة الحظ وخيبة الأمل (زعموا) إلى غير ذلك من سيل الأوهام الجارف، والخزعبلات المقيتة التي لا حد لها: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 250

الاحتكام إلى شرع الله الحمد لله ولي الصالحين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- واجعلوا من عيدكم هذا صفحة جديدة بيضاء، يصحح من خلالها الواقع المرير، ويكشف الزيغ عن كثير من الشعارات، والنداءات التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وأن يكون الحكم لله في أرضه، وأن تكون الهيمنة في جميع شئون الحياة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] . عن البراء بن عازب ﵁ قال: ﴿مر على رسول الله ﷺ بيهودي محموم، فدعاهم النبي ﷺ فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فقلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلناه التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] الحديث﴾ رواه مسلم. فأي حكم -عباد الله- أهدى من حكم الله، وأي شريعة أصلح من شريعة الإسلام: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! أمة الإسلام: حجاج بيت الله الحرام! إن أردتم السعادة والفلاح فأصلحوا نفوسكم من داخلها، ونقوا وسائل المجتمعات من شوائبها، لا سيما الإعلام، لأنه سلاح ذو حدين، فالله الله أن يُرى فيه ما يحلق الدين، أو ما يضلل الناس، أو يكون سبباً في البعد عن الحقائق، مع نشر الكذب والدجل، والتضليل على الشعوب والمجتمعات، فإن مما لا شك فيه، أن الإعلام قوام المجتمعات، وإذا أردت أن تحكم على مجتمع ما صعوداً أو هبوطاً فانظر إلى إعلامه. فحذار -أمة الإسلام- من الإخلال بضوابطه والخروج عن مقصده من حيث النفع والتربية، والنشأة السوية، وخدمة المجتمعات فيما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وفق شريعة الله الخالدة، فاتقوا الله أيها الإعلاميون، واعلموا أنكم مسئولون تجاه الأمن الفكري سلباً وإيجاباً.
следующие страницы →