← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فرضية حج بيت الله الحمد لله الذي لا يطلب منحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون. أحمده سبحانه، استتماماً لنعمته، واستسلاماً لعزته، واستعصاماً من معصيته. وأستعينه فاقة إلى كفايته، إنه لا يضل من هداه، ولا يعز من عاداه، ولا يفتقر من كفاه، له الحمد فرض علينا حج بيته الحرام، الذي جعله قبلة للأنام، يردونه رجالاً وركباناً كل عام، ويألهون إليه ولوه الحمام، جعله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمته، وإذعانهم لعزته، فاختار من خلقه سماعاً أجابوا إليه دعوته، وصدقوا كلمته، ووقفوا موقف أنبيائه، يحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته، جعله للإسلام علماً، وللقاصدين حرماً، فرض حجه، وأوجب حقه، وكتب علينا وفادته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نتمسك بها أبداً ما أبقانا، وندخرها لأهاويل ما يلقانا، فإنها عزيمة الإيمان وفاتحة الإحسان، ومرضاة الرحمن، ومدحرة الشيطان. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع، والأمر الصادع؛ إزاحة للشبهات، واحتجاجاً بالبينات، وتحذيراً بالآيات، وتخويفاً بالمثلات، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر كبيراً! والحمد لله كثيراً. الله أكبر عدد ما ذكره الحاجون وبكوا! والله أكبر عدد ما طافوا بالبيت الحرام وسعوا! الله أكبر عدد ما زهرت النجوم، وتلاحمت الغيوم! الله أكبر عدد ما أمطرت السماء، وعدد ما غسق واقب أو لاح ضياء! الله أكبر عدد خلقه، وزنة عرشه، ومداد كلماته! الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً. أما بعد:- فيا أيها المسلمون: ويا حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه، فاتقوه في المنشط والمكره، والغضب والرضا، والخلوة والجلوة، واعلموا أنه قد اجتمع لكم في هذا اليوم عيدان، عيد الأضحى، وهو يوم الحج الأكبر، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، فأكثروا من الشكر لله جل وعلا، وبادروا بالأعمال قبل انقطاعها واعلموا أن الله غفور رحيم. أيها المسلمون! إن الناس ما زالوا منذ أذن فيهم إبراهيم ﵇ بالحج يفدون إلى بيت الله الحرام، في كل عام من أصقاع الأرض كلها، وأرجاء المعمورة جميعها، مختلفة ألوانهم، متمايزة ألسنتهم، متباينة بلدانهم، يفدون إليه وأفئدتهم ترف إلى رؤية البيت العتيق، والطواف به، ويستوي في ذلك الغني والفقير، والقادر والمعدم، كلهم يتقاطرون إليه، تلبية لدعوة الله، التي أَذَّن بها إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] . إن الحجاج إذ يستبدلون بزيهم الوطني، زي الحج الموحد، ويصبحون جميعاً بمظهر واحد، لا يتميز شرّقيهم عن غرّبيهم، ولا عربيّهم عن أعجميّهم، كلهم لبسوا لباساً واحداً وتوجهوا إلى رب واحد، بدعاء واحد، وتلبية واحدة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. تراهم يلبون وقد نسوا كل الهتافات الوطنية، وخلفوا وراءهم كل الشعارات القومية، ونكسوا كل الرايات العصبية والعرقية، ورفعوا راية واحدة هي راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يطوفون حول بيت واحد، ويؤدون نسكاً واحداً. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد! إن الله يوم شرع الحج للناس أراد بما أراد من الحكم أن يكونوا أمة واحدة، متعاونة متناصرة، متآلفة متكاتفة، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. إن الحج سلامٌ حقيقي برمته، سلام غير مزيف، يدخل فيه المسلم مدة هذا النسك فيتعلم من خلاله احترام حق الحياة لكل مسلم حي، مهما كانت درجة حياته، فلا يتعدي على أحد، ولا يظلم أحداً، ولا يبغي على أحد.

стр. 247

الإسلام دين السلام إن كل عاقل ومنصف يشهد بالله: أن السلام الحقيقي والتعاون القلبي والروحي، والتعاون على البر والتقوى، لا ظل له في الواقع إلا بالإسلام ومن خلال الإسلام وتاريخ الإسلام، وأما غير المسلمين من شتى الأمم ومختلف الديانات فإن أقوالهم معسولة وأفعالهم مسمومة فيما يدعون إليه، إذ جعلوا مفهوم حقوق الإنسان عندهم مبنياً على فتح باب الحريات على مصراعيه، حسب ما يقتضيه المفهوم العلماني عندهم، والذي يرقب شرعة الله وصبغته، بل يتم به تدمير الأخلاق، وإشاعة فوضى الغرائز، ثم هم يزعمون أنها برمتها تعني مبادئ الحضارة والتقدم والرقي، ومن خالفها وكابر فيها رموه بأنه مخالف لحقوق الإنسان، وهي ليست من الحقوق في ورد ولا صَدَر، ولا هي من بابته، بل إن حلوها مرٌ، وسهلها صعب، ودماثتها ذميمة، ويا لله! لقد صدقوا ظنهم، فاتبعوهم أغرار ولهازم، من مفكرين وكتاب، بالعلوم السياسية والاقتصادية والقانونية وعلم الاجتماع، وجملة هؤلاء هم في الحقيقة أشياع لدعوات الغرب ولدات. يتسللون لواذاً عن أصول دينهم، فيشوشون بالتشريع ويهوشون في الحدود، وليس غريباً أن تتبدى خطوط مثل هذه القضية عبر هذه الفتن المتلاطمة، ولا يظن بالطبع أن ما بقي من ألوانها ورسومها بمعجزنا أن نتخيله، فمواقعوها هم صنف من الناس، يتمددون بالحرية، وينكمشون بالإسلام، وكفاكم من شر سماعه، وتلكم ثمالة نعيذكم بالله من غوائلها. لقد طب أصحاب تلك الدعوات زكاماً، فما أحدثوا في الحقيقة إلا جذاماً، وحللوا بزعمهم الهموع غداً وبالذي وضعوه زادت العقد، فكم يقتل من المسلمين، وكم تنزع من حريات، وكم يعتدى على حقوق في حين أن دعاة حقوق الإنسان يخفضون جناح الذل من رحمتهم وعدلهم المزعوم على دعم وتحصيل منظمات عالمية لمحبي الكلاب، وأصدقاء الحيوانات الأليفة، فتفتح الصوالين للكلاب، ليقوم أخصائيون بقص شعرها وتزينها وتعطيرها، وبالمقابل -عباد الله- تفتتح الصوالين الدموية التي يقص من خلالها شعور البشر المسلمين، ويحلقون أديانهم ويغتصبون أرضهم وأموالهم. فليت مخبراً يخبرنا أتكون الكلاب المكلبة أهم وأعظم من قطر إسلامي بأسره، تعدو عليه حثالة لئيمة من ذئاب البشر وعبدة الطاغوت، فيقتلون الشيوخ والأطفال، ويرملون النساء في مسرى رسول الله ﷺ ، وفي غيره من أراضي المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ إنهم بذلك هم قتلة الإنسان، وهم حماة حقوق الإنسان المجرم. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر كبيراً!

стр. 248

شمولية الإسلام أيها المسلمون: يا حجاج بيت الله الحرام! ما أحوج البشرية في هذا العصر وهي تكتوي بلهيب الصراعات الدموية والنزاعات الوحشية، ما أحوجها وهي تلتفت إلى بيت الله الحرام، إلى أن تخلِّص نفوس أبنائها من الأنانية والبغضاء، والكراهية والشحناء، وترتقي إلى أفق الإسلام السامي، فتتعلم الحياة بسلام ووئام، كما أراد الله لعباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٠٨-٢٠٩] . إنه بهذا الصفة، وتلك الجموع، يقرر الإسلام: أنه ليست هناك دواع محفولة تحمل الناس على أن يعيشوا متناكرين، بل إن الدواعي القائمة على الطريق الحق تمهد للمسلمين مجتمعاً متكافلاً، تسوده المحبة، ويمتد به الأمان، على ظهر الأرض كلها، والله رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أمرين اثنين، ليجعل من هذه الرحب ملتقى تتشابك عنده الصِلات، وتستوثق العُرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] . إنه التعارف لا التنافر، والتعاون لا التخاذل، فالأرض أرض الله، والكل عباد الله، وليس هناك إلا ميزان واحد، تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس، ألا وهو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ألا أن الكريم حقاً هو الكريم عند الله، وهو يزنكم عن علم وخبرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد!

стр. 249

بيت الله يجدد معالم التوحيد حجاج بيت الله الحرام! إن بيت الله العتيق ما برح يطاول الزمان، وهو شامخ البنيان، في منعة من الله وأمان، بناه إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉، إعلاناً بالتوحيد الخالص، إذ بناؤه مرهون بتوحيد الله، حيث قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] . فمن أجل التوحيد بني بيت الله، لئلا يعبد إلا هو وحده، فقد حطم المصطفى ﷺ الأصنام من حول الكعبة -وعلى رأسها أعلاها وأعظمها هبل- وهو يردد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] . لقد تمثل التوحيد في الحج من خلال التلبية، وفي قراءة سورتي الكافرون وقل هو الله أحد في ركعتي الطواف، وتمثل في خير الدعاء وهو دعاء يوم عرفة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . إذاً: فالتوحيد -عباد الله- هو لباب الرسالة السماوية كلها، وهو عمود الإسلام وشعاره الذي لا ينفك عنه، وهو الحقيقة التي ينبغي أن نغار عليها ونصونها من كل شائبة، فالتوحيد وسيلة كل نجاح وشفيع كل فلاح، يصير الحقير شريفاً، والوضيع مطريفاً، يطول القصير ويقدم الأخير، ويعلي النازل، ويشهر الخامل، وما شيد ملك إلا على دعائمه، ولا زال ملك إلا على قواصمه، ما عزت دولة إلا بانتشاره، ولا زالت وذلت إلا باندثاره، ألا وإن معظم الشرور والنكبات التي أصابت أمة الإسلام وأشد البلايا التي حلت بها إنما كانت بسبب ضعف التوحيد في النفوس، وما تسلط من تسلط من الأعداء، وتعجرف من تعجرف، وغار من غار على حياض المسلمين، واستأصل شأفتهم إلا بسبب ضعف التوحيد، وما تأريخ التتار عن المسلمين بغائب، حيث بلغ الضعف في نفوس كثير من المسلمين آنذاك مبلغاً عظيماً؛ بسبب ضعف التوحيد، حتى ذكر بعض المؤرخين: أن جموعاً من المسلمين، أبان الهجوم التتري لبلاد الإسلام كانوا يرددون: يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر عوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الضرر كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] . لقد ابتلي كثير من الناس بالجهل بالتوحيد، حتى لم يعرفوا حق الله وحق العبد، ومزجوا بعض ما لله فجعلوه للعبد، حتى انحاز بعضهم إلى أصحاب القبور، وتضرعوا أمام أعتابها، وتمسحوا بها، واستغاثوا بأهلها بالشدائد والكروب، بل لقد كثر مروجوها والداعون إليها من قبوريين ومخرفين، والذين يخترعون حكايات سمجة عن القبور وأصحابها وكرامات مختلقة لا تمس إلى الصحة بنصيب. بل قد طاف بعضهم بالقبور كما يطاف بالكعبة المعظمة، وأوقفوا الأموال الطائلة على تلك الأضرحة، حتى إنه لتجتمع في خزائن بعض المقبورين أموال يصعب حصرها، فيا لله! كيف أن أحياءهم لا يكرمون بدرهم واحد، وبألف ألف قد يكرم أمواتهم!! لقد قصر أناس مع التوحيد، فتقاذفتهم الأهواء، واستحوذت عليهم الفتن والأدواء، فمن مفتون بالتمائم والحروز يعلقها عليه وعلى عياله؛ بدعوى أنها تدفع الشر، وتذهب بالعين، وتجلب الخير، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] . لقد قصر جمع من المسلمين مع التوحيد، فافتتنوا بالمشعوذين، والدجاجلة الأفاكين، من سحرة وعرافين ونحوهم، والذين يأكلون أموال الناس بالباطل، بدعوى أنهم يكاشفونهم بأمور الغيب، فيما يسمى مجالس تحضير الأرواح، أو قراءة الكف والفنجان، ليكاشفوا الناس -على حد زعمهم- عما سيحدث في العالم خلال يوم جديد، أو أسبوع سيطل، أو شهر أوشك حلوله، أو عام مرتقب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] . ناهيكم -عباد الله- عن اللت والعجن عبر الصحف والمجلات ونحوها، فيما يسمى قراءة الأبراج ومستقبلها، والذي يروج من خلاله بأنه يا لسعادة كاملة لأصحاب برج الجدي، ويا لغنى أصحاب برج العقرب، وأما أصحاب برج الجوزاء فيا لتعاسة الحظ وخيبة الأمل (زعموا) إلى غير ذلك من سيل الأوهام الجارف، والخزعبلات المقيتة التي لا حد لها: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد! بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 250

الاحتكام إلى شرع الله الحمد لله ولي الصالحين، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون- واجعلوا من عيدكم هذا صفحة جديدة بيضاء، يصحح من خلالها الواقع المرير، ويكشف الزيغ عن كثير من الشعارات، والنداءات التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وأن يكون الحكم لله في أرضه، وأن تكون الهيمنة في جميع شئون الحياة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] . عن البراء بن عازب ﵁ قال: ﴿مر على رسول الله ﷺ بيهودي محموم، فدعاهم النبي ﷺ فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فقلنا: إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلناه التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] الحديث﴾ رواه مسلم. فأي حكم -عباد الله- أهدى من حكم الله، وأي شريعة أصلح من شريعة الإسلام: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! أمة الإسلام: حجاج بيت الله الحرام! إن أردتم السعادة والفلاح فأصلحوا نفوسكم من داخلها، ونقوا وسائل المجتمعات من شوائبها، لا سيما الإعلام، لأنه سلاح ذو حدين، فالله الله أن يُرى فيه ما يحلق الدين، أو ما يضلل الناس، أو يكون سبباً في البعد عن الحقائق، مع نشر الكذب والدجل، والتضليل على الشعوب والمجتمعات، فإن مما لا شك فيه، أن الإعلام قوام المجتمعات، وإذا أردت أن تحكم على مجتمع ما صعوداً أو هبوطاً فانظر إلى إعلامه. فحذار -أمة الإسلام- من الإخلال بضوابطه والخروج عن مقصده من حيث النفع والتربية، والنشأة السوية، وخدمة المجتمعات فيما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وفق شريعة الله الخالدة، فاتقوا الله أيها الإعلاميون، واعلموا أنكم مسئولون تجاه الأمن الفكري سلباً وإيجاباً.

стр. 251

اهتمام الإسلام بالمرأة كما أنه ينبغي علينا جميعاً أن نصحح أوضاعنا تجاه المرأة المسلمة، وأن نتفطن للأيادي العابثة، والقفازات الزائفة، والتي تتربص بها ليل نهار لتخرجها من نطاقها المرسوم لها حتى تكون فريسة لذوي الشهوات المسعورة، والمطامع المشبوهة، وللذين كرهوا ما نزل الله. ولنحرص جميعاً على تبيين اهتمام الإسلام بالمرأة، وأنها لها شأن في المجتمع، بل هي نصف المجتمع، وأن الإسلام رعا حقها بنتاً، ورتب الأجر الجزيل على من عال جاريتين، ورعا حقها زوجة، فجعل لها من الحق مثلما للرجل وللرجل عليها درجة، ولم يجعل عقد الزوجية عقد استرقاق للمرأة ولا عقد إهانة واتفاق، إنما هو عقد إكرام واتصال بالحلال. كما أحسن الإسلام في الوقت نفسه إلى المرأة أماً فقدم حقها على حق الأب، ثلاث مرات في البر، بل أكد النبي ﷺ حق المرأة المسلمة في حجة الوداع بقوله: ﴿فاتقوا الله بالنساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! حجاج بيت الله الحرام! يا من أديتم مناسككم ووقفتم بـ عرفات، وانحدر بكم الشوق إلى المزدلفة، فسكبتم عند المشعر الحرام العبرات، هنيئاً لمن رزقوا الوقوف بـ عرفة، وجأروا إلى الله بقلوب محترقة، ودموع مستبقة، فلله كم من خائف أزعجه الخوف من الله وأقلقه، ومحب ألهمه الشوق وأحرقه، وراج أحسن الظن بوعد الله فصدقه، اطلع عليهم أرحم الرحماء، وباهى بجمعهم أهل السماء. فهل رأيتم -عباد الله- قط شبه عراة، أحسن من المحرمين، هل شاهدتم ماء صافية أصفى من دموع المتأسفين، هل ارتفعت أكف وانبسطت أيدي فضاهت أكف الراغبين. هل لصقت بالأرض جباه أفضل من جباه المصلين، فيا لها من غنيمة باردة، ويا له من فوز خاب مضيعوه. حجاج بيت الله الحرام! أخلوا لله حجكم، واتبعوا سنة نبيكم ﷺ تفحلوا، واشكروا الله شكراً كثيراً على أن هيأ لكم سبل الراحة، وأداء الحج في يسر وسهولة، مع أمن مبذول، وتنظيم مشكور، ومعنيين بالدعوة والتوجيه، سخرهم الله في بلاد الحرمين، خدمة لحجاج بيته، فالحرمان الشريفان أهل لأن يخدما، وبلاد الحرمين الشريفين حرسها الله أهل لأن تكون خادمة للحرمين، فشكر الله الجهود، وبارك بالخطا، وتقبل من الحجاج حجهم إنه هو السميع العليم. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد!

стр. 252

سنية الأضحية وشروطها عباد الله: إن يومكم هذا هو يوم الحج الأكبر وهو عيد الأضحى والنحر، وإن من أعظم ما يؤدى في هذا اليوم، هو بقية مناسك الحج، إضافة إلى الأضحية الشرعية، التي ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإن للمضحي في كل شعرة حسنة، وبكل صوفة حسنة، وهي سنة أبينا إبراهيم المؤكدة، ويكره تركها لمن قدر عليها، كما أن ذبحها أفضل من التصدق بثمنها، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة. ثم اعلموا أن للأضحية شروطاً ثلاثة: الشرط الأول: أن تبلغ السن المعتبرة شرعاً وهو خمس سنين للإبل وسنتان في البقر، وسنة كاملة في المعز، وستة أشهر في الضأن. والشرط الثاني: أن تكون سالمةً من العيوب، التي نهى عنها الشارع، وهي أربعة عيوب، العرجاء التي لا تعانق الصحيحة في الممشى، والمريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعجفاء: وهي الهزيلة التي لا مخ فيها، وكلما كانت أكمل في ذاتها وصفاتها فهي أفضل. والشرط الثالث: أن تقع الأضحية في الوقت المحدد، وهو الفراغ من صلاة العيد، وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد، فصارت الأيام أربعة. ومن كان منكم يحسن الذبح فليذبحها بنفسه، ومن لا يحسنه فليوكل غيره ممن يحسنه، وليرفق الجميع بالبهيمة، وليرح أحدكم ذبيحته، وليحد شفرته، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، حتى في ذبح البهيمة، ثم ليسمي أحدكم عند ذبحها، ويقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذه عن فلان أو فلانة، ويسمي صاحبها. ثم أعلموا -أيها المسلمون- أن الله قد جمع لكم في هذا اليوم عيدين اثنين، وقد ثبت عند أبي داود وابن ماجة وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: ﴿قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون﴾ . وقد قال محققون من أهل العلم: إن من شهد العيد، سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد.

стр. 253

النهي عن التشبه بالكفار ثم اعلموا -يا رعاكم الله- أن الله سبحانه لم يشرع لأمة الإسلام في السنة إلا عيدين اثنين، هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وبهذا يعلم أن ما يفعله البعض، من التقليد الأعمى لأهل الغرب من خلال التشبه بأعيادهم ومناسباتهم وإقامتها في بلاد المسلمين، كالذي يسمى عيد الحب، أو عيد الأم، أو ما شابه ذلك، فإن هذا من الأعياد المحدثة التي لم يأذن بها الشارع الحكيم بل حرمها من وجوه متعددة، في كتابه وسنة نبيه ﷺ . ورأس أسباب التحريم: هو أنه من الإحداث في الدين، والنبي ﷺ يقول في الحديث الصحيح: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ ناهيكم عن كونه تشبهاً بالمشركين، وقد جاء النهي عن التشبه بهم، بل قال النبي ﷺ : ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ . إضافة إلى كونها تسلب استقلالية المسلمين وعزتهم وتمسكهم بدينهم على وجه المسارقة والتدرج، وأمة الإسلام يجب أن تكون متبوعة لا تابعة، وقائدة لا مقادة، ورضي الله عن ابن مسعود حيث يقول: [[أنتم أشبه الأمم ببني اسرائيل سمة وهدياً، تتبعون عملهم، حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أما لا]] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٤-٣٧] . الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأفضل البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقد أمركم الله بذلك فقال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وسلم الحجاج والمسافرين والمعتمرين، في برك وبحرك وجوك من المسلمين يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته ياذا الجلال والإكرام! اللهم اجعل مواسم الخيرات لنا مربحاً ومغنماً، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمتك طريقاً وسلماً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! الله أكبر! الله أكبر ولله الحمد! الله أكبر! الله أكبر كبيراً!

стр. 254

نعمة العقل ميز الله الإنسان عن سائر الأحياء بنعمة العقل؛ لكي يستوعب الدين، ويتمكن من أداء رسالته في هذه الحياة، بعد أن يتعرف على الغاية من خلقه. وعلى هذا فإن المنكر الواضح أن يستخدم هذا العقل في معارضة الدين والشرع. وقد تجرأ بعض أبناء الإسلام على معارضة النقل، وتقديم العقل عليه، وهذا أمرٌ قد أنكره السلف بل وتنكره الشريعة عموماً. وفي هذه المادة بيان لبطلان هذه النزعة المنحرفة، وبيان لطوائف المخالفين للوحي.

стр. 255

مكانة العقل وأهميته للإنسان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس! جميلٌ جداً أن يتحدث المرء المسلم بنعم الله عليه، وبآلائه التي أسبغها على عباده ظاهرة وباطنة، يقول الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] . ومما لا شك فيه أن نعم الله علينا تترى، بل كل النعم هي منه وحده لا يشركه معه غيره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] . عباد الله: قد لا تختلف أفهامنا جميعاً على أن من أعظم النعم التي أكرمنا الله بها نعمة العقل؛ العقل الذي وهبنا الله إياه لنمتاز به عن الحيوان الأعجم والصخر الصلب، فبالعقل يشرف الإنسان، وبالعقل يكلف المرء، وبه يعرف خالقه جل شأنه، ذلكم العقل الذي يميز به بين الخير والشر والهدى والضلالة، إذا استعمله الإنسان كان سبباً في سلوك طريق الهدى، والبعد عن موارد الردى، العقل الذي يعد من أكبر الطاقات البشرية طرى، إنه لنعمة عظمى وسمة جلى امتن الله بها علينا: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣] إنه لا يعلم قدر العقل إلا من وهبه، وإلا كان هو والعير في الفلاة سواء. ومن تأمل حكمة الله جل وعلا في أن يكون الطفل الوليد بلا عقل اكتسابي لأدرك أثر هذه النعمة عليه، حينما يوهب شيئاً بعدما منع منه، ليكون الإحساس به أشد وقعاً، وأجدى نفعاً: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] . يقول ابن القيم ﵀: لو ولدت أيها الإنسان عاقلاً كحالك في كبرك لتنغصت عليك حياتك أعظم تنغيص؛ لأنك ترى نفسك محمولاً رضيعاً، عاجزاً مسجوناً في المهد، أو كنت ممن ابتلي بفقد والديه، فكنت كالواله الحيران، ولكنها محض الحكمة والرحمة بك والتدبير.

стр. 256

حفظ الضرورات الخمس ثم اعلموا أيها الناس! أن العقل إما أن يكون غريزياً، وإما أن يكون اكتسابياً، فالأول: كعقل الطفل الذي سبق ذكره، والثاني: ما يكتسبه الصبي على مرور الأيام إلى أن يبلغ أربعين سنة، ثم بعد ذلك يأخذ في النقصان إلى أن يخرف، بخلاف العلم فإنه يكون كل يومٍ في زيادة، ومنتهى تعلم العلم هو منتهى العمر، وهذا يدل على أن العقل أضعف من العلم، فلأجل ذا يا عباد الله، أجمعت الرسل قاطبة على حفظ الضرورات الخمس، والتي هي: الدين، والعقل، والعرض، والمال، والنفس.

стр. 257

رعاية الإسلام للعقل فالعقل إذاً ضرورة كبرى من هذه الضرورات، مرهونة بإيجاد ومنع؛ فالإيجاد إنما يكون من خلال استعماله في طاعة الله سبحانه، واعتقاد دين الإسلام به، والمنع إنما يكون من خلال سرد كل ذريعة مفضية إلى إفساد هذا العقل، أو تعطيله عن الاتصال بنور الهداية، فلأجل ذا حرم كل ما من شأنه أن يكون سبباً في زواله، كشرب المسكرات والمخدرات ونحوها، بل لقد جعل الشارع الحكيم الدية كاملةً في زوال العقل بسبب الاعتداء عليه، ولو لم يكن من ذلك إلا كون العقل شرطاً في معرفة العلوم، وفي الأعمال وصلاحها، وبه يكمل دين الإنسان لكفى، غير أنه لا يستقل بذلك وحده، إذ هو غريزة في النفس وقوة فيها كقوة البصر إيجاباً وسلباً، وما ذاك إلا بقدر اقتباسه من نور الإيمان، بيد أنه إذا انفرد عن النور أو أبعد عنه بالكلية كانت أقواله وأفعاله أموراً حيوانية كما قال ذلك شيخ الإسلام ﵀.

стр. 258

العقل الموفق والعقل المخذول ثم إن العقل البشري الذي يستطيع أن يؤدي وظيفته على أكمل وجه، هو ذلكم العقل الذي تجرد عن الهوى، وخلص من رقة التقليد الأعمى، فلم يتأثر بالآراء والأفكار المنحرفة، التي تدفعه للوقوع في الضيق والضلال، كما أنه لم يعطل قواه باتباع أعمى فينجر به إلى انحراف ذريعٍ وزيغٍ مردٍ، هذا هو العقل الذي يمكن أن يحمل رسالة الإسلام حملاً صحيحاً، وأما الذين كبلوا عقولهم وعطلوها عن موارد النهل الصافي فهم الذين قال الله عنهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢-٢٣] ، ولأجل ذلك كان جواب أمثال هؤلاء يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠-١١] . وجماع ما مضى ذكره عباد الله هو ما ذكره أبو القاسم الأصفهاني ﵀ بقوله: العقل نوعان: عقلٌ أُعين بالتوفيق، وعقلٌ كيد بالخذلان. فالذي أعين بالتوفيق يدعو صاحبه إلى موافقة الأمر المفترض بالطاعة، والإنقياد لحكمه والتسليم به، والعقل الذي كيد يطلب بتعمقه الوصول إلى علم ما استأثر الله بعلمه، وحجب أسرار الخلق عن فهمه حكمةً منه بالغة.

стр. 259

العقلانية الحديثة عقبة في طريق الإسلام عباد الله! إنما قلنا ما قلناه في هذه العجالة كمدخلٍ وتوطئةٍ نشير بهما إلى أن جملة من عقول هذه الأجيال المتأخرة ليخشى عليها من تسلل ظلمات بعضها فوق بعض، أو أن تدب إلى عقولهم شبهات ومكابرات، لا يجد الوالغ في حمأتها بصيص نورٍ يهتدي به إلى سواء الصراط، أو يخلص به من ضلالة، أو ينجو به من غواية، وذلك من خلال حلول شيء من الازدواجية الممقوتة غير يسير، عبر وسائل التلقي المختلفة، والتي يتعارك فيها الحق والباطل، والصحيح والضعيف، والعقل والشرع، والزين والشين، يبرز الحق فيها مرة والباطل مرات، جندت لمثله أقلام بعض الورقيين من ممتهني الصحافة أو الكتابة، عبر الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وهي خير شاهدٍ على هذا، حيث لم تسخر جملة منها للذب عن الإسلام شريعة وروحاً واعتقاداً، بل حبرت بعض الأقلام لتقرير نزعة جديدة يخلع من خلالها الجلباب الساتر لكاتبها عن إبراز هذا المقصد، فراحوا يخوضون فيما يسمى تمجيد العقل وإكباره، وجعله حكماً قهرياً على عدد ليس بالقليل من النصوص الشرعية الإسلامية. فعرضوا الحاكمية في الشريعة على العقل، وعرضوا الحدود والجنايات على العقل، وعرضوا الولاء والبراء في الإسلام على العقل، وعرضوا بعض المسلمات في قضايا المرأة المسلمة وشئونها على العقل، حتى صار ذلك لوثة نعوذ بالله من تبعات قسماتها، وشمالةً نعوذ بالله من غوائلها، بل هي معرة برمتها، لاتتها أفواه المعارضين بعقلانيتهم، حتى لفظتها أسماع أهل الشريعة، ومثل هذا عباد الله ليس ببعيد على من أطلق العنان لعقله يصول به ويجول في شرع الله بلا خطام ولا زمام. ولا غرو في ذلك، فقد قال ابن القيم ﵀: وكل من له مسكت من عقلٍ يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، ومن أعظم معصية العقل إعراضه عن كتاب الله ووحيه الذي هدي به رسله، والمعارضة بينه وبين كلام غيره، فأي فسادٍ أعظم من فساد هذا العقل. فيا للعجب! أيها الناس! كيف يكون الحق قريباً وليس إليه وصول، وكيف يكون أمثال هؤلاء: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول وإذا كان يسعى إلى الماء من يغص بلقمةٍ واحدة فإلى أي شيء سيسعى من يغص بالماء ذاته، إن سنن الله جل وعلا وشريعته لا تخاصم، ولا ينبغي لها أن تتبع بالعقل، ولو فعل الناس ذلك لم يمض يوم واحد إلا انتقلوا من دينٍ إلى دين، ولعمر الله إن بعض السنن لتأتي أحياناً على خلاف الرأي ومجانبته خلافاً بعيداً فما يجد المسلمون بداً من اتباعها والانقياد لها، ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [[لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفه]] .

стр. 260

إنكار السلف للعقلانية التي تخالف النقل وقد قال بعض السلف كـ أبي الزناد وغيره: وما برح من أدركنا من أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس، يعيبون أهل الجدل والتنقيب، ويعيبون الأخذ بالعقل أشد العيب، وينهون عن لقائهم ومجالستهم، ويخبرون أنهم أهل ضلال وتحريف. حتى قال الأصفهاني ﵀: إذا رأيت الرجل إذا قيل له: لمَ لا تكتب الحديث؟ يقول: العقل أولى، فاعلم أنه صاحب بدعة. بل لقد ذهب الشافعي ﵀ إلى أبعد من هذا حيث جعل ترك السنة، والاعتراض عليها، وعدم الأخذ بها، نوع جنونٍ أو هو جنون وإن لم يكن حسياً، فقد قال ﵀: متى عرفت لرسول الله ﷺ حديثاً ولم آخذ به، فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب. ومن هنا وصف ابن تيمية ﵀ العقل بالصنم، إذا غلا فيه المرء وطغى، فقال ﵀: والداعون إلى تمجيد العقل، إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنمٍ سموه عقلاً، وما كان العقل وحده كافياً في الهداية والإرشاد، وإلا لما أرسل الله الرسل. ولله ما أجمل كلاماً لـ ابن القيم ﵀ يشفي العليل، ويروي الغليل في تقرير هذه المسألة! فيقول: كيف ينقدح في ذهن المؤمن أن في نصوص الوحي المنزلة من عند الله ما يخالف العقول السليمة؟! بل كيف ينفك العقل الصريح عن ملازمة النص الصحيح؟! بل هما أخوان لا يفترقان، وصل الله بينهما في كتابه، وإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذنا بالنقل الصحيح ورمينا بهذه العقول تحت الأقدام، وحطت حيث حطها الله وأصحابها، فكيف يظن أن شريعة الله الكاملة ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياسٍ، أو معقولٍ خارجٍ عنها، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعد محمد ﷺ . وحاصل الأمر عباد الله! أن العقل في هذه العصور المتأخرة قد كبا كبوة خطيرة، وأقحم في أمور ينبغي أن يكون العقل فيها تابعاً لا متبوعاً، والسلف الصالح ﵏ قد استعملوا الأقيسة والدلائل العقلية، ولم ينكروها بالإطلاق، وإنما أنكروا ما كان منها فاسداً مما يخالف الشرع، ويعلم فساده، مما يتذرع به من يبطل بعض النصوص الشرعية، أو يحرفها بحجة أنها تخالف القواطع العقلية، وهي في الحقيقة خيالات وأوهامٌ وشهوات، لا يميز فيها بين الشخص والصورة، ولا بين الطيف والحقيقة، حتى ركبت بهم متن عمياء، وخبطت بهم خبط عشواء. ثم نقول لأمثال هؤلاء: إن أردتم إقحام العقول في فرز الشريعة فعقل من مِن البشر نحكم؟ أهو عقل زيد، أم عقل عمرو؟ أعقل رجلٍ، أم عقل امرأة؟ أعقل متزن، أم عقل صاحب هوى؟

стр. 261

اختلاف العقول يوجب تقديم الشرع ألا إن دلائل العقل قلما تتفق، بل عقل كل واحدٍ يري صاحبه غير ما يري الآخر، وهذا بينٌ والحمد لله، وقديماً قيل: لو سكت الذي لا يعلم لما كان هناك خلاف، ومن لم ير الهلال فعليه أن يسلم لأناسٍ رأوه بأبصارهم، كيف يحتج العقل على خالقٍ من بعض مخلوقاته هذا العقل؟! وأما ما يسطره بعض الكتبة، وما يدندنون حوله، من ذكر أحاديث عن الرسول ﷺ وردت في تعظيم العقل وإكباره، فإنه خلاف الحق، فقد قال ابن القيم ﵀: أحاديث العقل كلها كذب. ونقل عن بعض السلف قوله: لا يصح في العقل حديث. فصار فعل أمثال هؤلاء فيما يطرحونه من تحكيم العقل والاستقلال به من القيود كما يقول ابن تيمية ﵀: هو أخبث من لحم خنزيرٍ في صينية من ذهب. فالواجب على كل مسلم -عباد الله- أن يتقي ربه جل وعلا، وأن يعلم أن شريعة الله ليست عرضة للعقول لتخاصم بها، فقد حد الله للعقول حدوداً لا ينبغي تجاوزها ولا الافتيات على الله بها، والله يقول: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠] ويقول: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] قال بعض أهل العلم: وهذا دليلٌ ظاهر في أن الذي نراه معارضاً للوحي ويقدم العقل عليه، ليس من الذين أوتوا العلم في شيء، كيف لا والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، فانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً إنك أنت العليم الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله بريئان منه، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 262

طوائف المخالفين للشريعة الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون، واقدروا الله حق قدره، وإياكم ومحدثات الأمور، والمخاصمة لنصوص الشارع بعقولكم وآرائكم، ولا تجعلوا شيئاً من ذلك مقدماً عليها فما وافق العقول قبلتموه، وما لا فلا؛ لأن هذه بلية عظمى، وهوة كبرى، اتسع نطاقها في بقاع شتى من ديار الإسلام، وأصحابها يصفون أنفسهم بالعقلنة، أو الاستنارة، أو التحرر. ثم لتعلموا أيها المسلمون! أن الذين يخالفون بعض النصوص بسبب أن عقولهم لا تحتملها أو لا تقتنع بها، أو بأي حجة، رجحوا فيها كفة العقل على كفة الشرع، فإنهم لا يخرجون عن خمس طوائف كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀: فالطائفة الأولى: عارضت الوحي بالعقل وقدمت عليه العقل، فقالوا لأصحاب الوحي: لنا العقل ولكم النقل. والطائفة الثانية: عارضته بآرائهم وقياساتهم، فقالوا لأهل الحديث: لكم الحديث ولنا الرأي والقياس. والطائفة الثالثة: عارضته بأذواقهم وحقائقهم، وقالوا: لكم الشريعة ولنا الذوق والحقيقة. والطائفة الرابعة: عارضت الوحي بسياساتهم وتدبيرهم، فقالوا: أنتم أصحاب الشريعة ونحن أصحاب السياسة. والطائفة الخامسة: عارضته بالتأويل الفاسد، وادعوا أنهم يفهمون أكثر مما يفهمه أهل الحديث والفقه. ثم إنه إذا رد على كلٍ من هؤلاء باطله، رجع إلى طاغوته وقال: في العقل ما لا يقتضيه النقل، وقال الآخر: في الرأي والقياس ما لا يجيزه الحديث، وقال الثالث: في الذوق والحقيقة ما لا تسوغه الشريعة، وقال الآخر: في السياسة ما تمنع منه الشريعة. وهكذا دواليك حتى لا يبقى من الشريعة إلا اسمها، فباطل هؤلاء كلهم لا ضابط له، بخلاف الوحي فإنه أمرٌ مضبوط مطابقٌ لما عليه الأمر في نفسه، تلقاه الصادق المصدوق من لدن حكيمٍ عليم. وقد قال ابن تيمية ﵀: ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول، فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه، بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته، ويدل لذلك عباد الله، أن الله تعالى ذم المنافقين الذين كانوا يرجعون في نفاقهم إلى عقولهم فقال : ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥] أي من بعد ما قالوا: وقفنا على كلام الله تعالى بعقولنا وهم يعلمون بطلان ما أدركوه بعقولهم، ويؤكد هذا الأمر أن الله تعالى قال عن جهابذة كفار قريش وصناديدهم: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور:٣٢] أي عقولهم، فدل على أن العقل لا يهدي إلى الدين استقلالاً. فالله الله! أمة الإسلام في دينكم، وحذار حذار! أن يؤتى هذا الدين من قبل تسليط الأفهام والعقول القاصرة عليه! وليكن موقفنا من شريعة ربنا كلها سواء أدركنا ذلك بعقولنا أو لم ندرك أن نقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٧-٨] . اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 263

لا أمن إلا في الإيمان !! تحدث الشيخ حفظه الله عن النظرية الأمنية عند المسلمين، فبرهنها بإثبات معادلة أن لا أمن إلا بالإيمان. وبين أن الكلام عن الحياة الآمنة إنما هو ديدن كافة المنابر. ثم انتقل للحديث عن الانحلال الأمني ومبددي الأمن في المجتمعات، مبيناً أن من مقاصد الشريعة استتباب الأمن في المجتمعات، ثم وضح شمول النظرية الأمنية على نطاق واسع، وواجبات هذه النظرية لتستوي على سوقها، وأنواع الأمن المتفرعة منها، وعن دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نشر بنود هذه النظرية.

стр. 264

الأمن ثمرة الإيمان الحمد لله، الحمد لله الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، ويحيط علماً بما يظهره العبد وما يضمر، الكريم المتعال، الذي يقبل التوبة عن عباده، فيمحو الزلل ويغفر، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين الأنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 265

التقوى أمان الخائفين فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ؛ فإنها الأمن عند الخوف، والنجاة عند الهلاك، بها يشرف المرء وينبل، وبالنأي عنها يذل العبد ويسهل، وهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠] . أيها الناس: في ظل الأمن والأمان تحلو العبادة، ويصير النوم سباتاً، والطعام هنيئاً، والشراب مريئاً. الأمن والأمان هما عماد كل جهد تنموي، وهدف مرتقب لكل المجتمعات على اختلاف مشاربها؛ بل هو مطلب الشعوب كافة بلا استثناء، ويشتد الأمر خاصة في المجتمعات المسلمة، التي إذا آمنت أمنت، وإذا أمنت نمت، فانبثق عنها أمن وإيمان ونماء، إذ لا أمن بلا إيمان، ولا نماء بلا ضمانات واقعية ضد ما يُعكِّر الصفو في أجواء الحياة اليومية. إطراء الحياة الآمنة، هو ديدن كافة المنابر، لما للأمن من وقع في حس الناس، من حيث تعلقه بحرصهم على أنفسهم، فضلاً عن كونه هبة الله لعباده، ونعمةً يُغبط عليها كل من وهِبها، ولا غرو في ذلك! فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾ .

стр. 266

الانحلال الأمني وآثاره بضعف الأمن وانحلاله تظهر آثار خبث الشيطان وألاعيبه هو وجنده من الجن والإنس، وإقعادهم بكل صراط يوعد بالأغرار من البشر، ويستخفهم فيطيعونه، فيبين حذقه وإغواءه، محققاً توعده بقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦-١٧] . إن المزايدة على الأمن والأمان في مجتمعات المسلمين عامة، لهو مدعاةً للسخرية والفوضى، المفرزين للممارسات الشاذة، والإخلال المرفوض بداهة، والمهدد لسفينة الأمان الماخرة، كلُّ ذلك غير مستساغ شرعاً ولا عقلاً، ولا قبول له تحت أي مبرر كان، بل كل مزايدة في اختلال الأمن والأمان إنما هو من نسيج الأعداء المتربصين بنا، وإن استعملوا في نفاذ اختلاله اللهازم من أبناء أمتنا وأغرارهم، من أجل سلب أمن الأمة المسلمة ومقدراتها بكل ما تعنيه الكلمة.

стр. 267

زعزعة الأمن وخطرها إن المرء المسلم في فسحةٍ من دينه، عن أن يَزُجَّ بنفسه في مهاوي الرذيلة، ومحال الريب. إن مزعزع الأمن ومخلخله إنما هو بادي الرأي يزعزع أمن نفسه ووالديه وبقية أسرته قبل أن يُزعزع أمن غيره من الناس، كل هذا يبدو واضحاً جلياً في مثل كأس خمر، أو قتل نفس، أو جرعة مخدر، أو هتك عرض، أو إحلال فساد بين الخلق، بمثل ذلك ينسلخ مواقع هذه الأمور عن إنسانيته وإسلاميته، ويتقمص شخصية الإجرام، والفتك، والفاحشة، والإضلال بالمسلمين؛ فيشل الحياة، ويهدم صرح الأمة، ويوقع مجتمعه وبني ملته في وهدة الذل والدمار، فيخل بالأمن، ويروِّع المجتمع، ويُبدِّد أمنهم شذر مذر. إنه متى امتد شذوذ المرء ليشمل الآخرين، ويمس من أهله ومجتمعه؛ فإنه -لا محالة- يعرض نفسه لحتفه، بالغاً ما بلغ من العنفوان والشجاعة، وإلا فلو فكر مزعزع الأمن ملياً في مصير والده ووالدته، حينما تأخذهما الحسرات كل مأخذ، وهما اللذان ربَّياه صغيراً، يتساءلان في دهشة وذهول: أمِنَ المعقول أن يكون من ولدناه تحت ناظرنا معول هدم لأمن المجتمع وصرحه؟! أما يفكر مزعزع الأمن في زوجه وأولاده الذين يُخشى عليهم الضياع من بعده، والأسى من فقده؟! ألا يشعر بأن زوجه أرملة ولو كان حياً؟! أوما يشعر بأن أولاده أيتام ولو كان له عرق ينبض؟! ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] . ألا يُفكِّر مُزعزع الأمن كيف يحل عليه الضعف محل القوة، والهم من نفسه محل الفرح، والكدر مكان الصفاء؟! حيث لم يعد يؤنسه جليس، ولا يريحه حديث، فهو قلق متوجس، كثير الإلتفات، فكيف يصل إلى منشوده ومبتغاه بعد أن يسأم الحياة بفعله الشاذ؟! والذي سيجعله قابعاً في غياهب السجون بسبب جرمه، فضلاً عما يُخالج أنفاسه وأحاسيسه؛ من ارتقاب عقوبة كامنة عند كل طرقة باب، لا سيما إن كان في هذه العقوبة حتفه، وتغييبه من هذه الحياة. ولا غرو في ذلك! فإن في قتل مجرم واحد حياة هنيئة لأمة بأكملها: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] وقديماً قيل: القتل أنفى للقتل.

стр. 268

دور العقوبات في استتباب الأمن أيها المسلمون: من أجل استتباب الأمن في المجتمعات، جاءت الشريعة الغراء بالعقوبات الصارمة، وحفظت للأمة في قضاياها ما يتعلق بالحق العام والحق الخاص، بل إن من المُسَلَّم في الشريعة قطع أبواب التهاون في تطبيقها أياً كان هذا التهاون؛ سواء كان في تنشيط الوسطاء في إلغائها، أو في الاستحياء من الوقوع في وصمة نقد المجتمعات المتحضرة. فحفظاً للأمن والأمان غضب النبي ﷺ على من شَفِعَ في حدِّ من حدود الله بعدما ما بلغ السلطان، وأكَّد على ذلك بقوله: ﴿وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها﴾ وما ذاك -أيها الناس- إلا من باب سد الذريعة المُفضية إلى التهاون بالحدود والتعزيرات، أو التقليل من شأنها. وإنه حين يدب في الأمة داء التسلل الأمني، فإن أفرادها بذلك يهيلون التراب على تراث المسلمين، ويقطعون شرايين الحياة عن الأجيال الحاضرة والآمال المرتقبة، وهم يخدمون بمثل هذا -عن وعي أو عن غباء- الغارة الاستعمارية على ديار المسلمين، من خلال أعمال، تزيد السقم علة، والطين بلة، فيُطاح بالمسلمين، وتوصد أبوابهم أمام الحياة الهانئة الآمنة. ومثل هذا ظاهر جلي في طرح الدعوات الصارخة لما يُسمى بمبادئ حقوق الإنسان، والتي تجعل من فتح الحريات وعتق الرغبات رفضاً باتاً للفطر السليمة، وسبباً مباشراً تدمر به الأخلاق المستقيمة، ومن ثمَّ يزعمون أن من خالف ذلك فهو ضد الإنسان والإنسانية، وضد الحقوق الشخصية، والرغبات الفردية، وهي في الحقيقة ليست من الإنسانية في شيء، ولا هي من بابتها، فلا تمت لها بخيط رقيق، ولا حبل متين، بل إنما يُنمَّق حول ذلك ويزوق مر العاقبة وإن حلا ظاهره، وصعب المرتقى، وإن سهل ترويجه، ودميم الطرح مهما بدت فينا دماثته. لقد سفَّهت دعوات حقوق الإنسان أحكام الشريعة؛ فوصفت إقامة الحدود بالسفه والحطة والغلظة، دعا أهلها إلى حفظ حقوق الإنسان فقتلوه من حيث أرادوا حفظ حقه، وأخرجوه من القيود الشرعية حرصاً عليه، فإذا بهم في نهاية المطاف يدركون أنهم إنما كانوا يُنادون بحفظ حقوق الإنسان المجرم، فإلى الله المشتكى.

стр. 269

حقيقة الأمن وصورته أيها المسلمون: القاعدة المقررة تقول: "إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، ولأجل أن نعرف حقيقة الأمن وصورته فلا بد أن تكون هذه المعرفة متصفة بالشمولية، وألا تكون ضيقة العطن، مستهجنة الطرح، من خلال قصر بعض الأفهام على حقيقة الأمن من ناحية حماية المجتمع من الجرائم فحسب، وأن يقصر مفهوم حمايته على جناب الشُّرط والدوريات الأمنية في المجتمعات بعامة، كلا! فالحديث عن الأمن ليس مقصوراً على هذا التصور البسيط، إذ الحقيقة أشد من ذلك، والخطب أعظم، بل إن المواطن نفسه -رجلاً كان أو امرأة- ينبغي أن يكون رجل أمن؛ ورجل الأمن ما هو إلا مواطن صرف، فإذا استحضرنا هذا التصور بما فيه الكفاية وجب علينا بعد ذلك أن نعلم شمولية مفهوم الأمن، وأنه ينطلق بادئ الأمر في عقيدة المجتمع وارتباطه الوثيق بربه، والبعد عن كل ما من شأنه أن يوقع أفراده في الخوف بدل الأمن، والزعزعة بدل الاستقرار.

стр. 270

الواجبات الأمنية فأول الواجبات الأمنية: البعد عن الشرك بالله؛ في ربوبيته، أو ألوهيته، أو حكمه، أو الكفر بدينه، أو تنحية شرعة عن واقع الحياة، أو مزاحمة شرع غير شرعة معه، بالغة ما بلغت المبررات المغلوطة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] . إن الأمن بهذه الصورة هو المطلب الأول، وهو الذي تتحقق به الصلة بالله جلَّ وعلا، والتي بسببها يعم الأمن أرجاء المجتمعات، ويتحقق وعد الله لها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور:٥٥] فكان الجواب التالي لذلك: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] . والشرك -هنا- غير مقصور على مجرد عبادة الأصنام كما يتصوره البعض، فيخرجون معنى هذه الآية عن صور شتَّى في هذه الأزمنة، فكلمة (شيئاً) نكرة في سياق النهي؛ فتعم جميع صور الشرك مهما قلت، ألا تسمعون قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وقد ذكر الإمام أحمد ﵀: أن الفتنة هنا هي الشرك.

стр. 271

واجبنا تجاه الأمن ثم إن مما ينبغي علينا تجاه مفهوم الأمن ألا نُنحيه عن مراكز القوى في مجتمعاتنا، أو نتجاهل أثر هذه المراكز في تحقيق معنى الأمن بصورته الأساس، فهناك ما يُسمى بالأمن الغذائي، وما يُسمى بالأمن الصحي الوقائي، وهناك ما يتعلق بالضوابط الأمنية في مجالات التكافل الاجتماعي، وتهيئة فرص العمل والإنتاج، والقضاء على البطالة المثمرة للخلل والفوضى، إضافة إلى النواحي الأمنية المنبثقة من دراسة الظواهر الأسرية، وما يعتريها من ثقوب واهتزاز في بنيتها التحتية؛ لأن الأمن بين الجنسين -وبالأخص بين الزوجين- هو سبب ولا شك من أسباب أمن العشيرة، وأمن العشيرة أمن للأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج، فهذا الأمر المترابط هو الذي يتكون منه مزاج الأمة الأمنية.

стр. 272

الأمن الفكري وأهميته كما يجب علينا ألا نغفل عما لا يقل أهمية عما مضى، بل إنه في هذه العصور يُعدَّ هاجساً أمنياً لكل مجتمع، ألا وهو: الأمن الفكري الأمن الفكري الذي يحمي عقول المجتمعات ويحفظها من الوقوع في الفوضى، وللعق من الشهوات بنهم، أو الولوغ في أُتون الانسلاخ الأخلاقي الممزق للحياء الفطري والشرعي. الأمن الفكري -يا عباد الله- ينبغي أن يُتوَّج بحفظ عنصرين عظيمين، ألا وهما: عنصر الفكر التعليمي، وعنصر الأمن الإعلامي، إذ يجب على الأمة -من خلال هذين العنصرين- ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب والتي هي بدورها تطمس هوية المسلم، وتفقده توازنه الأمني، والاعتزاز بتمسكه بدينه، إذ إن الأمن على العقول لا يقل أهمية عن أمن الأرواح والأموال، فكما أن للبيوت لصوصاً ومختلسين، وللأموال كذلك، فإن للعقول لصوصاً ومختلسين، بل إن لصوص العقول أشد خطراً وأنكى جرحاً من سائر اللصوص، فحماية التعليم بين المسلمين من أن يتسلل لواذاً عن هويته، وحماية التعليم في إيجاد الآلية الفعالة في توفير سُبل العلم النافع الداعي إلى العمل الصالح، والبعد عن التبعية المقيتة، أو التقليل من شأن العلوم النافعة، والتي لها مساس أساسي في حياة الأمم من الحيثية الشرعية الدينية التي يعرف بها المرء ربه، وواجبه المفروض عليه، أو التهوين من شأن علوم الدين، أو استثقالها على النفوس؛ لما من شأن ذلك كله أن تضعف المجتمعات بسببه، أو تندرس معالم الأمن الفكري فيه، إذ بان عصر التحكم المعرفي، والاتصالات العلمية والثقافية التي غلبت على أدوار الأسر والبيئات التي تنشد الصلاح العام.

стр. 273

الفكر الإعلامي ودوره في استقرار الأمن أما الفكر الإعلامي -عباد الله- فهو مقبض رحى المجتمعات المعاصرة، وأقنومها الأساس، به يُبصَّر الناس وبه يغرَّبون، به تخدم قضايا المسلمين وتنصر، وبه تطمس حقائقها وتهدر. بالفكر الإعلامي تعرف المجتمعات الجادة من المجتمعات المستهترة المجتمعات المثلى من المجتعات الناكبة، فما يكون في الفكر الإعلامي من اعتدال وكمال يكون كمالاً في بيئته الأمن الإعلامي واعتدالها، وقرة عين لمجموع الأمة بأكملها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال فإنه يكون مرضاً للأمة يُوردها موارد الهلكة والتيه.

стр. 274

شمولية النظرة الأمنية وحاصل الأمر -يا عباد الله- أنه ينبغي علينا جميعاً أن ننظر إلى الحقيقة الأمنية من أوسع أبوابها، وأقرب الطرق الموصلة إليها، بل لا نبعد النجعة إن قلنا: ينبغي على المسلمين -جميعاً- ألا يغفلوا جانب أسلمة الجانب الفكري، فالإسلام هو دين السلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . ولله ما أعظم قول النبي ﷺ لعظيم الروم: ﴿أدعوك بداعية الإسلام: أسلم تسلم، أسلم تسلم﴾ . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، فإن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 275

الوسائل الموصلة إلى الراحة الأمنية الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يُحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون! ثم اعلموا أن من أهم الوسائل الموصلة إلى الراحة الأمنية من كافة جوانبها دون كلفة أو تجنيد وإعداد، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم، فإن ذلك عماد الدين، الذي فُضِّلت به أمة الإسلام على سائر الأمم، والذي يُسدُّ من خلاله خوخات كثيرة من مداخل الشر على العباد. بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتكاتف الجهود، ويلم الشعث، ويرأب الصدع، وتتقى أسباب الهلاك، وتدفع البلايا عن البشر، وبفقد ذلك أو تزعزعه من نفوس الناس -يعني: بداية حلول الفوضى وانتشار اللامبالاة المولدة للأمن العكسي، وهو الأمن من مكر الله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] . وبالأمر والنهي يصلح المجتمع، ويقوم الفرض الكفائي الذي يسقط التبعة والإثم عن بقية المجتمع، وإلا تحقق فينا قول الباري جلَّ شأنه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] . ولم يقل: وأهلها صالحون، فإن مجرد الصلاح ليس كفيلاً في النجاة من العقوبة الإلهية الرادعة، إن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بين المسلمين، إنما هم -في الحقيقة- يقومون بمهام الرسل في أقوامهم وذويهم، فبقدر الاستجابة لنصحهم تكون الحجة والنجاة، والعكس بالعكس: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] . وإن انعدام النصح بين المسلمين سمة من سمات اليهود، ومعرة من معراتهم الخالدة، فقد كانت مواقفهم في الصيد يوم السبت عن طريق الحيلة مشهورة، حتى أعلن الفسقة منهم بصيده، فنهضت فرقة منهم ونهت عن ذلك وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تعص ولم تنه، بل قالوا للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف:١٦] فلمّا لم يستجب العاصون أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص الله على نجاة الناهين بقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦] وسكت عن الساكتين. روى ابن جرير بسنده عن عكرمة، قال: [[دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا بن عباس! جعلني الله فداك؟ فقال: هؤلاء الورقات، وإذا هو في سورة الأعراف، فقال: ويلك! تعرف القرية التي كانت حاضرة البحر، فقلت: تلك (أيلة) ، فقال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم، نرى فلا ننكر، فقلت: أما تسمع الله يقول: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأعراف:١٦] فسري عنه، وكساني حلة]] . إذاً: ينبغي لأفراد الناس عموماً وأهل العلم بخاصة أن يقوموا بواجب النصح لمجتمعاتهم وأسرهم ومنتدياتهم على الوجوه التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، حكمة وموعظة حسنة، ومجادلة بالتي هي أحسن: [[وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن]] . ثم إنه لا يمنع من التمادي في الوعظ والنصح والإصرار عليه عدم قبول الحق منه؛ لأنه فرض فرضه الله علينا جميعاً قُبِلَ أو لم يُقْبَل، فإنَّ هذا هو الذي يحفظ للأمة كيانها بأمر الله، وبه تكون المعذرة إلى الله، ويكون الخروج من التبعية وسوء المغبة، والله الهادي إلى سواء السبيل. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمَّر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مُطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرَّج هم المهمومين من المسلمين، ونفَّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 276

شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس إن الله جعل فرصاً في أوقات لعباده المؤمنين، يتسابقون فيها إلى الخيرات، ويكثرون من العبادات، ويجأرون إلى الله بالذكر والتضرع والدعوات، ومن هذه الفرص الثمينة، والمواسم القيمة شهر رمضان المبارك، شهر القرآن والخير والبركة والصدقة والدعاء.

стр. 277

أهمية العبادة في شهر رمضان الحمد لله الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو بكل شيء عليم، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، أفضل من صلى وصام، وخير من حج لله وقام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله سبحانه، إذ بها تشرف النفس، ويثقل الميزان، ويعلو القدر، ويعظم الجاه، ويحصل القرب من الباري جل شأنه، فما خاب من اكتنفها، ولا أفلح من جفاها، ولا جرم عباد الله، فإن العاقبة للتقوى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠] . أيها الناس: إن المتطلع في واقع كثيرٍ من الناس، وسط أجواء المتغيرات المتكاثرات، والركام الهائل من المصائب والبلايا، والنوازل والرزايا، ليلحظ بوضوح أن كثيراً من النفوس المسلمة تواقة إلى تحصيل ما يثبت قلوبها، وإلى النهل مما تطفئ به ظمأها، وتسقي به زرعها، وتجلو به صدأها، فهي أحوج ما تكون إلى احتضان ضيفٍ كريم يحمل في جنباته مادة النماء، فهي مشرئبة لحلوله، يقطعها التلهف إلى أن تطرح همومها وكدها وكدحها عند أول عتبة من أعتابه، بعد أن أنهكت قواها حلقات أحداثٍ مترادفة بعضها يموج في بعض، حتى غلت مراجلها، واشتد لهب أتونها، فما برحت تأكل الأخضر واليابس، تفجع القلوب، وتعكر الصفو، وتصطفق وسط زوابعها العقول والأفهام، فلأجل هذا كله كان الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية، والسعود الروحي، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، وإيقاظ الضمير، والتخلص من النزعات الذاتية والملذات الآنية، في شهوات البطون والفروج، والعقول والأفئدة، والتي شرع الصيام؛ لأجل تضييق مجاريها في النفوس، وكونه فرصة كل تائب، وعبرة كل آيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] .

стр. 278

رمضان شهر القرآن أيها المسلمون! شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن؛ القرآن الذي لا تنطفئ مصابيحه، والسراج الذي لا يخبو توقده، والمنهاج الذي لا يضل ناهجه، والعز الذي لا يهزم أنصاره. القرآن -عباد الله- هو بمثابة الروح للجسد، والنور للهداية، فمن لم يقرأ القرآن ولم يعمل به فما هو بحي، وإن تكلم، أو عمل، أو غدا أو راح، بل هو ميت الأحياء، ومن لم يعمل به ضل وما اهتدى، وإن طار في السماء، أو غاص في الماء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] ، إن الإنسان بلا قرآن كالحياة بلا ماءٍ ولا هواء، بل إن الإفلاس متحققٌ في حسه ونفسه؛ ذلك أن القرآن هو الدواء والشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤] . إن مما لاشك فيه -أيها المسلمون- أن صلة الكثيرين بكتاب ربهم يكتنفها شيءٌ من الهجران والعقوق، سواء في تلاوته، أو في العمل به، بل قد لا نبعد النجعة لو قلنا: إن علل الأمم السابقة قد تسللت إلى أمة الإسلام لواذاً وهي لا تشعر، ألا تقرءون يا رعاكم الله! قول الباري جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] ، يقول المفسرون: أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة وترتيلاً، بحيث لا يجاوز حناجرهم وتراقيهم، كل ذلك بسبب الغياب القلبي، والعجز الروحي عن تدبر القرآن، بل إن البعض على قلوب أقفالها، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، أفلا يتدبرون القرآن إذاً؟ إن من أسباب عدم التدبر: هو البعد عن اكتشاف سنن الله في الأنفس والآفاق، وحسن تسخيرها، والتحرر غير المبعض، من تقديس الأفهام المغلوطة، والتأويلات المآربية المخلوطة، والتي انحدرت إلى كثيرٍ من أوساط الناس عبر لوثات علل وأفهام، يغذيها شعورٌ طاغٍ من حب الدنيا وكراهية الموت، وما عند الله خير وأبقى للذين هم لربهم يرهبون. روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن زياد بن لبيد الأنصاري ﵁ قال: ﴿ذكر النبي ﷺ شيئاً فقال: وذلك عند ذهاب العلم، قلنا يا رسول الله: كيف يذهب العلم، ونحن قرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم؟ فقال: ثكلتك أمك يـ ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه الرجال في المدينة، أوليس اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟﴾ . إن المرء المسلم لتأخذ الدهشة بلبه كل مأخذ، حين يرى مواقف الكثير من المسلمين مع كتاب ربهم، وقد أحاط بهم الظلام، وادلهمت عليهم الخطوب من كل حدبٍ وصوب، ثم هم يتخبطون خبط عشواء، أفلست النظم، وتدهورت القوميات، وهشت العولميات، فيالله العجب! كيف يكون النور بين أيدينا ثم نحن نلحق بركاب الأمم من غيرنا؟! تتهاوى بنا الريح في كل اتجاه لا نلوي على شيء، لقد عاش رسول الله ﷺ ثلاثة وستين عاماً، ولقد كنا نسمع كثيراً أن كبر السن وصروف الحياة المتقلبة قد تشيب منها مفارق الإنسان، فما ظنكم بمن تمر به هذه كلها واحدة تلو الأخرى، ثم هو ينسب المشيب الذي فيه إلى آياتٍ من كتاب الله كان يرددها، ومعانٍ يتأولها ويتدبرها، روى الترمذي والحاكم: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! ما شيبك؟ قال: شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت﴾ . إن رمضان بهذه الإطلالة المباركة ليعد فرصة كبرى، ومنحة عظمى للمرء المسلم، في أن يطهر نفسه بالنهار لكي يعدها لتلقي هدايات القرآن في قيام الليل قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] وناشئة الليل: هي ساعاته وأوقاته، فهي أجمع على التلاوة من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، فكأن الصيام في النهار تخلية، والقيام بالقرآن في الليل تحلية.

стр. 279

القيام والدعاء في رمضان عباد الله! شهر رمضان المبارك شهر رحب، وميدان فسيح، يوطد المرء نفسه من خلاله على أن يحيي ليله، وعلى ألا يلجأ في حوائجه إلا إلى قاضيها سبحانه، إذ لا ملجأ من الله إلا إليه، وهو يقضي ولا يقضى عليه، فثلث الليل الآخر هو وقت التنزل الإلهي على ما يليق بجلاله وعظمته إلى سماء الدنيا إذ يقول: ﴿هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾ ترى هل فكر كل واحدٍ منا في استثمار هذا الوقت العظيم الذي هو من آكد مظان إجابة الدعاء؟! ترى ما هي أحوال الناس مع ثلث الليل الآخر؟! بل كم من شاكٍ لنفسه قد غاب عنه هذا الوقت المبارك؟! كم من مكروبٍ غلبته عينه عن حاجته ومقتضاه؟! كم من مكلوم لم يفقه دواءه وسر شفائه؟! كم وكم وكم؟ ألا إن كثيراً من النفوس في سباتٍ عميق، إنها لا تكسل في أن تجوب الأرض شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، باحثة عن ملجأ للشكوى، أو فرصة سانحة لعرض الهموم والغموم على من تقصده من بني البشر، غافلةً غير آبهةٍ عن الاتجاه إلى كاشف الغم، وفارج الهم، ومنفس الكرب قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٨] ، ﴿أَمَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] ، ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:١٣-١٤] . روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي أن النبي ﷺ قال: ﴿ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام يوم القيامة ويفتح لها أبواب السماء ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين﴾ . غير أن ثمة أمراً مهماً عباد الله، وهو أن كثيراً ممن يرفعون أكف الضراعة بالدعاء إلى الباري جل شأنه، قد يستبطئون الإجابة، ولربما أصابهم شيءٌ من اليأس والقنوط قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، بيد أن هناك خللاً، ما هو السر الكامل في منع إجابة الدعاء: كأن يكون المرء ممن يستعجلون الدعاء ويتحسسون الإجابة على تململٍ ومضض. وهذا مانع أساس من الإجابة لقول المصطفى ﷺ : ﴿إن الله يستجيب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي﴾ رواه البخاري ومسلم. ولربما لم يستجب الدعاء لما فيه من الإثم، أو قطيعة للرحم، أو أن يكون الدعاء المنبثق من شفاه الداعين غير مقترنٍ بالقلب اقتران الماء والهواء للروح؛ لأن اللسان ترجمان القلب وبريده، والقلب خزانة مستحفظة الخواطر والأسرار ومسارب النفس الكامنة، فالدعاء باللسان والقلب غافلٌ لاهٍ إنما هو قليل الجدوى أو عديمها، فرسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ لاه﴾ رواه الحاكم والترمذي وحسنه، فالقلب إذاً لا يخلو من الالتفات إلى شهوات الدنيا الصارفة، ومن المعلوم بداهة أن المتلفت لا يصل سريعاً. فالله الله! أيها المسلمون في الدعاء! فهو العبادة ومخها، وهو السهام النافذة لذوي العجز وقلة الحيلة، ولا يحقرن أحدكم الحوائج مهما قلت أو كثرت فإن الله أكثر، وقد قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] . وبعد يا رعاكم الله! نقول لذوي المصائب والفاقات، والهموم والمقلقات، خذوا هذا المثل عبرة وسلواناً، يتجلى من خلالهما أثر الدعاء في حياة المرء، وأنه لا غنى له عنه ما دام فيه عرق ينبض، إذ هو الدواء إذا استفحل الداء، وهو البرد إذا اشتد الحر. دخل رسول الله ﷺ المسجد ذات يومٍ فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: ﴿يا أبا أمامة! مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: همومٌ لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: بلى. يا رسول الله! قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبت الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلت ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني﴾ رواه أبو داود. وعند أحمد والترمذي أن علياً ﵁ جاءه مكاتبٌ يشكو إليه ديناً عليه فقال علي ﵁: ﴿ألا أعلمك كلماتٍ علمنيهن رسول الله ﷺ لو كان عليك مثل جبلٍ ديناً أداه الله عنك، قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك﴾ قال الترمذي: حديث حسن. فاللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الجبن والبخل، ونعوذ بك اللهم من غلبت الدين وقهر الرجال. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.

стр. 280

الصدقة في رمضان الحمد لله ولي الصالحين: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فلقد أضلكم -أيها المسلمون- شهر كريم يحمل في طياته تهيئة النفس على تحمل الجوع والعطش، ترى الطعام بين ناظريك تشتهيه نفسك وتصل إليه يدك، ولكنك لا تستطيع أن تأكله، ويشعل الظمأ جوفك والماء من حولك، فلا تقدر على أن تنهل منه، ويأخذ النعاس بلبك، ويداعب النوم جفنيك، ويأتي رمضان ليوقظك لصلاتك وسحورك، إنها ولا شك حلقات الصبر والمصابرة التي قال عنها النبي ﷺ : ﴿الصوم نصف الصبر﴾ رواه الترمذي. عباد الله: شهر رمضان شهر الجود والإنفاق، شهر النفوس السخية والأكف الندية، شهر يسعد فيه المنكوبون ويرتاح فيه المتعبون، فليكن للمسلم فيه السهم الراجح، والقدح المعلى، فلا يترددن في كفكفت دموع المعوزين واليتامى والأرامل من أهل بلده ومجتمعه، ولا يشحنَّ عن سد مسغبتهم وتجفيف فاقتهم، وحذاري من الشح والبخل فإنهما معرة مكشوفة السوءة! لا تخفى على الناس فتوقها، ناهيكم عن كون النبي ﷺ استعاذ ربه منهما، بل إن الجود والكرم كانا لزيما رسول الله ﷺ طيلة حياته، في حين أنه يتضاعف في رمضان حتى يكون كالريح المرسلة، وفي الصحيحين: ﴿أنه ﷺ ما سئل شيئاً فقال: لا﴾ . إضافة إلا أن نتاج هذا التحميض غير قاصرٍ على سعادة ذوي المسكنة وحدهم، بل يرتد أمانة حتى إلى الباذلين أنفسهم فقد قال النبي ﷺ : ﴿مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثدييهما إلى تراقيهما؛ فأما المنفق فلا ينفق إلا صبغت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع﴾ رواه البخاري ومسلم، والمعنى هنا ظاهر عباد الله! فإن الجواد السخي إذا هم بالصدقة، انشرح لها صدره، وطابت بها نفسه، وتاقت إلى المثوبة فتوسعت في الإنفاق، ولا يضيره الحديد، بل هو يتسع معه حيثما اتسع، ولا غرو في ذلك فإن الجواهر ولو كانت تحت التراب فهي جواهر، والأسد في قفص الحديد أسد ولا شك، بيد أن البخيل إذا حدث نفسه بالصدقة شحت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه، وأحس كأنما يعطي من عمره وفؤاده، حتى يعيش في نطاقٍ ضيق، لا يرى فيه إلا نفسه، غير مكترثٍ بالمساكين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج:٣٧] ، مثل هذا ولا شك قد وضع الأسر والأغلال في يده، وجعلها مغلولة إلى عنقه قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠] ، ولكن ليس شيءٌ أشد على الشيطان وأبطل لكيده وأدحر لوسواسه من الصدقة الطيبة قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] . اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا ذا الجلال والإكرام! اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدمٍ ولا بلاء ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد، ولتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 281

العزوبة والعنوسة إن دين الإسلام دين يشمل جميع جوانب الحياة، ويناسب كل زمان ومكان، وهو دين يسعى إلى أن يجعل العباد سعداء في الدنيا والآخرة، فهو يعالج مشاكل الناس، ومن هذه المشاكل مشكلة العزوبة والعنوسة التي انتشرت في كل البلدان بسبب غلاء المهور، وقلة الدين مما أدى إلى تغيب العفاف وانتشار أسباب الفساد وغيرها من المظاهر.

стр. 282

الإسلام منهج حياة الحمد لله الذي لا إله إلا هو، المتوحد بالجلال لكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده، الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، سبحانه لا يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء الطيبين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: فإن الوصية المبذولة لي ولكم -عباد الله- هي تقوى الله سبحانه في سركم وعلنكم، في الغيب والشهادة، في الغضب وفي الرضا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] الذين تدفعهم تقواهم إلى تقديم مرضاة ربهم على رضاء خلقه وعبيده: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] . أيها الناس: لقد أشرق الإسلام بتعاليمه وآدابه السمحة؛ فأقر كل شيء وجد في الأخلاق الأصيلة، وغسلها مما علق بها إبان قرون من الأوضار الدخيلة والعلوق المرذل، لقد بعث الباري جل وعلا مصطفاه وخليله صلوات الله وسلامه عليه؛ لحفظ مصالح الخلق ومقاصدهم، وسد كل ذريعة تخدش دينهم أو تهز كيانهم، ولأجل هذا الأس شرع الله الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد المسكر لحفظ العقل، وحد الزنا لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال، وعقد الزوجية لحفظ النسب. إن الله سبحانه خلق الناس طراً من أبوين اثنين؛ ليجعل من هذه الرحم ملتقى تتشابك عنده صلات بني آدم وتستوثق عراهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل:٧٢] لقد فطر الله الناس على حب غريزتين كل منهما مكملة للأخرى، أولاهما: غريزة لبقاء ذاته، وأخراهما: غريزة لبقاء نوعه. فبالأولى يسوقه لذع الجوع وفورة العقل إلى تحصيل الطعام والشراب، دفعاً بالري والشبع لما قد يكون قشة قصمه. وبالثانية: تسوقه نار الشهوة المتأججة إلى تحصين فرجه ليحفظ بالحلال نسله وعرضه، وكما يأكل المرء باسم الله كذلك يباشر زوجه باسم الله، وبانضمام النية الصالحة إلى هذه الأعمال المعتادة وهي شهوات فإنها تكون عبادات متقبلة. إن الإنسان الذكر نصف الوحدة، ما يبلغ يوماً تمامه إلا إذا انضم إليه نصف آخر، يلقى به ربه على أحسن حال من الطهر والعفاف، وفي كثرة نسله من هذا الصنف الآخر مصلحة خاصة وعامة، يساعدان على تكثير سواد الأمة واتساع بيضتها، يقول المصطفى ﷺ : ﴿تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة﴾ رواه أبو داود والنسائي وفي المثل المضروب: إنما العزة للكاثر. ولا تزال هذه حقيقة قائمة لم يطرأ عليها ما ينقضها. أيها المسلمون: صح عند البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ حديث مفاده أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: نحو هو نكاح الناس الشرعي، ونحو يسمى نكاح الاستبضاع: وهو أن يرسل الرجل امرأته إلى من يطأها؛ لأجل أن يؤثر ذلك في نجابة الولد، والنحو الثالث: أن يجتمع الرهط على امرأة واحدة كل منهم يطأها فإذا حملت جمعتهم ونسبت الولد لمن تشاء منهم فلا يستطيع أن يمتنع، والنحو الرابع: نكاح البغايا اللاتي ينصبن الرايات على أبوابهن فإذا حملت ووضعت دعوا لها القافة وهم الذين يشبهون الناس ثم يلحقون الولد بالذي يرونه فلا يستطيع أن يمتنع. فلما بعث محمد ﷺ هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم.

стр. 283

مشكلة الزواج إن في البلاد المسلمة اليوم مشكلات عويصة، من أعظمها وأعمقها أثراً في حياة الأمة المسلمة؛ مشكلة الزواج، والتي تتلخص في كلمات: هي أن في المسلمين آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج لا يجدن الخاطب، وألوفاً أخرى مشاكلةً من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج، أو يصعب عليهم تحصيلهن على وجه السهولة واليسر. وهذه المشكلة الظاهرة إن لم يتنبه إليها عقلاء المسلمين ممثلين في القيادات والعلماء، والدعاة والتربويون، وأصحاب الكلمة السيالة والمسموعة، ويتفتحوا لها طرق العلاج بالحلال، وهي ميسورة لراغب، والعقاقير دانية لمن أراد قطفها، لا ينقصها إلا يد تمتد إليها فتأخذها لتجرعها المريض، ولكن أين تلك اليد؟! غير أني ما قصدت اليد العضباء أو الشلاء، وحينها لن يجد الشباب والشابات للوصول إلى حاجاتهم الغريزية إلا سلوك الطرق الملتوية في نحو ما ذكرت عائشة ﵂ أو يزيد؛ لأن الفساد الخلقي سبب في قلة الزواج، وقلة الزواج شوكة من طلع الفساد الخلقي. إن الوقفة من ضرار الشهوة مع حياة العزوبة للرجل والعنوسة للمرأة مشكلة جد خطيرة، فهي إذا استفحلت نغصت العيش، ولم ينفع معها ملك ولا مال، وبدت سنونها كالعلقم يتجرع العازب مرها ويقاسي ضرها، ومن طلب إشباع غريزته من طرق غير ما أباح الله كان كمن يطلب وسط القبر من العظام والرميم الغادة الحسناء، أو بعبارة أخرى خضراء الدمن، وقد يكون مثل هذا التفكير في الطلب شبه واقع مشاهد في دنيا الناس، لأن المضطر إلى الرحل لن يدع ركوب الأسنة، ولكن الذي لا ينبغي أن يكون واقعاً مشاهداً أن يحس الفتى والفتاة بهذا كله، ثم يضطرهما واقع المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور إلى البقاء على العزوبة والصرف عن الزواج، والولوغ في حمأة الشهوة واسترقاق الجسد، من حيث يشعر المجتمع أو لا يشعر، ولن يخرج المجتمع بأي وجه كان عن مغبة ما قيل: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وهذه هي المشكلة وهي مكمن الداء. ولربما كانت بعض المجتمعات تقول للشاب والشابة من خلال ممارساتها الطليقة بلسان مقالها تارة وبلسان حالها تارات أخرى: اختر إحدى ثلاث -كلها شر- ولكن إياك إياك أن تفكر في رابعها الذي هو وحده الخير ألا هو الزواج، وهذه الثلاث يرعاكم الله: الأولى: إما أن ينطوي الشاب والشابة على نفسيهما، وعلى أوهام الشهوة والتفكير فيها وتغذيتها بما يرى من حبائل الشيطان حين يترك الحبل على الغارب، متمثلة له في غير ما سبيل، فيراها في السوق تارة على لسان حال امرأة متبرجة قد كشفت عن وجهها أو عينيها فأبرزت الحسن وسترت القبيح، وبثت مفاتنها لينزلق بها كل متلفت يترقب، فلا يلبث أن ينفجر من شرارة تخرج من عين امرأة تنسف به عقله ودينه. أو في الأقطار الساحلية تارة أخرى على لسان حال أجساد عارية قد بدت سوءتها وكأن البيوت قد عريت عن مياه تغسل بها الأجساد. أو في المكتبات ودور النشر الثقافي إذ زعموا على لسان جرائد مصورة ودوريات رمزاً للقحاة، أسلم ما فيها أنها غير سليمة. أو في المدرسة والأزقة على لسان أصحابه الفساق المستهترين الذين أضحوا فريسة لكل لاق، وكذا لسان المدرسين والمعلمين الذين سلبت من نفوسهم أمانة الكلمة وحمل التربية والإرشاد، وألسنة الحال كثيرة كثيرة لا تعد، حتى تؤدي بهم الحال إلى الانهيار بالخلق والدين، ولسان حالهم يقول: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء الثانية: وإما أن يلجأ الفتى والفتاة إلى طرق سرية خفية؛ لإبراز قلة الشهوة وملأ الأرجاء بمثيراتها مما يستفزها لو هدأت، ويجوعها لو شبعت، والتي حرمها جمهور أهل العلم عملاً بقوله جل وعلا: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٣١] . الثالثة: وإما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة بلا مكيال، والولوغ في مستنقعها وسلوك سبل الضلال؛ لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة ومتعة عابرة، ثم هو لا يرتوي بل كلما واصل واحدة زاده الوصال نهماً، كشارب الماء المالح لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً، وقديماً قيل في مثل هذا: وداوني بالتي كانت هي الداء. بمثل هذا وأمثاله -أيها المسلمون- ينهار بناء الأخلاق، ويبور سوق الزواج، وينقطع نسل الأمة في هذا المنعطف الخطير، حتى يكون الرجل الواحد قيماً على أربعين امرأة.

стр. 284

أسباب مشكلة الزواج لقد توصل جملة من الباحثين في مشاكل الزواج إلى أسباب كثيرة هي في الحقيقة سد منيع في طريق من يريدون الزواج، وهم وإن اختلفوا في عد تلك الأسباب ما بين مقل منها ومكثر؛ إلا إن أهمها لا يخرج عن أسباب ثلاثة:

стр. 285

المغالاة في المهور السبب الأول: تلكم العادات الشنيعة التي تخرب بيوتات البنات والخطاب، وليس فيها نفع لأحد ألبتة، وإنما هو التفاخر والتكاثر وفيضان كئوس ممتلئة في التبذير والترف، أو في الطمع والجشع، حينما لا يزوج الولي موليته إلا بيعاً من خلال عرضها بالمال الوافر، أو بإكراهها على الزواج من غير الكفء إذا كان مليئاً يفري المال فرياً؛ مما يسبب تراجع بعض الفتيات والإحساس بالغمط وبطر الحق من قبل الآباء الجشعين؛ فتكثر العنوسة وبالتالي تصبح الفتاة عرضة للفتن ما ظهر منها وما بطن، فيقعون فيما حذر الله منه بقوله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣] . جاء في الصحيح أن جارية قالت لرسول الله ﷺ : ﴿إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا له كارهة. فقال لها: إن شئت أمضيت أمر أبيك وإن شئت فسختيه. فقالت: أمضي أمر أبي ولكن فعلت ذلك ليعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء﴾ تعني: ليس لهم إكراه بناتهم بالتزويج ممن يكرهن. إنه عندما يصل المجتمع المسلم إلى درجة الرشد السوي فإنه لا يستطيع أن ينظر بعين الرضا إلى ممارسات في التنافس غير البريء في غلاء المهور وعش الآفات، ومن أبا إلا ركوب رأسه فلا جرم أن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ﴿إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ : على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق -أي: مائة وستين درهماً- فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك الحديث﴾ رواه مسلم في صحيحه.
следующие страницы →