← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العزوبة والعنوسة إن دين الإسلام دين يشمل جميع جوانب الحياة، ويناسب كل زمان ومكان، وهو دين يسعى إلى أن يجعل العباد سعداء في الدنيا والآخرة، فهو يعالج مشاكل الناس، ومن هذه المشاكل مشكلة العزوبة والعنوسة التي انتشرت في كل البلدان بسبب غلاء المهور، وقلة الدين مما أدى إلى تغيب العفاف وانتشار أسباب الفساد وغيرها من المظاهر.

стр. 282

الإسلام منهج حياة الحمد لله الذي لا إله إلا هو، المتوحد بالجلال لكمال الجمال تعظيماً وتكبيراً، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديراً وتدبيراً، المتعالي بعظمته ومجده، الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، سبحانه لا يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى جميع الثقلين الإنس والجن بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء الطيبين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: فإن الوصية المبذولة لي ولكم -عباد الله- هي تقوى الله سبحانه في سركم وعلنكم، في الغيب والشهادة، في الغضب وفي الرضا: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] الذين تدفعهم تقواهم إلى تقديم مرضاة ربهم على رضاء خلقه وعبيده: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] . أيها الناس: لقد أشرق الإسلام بتعاليمه وآدابه السمحة؛ فأقر كل شيء وجد في الأخلاق الأصيلة، وغسلها مما علق بها إبان قرون من الأوضار الدخيلة والعلوق المرذل، لقد بعث الباري جل وعلا مصطفاه وخليله صلوات الله وسلامه عليه؛ لحفظ مصالح الخلق ومقاصدهم، وسد كل ذريعة تخدش دينهم أو تهز كيانهم، ولأجل هذا الأس شرع الله الجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد المسكر لحفظ العقل، وحد الزنا لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال، وعقد الزوجية لحفظ النسب. إن الله سبحانه خلق الناس طراً من أبوين اثنين؛ ليجعل من هذه الرحم ملتقى تتشابك عنده صلات بني آدم وتستوثق عراهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل:٧٢] لقد فطر الله الناس على حب غريزتين كل منهما مكملة للأخرى، أولاهما: غريزة لبقاء ذاته، وأخراهما: غريزة لبقاء نوعه. فبالأولى يسوقه لذع الجوع وفورة العقل إلى تحصيل الطعام والشراب، دفعاً بالري والشبع لما قد يكون قشة قصمه. وبالثانية: تسوقه نار الشهوة المتأججة إلى تحصين فرجه ليحفظ بالحلال نسله وعرضه، وكما يأكل المرء باسم الله كذلك يباشر زوجه باسم الله، وبانضمام النية الصالحة إلى هذه الأعمال المعتادة وهي شهوات فإنها تكون عبادات متقبلة. إن الإنسان الذكر نصف الوحدة، ما يبلغ يوماً تمامه إلا إذا انضم إليه نصف آخر، يلقى به ربه على أحسن حال من الطهر والعفاف، وفي كثرة نسله من هذا الصنف الآخر مصلحة خاصة وعامة، يساعدان على تكثير سواد الأمة واتساع بيضتها، يقول المصطفى ﷺ : ﴿تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة﴾ رواه أبو داود والنسائي وفي المثل المضروب: إنما العزة للكاثر. ولا تزال هذه حقيقة قائمة لم يطرأ عليها ما ينقضها. أيها المسلمون: صح عند البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ حديث مفاده أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: نحو هو نكاح الناس الشرعي، ونحو يسمى نكاح الاستبضاع: وهو أن يرسل الرجل امرأته إلى من يطأها؛ لأجل أن يؤثر ذلك في نجابة الولد، والنحو الثالث: أن يجتمع الرهط على امرأة واحدة كل منهم يطأها فإذا حملت جمعتهم ونسبت الولد لمن تشاء منهم فلا يستطيع أن يمتنع، والنحو الرابع: نكاح البغايا اللاتي ينصبن الرايات على أبوابهن فإذا حملت ووضعت دعوا لها القافة وهم الذين يشبهون الناس ثم يلحقون الولد بالذي يرونه فلا يستطيع أن يمتنع. فلما بعث محمد ﷺ هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم.

стр. 283

مشكلة الزواج إن في البلاد المسلمة اليوم مشكلات عويصة، من أعظمها وأعمقها أثراً في حياة الأمة المسلمة؛ مشكلة الزواج، والتي تتلخص في كلمات: هي أن في المسلمين آلافاً مؤلفة من البنات في سن الزواج لا يجدن الخاطب، وألوفاً أخرى مشاكلةً من الشباب لا يجدون البنات، أو لا يريدون الزواج، أو يصعب عليهم تحصيلهن على وجه السهولة واليسر. وهذه المشكلة الظاهرة إن لم يتنبه إليها عقلاء المسلمين ممثلين في القيادات والعلماء، والدعاة والتربويون، وأصحاب الكلمة السيالة والمسموعة، ويتفتحوا لها طرق العلاج بالحلال، وهي ميسورة لراغب، والعقاقير دانية لمن أراد قطفها، لا ينقصها إلا يد تمتد إليها فتأخذها لتجرعها المريض، ولكن أين تلك اليد؟! غير أني ما قصدت اليد العضباء أو الشلاء، وحينها لن يجد الشباب والشابات للوصول إلى حاجاتهم الغريزية إلا سلوك الطرق الملتوية في نحو ما ذكرت عائشة ﵂ أو يزيد؛ لأن الفساد الخلقي سبب في قلة الزواج، وقلة الزواج شوكة من طلع الفساد الخلقي. إن الوقفة من ضرار الشهوة مع حياة العزوبة للرجل والعنوسة للمرأة مشكلة جد خطيرة، فهي إذا استفحلت نغصت العيش، ولم ينفع معها ملك ولا مال، وبدت سنونها كالعلقم يتجرع العازب مرها ويقاسي ضرها، ومن طلب إشباع غريزته من طرق غير ما أباح الله كان كمن يطلب وسط القبر من العظام والرميم الغادة الحسناء، أو بعبارة أخرى خضراء الدمن، وقد يكون مثل هذا التفكير في الطلب شبه واقع مشاهد في دنيا الناس، لأن المضطر إلى الرحل لن يدع ركوب الأسنة، ولكن الذي لا ينبغي أن يكون واقعاً مشاهداً أن يحس الفتى والفتاة بهذا كله، ثم يضطرهما واقع المجتمع بأسلوبه على مختلف المحاور إلى البقاء على العزوبة والصرف عن الزواج، والولوغ في حمأة الشهوة واسترقاق الجسد، من حيث يشعر المجتمع أو لا يشعر، ولن يخرج المجتمع بأي وجه كان عن مغبة ما قيل: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم وهذه هي المشكلة وهي مكمن الداء. ولربما كانت بعض المجتمعات تقول للشاب والشابة من خلال ممارساتها الطليقة بلسان مقالها تارة وبلسان حالها تارات أخرى: اختر إحدى ثلاث -كلها شر- ولكن إياك إياك أن تفكر في رابعها الذي هو وحده الخير ألا هو الزواج، وهذه الثلاث يرعاكم الله: الأولى: إما أن ينطوي الشاب والشابة على نفسيهما، وعلى أوهام الشهوة والتفكير فيها وتغذيتها بما يرى من حبائل الشيطان حين يترك الحبل على الغارب، متمثلة له في غير ما سبيل، فيراها في السوق تارة على لسان حال امرأة متبرجة قد كشفت عن وجهها أو عينيها فأبرزت الحسن وسترت القبيح، وبثت مفاتنها لينزلق بها كل متلفت يترقب، فلا يلبث أن ينفجر من شرارة تخرج من عين امرأة تنسف به عقله ودينه. أو في الأقطار الساحلية تارة أخرى على لسان حال أجساد عارية قد بدت سوءتها وكأن البيوت قد عريت عن مياه تغسل بها الأجساد. أو في المكتبات ودور النشر الثقافي إذ زعموا على لسان جرائد مصورة ودوريات رمزاً للقحاة، أسلم ما فيها أنها غير سليمة. أو في المدرسة والأزقة على لسان أصحابه الفساق المستهترين الذين أضحوا فريسة لكل لاق، وكذا لسان المدرسين والمعلمين الذين سلبت من نفوسهم أمانة الكلمة وحمل التربية والإرشاد، وألسنة الحال كثيرة كثيرة لا تعد، حتى تؤدي بهم الحال إلى الانهيار بالخلق والدين، ولسان حالهم يقول: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء الثانية: وإما أن يلجأ الفتى والفتاة إلى طرق سرية خفية؛ لإبراز قلة الشهوة وملأ الأرجاء بمثيراتها مما يستفزها لو هدأت، ويجوعها لو شبعت، والتي حرمها جمهور أهل العلم عملاً بقوله جل وعلا: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٣١] . الثالثة: وإما الاغتراف من حمأة اللذة المحرمة بلا مكيال، والولوغ في مستنقعها وسلوك سبل الضلال؛ لتبذل فيها الصحة والشباب في لذة عارضة ومتعة عابرة، ثم هو لا يرتوي بل كلما واصل واحدة زاده الوصال نهماً، كشارب الماء المالح لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً، وقديماً قيل في مثل هذا: وداوني بالتي كانت هي الداء. بمثل هذا وأمثاله -أيها المسلمون- ينهار بناء الأخلاق، ويبور سوق الزواج، وينقطع نسل الأمة في هذا المنعطف الخطير، حتى يكون الرجل الواحد قيماً على أربعين امرأة.

стр. 284

أسباب مشكلة الزواج لقد توصل جملة من الباحثين في مشاكل الزواج إلى أسباب كثيرة هي في الحقيقة سد منيع في طريق من يريدون الزواج، وهم وإن اختلفوا في عد تلك الأسباب ما بين مقل منها ومكثر؛ إلا إن أهمها لا يخرج عن أسباب ثلاثة:

стр. 285

المغالاة في المهور السبب الأول: تلكم العادات الشنيعة التي تخرب بيوتات البنات والخطاب، وليس فيها نفع لأحد ألبتة، وإنما هو التفاخر والتكاثر وفيضان كئوس ممتلئة في التبذير والترف، أو في الطمع والجشع، حينما لا يزوج الولي موليته إلا بيعاً من خلال عرضها بالمال الوافر، أو بإكراهها على الزواج من غير الكفء إذا كان مليئاً يفري المال فرياً؛ مما يسبب تراجع بعض الفتيات والإحساس بالغمط وبطر الحق من قبل الآباء الجشعين؛ فتكثر العنوسة وبالتالي تصبح الفتاة عرضة للفتن ما ظهر منها وما بطن، فيقعون فيما حذر الله منه بقوله: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور:٣٣] . جاء في الصحيح أن جارية قالت لرسول الله ﷺ : ﴿إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا له كارهة. فقال لها: إن شئت أمضيت أمر أبيك وإن شئت فسختيه. فقالت: أمضي أمر أبي ولكن فعلت ذلك ليعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء﴾ تعني: ليس لهم إكراه بناتهم بالتزويج ممن يكرهن. إنه عندما يصل المجتمع المسلم إلى درجة الرشد السوي فإنه لا يستطيع أن ينظر بعين الرضا إلى ممارسات في التنافس غير البريء في غلاء المهور وعش الآفات، ومن أبا إلا ركوب رأسه فلا جرم أن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ﴿إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ : على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواق -أي: مائة وستين درهماً- فقال له النبي ﷺ : على أربع أواق؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك الحديث﴾ رواه مسلم في صحيحه.

стр. 286

قلة الدين وانتشار الفساد بين الشباب وسبب ثان من أسباب تلك الظاهرة: يتمثل في قلة الدين، وتغيب العفاف، وانتشار أسباب الفساد بين أروقة الشباب والشابات، من خلال التوسع في الأقمار المرئية المشينة والتي تبث كل قبيح من القول أو رديء من الفعل، ولا يعدم مروجوها من أن يجدوا رجع صداها في المريدين والمريدات والمراهقين والمراهقات غير مصدقين ما يرونه من فوضى وإباحية، لا سيما وقد اعتادوا في بلادهم جو المحاصرة وقطع الشهوات إلى حد ما، فيرون من خلالها إقرار الاختلاط بين الجنسين، والرضا بالخدين والخدينة، وبث المشاهد الدالة على كيفية فساد الخائنة من زوجها بالتضليل عليه، أو بإشاعة طرق الإجهاض والتخلص من السيوبة؛ حتى تكشف سوءة من سوءات الفكر، وعورة من عورات الضمائر الكامنة، يحرص العقلاء من بني آدم عادة على سترها كما يسترون عورات البدن. ثم لا تسألوا بعد ذلك عن قيام النفوس الضعيفة في المشاهدين والمشاهدات بالدعوة إلى الإفساد، وفصل النفوس عن القيم والأخلاق بزعم الحرية التي تهدف إلى إعلاء الشهوة، وعبادة الجسد، وفتح الطريق للمرء؛ ليكشف عن كل نزواته وأهوائه، وليكون تحرره كاملاً عن كل ما يتصل بالمبادئ والمثل والقيم التي قررها الإسلام؛ ليعيش الفتيان والفتيات خصوصاً على أعراض الناس يسترقون النظرة، ويستلذون اللحظة، ويستمرئون التسول الغريزي والسطو المقنن على الأخلاق والدين: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول ما سمعتم، إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، واستغفروا الله إنه كان غفاراً.

стр. 287

الأفكار الخاطئة عن الزواج الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه. أما بعد: اتقوا الله معاشر المسلمين! ثم اعلموا أن ثمة سبب ثالث من أسباب تلك الظاهرة. السبب الثالث: وهو ما يردده بعض أرباب الأفكار اللقيطة، من الذين يبثون سمومهم عبر زوايا متعددة، يقررون من خلالها أن التبكير في الزواج عمل غير صالح، وضرب من ضروب التغرير بالمراهقين، وأنه لا ينبغي أن يغامر شاب ما بعملية الزواج قبل التزود الكافي من التجارب، وفي ذلك يقول قائلهم: لا قبل لي بهذا المعنى الذي يسمونه الزواج، فما هو إلا بيت ثقله على شيئين: على الأرض وعلى نفسي، وأطفال يلزمونني عمل الأيدي الكثيرة من حيث لا أملك إلا يدين اثنتين، وأتحمل منهم رهقاً شديداً، ومن ثم سيصبحون عالة على المجتمع، ومن ذا الذي تعرض عليه الحياة سلامها وأشواقها في مثل رسالة غرام ثم يدع ذلك كله ويتزوجها. فكأنه بذلك يسألها غضبها وخصامها في نحو قضية من قضايا المحاكم، كل ورقة فيها تلد ورقة. ولا غرو -أيها المسلمون- أن يكون لهذا الصدى آذان صاغية من فتيات وفتيان، يكونون من خلالها قناعات واهية كبيت العنكبوت أو هي أوهى، حتى يقف بهم الأمر إلى أن يكون الواحد منهم خواراً جباناً لا يستطيع أن يحمل أثقالاً مع أثقاله، ويستوطن العجز والخمول؛ فلا يكون إلا قاعد الهمة رخو العزيمة، وكل شاب أو شابة يردد مثل هذه الترهات فهو حادثة ترتدف الحوادث وتستلزمها، ولا يأتي السوء إلا بمثله أو بأسوأ منه، فيشهد العزاب والعوانس على نفوسهم أنهم مبلوون بالعافية، مستعبدون بالحرية، مجانين بالعقل المزعوم، مغلوبون بالقوة، أشقياء بسعادتهم الموهومة، وما علم هؤلاء وأمثالهم أنه بالنكاح يلتئم الشمل، ويلم الشعث، وتسكن النفس، وتتم به نعمة الله على الولود ويحصل الولد، ومن رغب عن النكاح من دون ما سبب فقد ترهب، وعنده ينقطع نسل من بني آدم، يقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] . قال أبو بكر الصديق ﵁: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى]] . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.

стр. 288

الرحمة والتراحم بين المسلمين انعدام الرحمة نتيجة طبيعية للابتعاد عن الله، وكذلك كان أهل الجاهلية، حتى أرسل الله رسوله، ذا الخلق العظيم؛ فكانت حياته تحفر في ذاكرة التاريخ أروع الدروس في الأخلاق، وكان نصيب خلق الرحمة من ذلك عظيماً. فكان رحمة للصغير والضعيف والأرملة واليتيم، بل رحمة للحيوان فيا للروعة!! وكذلك كان الأنبياء، ومن اقتفى أثرهم من السلف الصالح. والله المستعان.

стр. 289

انعدام الرحمة عند أهل الجاهلية الحمد لله الذي أعلى كرامة بني الإنسان، وجعلهم خلفاءه في الأرض، كتب على نفسه الرحمة، وأزال عن الناس بدينه الغمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أبدع الكون بقدرته، وملك الخلق بربوبيته، خلت الطرق كلها إلا طريقه، وفسدت المشارب طراً إلا رحيقه، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، نشر الرحمة والتراحم بين الناس، فما أمر حتى أقنع، وما بنى حتى جمع، فكان سيد الرحماء وإمام الحكماء، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آله الأخيار البررة وصحابته والتابعين لهم بإحسان. أما بعد:

стр. 290

الأخلاق معيار لبقاء الأمم وزوالها فيا عباد الله! قرة عين المؤمن وطمأنينة قلبه تبدو واضحة جلية في تقواه لربه، فإن تقوى الله هي أساس كل صلاح، وسلوان كل كفاح: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] . أيها المسلمون! الأخلاق المثلى عماد الأمم وقوام الشعوب، والأمم باقية ما بقيت أخلاقها، هذه حقيقة مسلمة لا ينازع فيها إلا مريضٌ لم ينقه، أو مغرضٌ لا يفقه، كما أن من المسلم أيضاً أن تدهور الأخلاق ناجمٌ عن نقص الوازع الديني في النفوس، الوازع الديني الزاجر والمنجي، الوازع الديني الذي يمتلك عنان النفس ويسيطر عليها فيكبح جماحها، ويهتن دمعها، ويغسلها بالنقاخ الذي يبرد الفؤاد. وإن من أعظم الأخلاق المندوبة والسجايا المطلوبة، خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين، ولا غرو؛ إذ هو مفتاح القبول لدى القلوب، ولا جرم أن فقدان الرحمة بين الناس فقدان للحياة الهانئة، وإحلالٌ للجاهلية الجهلاء، والأثرة العمياء.

стр. 291

قصة الأخدود مثال لأهل القلوب القاسية لقد نالت الجاهلية من الرحمة أقسى منال، حتى كأنما وأدتها في مهدها، ولقد كشف الله في كتابه عن فئام من الناس والأمم ممن فقدوا الرحمة، وكأنما قدت قلوبهم من صخرٍ صلب، تمثلت هذه الغلظة والقسوة في أصحاب الأخدود الذين أضرموا النيران، وخدوا الأخاديد في أفواه السكك، وجنبات الطريق، وكان ذلك حينما آمن الناس بما جاء به الغلام المؤمن، فكان من لم يرجع عن دينه يقحم في النار، فتنهش جسده نهشاً حتى لا يرى إلا فحمة أو رماداً: ﴿ولقد جاءت امرأة ومعها صبيٌ لها، فتقاعست أن تقع في النار، فقال لها الغلام: يا أماه! اصبري، فإنك على الحق﴾ رواه مسلم في صحيحه. ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٤-٨] .

стр. 292

فرعون مثال آخر لمن فقد الرحمة لقد كشف الله في كتابه عمن فقد الرحمة وانقض عليها؛ فلم يرع حق أمٍ ولا رضيع، ولم يدع صغيراً ولا كبيراً في عافية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤] ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١١-١٤] . قال أبو رافع: أوتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحىً عظيمة حتى ماتت: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص:٤١] لقد كشف الله في كتابه العزيز عن ممارساتٍ شاذة ممن فقدوا الرحمة أو أماتوها، وعن مكائد خبيثة، تقود يهود بني إسرائيل الذين هم أكثر البشر قسوة وفظاعة، وقلوبهم كالحجارة الصماء؛ بل هي أشد قسوةٌ منها قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤] فكشف الله خبثهم، وبين أنهم قتلةٌ مردة، من قديم الزمان فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٧٢] وبما فعله يهود يحكم الله عليهم باللعنة والحرمان من الرحمة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣] .

стр. 293

صور من رحمة المصطفى ﷺ عباد الله: إن الله جل وعلا حينما بعث رسله؛ جعل تمكين الأخلاق الفاضلة في النفوس أصلاً من أصول رسالاتهم وأساساً من أسس دعواتهم، وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه هو من قال فيه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال فيه أيضاً: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إنما بعثت لأتمم محاسن الأخلاق﴾ .

стр. 294

حث الرسول ﷺ على الرحمة لقد تجلت رحمة المصطفى ﷺ في جوانب كثيرة من حياته؛ حتى لقد أصبحت سمة بارزة لا يحول دونها ريبة أو قتر في كل شأن من شئونه، فهو عطوف رحيم، أرسله إلى البشرية رحمان رحيم، وأشرب لحمه وبل عروقه إملاج حليمة السعدية له، فكان له من اسمها الحلم والسعادة، أخرج مسلم في صحيحه: ﴿أن رسول الله ﷺ تلا قول الله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] وتلا قول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: اللهم أمتي أمتي! وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فسله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره ﷺ بما قال، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك﴾ الله أكبر! ما أعظم المصطفى ﷺ ! وما أرحمه بأمته! بأبي هو وأمي! لقد تجلت رحمة المصطفى ﷺ بأمته؛ حتى بلغت تعليم الجاهل، وتوجيه الغافل، ومناغاة العيال والصبيان: ﴿أقسمت بنت من بناته ﷺ ليأتينها لأجل ابن لها قبض، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه، قال سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾ رواه البخاري.

стр. 295

رحمة الرسول ﷺ بالناس أجمعين إن رحمة المصطفى ﷺ لم تقف عند هذا الحد فحسب، بل لقد حوت رحمته طبقات المجتمع كلها، أرامل وأيتاماً، نساءً ومساكين، صغاراً وكباراً، ولم يقتصر ذلك على فعله، بل عداه بقوله: ﴿الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء﴾ رواه أبو داود والترمذي، وقال ﷺ : ﴿من لا يرحم الناس لا يرحمه الله﴾ رواه مسلم، وقال في التحذير من الإشقاق على الناس ونزع الرحمة عنهم والتنغيص عليهم: ﴿اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر المسلمين شيئاًً، فرفق بهم، فارفق به﴾ رواه مسلم.

стр. 296

رحمته ﷺ بالحيوان لقد تجلت رحمة المصطفى ﷺ بالخلق؛ فتعدت نطاق البشرية إلى نطاق الحيوانات العجماوات: ﴿فلقد دخل ﷺ حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن الجمل وذرفت عيناه، فأتاه ﷺ فمسح ذفراه فسكن، فقال: من رب هذا الجمل؟ فجاءه فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله! فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟! فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتؤذيه﴾ رواه أبو داود. فيا لله العجب! حتى البهائم ألهمت أن الرسول ﷺ رحمة مهداة، وأنه نبي المرحمة، فأين أنتم -عباد الله- من قصة هذا الرجل؟! أين أنتم من إيذاء تلك البهائم؟! ناهيك عن إيذاء البشر، والإستخفاف بهم، أين أنت يا راعي الغنم؟! أين أنت يا سائق الإبل؟! أين أنت يا راعي الأسرة؟! أين أنت يا راعي المدرسة، وأنت يا راعي الوظيفة؟! اتقوا الله جميعاً في من استرعاكم. ولئن كان المصطفى ﷺ قد مات، فلا تصل البهيمة بالشكوى إليه أو البشر بطلب النصرة منه؛ فإن ربه حي لا يموت، يراكم ويسمعكم؛ ولكن يؤخركم إلى أجل لا ريب فيه: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] . أيها المسلمون: بتجلي خلق الرحمة في ذات المصطفى ﷺ عالج محو الجاهلية، وقطع ظلامها بأنوار الرحمة والعطف، فكفكف من نزوات الجاهلية وقسوة قلوبها، وأقام أركان المجتمع على دعائم الرحمة والشفقة وحسن التخلق، وذلك من محاسن الشريعة، وإن كمال العلم في الرحمة، ولين الكلام مفتاح القلوب، يستطيع المسلم من خلاله أن يعالج أمراض النفوس، وهو مطمئن القلب رخي البال، وإلا انفض الناس من حوله، فعاشوا جهالاً، وماتوا جهالاً، وذلك هو الشقاء وهو سببه وعلته.

стр. 297

حال الأخلاق بين السلف والخلف عباد الله: في طوايا الظلام تدرس الأخلاق كما يدرس وجه الثوب، بل هما ما كان في الصالحين المخلصين، لقد طغى طوفان المادة الجافة، فأغرق جسوم الرحمة إلا من ملص منها، ولقد بدت نواعي الحياة عند البعض: إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، وإن لم تجهل يُجهل عليك، وإن لم تتغد بزيد تعشى بك، بل لقد صور العالم لدى البعض أنه دنياً فسيحة، يحدها من الشرق الرغيف، ومن الغرب الدينار، ومن الشمال الجاه، ومن الجنوب الشيطان. لقد رجعت بعض النفوس منداة الجسم بعرق القسوة والغلظة، وإذا تندت الجسوم وجب نزع المبلول، وإلا فهي العلة ناقلة النفوس، ما أشده مضضاً ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم! إن أمرها ليذهب فرطاً، وإن الغفلة قد بلغت من الناس مبلغ من يظن أنه حي في الحياة؛ فلا تجد إلا قلباً أيراً، وصدراً وحراً، ولسانا ولقاً ينصنص؛ إلا من عصم ربي، وقليل ماهم!

стр. 298

مقارنات بين السلف والخلف لقد مضى عهد السلف الصالح، فسخفت الحياة من بعدهم، وصاروا ككتب قد انطوت على حقائقها، وختمت كما وضعت، لا يستطيع أحد أن يخرج للناس من حقيقتهم نصف حقيقة، ولا شبه حقيقة، ولا تزويراً على حقيقة، إنما هي لا غير، الحقائق كلها قد اكتنفوها، ولقد أثبتوا بتجلي الرحمة في قلوبهم؛ بأنه ليس في نفوسهم وطباعهم إلا الإخلاص وإن كان حرماناً، وإلا المروءة وإن كانت مشقة، وإلا محبة الصادقين وإن كانت ألماً، وإلا الجد وإن كان عناءً، وإلا القناعة وإن كانت فقراً. إن من النجاة: الفكر في البلاء والتفكر في الأمور، وإذا نبهت العزيمة تغلغل أثرها في البدن كله؛ فيكون علاجاً يحدث به النشاط، ويرهف منه الطبع، وتلجم عليه النفس، وإن هذا لهو الدواء إذا استشرى الداء، وهو النصر حين تخذل القوة. إن النفس ينبغي أن ترغب بعد كل كمال فيما هو أكمل منه، وبعد الحسن فيما هو الأحسن، وأن تستحث من كل هجعة راحة بفجر نصر جديد، ولو أدرك المسلم أن أول حق للمسلمين عليه أن يحمل في نفسه معنى الناس لا معنى نفسه؛ لعلم أن من فاق الناس بنفسه الكبيرة دون تميز كانت عظمته في أن يفوق نفسه الكبيرة، إن الناس أحرار متى حكمتهم معاني الرحمة والشفقة والتواد والتعاطف تحت ظل الإسلام الوارف، قال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ رواه مسلم. وبذلك كله يتصل ما بين العظيم والسوقة، وما بين الغني والفقير اتصال الرحمة في كل شيء، أما ربط الرحمة والتراحم بالدينار والدرهم في مقابل استبعاد كل تلك المعاني الحيوية التي ينبغي أن تسود المجتمع، فهو المائج في الحياة بعضها ببعض، وهو الذي يقلب الموازين، ويجعل الصحيح والفاسد في ملك الإنسان لا في عمله، وتكون المنفعة الذاتية هي الآمر الناهي، فيرى كل إنسان كأنما ديناره ودرهمه أكبر قيمة من دينار الآخر ودرهمه، فإذا أعطى نقص فغش، وإذا استقصى زاد فسرق، ويتعامل الناس في التعاطف والتراحم على أساس من المعدة لا من الروح. وتكون يقظة التاجر في غفلة الشاري، فإذا عظمت الأمة الدينار والدرهم؛ فإنما تمزمز النفاق والطمع والقسوة، وإنما هيبة الإسلام في الرحمة في النفس لا بالمال، وفي بذل الحياة لا في المعك فيها، وفي أخلاق الروح لا في أخلاق اليد، وفي وضع حدود الفضائل بين الناس لا في وضع حدود الدراهم، وفي جعل أول الثروة الرحمة والشفقة لا الذهب والفضة، هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم؛ لأنه قبل ذلك غلب المطيطاء والقسوة والجزع.

стр. 299

أبو بكر وعمر وخلق الرحمة والسلف الصالح خير من ترجم معاني الرحمة إبان عيشهم، فهاهو الصديق أبو الصديقة خليفة رسول الله ﷺ : ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] الذي جبل نفسه على الرحمة والتراحم منذ نعومة أظفاره، وما سمي العتيق إلا لكثرة ما يعتق من العبيد رحمة بهم وإنقاذاً لهم من سطوة غلاظ الأكباد وشرار الخلق. كان ﵁ يتعهد امرأة عمياء في المدينة يقضي لها حاجاتها سراً إبان خلافته للمسلمين، كما أنه كان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: [[بلى لأحلبنها لكم، وإني أرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه]] ، ولقد تجلت الرحمة في أعلى صورها في الخليفة الفاروق ﵁ الذي بلغ من القسوة والغلظة في جاهليته أعظمها، فلما ذاق طعم الإيمان انقلبت نفسه ظهراً على عقب، وكأنه لم يكن قط قاسي النفس غليظ القلب، فلما ولي الخلافة خطب الناس قائلاً لهم: [[اعلموا أن تلك الشدة قد أُضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد؛ فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يعتدي عليه حتى أضع خده وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق، وإني بعد شدتي تلك أضع خدي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف]] فرحم الله عمر الفاروق ورضي عنه وعن الصحابة أجمعين. فاتقوا الله -معاشر المسلمين- واعموا أن المرء المسلم مطالب بالرحمة والتراحم بما استطاع من تحلم وتصبر، وعليه أن يترفق أولاً في أهله، وثانياً في رعيته وجيرانه ومواطنيه وموظفيه، فلا يكون عوناً لزوجته على النشوز، ولا لأبنائه على العقوق، ولا لجيرانه على الإساءة، ولا لرعيته على التمرد، ولا للناس كافة على هجره ومباغضته، واعملوا بمثل قول المصطفى ﷺ : ﴿إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط﴾ رواه أبو داود، وحذار من الوقوع فيما حذر منه المصطفى ﷺ بقوله: ﴿ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا﴾ رواه أبو داود. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 300

صيام يوم عاشوراء وتأصيلاً لقواعدٍ عظيمة من قواعد الإسلام، وهي مخالفة اليهود والنصارى والمشركين، وقطعاً لمادة التشبه بهم من كل طريق عزم المصطفى ﷺ في آخر عمره على ألا يصومه مفرداً مخالفةً لأهل الكتاب، فقال: ﴿فإذا كان العام المقبل إن شاء الله؛ صمنا اليوم التاسع؛ فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ ﴾ رواه مسلم. فيستحب لكم -أيها المسلمون- صيام هذا اليوم، اقتداءً بالنبي ﷺ ، وكل خير في اتباع ماجاء به، وكل شر في ابتداع ما جاء به. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح: ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الرحمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأفعال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ما سألناك من الخير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا. عباد الله! اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 301

الحلم والغضب إن الله وصف نبيه ﷺ بأعلى وصف، ألا وهو الخلق الحسن وكتمان الغيظ، وعدم الفظاظة والقساوة، لأن هذه كلها أوصاف للحليم الذي يصلح أن يكون داعية في المجتمع الإسلامي، والذي من صفاته الغضب لا يصلح أن يكون قدوة أو داعية إلى خلق ودين.

стр. 302

حلم النبي ﷺ وظلم أعدائه له الحمد لله الحليم العظيم، رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، البر الرحيم، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه الله رحمةً للعالمين، ومنِّة للإنس والجن، براً حريصاً بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، اتقوه واعبدوه، وراقبوه في خلواتكم وجلواتكم ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] . أيها الناس! ما عُرِفَ على هذه البسيطة -ولن يعرف- مظلوم من البشر تواطأ الناس على ظلمه، وما فتئوا يصفونه بأحدِّ ما وضعوا من ألفاظ مسفهة، في أعقاب نبوات أعقب الشيطان ثمارها، على بقاءٍ في لبه، ونور في دعوته، وصدق في حديثه، وثقة في أمانته مثل رسول الله -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه، فلقد نال الشتائم والسباب من كافة طبقات المجتمع، فقد هجاه شعراء، وسَخِرَ منه سادة، وآذاه عتارسة، ونال منه سحرة. ولقد شاء الله -سبحانه- أن يأتي اليوم الموعود الذي يفتح الله فيه على نبيه ﷺ بـ مكة، حتى إذا ما دخل بالبيت وطاف جلس بالمسجد، والناس من حوله، والعيون شاخصة إليه، والقوم مشرئبون إلى معرفة صنيعه بأعدائه شبابهم وشيوخهم، فقال كلمته المشهورة: ﴿يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم! اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ فيسلم حينها العظماء ويتوبون، كأمثال: هند بنت عتبة، وعكرمة بن أبي جهل، ويئوب الشعراء، ويعتذرون إليه؛ كـ ابن الزبعري وكعب بن زهير، فلا ينال الجميع منه إلا العفو والتغاضي. الله أكبر! ما أجمل العفو عند المقدرة! والله أكبر! ما أجمل السعة عند الضيق والعزة عند الذلة! ومن أحق بذلك إن لم يكن رسول الله ﷺ ، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . أيها المسلمون! بهذا الموقف وبغيره من المواقف العظيمة عالج رسول الله ﷺ محو الجاهلية، وقطع ظلامها، بأنواع المعرفة والإرشاد، ومنع الفساد فيها بحلمه وعفوه ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . لقد كفكف الرسول ﷺ من نزوات الجاهلية، وأقام أركان المجتمع على الفضل وحسن التخلق، ونبذ الجهل والغضب، وكثير من النصائح التي أسداها للناس كافة كانت تتجه إلى هذا الهدف، قال رسول الله ﷺ : ﴿سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر﴾ رواه البخاري ومسلم.

стр. 303

تعريف الحلم ومكانة صاحبه الحلم -أيها المسلمون-: اسم يقع على إلزام النفس من الخروج عند الورود عليها ضد ما تحب إلى ما نُهي عنه، وهو في موطن الغضب سيادة على النفس، وضبط لها، وكبح لجماحها، كما أنه لباس العلم، فمن فقده فقد تعرَّى وبدت للناس سوءته، وهل يجيء الباطل بخير؟ ألا إن الغضب قرين الشر، وإن الحلم راحة القلوب وسعادة الجماعات. إن التفاوت بين الناس بعيد الشقة مع أنهم من أبوين اثنين، فإن اختلافهم في أوضاعهم وخلالهم مثار امتحان بالغ الجدوى، ولذا قال جلَّ شأنه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠] ففي الناس الحليم الأريب المتأني، الذي إذا استنفرته الشدائد أبقى على وقعها الأليم، محتفظاً برجاحة فكره؛ وسجاحة خلقه، فلا يحمى من قليل يسمعه فيوقعه في كثيرٍ يكرهه، ولا يفضح نفسه ليشفي غيضه، فإن جهل عليه لم ينفعه إلا حلمه، ويا للعظمة والعلو! إن فعل كفعل قيس بن عاصم! وقد أتوه برجل قد قتل ابنه، فجاءوا به مكتوفاً، فقال: زعرتم أخي أطلقوه، واحملوا إلى أم ولدي ديته فإنها ليست من قومنا.

стр. 304

الغضب وآثاره على الأسر والمجتمعات وإن في الناس الطائش الأهوج، كما أن فيهم الغر المأفون الذي تسخفه التوافه فيستحمق على عجل، ويكون لسانه وفعله قبل قلبه وعقله، فلا يلزم نفسه ولا يتريث، بل يهذي بكلامه ويوكس ويشطف في أفعال يحتاج بعدها إلى اعتذار، وتلفيق، فيقع فيما نهى عنه المصطفى ﷺ بقوله: ﴿ولا تتكلم بكلام تعتذر منه غداً﴾ رواه أحمد وابن ماجة. إذ لا ينفعه الاعتذار حينئذٍ؛ لأنه إذا استثير ورأى لهب الغيظ برطم، وأفسد الأمور في غيبة وعيه، وغلبة عاطفته، فلم يدع لإصلاحها مكاناً، فإن نصح أهماك هوجاً، وإن ذكر أصماك غيظاً، وهذه هي علة الحمق الكامنة، ولقد رأينا الغضب يشتط بأصحابه إلى حد الجنون، عندما تقتحم عليهم نفوسهم، ويرون أنهم حقروا تحقيراً لا يعالجه إلا سفك الدم، ولو كان المسلم يعيش من وراء أسوار عالية من فضائل أَتراهُ يُحس بوخز الألم على هذا النوح الشديد؟! لا. وكلا! بل إن الإهانات تسقط على قاذفها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد، ولا غرو! إذ لا تعود الجمرة إلا على موقدها الأول، قال رسول الله ﷺ : ﴿المستبان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم﴾ رواه مسلم. فلا ينبغي للمؤمن الكبير أن يضيق بهرف قطعان متناثرة، بل إن المصلح العظيم يفيض من أناته على ذوي النزق حتى يلجئهم إلى الخير إلجاء، فيطلق ألسنتهم تلهج بالثناء والذكر الحسن. إن من الناس من لا يسكت على الغضب، فهو شخص غضوب في ثورة دائمة، وتغيِّض يطبع على وجهه العبوس، إذا مسه أحدٌ بأذى ارتعش كالمحموم، وأنشأ يُرغي ويزبد ويلعن ويطعن، وكثيراً ما يذهب به غضبه مذاهب حمقى، فقد يسب الباب إذا استعصى عليه فتحه، وقد يلعن دابة جمحت به، أو يعري امرأته ويكسر ضلعها ويضيع أمرها، فيفرق شمله في نقصان ملح أو يبوسة خبز، ثم يطلقها عدد نجوم السماء وكان يكفيه من ذلك عطارد!! فيتهارشان تهارش الكلبين، ويتناقران تناقر الديكين، فلا يفترقان إلا عند الخدش والعقر والهجر، فيجني كل منهما على نفسه بالحرمان والعقوبة، والنتيجة الحاصلة هي يُتم الأولاد إبان حياة الأبوين. والإسلام بريء كل البراءة من هذه الخلال الكدرة، قال رسول الله ﷺ : ﴿ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، والفاحش، ولا البذيء﴾ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. ثم لا تسألوا بعد ذلك -أيها المسلمون- عن ندم الزوجين -ولات ساعة مندم- فيختلقون المعاذير، ويراجعون القضاة والمفتين، كل ذلك لمحو غلطة ارتكبها الغاضب دون تفكير أو روية، أو تدرج في التأديب، مما تسبب في هدم لبنة كان بإمكانه معالجتها لو ملك عقله، وأشهر حلمه، وكفَّ غضبه، وما ذنب الولد إذا خرج من بيته هلعاً مكفهراً وجهه، ضائقاً صدره، ينطلق يمنة ويسرة، يبحث عن سبب يُزيل به همه ويجلو غمه، ولربما استبشر به وبأمثاله وحوش الظلام، وذئاب المجتمع، فيسير وراء تخبطهم ويضيع بضياعهم عن طريق الكيوف القتَّالة من المسكرات والمخدرات. كلُّ ذلك نتيجة غضبة من أبيه أو أمه أعقبها سبٌ وشتم ولطم، وربما طرد ولعن، فيتبدد بذلك شمل الأسرة، وتقوض المجتمعات، فيكسب في كل يوم عدو، ويفقد صديق، ويُهدم بيت، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 305

أنواع الحلم

стр. 306

الحلم المذموم عباد الله! اعلموا أن الحليم إما أن يكون عاجزاً جباناً ليس له شيء ولا عليه شيء، فهذا إن لم يغنم فإنه لا يأثم، وإن ادعى الحلم مع عدم الاقتدار على إنفاذ العقوبة فهذه حجة لا يلجأ إليها إلا اللئام من بني البشر، وإما أن يكون مُخادعاً مكَّاراً، ظاهره سمت المؤمنين، وباطنه حقد المجرمين، يتحلَّم ظاهراً ويعفو علناً، ولكنَّه يغضب باطناً وينتقم مسرفاً، فهذا حقود لدود ينقلب على المجتمع من سوء صنيعه سوساً كطبع السوس، لا يقع على شيء إلا نخره أو عابه، أو دوداً كطبع الدود لا يقع في شيء إلا أفسده وكدَّره. ومثل هذا لا يلبث أن يفضحه الله على رءوس الخلائق.

стр. 307

الحلم المحمود وإما أن يكون حليماً مفطوراً على الخير مجبولاً عليه، وهذا كـ أشج عبد القيس، الذي قال له رسول الله ﷺ : ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، فقال: أشيء تخلقت به أم جُبلت عليه يا رسول الله؟ فقال: لا، بل جُبلت عليه، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله﴾ رواه مسلم وغيره. وإما أن يكون ثائر النفس، أزعجه من ظلمه، فيصبر محتسباً ويصفح قادراً، ويأمره إيمانه بالعرف والعفو عن الجاهلين، وهذا هو المُثاب في الدنيا والآخرة، والمشكور عند الله ومن ثمَّ عند خلقه، وهو الموصوف بالشدة والقوة، كما في قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾ . رواه البخاري ومسلم. وهو المقصود -أيضاً- في قول النبي ﷺ : ﴿من كتم غيظاً وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يُخيرِّه من الحور العين يزوجه منها ما شاء﴾ رواه أحمد. أعاذنا الله وإياكم من الغضب ومن سوءه وآثاره، ورزقنا الحلم والتحلَّم إنه سميع قريب ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣-١٣٤] . بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 308

مراتب الغضب الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه. أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون! واعلموا أنه يجب علينا أن نعمل بتعاليم ديننا الحنيف، وأن نأخذ بإرشادات نبينا ﷺ ، كما يجب علينا أن نقصر أنفسنا عن الغضب، ولا نتسرع فيما يعود علينا بالحسرة والندامة -ولات ساعة مندم- والمرء المسلم مطالبٌ بكتمان غيظه، وإطفاء غضبه بما استطاع من تحلم وتصبر، واستعاذة بالله من النفس والهوى والشيطان. واسمعوا -رعاكم الله- وصية من وصايا المصطفى ﷺ لأصحابه، فيما رواه البخاري في صحيحه أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ﴿أوصني! قال: لا تغضب، فردد مراراً! قال: لا تغضب﴾ والمراد من الحديث هو: ألاَّ يعمل المرء بمقتضى الغضب إذا حصل له، بل يُجاهد نفسه على ترك تنفيذه؛ فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان هو الآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف:١٥٤] فإذا ما جاهد المرء نفسه اندفع عنه شر الغضب، وذهب عنه عاجلاً فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى مثل هذا وقعت الإشارة في القرآن بقول الله ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧] ، وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ويختلف الغضب في دنيا الناس إذ يتراوح صعوداً وهبوطاً باختلاف الأحوال والظروف، ولكنه من خلال الإطار الشرعي العام لا يخرج عن ثلاث مراتب:

стр. 309

مرتبة الاعتدال المرتبة الأولى: مرتبة الاعتدال؛ بأن يغضب ليدافع عن نفسه وعن دينه أو عرضه أو ماله، ولولا ذلك لفسدت الأرض بانتشار الفوضى وتقويض نظام المجتمع، قال رسول الله ﷺ : ﴿من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون نفسه فهو شهيد﴾ رواه أحمد وابن حبان.

стр. 310

مرتبة التفريط والنقص المرتبة الثانية: أن ينحطَّ الغضب عن الاعتدال بأن يضعف في الإنسان أو يفقد بالكلية، وهذه الحال مذمومة شرعاً، لا سيما إذا تعلقت بحرمات الله وشعائره، قالت عائشة ﵂: [[ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، وما نيل منه قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى]] رواه مسلم.

стр. 311

مرتبة الإفراط والغلو والمرتبة الثالثة: أن يطغى الغضب على العقل والدين، ولربما جرَّ صاحبه إلى ارتكاب جرائم كبيرة، وموبقات كثيرة، ولا يمكن التخلص من هذه العقبة إلا بفعل ما أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: ﴿إذا غضب أحدكم فليسكت﴾ رواه أحمد. واستب رجلان عند النبي ﷺ فاحمرَّ وجه إحداهما غضباً، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إني لأعلم لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد﴾ رواه البخاري ومسلم. هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله! اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 312

إقامة التوحيد ما جاء الإسلام إلا بهدم الوثنية، وقطع دابر الشرك والجاهلية، فدعا إلى توحيد الله جل وعلا توحيد ألوهية وربوبية وأسماء وصفات، وقد قام الرسول ﷺ وأصحابه بذلك الأمر خير قيام. والبعض اليوم يظن أنه في عصر العلم والتكنولوجيا لا يمكن أن تعبد الأصنام والأوثان، وهذا مخالف للواقع، حيث إن في بلاد الإسلام من يعبد الحجر، ومن يعبد القبور وأصحابها. فلا بد أن نقتفي أثر رسول الله ﷺ وأصحابه في إقامة التوحيد ومحاربة الشرك، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 313

حال الأصنام في الجاهلية والإسلام إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] . أما بعد:

стр. 314

عمرو بن لحي وعبادة الأصنام يا أيها الناس! منذ غابر الأزمان، وقبل نبوة المصطفى ﷺ ، كان الناس على هذه البسيطة في جاهلية جهلاء، إبان فترة من الرسل قد انقطع الناس فيها عن المدد الروحي والنور الإلهي، فلأجل ذلك اعترتهم ظلمات العقائد والقوانين والأنفس؛ ظلماتٌ لا يجد فيها الحاذق بصيص نورٍ يهتدي به إلى هداية، أو يخلص به من ضلالة وينجو من غواية، بل هي ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ظلماتٌ أودت بذويها إلى أن يتخبطوا في مهام الحياة ودروبها خبط العشراء، ظلماتٌ جعلت من عقول مشتمليها ودينهم أن يصنعوا معبوداتهم بأيديهم، فنحتوا ما يعبدون والله خلقهم وما يعملون، حتى عموا وصموا وضلوا وغووا، ثم انحط غيهم فعبدوا الأشجار والأحجار والستائر المنصوبة والتماثيل التي كانوا لها عاكفين. لقد أغراهم بذلك غيبة إنسانيتهم، وإفلاس عقولهم بعد طيشها، حتى انتحرت فطرتهم وبقوا هواءً في جثمان إنس، يقول حبر الأمة ابن عباس ﵄ متحدثاً عن هذه الحقبة من الزمن: [[صارت الأوثان التي في قوم نوحٍ في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلَّبٍ بـ دومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيفٍ بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لـ همدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت]] رواه البخاري. عباد الله: لقد كانت العرب قبل هذا الأمر على ملة إبراهيم الخليل ﵇، فما فتئ الزمان يدور حتى قل العلم وهلك العلماء، لتحل الأصنام بين العرب من جديد، وتتبدل ملة إبراهيم ﵇ وتتنسخ، وقد كان الذي تولى كبر هذه الشقوة والمعرة أبو خزاعة عمرو بن لحي، فهو الذي سيب السوائب، وعبّد الأصنام: ﴿وقد رآه النبي ﷺ في صلاة الكسوف يجر أمعاءه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب، وبدل دين إبراهيم ﵇﴾ رواه مسلم في صحيحه، يقول ابن كثير ﵀: كان عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها. أيها المسلمون: إنما خلق الله الثقلين الجن والإنس ليعبد وحده في الأرض، وأرسل رسوله ﷺ بالشريعة الغراء محاطة بقواعد قررها الشارع الحكيم متمثلةً في ضرورات خمس، أجمعت الأنبياء والرسل قاطبةً على حفظها ورعايتها، وهي: الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، فكل مفسدةٍ يخشى أن تؤتى من قبل ضرورة من هذه الضرورات فإنه يجب درؤها، ودفعها أولى من رفعها، وكان على المتسبب فيها من الإثم والوزر الذي يتجدد عليه انتشارها، ويتوالى تراكمه في صحيفة أعماله إبان حياته وبعد مماته، كمثل ما علا عمرو بن لحي حينما أدخل الأصنام وبدل دين إبراهيم، وعلى رأس هذه الضرورات الخمس ضرورة الدين والعقيدة وتوحيد الله.

стр. 315

قضاء الإسلام على عبادة الأوثان لقد أضاء النبي ﷺ الطريق وأوضح السبيل، وطهر الله به جزيرة العرب من رجس الوثنية، وهيمنة الأصنام والتماثيل، وكان كبير هذه الأصنام هبل وهو بأعلى مكة وحوله ثلاثمائة وستون صنماً كلها من الحجارة، فطعن فيها المصطفى ﷺ بيده الشريفة حين دخوله الكعبة يوم الفتح وهو يردد قول الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] . يقول القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: فيها دليل على كسر نصب المشركين، وجميع الأوثان إذا غلب عليها. يقول ابن المنذر ﵀: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من الدر والخشب وشبهها. عباد الله: لقد حطم رسول الله ﷺ الأصنام حول الكعبة وبعض الصحابة كان يردد: يا عزى! كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك ويبعث رسول الله ﷺ سراياه إلى الأصنام التي كانت حول مكة، ونادى مناديه بـ مكة قائلاً: [[من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره]] فيبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد وهو متغيظ فجرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء، ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره فقال: نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً﴾ رواه النسائي. ثم بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل فاعترضه السادن فقال: لا تستطيع أن تقتله، فإنك ستمنع منه، فدنا منه ﵁ فكسره فأسلم السادن بعد ذلك. وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن زيد إلى مناةٍ فهدمها، ولما أراد النبي ﷺ المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين ليهدمه فهدمه، وجعل يحشي النار في وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفين! لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا إني حششت النار في فؤادكا ثم بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب إلى الفلس؛ وهو صنم لطيء، فهدمه هو ومن معه. وكما بعث جرير بن عبد الله البجلي في سرية لكسر صنم ذي الخلصة بـ اليمن. بهذا كله -عباد الله- يجدد رسول الله ﷺ ملة أبيه إبراهيم وإخوانه الأنبياء، فلقد قال إبراهيم سائلاً ربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] وقال لقومه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧] . ويجدد النبي ﷺ فعل موسى مع السامري حين قال له: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ [طه:٩٧] . أيها المسلمون: لقد كانت مواقف النبي ﷺ من الأصنام والتماثيل بارزةً للعيان قولاً وفعلاً، بل إنه لم يقتصر كسره للأصنام على ما عبد من دون الله، أو على ما عظم كتعظيم الله فحسب، بل تعداه إلى التماثيل التي تتخذ في البيوت ونحوها، على هيئة الاقتناء والزينة ولو لم تعبد، فقد جاء عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه على باب البيت تماثيل -الحديث وفيه:- أن جبريل أمره برءوس التماثيل أن تقطع فتصير كهيئة الشجر﴾ . ومعلوم -عباد الله- أنه لا يقول عاقل ألبتة: أن النبي ﷺ قد اتخذ هذا التمثال للعبادة أو للتعظيم، وإنما كان لمجرد الاقتناء، كيف لا، وقد سأله

стр. 316

الصحابة وحمايتهم لجناب التوحيد عباد الله: بمثل فعل النبي ﷺ وفعل الأنبياء من قبله سار الصحابة الكرام وأئمة الدين. روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: ﴿ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً ألا سويته﴾ والمقرر عند أهل العلم أن كلمة تمثال هنا نكرة في سياق النهي، فتعم كل تمثالٍ أيّن كان نوعه؛ سواء كان للعبادة أو لمجرد الاقتناء والزينة. وذكر ابن إسحاق في مغازيه عن أبي العالية قال: [[لما فتحنا تستر وجدنا في بيت الهرمزان سريراً عليه رجلٌ ميت عند رأسه مصحفٌ له، فأخذناه فحملناه إلى عمر ﵁ إلى أن قال: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقةً، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقال رجل: وما يرجون منه؟ قال: كان يقال: إن السماء إذا حبست عنهم برزوا سريره فيمطرون]] يقول ابن القيم ﵀ معلقاً على هذه القصة: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار ﵃ من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده، أو التبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف. وقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن سعد روى بسندٍ صحيح: [[أن عمر ﵁ بلغه أن قوماً يأتون شجرة بيعة الرضوان فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت]] . هكذا كانت مواقف النبي ﷺ وأصحابه في حماية جناب التوحيد، وسد الذرائع المفضية إلى الشرك بالله؛ لأن البدع إذا حدثت، وصارت صارفةً عن مقتضى القرآن والسنة، ولفقت لها شبه، وركب لها كلامٌ مؤلف، صارت تلك البدع في حكم الواقع من المسلمات التي لا يمكن درؤها إلا بعد نأي وشدائد، ويدل بذلك ما نقله الحافظ ابن حجر عن الفاكهي وغيره عن عبيد الله قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجلٌ منهم فجزع ولده عليه، فجعل لا يصبر عنه، فاتخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق له نظر إليه، ثم مات ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آبائنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها.

стр. 317

عبادة الأوثان في عصرنا حاصلة وبعد -أيها المسلمون- فلقائل أن يقول مستفهماً: هل يعقل في أزمنة الحضارة المادية، والثقافات العولمية، ودائرة الأقلام السيالة، أن تتسرب لوثة عبادة الأصنام وتعظيمها إلى مجتمعاتها المعاصرة؟! ف الجواب نعم. ولا عجب من ذلك إذا تنسخ العلم، وضعف الدين في النفوس، ولا أدل على ذلك من وجود معبوداتٍ في هذا العصر منها ما هو على هيئة نصب، ومنها ما هو على هيئة حيوانٍ أعجم، وليس ذلك بخافٍ على كل ذي لبٍ ونظر، ثم إن الجاهليين الأولين كانت لهم عقول مثل عقولنا، وأجسادٌ كأجسادنا، ولهم لسانٌ فصيحٌ وسياداتٌ بين العرب، وجميعهم يقرون أن الخالق والرازق والمدبر هو الله وحده، ومع ذلك عبدوا الأصنام وعظموها، وإلا لما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، ولتأكيد هذا القول -عباد الله- فإن النبي ﷺ قد خاف من دبيب هذه اللوثة على أمته، بل لقد بين أن هذه اللوثة ستطيح ببعض الناس في آخر الزمان، فقد روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان﴾ . وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوسٍ على ذي الخلصة﴾ وذو الخلصة؛ صنم معروف كسره جرير بن عبد الله البجلي لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فدل على أن الأمر سيعود لمثل ما كان. إذاً: هي الأيام يداولها الله بين الناس، فَمِنْ موحدٍ فيها ومِنْ مشرك، ومِنْ خائفٍ من مكر الله فيها ومِنْ آمن: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] وإلا فما سِّر تحذير النبي ﷺ ، وكان قد أسس دولة التوحيد، ومحا الشرك في عصره، حيث يقول وهو يعالج سكرات الموت في مرضه الذي لم يقم منه: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ثم خشي من تسلل هذا الداء بعد وفاته فقال: ﴿اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾ رواه مالك. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم أن إبراهيم التيمي قال في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] قال: [[ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵇]] . فلا يأمن الوقوع في لوثة الأصنام والتماثيل إلا من هو جاهلٌ بها وبما يُخلِّص منها من العلم بالله وبما بعث به رسوله ﷺ من التوحيد الخالص والنهي عن الشرك به. يقول ابن القيم ﵀ عن دور الشيطان في هذا الميدان: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور بالبناء والعكوف عليها، ثم ينقلهم منه إلى دعائهم وعبادتهم، واتخاذهم أوثاناً تعلق عليهم القناديل والستور، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فيغضب المشركون، وتشمئز قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] وسرى ذلك في نفوس كثيرٍ من الجهال والطغام، وكثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم. ثم لتعلموا -عباد الله- أن الصنم قد يطلق على الوثن كما قرر ذلك بعض أهل العلم، والوثن: هو كل ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] . وقد قصرت مفاهيم بعض الناس معنى عبادة غير الله على مجرد عبادة الحجر أو الصنم؛ وهذا من فرط جهلهم بحقيقة هذه المسألة، إذ ليس بلازمٍ أن يكون الشرك بالله محصوراً عند الصنم والركوع والسجود له، بل لقد أوضح النبي ﷺ هذا الفهم القاصر، وذلك: حينما سمع عدي بن حاتم رسول الله ﷺ وهو يقرأ قول الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي: ﴿إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم﴾ رواه أحمد والترمذي وحسنه. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك مما لا نعلم إنك كنت غفاراً.

стр. 318

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح الحمد لله حمد من يشكر النعمة ويخشى النقمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، معلمنا الكتاب والحكمة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن لله الدين الخالص، وأن على كل مسلمٍ ومسلمة تطهير النفوس من الدواخل والشواغل الصارفة عن أن يعبد الله وحده في الأرض، كما أن علينا جميعاً الامتثال لأمر الله ورسوله ﷺ وتقديمهما على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وليحرص الناس جميعاً على تطهير مجتمعاتهم من رجس الأصنام والتماثيل قدر الطاقة -لاسيما مما يتكاثر انتشاره في البيوت من باب الزينة والاقتناء- لأن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه تمثالٌ أو صورة، وقد كان الفاروق ﵁ إذا دعي إلى وليمة سأل الداعي إن كان في بيته شيءٌ من التماثيل أو الصور، فإن قال: لا. أجاب دعوته. ألا فإن درء المفاسد وسد الذرائع المفضية إلى الشرع لأمر جلل ينبغي ألا يغفل عنه المسلمون بعامة، فما قطع عمر لشجرة الرضوان إلا من هذا الباب، ثم إن اتخاذ التماثيل والأصنام أو تعظيمها، وتعظيم الأضرحة لهو أمرٌ حادثٌ في الإسلام، وإحداثه لم يكن متصلاً بأهل العلم والتقوى، وإنما هو من إدخالات ذوي الأهواء والجهالات، وذوي السلطة والغلبة، إذ في القرآن الكريم إشارة إلى مثل هذا بقول الله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١] لقد استفحل هذا الأمر في هذه العصور المتأخرة حتى وقع بعضهم في شرك الربوبية والألوهية، فاعتقدوا في بعض أهل القبور، وصوروا لهم الأصنام والتماثيل، وزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويجيبون من توجه إليهم، وأن منهم من له القدرة على تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، حتى صارت كالأنصاب التي يتخذها مشركو العرب، فأقسموا بها واستشفعوا واستنصروا ولاذوا، بل سيبوا لها السوائب، وساقوا إليها القرابين، بل ولربما جعلوها نصباً تذكارية لعظيمٍ، وجعلوا لها من الحرمة والعظمة وعقوبة الاعتداء عليه ما لا يجعل لمن اعتدى على دين الله، أو سب الله ورسوله ﷺ . وقد تحدث ابن القيم ﵀ معلقاً على غزوة النبي ﷺ للطائف، وهدمه صنم اللات فقال: وفي ذلك من الفوائد: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم الأضرحة والقبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزى ومنات، أو أعظم شركاً عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس؛ لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعةً والبدعة سنةً، واشتدت غربة الإسلام، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واحرصوا على إقامة توحيد الله في الأرض تفلحوا، ويتحقق لكم النصر والتمكين، وتجعل لكم العاقبة في الأولى والآخرة. ألا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا؛ اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

стр. 319

هل حاسبت نفسك إن الواجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه حساب الشريك لشريكه، وأن يحاسب نفسه حساباً دقيقاً قبل أن توزن الأعمال، فإننا قادمون على مواقف عظيمة، في يوم عصيب لا يخفى هوله ومواقفه العظيمة التي لا يتحملها الإنسان.

стр. 320

آثار الذنوب والمعاصي على الأمم والشعوب الحمد لله الواصل الحمدَ بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البطاء عما أمر به، السراع إلى ما نهي عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه، وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصره بما في الحياة من خير وشر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فإن تقوى الله دار حسنٍ عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تقطع حمة الخطايا، فهي النجاة غداً والمنجاة أبداً. أيها الناس: إن للأمم مع نفوسها غفوة تعقبها غفوات، وللأفراد المنفردين كما للأمم والشعوب سواءً بسواء، وإذا كانت غفوة الفرد تعد بالساعات فإن غفوة الأمم تعد بالسنين، لأن السنة في حياة الأمة تقوم مقام اليوم أو بعضه في حياة فردٍ من الأفراد، وحينما تتعرض الأمم لنكبات تزلزلها وتبلبلها؛ يكون من المتحتم على أفرادها ومجتمعاتها أن يعودوا إلى أنفسهم؛ ليتبينوا مواقع أقدامهم ويبصروا مواقع خطواتهم، لأنهم يصبحون حينئذٍ في أشد الحاجة إلى عملية تشييد أو بناءٍ جديد، حتى تعود نفوسهم لبناتٍ صالحة لإقامة صرح الأمة المشيد، ولذلك يقول الحق جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ويقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿عليك بنفسك﴾ . عباد الله: إن الفساد في الدنيا، إنما يكون ظاهراً جلياً، حينما لا يتوقع المجتمع حساباً من ربٍ قاهر، أو من ولي حاكم، أو من مجتمعٍ محكوم، أو من نفسٍ لوامة، وحينما لا يتوقع أفراد المجتمع حساباً على تصرفاتهم؛ فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون، ويموجون كما يشتهون، وكما تهوى أنفسهم، فيقبلون على الحياة ودروبها بلا زمامٍ ولا خِطام، فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً﴾ [النبأ:٢٧-٢٨] فهؤلاء لم يكونوا مؤمنين بالمحاسِب ولا موقنين بالمحاسَب. لو أن الأمم والمجتمعات يخبطون في الدنيا خبط عشواء، ويتصرفون على ما يحلو لهم، دون معقبٍ أو حسيب؛ لجاز على تفريطٍ وحمق أن يبعثروا حياتهم كما يبعثر السفيه ماله، فكيف ولله الحفظة يدونون مثقال الذرة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] . والذي ينبغي على الناس بعامة أن يكونوا على وعيٍ وبصيرة بمقدار ما يفعلون من خطأ وصواب، والحق أن هذا الانقلاب في مهام الحياة أفراداً وجماعات دون اكتراث بما كان وما يكون، أو الاطلاع بنظرة خاطفة إلى بعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم والعياذ بالله! وقد عده الله في كتابه الكريم من الأوصاف التي يعرف بها المنافقون، الذين لا كياسة لديهم ولا يقين لهم: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] .
следующие страницы →