Полный текст (518 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الصحابة وحمايتهم لجناب التوحيد
عباد الله: بمثل فعل النبي ﷺ وفعل الأنبياء من قبله سار الصحابة الكرام وأئمة الدين.
روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: ﴿ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً ألا سويته﴾ والمقرر عند أهل العلم أن كلمة تمثال هنا نكرة في سياق النهي، فتعم كل تمثالٍ أيّن كان نوعه؛ سواء كان للعبادة أو لمجرد الاقتناء والزينة.
وذكر ابن إسحاق في مغازيه عن أبي العالية قال: [[لما فتحنا تستر وجدنا في بيت الهرمزان سريراً عليه رجلٌ ميت عند رأسه مصحفٌ له، فأخذناه فحملناه إلى عمر ﵁ إلى أن قال: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقةً، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، فقال رجل: وما يرجون منه؟ قال: كان يقال: إن السماء إذا حبست عنهم برزوا سريره فيمطرون]] يقول ابن القيم ﵀ معلقاً على هذه القصة: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار ﵃ من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده، أو التبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن سعد روى بسندٍ صحيح: [[أن عمر ﵁ بلغه أن قوماً يأتون شجرة بيعة الرضوان فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت]] .
هكذا كانت مواقف النبي ﷺ وأصحابه في حماية جناب التوحيد، وسد الذرائع المفضية إلى الشرك بالله؛ لأن البدع إذا حدثت، وصارت صارفةً عن مقتضى القرآن والسنة، ولفقت لها شبه، وركب لها كلامٌ مؤلف، صارت تلك البدع في حكم الواقع من المسلمات التي لا يمكن درؤها إلا بعد نأي وشدائد، ويدل بذلك ما نقله الحافظ ابن حجر عن الفاكهي وغيره عن عبيد الله قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجلٌ منهم فجزع ولده عليه، فجعل لا يصبر عنه، فاتخذ مثالاً على صورته، فكلما اشتاق له نظر إليه، ثم مات ففعل به كما فعل، ثم تتابعوا على ذلك، فمات الآباء فقال الأبناء: ما اتخذ هذه آبائنا إلا أنها كانت آلهتهم فعبدوها.
стр. 317
عبادة الأوثان في عصرنا حاصلة
وبعد -أيها المسلمون- فلقائل أن يقول مستفهماً: هل يعقل في أزمنة الحضارة المادية، والثقافات العولمية، ودائرة الأقلام السيالة، أن تتسرب لوثة عبادة الأصنام وتعظيمها إلى مجتمعاتها المعاصرة؟!
ف
الجواب
نعم.
ولا عجب من ذلك إذا تنسخ العلم، وضعف الدين في النفوس، ولا أدل على ذلك من وجود معبوداتٍ في هذا العصر منها ما هو على هيئة نصب، ومنها ما هو على هيئة حيوانٍ أعجم، وليس ذلك بخافٍ على كل ذي لبٍ ونظر، ثم إن الجاهليين الأولين كانت لهم عقول مثل عقولنا، وأجسادٌ كأجسادنا، ولهم لسانٌ فصيحٌ وسياداتٌ بين العرب، وجميعهم يقرون أن الخالق والرازق والمدبر هو الله وحده، ومع ذلك عبدوا الأصنام وعظموها، وإلا لما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، ولتأكيد هذا القول -عباد الله- فإن النبي ﷺ قد خاف من دبيب هذه اللوثة على أمته، بل لقد بين أن هذه اللوثة ستطيح ببعض الناس في آخر الزمان، فقد روى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان﴾ .
وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوسٍ على ذي الخلصة﴾ وذو الخلصة؛ صنم معروف كسره جرير بن عبد الله البجلي لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فدل على أن الأمر سيعود لمثل ما كان.
إذاً: هي الأيام يداولها الله بين الناس، فَمِنْ موحدٍ فيها ومِنْ مشرك، ومِنْ خائفٍ من مكر الله فيها ومِنْ آمن: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] وإلا فما سِّر تحذير النبي ﷺ ، وكان قد أسس دولة التوحيد، ومحا الشرك في عصره، حيث يقول وهو يعالج سكرات الموت في مرضه الذي لم يقم منه: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ ثم خشي من تسلل هذا الداء بعد وفاته فقال: ﴿اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾ رواه مالك.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم أن إبراهيم التيمي قال في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] قال: [[ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ﵇]] .
فلا يأمن الوقوع في لوثة الأصنام والتماثيل إلا من هو جاهلٌ بها وبما يُخلِّص منها من العلم بالله وبما بعث به رسوله ﷺ من التوحيد الخالص والنهي عن الشرك به.
يقول ابن القيم ﵀ عن دور الشيطان في هذا الميدان: وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور بالبناء والعكوف عليها، ثم ينقلهم منه إلى دعائهم وعبادتهم، واتخاذهم أوثاناً تعلق عليهم القناديل والستور، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فيغضب المشركون، وتشمئز قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] وسرى ذلك في نفوس كثيرٍ من الجهال والطغام، وكثيرٍ ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم.
ثم لتعلموا -عباد الله- أن الصنم قد يطلق على الوثن كما قرر ذلك بعض أهل العلم، والوثن: هو كل ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] .
وقد قصرت مفاهيم بعض الناس معنى عبادة غير الله على مجرد عبادة الحجر أو الصنم؛ وهذا من فرط جهلهم بحقيقة هذه المسألة، إذ ليس بلازمٍ أن يكون الشرك بالله محصوراً عند الصنم والركوع والسجود له، بل لقد أوضح النبي ﷺ هذا الفهم القاصر، وذلك: حينما سمع عدي بن حاتم رسول الله ﷺ وهو يقرأ قول الله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي: ﴿إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: بلى.
قال: فتلك عبادتهم﴾ رواه أحمد والترمذي وحسنه.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم، ونستغفرك مما لا نعلم إنك كنت غفاراً.
стр. 318
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح
الحمد لله حمد من يشكر النعمة ويخشى النقمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، معلمنا الكتاب والحكمة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، واعلموا أن لله الدين الخالص، وأن على كل مسلمٍ ومسلمة تطهير النفوس من الدواخل والشواغل الصارفة عن أن يعبد الله وحده في الأرض، كما أن علينا جميعاً الامتثال لأمر الله ورسوله ﷺ وتقديمهما على أنفسنا أو الوالدين والأقربين، وليحرص الناس جميعاً على تطهير مجتمعاتهم من رجس الأصنام والتماثيل قدر الطاقة -لاسيما مما يتكاثر انتشاره في البيوت من باب الزينة والاقتناء- لأن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه تمثالٌ أو صورة، وقد كان الفاروق ﵁ إذا دعي إلى وليمة سأل الداعي إن كان في بيته شيءٌ من التماثيل أو الصور، فإن قال: لا.
أجاب دعوته.
ألا فإن درء المفاسد وسد الذرائع المفضية إلى الشرع لأمر جلل ينبغي ألا يغفل عنه المسلمون بعامة، فما قطع عمر لشجرة الرضوان إلا من هذا الباب، ثم إن اتخاذ التماثيل والأصنام أو تعظيمها، وتعظيم الأضرحة لهو أمرٌ حادثٌ في الإسلام، وإحداثه لم يكن متصلاً بأهل العلم والتقوى، وإنما هو من إدخالات ذوي الأهواء والجهالات، وذوي السلطة والغلبة، إذ في القرآن الكريم إشارة إلى مثل هذا بقول الله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١] لقد استفحل هذا الأمر في هذه العصور المتأخرة حتى وقع بعضهم في شرك الربوبية والألوهية، فاعتقدوا في بعض أهل القبور، وصوروا لهم الأصنام والتماثيل، وزعموا أنهم يعلمون الغيب، ويجيبون من توجه إليهم، وأن منهم من له القدرة على تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، حتى صارت كالأنصاب التي يتخذها مشركو العرب، فأقسموا بها واستشفعوا واستنصروا ولاذوا، بل سيبوا لها السوائب، وساقوا إليها القرابين، بل ولربما جعلوها نصباً تذكارية لعظيمٍ، وجعلوا لها من الحرمة والعظمة وعقوبة الاعتداء عليه ما لا يجعل لمن اعتدى على دين الله، أو سب الله ورسوله ﷺ .
وقد تحدث ابن القيم ﵀ معلقاً على غزوة النبي ﷺ للطائف، وهدمه صنم اللات فقال: وفي ذلك من الفوائد: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً، وكذا حكم الأضرحة والقبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزى ومنات، أو أعظم شركاً عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس؛ لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعةً والبدعة سنةً، واشتدت غربة الإسلام، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واحرصوا على إقامة توحيد الله في الأرض تفلحوا، ويتحقق لكم النصر والتمكين، وتجعل لكم العاقبة في الأولى والآخرة.
ألا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا؛ اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
стр. 319
هل حاسبت نفسك
إن الواجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه حساب الشريك لشريكه، وأن يحاسب نفسه حساباً دقيقاً قبل أن توزن الأعمال، فإننا قادمون على مواقف عظيمة، في يوم عصيب لا يخفى هوله ومواقفه العظيمة التي لا يتحملها الإنسان.
стр. 320
آثار الذنوب والمعاصي على الأمم والشعوب
الحمد لله الواصل الحمدَ بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه، ونستعينه على نفوسنا البطاء عما أمر به، السراع إلى ما نهي عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه، وأحصاه كتابه، علمٌ غير قاصر، وكتابٌ غير مغادر، خلق الإنسان وبصره بما في الحياة من خير وشر: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق كل شيءٍ فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فإن تقوى الله دار حسنٍ عزيز، تمنع أهلها، وتحرز من لجأ إليها، وبها تقطع حمة الخطايا، فهي النجاة غداً والمنجاة أبداً.
أيها الناس: إن للأمم مع نفوسها غفوة تعقبها غفوات، وللأفراد المنفردين كما للأمم والشعوب سواءً بسواء، وإذا كانت غفوة الفرد تعد بالساعات فإن غفوة الأمم تعد بالسنين، لأن السنة في حياة الأمة تقوم مقام اليوم أو بعضه في حياة فردٍ من الأفراد، وحينما تتعرض الأمم لنكبات تزلزلها وتبلبلها؛ يكون من المتحتم على أفرادها ومجتمعاتها أن يعودوا إلى أنفسهم؛ ليتبينوا مواقع أقدامهم ويبصروا مواقع خطواتهم، لأنهم يصبحون حينئذٍ في أشد الحاجة إلى عملية تشييد أو بناءٍ جديد، حتى تعود نفوسهم لبناتٍ صالحة لإقامة صرح الأمة المشيد، ولذلك يقول الحق جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ويقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿عليك بنفسك﴾ .
عباد الله: إن الفساد في الدنيا، إنما يكون ظاهراً جلياً، حينما لا يتوقع المجتمع حساباً من ربٍ قاهر، أو من ولي حاكم، أو من مجتمعٍ محكوم، أو من نفسٍ لوامة، وحينما لا يتوقع أفراد المجتمع حساباً على تصرفاتهم؛ فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون، ويموجون كما يشتهون، وكما تهوى أنفسهم، فيقبلون على الحياة ودروبها بلا زمامٍ ولا خِطام، فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً﴾ [النبأ:٢٧-٢٨] فهؤلاء لم يكونوا مؤمنين بالمحاسِب ولا موقنين بالمحاسَب.
لو أن الأمم والمجتمعات يخبطون في الدنيا خبط عشواء، ويتصرفون على ما يحلو لهم، دون معقبٍ أو حسيب؛ لجاز على تفريطٍ وحمق أن يبعثروا حياتهم كما يبعثر السفيه ماله، فكيف ولله الحفظة يدونون مثقال الذرة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] .
والذي ينبغي على الناس بعامة أن يكونوا على وعيٍ وبصيرة بمقدار ما يفعلون من خطأ وصواب، والحق أن هذا الانقلاب في مهام الحياة أفراداً وجماعات دون اكتراث بما كان وما يكون، أو الاطلاع بنظرة خاطفة إلى بعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم والعياذ بالله! وقد عده الله في كتابه الكريم من الأوصاف التي يعرف بها المنافقون، الذين لا كياسة لديهم ولا يقين لهم: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] .
стр. 321
أهمية مجاهدة النفس ومحاسبتها
إن العقول السوية والفطر السليمة لن تخرج عن إطارها إذا اعتبرت النفس الصالحة هي البرنامج الوحيد لكل إصلاح، وأن ترويضها للإستقامة وتذليلها للطاعة هو الضمان الحي لكل حضارة ورفعة، وإن النفس إذا اختلت وزلت صارت الفوضى في أحكم النظم والبلبلة في كنف الهدوء، واستطاعت النفاذ من ذلك إلى أغراضها الدنيئة، ومطامعها المريبة، والنفس الكريمة ترقع الفتوق في الأحوال المختلفة، ويشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير وسط الأنواء والأعاصير.
إن القاضي المسلم النزيه يكمل بعدله وتقواه نقص المتداعيين الغششة، والقاضي الجائر يستطيع الميل بالنفوس المستقيمة ولي أعناقها؛ لتحقيق رغباته وإشباع شهواته، وقائد القاضيين كليهما هي النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧-١٠] .
أيها الناس: إن أعجب الأشياء مجاهدة النفس ومحاسبتها، لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة، وقدرة رهيبة، فإن أقواماً أطلقوها فيما تحب؛ فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن آخرين بالغوا في خلافها حتى ظلموها ومنعوها حقها، وأثر لومهم لها في تصرفاتهم وتعبداتهم، ومن الناس من أفرد نفسه في خلوة وعزلة أثمرت الوحشة بين الناس وآلت إلى ترك فرائض، أو فضلٍ من عيادة مريض أو بر والد.
وإنما الحازم المحكم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول، فالمحقق المنصف هو من يعطيها حقها ويستوفي منها ما عليها، وإن في الحركة بركة، ومحاسبة النفس حياة، والغفوة عنها لونٌ من ألوان القتل صبراً.
عباد الله: لقد قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] .
إن العبد المسلم لن يبلغ درجة التقوى حتى يحاسب نفسه على ما قدمت يداه، وعلى ما يعقب عليه العزم في شئونه في جميع الأمور، فينيب إلى الله مما اجترح من السيئات، ملتمساً عفو الله ورضاه طامعاً في واسع رحمته وعظيم فضله.
ومحاسبة النفس المؤمنة سمة للمؤمن الصالح، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
والذنوب واردة على كل مسلم، ولكن لا بد لها من توبة، ولا توبة من دون محاسبة، قال رسول الله ﷺ : ﴿كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون﴾ رواه الترمذي.
يتوب العبد بعد أن يحاسب نفسه، ويحاسب نفسه؛ لينجو من حساب الآخرة، فإن الشهود كثير، ولا يملك العبد في الاحتيال من فتيلٍ ولا نقير ولا قطمير: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت:٢١] .
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] قال الصحابة ﵃: ﴿يا رسول الله! وما أخبارها؟ قال: أن تشهد على كل عبدٍ أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا﴾ رواه أحمد وغيره.
فنظّر الله الخليفة الراشد ورضي عنه، ذا الكلمة الراشدة الراسمة طريق النجاح: [[حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]] ]
إن ارتفاع النفس ونضوجها لا يتكون فجأة ولا يولد قوياً ناضجاً دونما سبب، بل يتكون على مكث وينضج على مراحل، وإن ترويض النفس على الكمال والخير وفطامها عن الضلال والشر يحتاج إلى طول رقابة، وكثرة حساب، وإن عمارة دارٍ جديدة على أنقاض دارٍ خربة لا يتم طفرة بارتجال واستعجال؛ فكيف ببناء النفس وإنشائها المنشأ السوي، وإذا كانت النفس الرديئة دائمة الإلحاح على صاحبها، تحاول العود بسلوكه بين الحين والحين، فلن يكفكف شرها أجل مؤقت، وإنما تحتاج إلى عاملٍ لا يقل قوة عنها، يعيد التوازن على عجلٍ إذا اختل، ألا وهو عامل المحاسبة.
إنه لا أشد حمقاً ولا أغرق غفلة ممن يعلم أنه يُحصى عليه مثاقيل الذر، وسيواجه بما عمله من خيرٍ أو شر، ويضل في سباته العميق لاهياً، غير مستعتب لنفسه ولا محاسب لها، يمسي على تقصير، ويصبح على تقصير، سوء يتلوه سوء، كذبٌ وزور، غيبة ونميمة، حسدٌ وتشفي، دجلٌ وفجور، فجورٌ في السلوك، وفجورٌ في التطاول بالسوء على من سوى نفسه وأهله.
قال أحد السلف: من حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآله، ومن لم يحاسب نفسه دامت خسارته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.
أيها المسلم -يا رعاك الله- إن قهرتك النفس بغلبتها فَسُل عليها سوط العزيمة، فإنها إن عرفت جدك، استأسرت لك، الدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدوٌ مباطنٌ لك، ومن أدب الجهاد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة:١٢٣] إن مالت بك الشهوات فألجمها بلجام التقوى، فإن رفعت نفسها بعين العجب؛ فذكرها خساسة أصلها، فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك.
النفس مثل كلب السوق متى شبع نام، وإن جاع بصبص إليك بذنبه، والمعلوم المشاهد أنه متى قوي عزم مجاهدة النفس لانت له بلا حرب، ولما قويت مجاهدة النبي ﷺ تعدت إلى كل من تعدى، فأسلم قرينه صلوات الله وسلامه عليه، والفاروق ﵁ يشيد به المصطفى ﷺ : ﴿إيه يا بن الخطاب! إيه يا بن الخطاب! والله ما رآك الشيطان في فج إلا سلك فجاً غير فجك﴾ .
فيا أيها المسلم: بدّل اهتمامك لك باهتمامك بك، واسرق منك لك فالعمر قليل، تظلَّم إلى ربك منك، واستنصر خالقك عليك، يأمرك بالجد وأنت على الضد أبداً تفر إلى الزحف! وما ارتقيت درجة مجاهدة النفس ومحاسبتها، أتروم حينها الحصاد وأنت لم تبذر بعد؟!
فإن النفس لن تُرْضَى إذا لم تُرَضْ، لأنها سبعٌ عقور، وإنما يراد الصيد لا العضوض: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١] .
إن النفس إذا كانت تهوى وتشتهي، والمرء ينهاها ويزجرها؛ كان نهيه إياها عبادةً لله تعالى يثاب عليها، قال ﷺ : ﴿المجاهد من جاهد نفسه﴾ والمرء أحوج إلى جهاد نفسه أحوج منه إلى جهاد الكفار، فإن هذا فرض كفاية وجهاد النفس فرض عين، ومن جاهد النفس لا يكون محموداً فيه إلا إذا غلب، بخلاف جهاد الكفار فإنه كما قال تعالى: ﴿وَ
стр. 322
أنواع النفوس
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن النفوس ثلاث: نفسٌ أمارة بالسوء، ونفسٌ لوامة، ونفسٌ مطمئنة، ولا شك أن شر هذه النفوس هي الأمارة بالسوء، الداعية إلى الضلال، المحرضة صاحبها على الانحراف والاعتساف، والإنسان الغافل الضال حينما تدركه نفسه رحمة خالقه؛ ينازع نفسه بعد طول شقاء، ويقاومها لينقلها من منبت السوء إلى منبت الخير، ويوقظ فيها صوت الضمير، فإذا هي النفس اللوامة تتفكر وتتدبر وتعتبر فتنزجر، ثم تبلغ القمة والعلو فإذا هي نفسٌ مطمئنة، لا تزلزلها الأهوال ولا الشدائد الثقال، فليت كل واحدٍ منّا يسائل ذاته: أين نفسي بين تلك النفوس الثلاث؟! وفي أي طريقٍ تسير؟ أفي المقدم أم في المؤخر؟ أفي العلو أم في السفل؟! هل سألت نفسك أيها المرء فحاسبتها قبل أن تحاسب؟! هل تفكرت فيها، تفكر محقق؟! هل نظرت إلى خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعاً؟ ولو كشف للناس بعضها لاستحييت من قبحها وشناعتها، أفٍ ثم أفٍ لنفسٍ مريضة، إن نوظرت شمخت، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم، وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف.
أين أنت أيها المسلم! من ذلك المثل الرائد، الذي ضربه لمحاسبة النفس أبو الدرداء ﵁، حيث جلس يبكي وقد رأى دولة القياصرة تهوي على أقدام المسلمين، وأجاب من قال له: يا أبا الدرداء! تبكي في يومٍ أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! فقال له أبو الدرداء: ويحك يا هذا ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
وقد حُمل ابن سيرين رحمه الله تعالى ديناً فُسئل فقال: إني لأعرف الذنب الذي حُمل به علي الدين، قيل له: ما هو؟ قال: قلت لرجلٍ منذ أربعين سنة يا مفلس.
الله أكبر! أيها المسلمون! قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس ندري من أين نؤتى، اللهم اعصمنا من شر الفتن، اللهم اعصمنا من شر الفتن، وعافنا من جميع البلايا والمحن، وأصلح منّا ما ظهر وما بطن، ونق قلوبنا من الغل والحقد والحسد، ولا تجعل علينا تبعة لأحدٍ من خلقك يا أرحم الراحمين!
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البرية جميعاً محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة.
اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ضالاً عن الإسلام إلا هديته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم واكفهم شرارهم، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم!
اللهم أصلح له بطانته، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك يا سميع الدعاء.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 323
مفهوم السياحة ومخاطرها [١]
يختلف مفهوم السياحة الشائع عن معناها الحقيقي في اللغة والقرآن والسنة وكلام السلف.
وهذه المادة توضح ذلك الاختلاف، مع تسليط الأضواء على أضرار السياحة بمعناها المتداول، مع بيان لحقيقة بعض إيجابيات السياحة التي يعتقدها بعض أربابها.
وكذلك بيان لسلبيات السياحة التي يدركها العقل والطبع السليم.
стр. 324
مفهوم السياحة وظاهرة قلب الحقائق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين ساروا على طريقه واتبعوا نهجه وهُداه، وعلى من تبعهم وحذا حذوهم ما تعاقب الجديدان الليل والنهار.
أما بعد:
أيها الناس: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] الزموا حدود الله، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه.
وحذارِ حذارِ!! من التفلت والحياد عن سبيله، كما تَتَفَلَّت الإبل في عُقُلِها؛ فإنه ما من زمان يأتي إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، وإنكم ستعرفون من الناس وتنكرون حتى يأتي على الناس زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله.
ألا فمن استنصح الله وُفِّق، ومن اتخذ شِرْعته نهجاً هُدي للتي هي أقوم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:١٠٠] .
عباد الله: تكلَّم أهل الأصول وعلم البيان عن الكلام وماهيته، وأن من أقسامه ما يُسمى: الحقيقة، وأن الكلام الحقيقي قد يكون لغوياً، أو شرعياً، أو عُرفياً، كما هو في مظانه من مؤلفاتهم.
والذي يُفيدنا منه في هذا المقام هو أن الأصل في الألفاظ: حملُها على الحقيقة بواحدٍ من أقسامها الثلاثة الآنفة.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن طُغيان الجانب المادي واللهث وراء المحسوسات المشغلة عن الدين والتدين، وسلوك النهج القويم، والدخول في دائرة الأخلاق التي تشمل الجميع، كان سبباً -ولا شك- في قلب الحقائق، وجعل الشين زيناً، والمر حلواً، ومثول صور شتى من اللامبالاة بقيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، كما جاء في بعض الأحاديث من تسمية الأشياء بغير اسمها، كما تسمى الخمرة عند أقوام: بالمشروبات الروحية، والمخدرات: كُيُوفات حيوية وما أشبه ذلك.
стр. 325
انتشار المنكرات
غير أن مما يُروعنا -عباد الله- خلائق مقبوحة انتشرت بين كثير من المجتمعات المسلمة، في كافة الأقطار دون مبالاة، أو بعبارة أخرى على إغماض متعمَّد أو شبه متعمَّد، من ذوي المسئوليات العامة من كافة الناس المكلفين، واستمرت موافقة الناس لها، حتى حوَّلها الإلْف والمحاكاة إلى جُزءٍ لا يتجزأ من الحياة العامة والتحسينات اللامحدودة.
ومن هنا رأينا الاستهانة بالكلمة وحقيقتها التي وُضعت لها، ورأينا قلة الاكتراث بالأمانات والمسئوليات الثقيلة، ورأينا القدرة على التكيف في قلب الحقائق إذا حلَّ الهوى قلباً خالياً فتمكن منه.
ومن ثَمَّ جُعل الجهلُ علماً وريادةً وتطوراً، والعلم جهلاًَ، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وهكذا دواليك.
стр. 326
مفهوم السياحة المنتشر بين الناس
إن محور حديثنا -أيها الناس- ونقطة الاتساق فيما سنطرحه هو ما يُسمى في الكلام: السياحة! نعم، السياحة، وما تصرَّف منها لفظاً ومعنى.
تلكم الكلمة -عباد الله- تكاد تتواطأ أفهام الأغرار من الناس على أنها عبارة دالة بذاتها على معانٍ، منها:
١- الترويح عن النفس.
٢- أو الاصطياف.
٣- أو الخروج عن القيود الشرعية أو العُرفية.
٤- أو الارتقاء، والتمدن، واتساع الأفق الثقافي.
٥- أو العولمة الحرة.
وأيَّاً كان هذا المعنى أو ذاك، فإنه لن يخرجنا هذا كله عن القول بصدق: إن هذه المعاني والمفاهيم للسياحة كلها مغلوطة، وليست من السياحة في وِرْد ولا قََدَر، ولا هي من بابه.
стр. 327
السياحة الممدوحة في القرآن والسنة وكلام السلف
ولأجل أن نُؤكد على ما نقول بالدليل القاطع، فإن هناك نصوصاً من كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ ، وأقوال السلف الصالح، كلها تدل على مفهومٍ للسياحة مغايِرٍ لما تعارف عليه جمهرة الناس.
стр. 328
السياحة بمعنى الصيام
المفهوم الأول: الصيام:-
يقول الله جل وعلا: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١١٢] قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعائشة ﵃، وغيرهم: [[إن السائحين هم: الصائمون]] .
ومثل ذلك: قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] .
وقد قالت عائشة ﵂: [[سياحة هذه الأمة: الصيام]] .
стр. 329
السياحة بمعنى طلب العلم
المفهوم الثاني: طلب العلم:-
قال بعض أهل العلم كـ زيد بن أسلم، وابنه: [[السائحون: هم الذين يُسافرون لطلب الحديث والعلم]] .
ولذلك قال بعض السلف: مَن لم يكن رُحْلَة، لن يكون رُحَلَة.
أي: من لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ، والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعُد تأهُّلُه لِيُرْحَل إليه.
وأقول أيها المسلمون: إن هذا القول كان أيام الخلافة الإسلامية، وكون البلدان كالرقعة الواحدة، والله المستعان.
стр. 330
السياحة بمعنى السير للمطلوب الشرعي
وثم إطلاقٌ آخر لمعنى السياحة، وهو السير للمطلوب الشرعي والبحث عنه، عبادةً لله، وقُربى لديه، كالحج، وزيارة المساجد الثلاثة، أو الغزو في سبيل الله، أو نحو ذلك، فقد ثبت عند الترمذي في (جامعه) أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزوة، أو حج أو اعتمر كان مما يقول في دعائه: ﴿آيبون، تائبون، عابون، سائحون، لربنا حامدون﴾ الحديث.
стр. 331
السياحة بمعنى عبادة الله في أرضه
وإطلاق آخر للسياحة بمعنى عبادة الله في أرضه للمضطهدين في دينهم، والمشردين عن أوطانهم، كما ثبت في (صحيح البخاري) من قصة هجرة أبي بكر ﵁ إلى الحبشة، حيث لقيه ابن الدغنة فقال: [[أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن (أسيح) في الأرض، وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخْرُج، ولا يُخْرَج]] الحديث.
ومن هذا المنطلق دوِّنت المقولة المشهورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إبَّان اضطهاده وامتحانه: ما يفعل أعدائي بي؟! إنَّ سجني خلوة، وقتلي شهادة، وتشريدي سياحة.
ولا يُعقل -أيها المسلمون- أن يسيح العالِم المجاهد المتقي لأجل أن يلهو أو يعبث.
ما مضى ذكره -أيها الإخوة- إنما هي معانٍ ممدوحة من معاني السياحة، والذهاب على وجه الأرض في أصل الكلمة وحقيقتها.
стр. 332
السياحة المذمومة الممقوتة
وفي المقابل: نجد سياحة مذمومة ممقوتة، نهى الشارع الحكيم عنها، وأبدل الأمة خيراً منها، تلكم -عباد الله- هي: السياحة في الأرض على وجه العزلة والانطواء والبُعد عن الناس وعن مخالطتِهم والصبر على أذاهم؛ لأجل التعبد وحده.
فقد ثبت عن أبي أمامة ﵁ أن رجلاً قال: ﴿يا رسول الله! ائذن لي في السياحة؟ قال النبي ﷺ : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله﴾ رواه: أبو داود في (سننه) ، وصدَّره بقوله: "باب النهي عن السياحة".
قال ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] يقول ﵁: [[هذا عن ملوكٍ بعد عيسى بن مريم، بدَّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون، يقرءون التوراة إلى أن قال ﵁: فقال أناس منهم: نتعبد كما يتعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم، فلمَّا بعث الله النبي ﷺ ، ولم يبقَ منهم إلا قليلٌ، انحط رجلٌ من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب دَيْر من دَيْره، فآمنوا به، وصدقوه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨]] ] رواه: النسائي.
يقول ابن كثير ﵀: وليس المراد من السياحة، ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع، إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت عند البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: ﴿يُوشك أن يكون خير مال الرجل غنمٌ يتبع بها شعث الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن﴾ .
فـ (لا إله إلا الله) كم فيما مضى ذكره من عبر!
و (لا إله إلا الله) كم يكفينا ذلك في تذكير أرباب السياحة العابثة! ألا سبحان الله!
سياحةٌ لأجل العزلة والتعبُّد منهيٌّ عنها، أفتكون سياحة اللهو والتخمة أحل وأنقى؟! ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأنبياء:٨٧] ولا نقول إلا ما يرضيك عنا.
تلك -عباد الله- بعض المعالم والشذرات حول مفهوم السياحة، الأصل والأساس والذي كاد يُعدم معناه، أو ينمحي، حيث أبدله الناس بهذا المفهوم العاري، والذي سنسلط عليه بعض الضوء والمصارحة؛ ففي النصح بركة، والحر تكفيه من ذلك الإشارة.
стр. 333
بعض المآخذ على أهل السياحة
إن الترويح عن النفس بما أباح الله لها هو مسرح للإستئناس البريء الخالي من الصخب والنَّغَب، على حد قول النبي ﷺ لـ حنظلة بن عامر ﵁: ﴿ولكن ساعة وساعة﴾ لا كما يقول أرباب التحرر: (ساعات لك، وساعة لربك) ، أو (استعن بالهزل على الجد، والباطل على الحق) ، أو (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر) كلا! فالبيت والمجتمع والإعلام كلهم خاضعون لحدود الله، ومتى تجوَّزوا تلك الحدود؛ فما قدروا الله حق قدره، وما شكروه على آلائه.
إن المرء الجاد الخائف من ربه وولي نعمته ليس لديه متسع من الوقت أو الجهد ليُنفقه فيما يعود عليه بالوبال.
стр. 334
الإسراف في الترويح على النفس والبدن
لقد حرص كثير من الناس على تضخيم الترويح على النفس والبدن، حتى ظنوا بسبب ذلك أنهم مفتونون في بيوتهم وبلدانهم، استصغروا ما كانوا يُكْبِرون من قبل، واستنزروا ما كانوا يستكثرون، أقفرت منازلهم من الأُنس، وألِفوا السياحة على مفهومهم الخاطئ، والجلوس في المنتديات حال الاغتراب، حتى أصبح المرء منهم في داره حاضراً كالغائب، مقيماً كالنازح، يعلم من حال البعيد عنه ما لا يعلم من حال القريب منه، قبل الإجازات يعقدون الجلسات غير المباركة عن معاقد عزمهم في شد الرحال، إلى مجاري الأنهار، وشواطئ البحار، في بلاد الكفار، أو بلاد تشبهها، يفرون من الحر اللافح إلى البرد القارس، وما علموا أن الكل من فيح جهنم ونَفَسِها، الذي جعله الله لها في الشتاء والصيف.
رحلات عابثة تفتقر إلى الهدف المحمود، والنفع المنشود، أدنى سوءها: الإسراف والتبذير، ناهيكم عما يُشاهَد هنالك من محرمات ومخازي لا يُدرى كيف يُبيح المرء لنفسه أن يراها؟! وماذا سيجيب الله عن قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] .
стр. 335
قتل الأوقات عند السائحين
الجُلُّ من السياح نهارهم في دندنة، وليلهم جَهْوَرِي، ألذَّ ما عند بعضهم سَمَر العُشَّاق، أو شغل المشغولين بالفراغ، عبادتهم نِدْر، وغوايتهم غَمْر، يأكلون الأرطال، ويشربون الأسطال، ويسهرون الليل وإن طال، حتى يصير الصبح ليلاً والليل صبحاً، فيختل الناموس الذي خلق الليل والنهار من أجله، فلا يُرخي الليل سدوله إلا وقد سحب اللهو ذيوله، وتمشت البلادة في عظام المرء، حتى تترقَّى إلى هامه، وتَسلب العقل، فيُخلع ثوب الوقار، ويُلاطف بعبث مشين، في سَفْسَف أو باطل من الأمر، ومن ثَمَّ تُعد تلك السجايا من السياحة الجاذبة.
وكم يُقال حينها: هل من ساهر في مثل هذا من نُجْب؟! أو هم ليله من صبح؟ هيهات ثم هيهات!! فتلك ليالٍ قُصَّ أجنحتها، وضَلَّ أصحابها، وكيف يُرجى تقطيع ليالٍ وافية الذوائب، ممتدة الأطناب بين المشارق والمغارب! و ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ [يونس:٦٧] .
ولا بِدْعَ حينئذٍ إذا عُكِسَت آمال هؤلاء وخابت أعمالهم، فلم يرجعوا من سياحتهم إلا بنفاذ المال في الدنيا، وسوء المغبة في الأخرى.
стр. 336
إيجابيات السياحة وسلبياتها
أيها المسلمون: نحتاج حقيقةً إلى مصارحةٍ مع أنفسنا، وإلى استحضار عقولٍ وقلوب ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
إننا لنُسائل روَّاد السياحة بأوضح صور الصراحة فنقول لهم: أفيدونا -يا هداكم الله- ما هي إيجابيات السياحة؟ وما هي سلبياتها؟
و
الجواب
إن ظننا فيهم أن يقولوا: إيجابياتها تكمن في:
الأول: التعرف على البلدان.
الثاني: معرفة حضارات الأقوام.
الثالث: مشاهدة المناظر الخلابة، والآثار العامرة.
الرابع: -يُقال على استحياء-: قتل الأوقات ومجاراة الناس.
وأما السلبيات: فسيجيب عنها غيورون عقلاء على أنها لا حصر لها، غير أن من أبرزها:
الأول: السفر إلى بلاد الكفر، والذي نهانا النبي ﷺ عن الإقامة بها.
الثاني: السفر بلا محرم عند البعض.
الثالث: مثله: التساهل في الحجاب بالنقص منه، أو نزعه بالكلية.
الرابع: رؤية المنكرات؛ كالعُري، والاختلاط بين الجنسين، ورؤية الكفر بالله ورسوله، وانتهاك محارم الله.
الخامس: قولوا مثل ذلك في الإسراف والتبذير.
السادس: ناهيكم عن البُعد عن جَوِّ الإيمان، وطاعة الله، فلا أذانٌ يُسمع، ولا قرآن يُتلى، ولا ذكرٌ لله إلا ما شاء الله، ومن دعته محبته لله إلى أن يُؤدي فريضة الله فعلى استحياء أو تخوُّف، أو في أماكن صخب يتعذر معها معرفة القبلة، أو وقت الصلاة، أو أن يفقه مما أدَّى شيئاً.
السابع: أما ندرة الطعام الحلال فحدِّثوا عن ذلك ولا حرج.
الثامن: إضافة إلى خطورة ما ذُكر على الأطفال والشباب والفتيات، وما يَعلق في أذهانهم من حب اللهو، والإحساس بأن ما عند أولئك خير مما عندنا، وأننا نعيش في أجواء الكبت والمحاصرة، وقيد الحُرية.
وأمثال ذلك أضعافٌ مضاعفة؛ بَيْدَ أن الحاصل في الأمر هو أن الإثم في السياحة المزعومة أكبر من النفع، والسلب أضعاف الإيجاب، ولو نظرنا إلى الخمرة، والتي يُجْمِع المسلمون طُراً على تحريمها، يقول عنها -جلَّ شأنه-: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] .
стр. 337
نصائح عامة في السياحة
وإذا كُنَّا قد ذكرنا -آنفاً- أن السياحة على وجه العُزلة للتعبُّد منهيٌّ عنها، فكيف بالسياحة على وجه اللهو واللعب؟!
ألا إن النهي أشد، والمغبة أسوأ، ولو لم يكن في ذلك إلا أن المرء يذهب بنفسه وذويه إلى بلاد السوء، وأرض المعاصي والكفر بالله، فلا يُدرى أيُختم له في بلد الإسلام أم في بلد الكفر؟! أفي جَو الطاعة والإيمان أم في جَو المعصية وأماكن اللهو والعبث؟! والأعمال بالخواتيم.
ألا تسمعون -يا رعاكم الله- إلى ما أخرجه الشيخان في (صحيحيهما) : ﴿عن النبي ﷺ في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وأكمل المائة بالراهب، حتى أتى عالماً فقال له العالِم: ومن يحول بينك وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أُناساً يعبُدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، أتاه الموت، فاختمصت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فجعلوا ملَكاً حَكَماً، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر، فجُعل من أهلها﴾ .
فيا لَلَّه أين أنتم يا عشاق السياحة؟!
لقد كان مصير هذا التائب الخائف الوجل متعلقاً بمدى قُربه من أي القريتين، ألا ما أصعب الجواب وما أسحق الهوة!
стр. 338
بعض تناقض السياح المتدينين
وبعد: فثم سؤال آخر يطرح نفسه؛ ليبين من خلاله وجه التناقض بين مآرب السُّيَّاح وأرباب السياحة، وبين ما ألِفَه بعضهم من جَو الحفاظ والتدين.
وصورة السؤال هي: يا أيها السائح! هل أنت ممن سيقرأ دعاء السفر، إذا أردت السياحة في بلاد اللهو؟
فإن كان باحثاً عن الحق فسيقول: وهل يغفل المرء المسلم دعاء السفر؟!
قلنا له: فماذا تقول في دعائك؟
فسيجيبنا: أقول الدعاء المشهور: ﴿اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى﴾ .
فنقول له: حسبك قف! لقد قلت: البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، فأين محل البر والتقوى والعمل المُرضي في سفرك؟! أيكون مشاهدة المنكر براً أو تقوى؟! أيكون الجلوس أمام ما يُغضب الله براً أو تقوى؟!
إن ذلك كله مما لا يُرضي الله، وأنت تسأله من العمل ما يرضي.
ألا تدري ما هو البر؟
إن أجْمَعَ ما نُصَوِّره هو قوله جلَّ وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] .
ألا تدري ما التقوى؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] .
ألا تدري ما العمل الذي يُرضي الله؟ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] .
ألا فاتقوا الله -معاشر المسلمين- وليس عيباً أن يقع امرؤٌ في خطأ، وإنما العيب كل العيب أن يتمادى فيه ويكابر.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والثبات على دينك، واتباع سنة نبيك ﷺ .
اللهم ارزقنا من السعادة والطمأنينة والرضا بالمقسوم ما يُغنينا عما عند غيرنا.
اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 339
الوقت بين الاستغلال والضياع
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
стр. 340
مقترحات للاستفادة من الوقت
فيا أيها الناس: إن ما مضى ذكره حول السياحة بين المفهوم الصحيح والمفهوم الخاطئ، وما أشرنا إليه من جهة التحريم والنهي، فإن المنع قد يُرفع عند الضرورة الملجئة، وللضرورة أحوالُها.
بَيْدَ أن هناك أمراً يجدر الاهتمام به، وهو أن هذا المنع لا يدل من قريب ولا من بعيد على ألا يكون للمسلمين ما يُسمى على لغة الكثيرين: التنسيق السياحي، أو بعبارة أخرى أصح: فُرص استغلال الأوقات؛ لأجل أن يستغنوا عن السفر إلى بلاد الكفار، أو ما يشابهها، وفي الوقت نفسه لا يُفهم من هذه الدعوة أن يكون الحل في استجلاب ما عند غيرنا إلى أرضنا، فتكون الثمرة هي فحسب استبدال المواقع، فيكون حشفاً وسوء كيلة بل ينبغي أن يكون الأمر أعظم وأجلَّ.
إنه مبني على كوننا مسلمين، نعمل ونسعى ونرتقي من خلال ما شرعه الله لنا، فإنشاء الدورات الصيفية، والجمعيات الخيرية، من تحفيظ للقرآن، أو تنشيط ثقافي نافع، أو نحو ذلك مما يُستغل به أوقات الجمهور، وإن لزم الأمر سيُقتصر حينئذ على المباح، إذ ما بعد المباح إلا ما حرَّم الله ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] مع الحذر الحذر!! أن تُقلب المفاهيم، وأن تكون فُرص التنشيط السياحي مثالاً للهو والعبث، والضج والضجيج، والعزف والطرب، وبذل الوقت والمال فيما حرَّم الله ورسوله، فكم من مظاهر عريضة مفتعَلة لها ضجيج وطنين، يَتْبَع الأسماع والأبصار، تمتد ألوانها إلى أوقات متأخرة ليلاً؟ ولسان الحال يقول:
يا ليل هل لك من صباح؟ أم هل لصبحك من براح؟
ضل الصباح طريقه والليل ضل عن الصباح
ثم ينجلي أمرها، فإذا هي هشيم تذروه الرياح، وإذا كنا نرى السفر إلى بلاد الكفار داءً يجب علاجه؛ فإن الله جلَّ وعلا لم يجعل شفاء أمة محمد ﷺ فيما حرَّم عليها، وإنَّ استئناس كثير من الغافلين بما حرَّم الله لا يعني البتة التطلُّع إلى تنفيذ رغباتهم، والقاعدة الشرعية المقررة من خلال حديث النبي ﷺ أن ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس، ﵁، وأرضى الناس عنه﴾ .
стр. 341
إضاعة الوقت في الغناء والملاهي
ألا وإن بذل الأوقات في الغناء واللهو لمن ما حرَّم الله ورسوله، وكلما كانت المجاهرة به أظهر كان الخطر أشد، والخطب أدهى وأمر، وكلُّ أمة محمد ﷺ معافى إلا المجاهرين.
عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: ﴿سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقَيْنات﴾ رواه: ابن ماجة والطبراني والقَيْنات: هم المغنون والمغنيات.
بل إن الأمر سيذهب إلى أبعد من هذا، إلى أن يأتي أقوام فيستحلون المعازف والأغاني على شدة ما ألِفوها واستمرءوها، وقل النفير لها، فقال النبي ﷺ : ﴿ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ ذكره البخاري في (صحيحه) .
وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن الغناء؟ فقال: ينبت النفاق في القلب.
وقد قال الفضيل بن عياض ﵀: [[الغناء رُقْيَة الزنا]] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألتُ مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء، فقال: [[إنما يفعله عندنا الفساق]] .
وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره: الإجماع على تحريمه.
ألا فاتقوا الله -أيها المسلمون- وأقلعوا عن معاصي الله في أرض الله، فإن الأجل يحل بغتة، وكتاب الله لا يُغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد ﷺ .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته، يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم سُقيا رحمة لا سقيا هدم، ولا بلاء، ولا عذاب، ولا غرق، ولا استدراج، يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 342
العين حق
الحسد والتحاسد مجمع الآفات، ومستنقع الشرور والرذائل، وإن من سهام الناس القاتلة التي تمرق من رمية الحسد الإصابة بالعين.
وقد دل الكتاب والسنة على أن العين حق، وقد ضل في ذلك أقوام، وجهل آخرون في دمغهم لها بمخالفات شرعية.
ومن أعظم ما يزيل العين والسحر -بإذن الله- الرقية الشرعية من الكتاب والسنة.
стр. 343
الحسد والتحاسد مجمع الآفات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد:
فاتقوا الله أيها الناس: اتقوا ربكم وراقبوه في السر والعلن، فبتقوى الله تصلح الأمور، وتتلاشى الشرور، ويصلح للناس أمر الدنيا والآخرة.
أيها الناس! الحسد والتحاسد مجمع الآفات، ومستنقع الشرور والرذائل، إذ ما دخل الحسد في شيء إلا شانه، ولا نزع من شيء إلا زانه، وإن انتشار مثل هذه اللوثة المذمومة في أوساط الناس لأمرٌ مؤذن بعواقب وخيمة، وأضرار جسيمة، ولو لم يكن من ذلك إلا التباغض والتدابر والتشاحن والتناحر، بلها الغيبة والنميمة، والأشر والبطر.
وإن من سهام الناس القاتلة التي تمرق من رمية الحسد هي: الإصابة بالعين وما أدراكم ما الإصابة بالعين!
إنها نظر باستحسان مشوبٍ بحسد من خبيث الطبع، يحصل للمنظور منه ضرر، يقال: أصابت فلانٌ عينٌ إذا نظر إليه عدوٌ أو حسود، فأثرت فيه فمرض بسببها.
لذلكم -عباد الله- بيَّن أهل العلم حقيقة العين، وبها تعلمون أن العين إنما هي جمرة مضرمة من حطب الحسد، ابتلي بها الكثيرون على حين غفلة من الأوراد الشرعية التي هي حروز أمينة، وحصون مكينة، فتناثرت جثث وهام، وتردت نفوس، وتهالكت أجسادٌ من جُرها.
ولقد صدق رسول الله ﷺ إذ يقول: ﴿أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين﴾ رواه البخاري في تاريخه، والبزار في مسنده وهو حديث حسن.
стр. 344
دلالة الكتاب والسنة على أن العين حق
عباد الله! العين حقٌ لا ممارات فيها ثابتة بالكتاب والسنة، وبواقع الأمم المتكررة.
يقول الله جل وعلا لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١] أي: يعينونك بأبصارهم.
قال ابن كثير ﵀: " وفي هذه الآية دليلً على أن العين إصابتها وتأثيرها حقٌ بأمر الله ".
ثم اعلموا عباد الله! أن اللقع بالعين كان في بني إسرائيل، وقد كانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان أحداً تجوَّع ثلاثةً أيامٍ ثم اعتانه، ولقد قال الحسن البصري ﵀: [[دواء من أصابته العين أن يقرأ هذه الآية]] .
ومما يدل على أن العين حقٌ -عباد الله- قول الخالق جلَّ وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١-٥] ، قال قتادة: أي [[من شر عينه ونفسه]] .
وقال ابن القيم ﵀: كل عائن فهو حاسد، ولما كان الحسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن.
وقال ابن عطية: إن عين الحاسد في الغالب لاقصة، نعوذ بالله من شرها.
ومن لطائف هذه الآية عباد الله! أن بعض العامة يقولون للحاسد إذا نظر إليهم: الخمس على عينيك! ويشيرون على الأصابع الخمسة، وهذا غلطٌ بيِّن، إذ المراد بالخمس: هي آيات سورة الفلق، إذ كلها خمس آيات.
أيها المسلمون! لقد جاءت السنة مؤكدةً للقرآن ومفسرةً له، ولقد قال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في ذلك: ﴿العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا﴾ رواه مسلم.
والمعنى: إن طلب من أحدكم أن يغتسل لمن أصابه بالعين فليجب.
وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق﴾ رواه الحاكم وابن ماجة.
كما صح عند أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إن العين لتوقع بالرجل بإذن الله، حتى يصعد حالقاً: فيتردى منه﴾ ومعنى يصعد حالقاً أي: يصعد مكاناً مرتفعاً ثم يتردى منه بسبب العين.
وقال صلوات الله وسلامه عليه مرةً لـ أسماء بنت عُميس: ﴿مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة -أي: نحيفة- يصيبهم الحاجة؟ قالت: لا.
ولكن العين تسرع إليهم، قال: ارقيهم، فقالت: فعرضت عليه، فقال: ارقيهم﴾ رواه مسلم.
стр. 345
أنواع الإصابة بالعين
ثم اعلموا عباد الله! أن العين عينان: عينٌ إنسية، وعين جنية.
وقد كان النبي ﷺ : ﴿يتعوذ من الجان، ثم من أعين الإنس، فلمَّا نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سوى ذلك﴾ رواه الترمذي وابن ماجة.
ثم إن المرء بذاته قد يُعين نفسه إذا رأى منها ما يُعجبه، واستقى أهل العلم ذلك من قوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف:٣٩] .
ولقد ذكر الفقهاء ﵏ أن من عُرِفَ بالعين؛ فإن الإمام يحبسه ويجري له ما ينفق عليه إلى الموت.
قال ابن القيم ﵀: وهذا هو الصواب قطعاً، وما ذاك -عباد الله- إلا لعظم هذا الأمر وخطورته في المجتمع وإهلاك الأنفس به، وهدم الأسر والبيوتات، مما يدل بالتأكيد على أن العين حق، لا لعلها وكفى الله المسلمين شرها.
стр. 346
ضلال بعض الناس في إنكار العين
أيها الناس! في حضارتنا المعاصرة كثر المثقفون، وشاعت المعارف الذكية، في حين أن البعض منها مقطوع الصلة بالله وبشرعه، والإنسان مهما قوي فهو ضعيف، ومهما اتسع تعلمه فعلمه قاصر، وحاجته إلى شريعة ربه والوقوف بالتسليم لنصوصه أشد من حاجته إلى الماء والهواء، فما أعظم نعمة الدين الصحيح والعقل الصريح! فلا دين بلا عقل، إذ لا تكليف حينئذٍ ولا عقل بلا دين إذ ﴿إِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .
ولقد برزت طائفة من المعنين بالطب وفنونه، ممن قلَّ نصيبهم من نصوص الشارع الحكيم، فأبطلت أمر العين، وادَّعت كاذبةً أنها لا تعدوا كونها أوهاماً، وأطياف خيالٍ لا حقيقة لها.
ولا غرو -أيها المسلمون- أن يضل أمثال هؤلاء وقد قال ربنا جلَّ وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣] .
стр. 347
دفع العين بين المشروع والممنوع
أيها المسلمون! إن أمر العين غير خافٍ على كل ذي لبٍ متجرد، وهذه حالٌ غير مستنكرة البتة، وإنما المستنكر -عباد الله- أن يكون المتفاعل معها كالمستسمن غير سمن، وكالمستبعد غير غرب، إذ ظن بعض السُّذَّج أن ليس للعين سبيل إليهم بمجرد أن يعلق تميمة أو ودعة، أو ناباً، أو تعاويذ ورقى ملفقة ينسجها لهم أدعياء الكهانة والشعوذة، يخدعون بها الرعاع، أو يدعون أن لهم خصوصية في نفع رقاهم وتعاويذهم؛ لأخذهم العهود على شيوخٍ أو أصحاب طرقٍ أو نحو ذلك مما لا أصل له في الدين، بل هو بدعة وضلالٌ مبين، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الرقى والتمائم والتولة شرك﴾ رواه أحمد وأبو داود.
والتمائم: شيء يُعلَّق على الأولاد عن العين، وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من تعلَّق شيئاً وُكِلَ إليه﴾ رواه أحمد والترمذي، والتعلق يكون تارة بالقلب؛ كالاعتقاد في قراءة الشيخ الفلاني، أو التعلق بها من دون الله، أو أنها شافية أو نحو ذلك.
ويكون تارة بالفعل؛ كمن يُعلِّق تميمة أو خيطاً أو نحوهما لدفع العين أو دفع الضر.
ويكون تارة بهما جميعاً -أي: بالقلب والفعل- فمن تعلَّق بالله وأنزل حوائجه به، والتجئ إليه، وفوَّض أمره إلى ربه كفاه وهداه، وقرَّب إليه كل بعيد، ويسَّر له كل عسير.
ومن توكل بغيره أو سكن إلى رأيه وعقله وتميمته ودوائه، وكله الله إلى ضيعة، فما ظنكم -عباد الله- بمن تعلَّق بغير الله، بل ما ظنكم بمن وكله الله إلى نفسه أو إلى غيره من المخلوقين، أترونه ناجياً أم هالكاً ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] .
والله هو الذي تعلق عليه الآمال ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ، ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢] .
إن العجب كل العجب! في أولئك المصابين بالعين حين يستبدلون الرقى والعزائم الشركية، بالرقى والعزائم الشرعية، جاهلين أو متجاهلين خطورة هذا المسلك والهوة السحيقة التي تقذفهم إليها تبعاته، قال القرافي في فروقه عن ألفاظ الرقى: وهذه الألفاظ منها ما هو مشروعٌ؛ كالفاتحة والمعوذتين، ومنها ما هو غير مشروع؛ كرُقى الجاهلية والهند وغيرهم وربما كان كفراً، ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى العجمية لاحتمال أن يكون فيه محرم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: نهى علماء الإسلام عن الرقى التي لا يفهم معناها؛ لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك، فعن عوف بن مالك الأشجعي قال: ﴿كُنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك، قال: اعرضوا عليَّ رقاكم -ولا بأس في الرقى- ما لم يكن فيه شرك﴾ رواه مسلم.
فكل اسم مجهول لا يجوز لأحدٍ أن يرقي به فضلاً عن أن يدعو به، وأما جعل الألفاظ الأعجمية، أو الحروف المقطعة شعاراً للرقى فليس من دين الإسلام، كقول أرباب الدجل في رقاهم وتعاويلهم (كركدن ده ده شراهيا جلَّ جلود) وأمثالها مما هو دجلٌ فوق دجل، وخرافة فوق خرافة مما ليس من دين الإسلام في شيء، بيد أن كثيراً من الناس في هذا العصر قد كبا كبوة مثيرة، وزل زلة خطيرة، فجمهورهم قد أصابهم لوثات هذه العلل مذ أسلموا عقولهم لأيادي الهدي التي لبَّست قفاز التدين، واستطاعت من وراء هذا القفاز أن تصافح كثيراً من ضعاف النفوس؛ بسبب تخلفهم وإبان غفلة من علمائهم وأولي الأمر منهم.
فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، ولسان حالهم يقول: وداوني بالتي كانت هي الداء، فزادوهم مرضاً إلى مرضهم، واقتلعوا أطناب حياتهم الهانئة، فخر عليهم سقف السعادة من فوقهم، وما خذل أمثال هؤلاء إلا حينما لجئوا إلى ذئاب الظلام، وركنوا إلى هرائهم وأهازيجهم، ناسين شرعة الله وصبغته ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] .
стр. 348
شروط الرقية الشرعية
فإذن عباد الله! يستخلص من ذلك أن الرقى تكون مشروعة إذا تحقق فيها شروطٌ ثلاثة:
أولها: ألا يكون فيها شركٌ ولا معصية؛ كدعاء غير الله، أو الإقسام بغير الله.
ثانيها: أن تكون بالعربية وما يعرف معناه.
وثالثها: ألا يعتقد كونها مؤثرةً بنفسها؛ قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: " اتفقوا على أن كل رقية وتعزيم وقسم فيه شرك بالله فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته الجن أو غيرهم ".
стр. 349
الواهم بسبب الخوف من العين
وبعد -عباد الله- فإن كون العين حقاً أمر ثابت شرعاً وواقعٌ عقلاً، وحينما تظهر أمامنا هذه الحقيقة جلية؛ فإن من الأخطاء الشائعة والبلايا المعقدة؛ أن يصبح المرض بالعين شبحاً مروعاً، أو هاجساً متدلياً إلى الذهن عند كل وخزة ألم، أو نكست نفس، حتى يصل الأمر بذلك إلى درجة الوهم لدى الناس؛ فإذا ما عطس أمراء قالوا: هذه عين، وإذا أخذته سعلة، قالوا: إنها العين، وإذا ما أصيب وأبتلي قالوا: يالها من عين! حتى لقد أخذ الوهم من البعض وأمامه العين، وينام كذلك، ويصبح كذلك، وهذا هو الدواء العضال إذ لا يزيد الوهم إلا وهناً.
فاتقوا الله عباد الله! وبادروا بالرقى والأذكار الشرعية لإصابات العين، وليتق الله العائن، وليذهب من قلبه الحسد إن وُجِدَ، وإلا فليُطفئ نار إعجابه بشيء بذكر الله سبحانه، وليدفع شر عينه بقوله: اللهم بارك عليه، كما قال النبي ﷺ لـ عامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنين: ﴿ألا باركت عليه أي: قلت اللهم بارك عليه﴾ .
أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.
بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 350
علاج العين والسحر في الشرع
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين واعلموا أنه لا بأس على المرء في أن يتحرز من العين، بستر محاسن من يخاف عليه العين بما يقيه منها، أو أن يعوذه منها بالتعويذ الشرعي، فلقد قال عن يعقوب ﵇: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧] .
قال ابن عباس وغيره: [[إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة]] فإن العين حقٌ تستنزل الفارس عن فرسه، وهذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضائه، فإن الله إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع، ولذا قال يعقوب ﵇: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٦٧] ، وكان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين يقول: ﴿أُعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉﴾ رواه البخاري وأصحاب السنن.
وبعد عباد الله! فإن العين داءٌ عُضال، ونارٌ آكلة، لم يهمل الشارع الحكيم جانبها، بل بيَّنها ووضحها، وأبدى للناس علاجها.
وإن من أعظم ما يزيل العين والسحر بأمر الله: الرقية الشرعية من الكتاب والسنة، يقول أبو محمد ابن حزم: " جرَّبنا من كان يُرقي الدمل الحاد القوي الظهور في أول ظهوره، فيبدأ من يومه ذلك بالذبول ويتم يبسه في اليوم الثالث، جرَّبنا من ذلك مالا نُحصيه، وكانت امرأة ترقي أحد دملين قد دفع في إنسان واحد ولا ترقي الثاني، فيبس الذي رقت، ويتم ظهور التي لم ترق، وشاهدنا من كان يرقي الورم المعروف بالخنازير، فيندمل ما يفتح منها ويذبل ما لم ينفتح ويبرأ ".
والرقية عباد الله! تكون بآيات القرآن؛ كالفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين وغيرها من آيات القرآن الذي أنزله الله هدىً وشفاء.
وكذا بالأدعية النبوية الثابتة عن المصطفى ﷺ ؛ كتعويذه للحسن والحسين، وكرقية جبريل له بقوله: ﴿باسم الله أُرقيك، من كل شيء يُؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك﴾ رواه مسلم.
ومن أدوية العين الناجعة: ما ذكرت عائشة ﵂ بقولها: [[كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين]] رواه أبو داود.
كما أن من العلاج عباد الله! عسل النحل بشتَّى أنواعه؛ لثبوت ذلك في الكتاب والسنة، وكذا ماء زمزم فهو: ﴿فهو لما شرب له، وهو طعام طعمٍ وشفاء سقم﴾ كما صح بذلك الخبر عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأكرم البشرية، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، اللهم لا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم لتسقي به العباد، ولتحيي به البلاد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 351
واسألوا أهل القرية
إن كتاب الله هو المنبع الصافي، والمنهج الحق الذي يجد المسلم فيه النور الذي يضيء له طريق الحق والهداية، فهل جلست أخي مع هذا الكتاب؛ وتدبرت آياته وأحكامه وقصصه ومواعظه؟
أحسب أن ستقول نعم.
ولكن تعال بنا اليوم لنعيش مع قصة أوردها الله في كتابه في سورة الأعراف ألا وهي قصة أصحاب السبت، ما هو حالهم؟ وكيف كان مصيرهم؟ وما هي الدروس المستفادة من هذه القصة.
стр. 352
الحث على تدبر كتاب الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، اتقوه وراقبوه؛ لئلا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا يبغي بعضكم على بعض، وتكونوا عباد الله إخواناً.
أيها الناس: إن كتاب الله هو المنبع الثر للهدى والحق، فيه يجد المسلم النور الذي يضيء له الطريق، ومنه يفوز بالقوة والخشية من الله، المثمرة للاعتبار والادكار اللذان يحفزان إلى الخير، وينقذان من ترادف الزلات وحلقات الانحراف، ومن ند عن السوي من ذلك فما هو بحي، ولو نما جسمه ونبض عرقه، بل هو ميت وإن طار في السماء أو غاص في الماء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] .
стр. 353
الحث على تأمل واعتبار قصص القرآن
ألا وإن المرء المؤمن حينما يغشى معالم كتاب ربه، بقلب غير مقفول، لهو كمتعبد يغشى في مصلاه، ولربما أكرمه مولاه جراء تدبره فلم يخطئ دمع عينه مجراه، يغدو في خمائل القصص والعبر، ينزح من هذه وينهل من تلك، متأول قول ربه سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١] .
إن مثل آيات القصص عباد الله، لجديرة بحق أن نقف عند معانيها، وما ترمي إليه من دروس وعظات، ينبغي ألا تذهب هدراً على ذوي الألباب، إذ ليس شيء أنفع للمرء من تدبر القرآن، وإطالة النظر في عواقب المثلات التي قد عفت، فيرى لعن اليهود ومسخهم، ويقرأ غرق فرعون ذي الأوتاد، وخسف قارون ويتأمل عذاب إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد.
فيعيش المرء مع القرآن حتى كأنه في الآخرة، ويغيب عن الدنيا حتى كأنه خارج عنها: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .
стр. 354
قصة أصحاب السبت
عباد الله! يقول ربنا جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٣-١٦٦] .
عباد الله: هذه الآيات إنما هي بث في المقام لما أجمل في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] والمقرر عباد الله! أن من خصائص القرآن الكريم الإجمال في موضع، والبيان في موضع آخر، لأجل أن تشرئب النفوس إلى معرفة التأويل، وربط الآيات القرآنية بعضها ببعض، وليس ذلك إلا للقرآن خاصة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] .
أيها الناس: إن حاصل معنى آيات الأعراف هذه هو أن اليهود المعارضين لرسالة محمد ﷺ ، زعموا أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به، ولذا أمر الله نبيه ﷺ أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم عن هذه القرية، وهي على المشهور من أقوال المفسرين، قرية أيلة على شاطئ بحر القلزم بين مدين والطور، هذه القرية أهلها من اليهود، وكانوا يعتدون في يوم السبت، ويخالفون شرع الله حيث أنه نهاهم عن الصيد فيه، وكان الله سبحانه قد ابتلاهم في أمر الحيتان، بأن تغيب عنهم سائر الأيام، فإذا كان يوم السبت جاءتهم في الماء شرعاً، مقبلة إليهم مصطفة، فإذا كان ليلة الأحد غابت برمتها، ففتنهم ذلك وأضر بهم، فتطرقوا إلى المعصية بأن حفروا حفراً يخرج إليهم ماء البحر على أخدود، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت فكانت في الحفرة، ألقوا فيها حجارة فمنعوا الحيتان من الخروج إلى البحر، فإذا كان الأحد أخذوها حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فنهضت فرقة منهم، ونهت عن ذلك، وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تنه ولم تعص، بل قالوا للناهين ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف:١٦٤] فلما لم يستجب العاصون؛ أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص سبحانه على نجاة الناهين، وسكت عن الساكتين، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيماً فيذموا.
روى ابن جرير بسنده عن عكرمة قال: [[دخلت على ابن عباس ﵄ والمصحف في حجره وهو يبكي فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات، وإذا هو في سورة الأعراف، فقال: ويلك تعرف القرية التي كانت حاضرة البحر، فقلت: تلك أيلة، فقال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم، نرى فلا ننكر فقلت: أما تسمع الله يقول: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأعراف:١٦٦] فسري عنه فكساني حلة]] .
стр. 355
الدروس المستفادة من قصة أصحاب السبت
عباد الله! إننا بحاجة ماسة إلى أن نرفع الستار، ونلقي الضوء الواعظ، على هذه الآيات الكريمات، التي يتمخض عنها دروس ثرة، ووصايا حثيثة نوجز منها على سبيل المثال لا الحصر.
следующие страницы →