Полный текст (518 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
واسألوا أهل القرية
إن كتاب الله هو المنبع الصافي، والمنهج الحق الذي يجد المسلم فيه النور الذي يضيء له طريق الحق والهداية، فهل جلست أخي مع هذا الكتاب؛ وتدبرت آياته وأحكامه وقصصه ومواعظه؟
أحسب أن ستقول نعم.
ولكن تعال بنا اليوم لنعيش مع قصة أوردها الله في كتابه في سورة الأعراف ألا وهي قصة أصحاب السبت، ما هو حالهم؟ وكيف كان مصيرهم؟ وما هي الدروس المستفادة من هذه القصة.
стр. 352
الحث على تدبر كتاب الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، اتقوه وراقبوه؛ لئلا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا يبغي بعضكم على بعض، وتكونوا عباد الله إخواناً.
أيها الناس: إن كتاب الله هو المنبع الثر للهدى والحق، فيه يجد المسلم النور الذي يضيء له الطريق، ومنه يفوز بالقوة والخشية من الله، المثمرة للاعتبار والادكار اللذان يحفزان إلى الخير، وينقذان من ترادف الزلات وحلقات الانحراف، ومن ند عن السوي من ذلك فما هو بحي، ولو نما جسمه ونبض عرقه، بل هو ميت وإن طار في السماء أو غاص في الماء: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٢] .
стр. 353
الحث على تأمل واعتبار قصص القرآن
ألا وإن المرء المؤمن حينما يغشى معالم كتاب ربه، بقلب غير مقفول، لهو كمتعبد يغشى في مصلاه، ولربما أكرمه مولاه جراء تدبره فلم يخطئ دمع عينه مجراه، يغدو في خمائل القصص والعبر، ينزح من هذه وينهل من تلك، متأول قول ربه سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١] .
إن مثل آيات القصص عباد الله، لجديرة بحق أن نقف عند معانيها، وما ترمي إليه من دروس وعظات، ينبغي ألا تذهب هدراً على ذوي الألباب، إذ ليس شيء أنفع للمرء من تدبر القرآن، وإطالة النظر في عواقب المثلات التي قد عفت، فيرى لعن اليهود ومسخهم، ويقرأ غرق فرعون ذي الأوتاد، وخسف قارون ويتأمل عذاب إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد.
فيعيش المرء مع القرآن حتى كأنه في الآخرة، ويغيب عن الدنيا حتى كأنه خارج عنها: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .
стр. 354
قصة أصحاب السبت
عباد الله! يقول ربنا جل وعلا في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٣-١٦٦] .
عباد الله: هذه الآيات إنما هي بث في المقام لما أجمل في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] والمقرر عباد الله! أن من خصائص القرآن الكريم الإجمال في موضع، والبيان في موضع آخر، لأجل أن تشرئب النفوس إلى معرفة التأويل، وربط الآيات القرآنية بعضها ببعض، وليس ذلك إلا للقرآن خاصة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] .
أيها الناس: إن حاصل معنى آيات الأعراف هذه هو أن اليهود المعارضين لرسالة محمد ﷺ ، زعموا أن بني إسرائيل لم يكن فيهم عصيان ولا معاندة لما أمروا به، ولذا أمر الله نبيه ﷺ أن يسألهم على جهة التوبيخ لهم عن هذه القرية، وهي على المشهور من أقوال المفسرين، قرية أيلة على شاطئ بحر القلزم بين مدين والطور، هذه القرية أهلها من اليهود، وكانوا يعتدون في يوم السبت، ويخالفون شرع الله حيث أنه نهاهم عن الصيد فيه، وكان الله سبحانه قد ابتلاهم في أمر الحيتان، بأن تغيب عنهم سائر الأيام، فإذا كان يوم السبت جاءتهم في الماء شرعاً، مقبلة إليهم مصطفة، فإذا كان ليلة الأحد غابت برمتها، ففتنهم ذلك وأضر بهم، فتطرقوا إلى المعصية بأن حفروا حفراً يخرج إليهم ماء البحر على أخدود، فإذا جاءت الحيتان يوم السبت فكانت في الحفرة، ألقوا فيها حجارة فمنعوا الحيتان من الخروج إلى البحر، فإذا كان الأحد أخذوها حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فنهضت فرقة منهم، ونهت عن ذلك، وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تنه ولم تعص، بل قالوا للناهين ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف:١٦٤] فلما لم يستجب العاصون؛ أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص سبحانه على نجاة الناهين، وسكت عن الساكتين، فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيماً فيذموا.
روى ابن جرير بسنده عن عكرمة قال: [[دخلت على ابن عباس ﵄ والمصحف في حجره وهو يبكي فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات، وإذا هو في سورة الأعراف، فقال: ويلك تعرف القرية التي كانت حاضرة البحر، فقلت: تلك أيلة، فقال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم، نرى فلا ننكر فقلت: أما تسمع الله يقول: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأعراف:١٦٦] فسري عنه فكساني حلة]] .
стр. 355
الدروس المستفادة من قصة أصحاب السبت
عباد الله! إننا بحاجة ماسة إلى أن نرفع الستار، ونلقي الضوء الواعظ، على هذه الآيات الكريمات، التي يتمخض عنها دروس ثرة، ووصايا حثيثة نوجز منها على سبيل المثال لا الحصر.
стр. 356
الاعتبار بأحوال الأمم الماضية
إن مما أوضحه الله في هذه الآيات ما تنطوي عليه طبائع يهود من خبث ومكر وتنكر للرسالة السماوية، يتلونون تلون الحرباء؛ مما جلب لهم المقت من ربهم، فأوقع بهم شر العقوبات: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠] .
لقد كان لليهود شأن في بادئ الأمر، وقد أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنْ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٠-٣٢] .
لكن التحول الذي حدث فيهم كان جذرياً، حتى أصبح لا يعرف من شمائلهم، أنهم يقودون إلى تقوى أو يعرفون بمهادنة، ومن هنا تبدو النكتة اللطيفة وهي: أنه من الغباء بمكان أن يحسب أهل دين ما، أن رحى الأيام لا تدور بالمجتمعات، وأن من ارتفع اليوم ستبقى رفعته له غداً إذا غير وبدل، إن التاريخ صفحات متتابعة، يطوى منها اليوم ما يطوى، وينشر منها غداً ما ينشر.
وإن الله جل شأنه يختبر بالرفعة والوضاعة، وبالزلزلة والتمكين، وبالخوف والأمن، وبالضحك والبكاء: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم:٤٢-٤٤] .
كل ذلك حتى تنقطع الأعذار، وتخرس الألسن التي مرنت الجدل، فإن أناساً سوف يبعثون يوم القيامة وهم مشركون ويقولون لله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢٣-٢٤] .
ولأجل ذا -عباد الله- جاء التحذير الصارخ من أن نسلك مسالكهم، بل جاء الأمر الصريح بمخالفة اليهود والنصارى في غير ما حديث.
стр. 357
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن الدروس المستقاة -عباد الله- أنه ينبغي على أهل العلم، وذوي الإصلاح أن يقوموا بواجب النصح والوعظ في إنكار المنكرات على الوجوه التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولا يمنع من التمادي في الوعظ والنهج والإصرار عليه، عدم القبول من المخالف؛ لأنه فرض فرضه الله قبل أو لم يقبل، ولأن هذا هو الذي يحفظ للأمة كيانها بأمر الله.
وبذلك تكون المعذرة إلى الله، ويكون الخروج من التبعية وسوء المغبة، وبمثل أولاء يدفع الله البلايا عن البشر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ولم يقل وأهلها صالحون، فإن مجرد الصلاح ليس كفيلاً بالنجاة من العقوبة الإلهية الرادعة، ولأجل ذلك قال النبي ﷺ : ﴿ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾ رواه البخاري ومسلم.
قال الله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 358
التحذير من التهوين في شأن الإصلاح
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد:
فإن من الدروس المستقاة من الآيات عباد الله! أن التهوين من شأن الإصلاح أو التخذيل أو الإرجاف فيه، ليس من سمات الأمة المسلمة الحقة، وأن مقولة بعضهم: دع الناس وشأنهم، فربهم رقيب عليهم، ليس من السنة في شيء، إنما هو في الواقع إقعاد بكل صراط يوعد فيه ويصد عن سبيل الله من آمن، وحينئذٍ لا بد من معرفة العاقبة لمن كان ديدنه ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف:١٦٤] .
ومن هنا عباد الله جاء حذر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن يكون ومن معه من الفرقة الثالثة، وبعد فيا رعاكم الله:
ليت من لم يكن بالحق مقتنعاً يخلي الطريق ولا يؤذي من اقتنعا
стр. 359
سد الذرائع والحيل المفضية إلى الحرام
عباد الله: ومن الدروس أن الشارع الحكيم جاء بسد الذرائع المفضية إلى ما حرم الله ورسوله ﷺ ، وأن شيئاً من أنواع الحيل الموصلة إلى ما حرم الله، لا يجوز ألبتة، لأن الحيل طرق خفية، يتوصل بها إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن لها إلا بنوع من الذكاء والفطنة.
وهي وإن أخفاها المرء فقد تخفى على جملة من البشر، لكنها لا تخفى على رب البشر، إذ إنها من باب الإلحاد في حدود الله، وهو الميل والانحراف عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] .
وأياً كانت هذه الحيل في العبادات، أو المعاملات، أو الأحوال الشخصية، أو نحوها، فإنه لا يجوز فعلها للوصول إلى المحرم من طرف خفي، ولربما انتشر مثل هذا في أوساط الكثيرين لا سيما في البنوك والمصارف، أو في الهيئات والشركات المتعهدة في اتخاذ طرق ومرابحات دولية أو مضاربات صورية، إنما هي في حقيقتها حيلة على أخذ الربا؛ فيخدع ببهرجتها السذج ويغرر بها الذين ينشدون الكسب الحلال؛ فيوقعونهم في شرٍ مما فروا منه، دون الرجوع إلى أهل العلم والمعرفة في كشف حقيقة تلك المرابحات، ما يجوز منها وما لا يجوز، وكذا الحيل في التخلص من الزكاة بتفريق المجتمع، وجمع المتفرق، ولقد كتب أبو بكر رضي الله تعالى عنه فريضة الصدقة، التي فرض رسول الله ﷺ وفيها: ﴿ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة﴾ رواه البخاري.
ومن ذلك -عباد الله- الحيل في إباحة المطلقة طلاقاً لا رجوع فيه نتيجة شقاق ورعونة عقلٍ أعقبها ندم ولات ساعة مندم، ثم لا تسألوا بعدها -عباد الله- عن كذا حيلة وحيلة يزورها في نفسه، ويخدع بها في إباحة ما حرم الله من لا يعرف الحيل.
إلا على المحتال فهو طبيبها يا محنة الأجيال بالمحتال
عباد الله: ولا غرو أن يقع أولئك في الإثم والتعدي على حدود الله، متناسين بذلك قول النبي ﷺ ، فيما رواه أبو عبد الله بن بطة بسند جيد أن النبي ﷺ ، قال: ﴿لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل﴾ .
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ، قال: ﴿قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها﴾ وغير ذلك كثير وكثير، وما الأمثلة المطروحة إلا شعبة في واد، ونزة من نبع، القصد من ورائها تنبيه الغافلين وإنذار المتغافلين، والتأكيد الجازم على خطورة شيوع الحيل المحرمة، وما تودي به من كدر في الصفو، وعطب في النية والمقصد، وهي وإن تقالهّا ثلة من الناس، فإن هذا لا يهون من شأنها،
إن القليل بالقليل يكثر كما الصفاء بالقذاء يكدر
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك في كل مكان، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 360
لم يبق في القوس منزع
منذ سقوط الأندلس هدد الأمة وكيانها خطر عظيم، وخطب جسيم، فقد توالت الأزمات وتتابعت المصائب والنكبات، وإن من تلك المآسي والمصائب مأساة شعب البوسنة والهرسك، وما يواجهونه من حرب إبادة من قبل أعدائهم الصرب الحاقدين، فيا لها من مآس يندى لها الجبين، ويتفطر من منظرها القلب الحي.
فعلى المسلمين أن يبذلوا ما بوسعهم؛ من مال ونفس وغيرهما؛ لكشف كرب إخوانهم.
стр. 361
سقوط الأندلس منعطف إلى المأساة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] .
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، اتقوا الله في السر والعلن، فإن تقوى الله سبحانه هي وصيته للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
أيها الناس: لقد ظل العالم الإسلامي بأسره قرابة ألف عام وهو متجانس متماسك يشد بعضه أزر بعض، ويأرز إلى عقيدته الجامعة، كلما هدد كيانه خطر أو ادلَهَمَّ عليه خطب، ومنذ فقدان الأندلس وقع تغير رهيب في حياته، وأخذت أرضه تنقص من أطرافها، ففُقدت أقطارٌ وأمم، وانتُهِكَت محارم ومقدسات، ودارت رحى الحرب على المسلمين، حتى تداعت عليهم الأمم والشعوب، وتحقق فيهم قول المصطفى ﷺ : ﴿يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
قالوا: أمِن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهْن.
قالوا: وما الوهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت﴾ صدق رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي، فهذا هو الوهْن وهو سر الضعف الأصيل، أن يعيش الناس عبيداً لدنياهم، عشاقاً لأوضاعها الرتيبة، تحركهم شهواتها وتموج بهم، كالخاتم في الأصبع، وتسيرهم الرغائب المادية كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف، معصوب العينين، وهذا هو الوهْن حين يكره المسلمون الموت، ويؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات على موت يحيون بعده حياة سرمدية.
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سباتِ
بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلماتِ
стр. 362
أسباب الذلة والهوان
أيها المسلمون: إن السؤال الذي يفرض نفسه على واقع المسلمين هو: لماذا ولأي شيء لم نبحث عن أسباب تلك الهزائم والخسائر الفادحة في الأموال والأهلين والأوطان؟ هل أذكاها عوج خلقي أو خلل سياسي أو اقتصادي أو غش ثقافي أو انحراف عقدي، أو أنه مزيج متفاوت النسب من هذه العلل جميعاً؟ ما هي المعاصي الخلقية والسياسية والثقافية التي ارتكبها أهل الإسلام، فأصابهم ما أصابهم؟
يجب على كل منصف أن يبين ويوضح، وإن من المتحتم على أصحاب الألسن، وحملة الأقلام ألا يقترفوا خيانات قاتلة في حق دينهم وأمتهم بتجاهل تلك القضايا، وليعلموا أنهم بتجاهلهم يؤخرون يوم النصر ولا يقدمونه، وإن اللُّجة التي تحمل بعض أولئك على تجاهل واقعهم في تلك القضايا تقودهم ومجتمعَهم إلى الغرق، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
فهل يرتفع شعار الإسلام، وترفرف رايته في تحليل القضايا الإسلامية، أم تبقى تحت الرايات العمِّية لنبلغ بها القاع والعياذ بالله؟
стр. 363
البوسنة تهنئة وتعزية
أيها الناس: المؤمن الصادق لا يمل كثرة الحديث عن البوسنة والهرسك؛ لأنها اليوم نقطة الارتكاز في ميدان الجهاد الإسلامي، وقضيتها حديث القضايا الإسلامية، وساحتها محطة امتحان وكسب لقوة المسلمين، وغيرتهم على دينهم وأوطانهم وحرماتهم، وقصة البوسنة والهرسك الدامية يختلط فيها الشجو بالرضا والتهنئة بالتعزية.
رضىً وتهنئة.
حينما يستحضر المسلم مرأى أولئك الأبطال الذين وقفوا في وجه الصليبية الحاقدة فسارعوا إلى ملاقاة ربهم، ودماؤهم على ثيابهم وأبدانُهم لم ترفع؛ لتبقى وساماً فوق صدورهم؛ يلقون به ربهم يوم القيامة.
وشجوٌ وتعزية.
حينما يقع ما يقع على مرأى من أهل القبلة ومسمع؛ فلا يحيرون جواباً، ولا يحيون ألباباً إلا من رحم الله، تقع أمامهم الحوادث، وتدلهم الخطوب فلا يتألمون لمتألم، ولا يتوجعون لمستصرخ، ولا يحنون لبائس.
والمشاهَد مِن أمثال هؤلاء قساة القلوب، غلاظ الأكباد، حكموا على أنفسهم بالذلة، وعلى مجتمعاتهم بالحطة، والمثقفون من هؤلاء يندبون وينقمون ويتلقون المواساة والعزاء، والغرب الكافر الحاقد يخفض جناح الذل من رحمته وعدله -المزعوم- على دعم وتحصين منظمات عالمية لمحبي الكلاب، وأصدقاء الحيوانات الأليفة، فتفتح الصوالين للكلاب ليقوم أخصائيون بقص شعرها، وتزيينها وتعطيرها، فهي على الضد تماماً من صوالينهم الدموية التي يقصون فيها شعور البشر، ويحلقون أديانهم، ويزينونهم بالأشلاء، ويعطرونهم بالدماء، فليت منصفاً يخبرنا أو يسائل الغرب الحاقد: أتكون الكلاب المكلبة أهم وأعظم في قلوب عباد الصليب من قطر إسلامي ضخم؛ تعدو عليها حثالة لئيمة؛ فتقتل شيوخه وترمل نساءه، وتبيح حياءهن في فجور، وتتاجر بأعراضهن في توقح، وتتخذ من عفتهنَّ إناء تلغ فيه الكلاب بلا استحياء؟ ولكن من يدري؟ لعل هناك نسباً وصهراً جمع بين الغرب الكافر وبين الكلاب، فهم يعنون بشئونها عناية منقطعة النظير في حين أنهم لا يقيمون وزناً للملايين من البشر، سبحانك يا رب! رحماك يا رب!
стр. 364
التضامن والتكافل في ظل الإسلام
أيها المسلمون: لقد أقام الإسلام مجتمعات المسلمين على أركان ثابتة، ودعائم راسخة، ومن أهم هذه الدعائم: أن يتحقق بين أبناء المجتمعات المسلمة روح الإخاء والتضامن؛ فيأخذ القوي بيد الضعيف، ويشد المقتدر من أزر العاجز، ويمكن لكل مسلم منصف أن يحكم على المجتمعات بالخير والصلاح؛ إذا رأى الضعفاء من بني ملته تتسلل إليهم المحن، وتتوالى عليهم الأتراح حثيثة، ويرى مع ذلك الأيادي الإغاثية تحميهم عن أن يضيعوا وسط الزحام، أو تسحقهم الأقدام، أو تصبح أعراضهم نهباً مقسماً بين الخونة واللئام من سفلة الناس، وشياطين البشر، إذا رأى المسلم ذلك جلياً في المجتمعات المسلمة فليشهد لها بالخير والصلاح، وإن لم يُرَ ذلك فإن على قلوبهم العفاء.
إنه من الواجب على المسلمين بعامة أن يبحثوا في كل مظنة ضعف عن سبب قوة، ولو أخلص المسلمون المجاهدون في تلمس ذلك وتطلُّبِه لصار الضعف قوة؛ لأن الضعف قد ينطوي على قوة مستورة؛ يؤيدها الله بعنايته ورعايته، فإذا قوة الضعف تهد الجبال، وتحير الألباب ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [الفتح:٧] .
سمع معاوية ﵁ أن رجلاً من أعدائه شرب عسلاً فيه سم فمات، فقال ﵁: [[إن لله جنوداً منها العسل]] .
إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليس دعوة إلى الرضا بالضعف أو السكوت عليه، بل هو دعوة إلى استشعار القوة حتى في حالة الضعف، ودعوة إلى التدثر بالرجاء والأمل وحسن الظن بالله حتى في مواطن الشدة واليأس، ودعوة إلى بذل الجهود في كل حالة وعلى أي وضع كان، ودعوة إلى اليقين بأن الله قادر على أن يجعل من الضعف قوة؛ مادام الإنسان يجاهد قدر استطاعته.
وإني لأدعو الله حتى كأنما أرى بجميل الظن ما الله صانعُ
وبذلك ينتزع المسلمون من ضعفهم قوة؛ تحيل قوة عدوهم ضعفاً، وينصرهم الله نصراً مبيناً ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦-١٩٧] .
стр. 365
استشعار مآسي المسلمين
عباد الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] ؟ وتلين أفئدتهم؟ أفَقُدَّت مِن حجر؟ ألا يكلف المرء نفسه تحريك جفنيه وفتح عينيه ليرى صرعى البؤس والتشريد، وضحايا الظلم والعدوان والفاقة ماثلين أمامه في غير ما سبيل؟ ألا يرى ذلك فتأخذه بهم رحمة الإنسان؟ كيف يستطيع أن يهنأ صاحب الترفُّه بطعامه وشرابه؟! بل كيف يدلل صبيانه وبناته؟! وكيف يضاحك عياله ويمازح أهله وهو يرى في البوسنة والهرسك صبيةً مثل عياله برآءة؛ ما جنوا ذنباً، أطهار؛ ما كسبت أيديهم إثماً، يبكون من الحيف، ويتلمظون من الجوع؟ أفلا يكون للمسلم السهم الراجح، والقدح المعَلَّى في العطف على إخوانه في الدين، وفي كفكفة دموعهم والمسح على رءوسهم؟ أولا ينظر المرء إلى إخوانه تحت سيطرة الصرب الحاقدين؟ أولا ينظر المسلم إلى سقوفهم وقد وكَفَتْ، وإلى الجدران وقد نَزَّتْ، وإلى الغرف وقد اسَّاقَطَتْ، وإلى الجبال وقد سالت حمماً من القنابل والشظايا، وإلى الأودية وقد امتلأت جثثاً وهاماً وغدت أباطح، وإلى اختباء المضطهدين في البيوت، وما تكاد تمنع عنهم برداً ولا بللاً؟ أولا ينظر المسلم إلى مَن خرج من ساكنيها؛ فراراً منها حين لم تعدُ دوراً ولا منازلاً، وإنما صارت جيفاً وأشلاءً؟ يقف البوسنوي أمامها مشدوهاً ولسان حاله يقول:
سقوف بيوتي صرن أرضاً أدوسها وحيطان داري رُكَّعٌ وسجودُ
إن القرآن الكريم يعطي الإنسان درساً لا يجحده؛ لأنه معقود من صميم الحياة، ولباب الواقع المتكرر، يقول تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] إن القرآن هنا يمس شغاف القلوب، ويهز أوتارها هزاً، ويدفع الناس دفعاً إلى تصور ذريتهم الضعيفة المكسورة الجناح تنهشهم أفاعي البشر، وتفتك بهم ذئاب الكفر، فقد تدور عليهم رحى الأيام، والأيام قُلَّب، فيصبحون لا حول لهم ولا قوة! يطمع فيهم الطامع، وما من نصير لهم ولا مدافع، والجزاء من جنس العمل.
стр. 366
وسائل دفع الفساد وقمعه
أيها المسلمون: عندما يستشري الشر، ويطغى الفساد، لا مندوحة للمسلم عن أن يدرأ الشر، ويقمع طغيان الفساد بكل وسيلة، وإن من تلك الوسائل المتاحة: المال المسلم، شريان الحياة، إن المال الإسلامي طاقة مهدرة؛ تحركها بنوك الغرب ومصارفه، مليارات الأموال قابعة في تلك البنوك، ماذا يفعل بها المسلمون؟ الشعب البوسنوي يستغيث ولا مجيب، أكلتهم صروف الحرب المدمرة ولا من يغيث، والبعثات التبشيرية النصرانية متخصصة في سرقة العقائد من أولئك العراة المفجوعين، وإننا لنتساءل: أين المسلمون؟! أين المسلمون حكومات وشعوباً؟!
ومن رعى غنماً في أرض مسبعة ونام عنها تولَّى رعيها الأسدُ
جاء الذئب فرعى الغنم؛ لأنها ليس لها حارس، ليس لها راعٍ، ما السبب؟ وما الأمر؟ أمة غافلة، والغرب الحاقد لا يحمي المغفلين.
لقد دقت ساعة الخطر، وبلغ الشر مداه، فلم يبقَ في القوس منزع، ولم يعد للصبر مجال على أمل تسوية سلمية، فتاريخ الغرب سلسلة إجرام، وحملات صليبية لا تعرف السلم ولا الموادعة.
فالبدار البدار -عباد الله- للجهاد في سبيل الله بأموالكم، لتجهيز المضطهدين الذائدين عن حياض الإسلام في أوطانهم، وإن كتاب الله يدل دلالة واضحة على أن الإنفاق والبذل في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله في طليعة أعمال البر التي وعد الله عليها بالجزاء العظيم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 367
دعوة للبر والإنفاق وتكاتف الجهود
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أننا بحمد الله نعيش منجاةً من القتال وأهواله، والحروب وبلاياها، وما لنا عدو يحاربنا، وما عدونا إلا من يحارب إخواننا في الملة والدين، وارتضوا لهم أن يجوعوا ويعروا فأرهقوهم نهاراً، وأوحشوهم ليلاً، والذي ينبغي على المسلمين بعامة أن يقفوا مع إخوانهم المستضعفين، ويكونوا لهم سنداً وعضداً، وأن يقيموا العزم في وجه التهاون، والشدة في وجه التراخي، والقدرة في وجه العجز، وبذلك كله يصبحون شركاء متعاونين، متأولين قول المصطفى ﷺ : ﴿انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً﴾ .
وإن الواجب على الأمة المسلمة أن لا تعظم الدينار والدنيا؛ لئلا تستعبدها المعاني المنحرفة بالنظرة للمال والحياة، فيكنز الغني مالاً، ويكنز الفقير عداوة، وليعلم الجميع أن العزة في الإسلام بإنفاق المال لا بإمساكه، وفي بذل الحياة لا بالحرص عليها، وفي اعتبار الغني من يعمل بماله لا من يجمع منه، هذا هو الإسلام الذي غلب الأمم؛ لأنه قبل ذلك غلب النفوس والشهوات.
وفي ظل هذه الظروف الحالكة يقيِّض الله نفوساً سوية في أقطار شتى؛ تشد من أزر المنكوبين، وفي مهبط الوحي ومنبع الرسالة على مستوى المؤسسات والهيئات الإغاثية؛ يشرف عليها ولاة الأمر في هذه البلاد، وفقهم الله للهدى والسداد، تعد بارقة أمل، وومضة تفاؤل بأن في الأمة خيراً، ينبغي أن يذْكَى على كافة الأصعدة، إعلاماً وصحافةً، وهيئاتٍ ومؤسسات، ولن تذهب تلك الجهود سدى؛ إذا حسن العمل، وخلص القصد.
فعليك -أيها المسلم- أن تساهم بما تستطيع لتكفل يتيماً، أو تجير ثكلى، وتئوي شيخاً، وتكتنف شاباً، وتستر شابةً، وتؤنس مستوحشاً، ولا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو كان قليلاً؛ فإن القليل بالقليل يكثر، قال رسول الله ﷺ : ﴿سبق درهم ألف درهم﴾ رواه النسائي وهو حديث صحيح.
وإننا لنعلم أن في الموسرين محسنين، وفي التجار منصفين، ولكن في الموسرين من يريد الإحسان ولكنه لا يذَكَّر، ومن المضطهدين من يريد الإحسان فيشق أن يُعْثَر، فإذا تكاتفت الجهود، وتصافحت الأكف بورك في العمل، وبلغ كل شيء مبلغه قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقال عز من قائل عليما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] وقال : ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] وقال رسول الله ﷺ : ﴿أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحب إليه.
قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر﴾ رواه البخاري وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿يقول العبد مالي مالي، وهل له من مالِه إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى.
ما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس﴾ رواه مسلم.
فيا أيها الأغنياء: شمروا عن سواعد الإنفاق فإن النعم لا تدوم، وإن بعد اليوم غداً، وإن بعد الحياة موتاً، وإن بعد الموت لحساباً، وإنما أموالكم عوان وأمانات عندكم، استودعكم الله إياها ابتلاءً وامتحاناً لينظر كيف تعملون.
وما المال والأهلون إلا ودائعٌ ولا بد يوماً أن تُرَد الودائعُ
وما المرء إلا كالشهاب وضوءه يحول رماداً بعد إذ هو ساطعُ
هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بالصلاة عليه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين.
اللهم من أراد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا سميع الدعاء.
اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اللهم اهزم الصرب وأعوانهم وانصر البوسنة عليهم يا قوي يا عزيز، اللهم فرج عن إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم فرج عن إخواننا في البوسنة والهرسك، اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، نسألك اللهم أن تنصر إخوانَنا في البوسنة على الصرب وأعوانِهم، اللهم إن نسألك أن تنصر إخواننا في البوسنة والهرسك على الصرب وأعوانِهم يا قوي يا عزيز! يا سميع الدعاء! يا من لا يُهزَم جندك إنك قوي عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا حاجة من حوائح الدنيا والآخرة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها، ويسرتها برحم
стр. 368
سبعة يظلهم الله
السنة النبوية ينبوع يتدفق منه الهدى، وشمس تضيء للبشرية طريقها في غياهب الدجى.
وموضوع هذه المادة شعاعٌ من ذلك النور يهدي الإنسان إلى ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
والمؤمن الحق يسعى دائماً إلى أن يتحلى بكل تلك الصفات؛ فهو عادلٌ ينشأ في طاعة الله، ويحب بيوت الله، ويحب في الله، وهو عفيف لا يرائي بأعماله، ويعتني بصحة قلبه.
ويلين قلبه بذكر الله فيبكي وينتحب، والله المستعان.
стр. 369
نص حديث السبعة
الحمد لله الكريم الوهاب، خالق البشر من تراب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه أدعو وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وأناب، صلوات الله وسلامه وعليه على آله وصحبه أولي النهى والألباب.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، اتقوا ربكم حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى.
أيها الناس! في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وفي لهيب الشمس وسموم الحر يستطلب الظل وتستجلب النفحات، وما أروع العدل حين يطغى الجور! والإنصاف حين يعلو الغمط! وما أعجب الشاب حينما ينتصر على الصبوة المتفتقة! ويا لعظم الحظ ووطأة التوفيق لمن أوقف قلبه فبات معلقاً في كل مسجد! وما أهنأ الرجلين إذا يتحابان في الله فلا يجتمعان إلا عليه، ولا يفترقان إلا عليه.
ويا حبذا العفة والخشية حينما تظهر المغريات وتضمحل العقبات، وما أقوى صدقة السر في إطفاء غضب الرب! وما أعذب الدموع الرقراقة في الخلوة حينما تسيل على خد الأسيف العامي!
أيها المسلمون! إن سنة المصطفى ﷺ هي المنبع الثر للهدى والحق والنور، وهي المعين الذي لا ينضب، والحق الذي لا يعطب، وإن الوقوف الدقيق عند حديث رسول الله ﷺ المنبعث من مشكاة النبوة؛ ليحمل النفس المؤمنة على أن تعرف أسراره وتستضيء بأنواره، فلا ينفك يشرح للنفس ويهديها بهديه فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، وكلما ذكر كلام المصطفى ﷺ فكأنما قيل من فمه للتو، كلام صريح لا فلسفة فيه، يغلب الأثرة والشهوة والطمع.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ .
عباد الله! ما أحوجنا جميعاً إلى أن نستظل في ظل الرحمن في يوم عصيب يعظم فيه الخطب! ويشتد فيه الكرب، يوم أن تدنو الشمس من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، رحماك يا رب، عفوك يا ألله.
стр. 370
الإمام العادل
ألا ما أحوج الأمة المسلمة في كل عصر وفي كل مصر إلى الإمام العادل، وهو صاحب الولاية العظمى، وكذا كل من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه، الرعية عبيد يستعبدهم العدل، العدل مألوف وهو صلاح العالم، الإمام العادل هو الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، فهو أبو الرعية والرعية أبناؤه، يعلِّم جاهلهم، ويواسي فقيرهم، ويعالج مريضهم، يرى القوي ضعيفاً حتى يأخذ الحق منه، والضعيف غطريفاً حتى يأخذ الحق له، وإن تحقيق العدل أمام الرغبات والمصالح والأهواء أمر في غاية الصعوبة، إذ حلاوته مرة وسهولته صعبة، وحينما يستطيع تخطي تلك العقبات فإن معنى ذلك أن فيه من الإيمان والتقوى ما يجعله مستحقاً لأن يكون واحداً من هؤلاء السبعة.
ولقد ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فأرسل إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فكان مما كتب له الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين! أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصر كل جائر، وهو كراع الإبل على شعيره الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويكنها من أذى الحر والقر، هو كالأم الشفيقة البرة بولدها، حملته كرهاً ووضعته كرهاً، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، والإمام العادل يا أمير المؤمنين! وصي اليتامى، وخازن المساكين، وهو كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده.
اللهم أظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.
стр. 371
الشاب الذي ينشأ في طاعة الله
أيها الناس! إن الشاب المسلم الذي يستحق أن يكون واحداً من هؤلاء السبعة هو ذاك الفتى اليافع الذي تعلق قلبه بربه، ولما يشب تتجاذبه مزالق الرغبات النفسية ومتطلبات الجسد، ترق عنده الحياة فتسحره بالنظرات المغرية، وتجمع له لذائذ الدنيا في لحظة مسفرة أو شبهة عارضة.
الشباب الذي يعيش للهوى وأحلام اليقظة ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] .
الشاب شأنه شأن غيره من الشباب الذين تعتريهم في هذا السن أنواع من التصرفات غير المتزنة، والذين هم أحرى في أن يقعوا فريسة لمثل هذه الدركات اللامسئولة.
إن للشباب مرحلة هي من أخطر مراحل الحياة؛ لأنها مرحلة قوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة.
ولما كان الشباب من العمر، وسيسأل الإنسان عن عمره؛ فإن رسول الله ﷺ خص الشباب في قوله: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذكر منها وعن شبابه فيم أبلاه﴾ رواه الترمذي.
إن من أكرم الناس نفساً، وأنداهم كفاً، وأطيبهم قلباً، وأصدقهم عزماً: الشاب المسلم النقي التقي، الذي يجل الكبير ويرحم الصغير، لا تسمعه إلا مهنئاً أو معزياً، أو مشجعاً أو مسلياً، ولا تراه إلا هاشاً باشاً، طلق الوجه مبتسماً، يبعده إيمانه بربه عن طيش الصغر وإصرار الكبر، فهو الجندي في الميدان، والتاجر في السوق، والعضو الفعال في الجمعيات والمنتديات الخيرة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٥٩-٦٠] ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٣٠] .
إن مما يساعد الشاب على عبادة ربه صفاء المحضن ممثلاً بالبيت والمدرسة والمجتمع، وكذا قيام المحضن بواجبه من توجيه وإرشاد حتى يشب الشباب عن الطوق ألا ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ولن يستغني شاب عبد ربه عن مطالعات حديثة في سير أسلافه إبان شبابهم؛ كـ ابن الزبير وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وأسامة وأنس والحسن بن علي والحسين بن علي ﵃ أجمعين، وجدير بشاب هذا شأنه أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 372
شاب تعلق قلبه بالمساجد
عباد الله! المساجد بيوت الله وأماكن عبادته، وهي خير بقاع، يكرم الله عمارها وزواره فيها، ويثيب على الخطى إليها ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦-٣٧]
ومن هنا كان فرح الباري جل وعلا بزوار المساجد، يقول المصطفى ﷺ : ﴿ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر؛ إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم﴾ رواه ابن ماجة وابن خزيمة وغيرهما وإسناده صحيح.
ولم يكن للمسلمين في القرون الأولى من معاهد ولا مدارس إلا المساجد، ناهيكم عن خمس صلوات في اليوم والليلة، ففي المسجد يدرس القرآن وتفسيره والسنة وفقهها، واللغة وأصول الدين، وأين مجلس إمام دار الهجرة، والحسن البصري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، إن لم يكن في المسجد، أما إنه لو رجع لبيوت الله ما كانت عليه من إقامة الشعائر واجتماع المسلمين فيها؛ لتعلقت بها قلوب الكثيرين ممن أعرضوا عنها وأُعرضوا عنها واستخفوا بشأنها ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
стр. 373
المتحابون في الله
عباد الله! إن المؤمن في هذه الحياة يجد صعوبة بالغة في أن يعيش وحيداً فريداً دون صديق أو مؤانس، صديق يناجيه، وخل يلاقيه ويواسيه، يشاطره مسرته ويشاركه مساءته، لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر خداج غير تمام، تقوم لغرض وتقعد لغرض، والإسلام دين الأخوة والمحبة والتآلف ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣] الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وبه تقع الألفة.
المتحابون في الله دائمة صحبتهم، باقية مودتهم، لا تزيدها الأيام إلا وثوقاً وإحكاماً؛ لخلوصها من الإثم والأغراض الدنيئة ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] يقول المصطفى ﷺ : ﴿أيها الناس! اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عباداً ليسوا بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس فقال: يا رسول الله! ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم؟! انعتهم لنا.
فسر رسول الله ﷺ بسؤال الأعرابي ثم قال: هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نوراً، وثيابهم نوراً، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ رواه أحمد ورجاله ثقات اللهم أظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.
стр. 374
الرجل العفيف
عباد الله! إذا ما يسرت للمسلم سبل الغواية ودعت إليها الدواعي والمغريات دعاً؛ فهو بحاجة ماسة إلى أن يرى برهان ربه، وأن يسطع نور الهداية في فؤاده، وليس هناك امتحان أقسى من امتحان يتغلب فيه المرء على صبوته وغريزته، تبذل له حسناء نفسها وهو في فحولة الرجولة، وهي في حالة رفيعة من الجمال والجاة فاتنة عاشقة، مختلية متعرضة، منكشفة متهالكة، فحينها لا ينبغي أن ييأس الرجل، إذ إن مطارق الخوف من الله ومراقبته تعينه على أن يرى برهان ربه، وتذكره بقوله تعالى عن يوسف: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] لقد اجتمع ليوسف ﵇ من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير، فلقد كان شاباً وفي الشباب ما فيه ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] وقد غلقت الأبواب وهي ربة الدار، وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان، فكان ماذا؟ ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] استعاذة وتنزه واستقباح، لماذا؟ وما هو السبب؟
لأنه يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فأراه الله برهان ربه ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١] .
﴿كان كفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما أرادها على نفسها ارتعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة.
فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله؟ فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك، والله ما أعطيه بعدها أبداً.
فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه: إن الله قد غفر للكفل؛ فعجب الناس من ذلك﴾ رواه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه فاتقوا الله معاشر المسلمين، وتخلقوا بأخلاق رسول الله ﷺ ، واهتدوا بهديه تفلحوا، ويتحقق لكم ما وعدكم به من الاستظلال في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه إنه كان للأوابين غفاراً.
стр. 375
الإسرار بالصدقة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأصحابه ومن اهتدى بهديهم واتبع سنتهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن من الناس من أنعم الله عليه بشيء من المال، فما أنكر فضل الله عليه، بل هو ينفق بسخاء ويتسلل إلى المساكين لواذاً، يعلم أن من الفقراء من يحرجه علانية العطاء، فذاك رجل تخطى عقبة الجشع، أنقذه الله ممن عبدوا الدينار والدرهم، فكانوا أحلاس كفر وإمساك، سجاياهم المتكررة منع وهات، بل هات وهات، قد قضوا على أنفسهم أن يعيشوا مرضى بالصحة، فقراء بالغنى، مشغولين بالفراغ، لكنهم مع ذلك لا يجدون في المال معنى الغنى، إذ كم من غني يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يجده، وما علموا قول النبي ﷺ : ﴿اليد العليا خير من اليد السفلى﴾ متفق عليه.
إن النفس بطبعها تميل إلى إبراز عملها لا سيما الصدقة، كل هذا لأجل أن تُحمد، فإذا ما جاهد المرء نفسه حق له أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورحم الله مالك بن دينار حيث يقول: قولوا لمن لم يكن صادقاً: لا يتعنى.
ولقد قال ابن عائشة قال أبي: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين ﵁.
стр. 376
البكاء من خشية الله
عباد الله! ما أسعدها من لحظات يجلسها المرء خالياً فيها مع نفسه، يناجي ربه وخالقه، فينهمر دمعه عذباً صافياً خالياً من لوث الرياء، وإن نيران المعاصي التي تأتي على قلب المسلم فتحيله إلى فحم أسود كالكوز مجخياً، لا يطفئها إلا تلك الدموع التي تنهمر على إثر ذكر الخالق وخشيته، ولقد كان ابن سيرين رحمه الله تعالى يضحك بالنهار، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية من شدة البكاء! ولقد كان أيوب السختياني ﵀ ربما حدث بالحديث فيرق فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام.
يظهر أنه مزكوم لإخفاء البكاء؛ رجاء أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وقام محمد بن المنكدر ذات ليلة فبكى فاجتمع عليه أهله ليسألوه عن سبب بكائه فاستعجم لسانه، فدعوا أبا حازم فلما دخل هدأ بعض الشيء فسأله عن سبب بكائه فقال: تلوت قول الله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فبكى أبو حازم، وعاد محمد بن المنكدر إلى البكاء، فقالوا له: أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاءً!
روى النسائي وأحمد من حديث عقبة بن عامر قال: ﴿قلت: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾
فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أنه لا بد من الخوف والبكاء، إما في زاوية التعبد والطاعة، أو في هاوية الطرد والإبعاد، فإما أن تحرق قلبك -أيها المسلم- بنار الدمع على التقصير، وإلا فاعلم أن النار أشد حراً ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢]
فانظروا عباد الله! إلى البكائين في الخلوات، قد نزلوا على شواطئ أنهار دموعهم، فلو سرتم عن هواكم خطوات لاحت لكم قيامتهم ولسمعتم بكاءهم ونشيجهم، ولسان حالهم يقول:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرارُ
من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للدموع تعار
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم ارض عن صحابته الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك يا أرحم الراحمين، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واكفهم شرارهم، اللهم آمنا في أوطاننا، واصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 377
رسالة إلى مسافر
إن السفر في هذه الأرض والتنقل فيها من مكان لآخر يحصل به فوائد كثيرة من أعظمها:
التفكر في آيات الله التي في هذا الكون الفسيح من السهول والجبال والشلالات والأنهار، والنظر فيما حل بالأمم الماضية من العذاب والنكال، وتذكر نعمة الله علينا في تقارب الزمان والمكان، وتطبيق سنن النبي ﷺ في السفر حتى يحفظنا الله في أسفارنا.
стр. 378
مسائل في السفر
الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل مواسم الخيرات لنا مربحاً ومغنماً، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمته طريقاً وسُلَّماً، له الحمد يُطاع فيشكر، ويعصى فيغفِر، لا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا جبل ما في وَعْره، ولا بحر ما في قعره، له الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، ما خاب مَن رجاه، ولا أفلح مَن قلاه، بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو يجير ولا يجار عليه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الأتقياء البررة، وعلى أصحابه ومن سار على طريقهم واتبع نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله حق التقوى، والاستمساك من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي؛ فإن أقدامكم على النار لا تقوى، فاتقوا الله: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧] .
حجاج بيت الله! يا من أديتم مناسككم فوقفتم بـ عرفات، وانحدر بكم الشوق إلى المزدلفة، فسكبتم عند المشعر الحرام العبرات.
فَلِلَّهِ كم من خائف منكم أزعجه الخوف من الله وأقلقه! وراجٍ أحسن الظن بوعد الله فصدَّقه! وكم من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه! وبلغ الأماني عشية عرفة!
حجاج بيت الله الحرام! ليس السابق اليوم من سبقت به راحلتُه، إنما السابق من غُفر له ذنبُه، وقُبل عملُه؛ فاخلصوا لله حجكم، واتبعوا سنة نبيكم ﷺ تفلحوا.
ومن قصر في جنب الله فليرجع إلى جهاد النفس، فهو الجهاد الأكبر.
وحذارِ حذارِ أن تحلقوا رءوس أعمالكم بالذنوب، فإن الذنوب حالقة الدين، ليست حالقة الشعر ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ [النحل:٩٢] .
فَلِلَّهِ ما أحسن الحسنة تتبعها الحسنة! وما أقبح السيئة بعد الحسنة!
فالحذر الحذر -عباد الله- من العمى بعد الهدى، ومن الحور بعد الكور.
عباد الله: إن الحج المتكرر في كل عام، منذ أن أذن إبراهيم ﵇ في الناس بالحج، وهم يفدون إلى بيت الله العتيق من كل فج عميق، رجالاً وعلى كل ضامر، لَهُو أمر دالٌّ باللزوم على أن السفر وقطع الفيافي والقِفار أمر ذو بال في واقع كل امرئ حي.
وما أكثر ما يسافر الناس لشئون حياتهم، ماديةً كانت أو معنوية!
ولقد سافر رسول الله ﷺ مرات وكرات، إبَّان شبابه قبل البعثة، وبعد نبوته ما بين حج وعمرة، وجهاد وتجارة.
стр. 379
فوائد السفر
والسفر -غالباً- يعري الإنسان من الأقنعة التي كانت تحزم طبيعته، وما سمي السفر سفراً إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
ولذا فإن السياحة في الأرض، والتأمل في عجائب المخلوقات مما يزيد العبد معرفة بربه ، ويقيناً بأن لهذا الكون مدبراً، لا رب غيره، ولا معبود بحق سواه.
فالمسافر يتأمل ثم يتدبر ثم يخشى، كل ذلك حينما يرى عجيب صنع الله، وعظيم قدرته: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨] .
ولقد أنكر سبحانه على من فقد هذا الإحساس المرهف بقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] .
стр. 380
أحوال السفر
السفر -عباد الله- مُعْتَرَىً بحالتين اثنتين:
الأولى: حالة مدح.
الثاني: حالة ذم.
فالخروج من الملل والسآمة، والضيق والكآبة، من الناس والمكان؛ للتأمل في خلق الله، أو طلب علم نافع، أو صلة قريب أو أخ في الله، هو سمة السفر الممدوح.
وهو مذموم أيضاً من جهة كونه محلاً للمشاق والمتاعب؛ لأن القلب يكون مشوَّشاً، والفكر مشغولاً، من أجل فراق الأهل والأحباب، ولذا قال فيه النبي ﷺ : ﴿السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله﴾ رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالعذاب -عباد الله-: الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب والسير من ترك المألوف.
ولقد ذهب بعض أهل العلم كـ الخطابي وغيره إلى أن تغريب الزاني إنما هو من باب الأمر بالتعذيب، والسفر من جُملة العذاب.
ولقد سئل إمام الحرمين: لِمَ كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فرقة الأحباب.
стр. 381
يسر السفر في هذه الأزمنة
ألا فاعلموا -عباد الله- أن السفر في هذه الآونة يختلف عن السفر في قرون مضت، فقد مُهِّدت الطرق، وجرت عليها العربات الآلية، بشتى أنواعها المُبْدَعَة، فهي تسير بهم على الأرض إن شاءوا، أو تقلهم الطائرات السابحة في الهواء إن رغبوا، أو تحملهم الفلك المواخر في البحر إن أرادوا.
كما أن الأزمنة قد تقاصرت، فما كان يتم في شهور بشق الأنفس أضحى يتم في أيام قصيرة، بل وساعات قليلة، وبجهود محدودة، بل ولربما عطس رجل في المشرق، فشمته آخر في المغرب.
وهذا -أيها الإخوة- مصداق حديث النبي ﷺ أن من علامات الساعة تقارب الزمان، كما عند البخاري في صحيحه.
ومع هذه الراحة الميسَّرة فإن الأخطار المبثوثة هنا وهناك لم تنعدم.
ففي الجو يركب المرء طائرة يمتطي بها سَبَجَ الهواء، معلقاً بين السماء والأرض، بين مساومة الموت، ومداعبة الهلاك، فوق صفيحة مائجة قد يكون مصيره معلقاً -بأمر الله- في خلخلة مسمار أو إعطاب محرك، مما يؤكد الاحتماء بالله, وارتقاب لطفه المرتجى بلزوم آداب السفر، والبُعد عن معصية الله، في هوائه، بين سمائه وأرضه، المستلزمة -وجوباً- إقصاء المنكرات من الطائرات، والتزام الملاحين والملاحات بالحشمة والعفاف، والبُعد عما يثير اللحْظ، أو يستدعي إرسال الطرف.
وإن تعجب -أيها المسلم- فعجب ما يفعله مشركو زمان النبي ﷺ من اللجوء إلى الله في الضراء! ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] .
وبعض عصاة زماننا سراؤهم وضراؤهم على حد سواء، فقبح الله أقواماً مشركو زمان النبي ﷺ أعلم بـ (لا إله إلا الله) منهم.
أيها المسلمون: إن التقارب في الزمان والمكان، بما هيأ الله من أسباب السرعة لَهُو نعمة عظمى، ورحمة جُلَّى، تستوجبان الشكر للخالق، والفرار إليه، في مقابل التذكر فيما فعله الله جل وعلا بقوم سبأ الذين كانوا في نعمة وغِبْطَة من تواصل القرى، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] ولكن لما بطروا نعمة الله ومالت نفوسهم إلى ضيق حالهم: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] ففرق الله شملهم بعد الاجتماع، وباعد بينهم بعد التقارب، حتى صاروا مضرب المثل.
ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ.
стр. 382
أعظم فوائد السفر المتعلقة بالله
وبعدُ -عباد الله- فإن من أعظم فوائد السفر، وأكثرها تعلقاً بالله: معرفة عظمته وقدرته، بالنظر إلى ما ابتدعه جل وعلا خلقاً جميلاً عجيباً، من حيوان وموات، وساكن وذي حركات، وما ذرأ فيه من مختلف الصور التي أسكنها أخاديد الأرض، وخروق فجاجها، ورواسي أعلامها، من أوتاد ووهاد، فصار منها: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر:٢٧] ومن ذوات أجنحة مختلفة، وهيئات متباينة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:٢٦] ، كونها بعد أن لم تكن في عجائب صور ظاهرة، ونَسَقها على اختلافها، بلطيف قدرته ودقيق صنعه، فمنها: مغموس في قالب لون لا يسوغه غير لون ما غُمس فيه، ومنها: مغموس في لون صِبْغ قد طُوِّق بخلاف ما صُبغ به: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] .
فسبحان من أقام من شواهد البينات على عظمته وقدرته؛ ما انقادت له العقول معترفة به، ومستسلمة له! فبان لها أن فاطر النملة هو فاطر النخلة، فالويل كل الويل لمن جحد المقدِّر، وأنكر المدبِّر.
زعموا أنهم كالنبات، ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع، وغاب عن عقولهم المختلة، وأذهانهم المعتلة، مَن عقلُه أكبر من حضارتهم، بعبارات ثرة على أعرابيته وبداوته: سماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وأثر يدل على المسير، وبعرة تدل على البعير، ألا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام:٩٥-٩٦] .
стр. 383
مظاهر الإشراك في توحيد الربوبية
أيها الناس: لربما رفع أحدٌ منا عقيرته فقال: إن مثل هذا الحديث داخل في توحيد الربوبية، الذي لم ينازع في إثباته حتى مشركو زمان النبي ﷺ ، أَفَيُخَصُّ بالحديث؟!
ف
الجواب
نعم.
стр. 384
اللجوء إلى المشعوذين والدجالين
إن الإشراك في توحيد الربوبية قد داخل فئاماً من الناس في القديم والحديث، ففي الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ﴿صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بـ الحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، قال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب﴾ .
فانظروا -يارعاكم الله- أليس هذا حديثاً عن توحيد الربوبية؟ بلى وربي.
ومع ذلك حذر النبي ﷺ من الوقوع في الشرك فيه، لقد وقع ثلة من الناس في براثن هذا الشرك في عصرنا الحاضر، قصدوا ذلك أو لم يقصدوا، فأخذوا يلجئون إلى المشعوذين والدجاجلة الأفاكين، بقايا مسيلمة الكذاب، وابن صياد، من مدعي علم الغيب بالكهانة والتنجيم، وقراءة الأكف والفناجين، والذين يوحي إليهم أولياؤهم من الشياطين ومسترقي السمع من السماء، فيقرقرونها في آذانهم كقرقرة الدجاج، فيخلطون مع ما يصدقون فيه مائة كذبة، ومما يزيد القرح، ويشعل الكمد أن لهم رواجاً في أوساط الناس، في بقاع شتى من هذه البسيطة، وفي جانبٍِ عظيم من جوانب توحيد الربوبية ألا وهو علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، إلا بما يوحي إليهم ربهم.
стр. 385
تفسير الظواهر تفسيراً مادياً
بل لقد امتد الكفور بتوحيد الربوبية على غرار ما جاء في حديث زيد بن خالد الآنف الذكر ما يطالعه العالم في حياته اليومية، عبر الأثير المسموع والمرئي في تفسير الظواهر المتكررة من زلازل، وفيضانات، ومنخفضات جوية ومرتفعات، ورياح وبراكين، تفسيراً مادياً بحتاً مبتوت الصلة بالله ومشيئته، مستقىً من فلسفات يونانية، وأخرى إغريقية، قررها ملاحدة أفاكون، ولاقت رجع الصدى من قبل بعض المسلمين المعجبين بما عند الغرب.
стр. 386
الطوالع والأبراج
بل لقد جاوز الأمر قنطرته بمطالعات الصحافات المتكررة في أقطار شتى عما يُسمى مستقبل الأبراج وما لها من آثار مُكْلِمَة في شرخ توحيد الربوبية، وربط المسلم بالأسباب المادية الجافة، أو بالتعبير من قبل بعض ضعاف النفوس بالاحتياج بما يفرحه بقوله: من حُسن الطالع أن كان الأمر كذا، وبما يسوؤه بقوله: من سوء الطالع أن كان الأمر كذا، فأصبحوا يتناوشون الطوالع والأبراج، يبحثون عن سعادتهم في برج الميزان، وينأون بأنفسهم عن أن يكونوا من أهل برج العقرب.
стр. 387
من براهين كذب المنجمين
وهكذا تحيا الخرافة، ويتجدد مذهب مسيلمة وابن صياد، فالله المستعان! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن علي بن أبي طالب ﵁ عندما أراد المسير لقتال الخوارج عرض له منجم فقال له: [[يا أمير المؤمنين! لا تسافر، فإن القمر في العقرب، وإنك إذا سافرت والقمر في العقرب هُزِم أصحابُك، فقال ﵁: بل نسافر، ثقةً بالله، وتوكلاً على الله، وتكذيباً لك، فسافر ﵁، فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج]] .
ومثل ذلك ما فعله المنجمون الأفاكون مع الخليفة المعتصم حينما أراد فتح مدينة عمورية استجابة لصرخة امرأة مسلمة، فَنَهَوهُ أن يغزوهم قبل أن ينضج التين والعنب، فرد قولهم وسافر، فأكذب الله المنجمين، وأعد المسلمين، وسار بتسعين ألفاً كأسد الشرَى، نضجت أعمارهم قبل أن ينضج التين والعنب.
ولذا فقد كان المسلم مأموراً بالفأل، ونبذ التطيُّر في سائر شئونه، ومنها السفر.
ولقد ذُكرت الطِّيَرَة عند رسول الله ﷺ فقال: ﴿أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ .
رواه أبو داود.
ولـ أحمد من حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك﴾ .
стр. 388
عاقبة الإشراك بالله
فانظروا -عباد الله- كيف وقع بعض الناس أسارى في هذا الشراك، فوطئتهم هُوَّتُه بكَلْكَلِها، وتَمَعَّتَت عليهم بكَواهِلِها، فأصبحت نفوسهم بذلك ساجية مقهورة، وفي حَكَمَة الذل منقادة أسيرة، حتى صيروا أنفسهم في حوزة خشناء، يغلظ سنامها، ويَخْشُن مسحها، ويكثر العِتار فيها.
فلا جرم أن المتخلص منها بعد الإدمان فيها كراكب الصعبة من الإبل، إن أَشْنَق لها خَرَمَ، وإن أَفْلَتَ لها تقحَّم، فيُمْنَى -لعمر الله- بِخَلْط وخَط، حتى لا يُرى في عينه إلا القذى، وليس في حلقه إلا الشجا، إلا بعون من الله ورضوان، فمن وفق للتوحيد رُزق التسديد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً؛ فمن الله، وإن خطأً؛ فمن نفسي والشيطان، واستغفروا الله، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 389
سنن السفر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من عصيانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين! واعلموا أن الإسلام قد عني بالسفر عناية فائقة، فجعل له أحكاماً تخصه، من سنن، وآداب، وواجبات، ومحرمات، ومكروهات، ينبغي ألا يغفل عنها كل مسافر.
كما يُؤَكَّد على إحياء السنن المندثرة عند السفر، من ذلك:
١- ذكر الوداع بقوله لمن يودعهم: استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
٢- وكذا دعاء الركوب على الدابة، والتكبير على كل شرف، والتسبيح إذا هبط وادياً.
٣- وذكر إقبال الليل أثناء السفر، كأن يقول: يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، ومن شر ما فيك، وشر ما خُلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد.
٤- وأن يقول إذا نزل منزلاً: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وقد قال القرطبي ﵀: هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلاً وتجربة، منذ سمعتُه عملتُ به، فلم يضرني شيء إلى أن تركتُه فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيتُه.
٥- كما يُستحب للمسافر -عباد الله- إذا بدا له الفجر، وهو في السفر أن يقول ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قاله حينما بدا له الفجر: ﴿سمّع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا، ربنا صاحِبْنا في السفر وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار﴾ رواه مسلم.
وغير ذلك من السنن كثير وكثير، يطول المقام بذكرها، غير أنا نوجه بأن وصايا النبي ﷺ بآداب السفر من ذكر وتكبير وتسبيح كأنه يعني بالتعريف أن القافلة المسافرة كلها في صلاة، وما هي إلا صور تجعل من تمجيد الله شغل قافلة السفر، ومن ذكره والثناء عليه السمو الذي تطمئن به قلوب ذاكريه.
ومن ثم يشعر المسافر باختصار السفر وسهولته، فينجو من وعثائه وكآبته.
هذا، وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وسلِّم الحجاج والمسافرين والمعتمرين في برك وبحرك وجوك، يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم.
اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابْتَدِئنا، وما قَصُرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 390
بئست العجلة
الدين الإسلامي دين وسط لا يرضى بالإفراط ولا التفريط، ولا المغالاة ولا المجافاة، والنظرة الشرعية للعجلة هي نظرة عادلة، كرهها الإسلام في مواضع وندب إليها في مواضع أخرى، فكما أن التأني مندوب إليه في ظروف تليق به؛ فإن ظروفاً أخرى تليق بالعجلة.
следующие страницы →