Полный текст (518 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الطوالع والأبراج
بل لقد جاوز الأمر قنطرته بمطالعات الصحافات المتكررة في أقطار شتى عما يُسمى مستقبل الأبراج وما لها من آثار مُكْلِمَة في شرخ توحيد الربوبية، وربط المسلم بالأسباب المادية الجافة، أو بالتعبير من قبل بعض ضعاف النفوس بالاحتياج بما يفرحه بقوله: من حُسن الطالع أن كان الأمر كذا، وبما يسوؤه بقوله: من سوء الطالع أن كان الأمر كذا، فأصبحوا يتناوشون الطوالع والأبراج، يبحثون عن سعادتهم في برج الميزان، وينأون بأنفسهم عن أن يكونوا من أهل برج العقرب.
стр. 387
من براهين كذب المنجمين
وهكذا تحيا الخرافة، ويتجدد مذهب مسيلمة وابن صياد، فالله المستعان! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن علي بن أبي طالب ﵁ عندما أراد المسير لقتال الخوارج عرض له منجم فقال له: [[يا أمير المؤمنين! لا تسافر، فإن القمر في العقرب، وإنك إذا سافرت والقمر في العقرب هُزِم أصحابُك، فقال ﵁: بل نسافر، ثقةً بالله، وتوكلاً على الله، وتكذيباً لك، فسافر ﵁، فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج]] .
ومثل ذلك ما فعله المنجمون الأفاكون مع الخليفة المعتصم حينما أراد فتح مدينة عمورية استجابة لصرخة امرأة مسلمة، فَنَهَوهُ أن يغزوهم قبل أن ينضج التين والعنب، فرد قولهم وسافر، فأكذب الله المنجمين، وأعد المسلمين، وسار بتسعين ألفاً كأسد الشرَى، نضجت أعمارهم قبل أن ينضج التين والعنب.
ولذا فقد كان المسلم مأموراً بالفأل، ونبذ التطيُّر في سائر شئونه، ومنها السفر.
ولقد ذُكرت الطِّيَرَة عند رسول الله ﷺ فقال: ﴿أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ .
رواه أبو داود.
ولـ أحمد من حديث ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك﴾ .
стр. 388
عاقبة الإشراك بالله
فانظروا -عباد الله- كيف وقع بعض الناس أسارى في هذا الشراك، فوطئتهم هُوَّتُه بكَلْكَلِها، وتَمَعَّتَت عليهم بكَواهِلِها، فأصبحت نفوسهم بذلك ساجية مقهورة، وفي حَكَمَة الذل منقادة أسيرة، حتى صيروا أنفسهم في حوزة خشناء، يغلظ سنامها، ويَخْشُن مسحها، ويكثر العِتار فيها.
فلا جرم أن المتخلص منها بعد الإدمان فيها كراكب الصعبة من الإبل، إن أَشْنَق لها خَرَمَ، وإن أَفْلَتَ لها تقحَّم، فيُمْنَى -لعمر الله- بِخَلْط وخَط، حتى لا يُرى في عينه إلا القذى، وليس في حلقه إلا الشجا، إلا بعون من الله ورضوان، فمن وفق للتوحيد رُزق التسديد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً؛ فمن الله، وإن خطأً؛ فمن نفسي والشيطان، واستغفروا الله، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 389
سنن السفر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من عصيانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين! واعلموا أن الإسلام قد عني بالسفر عناية فائقة، فجعل له أحكاماً تخصه، من سنن، وآداب، وواجبات، ومحرمات، ومكروهات، ينبغي ألا يغفل عنها كل مسافر.
كما يُؤَكَّد على إحياء السنن المندثرة عند السفر، من ذلك:
١- ذكر الوداع بقوله لمن يودعهم: استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
٢- وكذا دعاء الركوب على الدابة، والتكبير على كل شرف، والتسبيح إذا هبط وادياً.
٣- وذكر إقبال الليل أثناء السفر، كأن يقول: يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، ومن شر ما فيك، وشر ما خُلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد.
٤- وأن يقول إذا نزل منزلاً: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وقد قال القرطبي ﵀: هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلاً وتجربة، منذ سمعتُه عملتُ به، فلم يضرني شيء إلى أن تركتُه فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيتُه.
٥- كما يُستحب للمسافر -عباد الله- إذا بدا له الفجر، وهو في السفر أن يقول ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قاله حينما بدا له الفجر: ﴿سمّع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا، ربنا صاحِبْنا في السفر وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار﴾ رواه مسلم.
وغير ذلك من السنن كثير وكثير، يطول المقام بذكرها، غير أنا نوجه بأن وصايا النبي ﷺ بآداب السفر من ذكر وتكبير وتسبيح كأنه يعني بالتعريف أن القافلة المسافرة كلها في صلاة، وما هي إلا صور تجعل من تمجيد الله شغل قافلة السفر، ومن ذكره والثناء عليه السمو الذي تطمئن به قلوب ذاكريه.
ومن ثم يشعر المسافر باختصار السفر وسهولته، فينجو من وعثائه وكآبته.
هذا، وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وسلِّم الحجاج والمسافرين والمعتمرين في برك وبحرك وجوك، يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم.
اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابْتَدِئنا، وما قَصُرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 390
بئست العجلة
الدين الإسلامي دين وسط لا يرضى بالإفراط ولا التفريط، ولا المغالاة ولا المجافاة، والنظرة الشرعية للعجلة هي نظرة عادلة، كرهها الإسلام في مواضع وندب إليها في مواضع أخرى، فكما أن التأني مندوب إليه في ظروف تليق به؛ فإن ظروفاً أخرى تليق بالعجلة.
стр. 391
تباين مواقف الناس أمام ظروف الحياة
الحمد لله الحكيم الخبير، يحكم بالعدل ويمن بالفضل والله ذو الفضل العظيم، علم القرآن، وخلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له طهر الإنسانية وزكاها، وفضلها على من خلق تفضيلاً، جعل لها سبيلاً واحداً لا سبلاً، وصراطاً واحداً لا صراطات ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من أدب، وأفضل من هذب، قال عنه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤] .
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١-٧٢] .
أيها المسلمون: إن البواعث التي تسوق المرء إلى عمل ما، وتدفعه إلى خوض غمار الحياة، بظروفها الواقعة لهي كبيرة متباينة، يبين لتباينها مواقف أهل الاحتكاك بها؛ فتكون نفوسهم إحدى نفسين:
إما نفس عجلة تثير الفوضى في المنظوم المحكم، وإما نفس متأنية متئدة، يشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف وسط الأعاصير.
ومن المقررات التي لا ينبغي أن تجهل أو تتجاهل أن تكرار المواقف واستحكامها، وترادف الطوارق والعلائق، وتعقد حبالها ليس لها إلا التأني وحده بعد الله سبحانه، إذ هو عاصم بأمر الله من التخبط، وواق من القنوط في الوقت نفسه.
ولابد للمرء في حياته أن يبني أعماله وآماله على ذلك، وإلا كان هالكاً تاركاً حظوظ العجلة أن تصنع له شيئاً ما، أو تبدي له من التدبير ما قصر هو في تدبيره لنفسه، فإن هناك أقواماً يجعلون من اللجوء إلى العجلة ستاراً يواري تفريطهم المعيب، وضيق فطنهم الذميم، وهذا في الحقيقة التواء يعلق القلب بالريب، ويطيش العقول عند الكرب؛ فلا يجلب لهم إلا المعرة وإلا العودة بالألم فيما طلبوا منه السلامة، وبالنصب والأرق فيما رجوا منه الراحة.
وذلك كله مما كرهه لنا الدين الحنيف، قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه﴾ وقال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿من يحرم الرفق يحرم الخير كله﴾ رواهما مسلم في صحيحه.
стр. 392
العجلة داء المجتمعات
العجلة -عباد الله-: هي داء المجتمعات في القديم والحديث، كما أنها ثغرة ضخمة في إنسانية المرء، وهي بالتالي إذا تبدت فيه كانت ثلمة في إيمانه وحسن تدبيره.
العجلة أيها الناس: هي فعل الشيء قبل أوانه اللائق به، وهي بذلك تكون من مقتضيات الشهوة البغيضة، لخروجها عن إطارها المشروع لها، يقول الله جل وعلا: ﴿وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١] ويقول جل شأنه: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] ويقول سبحانه: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] .
стр. 393
العجلة المذمومة مواقف وتصرفات
لقد جاء لفظ العجلة في القرآن الكريم متصرفاً في سبعة وثلاثين موضعاً، كلها على سبيل الذم إلا موضعاً واحداً وهو قوله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] .
أيها الناس: إننا لنجد أن هذه العجلة المذمومة، بادية في كثير من أعمالنا وتصرفاتنا، نجدها في الحكم على الأشخاص قبل البحث والتحري، وفي سوء الظن قبل التثبت واليقين، وفي الغضب والاستجابة لترف النفس المؤدية إلى الوقوع في المحذور، فيستحمق الأمر على عجل، ويكون لسانه وفعله قبل قلبه وعقله، فلا يلزم نفسه ولا يتريث، بل يهذي بكلام ويوكس ويسقط في أفعال يحتاج بعدها إلى اعتذار طويل، وتلفيق ملفت، فيقع فيما نهى النبي ﷺ عنه بقوله: ﴿ولا تتكلم بكلام تعتذر منه غداً﴾ رواه أحمد وابن ماجة.
ونقل أبو حاتم البستي ﵀ أن أعرابياً شهد شهادةً عند أحد السلف فقال: كذبت، قال الأعرابي: إن الكاذب للمتزمل في ثيابك، فقال الرجل: هذا جزاء من يعجل.
ولربما لم تفلح المعاذير، ولم ترقع الفتوق، كل ذلك لعجلة لحظة كانت كبرق، وبخاصة ما يثير خصومة ويعجل الطلاق، حتى لقد عد يميناً عند الرعاع، وضرباً من اللغو ينقض به كثير من عرى الزوجية؛ فيقع الندم ولات ساعة مندم، ويسبق السيف العذل، ولكل شيء في الحياة وقته، وغاية المستعجلين فوته، والقاعدة المشهورة: من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه.
стр. 394
علامات العجلة في علاقة المرء بخالقه ومولاه
العجلة -عباد الله- قد تكون في أداء الواجب دون إحكام وإتقان، حتى لقد بدت بعض الأعمال المؤداة وكأنها في صورة آلية، لا يتلبث أهلها ليجيدوا ولا يتأنون ليتقنوا، وكأنهم بداخل أغلال أو أطواق، يحاولون في سرعة بالغة وعجلة مقيتة أن ينطلقوا منها، بل تعدى الأمر إلى أبعد من ذلك؛ حتى علاقة المرء بخالقه ومولاه، في جوانب العبادة والمسألة، فترى المرء يعجل في وضوئه فلا يسبغه، ولربما بدا من عقبه أو نحوه ما لم يصل إليه الماء؛ فيقع في وعيد النبي ﷺ بقوله: ﴿ويل للأعقاب من النار﴾ متفق على صحته.
كما أنكم -عباد الله- قد ترون المرء يعجل في صلاته فلا يطمئن في ركوعه ولا سجوده، يسرع في الحركات ولا يتلبث وكأنه أفلت في أرض هش، ويغيب عن وعيه قول أبي هريرة ﵁: ﴿نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث وذكر منها: عن نقرة كنقرة الديك﴾ أي: في صلاته رواه أحمد.
ولربما طغت العجلة على المرء حتى في اللحظات الحرجة والتي ينادي فيها ربه ويدعوه متضرعاً إليه، فيفقد بسبب ذلك الاستجابة التي دعا الله من أجلها، جراء ما استعجل غير آبه بقول النبي ﷺ : ﴿يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي﴾ رواه البخاري ومسلم، فليتنبه لهذا الأمر أهل الضوائق والبلاء، أو الحوائج والأمراض الذين يتعجلون الله في أدعيتهم أو رقاهم أو نحوها.
فإن الاستجابة موكلة بالأناة والصبر، التي ينسلخ المرء بها من الضجر والتبرم، ويقف في أرض الله أواباً، يرجو رحمته ويخاف عذابه، فلا يضيره ما فقد ولا يحزنه ما قدم.
стр. 395
عليك بالتأني وإياك والعجلة
إن المرء المسلم عندما يكون يقظ الفكر على هبوب الأخطار والمخاوف، وعندما يظل رابط الجأش يقلب وجوه الرأي هنا وهناك، ابتغاء مخلِّص مما عراه فإن النجاح لن يخلفه بإذن الله تعالى، ولذلك قال النبي ﷺ : ﴿إنما الصبر عند الصدمة الأولى﴾ رواه البخاري ومسلم.
فالواجب على العاقل -عباد الله- أن يلزم التأني في الأمور كلها، والاعتدال في الحالات المتضاربة، وترك العجلة والخفة بها لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب، كما أن النقصان في ما يجب من المطلب عجز، وما لم تصلحه الأناة لن تصلحه العجلة، ففي ترك الأناة يكون الخرق، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة، وبالتثبت حاله من حمد إلى ظفر، فمن يركب الأناة لا يستعقب الزلل، ولا صار ألف مدبج في حاجة لم يقضيها إلا الذي يتأنى، فالمتأني الحذق لا يكاد يسبق، كما أن العجل النزق لا يكاد يلحق، وما أحسن ما قيل في الصديق رضي الله تعالى عنه:
من لي بمثل مشيك المدلل تمشي رويداً وتجي في الاول
وخلال العجل -عباد الله- أنه يقول قبل أن يعلم! ويجيب قبل أن يفهم! ويحمد قبل أن يجرب! ويذم بعدما يحمد! يعزم قبل أن يفكر! ويمضي قبل أن يعزم!
العَجِل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة.
ولقد كانت العرب في القديم تكني العجلة "أم الندامات" والمثل السائد: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.
قد يدرك المتأني جل حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
قال المهلب بن أبي صفرة: أناة في عواقبها درك، خير من عجلة في عواقبها فوت.
إن التأني مع الصبر سبب في التحصيل المتكامل، في شتى شئون الحياة بدءاً من العلم والتعلم، وانتقالاً إلى التربية والتكوين، والكسب والتكسب فيما أحل الله وأباح، فليس المرء يولد عالماً غنياً حليماً، وإنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، والغنى بالتكسب.
وإن القليل بالقليل يكثر كذا الصفاء بالقذى ليكدر
стр. 396
عاقبة العجلة المشئومة
ألا وإن بروز العجلة في هذا الميدان لهو المؤذن بالفشل الذريع، وكثرة الفتور والقنوط من التكامل، ولقد ذكر الخطيب البغدادي ﵀: أن رجلاً من أهل العلم كانت له مدارسات وتلمذة فتباطأ تحصيله، وأيس حصوله فترك العلم، وخرج مرة فإذا هو بماء يصب فوق صخرة وقد أثر فيها؛ فقال: سبحان الله، هذا الماء على لطافته أثر في هذه الصخرة على كثافتها، فلا والله ليس العلم بألطف من هذا الماء، وليس عقلي بأثخن من هذا الصخرة، فعاد إلى العلم والتعلم حتى أصبح من كبار المحدثين الحفاظ.
اليوم شيء وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط
فاتقوا الله معاشر المسلمين، وعليكم بالتؤدة والتأني تفلحوا، وإياكم والعجلة فليست من هدي النبي ﷺ ولا هي من شأنه، فما علينا إلا الأناة والانضباط في الأعمال، وعدم النظر إلى الثمرة فقد تتأخر، فهذا رسول الله ﷺ يعد سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنه بسواري كسرى، ولم يلبسهما إلا في عهد الفاروق ﵁، لأن المؤمل غيب وليس لنا إلا الساعة التي نحن فيها، وإن غداً لناظره قريب.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 397
نظرة الإسلام إلى العجلة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله معاشر المسلمين، ثم اعلموا! أن من الناس من لا يحسن التؤدة ولا الأناة، كما أنه بعيد الإتقان لمواطن العجلة المحمودة، فلا هو من أهل الأناة فيحمد، ولا أحسن مواضع العجلة فيشكر، حيث يبلغ في البطء غايته، ويصل في العجلة مزلتها، فيصير مثل فند مضرب للمثل، حيث كان مولى لإحدى نساء التابعين، فأرسلته مرة يحتطب، فرأى قافلة تسير إلى مصر فارتحل معهم ثم عاد بعد سنة، وتذكر الاحتطاب فعجل حتى تعثر على الأرض، ثم قال: بئست العجلة، فصار مثلاً مضروباً حتى قيل فيه:
ذاك فند أرسلوه قابساً فثوى حولاً وسب العجلة
وأمثال هذا كثير ممن يسيرون في أعمالهم على عادة قبيحة، يقول أصحابها: لا تؤخر إلى الغد ما تستطيع أن تفعله بعد غد.
والدين الإسلامي عباد الله دين وسط لا يرضى بالإفراط ولا التفريط، ولا المغالاة ولا المجافاة، والنظرة الشرعية للعجلة هي نظرة عادلة كرهها الإسلام في مواضع وندب إليها في مواضع أخرى، فكما أن التأني مندوب إليه في ظروف تليق به، فإن ظروفاً أخرى هي تليق بالعجلة، والعجلة لا تليق إلا بها، ولربما فات قوم جل طلبهم من التأني وكان الأمر لو عجلوا، وليس معنى تنفير الإسلام من العجلة أنه يريد أن يعلم أتباعه البطء في الحركة أو الضعف في الإنتاج أو التماوت في العمل والكسل في أداء الواجبات، كيف ورسول الله ﷺ يقول: ﴿بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر﴾ رواه الترمذي.
ويقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده﴾ رواه البخاري ومسلم.
ومن هذا المنطلق عباد الله كان ثم أمور ومواقف تتطلب من التصرف الحازم، والعمل السريع، ما لا يناسبه التأجيل والتسويف مثل العجلة في اغتنام الأوقات وترك التسويف فيها، وكذا التعجيل في الفطور للصائم، وتعجل المسافر إلى أهله لقضاء نهمته، وكذا صد الشر الظاهر، وإغاثة الملهوف، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعدم تأخير البيان عن وقت حاجته فيما للمسلمين فيه حاجة، كبيان حق، وإبطال باطل، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكذا الواجبات الموقوتة في وقت محدود، يقول ﷺ : ﴿التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة﴾ رواه أبو داود.
ويتأكد أمر العجلة بشدة في وجوب الأخذ بالحق إذا ظهر وعدم التواني في قبوله، وترك التسويف المودي إلى تركه ومجانبته، والبعد كل البعد عن التعليلات أو التبريرات التي يدَّعى أنها مسوغ لتركه أو تأجيله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] والمعاذير التي يقدمها المرء في تأجيل الحق أو رده مهما بلغت ما هي إلا أوهام وخيوط أوهى من نسج العنكبوت، فإذا كنت أيها المرء ممن:
إذا كنت يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن جمال الربيع فأخذك للعلم قل لي متى
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سقيا رحمة لا سقيا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 398
إياكم والجاهلية
من يعبد الله بغير ما شرع الله فإن عمله مردود عليه، وقد كان أهل الجاهلية يؤدون الحج بصفات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى حجَّ رسول الله ﷺ فأخذ الناس عنه مناسكهم.
ومما أورده الشيخ في حديثه هذا -بالإضافة إلى ذلك- أن كل المعاصي في أعمال الجاهلية.
وأورد أيضاً بعض صور معصية الله التي كانت في الجاهلية وقد تتكرر، فلذلك يلزم الحذر منها.
стр. 399
صفة الحج في الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، له الحمد في الأُولى والآخرة، يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار، وهو يتولى الصالحين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة بها نحيا وبها نموت وعليها نُبعث يوم الدين.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الناصح الأمين، وقائد الغر المحجلين، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فوصيتي لنفسي ولكم -عباد الله- هي تقوى الله سبحانه، في السر والعلن، والحضر والسفر، والفرح والحزن، في خلواتكم وجلواتكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] .
أيها الناس! لقد اُبتليت المجتمعات الجاهلية في غابر الأزمان برجس الأصنام والوثنية، والخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، يتخرج منها رجال ونساء في الشرك والتضليل، والجهالة والعِبِّيَّة الجاهلية، حتى لقد أصبحت مقاصد الحج عندهم عبارة عن تجمعات مكثفة في سوق عكاظ، يقصدها الناس من شتَّى أنحاء البلاد.
وكان يُقام فيها السوق في شهر ذي القعدة نحواً من نصف شهر.
ثم يأتون بعد ذلك موضعاً دونه إلى مكة، يقال له: سوق مجنة، فيُقام فيه السوق إلى آخر الشهر.
ثم يأتون موضعاً قريباً منه، يقال له: ذو المجاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية.
ثم بعد ذلك يَصْدُرون منه إلى منى.
كانت تجتمع في هذه الأسواق قبائل العرب، ووفود ملوكهم بالهدايا والقرابين إلى الأصنام، يتناشدون الأشعار، ويفتخرون بالسلب والنهب، وقتل الأنفس البريئة دون ما ذنب أو جريرة، ويمارسون وأد البنات إبَّان حياتهن، ويعدون ذلك من المكرمات التي تهون دونها الحُرُمات.
عباد الله! لقد كانت مواقف الجاهلية في الحج مواقف مخزية، إنما هي خليط ممزوج من الأضداد والمتناقضات، يظهر ذلك جلياً في بعض المواقف المتكررة، فمن ذلك -مثلاً-: تلبيتهم في الحج التي يخلطون معها الشرك، فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما مَلَك ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] .
وكانت قبيلة عَكٍ إذا خرجت حاجَّة قدمت أمامها غُلامين أسودين من غلمانهم، فكانا أمام ركبهم، فيقولان: نحن غرابا عَكٍّ، فتقول عَكٍّ من بعدهما:
عَكٌّ إليك عانية
عبادة يمانية
كيما نحجَّ الثانية
هذه هي تلبيتهم.
ولقد كانت قريش ومَن دان بدينها، يقفون بـ المزدلفة، وسائر العرب يقفون بـ عرفات، حتى أنزل الله على رسوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] .
ومن مظاهر الجاهلية في الحج عباد الله! ما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله: [[كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يُطعم، ويحمل الحمالات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فِعال آبائهم، فأنزل الله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠]] ] .
стр. 400
دروس وعبر من حج الرسول ﷺ
وفي خضم الجاهلية الجهلاء يمن الرب الرحيم القادر الحليم على عباده بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالنفس الطاهرة، فأُنْزِلت آيات الكتاب المتلوة، وأبلغ الرسول دعوته، فسمع الأصم نبراته، وأبصر الأعمى آياته، جاء البشير النذير، والسراج المنير، فاقتلع الوثنية من جذورها، واستأصل شأفتها، بعد أن سفَّه أحلامهم، وعاب آلهتهم، في مدة من الزمن وجيزة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
وَيمنَّ الله عليه بفتح مكة، وتحطيم ما فيها من أصنام وأوثان، ثم يُرسل أبا بكر في السنة التاسعة حاجّاً، لينادي في الناس: ﴿ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان﴾ .
ثم يأتي -صلوات الله وسلامه عليه- حاجاً في السنة العاشرة، ليختم دعوته بلقاءٍ حاسم مع جموع المسلمين في عرفات المشاعر المقدسة، ويقول لهم: ﴿خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا﴾ .
وفي يوم عرفة في اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأنزل فيه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] في يوم عرفة -عباد الله- يرى الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن هذا الجمع العظيم، وهذه القلوب الصافية الخاشعة فرصة عظمى لأن تعي ما سيقول لها من قواعد عظيمة، ربما عدُّوها وصية مودع مشفق، فيقف على راحلته، ويخطب الناس خطبته المشهورة، كما جاء في سنن أبي داود وسنن ابن ماجة، وغيرهما، فكان مما قال فيها: ﴿ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمانا: دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب -كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هُذيل- وربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله﴾ الحديث.
стр. 401
وجوب مخالفة المسلمين لأهل الجاهلية
إن هذه الكلمات المنبعثة من مشكاة النبوة ليؤكد بها المصطفى ﷺ حتمية المخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية، ويبين بذلك أنَّ مسمَّى الجاهلية يعني: أن يكون الأمر إسلاماً أو لا إسلام.
فالجاهلية والإسلام أمران نقيضان، لا يمكن أن يجتمعا في نفس واحدة البتة.
إن كلمة الجاهلية لم تكن نشازاً من حديث النبي ﷺ ، لا وكلا! بل هي كلمات مطروقة، تكرر ذكرها في غيرما موضع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد قال سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، وقال : ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ، ويقول جل شأنه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ، ويقول سبحانه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦] .
ولقد بوَّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه باباً فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية) وذكر فيه قول النبي ﷺ لـ أبي ذر ﵁ لما عيَّر رجلاً بأمه: ﴿إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ .
قال الحافظ ابن حجر: " إن كل معصية تؤخذ من ترك واجب أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية ".
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ﴿قال رجل: يا رسول الله! أنؤاخَذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر﴾ رواه البخاري ومسلم.
وقد قال ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه: ﴿ينذر رجل أن ينحر إِبِلاً بـ بوانة، فسأل النبيُّ ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ قالوا: لا.
قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا.
فقال رسول الله ﷺ : أوفِ بنذرك﴾ الحديث.
رواه أبو داود.
فيؤخذ من هذا الحديث وغيره -عباد الله- التحذير الشديد من أمور الجاهلية، أو مشابهة أهلها في أي لون من ألوانها.
كيف لا! ورسول الله ﷺ يقول: ﴿ألا إن كل شيء من أمور الجاهلية تحت قدمي موضوع﴾ ؟!
ولو لم يكن من ازدرائها، وشناعة قبحها، إلا حكم النبي ﷺ عليها بأنها تحت قدميه لكفى.
لقد أكدَّ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه مخالفة ما عليه أهل الجاهلية من الكتابيين والأميين، مما لا غنى للمسلم في أن ينبذها وينأى بنفسه عن الوقوع في هُوَّتها، وأن ينسلَّ بنفسه عن أشدها خطراً، وأكثرها ضرراً، وهو عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ناهيكم عما ينضاف إلى ذلك من استحسان ما عليه أهل الجاهلية الذي تتم به الخسارة والبوار، كما قال جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٢] ، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] .
стр. 402
صور من التشبه بأهل الجاهلية
وإن من أعظم التشبه بما كان عليه أهل الجاهلية، وأكثرها إيقاعاً للخلل في دين الناس ودنياهم أموراً ثلاثة:
стр. 403
إشراك الصالحين في الدعاء والعبادة
الأمر الأول: أن كثيراً من الناس يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يُريدون شفاعتهم عند الله، في حين أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، بل إنهم في الوقت نفسه لأحوج إلى عفو الله ورحمته من أولئك الذين يدعونهم، كما قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] .
وهذه عباد الله! هي أعظم مسألة خالف فيها الرسول ﷺ ما كان عليه أهل الجاهلية، وعندها بدت بينه وبينهم العداوة والبغضاء أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده.
ومن هنا افترق الناس إلى مسلم وكافر.
ولأجل هذه القضية العُظمى شُرِع الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣] .
стр. 404
الفرقة والاختلاف
الأمر الثاني: أن أهل الجاهلية متفرقون في دينهم ودنياهم، وهم في ذلك فِرَق وأحزاب ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] كلُّ منهم يرى أنه على الحق دون سواه، فمُحق الخير، وأحيي الشر، حتى أصبح المرء لا يعرف إلا نفسه، ولا يتأثر بالفرح والحزن إلا لما يمسه هو من خير أو شر، فماتت العاطفة والصلة بمشاعر الأخوة الإسلامية العامرة.
فجاء الإسلام، ودعا إلى الأخوة الدينية، وتلا رسول الله ﷺ قول ربه : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣] ، وتلا قول خالقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] .
ويعلن المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه قولته المشهورة: ﴿مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر﴾ رواه مسلم.
ويكون بذلك مؤكداً أخوة الدين التي تفرض تناصر المؤمنين المفلحين، لا تناصر العِبِّيَّة العمياء، والجاهلية الجهلاء؛ لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وإجارة المهضوم، وإرشاد الضال، وحد المتطاول.
وهذا كله هو ثمرة قول المصطفى ﷺ : ﴿انصر أخاك ظالِماً أو مظلوماً﴾ رواه البخاري.
إن الله سبحانه ردَّ أنساب الناس وأجناسهم إلى أبَوَين اثنين، فهم جميعاً,.
الناس من جهة التمثال أكْفَاءُ أبوهمُ آدم والأم حواءُ
وإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ يفاخرون به فالطين والماءُ
ليجعل الله من هذه الرحم ملتقى تتشابك عنده الصلات، وتُسْتَوثَق العُرى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] .
إنه التعارف لا التفاخر، والتعاون لا التخاذل، وأما الشرف والرفعة فإنما هو في قوة الدين، وتمكَّن التقوى من قلب العبد في إزالة الفوارق البشرية.
فرسول الله ﷺ وهو من أشراف قريش يقف مع الناس، ويقول لقومه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] تحقيقاً للمساواة بين المسلمين، وكان الرجل من أشراف قريش يأنف أن يُزوج ابنته أو أخته من الرجل من عامة الناس، فيأتي رسول الله ﷺ ويزوج ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية من مولاه زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما.
ويقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه﴾ وقد كان حجَّاماً رضي الله تعالى عنه.
رواه أبو داود والحاكم.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 405
مخالفة ولي الأمر
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد البشر، والشافع المشفع في المحشر، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه السادة الغُرَر.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا أن ثالثة الأثافي من أمور الجاهلية هي: دَيْدَن الجاهلية المتمثل في ظنهم المقلوب: أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة ورفعة، وأن السمع والطاعة والانقياد ذلٌّ ومهانة، ونقص في الرجولة والعلم، فخالفهم المصطفى في ذلك في السمع والطاعة في المنشط والمكره للولاة الشرعيين، بالبيعة الشرعية، وأمر بالصبر على جَور الولاة، وعدم الخروج عليهم، مع بذل النصح والإرشاد لهم، فغلَّظ في ذلك وأبدى وأعاد، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: ﴿من كره من أميره شيئاً فليصبر؛ فإن من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية﴾ رواه البخاري ومسلم.
فهذه الأمور الثلاثة التي مضت جَمَعَها النبي ﷺ في قوله: ﴿إن الله يرضى لكم ثلاثاً: ألا تعبدوا إلا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم﴾ .
رواه البخاري ومسلم.
стр. 406
الجاهلية والتحاكم إلى غير الشريعة
ومما ينبغي التنبه إليه -عباد الله- هو ما وقع فيه كثير من الناس في هذا العصر إلا من رحم الله، من التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتراضي بأحكام البشر، وقوانينهم، ودساتيرهم، وهذا -وربي- هو عين فعل الجاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] .
لقد أنكر الله -سبحانه- على من خرج عن حكمه المشتمل على كل خير، الزاجر عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من قوانين البشر وأعرافهم التي وضعها رجالهم، بلا مستند أو أثارة من علم، كما كان عليه أهل الجاهلية الأولى، وكما كان يحكم به التتار في السياسات المأخوذة عن سلاطينهم التي اقتبسوها من شرائع شتى، كـ اليهودية، والنصرانية وغيرها، فصار فيمن بعدَهم شرعة متبعة يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يصف أمثالَهم لبيد بن ربيعة ويقول:
مِن معشرٍ سنَّت لهم آباؤهم ولكل قوم سُنَّةٌ وإمامها
وهم بذلك كله قد كفروا كفراً وجب قتالهم لأجله حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] .
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم فرج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وسلِّم الحجاج والمسافرين والمعتمرين في برِّك وبحرك وجوك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى.
اللهم أصلح له بطانته، يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا.
اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.
اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً سحاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والبادِ.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 407
القلم بريد اللسان الصامت
القلم خطيب الناس، وفصيحهم، وواعظهم، وطبيبهم، بالأقلام تدبر الأقاليم وتساس الممالك.
القلم في المعركة سلاح ذو حدين، والمسلمون في حاجة ماسة إلى القلم الصادق الأمين الملهم الذي ينشر الحق، ويحيي السنة، ويدل الناس إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم، وللتأكيد على أهمية صاحب القلم فقد وضع أهل العلم شروطاً يجب أن تتوفر فيهم.
стр. 408
إقسام الله بالقلم
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، ولي الصالحين، ومجيب دعوة المضطرين ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد:٣-٤] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] له الحكم كله وإليه يُرجَع الأمر كله، وبيده الخير كله ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير مرسول وأشرف متبوع، بالحق قضى، وللحق دعا، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن سعادة المؤمن ورفعته تبدو مُجَلاَّة في تقواه لربه، إذ بالتقوى يُذكَر، وبالتقوى يُنصَر، يطيع فيُشكَر، ويعصي فيُغفَر، فليتق الله امرؤٌ حيثما كان، وليُتْبِع السيئة الحسنة تمحها، وليخالق الناس بخلق حسن ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] .
أيها الناس! قاعدةٌ من قواعد التفسير مقررة، كشف معناها علماء التأويل وأئمته، وعدوها معنى من معاني التشريف والتكريم، ما جاءت أفرادها في القرآن إلا وفُهِم منها علو المكانة، ورفعة المنة بها، ونعمة الإيجاز التي يمن الله بها على عباده من مخلوقاته في الأرض وفي السماء، تلكم القاعدة -عباد الله- هي: أن لله -جل وعلا- أن يُقْسِمَ بما شاء من مخلوقاته في سمائه وأرضه، كالليل، والقمر، والشمس، والنجم، والطارق، والفجر، والعصر وغيرها من المخلوقات.
وهذا القسم من الله أمارة على المكانة، والاختصاص من بين سائر المخلوقات، وإذا ما أرسلنا الطرف رامقاً بين دفتي كتاب الله جل وعلا؛ فإننا -ولا جرم- سنجد أن هناك قسَماً من بين تلك الأقسام الجليلة، قسَماً أُنزل على محمد ﷺ ، نزل به الروح الأمين، قسماً أنزله الله تسلية وتثبيتاً لخاتم الرسالات والمرسلين، قسَماً من الباري -جل شأنه- في مقابل تكذيبٍ وعنادٍ يصرخ به كفار قريش وصناديدهم، إنه قول الباري جل وعلا:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:١-٢] الإقسام من الله لا يُتبَع إلا بشريف ما أبدع، وكريم ما صنع، لقد أقسم الله بالكتاب وآلته وهو القلم، الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته.
والقلم -عباد الله- اسم جنس لكل ما يُكتب به، وهو أول مخلوقات الله تعالى، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أن النبي ﷺ قال: ﴿إن أول ما خلق الله القلم﴾ الحديث.
стр. 409
وظائف القلم
القلم -أيها المسلمون- هو خطيب الناس، وفصيحهم، وواعظهم، وطبيبهم، بالأقلام تُدبَّر الأقاليم، وتساس الممالك، القلم نظام الأفهام يخطها خطاً فتعود أنظر من الوجه المرقوم، وكما أن اللسان بريد القلب؛ فإن القلم بريد اللسان الصامت، وإذا كان الأمر كذلك؛ فقلمك -يا أُخَيَّ- لا تذكر به عورة امرئ إذْ كلك عورات وللناس أقلام.
الكتابة بالقلم للمرء شرفٌ ورفعةٌ، وبضاعةٌ رابحةٌ، وأثرٌ غالٍ، ومأثرٌ علِيٌّ، هي للمتعلم بمنزلة السلطان، وإنسان عينه بل عين إنسانه، كيف لا! وأعظم شاهد لجليل قدرها، وأقوى دليل على رفعة شأنها؛ أن الله -سبحانه- نسب تعليمها إلى نفسه، واعتدَّها من وافر كرمه وجزيل أفضاله! بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١-٤] .
بالإضافة إلى ما يؤكد أن هذه الآية مفتَتَحُ الوحي، وأول التنزيل على أشرف نبي وأكرم مرسل، وفي ذلك من الاهتمام بشأنها ورفعة محلِّها ما لا خفاء فيه، بل هي ما وصف الله به حفظته بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار:١٠-١١] يقول ابن القيم ﵀: "التعليم بالقلم من أعظم نِعَمِهِ على عباده، إذ به تخلد العلوم، وتثبت الحقوق، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، واندرست السنن، وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف مذهب السلف، وكان يعظُم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم لِمَا يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم إلى أن قال ﵀: فمن ذا الذي أنطق لسانك، وحرَّك بنانك؟ ومن الذي دعَّم البنان بالكف، ودعَّم الكف، بالساعد؟ فكم من الله من آية نحن غافلون عنها في التعليم بالقلم".
انتهى كلامه ﵀.
أيها الناس! دعا إلى القلم والخط به نبيٌّ أميٌّ، لم تكن أُميته يوماً ما قدحاً في رسالته أو مسلباً في نبوته! كلا.
بل هي مدح ومنقبة؛ لأن من ورائها حكمةٌ بالغة، هي رد وحجة على الملحدين المعاندين، حيث نسبوه إلى الاقتباس من كتب المتقدمين كما أخبر الله بقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] فكان ذلك من أقوى الحجج على تكذيبهم، وحسم أسباب الشك في نبوته ﷺ .
стр. 410
تاريخ الكتابة بالقلم
لقد كان الخط في مبدأ ظهور الإسلام هو الخط الأنباري، وكان يُكتب به النزر اليسير من العرب عامة، وبضعة عشر من قريش خاصة، وبعد انتصار النبي ﷺ في بدر؛ أُسِرَ جماعةٌ من المشركين كان من بينهم بعض الكُتَّاب، فقُبِل الفداء من أمِّيِّيهم، وفادَ الكاتبَ فيهم بتعليم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين، وحضُّوا على تعلمها، واشتهر كُتَّاب الصحابة؛ كـ زيد بن ثابت، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ثم ازدادت انتشاراً في عهد التابعين على قلة الإمكانات وعسر الحال.
يقول سعيد بن جبير ﵀: [[كنت أجلس إلى ابن عباس فأكتب في الصحيفة حتى تمتلئ، ثم أقلب نعليَّ فأكتب في ظهورهما]] .
وقال عبد الله بن حنش: [[رأيتهم عند البراء يكتبون بأطرف القصب على أكفهم]] .
وذكر الإمام الدارمي ﵀: أن أباناً ﵀ كان يكتب عند أنس في سبورة.
قال سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه: [[من لم يكتب فيمينه يُسرى]] .
وقال معن بن زائدة: إذا لم تكتب اليد فهي رجل.
هذه النصوص وأمثالها لا أبعاد لها إلا التحضيض والترغيب في الكتابة وتعلمها ليس إلا.
стр. 411
القلم سيف في المعركة
أيها المسلمون! لقد فاخر كثير من البلاغيين في القلم؛ حتى جارَوا به السيف أو أزيد من ذلك بضروب من وجوه الترجيح كيف لا! وقد أقسم الله به، إضافةً إلى أن القلم يُؤثر في إرهاب العدو على بُعْدٍ، بخلاف السيف فإنه لا يُؤثر فيه إلا عن قرب، إذ أن القلم البَرَّ الجاد يرقُم صحائف الأبرار لتحطيم صحائف الأشرار، لا يصرفه عن ذلك ما يلاقيه في عوالم شتى مِن قِبَل ذوي النزغ من أهل البدع والإلحاد في الدين، أو من ذوي الأقلام المأجورة ممن همُّهم الإحبار أمام الدرهم والدينار، فضلاً عمَّا يصاحب ذلك من تعسف وإرهاق وقوةٍِ باسترقاق الأقلام أو تجفيف المحابر.
إنه في الحقيقة لا يزيد أهلَ العلم إلا بياناً وتبياناً، وعزماً على قول الحق، وتبيين الدين للخلق، والتحذير مما يغضب الله ورسوله مع سكينة وأريَحْيَّة، حاديهم في ذلك قوله جل وعلا: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥] .
عباد الله! صدق القلم وفصاحته من أحسن ما يتلبس به الكاتب ويتزر به العاقل، والاعتناء بأدب القلم في المعنى هو ضرورة كما الأمر في المبنى، وهو بذلك صاحبٌ في الغربة، ومؤنس في القلة، وزينٌ في المحافل وأشياع الناس، ناهيكم بعد ذلك عن دلالته على العقل والمروءة ورباطة الجأش، والتبرِّي من ضيق العطن، وعشق رأي الذات ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] .
ثَمَّةَ ولا شك أن من غرس فتيلاً يوشك أن يأكل رطبها، وما يستوي عند أولي النهى وذوي الحجا قلمان: أحدهما ثرثار متفيهق، يطب زكاماً فيحدث جذاماً، والآخر: يكتب على استحياءٍ محمود، وغيرةٍ نابتة من حب الله ورسوله، وإذا تعارض القلمان فإن الخَرَس خيرٌ من البيان بالكذب، كما أن الحصور خير من العاهر.
من عزم الكتابة -عباد الله- فلا يتخذها للمماراة عُدَّة، ولا للمجاراة ملجئاً، ولا يأمننَّ الزلة والعرضة للخطأ، وكما قيل: "من ألَّف فقد استُهْدِف! " وفي القديم: "مَن كتب فكأنما قدَّم للناس عقله على طبق".
وإن تعجبوا -عباد الله- فعجبٌ! ما يقول المزني ﵀ عن شيخه الإمام الشافعي الفقيه النحوي المحدث: قرأتُ كتاب الرسالة للشافعي عليه ثمانين مرة، نجد في كل مرة ما لا نجده من قبل.
يعني بذلك: مما يستوجب إعادة النظر.
стр. 412
القلم المؤثر في القلب
ألا وإن أبلغ الأقلام في الوصول إلى القلب ما لم يكن بالقروي المجدع، ولا البدوي المعُرب، مع ما يتحلَّى به صاحبه من صدق في الحال، ونية في الإصلاح، وإلا فماذا يغني الضبط بالقلم إذا لم يشف من ألم، وحاصل ذلك: أنه ما رُؤي كمثل القلم في حمل المتناقضات، فهو عند اللبيب المهتدي آلة من آلات الخير والبر، ومركبٌ من مراكب البلوغ والنجاح، ورأب صدع الفلك الماخر، وهو عند الوقح السفيه عقرب خبيثة، ودود علق يلاصق لحم من ينال، وبينهما ثالث برزخ يقول فيه بعض أهل العلم: العرب تضرب المثل بحاطب الليل الذي يكتب كل ما يسمع من غث وسمين، وصحيح وسقيم؛ لأن المحتطب بالليل ربما ضم إليه أفعى تنيناً فتنهشه وهو يحسبها من الحطب.
وأهل هذا الصنف سواد في الناس غير خاف لرامق ببصر.
قد يُوفَّق الكاتب في كتابته فيكون لها شأن يظهر عليها منه الجِدَّة وإجادة المطلع وحسن المقطع، مُدعَّمة بالنصوص الشرعية، والأقوال المرعية، فتبهر القلوب، وتأخذ بالألباب حتى يظن القارئ أو السامع أنها غير ما في أيدي الناس وهي مما في أيدي الناس، حيث ترى براعة القلم، وشجاعته، ولطف ذوقه، وشهامة خاطرة، وليس كل خاطر براقاً، وفي الحديث الحسن: ﴿إن من عباد الله من إذا قرأ القرآن رأيت أنه يخاف الله﴾ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] .
لقد بُهِرت الأمة بكُتَّابٍ مسلمين في كافة الميادين، شعراء مُلهمين من شعراء الزهد والحكمة كـ أبي العتاهية وأئمة المهديين، أشاعوا العلم ونصروه، ونصروا السنة بأقلامهم، كالأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وابن القيم، وابن كثير، ومحمد بن عبد الوهاب , وغيرهم كثير وكثير من مجددي ما اندرس من معالم الإسلام.
стр. 413
حال القلم في هذا الزمن
بَيْد أن القلم في هذا الزمن قد فشا فشواً كبيراً، واتسع نطاقه حتى بلغ القاصي والداني، في صورة هي في الحقيقة مصداق لقوله ﷺ : ﴿إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشوا التجارة؛ حتى تعين المرأةُ زوجَها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم﴾ رواه أحمد، ومما لا شك فيه أن الشيء إذا فشا وذاع ذيوعاً واسعاً كثر مُدَّعوه، وقلَّ آخذوه بحقه، فكثر الخطأ، وعمَّ الزلل.
وإن من ذلك عُرِي بعض الأقلام عن الأدب، فلم تُرعَ حرمةً، ولم تحسن رقماً، ولم تزن عاطفة في نقاش؛ فثارت حفائظ، وبُعِثَت أضغان، وكُشِفَت أستار، واشتد لغطٌ رقماً بقلم في قرطاس ملموس بالأيدي! ناهيكم عن الكذب والافتراء والتصريح بالعورات والمنكرات، والجرأة على الله ورسوله، مع ما يصاحب ذلك من قلم مُتعثر، ومقالات لها في كل واد شعبة يعثرون من خلالها عثرات متكررة، دون التفات إلى أسباب تلك العثرات، حتى يزداد خطرها، ويستفحل شرها، ومن ثمَّ ينوء أصحابها بأحمال ندم لا يُقِلُّها ظهر، وتنكيس رءوس يُمْسون بها بعيدي الرفع، ودموع حزن على قبح تقصير ما لمددها انقطاع، وأقسى الكل أن سيقال لمثل أولئك: بماذا! ومن أجل ماذا! ولأي شيء! يا من خططت ببنانك ما يوبق انتماءك للحق وصدق جنانك، ثم توزن بالعدل والميزانُ غالب.
فيا لِلَّه العجب! كيف وُهبت لهؤلاء عقول، وأسيلت أقلامٌ، فما قدروا الله حق قدره بها، ولم يستحضروا ثمرة العقل الموهوب، والرقم المكتوب، الذي باينوا به البهائم؛ حتى تشمخوا بفعلهم وغفلوا عمن وهب، وهو الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.
ولعمر الله! أي شيء لهم في الحبر والقلم ليس ملكاً لهم، ويا لَلَّه كيف لا تُوَجَّه الموضوعية في الطرح على شِرْعةِ ومنهاجِ مَن بعث لصاحب القلم السيَّال في ظلام طبعه نورَ القبس؟ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قد قلت ما قلت إن صواباً فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفاراً.
стр. 414
شروط أهل العلم في الكتابة بالقلم
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وإخوانه.
أما بعد:
فإن المسلمين بعامة في حاجة ماسة إلى القلم الصادق إلى القلم الأمين إلى القلم الملهم، الذي ينشر الحق ويُحيي السنة، ويدل الناس إلى ما فيه خير دينهم ودنياهم ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
إن القلم أمانة، وحَمَلَته كُثْر من بني الإنسان ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] وما كل مَن حمل الأمانة عرف قدرها، ولأجل ذا لَفَتَ عُلماء الإسلام الانتباه إلى صفاتٍ وضوابط لا يسع الأمةَ إهمالُها، ولا ينبغي أن يقصر فيها كاتب أو ذو قلم، أو من جهة أخرى تلفت الفطن من قبل القراء وأمثالهم عمن يتلقون ما ينفع، ولمن يقرءون ما يفيد، وممن يأخذون، ولمن يذرون، فتكلموا عن كون صاحب القلم، مكلَّفاً بليغاً، قوي العزم، كفواً، عالي الهمة ونحو ذلك، إلا أن أجل التأكيد منصب في كثير من كلام أهل العلم على أمور ثلاثة هي من الأهمية بمكان:
стр. 415
الشرط الأول: الإسلام
أولها: أن يكون الكاتب مسلماً، ليؤمَن فيما يكتبه ويُسطِّره، ويوثَق به فيما يذره ويأتيه، إذ هو لسان المجتمعات الجاذب للقلوب؛ ولأجل ذا لما قَدِمَ أبو موسى الأشعري على الفاروق ﵁ ومعه كاتب نصراني، فأعجب الفاروق بحسن خطه، فقال: [[احضر كاتبك ليقرأ، فقال أبو موسى: إنه نصراني لا يدخل المسجد، فزجره عمر، وقال: لا تُأمِّنوهم وقد خونهم الله، ولا تدنوهم وقد أبعدهم الله، ولا تعزوهم وقد أذلهم الله]] ، وقد قال الشافعي في كتابه الأم: ما ينبغي لقاضٍ ولا والٍ أن يتخذ كاتباً ذمياً، ولا يضع الذمي موضعاً يفْضُل به مسلماً، فإذا كان هذا -أيها المسلمون- فإنه يعز علينا جميعاً أن يكون لنا حاجة إلى غير مسلم، وإذا كان هذا في حق كاتب القاضي أو الوالي ففي كتاب المسلمين وصحافتهم من باب أولى؛ لعموم النفع أو الضر به، فليت شعري! هل يعي ذلك ممتهن الصحافة قراءة وكتابة؟
وهل سيظلون في دائرة التلقي ممن في صدق انتمائهم للدين شكٌ وريبة؟ أم أننا سنظل أبداً نتذوق مرارةٍ نتجرعها ولا نكاد نسيغها غير مرة من جراء ثقة عمياء كإعماء البُلْه، أو على حد قول بعضهم: اعصب عينيك واتبعني!
стр. 416
الشرط الثاني: العلم بما يكتب
أما ثاني الأمور -يا رعاكم الله-: أن يكون صاحب القلم عالماً بما يكتب على وفق ما أراد الله ورسوله ﷺ في أي جانب من جوانب الأقلام، سياسةً أو اقتصاداً أو اجتماعاً أو حضارةًً أو غير ذلك، فالشريعة تسع الجميع، وهي الرسالة العظمى، والجميع مفتقر إليها، ومن ظنَّ أنه يسعه الخروج عنها ولو بشبر كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
﴿بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى أهل اليمن بكتاب قال فيه: إن بعثت إليكم كاتباً﴾ قال ابن الأثير في غريب الحديث: أراد عالماً، سمي بذلك لأن الغالب على من كان يعلم الكتابة أن عنده علماً ومعرفة.
стр. 417
الشرط الثالث: عدالة الكاتب
وثالث الأمور -عباد الله-: هي العدالة، وما أدراكم ما العدالة؟ لأن صاحب القلم إذا كان فاسقاً غير مستقيم المروءة يكبُر ضرره، ويشتد خطره، وربما قادته أهواؤه ومآربه إلى استمالة قلوب الرعاع، لأنه لو زاد أو حذف أو كتم شيئاً عَلِمَه أو تأوَّل أو حرَّف أو لبَّس ودلَّس أو كان ممن وصفهم الله بقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] ليقضوا لباناتهم من جراء هذا التلاعب، فيؤدي ذلك إلى ضرر من لا يستوجب الإضرار، ونفع من يجب ألا يرفع عنه الضرر، وربما موَّه وغشَّ حتى مدح المذموم وذم الممدوح، فيؤثِّر فعلُه من الأضرار ما لم تؤثِّره السيوف؛ لأن مثل هذا إذا عزم عداوةً سفك الدم بسِنَّة قلمه، والمقرر المشاهد أن الكلام ينسى والهم يغفر، والمكتوب موثق باقٍ، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم﴾ فكيف -يا رعاكم الله- إذا كتبه ونشره؟!
ألا إن الأمر أشد، والعلة أدهى وأمر، ولا يضر المخطئ إلا نفسه، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا هدم ولا بلاء ولا غرق، اللهم لتحيي به البلاد، وتسقي به العباد، ولتجعله بلاغاً للحاضر والباد.
اللهم ما سألناك من خيرٍ فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 418
الطلاق
لقد رغب الإسلام في الزواج، وحث على اختيار الزوجة صاحبة الدين، والزوج صاحب الدين والخلق، وقد جعل الإسلام لكلا الزوجين حقوقاً وواجبات، وتتكامل الحياة الزوجية عند ما تكون مبنية على الحب والتفاهم والتعاون والصبر، وعندما تفقد الحياة الزوجية معناها وتصبح العشرة صعبة يكون الطلاق هو الحل.
ولانتشار الطلاق في أيامنا هذه أسباب كثيرة، ودوافع عديدة، يجدر بأهل العلم بيانها.
стр. 419
الطلاق كلمة الوداع والفراق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] .
أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى، ثم اعلموا أن ملك الموت قد تخطَّاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم! فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
أيها المسلمون! يحكي واقع كثير من الناس اليوم صوراً شتَّى من اللآمبالاة من قيم الألفاظ ودلالات الكلام وثمراته، ترى الكلمة تخرج من فم المرء لا يلقي لها بالاً، ربما أهوت به في مسالك الضياع والرذيلة، احتقر بعضهم أجمل كلمات، واستنكف عن معانيها، وما علم أولئك أن النار بالعيدان تذكى، وأن الحرب مبدأها كلام.
أيها الناس! لا يستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمةً من الكلمات تكون معولاً صلباً يهدم به صرح أسر وبيوتات، أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمة من الكلمات تنقل صاحبها في سعادة وهناء إلى محنة وشقاء!
أيستغرب أحدكم لو قيل له: إن كلمةً من الكلمات تحرِّك أفراداً وجماعات، وتنشئ تداخلات ونداءات؛ لرأب ما صدعت، وجمع ما فرقت! أتدرون أي كلمة هذه؟!
إنها كلمة أبكت عيوناً، وأجهشت قلوباً، وروعت أفئدة، إنها كلمة صغيرة الحجم لكنها جليلة الخطب، إنها كلمة ترعد الفرائص بوقعها، وتقلب الفرح ترحاً، والبسمة غصة، إنها كلمة الطلاق، وما أدراكم ما الطلاق؟!
كلمة الوداع والفراق، والنكاح والشقاق، فلله كم هدمت من بيوت للمسلمين! وكم قطعت من أواصر للأرحام والمحبين؟!
يا لها من ساعة رهيبة، ولحظة أسيفة، يوم تسمع المرأة طلاقها؛ فتكفكف دموعها، وتودع زوجها.
يا لها من لحظةٍ تجف فيها المآقي، وتغص الحلوق، حين تقف المرأة على باب دارها لتلقي النظرات الأخيرة؛ نظرات الوداع على عش الزوجية المليء بالأيام والذكريات.
يا لها من عصيبة حين تقتلع السعادة أطنابها من رحاب ذلك البيت المسلم المبارك.
стр. 420
العشرة الزوجية بين السعادة والشقاوة
عباد الله! العشرة الزوجية ضرب من المحبة في النفس، ليس له في أنواعه ضريب؛ فهو الذي يسكن به الزوجان، وهو الذي يلتقي به بشران، فيكون كُلاً منهما متمماً لوجود الآخر، ينتجان بانتقائهما بشراً مثلهما ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل:٧٢] .
إن اختلال العشرة بين الزوجين يُزكي نار الفرقة، وكثرة الخصام تضرم غبارها، ولو أحب الأزواج أنفسهم حُباً صادقاً، وسكن بعضهم إلى بعض لوادَّ كُلاً منهما الآخر، ووادَّ لأجله أهله وعشيرته؛ لأن المودة بين الزوجين سبب من أسباب سعادة العشيرة، وسعادة العشيرة سعادة للأمة المؤلفة من العشائر المؤلفة من الأزواج، فهذا التآلف والتأليف هو الذي يتكون منه ميزات الأمة، فما يكون عليه من اعتدال وكمال يكون كمالاً في بنية الأمة واعتدالها، وقرة عين لمجموعها، وما يطرأ عليه من فساد واعتلال يكون مرضاً للأمة يوردها موارد الهلكة، فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لأمته، يقول الرسول ﷺ : ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ .
стр. 421
حث الإسلام على اختيار الزوجة الصالحة
عباد الله: لقد قال المصطفى ﷺ في الحديث المشهور: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ .
هذه هي الزوجة التي يحث الشارع الحكيم على تحصيلها والرضا بها، ويدعو في الوقت نفسه على من أراد غيرها، وزهد فيها، ورغب عنها.
ومن المعلوم بداهةً: أنه لا يرغب الظفر بذات الدين إلا من كان قلبه معلقاً بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله فلا خوف أن يرزق المودة بينه وبين زوجته؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة.
وعلى العكس من ذلك المشاكلة في الصفات الرذيلة، والسجايا الدنيئة؛ فهي لا تبقي محبة، ولا تُؤنس توددا، يقول الرسول ﷺ : ﴿خير متاع الدنيا المرأة الصالحة﴾ رواه مسلم.
إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما؛ فإن كل عقدة من العقد لا تزيد إلا ومعها طريقة حلها، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطة أو وضيعة، ومن كان هذه حاله فلن يستنكف أن يكون ممتثلاً بما خُوطب به من قول المصطفى ﷺ : ﴿لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها﴾ رواه أحمد وغيره، وقوله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ ، وثمرة الدين في المرأة يظهر في قول عائشة ﵂: ﴿يا معشر النساء! لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن؛ لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها﴾ فما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته! وما أحمق الرجل تسيء معاملة بعلها!
стр. 422
آخر الدواء الكي
أيها الناس! الطلاق كلمة لا يُنازع أحدٌ في جدواها وحاجة الزوجين إليها، عندما يتعذر عند العيش تحت ظل وارف؛ وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان كما اجتمعا لهذا القصد ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٣٠] .
إن الله لم يخلق الزوجين بطباع متفقة من كل وجه، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر هي بكل ما في رأسه؟ وكيف تريد هي منه أن يحس بكل ما في قلبها؟ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] .
إن النسيم لا يهب عليلاً دائماً على الدوام، فقد يتعثر الزوج وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات وترك التعليق المرير عليها ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ، يقول رسول الله ﷺ : ﴿لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر﴾ رواه مسلم.
ومن يتتبع جاهداً كل عثرةٍ يجدها فلا يسلم له الدهر صاحب
بيد أن بيوتاً كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جوٍ من الشراسة والنكر، واكتنفتها أزمات عقلية وخُلقية واجتماعية، فقد تطلّق المرأة اليوم بسبب نقصان ملح أو يبوسة خبز أو باستعصاء باب صعب عليه فتحه، فيخبط هؤلاء خبط عشواء، ويتصرفون تصرف الحمقاء، فيقعون في الإثم.
стр. 423
أسباب كثرة الطلاق في هذا الزمان
.
стр. 424
فقدان قوامة الرجل على المرأة
عباد الله: لقد كثر الطلاق اليوم لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات؛ إبِّان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة، وأفسدت الحياة الزوجية من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولَّى كبر تلك المفاهيم: الإعلام بشتى صوره؛ من خلال مشاهدات متكررة، يقعد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية، حتى وضع بعض الزوجات تأريخهن، ولرب منظرٍ تشهده ألف امرأة في مرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت به خواطرهن وأفكارهن؛ سلبهن قرارهن ووقورهن كما استنهل في واقعهن ألف مرة، بألف صورة، في ألف حادثة؛ فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحمل، واستنوق الجمل!
والعجب كل العجب! أنه في ثنايا المناقشة، يُقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية والتسمم بمكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة تقيه من أن يعدى بوبائها.
وحقيقة الأمر عباد الله! أنهم بالذي وطئوا زادت العقد، وأن ما يذكره الإعلاميون هو التعرف لعدوى الوباء في عنفوان شدته، ولقد صدق من قال:
وكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
والواقع أيها المسلمون! أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينجو من بلائه إلا من عصم الله.
الحياة الزوجية حياة اجتماعية! ولا بد لكل اجتماع من رئيس يُرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرئاسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بما أودع الله فيه من ذلك، وإن ما تتلقاه المرأة من الأجواء المحيطة بها على منازعة الرجل قوامته لمن الانحراف الصرف والضلال المبين.
ألا وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق ولا عقد ارتفاق بجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل، وكلٌ من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، كما أن قوامة الرجل لا تعني استغنائه عن زوجه، فالله يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] .
عباد الله! لقد كَثُرَ الطلاق اليوم لما صار المطلق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفا والهناء، وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها وأهمل سلطته فأضاعها؛ فعاش في داره عبداً رقيقاً، فصار شر مغلوب لمن غلب.
стр. 425
كثرة الحسدة والواشين
لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، فنكسوا الطباع، وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام عللاً للتباغض والانقسام، ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم أو الأخ أو الأخت، فيحار الزوج من يقدِّم: أيقدم والديه الذي عرفاه وليداً وربياه صغيرا؟ أم يقدم الزوجة التي هجرت أهلها وفارقت عشها من أجله؟
إن هذه لمرتقاة صعبة؛ أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمر من المر، وأوجعها أضيق من الضيق، إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن خطرٍ لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائج من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقدون العداوة والبغضاء بين الزوجين، ماذا يكون أثر هؤلاء في البيوت التي تتكون منها الأمة وفي الأمة المكونة من البيوتات؟
إنه لا يغيب عن ذهن عاقل أن شرهم مستطيل، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير.
عباد الله! إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآماد، فرحم الله رجلاً محمود السيرة، طيب السريرة، سهلاً رفيقاً بيناً رؤوفاً رحيماً بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وبارك الله في امرأة لا تتطلب من زوجها طلباً، ولا تحدث عنده لفظاً، يقول الرسول ﷺ : ﴿إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها﴾ رواه أبو داود، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت﴾ رواه ابن حبان.
ولهذا كله يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين به على واجباته، الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق؛ وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيق، ﴿فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] .
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفاراً.
следующие страницы →