← Джавами‘

Джавами‘ · id 7741

دروس للشيخ سعود الشريم

سعود الشريم

Полный текст (518 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حث الإسلام على اختيار الزوجة الصالحة عباد الله: لقد قال المصطفى ﷺ في الحديث المشهور: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ . هذه هي الزوجة التي يحث الشارع الحكيم على تحصيلها والرضا بها، ويدعو في الوقت نفسه على من أراد غيرها، وزهد فيها، ورغب عنها. ومن المعلوم بداهةً: أنه لا يرغب الظفر بذات الدين إلا من كان قلبه معلقاً بالدين، وكانت نفسه من النفوس الزكية، ومن هذه حاله فلا خوف أن يرزق المودة بينه وبين زوجته؛ لأنها من ثمرات المشاكلة في السجايا والصفات الفاضلة. وعلى العكس من ذلك المشاكلة في الصفات الرذيلة، والسجايا الدنيئة؛ فهي لا تبقي محبة، ولا تُؤنس توددا، يقول الرسول ﷺ : ﴿خير متاع الدنيا المرأة الصالحة﴾ رواه مسلم. إنه متى كان الدين بين كل زوج وزوجته فمهما اختلفا وتدابرا وتعقدت نفساهما؛ فإن كل عقدة من العقد لا تزيد إلا ومعها طريقة حلها، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، وهو اليسر والمساهلة والرحمة والمغفرة، وهو العهد والوفاء، وهو اتساع الذات وارتفاعها فوق كل ما تكون به منحطة أو وضيعة، ومن كان هذه حاله فلن يستنكف أن يكون ممتثلاً بما خُوطب به من قول المصطفى ﷺ : ﴿لو كنت آمراً أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها﴾ رواه أحمد وغيره، وقوله ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ ، وثمرة الدين في المرأة يظهر في قول عائشة ﵂: ﴿يا معشر النساء! لو تعلمن بحق أزواجكن عليكن؛ لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها﴾ فما أجهل الرجل يسيء معاشرة امرأته! وما أحمق الرجل تسيء معاملة بعلها!

стр. 422

آخر الدواء الكي أيها الناس! الطلاق كلمة لا يُنازع أحدٌ في جدواها وحاجة الزوجين إليها، عندما يتعذر عند العيش تحت ظل وارف؛ وإذا بلغ النفور بينهما مبلغاً يصعب معه التودد؛ فالواجب أن يتفرقا بالمعروف والإحسان كما اجتمعا لهذا القصد ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٣٠] . إن الله لم يخلق الزوجين بطباع متفقة من كل وجه، والزوجان اللذان يظنان أنهما مخلوق واحد يعيشان في أوهام، إذ كيف يريد منها زوجها أن تفكر هي بكل ما في رأسه؟ وكيف تريد هي منه أن يحس بكل ما في قلبها؟ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] . إن النسيم لا يهب عليلاً دائماً على الدوام، فقد يتعثر الزوج وقد تثور الزوابع، وإن ارتقاب الراحة الكاملة نوع وهم، ومن العقل توطين النفس على قبول بعض المضايقات وترك التعليق المرير عليها ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ، يقول رسول الله ﷺ : ﴿لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر﴾ رواه مسلم. ومن يتتبع جاهداً كل عثرةٍ يجدها فلا يسلم له الدهر صاحب بيد أن بيوتاً كثيرة فقدت روح التدين، فهي تتنفس في جوٍ من الشراسة والنكر، واكتنفتها أزمات عقلية وخُلقية واجتماعية، فقد تطلّق المرأة اليوم بسبب نقصان ملح أو يبوسة خبز أو باستعصاء باب صعب عليه فتحه، فيخبط هؤلاء خبط عشواء، ويتصرفون تصرف الحمقاء، فيقعون في الإثم.

стр. 423

أسباب كثرة الطلاق في هذا الزمان .

стр. 424

فقدان قوامة الرجل على المرأة عباد الله: لقد كثر الطلاق اليوم لما فقدت قوامة الرجل في بعض المجتمعات؛ إبِّان غفلة وتقهقر عن مصدر التلقي من كتاب وسنة، وركن فئام من الناس إلى مصادر مريضة، قلبت مفاهيم العشرة، وأفسدت الحياة الزوجية من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وتولَّى كبر تلك المفاهيم: الإعلام بشتى صوره؛ من خلال مشاهدات متكررة، يقعد فيها مفاهيم خاطئة، ومبادئ مقلوبة في العشرة الزوجية، حتى وضع بعض الزوجات تأريخهن، ولرب منظرٍ تشهده ألف امرأة في مرة واحدة، فإذا استقر في وعيهن، وطافت به خواطرهن وأفكارهن؛ سلبهن قرارهن ووقورهن كما استنهل في واقعهن ألف مرة، بألف صورة، في ألف حادثة؛ فلا تعجبوا حينئذ إذا استأسد الحمل، واستنوق الجمل! والعجب كل العجب! أنه في ثنايا المناقشة، يُقرر الإعلاميون أن دور الإعلام مع المرأة إنما هو كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية والتسمم بمكروبها، بزعم أنها تكسب صاحبها مناعة تقيه من أن يعدى بوبائها. وحقيقة الأمر عباد الله! أنهم بالذي وطئوا زادت العقد، وأن ما يذكره الإعلاميون هو التعرف لعدوى الوباء في عنفوان شدته، ولقد صدق من قال: وكانت دوائي وهي دائي بعينه كما يتداوى شارب الخمر بالخمر والواقع أيها المسلمون! أن داخل البيت المسلم يتأثر بخارجه، وتيارات الميوعة والجهالة إذا عصفت في الخارج تسللت إلى الداخل، فلم ينجو من بلائه إلا من عصم الله. الحياة الزوجية حياة اجتماعية! ولا بد لكل اجتماع من رئيس يُرجع إليه عند الاختلاف في الرأي والرغبة، والرجل أحق بالرئاسة؛ لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بما أودع الله فيه من ذلك، وإن ما تتلقاه المرأة من الأجواء المحيطة بها على منازعة الرجل قوامته لمن الانحراف الصرف والضلال المبين. ألا وإن قوامة الرجل في بيته لا تعني منحه حق الاستبداد والقهر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق ولا عقد ارتفاق بجسد المرأة، إنه أزكى من ذلك وأجل، وكلٌ من الزوجين بشر تام، له عقل يتفكر به، وقلب يحب به ويكره، فوجب الحق للمرأة حتى مع قوامة الرجل ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، كما أن قوامة الرجل لا تعني استغنائه عن زوجه، فالله يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] . عباد الله! لقد كَثُرَ الطلاق اليوم لما صار المطلق أحد رجلين: إما رجل أعمل سلطته وأهمل عاطفته؛ فكان في بيته سيداً، ولكنه لم يذق طعم المحبة والسعادة، ولا عرف الصفا والهناء، وإما رجل تبع عاطفته فأطاعها وأهمل سلطته فأضاعها؛ فعاش في داره عبداً رقيقاً، فصار شر مغلوب لمن غلب.

стр. 425

كثرة الحسدة والواشين لقد كثر الطلاق اليوم لما كثر الحسدة والواشون، فنكسوا الطباع، وعكسوا الأوضاع، وصيروا أسباب المودة والالتئام عللاً للتباغض والانقسام، ولربما كان لأهل الزوجين مواقف ظاهرة بدت سبباً مباشراً في كثير من الخلافات، فقد يتدخل الأب، وقد تتدخل الأم أو الأخ أو الأخت، فيحار الزوج من يقدِّم: أيقدم والديه الذي عرفاه وليداً وربياه صغيرا؟ أم يقدم الزوجة التي هجرت أهلها وفارقت عشها من أجله؟ إن هذه لمرتقاة صعبة؛ أهونها أصعب الصعاب، وأحلاها أمر من المر، وأوجعها أضيق من الضيق، إن مثل هذه التدخلات في الحياة الزوجية لهي مكمن خطرٍ لدى كثير من الأسر، فما بال أولئك يهجمون على البيوت فيأتونها من ظهورها، ويمزقون ستارها، ويهتكون حجابها، وينتزعون الخرائج من أكنافها، والفرائد من أصدافها، ويوقدون العداوة والبغضاء بين الزوجين، ماذا يكون أثر هؤلاء في البيوت التي تتكون منها الأمة وفي الأمة المكونة من البيوتات؟ إنه لا يغيب عن ذهن عاقل أن شرهم مستطيل، وأن ما يفعلونه فتنة في الأرض وفساد كبير. عباد الله! إن العلاقات الزوجية عميقة الجذور، بعيدة الآماد، فرحم الله رجلاً محمود السيرة، طيب السريرة، سهلاً رفيقاً بيناً رؤوفاً رحيماً بأهله، لا يكلف زوجته من الأمر شططاً، وبارك الله في امرأة لا تتطلب من زوجها طلباً، ولا تحدث عنده لفظاً، يقول الرسول ﷺ : ﴿إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشرها﴾ رواه أبو داود، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت﴾ رواه ابن حبان. ولهذا كله يفهم الرجل أن أفضل ما يستصحبه في حياته، ويستعين به على واجباته، الزوجة اللطيفة العشرة، القويمة الخلق؛ وهي التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره، إن هذه الزوجة هي دعامة البيت السعيد، وركنه العتيق، ﴿فالصالحات قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] . بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفاراً.

стр. 426

المثالية في العشرة الزوجية الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس! إن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، ولكنه يتحملها ويتعلم بما يخبره من المعاذير، وإذا كان الأمر كذلك؛ فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين، يلتمس كلٌ منهما لقرينه المعاذير، فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ولا بد من غض الطرف عن الهفوات والزلات حتى تستقيم العشرة: فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وجميل من الزوجين أن يعاشر بعضهما بعضاً على هذه القاعدة السمحة، فإن الزوج إذا كان في كل أموره معاتباً زوجه؛ لم يلق الذي لا يعاتبه. وإذا هي لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وجماع ذلك: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه إنه لا شيء يخفف أثقال الحياة وأوزار المتاعب عن كاهل الزوجين كمثل أحدهما للآخر، ولا شيء يعادل للإنسان عن مصابه في نفسه وغيره مثل المرأة للرجل والرجل للمرأة، فيشعر المصاب منهما بأن له نفساً أخرى تمده بالقوة وتشاطره مصيبته.

стр. 427

عشرة خديجة مع النبي ﷺ هذه أم المؤمنين خديجة ﵂ زوج النبي ﷺ ، كانت له في المحنة قلباً مع قلبه العظيم، وكانت لنفسه ﷺ كقول: نعم! فكأنها لم تنطق قط "لا" إلا في الشهادتين، وما زالت ﵂ تعطيه من معاني التأييد والتهوين، كأنما تلد له المسرات من عواقبها كما تلد ذرية من أحشائها بمالها تواسيه وبكلامها تسليه: [[كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتقرئ الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق]] .

стр. 428

العشرة الزوجية بين أم سليم وأبي طلحة وحدث أنس بن مالك ﵁ عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية ﵁، قال: ﴿مرض ابن لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينا أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيئت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه، فرجع من المسجد، وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان، وقدمت له عشاءه، فتعشى هو وأصحابه، ثم أتما ليلتهما على أتم وأوفق ما يكون، فلما كان آخر الليل، قالت: يا أبا طلحة! ألم ترَ إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شق عليهم، قال أبو طلحة: ما أنصفوا! قالت: فإن ابنك فلان كان عارية من الله فقبضه الله إليه، فاسترجع وحمد الله، وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر حتى إذا أصبح غداً على رسول الله ﷺ فلما رآه قال: بارك الله لكم في ليلتكما﴾ . الله أكبر! بمثل هذا فلتكن العشرة أيها الأزواج بمثل هذا فلتكن الحياة الهانئة السعيدة بالنفس والمال والولد.

стр. 429

حقوق مشتركة بين الزوجين ثم اعلموا رحمكم الله! أن لكلا الزوجين حقاً على الآخر؛ فحق الزوجة على الزوج: أن ينفق عليها، ولا يُكلفها من الأمر ما لا يطيق، وأن يسكنها في بيت يصلح لمثلها، وأن يعلمها ويؤدبها ويغار عليها ويصونها، وألا يتخونها ولا يتلمس عثراتها، وأن يعاشرها بالمعروف، يقول الرسول ﷺ : ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ ، وسئل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت﴾ رواه أبو داود. ومن حق الزوج على زوجته: أن تطيعه في المعروف، وأن تتابعه في مسكنه، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه، وألا تخرج بغير إذنه، وأن تشكر له نعمته عليها ولا تكفرها، وأن تدبر منزله وتهيأ أسباب المعيشة به، وأن تحفظه في دينه وعرضه، يقول رسول الله ﷺ : ﴿أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة﴾ رواه الترمذي والحاكم. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعدائك أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر المسلمين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين من المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح بطانته يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 430

الصحبة يا رسول الله إن الناظر في سيرة المصطفى ﵊، ليرى أن أعجب موقف في حياته ﵊ هو يوم أن هاجر المصطفى من مكة إلى المدينة، وما لقيه من اضطهاد خلال تلك الأيام، وإن في ذلك لدروساً وعبراً.

стр. 431

نظرة في هجرة النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، فبتقوى الله تجتمع الكلمة، وتتم النعمة، وتتجلى الحكمة. أيها المسلمون! إن في دنيا الناس ذكريات لا يُمل حديثها، ولا تُسأم سيرتها، بل قد تحلو أو تعلو إذا أعيدت وتكررت، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر، ومن الذكريات التي لا يُمل حديثها ولا تُسأم سيرتها: حياة محمد ﷺ ، إمام البشرية، وسيد ولد آدم، فهي من الذكريات الغوالي التي تتجدد آثارها وعظاتها كلما سلك المرء سبيله إلى الاعتبار والادكار. والعبد المؤمن إذا غشي معالم سيرته ﷺ فهو كعابد يغشى في مصلاه، ومن حسن حظ المؤمن أنه ما قلب سيرة المصطفى ﷺ يوماً فأخطأ دمع العين مجراه. وفي أيام محمد الجليلة النبيلة أيام خوالد، ما تزال تتطوى على الأيام وتتألق في غرة الزمان، ولعل من أصدعها وأروعها يوم الهجرة الذي تهب علينا نسمات ذكراه في كل عام من أعوام الزمن، ومن شواهد عظم حادث الهجرة أنه يزداد بهاءً وسناءً كلما تناوله العرض والبحث، كالذهب الإبريز كلما عرضته على النار لتمحصه؛ ازداد إشراقاً وصفاءً. وهجرة المصطفى ﷺ كانت فاتحة الأمل، وبارقة النصر، وطريقة العودة له ولأصحابه إلى مكة فاتحين ظافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] أي: إلى مكة. عباد الله: إننا هنا نعرض لمحات من هجرة المصطفى ﷺ ، في الوقت الذي يشهد فيه المسلمون نكبات وويلات تعصر قلوبهم، وتمزق صدورهم، وأمتهم وعقيدتهم وحرماتهم ومقدساتهم؛ تستصرخ ولا مجيب، وتطالب المسلمين بتضحيات وفداء وبذل. والهجرة النبوية تعطينا في هذا المجال قدوة وأسوة، ففيها تتجلى دروس ودروس من التضحية والفداء والبذل، فهذا رأس الأمة وإمام الملة صلوات الله وسلامه عليه يتحمل العبء الثقيل في سبيل الدعوة إلى الله، وإعلاء كلمته، ويشتاط المجرمون من أعدائه في مقاومته، والتطاول عليه بالسخرية والاستهزاء، ثم بالكذب والافتراء، ثم بحيلة الوعد والإغراء، ثم بتسليط الغوغاء والسفهاء، ثم بالتآمر الدنيء ينتهي إلى الإجماع على اغتياله بلا ارعواء قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] .

стр. 432

تجهز النبي ﷺ للهجرة أيها المسلمون: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا وخرجوا بالذراري والأطفال وساروا بهم إلى المدينة؛ خافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم ولحوقه بهم، فاشتد عليهم أمره ولم يبق بـ مكة من المسلمين إلا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعلي ﵄، ومن اعتقله المشركون كرهاً، فلما كانت ليلة همَّ المشركون بالفتك برسول الله ﷺ ، جاءه جبريل بالوحي من عند ربه ﵎ فأخبره بذلك، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة ﴿وجاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها فقال له: اخرج من عندك، فقال: إنما هم أهلك يا رسول الله! فقال: إن الله أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: الصحبة يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال أبو بكر: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين. فقال له رسول الله ﷺ : آخذها بالثمن﴾ . وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله ﷺ ، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذروه على رءوسهم وهم لا يرونه، وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩] .

стр. 433

خروجه إلى غار ثور ومضى رسول الله ﷺ إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة في داره ليلاً، ثم مضى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه، وضرب العنكبوت على بابه، وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، فقال أبو بكر: ﴿يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ .

стр. 434

قريش تعلن الجائزة الكبرى ولما يئس المشركون من الظفر بهما جعلوا لمن جاء بهم دية كل واحد منهما، فجد الناس في الطلب، فلما مروا بـ حي مدلج بصر بهم سراقة بن مالك فركب جواده وسار في طلبهم، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي ﷺ ، ثم دعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض، ثم قال سراقة: ادع الله لي ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا رسول الله ﷺ فأطلق، ورجع يقول للناس: قد كفيتكم ما هاهنا. ومر رسول الله ﷺ في مسيره ذلك بخيمة أم معبد فقالا عندها، ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ما بهر العقول صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 435

استقبال الأنصار للنبي ﷺ وكان قد بلغ الأنصار مخرجه ﷺ من مكة وقصده المدينة، فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه أول النهار، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا على عادتهم إلى منازلهم، فلما كان يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة، خرجوا على عادتهم فلما حمي حر الشمس رجعوا وصعد رجل من اليهود على حصن من حصون المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله ﷺ وصاحبه فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة! هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرونه. فبادر الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله ﷺ ، وسمعت الرجة والتكبير وكبر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا للقائه فتلقوه، وحيوه بتحية النبوة فأحدقوا به مطيفين حوله والسكينة تغشاه، وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله ﷺ ، وأكثرهم لم يره بعد، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنه أبا بكر لكثرة شيبه، فلما اشتد الحر؛ قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثوب يظلل رسول الله ﷺ ، فتحقق الناس حينئذٍ رسول الله ﷺ . بذلك كله -أيها المسلمون- يتضح موقف هو من أعظم المواقف التي وقفها رسول الله ﷺ ضد العدوان؛ فغير به مجرى الأحداث، وضيع على خصومه فرصة الانتقام، وأحبط مسعاهم، وبلبل أفكارهم، وأسفر عن مبلغ تأييد الله له وحمايته من كيد الكائدين وطيش الظلمة الجاحدين.

стр. 436

فوائد وعبر من هجرة المصطفى أيها الناس! بمثل هذه السيرة العطرة تتجلى الخواطر؛ لتنهل منها دروساً عظيمة الدلالة، دقيقة المغزى، بعيدة الأثر في نفوس الكرام من أبناء الملة، ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بها عن طريق التذكر المفضي إلى العمل بها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] ومهما تتبارى القرائح، وتتحبر الأقلام مسطرة فوائد الهجرة؛ فستظل جميعاً كأن لم تبرح مكانها، ولم تحرك بالقول لسانها، وقد يعجز عن حصرها كثير من الناس، قال شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب المجدد لما اندرس من معالم الإسلام رحمه الله تعالى قال في حادث الهجرة: وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها. انتهى كلامه ﵀.

стр. 437

البذل من أجل العقيدة والدين ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادث الهجرة أن صاحب الدين القويم والعقيدة الصحيحة ينبغي أن لا يساوم فيها أو يحيد عنها، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وإنه ليستهين بالشدائد والمصاعب التي تعترض طريقه عن يمين وشمال؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يصبر على الذل يناله، ولا يرضى بالخدش يلحق دعوته وعقيدته.

стр. 438

شرف الصحبة والصداقة ويلوح لنا في حادث الهجرة خاطر آخر، يتعلق بالصداقة والصحبة، فالإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحيداً منفرداً، بل لا بد له من الصديق الذي يلاقيه ويناجيه ويواسيه، يشاركه مسرته، ويشاطره مساءته، وقد تجلت هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة التي ربطت بين الرسول ﷺ وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ولقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر تقوم لغرض أو لعرض إلا من رحم الله، وتنهض على رياء أو نفاق، والأمة المسلمة اليوم أحوج ما تكون إلى عصبة أهل الخير، تتصادق في الله، وتتناصر على تأييد الحق وتتعاون على البر والتقوى قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .

стр. 439

نصر الله لمن نصر دينه وخاطر ثالث يتجلى من ذكر هذه الحادثة: وهو أن الله ينصر من ينصره، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص الموقن بما عند الله، حين تنقطع به الأسباب وحين يخذله الناس، وبعض الأغرار الجهلاء يرون مثل ذلك فراراً وانكساراً، ولكنه في الحقيقة كان عزاً من الله وانتصاراً ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠] وبم نصره الله؟ نصره بأضعف جنده قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] نصره بنسيج العنكبوت ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] .

стр. 440

تربية الشباب على الدين وخاطر رابع: يشير إلى أن الشباب إذا نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى؛ نشئوا على العمل الصالح، والسعي الحميد والتصرف المجيد. والشباب المسلمون إذا رضعوا رحيق التربية الدينية الكريمة؛ كان لهم في مواطن البطولة والمجد أخبار وذكريات، فـ علي بن أبي طالب ﵁ لم يتردد في أن ينام على فراش الرسول ﷺ ، وهو يعلم أن سيوف المشركين تستعد للانقضاض على النائم فوق هذا الفراش، ويتغطى ببردته في الليلة التي اجتمع فيها شياطين الكفر والغدر ليفتكوا برسول الله ﷺ ، ويا لها من نومة تحيطها المخاوف والأهوال، ولكن ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] .

стр. 441

تذكر إخواننا المشردين أيها المسلمون: هكذا تعطينا الهجرة اليوم ما يعظنا في حاضرنا وينفعنا في أولانا وأخرانا، وهناك اليوم في أرجاء المعمورة إخوان لنا مهاجرون مسلمون، أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم بعد أن فعل بهم الكفرة الأفاعيل، وبعد أن تربصوا بهم الدوائر، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد، يقطعون عليها الطريق ويعذبون أهلها العذاب الشديد، لا لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله؛ فهاجروا كرهاً وأخرجوا كرهاً، فهم يهاجرون من وطن لآخر؛ إقامة لدين مضطهد وحق مسلوب، في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي كشمير وإرتريا وغيرها من بلاد المسلمين. فاتقوا الله أيها المسلمون: وقفوا وقفة المهاجر بنفسه وإن لم يهاجر بحسه، فلنهاجر إلى الله بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا، ولنلجأ إليه ليكون ناصرنا ومؤيدنا قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 442

تعظيم عمر للهجرة ومخالفته للمشركين الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقه إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: فيا أيها الناس: لقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي الهجري منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، حيث جمع الناس إبان خلافته فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ؟ فقال بعضهم: يبدأ من مولد النبي ﷺ ، وقال بعضهم: يبدأ من بعثته، وقال بعضهم: يبدأ من هجرته، وقال آخرون: يبدأ من وفاته. ولكنه ﵁ رجح أن يبدأ من الهجرة؛ لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، فجعل مبتدأ تاريخ السنين من الهجرة، ثم تشاوروا من أي شهر يبدءون السنة فقال بعضهم: من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي ﷺ مهاجراً إلى المدينة، واتفق رأي عمر وعثمان وعلي رضي اللهم تعالى عنهم على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر الله الحرام ويلي ذي الحجة الذي به تمام أركان الإسلام وهو الحج. فعلينا جميعاً -أيها المسلمون- أن نأخذ بالتاريخ الهجري؛ فأعداء الله حريصون على أن يمسخوا الأمة المسلمة في كل شئونها حتى في تسمية الشهور والأعوام، وإن استبدال تاريخ الكفار بالتاريخ الهجري عدول عن الطريق السوي والمسلك القويم وتشبه بالكفرة والمشركين، والمشاكلة في الأمور الظاهرة؛ توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخطير، والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن؛ فتكون محرمة كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. هذا وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صاحب الحوض والشفاعة، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بجودك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 443

السعادة والشقاء إن السعادة والطمأنينة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر، وهم يختلفون في تفسيرها باختلاف طبقاتهم واهتماماتهم. وإن السعادة الحقيقية هي دين يتبعه عمل؛ فهي إيثار الباقي على الفاني. ومن عوامل وأسباب فقدان السعادة الآثام والمعاصي على وجه العموم، ومنها ترك الصلاة وسماع الغناء وغيره.

стр. 444

السعادة هي الغاية المنشودة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، لا إله إلا هو يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، اتقوه واعبدوه ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] ، ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢] ، افعلوا الخير، واسجدوا لربكم، واركعوا مع الراكعين. أيها المسلمون: لا يُعرف مفقود تواطأ الناس على البحث عنه، والإعياء في طِلابه، وهم مع ذلك يسيرون في غير مساره، ويلتمسونه في غير مظانه، مثل السعادة والطمأنينة والبال الرخي. فَلِلَّهِ ما أقل عارفيها! وما أقل في أولئك العارفين من يقدرها ويغالي بها، ويعيش لها! بل لو غُلْغِل النظر في بعض عارفيها، لَمَا وُجد إلا حق قليل يكتنفه باطل كثير، حق يُعرف في خفوت، كأنه نجمة توشك أن تنطفئ في أعماء الليل، وما أكثر العواصف التي تَهُبُ علينا، وتملأ آفاقنا بالغيوم المرعدة! وكم يواجَه المرء منا بما يكره، ويُحرم ما يشتهي. وهنا يجيء دور السعادة التي تطارد الجزع، والرضا الذي ينفس السخط. السعادة التي تسير مع الإنسان حيث استقلت ركائبه، وتنزل حيث ينزل، وتُدفن في قبره. السعادة التي يعبر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في أوْج إحساسه بها: ما يفعل أعدائي بي؟! إنَّ سجني خلوة، وإن قتلي شهادة، وإن إخراجي من بلدي سياحة في سبيل الله. إن الحديث عن السعادة والشقاء سيظل باقياً ما دام في الدنيا حياة وأحياء، وإن كل إنسان على هذه البسيطة ليبحث عنها جاهداً، ويود الوصول إليها، والحصول عليها، ولو كلفه ذلك كل ما يملك.

стр. 445

بطلان القول بأن السعادة لا حقيقة لها ألا وإن جمعاً من الواهمين يهرفون بأن السعادة لا حقيقة لها، وأنها خيال يبتدعه الوهم، ويكذبه الواقع. والحق -عباد الله- أن هؤلاء جاهلون أو مخادعون؛ لأنه لا يُعقل البتة أن يخلقنا الله ثم يريد لنا أن نشقى جميعاً! كيف ذاك؟! والله يقول لنبيه ﷺ : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١-٢] ؟! ويقول: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨] . السعادة عباد الله: هي جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر من المثقف المتعلم في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته، ومن السلطان في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير، يعيش على تراب الإملاق. ولا نحسب أحداً منهم يبحث عمداً عن الشقاء لنفسه، أو يرضى بتعاستها.

стр. 446

فقدان السعادة يعقبه الهم والاضطراب أيها المسلمون: إن العبد بغير إيمان مخلوق ضعيف، وإن من ضعفه أنه إذا أصابه شر جزِع، وإذا أصابه خير منَع، وهو في كلتا الحالين قلق هلِع ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩-٢٢] . وإن فقدان السعادة من قلب المرء يعني -بداهة- حلول القلق والاضطراب النفسي في شخصه، فتجتمع عليه السباع الأربعة، التي تهز البدن وتوهنه، فضلاً عن كونها تحلق سعادته، وتقصر اطمئنانه، ألا وهي: الهم، والحزن، والأرق، والسهر. ولا شك -عباد الله- من وقوع الهم في حياة العبد، إذْ هو جند من جنود الله ، يسلِّطه على من يشاء من عباده، ممن كان ضعيف الصلة بالله، خَوِي الروح، مرتعاً للمعاصي والذنوب ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الفتح:٤] . ولقد سئل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه: [[من أشد جند الله؟ قال: الجبال، والجبال يقطعها الحديد؛ فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد؛ فالنار أقوى، والماء يطفئ النار؛ فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء؛ فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب؛ فالريح أقوى، والإنسان يتكفأ الريح بيده وثوبه؛ فالإنسان أقوى، والنوم يغلب الإنسان؛ فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم؛ فأقوى جند الله هو: الهم، يسلطه على من يشاء من عباده]] . فالمفهوم إذاً عباد الله: أن السعادة والطمأنينة عطاء من الله ورحمة، كما أن الهم، والقلق، والضيق، غضب من الله ومحنة، فقد يلتقي الملتقيان ويتواجهان، النفس بالنفس، وبينهما من الفوارق كما بين السماء والأرض، بل وفي أحلك الظروف، وحين تدلهم الخطوب، يظهر البون شاسعاً بين مُوَفَّق سعيد يُغْبَط، وبين هلِع جزِع يُتَعَوَّذُ بالله من حاله. ولقد ذكر الله تعالى مثل هذا في كتابه الحكيم، عن غزوة أحد، حينما ألقى النومَ والنعاسَ على المؤمنين، في حين أن القتال قائم بعد سويعات قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] . والنعاس في هذه الحال، دليل على الأمن والأمان، لمن كانوا جازمين بأن الله سينصر رسوله، ويُنجز له مأموله، ولهذا قال عن الطائفة الأخرى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: من القلق والجزَع والخوف، وهذا شأن أهل الريب والشك، يعيشون بين (لَوْ) المتندمة، و (لَيْتَ) المتحسرة.

стр. 447

اختلاف الناس في تفسير السعادة عباد الله: إن السعادة عبارة يتوه معظم الناس في تفسيرها، ولا يتفقون عليها، يجلبون بخيلهم ورَجِلِهم على ما يتوهمونه، ثم يعودون بخُفي حنين، وكأنهم خَرِفٌ يكلِّم الأشباح، أو يطعن في الرياح، فصاروا كطالب اللؤلؤ في الصحراء، مجهود البدن، كسير النفس، خائب الرجاء. فظن الغني منهم أن سعادته كامنة في صحته وعمارة قصره. وتوهمها الفقير في الثروة، والملبس الحسن. وأكَّد السياسي أنها في تحقق الأهداف، والمهارة في جعل الجور عدلاً، والشر خيراً. وجزم العاشق على أنها في الوصال، والتيم بمعشوقه. وعند فلان كذا، وعند علان هي ذا. ولكن المنصف الملهم -عباد الله- حينما يبرق بعيني بصيرته؛ ليعلم يقيناً سُخْف التخمين، وسُحْق الهُوَّة التي يقع فيها أصحاب الأوهام المعلولة. فإذا بالغني يرى أن قصره المشيد قد شاطره السعادة الموهومة فيه خدمه وحشمه، بل وكلب حراسته وخيله، فتأكد له جيداً أن السعادة لا تتمثل في بناء الدور، وتشييد القصور. وإذا بالفقير المرهق ينظر إلى أصحاب الثروة واللباس الفاخر مُلْتاثين بطيف سعادةٍ، وإنما هي رجع ضوء مُنْعَكِس على سحابة عما قريب ستنقشع، فيقول في قرارة نفسه: هذا القطن الذي يلبسونه كان في الغابة على الأشجار، والحرير الذي يضاهون به كان في بطن دودة تعيش في الأوكار، أما الحلي الذي يلبسونه فقد كان وسط أحجار ينقلها بغل أو حمار، فيتيقن حينئذٍ أن السعادة الحقة قد تمثلت في مثل شخص الفاروق رضي الله تعالى عنه، في حين: يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدْمٌ له، والكوخ مأواهُ ومع ذلك كله: يهتز كسرى على كرسيه فَرَقاً من خوفه, وملوك الروم تخشاهُ

стр. 448

حقيقة السعادة فالسعادة إذاً -يرعاكم الله تعالى- ليست في وفرة المال، ولا سطوة الجاه، ولا كثرة الولد، ولا حسن السياسة. السعادة: أمر لا يُقاس بالكم، ولا يُشترى بالدنانير، لا يملك بشر أن يعطيها، كما أنه لا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها. السعادة: دين يتبعه عمل، ويصحبه حمل النفس على المكاره، وجبلها على تحمل المشاق والمتاعب، وتوطينها لملاقاة البلاء بالصبر، والشدائد بالجلَد. والسعيد: من آثر الباقي على الفاني: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] ، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] . السعادة -أيها المسلمون- هي الرضا بالله، والقناعة بالمقسوم، والثقة بالله، واستمداد المعونة منه، ومن ذاق طعم الإيمان ذاق طعم السعادة، قال رسول الله ﷺ : ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً﴾ رواه مسلم. ولذا فإن من أضاع نعمة الرضا؛ أصابه سُعار الحرص والجشع، فهو يطمع ولا يقنع، ويجمع ولا يدفع، يأكل كما تأكل الأنعام، ويشرب كما تشرب الهيم، ولقد صدق رسول الله ﷺ حيث يقول: ﴿من سعادة ابن آدم: رضاه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم: سخطه بما قضى الله﴾ رواه الترمذي. ولقد كتب الفاروق إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما يقول له: [[أما بعد: فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر]] .

стр. 449

صور من حياة السعداء إذاً: يا عبد الله! لا تخشَ غماً، ولا تشكُ هماً، ولا يصبك قلقٌ ما دام أمرك متعلقاً بقول الله جل وعلا في الحديث القدسي: ﴿أنا عند حسن ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه﴾ رواه البخاري ومسلم. بهذا الحديث وأمثاله بدت السعادة في وجوه السعداء، والتي يعبر عنها من أحس بنشوتها من أئمة الإسلام والدين فيقول: إننا في سعادة، لو علم بها الملوك وأبناء الملوك؛ لَجَالَدُونا عليها بالسيوف. السعادة التي يمثلها من يغدو في خمائلها، ويقول: إنه لتمر عليَّ ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن إنهم -إذاً- لفي عيش طيب. إن أمثال هؤلاء هم الذين ابتسموا للحياة حينما كشَّرت عن أنيابها، واستقبلوا الآلام بالرضا والتسليم، الذَين يحولانها إلى نعمة تستحق الشكر والحمد، على حين إنها عند غيرهم مصائب تستوجب الصراخ والعويل. فإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية، فإن الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وكتبه، والقدر خيره وشره، هو ماؤها، وغذاؤها، وهواؤها، وضياؤها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨-٢٩] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 450

عوامل فقدان السعادة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصبحه وإخوانه. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن العلم الذي يبصِّر ويهدي، والهمة التي تحفز وترقي؛ إنما هما في الحقيقة مفتاح مراكب السعادة والفلاح، وإنما تفوت هذه المراكبُ على العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما، فإما ألا يكون له علم بها؛ فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالماً بها ولا تنهض همته إليها ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] . ألا فاعلموا -عباد الله- أن لفقدان السعادة أبواباً ينبغي إحكام إغلاقها، وكشف عَوارها، فمن ذلك: أولاً: الغناء: وهو مزمار الشيطان، ورُقية الزنا، الذي ينبت النفاق والقلق كما ينبت الماء الكلأ والزرع، يقول الله فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] ولقد أقسم ابن مسعود ﵁ ثلاثاً على أنه الغناء. ثانياً: الصور: كما أن من مهلكات السعادة جعل البيت المسلم محلاً لمردة الجن وبُعد الملائكة، وذلك متمثل في نشر الصوَر التي حرمها الشارع على جدران البيت، وفي فنائه، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة﴾ . فما بال الكثيرين يُغلقون أبوابهم في وجوه الملائكة، ويستدعون أسباب الشقاء والقلق، ثم هم بعد ذلك ينشدون السعادة بكل ألوانها. ثالثاً: الذنوب والمعاصي: ومن ألوان الشقاء: الذنوب والمعاصي، التي قال عنها المصطفى ﷺ : ﴿إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه﴾ رواه أحمد. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في (مسنده) : وُجِد في خزائن بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمر، وهي في صرة مكتوب عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل. ولذا -عباد الله- فإن سعادة القلب المثمرةَ بركةَ الرزق منوطة بالطاعة والتقوى، ولقد جاء عند مسلم في صحيحه في وصف المهدي المنتظر الحديثَ وفيه: ﴿ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركتها، وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس لَيأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها -أي: بقشرها- ويكون العنقود من العنب حِمل بعير﴾ الحديث رواه مسلم. رابعاً: التهاون بالصلاة: ومن أسباب القلق أيها المسلمون: التهاون بشأن الصلاة، أو التقليل منها، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿وجُعلت قرة عيني في الصلاة﴾ رواه أحمد والنسائي ﴿وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا حَزَبَه أمر أو اشتد عليه لجأ إلى الصلاة﴾ رواه أحمد وأبو داوُد. خامساً: ترك الذكر والدعاء: ثم إن ترك الذكر والدعاء، والاستغفار محلٌ للشقاء والهم والحزن، ولذا كان لزاماً على من ينشد السعادة ألا يُغْفِل هذا الأمر المهم، بل عليه أن يمسك بزمامه، ويعض عليه بالنواجذ، وليستحضر قول النبي ﷺ : ﴿من لزم الاستغفار؛ جعل الله له من كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ رواه أبو داوُد والنسائي. ولقد دخل رسول الله ﷺ المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له: أبو أمامة، فقال: ﴿يا أبا أمامة! ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت صلاة قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا قلتَه أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: قل إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبُخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال أبو أمامة: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني﴾ رواه أبو داوُد. هذا، وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] . اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل عبادك المؤمنين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين. اللهم فرج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم! اللهم أصلح له بطانته، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من

стр. 451

الخدم بين الإفراط والتفريط من نعم الله على عباده تسخير العباد بعضهم لبعض، وثمة ظاهرة متفشية هي ظاهرة الخدم، وقد أنعم الله على هذه الأمة بأن جعل غيرها خدماً لها عبر التاريخ. والإسلام يوصي بالاستغناء عن الآخرين والتوكل على الله، وإن كان لا بد من وجود خادم فلا بد من مراعاة بعض الأمور الهامة.

стр. 452

نعمة تسخير العباد لبعضهم البعض الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المستضعفين، ومجيب دعوة المضطرين، نحمده سبحانه ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، إياه نعبد، وله نصلي ونسجد، وإليه نسعى ونحفد، نرجو رحمته، ونخشى عذابه، إنَّ عذابه، الجد بالكفار ملحق. وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله رحمةً للعالمين بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فالذين آمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ أولئك هم المفلحون، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، رضي الله عنهم ورضوا عنه إن الله لعليٌ حكيم. أما بعد: فاتقوا الله معاشر المسلمين! اتقوا الله حقَّ تُقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ومن ثَمَّ فلتعلموا أن نِعَمَ الله علينا كثرا، يكذب مدعي حصرها، ويعجز مؤمل عدها. نِعَم تترادف حلقاتها، تقول اللاحقة للسابقة: أختي أختي، نعمٌ في شئون العبادات والدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ونعم أخرى في وسائل الفهم وحسن التعايش، ونعم في تسخير البشر بعضه لبعض ونعمٌ ونعمٌ ونعمٌ يخص ربنا بها هذا ويمنح ذاك، ويقدر على هذا ويمنع ذاك ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] تسخير العباد بعضهم لبعض من أعظم منن الله على خلقه، وأكثرها ابتلاءً وامتحاناً في الوقت ذاته.

стр. 453

ظاهرة انتشار الخدم ألا وإن ثَمَّ ظاهرة متفشية هي من نوع التفخير الذي منَّ الله به على عباده، ظاهرة استطالت جذورها، واتسع نطاقها حتى أصبحت من شرط اتخاذها عادة فحسب أن جعلت في منأى عن التأمل والتفكر، والنظر المنصف في حقيقتها وحسن الإفادة منها، بل التفكر فيما يجب لها وما فرض عليها، إنها ظاهرة ليست وليدة الحاضر ولكنها ليست قديمة الماضي، هي في مأزق من الأمر، تترقب الأطروحات الجادة، والبحوث المثمرة من على منابر التوجيه والإرشاد، أو في المنتديات العامة والتوجيه الإعلامي، أتدرون أي ظاهرة هذه؟ إنها ظاهرة الخدم! نعم. إنها ظاهرة الخدم! إنها بحق ظاهرة؛ ولكن ليس هذا هو العجب! وإنما أن تكون بهذا الحجم الكبير بين ظهرانينا دون أن تكون محلاً لحسن التكييف وصحة الأَسْلَمَةِ لها، يعبُّ الناس منها عبَّا، لا ينوي الكثير منهم على شيء سواء أنها عادة وطبع وتفاخر، وحب في الرفعة والشرف، وحب التسلط والتشبه ببلاط السلاطين ونحوهم. إننا لو أمعنا النظر شيئاً يسيراً لوجدنا أن هذه الظاهرة مترامية الأطراف، وأن الحديث عنها يعوزه الوقت الطويل بعد سبرها وتشخيصها من خلال استقراء ميداني واسع النطاق؛ ولكن على حد قول القائل: ما لا يدرك كله لا يُترك جله، فلنكتفي إذاً بشذرات متفرقة التناثر حول ما يتعلق بهذه الظاهرة الجلية.

стр. 454

رحمة الله بهذه الأمة فأقول أيها المسلمون! إن أول ما ينبغي أن يُذكر به هو أن الله سبحانه قد منَّ على أمة الإسلام فجعلها تابعة لا متبوعة، وأنه لم ولن يجعلها لقمةً سائغة لتسلط أهل الكفر عليها في الجملة، وذلك -عباد الله- يظهر بوضوح لما نرمي إليه من خلال سماع قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: ﴿سيكون في آخر أمتي رجالٌ يركبون على سروجٍ كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاب، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساءكم نساءهن كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم﴾ . إذاً لقد رحم الله أمة محمد ﷺ إن لم يكن أمة أخرى وراءهم؛ يكن نساء المسلمين خدماً لهم كما صاروا خدماً لنا عبر التاريخ.

стр. 455

حال الخدم عبر التاريخ لقد كان الخدم فيما مضى هم المملوكين لمن يخدمونهم؛ وذلك بسبب الحروب الناشبة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، وبقاء راية الجهاد في سبيل الله تطاول الزمان شامخة، وفي عصرنا الحاضر قلَّ الرقيق، واضمحل أمره إلى درجة لا تكاد تذكرك في العيان، وصار الخدم كلهم من الأحرار، ولو فرزنا حقوق المملوكين التي أوجبها الإسلام على الأسياد، ورأينا ما لهم من حقوق وواجبات، وما عليهم من مثلها مما لم يحصل لكثير من الأحرار اليوم؛ لعلمنا صدق القوة وعمق الجرح الذي يعيشه كثير من المسلمين اليوم؛ ولحلت عبارة الرجل المسلم مع عمرو بن العاص -رضي الله تعالى- عنه حينما قال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار؟]] .

стр. 456

أهمية الاستغناء عن الآخرين إننا -أيها المسلمون- قبل أن نخوض في غمرات هذه المعرة، وقبل أن نُدلل عليها ونكشف عوارها؛ يجدر بنا أن نذكر على اقتضاب إلى أهمية استغناء الفرد بنفسه، وتوكله على الله، وعدم سؤال الآخرين من خدم وغيرهم، وتلك لعمر الله مزية قلَّ أن توجد في أوساطها، فإلى الله المشتكى! يقول أحد الصحابة فيما رواه مسلم في صحيحه: [[بايعنا رسول الله ﷺ : على ألا نسأل الله شيئاً حتى إن أحدنا ليسقط سوطه على الأرض لا يقل لأحد: ناولني]] . ومنها فإن الاستغناء عن الخدم والإكثار منهم غنيمة بارزة، ولو لم يكن فيها إلا السلامة من عواقبهم والوقوع من سلبياتهم التي يقل الفتاق لكفى. ورحم الله الإمام أحمد حين قال: " السلامة لا يعدلها شيء ". وعلى مثل قول الإمام أحمد نُرِشَد كل مسلم على ألا يلجأ إليهم إلا في حالات الحاجات الملحة مع عدم استغفال السلامة وأنها مطلب، ونقول -أيضاً- لكل مسلم شاخصة أحداقه، مشرئب إلى اتخاذ الخدم ولكن بينه وبين حصول ذلك مسكنةٌ وفقر تجعله أقرب في أن يَخدم مِنْ أن يُخدم، نقول له ولأمثاله: اسمع قول النبي ﷺ بعد هُنيهة؛ لتكون رضي البال شاكراً ولي نعمته. اشتكى علي وفاطمة ﵄ إلى النبي ﷺ ما تواجهه من الطحن والعمل المجهد فسألته خادماً، فقال رسول الله ﷺ : ﴿ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين؛ فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان﴾ فقال علي ﵁: [[ما تركتها بعد ما سمعتها من النبي ﷺ ، فقال له رجل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين]] رواه أحمد. وليلة صفين هي ليلة حرب ضروس دارت بينه وبين خصومه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هذه -يرعاكم الله- صورة حية من صور الاستغناء عن الغير.

стр. 457

متاع الدنيا قليل بيد أن في الناس فئام لها ولعٌ بمشاكلة الآخرين، والسير في ركب الجمهور منهم، وُحبَّ التباهي مع قلة ذات اليد؛ فيطمعون في الإكثار من الخدم والتنويع فيهم، فلهؤلاء نقول: رويدكم مهلاً! فمتاع الدنيا قليل، ولتقنعوا بمثالين عظيمين يمكن من خلالهما حصل القناعة، والرضى بالمقسوم، والزهد في الدنيا، والاكتفاء من الخدم بما يسد الحاجة. روى مسلم في صحيحه أن رجلاً قال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: [[ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت إذاً من الملوك]] فيا لله العجب! من قول ابن العاص ﵁. إذاً ما أسهل ملك الدنيا وأحقره، فما بال أقوام لا يقنعون بمثل هذا؟ ألا تسمعون -حفظكم الله- المثل الثاني الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: ﴿أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة﴾ رواه الترمذي في جامعه. إذا سمعتم ذلك فمنهم إذاً خدم الجنة؟ إنهم ولدان مُخلَّدون، وغلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون. اللهم لا تحرم خير ما عندك بشر ما عندنا.

стр. 458

أمور ينبغي مراعاتها لمن كان له خادم أيها المسلمون! من كان منكم متخذاً خادماً فليعلم أن عليه مراعاة أمور هامة:

стр. 459

اختيار الخادم الصدوق الأمين أولاها: اختيار الأمين الصادق كما قال تعالى عن ابنتي شعيب حينما قالت إحداهما لأبيهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ولا يغيب عن بالنا أثر الأمانة والصدق في ذوات الخدم من خلال موقف يوسف ﵇ من امرأة العزيز حينما قالت له: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ، فكان الجواب ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] كانوا يدعون السيد رباً؛ فهو يرى أن سيده أكرمه وأحسن مثواه، فلا يلوث ذلك بالتخون والفاحشة. أين الكثيرين عن هذا الأمر الجلل؟ أين اختيار الخادم المسلم ذكراً كان أو أنثى؟ لله كم هم صرعى الخدم غير المسلمين؟ وماذا عسى أن يجنى منهم؟ دين غير ديننا، يحلون ما نحرم، ويحرمون ما نحل، فضلاً عما يقوم به جملة منهم إلى ما يسمى: التبشير والدعوة إلى مللهم إبَّان غفلة من الجمهور. ألا وأن إحضار المحرم مع الخادم، الذي يكون سبباً -بإذن الله- في قلة الفواحش، والبعد عن الزلل، والأمن على النفس والعرض. ألا إن الكثيرين منا لا يُبالون بالسائقين والخدم؛ امرأة مع سائق! ورجل مع امرأة الخادم! خادم تتكشف لمخدومها! وسائق تتكشف له مخدومته! وكأنه من أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء!! تساهل في الأمر واستخفاف به.

стр. 460

عدم الركون إلى الخدم في تربية الأطفال ثانياً: تكمن أهميته في عدم الركون إلى الخدم في تربية الأطفال، وكثرة محاكاتهم، ويزداد الأمر تأكيداً إن كانوا غير مسلمين؛ لأن من الأمور المسَّلمة أن كثرة المحاكاة تحدث مشاكلة في الطباع، ومن هنا يقع التأثر والتأثير في بني آدم؛ بل إن الآدمي إذا عاشر نوع من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه؛ فنجد الجمَّالين والبغَّالين فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، ونجد الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الناس بسبب المآلفة وقلة النفرة، وقديماً قيل: " الطيور على أشكالها تقع ". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام ". كل ذلك -أيها المسلمون- سببٌ في التأثير على الطفل؛ فضلاً عن كون صحة الطفل الدينية والنفسية والدينية ناتجة عن تفرغ الأم لطفلها وعدم إسلامه للأجنبي عنها. ألا وإن تركها الساعات الطوال مع الخدم؛ لا يضمن تمتعه بالرعاية الدافئة التي يحتاجها كل حين، وثّمَّ دراسات نفسية كثيرة نشرت برامجها عبر جهات أكاديمية وأخرى تطبيقية كما يقال كلها تتفق على أن جُلَّ الأطفال والصغار من ذوي المشاكل النفسية هم الذين عانوا حرماناً عاطفياً كبيراً في طفولتهم المبكرة؛ بسبب غياب أمهاتهم عنهم وتسليمهم إلى الخدم. ألا ترون -يا رعاكم الله- كيف يكون حال الطفل إذا غابت عنه أمه؟ ماذا يحدث عندما يشاهدها بعد فترة غيابها؟ إنه يشد إليها بقوة، وحين تدفع إليه لترضعه يلتقمها بلهفة ويحاول أخذ حاجته بلهفة، ولربما خانته حاسة البلع فشرغ وغص مع ما يصاحب ذلك من نظرات ازراء إلى أمه تدل على الشره واللوم دون استطاعته عن تعبير ذلك باللسان، فماذا عسى الخادمة أن تفعل؟ إن قلبها ليس كقلب الأم، وحنانها ليس كحنان الأم، ولا غرو -عباد الله- إذ ليس النائحة المستأجرة كالمرأة الثكلى.
следующие страницы →