← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قوله تعالى: (ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه) إذاً: معنى ذلك أن باب التوبة مفتوح في هذه الحياة، ولذلك يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، السوء: معناه السيئات عموماً، (يَظْلِمِ نَفْسَهُ) معناه: الشرك بالله ، يعني: حتى الشرك بالله وهو أعظم الذنوب، وإذا كان الشرك بالله يغفره الله فليس عجيباً أن يغفر الله ما دون ذلك، والذنب الثاني بعد الشرك بالله هو الربا، الربا الذي أصبح الآن سهلاً تناوله عند كثير من الناس، يعلن بنك الرياض المساهمة فيتسابق الناس إلى المساهمة في بنك الرياض، أتدرون ما هو بنك الرياض وأي بنك من البنوك؟ هو الحرب لله ولرسوله ﷺ ، لا يغركم يا إخوان أنكم ترونها قد فتحت أبوابها أمام الناس، هي حرب لله هي أعظم ذنب بعد الشرك بالله ، أعظم من الزنا، وأعظم من المخدرات التي تحارب الآن بكل الوسائل، وأعظم من اللواط، وأعظم من المسكرات، وأعظم من السرقات، لكنها لا تحارب كما تحارب هذه الذنوب، لكن الله توعد عليها بعقاب شديد. الربا أصبح الآن مغرياً يسيل له لعاب الناس وفي يوم من الأيام أعلن أحد البنوك فأصبح الريال يساوي أربعين ريالاً، إذاً ليس غريباً أن يقدم الناس على الربا إلا من عنده وازع إيماني؛ لأن هذه هي الفتنة التي يقول الله عنها: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ بنو إسرائيل أراد الله أن يختبرهم كما نختبر الآن بأرباح البنوك والشركات التي تربح بسرعة، فأعطشهم الله ، وأجرى لهم نهراً بارداً، وقال: لا تشربوا من هذا النهر إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليل منهم. إذاً: لا تعجبوا حينما ترون كثيراً من الناس وقعوا في الربا، ومن لم يأكل الربا أصابه من غباره، بنو إسرائيل حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، وفتنهم، وجعل السمك في يوم السبت يطفو على سطح البحر، ويختفي بقية أيام الأسبوع، لكن بنو إسرائيل أعقل من كفرة أو من فجرة أو من عصاة هذا العصر، ما صادوا يوم السبت لكن استعملوا الحيلة، فصاروا يضعون الشباك يوم الجمعة ويرفعونها يوم الأحد، فهي تكون مملوءة بالأسماك، كما يفعل الناس في حيل البنوك الآن وحيل الربا ما تشاهدونه. المهم يا إخوتي! إذا رأيتم هذه الأرباح الهائلة فاعرفوا أن وراءها طالباً، فأحذركم من الربا، وأنا تعرضت لهذا الموضوع؛ لأنه موضوع الساعة، أما حديثنا عن مغفرة الذنوب فإن الله يتجاوز عن كل الذنوب حينما يصدق الإنسان بالتوبة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي: سيئة أياً كانت هذه السيئة (أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ)، وهو الشرك بالله (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، من نعمة الله أن قال: ثم يستغفر، ولم يقل: فيستغفر، فالفاء للسرعة وثم للتراخي، ولذلك حتى لو مضى على هذا الذنب مدة من الزمن فالمهم أن يتوب بصدق وأن يبادر إلى التوبة والإنابة بعزيمة صادقة، وأن يرد المظالم فيترك الربا إذا كان كسب مالاً من الربا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فقط رأس المال، أما الربح فليس لك: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]، الله تعالى قريب لكن بشرط أن يصدق هذا الإنسان مع ربه .

стр. 1017

قوله تعالى: (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه) قوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)، الإنسان لا يكسب الإثم إلا على نفسه، فالسيئة يجني ثمارها يوم يقف بين يدي الله ، لكن هناك سيئات تجر على المجتمع وبالاً أيضاً، ولا يتعارض ذلك مع هذه الآية: (فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأن الأصل أن السيئة تكون على نفس الإنسان، لكن لا يمنع أن يكون لها آثار تتعدى للمجتمع؛ لأنه صح في الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).

стр. 1018

قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً) لكن المشكلة أكبر من ذلك، حين يجني إنسان سيئة ويبرئ نفسه منها، ويلصقها بإنسان آخر: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٢]. الخطيئة: هي التي يفعلها الإنسان وهو يشك بأنها خطيئة، لكن الإثم هو الذي يفعله الإنسان ويعرف أنه إثم، وسواء كانت خطيئة يشك الإنسان في حرمتها أو إثماً يجزم بحرمته فإن عليه أن يعترف، وليس معنى ذلك أن كل من فعل ذنباً عليه أن يقدم نفسه للمحكمة أو للسلطة، فإن باب التوبة مفتوح، فإذا تاب الإنسان بينه وبين ربه فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، بشرط: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥]. فالذنوب على نوعين: هناك ذنوب بين الإنسان وبين ربه ، وهذا يكفي في التوبة أن يتوب الإنسان بينه وبين ربه ، دون أن يكشف نفسه أمام الناس، بل إنه إذا وصل إلى درجة المجاهرة بالذنب فإن الذنب يكون عظيماً، ولذلك جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين إلا المجاهرون) على روايتين. فالذنب إذا كان بينك وبين ربك فبادر بالتوبة، وثق بأن الله تعالى قد أوجب التوبة على نفسه إذا صدقت في التوبة، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٧]، و (عَلَى) هنا تدل على الوجوب، فالله تعالى أوجبها على نفسه ولم يوجبها عليه أحد غيره، بشرط أن تستوفي هذه التوبة شروطها من الإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود، وأن يندم على ما مضى، لكن هناك ذنب ومثل هذا الذنب قصة ماعز ﵁، فـ ماعز ﵁ من أصحاب الرسول ﷺ ومن خيار الصحابة، زنا ذات يوم فاعترف بين يدي الرسول ﷺ ، وكان الرسول ﷺ يتمنى أن لا يعترف ماعز، وإنما يتوب بينه وبين ربه، فكان يعرض عنه وماعز يتابعه ويقول: يا رسول الله! زنيت زنيت أربع مرات، ويسأله الرسول ﷺ لعله أن يتراجع: (لعلك قبلت، لعلك غمزت، ماذا فعلت؟ فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: أبك جنون؟)، كل ذلك من أجل أن ينصرف ماعز. إذاً: التوبة بين الإنسان وبين ربه، لا حاجة إلى أن تقام عليه الحدود إذا كان هذا الذنب لا يمس أحداً من الناس، لكن حينما يكون الذنب بين الإنسان والإنسان فهو من ديوان لا يترك الله منه شيئاً يوم القيامة، وهنا لا بد في التوبة من رد المظالم إلى أصحابها قبل أن ترد يوم القيامة إن كان هناك مال يرد، وإن كان هناك عرض يستحل إلى غير ذلك. لكن إذا فعل هذا الذنب وزيادة على إصراره على هذا الذنب ألصقه بغيره، سرق وقال: فلان سرق، زنا نعوذ بالله، وقال: فلان زنا، قتل وقال: فلان قتل، فهذا هو أعظم الذنوب عند الله ، ولذلك أخرها الله تعالى وقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء:١١٢]، يتهم به إنساناً ليس هو فاعل الذنب، (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)، (بهتاناً) وهو إلصاقه بغيره، (وإثماً) خطأ عظيماً ومبيناً. إذاً: لا بد لفاعل الذنب في مثل هذه الحال أن يعترف لاسيما إذا كان سيؤخذ البريء بدلاً منه، وأشد من ذلك حينما تقوم بينات وشهادات زور تبرئ المجرم لتلصق الجريمة بإنسان آخر: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

стр. 1019

قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته) ثم يتوجه الله بعد ذلك إلى الرسول ﷺ ، والرسول عليه أن يتأنى في الأمور، ولولا أن الله تعالى من على الرسول ﷺ بنزول الوحي لكان الرسول ﷺ قد فعل أمراً عظيماً يشوه به الإسلام، ويصبح حجر عثرة في طريق الإسلام أمام اليهود وأيضاً يضر بإنسان بريء. (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ) يا محمد (وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ) شهود الزور، (طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: عن الحكم الصحيح (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) الأصل أنهم سيضرون بأنفسهم، لكن يضلونك أنت لو أقدمت على قطع يد الرجل اليهودي البريء، وإن كان يهودياً من أبناء القردة والخنازير، لكن يكفي أنه إنسان بريء من هذه السرقة، لو أقدمت لكان الأمر عظيماً، مع أن اليهود هم أشد وألد أعداء الله والرسول ﷺ ، وألد أعداء الإسلام، ومع ذلك يدافع الله عنهم من أجل أن يقر قواعد العدل في هذه الحياة. (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) يعني: يرتكبون الذنب العظيم؛ لأن هذا من أكبر الكبائر وهو شهادة الزور: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)، في الأصل أنت لا تتضرر، هم يتضررون، لكن أنت أيضاً تصبح عرضة لليهود حينما تقطع يد اليهودي بدون ما جرم. (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ). ثم قال الله تعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، (الْكِتَابَ): القرآن، (الْحِكْمَةَ): السنة، وهذا هو معنى قولنا: إن السنة وحي آخر جاء من عند الله نطق به الرسول ﷺ : (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ). انظر يا أخي! إلى التربية من عند الله لرسوله ﷺ ، أي المواقف أفضل هذا الكلام أم ما يقوله الصوفية في أيامنا الحاضرة الذين يقولون: إن محمداً هو أول المخلوقات! محمد ليس له ظل! محمد خلق من نور! كل الأنبياء خلقت من نور محمد! الله تعالى يوقع الرسول ﷺ موقع العدل أي: أنت رسول ونبي لكنك بدون هذا الوحي لا تعرف شيئاً من ذلك، هكذا الله يعلم الرسول ﷺ ، ويوقعه أفضل موقع (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، فأنت لا تعلم الكتاب ولا الحكمة كان الرسول ﷺ أمياً، ولكن الله رفعه فوق العلماء، وجعل العلماء يستقون علمهم من علم رسول الله ﷺ ، وهذا فضل من الله ، وليس عيباً في رسول الله ﷺ أن يكون أمياً، بل هو فضل وشهادة للرسول ﷺ أن الله أكرمه، ولذلك لا يتسرب الشك إلى هذا القرآن؛ لأن الرسول ﷺ كان أمياً كما قال في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، إذاً: لا يمكن أن يرتابوا بعدما عرفوا أنك أمي، وأن الله علمك ما لم تكن تعلم، حتى وجد في عصرنا الحاضر من يقول: محمد ليس أمياً، ويظنون أنهم في هذا الأمر يرفعون قيمة الرسول ﷺ ، الحقيقة أن الرسول ﷺ كما أخبر الله أنه أمي: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهنا يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فما كان يقرأ ولا يكتب ﵊ قبل النبوة، لكن أصبح العلماء يستقون من علمه ﷺ . إذاً: الغلو في الرسول ﷺ كفر به ﷺ ، وكفر بالقرآن، والرسول ﷺ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، وما تشاهدونه من البدع والخرافات التي أحدثها الناس، ويظنون أنهم بها يرفعون من قيمة رسول الله ﷺ ، والله الذي لا إله غيره إنهم ألد أعداء رسول الله ﷺ ، وأقسم بالله العظيم لو بعث فينا اليوم محمد ﷺ لقطع رءوس قوم غلوا فيه كما غلت النصارى في المسيح بن مريم ﵊، ولو بعث الرسول ﷺ فينا اليوم لقاتل هؤلاء الذين يطرونه ويرفعونه إلى درجة الألوهية قبل أن يقاتل الشيوعيين والملاحدة الذين ينكرون الخالق وينكرون الرسول ﷺ . أيها الإخوة! ليست محبة الرسول ﷺ محبة عاطفة لكنها محبة متابعة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، ليست كمحبة الزوجة والأولاد محبة عاطفة إنما هي محبة متابعة، ونقول لمن ادعى محبة الرسول ﷺ : تعال نحن وإياك نحتكم إلى شرع رسول الله ﷺ ، وهل أنت حينما تريد أن تغلو في الرسول ﷺ أحب إلى رسول الله ﷺ من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ هل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يشدون الرحال إلى الرسول ﷺ في شهر رجب كما يفعل كثير من الناس اليوم، ويحدثون شيئاً يسمونه الرجبية؟! ما هي هذه الرجبية؟! نحن لا نعبد الله إلا بما شرع الرسول ﷺ ، فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله أن لا نعبد الله إلا بما شرع. هل شرع الرسول ﷺ لنا الرجبية؟ هل شرع لنا أعياد ميلاد؟ يا أخي! قف عند سنة الرسول ﷺ وتكون أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، أما محبة الغلو والإطراء فالرسول ﷺ يرفضها، لما قال له رجل: (يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟). إذاً: أيها الإخوة! المسألة تحتاج إلى وقوف عند سنة رسول الله ﷺ ، حتى لا تكون المسألة عواطف وشهوات نبتعد فيها كثيراً عن رسول الله ﷺ . (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، هل يعتبر هذا سباً للرسول ﷺ من الله ؟ لا، هذا تعظيم للرسول ﷺ أنه علمه ما لم يكن يعلم، ولو كان يعلم قبل النبوة لأصبح موضع شك عند القوم، لكن العجيب عند القوم أنه رجل أمي، وأصبح معلم البشرية كلها إلى يوم القيامة، (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

стр. 1020

قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم) ثم تحدث الله عن كشف مؤامرة، كان المنافقون يجلسون بالليل حتى دبروا مؤامرة قصة أبي طعيمة، فالله تعالى مطلع على جلساتهم في الظلام؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت الظلام فقال : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤]. المناجاة التي كانوا يتناجونها في السر ليدبروا المؤامرة ضد اليهودي وليلصقوا المشقة والعنت برسول الله ﷺ ، هذه النجوى أمرها خطير، فالنجوى -وهي الكلام السري الخفي- لا تجوز إلا في ثلاثة أشياء: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، أن يحث الناس على البذل في سبيل الله وعلى الإحسان إلى الفقراء والمساكين وما أكثرهم اليوم! أو يأمر بالمعروف إذا رأى الناس عطلوا واجباً من واجبات هذا الدين، أو يصلح بين اثنين بينهما خلاف وشقاق، وخلافهما وشقاقهما يؤدي إلى ضياع دينهما (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). ثم تعود الآيات مرة أخرى إلى ابن أبيرق الذي انتهت حياته بالردة، وسقط عليه جدار في مكة وهو ينقبه ليسرق مرة أخرى، فيموت مرتداً عقوبة على ما فعل في المدينة؛ لأن الله يقول: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، فالمعاصي يجر بعضها بعضاً، فانتهت المعصية وإلصاق التهمة ببريء إلى الردة عن الإسلام، ثم الموت وهو مرتد، وصار حطباً لجهنم.

стр. 1021

قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى) ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء:١١٥]. ما معنى (يُشَاقِقِ)؟ أي: يجعل الرسول ﷺ في شق وهو في شق آخر، أي: يسير في طريق غير الطريق التي سار فيها محمد ﷺ ، يقول: نور قلبي يا نور السماوات والأرض! يا أول المخلوقات! يا من خلق من نور! لكنه في شق والرسول ﷺ في شق آخر، هذا هو الذي شاقق الرسول ﷺ وإن ادعى المحبة فإنها محبة عاطفية، (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، فدين الإسلام وضح لهؤلاء الناس كل طريق. هل تظنون أن الله الذي بعث لنا الرحمة محمداً ﷺ ، فعلمنا كيف ندخل الحمام وكيف نخرج، وكيف نلبس النعل والثوب؛ أتظنون أنه يعجز عن تعليمنا أصول ديننا؟ فيعلمنا أن هناك رجبية في ليلة سبعة وعشرين من رجب، يذهب الناس إلى مكة والمدينة يحيون ليلة المعراج كما يقولون، وليلة المولد يحيونها، وما فعلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان وعلي، وكذا غيرها من الأمور والعبادات التي أصبح الدين بها مطاطاً الآن في نظر الناس، مع أن الدين مقفل قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. هل من المعقول أن محمداً ﷺ الذي علمنا كيف ندخل الحمام لا يعلمنا كيف نعبد الله بأمور تمس العقيدة وأصول الدين؟! إذاً: هذا مستحيل، ولذلك نقول لمن سلك غير طريق الرسول ﷺ ، وأحدث عبادة ولو كانت عبادة ترضي الله في الظاهر أجمع علماء المسلمين على أن الأصل في العبادات التحريم، وأنه لا يجوز لأحد أن يحدث أية عبادة إلا إذا شرعها الرسول ﷺ ، أو فعلها الخلفاء الراشدون ﵃، الذين قال عنهم الصادق المصدوق ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)، متى كان أبو بكر وعمر يأتون من المدينة إلى مكة في ليلة سبعة وعشرين من رجب؟! ومتى كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يحيون ليلة الميلاد إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثها الناس اليوم؟ الفرق بعيد يا إخوتي والله بين الناس وبين سنة الرسول ﷺ التي مات وتركنا عليها، وهي: محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. يقول الله عن البدعة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، والله لو كان راكعاً ساجداً لله بالليل والنهار صائماً طيلة النهار، ما دام أنه يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، والرسول ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، و (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)، أمة الإجابة ليس أمة الدعوة، أمة من أتباع محمد ﷺ ، كلها في النار إلا واحدة من ثلاث وسبعين فرقة، قيل: (من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). إذاً: يا أخي! أنت لست بحاجة إلى أن تذهب بعيداً، انظر أي عبادة أحدثها الناس اليوم، اعرضها على فعل الرسول ﷺ ، وعلى الصحابة من بعده، إن كانوا فعلوها فهي سنة الرسول ﷺ ، احملها على رأسك، وإن لم يفعلوها ولو كانت عبادة في ظاهر الأمر فارفضها؛ لأن اثنتين وسبعين فرقة من أمة الدعوة والإجابة كلها في النار، وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. المسألة يا إخوتي ليست مسألة أذواق، كلما أعجبنا شيء قلنا: هذه بدعة حسنة، ما هي البدعة الحسنة؟ أين موقع البدعة الحسنة في دين الله؟ والرسول ﷺ يقول في كل جمعة على المنبر: (ألا إن كل محدثة في دين الله بدعة! ألا أن كل بدعة ضلالة! ألا أن كل ضلالة في النار)، متى كانت هناك بدعة حسنة والرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة)؟! ليست هناك بدعة حسنة. إذاً: العبادات يا إخوتي دائرة مقفلة، أقفلها الحبيب ﵊ ليلة عرفة في حجة الوداع، في آخر آية نزلت من القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، فأي عبادة تحدث بعد الرسول ﷺ ما لم يجمع عليها الخلفاء الراشدون الأربعة فإننا نعتبرها بدعة، وليست عبادة ولو كانت صلاة وصياماً وطاعة، فمن قال إن الرسول ﷺ كان يصوم رجباً؟ إذاً نقول: حتى العبادات التي ترهق الإنسان وظاهرها الصلاح، ما دام أنه ما فعلها الرسول ﷺ ولا الصحابة الخلفاء الراشدون من بعده فنعتبرها ضلالة، وكل ضلالة في النار ولو كانت عبادة، وكم من عابد أحدث في دين الله فهو يحاسب عن ذلك يوم القيامة. يقول الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)، القرآن واضح والسنة واضحة: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى)، نوجهه الطريق التي يريد في الدنيا، وفي الآخرة (نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

стр. 1022

قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) يقول الله تعالى بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)، ما صلة الآية الأولى بالثانية؟ كل من وقع في البدعة وقع في الشرك، فالمسألة تبدأ من بدعة وتنتهي بشرك، والله يا إخوان من خلال جولة في العالم الإسلامي رأينا كيف تتطور البدعة حتى تصل إلى شرك، ففهمنا هاتين الآيتين بجوار بعضهما: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساء مصيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٥ - ١١٦]. فالبدعة يعاقب عليها الإنسان بالشرك، ولذلك جاءت آية الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:١١٦]، بجوار آية البدع ومشاقة الرسول ﷺ ، فعرفنا يقيناً كيف تنتقل البدعة بالإنسان إلى الشرك، اليوم بدعة حسنة! غداً هذه والله أحسن عبادة جاءت في مخ هذا الإنسان! فيخرج سنة من سنن الرسول ﷺ ويضع مكانها بدعة، حتى رأينا أن بعض المجتمعات لا يعرفون شيئاً من سنة الرسول ﷺ ، والله يا إخوان رأيت ناساً يصومون رجباً ولا يصلون في بعض البلاد الإسلامية المجاورة. يصوم شهر رجب ويلحقه بشعبان، وصيام شعبان سنة عن رسول الله ﷺ ، ورمضان ركن من أركان الإسلام، لكنه يأتي برجب، فنقول: من أين أتاكم شهر رجب؟ لا يوجد في سنة الرسول ﷺ صيام رجب، نجد بعضهم لا يصلي ولا يركع لله ركعة، وهذا عجيب! إذاً: لما دخلت بدعة لا بد أن تخرج سنة، بل لا بد أن تخرج واجباً، بل لا بد أن يخرج ركن من أركان الإسلام مقابل هذه البدعة نعوذ بالله، ولذلك الذين وقعوا في البدع وقعوا بعد ذلك في الشرك بالله ، فعبدت القبور، وحج إليها الناس. صدقوني يا إخوان! حينما أقول لكم: عبدت القبور لا نبالغ، أكبر رقم قياسي للأوثان التي عبدت من دون الله في آخر يوم من أيام الوثنية في مكة يوم دخل الرسول ﷺ فاتحاً لمكة، فكان في الكعبة ستون وثلاثمائة صنم، فكم يوجد من صنم الآن في العالم الإسلامي؟ تقول الإحصائيات: يوجد الآن عشرون ألف ضريح يعبد من دون الله كلما بعد الناس عن عصر النبوة دخلت البدعة، وكلما دخلت البدع في دين الله أخرجت السنن، وكلما أخرجت السنن أوجدت فراغاً نعوذ بالله! عشرون ألف ضريح رأيت كثيراً منها بعيني هاتين يحج إليها الناس، الطواف حولها مدة أربع وعشرين ساعة لا يتوقف، حتى أن بعضها عنده سدنة يقول للناس: شوطاً واحداً فقط، لماذا؟! لأن الوقت لا يتسع، ولأن الزحام شديد، وممكن يطوف سبعة أشواط إذا كان له أهمية في المجتمع، لكن لعامة الناس ليس هناك إلا شوط واحد من شدة الزحام، والله يراق حولها من الدموع أكثر مما يراق حول الكعبة المشرفة، والله إن الذين يتمسحون بها ويقدمون لها النذور والقرابين أكثر من الذين يطوفون حول الكعبة في أيام الزحام، اقسمها على عشرين ألف ضريح في العالم، اضربها في عشرين ألف مرة في العالم، إذاً: أين العالم الإسلامي يا إخوة؟ العالم الإسلامي كثير منهم ضل الطريق؛ لأن البدع بدأت تدخل، ويقولون: هذه بدعة حسنة هذه بدعة حسنة حتى أصبح الناس في حيرة من هذا الدين، والله يا إخوان زرت بعض هذه الأضرحة لأرى بعيني، فجئت قبل الفجر بساعتين فما استطعت أن أدخل من شدة زحام السيارات والباصات التي تنقل الحجاج من أقطار باكستان إلى ضريح من الأضرحة، فهذا واحد فقط من عشرين ألف ضريح. إذاً لا تعجبوا أيها الإخوة! حينما يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٥ - ١١٦].

стр. 1023

دين الإسلام يقوم على العدل هنا نستطيع أن نرجع إلى صلب الموضوع بعدما أنهينا الحديث عن الآيات بشيء من التفصيل لنقول لكم: دين الإسلام يقوم على العدل، والعدل هو الميزان الذي يقول الله عنه: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧]، والعدل: هو حكم الله ، فقد حرم الظلم على نفسه وحرمه بين الخلائق، وبهذا العدل ينتشر الإسلام في الأمم.

стр. 1024

رسول الله ﷺ يعدل مع نفسه ولذلك نجد في قصص كثيرة كيف يهتم رسوله ﷺ وخلفاؤه من بعده بهذا العدل، ولو أدى ذلك إلى أمور ليست لمصلحة الإسلام، الرسول ﷺ كان يحكم على نفسه بالعدل، ما كان يرى لنفسه أمراً يختص به، حتى قال ﵊ في الحديث الصحيح: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). (أيم الله) يعني: والله، متى كان هذا الكلام؟ حينما سرقت امرأة من بني مخزوم، من أشراف أهل مكة، فعزم الرسول ﷺ على أن يقطع يدها، فجاء خيار أهل مكة إلى أسامة ين زيد حب الرسول ﷺ فقالوا: قدموه ليكون شفيعاً، فكلم النبي ﷺ فقال: (أتشفع في حد من حدود الله)، لماذا؟ لأن الحد إذا ما أقيم على الناس كافة لا تستقيم هذه الحياة، بل كان الرسول ﷺ يقيمه على نفسه، ذات يوم في غزوة بدر كان الرسول ﷺ يسوي الصفوف، فـ سواد بن غزية كان متقدماً قليلاً على الصف، فجاء الرسول ﷺ ومسح بطنه بشيء من القوة ليرجع، قال: أوجعتني يا رسول الله! أتظنون الرسول ﷺ قال: هذا سبني أدخلوه السجن؟ لا، كشف الرسول ﷺ عن بطن نفسه وقال: خذ يا أعرابي حقك، وذلك أمام الناس في الحال، ما قال: خذوه هذا يسب الزعيم، فقام سواد بن غزية ﵁ وقبل بطن رسول الله، قالوا له: لماذا فعلت ذلك؟ قال: والله لقد علمت أنها ساعة ربما تكون هي الأخيرة في حياتي، وأريد أن تكون آخر حياتي مباشرة جسد رسول الله ﷺ . انظروا يا إخوان إلى الإيمان! يعرف أنه قادم إلى الجنة فيقول: أريد أن ألصق شفتي بجسد رسول الله ﷺ قبل أن ألقى الله . أما عمر بن الخطاب ﵁ فيقول على المنبر: (إن رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني) هل تظنون أن الناس سيقولون: لا، أنت أعدل الناس، ما فيك اعوجاج؟! بل قام أعرابي بدوي فشهر سيفه وقال: (يا عمر! والله لو رأينا منك اعوجاجاً لعدلناه بسيوفنا هذه).

стр. 1025

علي بن أبي طالب يختصم مع يهودي في درع له أما علي بن أبي طالب ﵁ فقد فقد درعه ذات يوم، وهو راجع من غزوة صفين، فذكر له أن درعه عند رجل يهودي، فقال لليهودي بلباقة وهو أمير المؤمنين: هذا درعي، قال اليهودي: بل هو درعي أنا، قال علي بن أبي طالب: نذهب أنا وأنت إلى القاضي، فذهب الاثنان إلى القاضي شريح ﵀، فجلس علي واليهودي على كرسيين متساويين أمام القاضي شريح، فقال القاضي شريح: هل لك بينة يا أبا الحسن؟ فغضب علي ﵁ وقال: لماذا تكنيني ولا تكني اليهودي؟ لا بد أن تعدل حتى في الكنية، قل: يا علي، قال: هل لك بينة؟ قال: والله ما عندي بينة، فقال: الدرع لليهودي، مع أنه لـ علي بن أبي طالب ﵁، لكن البينات حسب الظواهر أنه لليهودي وليس عند علي بينة. فاليهودي خجل وتعجب من هذا الحكم، كيف يجلس اليهودي مع علي بن أبي طالب أمير المؤمنين على كرسيين متساويين؟! فقام اليهودي وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أنها أحكام أنبياء، الدرع لك يا أمير المؤمنين، تبعتك يوم صفين ووجدته قد سقط منك، فقال علي ﵁: أما وقد اعترفت وأسلمت فإن الدرع لك. ما الذي دعا اليهودي إلى أن يعتنق دين الإسلام؟! الذي دعا اليهودي إلى أن يعتنق الإسلام هو العدل الذي طبق.

стр. 1026

عمر بن الخطاب وعدله مع جبلة بن الأيهم أما عمر بن الخطاب ﵁ فكان له موقف لا ينسى، كتب إليه رجل من كبار ملوك غسان يدعى جبلة بن الأيهم قال: يا أمير المؤمنين! أنا اعتنقت الإسلام أنا وقومي وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأستأذنك في العمرة، فرحب به عمر بن الخطاب وفرح به فرح شديداً. فجاء هذا الموكب العظيم من بلاد الشام إلى مكة، وكان يطوف حول الكعبة جبلة بن الأيهم ومعه خمسمائة من الحرس الذين اعتنقوا الإسلام معه، وبدون إرادة كان هناك رجل من فقراء المسلمين يطوف خلف جبلة بن الإيهم وهو من فزارة، وكان جبلة ما زال حديث عهد بجاهلية فكان يجر رداءه وراءه بعظمة الملوك، فوطئ الفزاري رداء جبلة بن الأيهم فسقط الإزار؛ فالتفت جبلة فلطم الفزاري لطمة فانهدم حاجبه، كيف تطأ ردائي وأنا ملك من ملوك العرب؟ فذهب الفزاري إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقال: يا أمير المؤمنين! انظر ماذا فعل بي جبلة قال: جيئوني بـ جبلة، ما قال عمر جبلة هذا مسلم جديد اتركه يا أخي! نحن ندفع ديتك من بيت المال، ثم قال لـ جبلة: أأنت ضربت هذا الرجل؟ قال: نعم، قال: القصاص، الآن أهدم حاجبك. إنه العدل! قال: يا أمير المؤمنين! أنا ملك وهو سوقة؟ قال: ليس عندنا في الإسلام ملك وسوقة، الناس كلهم سواء، قال: يا أمير المؤمنين! والله لو نفذت لأتنصرن، قال: والله لو تنصرت لقطعت عنقك لأنك مرتد عن الإسلام، كل هذا المكسب نسيه عمر بن الخطاب ﵁ من أجل أن يقر قواعد الأمن في بلاد المسلمين، وفي أرض المسلمين، قال: يا أمير المؤمنين أعطني فرصة ثلاثة أيام أفكر في أمري، قال: لك ثلاثة أيام إما أن ترضي الفزاري، وإما أن أهدم حاجبك، بعد ثلاثة أيام هرب الرجل في الليل هو ومن معه مرتدين عن الإسلام إلى بلاد الشام مرة ثانية، ورجعوا نصارى نعوذ بالله، ما قال عمر: يا ليتني كسبت جبلة بن الأيهم! كيف أهدده بالقصاص وهو رجل من ملوك العرب؟! خسرنا خمسمائة دخلوا في الإسلام ثم خرجوا منه، وإنما شكر الله عمر بن الخطاب أن وفقه إلى أن يقيم العدل في بلاد المسلمين. نختم الحديث أيها الإخوة؛ لأني أخشى أن تكون هناك بعض الأسئلة، وأسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1027

الأسئلة

стр. 1028

وجوب التوبة من كل الذنوب السؤال هل التوبة تكون من المعصية التي يجب فيها حد من حدود الله التي أوجبها في كتابه، أم أن التوبة تكون من الصغائر فقط؟ الجواب التوبة تكون من كل الذنوب حتى الشرك؛ لأن الشرك بالله أعظم من الذنوب التي فيها حدود، فالتوبة لكل الذنوب إلا حقوق الناس فإنه يشترط فيها مع التوبة رد المظالم، أما إذا كانت حقوقاً لله فيكفى فيها الندم، ونحن نعرف قصة ماعز ﵁ الذي زنا واعترف بين يدي الرسول ﷺ ، فلما رجموه هرب ﵁ لما وجد من ألم الحجارة، فلحقوه ورجموه حتى مات ﵁، فلما أخبر الرسول ﷺ قال: (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه!) إذا كان الإنسان قبل أن يعترف تقبل توبته فأولى أيضاً إذا تراجع عن اعترافه، لكن التوبة على نوعين: توبة في الدنيا وتوبة في الآخرة، أما توبة الدنيا فإنها لا تقبل في الأمور التي فيها حدود إذا كان فيها تهديد لأمن الناس، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٤]، فقاطع الطريق الذي يهدد أمن الناس إذا تاب قبل أن نقدر عليه تقبل توبته، لكن إذا تاب بعد أن نقدر عليه فإنها لا تقبل توبته، ومعنى: أنه لا تقبل عند الناس أي: أنه يقام عليه الحد، فقاطع الطريق إذا عثرنا عليه وأمسكناه قبل أن يتوب فإننا لا بد أن نقيم عليه حد قاطع الطريق، وهو قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]. وعلى هذا نستطيع أن نقسم التوبة إلى ثلاثة أقسام: توبة لا تقبل إلا بأداء الحقوق وهي حقوق الناس، وتوبة تقبل لكن قبل أن نقدر على صاحبها كقاطع الطريق إذا تاب وأعلن توبته، ورجع إلى الله تعالى قبل أن نمسكه، فنعتبره تاب حقيقة ونقبل توبته، أما إذا تاب بعد أن نمسكه فلا بد أن نقيم عليه الحد، وعلى هذا نقسم التوبة إلى توبة في الدنيا، وتوبة في الآخرة، أما بالنسبة إلى توبة الآخرة فهي لكل الناس، فإذا تاب الإنسان تاب الله عليه إذا صدق في التوبة. أما توبة الدنيا فإن هناك ذنوباً لا تقبل فيها التوبة بالنسبة للدنيا أي: بالنسبة للعقوبات، ولذلك يقول الفقهاء: لا تقبل توبة من سب الله، أو سب رسوله ﷺ ، أو سب الدين الإسلامي، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وليس معناه أنهم يدخلون النار وإن تابوا إلى الله ، بل المعنى أننا لا نقبل توبتهم نحن في الدنيا، فإذا وجدنا من يسب الله ، أو يسب الرسول ﷺ ، أو يسب دين الإسلام كالعلمانيين الذين يقولون: دين الإسلام لا يصلح للحياة، هؤلاء لا نقبل توبتهم في الدنيا، وإنما نقيم عليهم العقوبة ونترك آخرتهم لله ، وإلا فالأصل أن تقبل التوبة من كل الذنوب بشرط رد المظالم التي عند المذنبين إلى أصحابها.

стр. 1029

حكم من اقترض نقوداً من البنك وبنى بها ثم أراد أن يتوب السؤال لقد اشتريت بيتاً، واقترضت بعض النقود من أحد البنوك قبل فترة من الزمن، والآن تبت إلى الله، فما حكم ذلك، علماً بأنني ساكن في ذلك البيت، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟ الجواب والله يا أخي! إذا كنت فعلت هذا الأمر بجهل فإنك معذور بالجهل، لكن لا أظن الناس يفعلون هذا الأمر بجهل، وأظنك يا أخي أخطأت في الأول ورجعت إلى الله ، لكنك لو أردت أن ترد الحق إلى البنك فإنك لا ترد إلا الأصل؛ لأنه ليس له إلا الأصل، أما إذا كنت قد أديت هذا الأمر ودفعت الأصل مع الزيادة فليس أمامك الآن إلا أن تتوب إلى الله وتستغفر، ولا تعود إلى الربا مرة أخرى، فإن الربا حرب لله ولرسوله.

стр. 1030

حكم العمرة في شهر رجب السؤال البعض من الناس يفضلون العمرة في شهر رجب عن الأشهر الأخرى، فهل في هذا خطأ، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب أنا قلت لكم: الأصل في العبادات وفي توقيتها وتحديد شكلها هو شرع الله ، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله أن لا نعبد الله إلا بما شرع، وعلى هذا فإن من أوقع العمرة في رجب إن كان جاء بدافع شهر رجب، ومخصصاً شهر رجب لهذا الأمر فهو مبتدع؛ لأن شهر رجب لم يرد في فضل العمرة فيه أي دليل، ولم يرد في أي شهر من الشهور إلا في شهر رمضان كما جاء في الحديث عن رسوله ﷺ أنه قال: (عمرة في رمضان تعدل حجة) أو تعدل حجة معي، أما ما سواه من الشهور فليس فيها وقت محدد للعمرة لا في شهر رجب ولا في شهر ربيع الأول الذي وافق مولد الرسول ﷺ ، ولا غير ذلك، فمن جاء معتمراً في شهر رجب؛ لأنه وافق فرصة له كإجازة الربيع أو ما أشبه ذلك أو لأي سبب من الأسباب فلا شيء عليه، لكن من جاء معتمراً في شهر رجب يقصد شهر رجب فهو مبتدع، فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وأن لا يخصص للعمرة وقتاً معيناً، فإن العمرة جائزة في كل السنة. أما شهر رجب فكونه يختاره لأنه موعد الإسراء والمعراج بالرسول ﷺ ، فهذا وإن كان له أهمية لكنه ما ورد دليل على تخصيص هذه الفترة بنوع من أنواع العبادات، كليلة النصف من شعبان التي يتخذها بعض الناس وقتاً للعبادة لم يرد فيها دليل، وكما هو يوافق يوم ميلاد الرسول ﷺ ، كل هذه عبادات ما شرعها الرسول ﷺ أبداً، وإنما الذي شرعه الرسول ﷺ أن تكون العمرة دائماً وأبداً، ولم يرد دليل إلا في شهر رمضان كما قلت لكم.

стр. 1031

حكم إهداء قراءة القرآن للميت السؤال ما حكم اجتماع جماعة من الناس لقراءة القرآن، وعند الانتهاء يهدون ثواب ما قرءوه إلى الأموات؟ الجواب أما بالنسبة للاجتماع لقراءة القرآن فهذا طيب قال ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة)، إلى غير ذلك. أما إهداء الثواب للميت فقد اختلف العلماء فيه، وأفضل وأعدل الآراء التي أعتقد إن شاء الله أنها خير أنهم قسموا العبادات إلى قسمين: عبادات مالية، وعبادات بدنية، أما العبادات المالية كالصدقة وألحقوا بها الحج؛ لأن فيه دليلاً عن الرسول ﷺ ، فهذه العبادات إذا أهداها للميت فلعله أن يستفيد منها الميت، يعني: كأن تتصدق أو تحج أو تعتمر فقد وردت أدلة في إهدائها للميت، أما العبادات البدنية الأخرى فإنه لم يرد فيها دليل عن الرسول ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، كل إنسان له سعي يحاسب عن سعيه يوم القيامة. وعلى هذا فإن من أهدى القرآن لميت لم يرد الدليل في ذلك فقد يدخل في البدع ولكن نقول: يا أخي! إذا ختمت القرآن فادع للميت؛ لأن الإنسان له عند ختم القرآن دعوة مستجابة، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ ، وهذا خير من أن تهدي له هذه الختمة، أما إهداء الختمة فإنها عمل بدني محض لا يوجد دليل عن الرسول ﷺ على جواز إهدائه، فالأولى ترك ذلك، أما الأعمال المالية والحج والعمرة والطواف فهذه أرجو من الله أن تصل إلى الميت ويستفيد منها، وقد وردت أدلة في ذلك.

стр. 1032

حكم التعامل مع شركة التأمين السؤال تحدثت عن معصية الربا، ولكن يجري الآن التسويق عن التأمين سواء داخل المكاتب أو في الشركات، السؤال: هل من كلمة حول التأمين على الحياة التأمين على المنازل التأمين على السيارات وغيرها، والتأمين على الحوادث؟ الجواب أما بالنسبة للربا فتحدثنا عنه بما يكفي إن شاء الله، أما بالنسبة للتأمين فهو باطل من عدة وجوه أولاً: هو عدم ثقة بالله ، لماذا هذا الإنسان بدل أن يعتمد على شركة تأمين لا يعتمد على الله ، وأن يحسن الظن بالله ؟! والله يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)، لماذا تؤمن على حياتك وتؤمن على منزلك وعلى سيارتك؟ فهذا هو فقد ثقة بالله . ثانياً: هو من الميسر الذي يقول الله عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، والميسر مأخوذ من اليسر، فكل مال يحصل عليه الإنسان بيسر وسهولة هو نوع من الميسر، كيف يكون التأمين ميسراً؟ نعم، أنا قد أدفع طول عمري لشركة التأمين على بيتي أو على سيارتي ولا أحتاج منهم قرشاً واحداً في يوم من الأيام، إذاً بم يستحلون هذا المال الذي دفعته لهم طول عمري أو في سنوات معدودة؟ ثم بعد ذلك لا أستفيد منهم مرة واحدة، وقد يكون العكس، قد لا يدفع إلا مالاً قليلاً لهم ثم تصيب هذا الإنسان نكبة في سيارته أو في بيته أو في نفسه فيدفعون الدية وحينئذ يكون قد ظلمهم هو بدل أن كانوا ظلموه في الحالة الأولى، حيث أخذ منهم أكثر مما أخذوا منه، والميسر دائماً هو كل مال يؤخذ بيسر وسهولة دون أن يكون مقابله مشقة أو تعب يقدمه هذا الإنسان، وعلى هذا فإن القمار والمقامرة أمر محرم، إذاً: هذا التأمين وشركات التأمين إما أن تأخذ أموال الناس ولا تعطيهم مقابل ذلك حينما لا تصيبهم نكبة، وإما أن تعطيهم أكثر مما أخذت منهم فيكونون ظلموا هذه الشركة إذاً: هو مبني على الغرر، وكل معاملة بنيت على الغرر فإنها معاملة محرمة لاغية باطلة.

стр. 1033

حكم الصيام في رجب وشعبان السؤال هل الصيام في بعض أيام شهر رجب وشعبان أو تقديم بين يدي رمضان صيام، هل هناك ما يرغب في ذلك أم أن هذا بدعة؟ الجواب علمنا الرسول ﷺ مواقيت الصيام المسنونة، فمثلاً ثلاثة أيام من كل شهر، فلو صام الإنسان ثلاثة أيام من شهر رجب نقول: هذه سنة الرسول ﷺ ، ولو صام الإثنين والخميس من شهر رجب قلنا: هذه سنة الرسول ﷺ ، ولو صام شهر رجب كله قلنا: هذه هي البدعة، ما هو الدليل على بدعيته؟ الرسول ﷺ ما ورد أنه صام أبداً شهر رجب كله، أنت أحدثت شيئاً في دين الله ما فعله الرسول ﷺ ، ولا فعله الخلفاء الراشدون، لكن لو صمت شهر شعبان كله قلنا: هذا طيب؛ لأن الرسول ﷺ حث على صيام شعبان، ولو صمت ستة أيام من شوال قلنا: هذه سنة الرسول ﷺ ، ولو صمت مثلاً يوم عرفة فهذه سنة الرسول ﷺ ورد فيها دليل، ولو صمت العشر الأول من ذي الحجة فهذه سنة الرسول ﷺ ، ورد فيها دليل، لو صمت يوم التاسع والعاشر من محرم، قلنا: هذه سنته ﷺ ، ورد فيها دليل، ولو صمت يوماً وأفطرت يوماً طول حياتك قلنا أيضاً هذا من سنة الرسول ﷺ ، وهو صيام داود، لكن تصوم شهر رجب ما هو دليلك؟ لم يرد من سنة الرسول ﷺ تخصيص شهر رجب بالصيام، ولذلك فإني أنصح أي إنسان يعذب نفسه بهذا الصيام أنه فعل شيئاً ما شرعه الرسول ﷺ ، إذاً: هو غير متابع للرسول ﷺ ، وإنما هو متبع أهواءً أو متبع طريقة ورثها من آبائه وأجداده أو من مجتمعه، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. إذاً نقول: يا أخي! اتق الله حتى العبادات التي ترهق فيها نفسك وتتقرب فيها إلى الله لا بد أن تتحرى فيها متابعة الرسول ﷺ ، وإلا فإنها بدعة وكل بدعة ضلالة.

стр. 1034

بيان معنى (وشهد شاهد من أهلها) السؤال لقد استمعت لشريط لك بعنوان: عبر من قصة يوسف ﵇، ولقد ذكرت في تلك المحاضرة الشخص الذي شهد على امرأة العزيز والذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦]، فالسؤال هو: هل هو طفل رضيع الذي شهد بذلك؟ الجواب نعم الذي ورد في الأثر أنه طفل رضيع، ولذلك تعتبر آية ومعجزة ليوسف ﵊، ولذلك جاء في الحديث أنه ما تكلم في المهد إلا ثلاثة فذكر الرسول ﷺ : صاحب جريج، وصاحب يوسف، وصاحب الأخدود الذي قال لأمه لما وقفت على حافة الأخدود: يا أماه! اقدمي ولا تقاعسي إنك على الحق المبين، والرابع هو عيسى ﵊، فهؤلاء هم الذين تكلموا في المهد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1035

كيف وأين يتربى الرجال؟ [١] لقد خلق الله الخلق وجعلهم ذكوراً وإناثاً، وميز الذكور عن الإناث بصفات خَلْقية، وهناك صنف من الذكور تميزوا بأخلاق وقيم، وصفات وشيم، رفعتهم رتبة على بني جنسهم من الذكور، وهم الذين سماهم الله رجالاً، وهؤلاء الرجال لا يمكن أن يصيروا كذلك، إلا إذا تربوا في المساجد التي هي مصانع الرجال، ومنها يتخرج الأبطال.

стр. 1036

تربية الرجال في القرآن (سورة النور أنموذجاً) الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي خلق عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده؛ فجزاه الله عنا وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء، وصلى الله عليه وسلم وبارك، وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين. أما بعد: قبل الشروع في الحديث عن مواطن تربية الرجال أو عن مصانع الرجال، نستعرض آيات من كتاب الله أشارت إلى هذا الموضوع بإسهاب، وبينت الجانب السلبي والإيجابي بالنسبة لتربية الرجال. يقول الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٥ - ٣٦]. تحدثت الآية الأولى عن نور الله في قلب المؤمن، وكيف ينمو ويترعرع هذا النور، وما شبهه بالنسبة لما يشاهده البشر في عالم الكون، وإن كان طائفة من العلماء قد ذهبوا في تفسير هذه الآية إلى أن المراد هنا: نور الله الذي هو اسم من أسمائه، وصفة من صفاته، لكن ذلك بعيد؛ لأن نور الله لا يمكن أن يشبه أي شيء من المخلوقات، فالذي أميل إليه في هذه الآية: أن المراد بهذا النور المذكور هو نور الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن. وقد جاءت هذه الآية بعد إسهاب طويل، وشرح مفصل عن الفاحشة، وعن أسبابها ووسائلها، وقطع الطرق الموصلة إليها، ابتداء من أول سورة النور: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، إلى آخر آية من المقطع الأول من هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤]. وأنت ترى في الآية التي هي المطلع للسورة ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا))، والآية التي هي الخاتمة لهذا الجزء من هذه السورة: ((وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ))، وما بين هاتين الآيتين، تربية عظيمة على الأخلاق والفضيلة، ومحاربة فريدة للرذيلة وفاحشة الزنا التي هي أعظم الفواحش التي يفعلها الناس فيما بينهم! وقد تحدثت الآيات بإيجاز بسيط عن الحدود، ثم عن الحديث عن الفاحشة، وعدم إنكار هذا الحديث، وعدم وجود رادع يقابل هذا الحديث، ثم تحدثت بعد ذلك عن الاختلاط الذي أصبح الآن لوثة عصرية! ثم تحدثت -بعد ذلك- عن النظر وعن غض البصر، ثم تحدثت بعد ذلك عن الزواج الذي يعتبر الحصن الحصين لهذا الإنسان، فحينما يتزوج يكون في مأمن -بإذن الله من هذه الفاحشة. فهذه تربية خلقية عظيمة، ومهما بذل المربون، وعلماء الاجتماع والأخلاق، فلا يمكن أن يصلوا إلى جزء منها.

стр. 1037

تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض) يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، المراد بالنور هنا: نور الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، أي: أن الذين لا يتأثرون بهذه المغريات التي تسبب الفاحشة والجريمة في المجتمع، هم الذين عصم الله قلوبهم بالنور، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وهذا يؤيد هذا المعنى الذي اخترناه؛ لأن نور الله لا يشبه بمخلوق من المخلوقات، ويؤيد هذا المعنى قول الرسول ﵌: (القلوب أربعة -ثم ذكر من هذه القلوب- قلب فيه مثل السراج يزهر)، ويقصد بذلك ﵊ نور الإيمان. ونتعرض بإيجاز لمعنى هذه الآية التي هي آية النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ حتى نصل إلى ما نريد. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: نوره في قلب المؤمن. ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور:٣٥] المشكاة: هي الكوة في الجدار التي لا تنفذ من الخلف، وتعكس الضوء إلى الأمام. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] المراد بالمصباح: السراج. ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥] الزجاج هو الأجسام الشفافة التي تشف عما وراءها، وتعكس الضوء بقوة. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] الكوكب الدري: هو النجم المضيء في السماء، مأخوذ من الدَرّ: وهو الدفع، أو من الدُرّ: وهو اللمعان. ثم يقول الله في وصف هذا السراج: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] أي: ليست بالشرقية فحسب، وليست بالغربية فحسب، بل هي شرقية غربية، أي: أن هذه الزيتونة تصيبها الشمس وقت الشروق وتصيبها وقت الغروب؛ فيكون أصفى لزيتها وأنقى له، وحينئذٍ يكاد هذا الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار. يقول الله : ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] أي: نور السراج، مع نور الكوة التي تعكس الضوء، مع نور الزجاجة، مع نور زيت هذه الزيتونة الذي يكاد أن يضيء ولو لم تمسسه نار!

стр. 1038

الإسلام دين الوسطية والاعتدال بعض علماء العصر ذهبوا في تفسير هذه الآية مذهباً آخر، فقالوا: هذا يحكي الملة المحمدية، فإنها ليست بشرقية وليست بغربية، لا تستمد منهجها من الشرق ولا من الغرب، ولكنها تستمد منهجها من الله ، ولربما يصلح هذا المعنى، خصوصاً في هذه الفترة التي شعر العالم الإسلامي فيها بالتبعية إما للشرق أو للغرب، ودين الإسلام -كما نعرف عن كل مناهجه وجزئياته وكلياته- دين وسط بين طرفي نقيض، فإذا كانت هذه الأنظمة المعاصرة تميل إما إلى اليمين أو إلى اليسار -كما اصطلح عليه علماء العصر- فإن ملة محمد ﷺ ملة قائمة بذاتها ليست بالشرقية وليست بالغربية، وإنما هي ملة معتدلة بين طرفي نقيض، وهذا شيء مشاهد في دين الله الذي هو دين الإسلام، فإنه لا يخضع للشرق ولا للغرب، كما أنه يكون دائماً وسطاً بين أنظمة الشرق وأنظمة الغرب. على سبيل المثال: الغرب لم يضع نظاماً للمال أبداً! بل أطلق الحرية لهذا الإنسان، فله أن يكسب المال من الحلال أو من الحرام، من الربا أو من أي طريق آخر، وليس في المال حقوق ولا نفقات، ولا واجبات ولا زكاة. وجاء الشرق بملة مضادة لهذه الملة فقال: إن المال ليس ملكاً لهذا الإنسان بمفرده، وإنما هو ملك للدولة ولجميع الناس. وكلاهما انحرف وأخطأ، فإن الله هو الذي أباح الملكية الفردية لهذا الإنسان، وجعل ذلك مطلباً من مطالب هذا الإنسان، وشرع قيوداً لكسب المال ولإنفاق المال. وأيضاً: نجد أن الصوفية المعاصرة تقدس الروح وتهتم بها، وتهمل الجسد، وتقابلها الشيوعية الملحدة، فهي تقدس الجسد، وتهمل الروح، وأما الإسلام فإنه يعتني بالروح والجسد معاً، ويتوازن في معاملتهما. وعلى هذا فقس في جميع الأنظمة القائمة، ولذلك فإن ملة الإسلام ليست شرقية ولا غربية وإنما هي دين وسط؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، سواء كانت في الجغرافية، أو في الأفكار، أو في العبادات، أو في المعاملات، أو في أي شيء.

стр. 1039

أين يتربى الرجال ؟ هذا القلب الذي اتصف بهذه الصفات المذكورة في الآية، ضرب الله له المثل بأقوى نور عرفه الإنسان وقت نزول الآية، والله تعالى لا يخاطب الناس بما لا يعلمون، فلا يعدو علم الإنسان -قديماً- بالنسبة للأضواء اللامعة من أن يرى سراجاً في كوة غير نافذة، وعليه زجاجة، وهذه الزجاجة لامعة مضيئة تعكس الضوء كاملاً، ويوقد هذا السراج من زيتونة لا شرقية ولا غربية. هذا الخبر يثير تساؤلاً في نفس الإنسان، لا سيما من يبحث عن الحق، وهو أن هذا قلب طاهر وعظيم! فأين يوجد هذا القلب؟ وأين يتربى هذا القلب؟ وأين ينشأ؟ وأين يولد؟ وأين مكانه؟ والجواب في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، ومن هنا نعرف كيف يتربى الرجال؟ وأين يتربى الرجال؟ وأين يولد الرجال؟ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] , وعلى هذا يقول المفسرون في قول الله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ)) أنها متعلقة بـ (يوقد)، وفي قراءة سبعية: (توقد)، أي: هذا النور يوقد في بيوت أمر الله أن ترفع وتُعظم وتقام وتنظف وتطهر، وهي المساجد على رأي جمهور العلماء. وعلى هذا: فإن المساجد هي مكان ولادة هذا النور، ونشأة هذا الإيمان، وتربية هؤلاء الرجال، ولعل ذلك يقابل ما مر في أول الآية حينما ذكر الله الفاحشة، ومواطنها، وأسبابها، ووسائلها، ومقتضياتها، من النظر الحرام، والاختلاط الحرام، والحديث عن الجريمة والفاحشة الذي يسهل الوصول إليها، ويجعلها مألوفة تقبلها الآذان، ثم تتحدث عنها الألسن وتلوكها، ثم يصدق الفرج ذلك أو يكذبه؛ لعل هذا النور الذي ذكره الله في المساجد يقابل تلك المواطن التي تنتشر فيها الفاحشة، وعلى هذا فإن من أراد التحصين لنفسه ولأمته ولنشئه، فعليه أن يربي هذا النشء في المسجد، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، قال بعض المفسرين: (في بيوت) هي: متعلقة بـ (يسبح)، أي: يسبح له في بيوت رجال. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر وأوجب، ووصى وفرض؛ ولذلك فإن بناء المساجد أمر مرغب فيه، سواء في الآيات أو في الأحاديث النبوية، كما في الحديث: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة)، وهذه المساجد هي بيوت الله ، ويجب أن تصان من كل ما لا يليق بها من الكلام الحرام، والعمل الحرام، وأحاديث الدنيا، وما أشبه ذلك مما يجب أن تنزه عنه المساجد. وحينما تكون المساجد بهذا المستوى وهذا القدر فإنها تربي هؤلاء الرجال؛ ولذلك يقول الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ)، والمراد بالغدو أول النهار، والمراد بالآصال آخر النهار، أي أن المؤمنين في مداومة واستمرار على طاعة الله وذكره وتسبيحه؛ ولذلك فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل قلبه معلق بالمساجد)، أي: دائماً ينتظر الصلاة، ويلازم المساجد، ويراقب مواعيد الصلاة والأذان، فقلبه معلق بالمسجد دائماً، كلما انتهى من صلاة ينتظر الصلاة الأخرى؛ فهذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أي: في يوم القيامة.

стр. 1040

معاني الرجولة وصفات الرجال تبين من الآية أن المقصود بـ (رجال) أهل المساجد، ومن يتربون في المساجد، وكلمة (رجال) لم ترد في القرآن العظيم إلا في ثلاثة مواضع، وكل موضع من هذه المواضع يدل على الثناء. الموضع الأول: في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. الثاني: في قول الله تعالى عن الأنبياء الذين هم صفوة البشرية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧]. الثالث: عند ذكر المجاهدين في سبيل الله، وهم الذين حققوا البيعة بينهم وبين الله ؛ فسماهم الله تعالى رجالاً، فقال: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣].

стр. 1041

الرجال المستكملون سمات الرجولة كلمة (رجال) تعطينا معنيين اثنين: المعنى الأول: الذكورة، أي: أنهم ليسوا بنساء، فإن الرجل خلاف المرأة، والرجل يقابل المرأة والمرأة تقابل الرجل، وهذا هو المتبادر إلى أذهان كل الناس؛ مثل أن نقول: صلاة الجماعة واجبة على الرجال وليست بواجبة على النساء. المعنى الثاني: وهو المعنى الأعظم والأشمل، وهو أن الرجال هم الذين يحققون ويثبتون معنى الرجولة الحقة، فليس كل ذكر يكون رجلاً، فكم من الذكور من تنازل عن رجولته؟ وكم من الذكور من لم يصل بعد إلى دور الرجال؟! لأن كلمة (رجال) في الآيات الثلاث التي ذكرناها تعني الذين اكتملت فيهم سمات الرجولة وصفات الرجال، وحققوا معنى الرجولة، فهم الرجال حقاً! وهذا الشيء يشاهده الخاصة والعامة، فإذا أعجبك ولدك قلت له: أنت رجل؛ مع أنك تعرف أنه رجل، لكنك في الحقيقة تقصد بقولك له: رجل، أي: حققت معنى الرجولة، واكتملت فيك صفات الرجال. وعلى هذا فإنك إذا أردت أن تمدح أحد الناس، فإنك تقول: فلان رجل! مع أن الناس يعرفون أنه رجل وليس بأنثى، لكنك تقصد بذلك أن صفات الرجال قد توافرت فيه، وهذا هو المعنى المقصود في هذه الآية، فليس معنى (رجال) ذكوراً، ولكن معناها: رجال استوفوا كل صفات الرجال، واستكملوا كل أخلاق الرجال، فهم أبعد الناس عن الأنوثة!

стр. 1042

ترفع الرجال عن التخنث والتشبه بالنساء فهذه الكلمة لا يستحقها إلا أهل المساجد وعباد الله ، ونأسف جداً لأن كثيراً من أشباه الرجال لم يصلوا إلى الرجولة الحقيقية بعد، بل هم لا يفكرون في ذلك ولا يريدونه، وهذا شيء نشاهده في أوساط (أشباه الرجال!)، ممن تحولوا عن رجولتهم في عصرنا هذا، فأصبحوا يسابقون البنات إلى الموضات، حتى لبسوا الذهب والحرير، وضيقوا ملابسهم، وغيروا مشيتهم، ولبسوا الشعر الصناعي، ولربما يرققون أصواتهم كالمرأة، وهذا يعتبر حدثاً عجيباً في تاريخ البشرية، وإن كان قد ورد أن هؤلاء أشباه الرجال سوف يأتون في زمن متأخر كما ورد في أثر أنا لا أعرف صحته، لكن له شاهد من الواقع. عمر بن الخطاب ﵁ حدثه الرسول ﷺ عما يحدث في آخر الزمان، فاستغرب عمر ما سيحدث؛ لأنه شيء لا يقبله العقل لولا أنه خبر من أخبار رسول الله ﷺ ، فسأل الرسول ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (يا عمر! ترك القوم الطريق) أي: سيتركون الطريق (وخدمهم أبناء فارس -ونحن نقول الآن: وبنات فارس- وتزين الرجل منهم بزينة المرأة لزوجها، يتأولون كتاب الله، يقولون: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢])، وهذا أمر نشاهده في الواقع، فإن الذين نزلوا عن مستوى الرجولة يتأولون ذلك، وهم في كثير من الأحيان قد لا يعرفون من القرآن إلا هذه الآية، فيقولون: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾، فهؤلاء يجب أن نلغيهم من قائمة الرجال! لكن لا ندري أين نضعهم؟! لأنهم لم يصلوا بعد إلى الأنوثة المكتملة! وهؤلاء أمرهم أعجب من أن تترجل المرأة، ولو أن المرأة أرادت أن تتشبه بالرجل، ما كان ذلك كتشبه الرجل بالمرأة؛ لأن المرأة تريد أن تعلو درجة! فإن الله يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ويقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، مما يدل على أن الرجل أعلى درجة من المرأة، لكن حينما يريد الرجل أن يهبط إلى هذه الدرجة، يصبح الأمر عجيباً وغريباً، ولذلك يقول الشاعر: وما عجبي أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجاب أي: أن المرأة عندما تترجل، فليس هذا بعجيب، لكن الرجل أو الشاب حينما يتأنث يصبح الأمر عجيباً؛ إذ كيف يتنازل عن حق من حقوقه، وميزة من ميزاته التي اختصه الله بها؟! المهم أن كلمة (الرجال) تعطينا هذا المعنى المكتمل، وتعطينا هذه الحقيقة الواضحة، ولذا فإن أي إنسان -بعد أن يفهم معنى كلمة رجال وما يتميزون به- يتطلع إلى المواطن التي يتربى فيها هؤلاء الرجال، حتى لا يكون من أشباه النساء، وحتى يكون من الرجال الذين اكتملت رجولتهم وتمت شخصيتهم فلم يتنازلوا عن شيء منها أبداً، بل هم يتطلعون إلى مستوىً أعلى، فلو تيسر لهم أن يكونوا فوق مستوى الرجال فلن يبخلوا على أنفسهم بالتقدم!

стр. 1043

المساجد مواطن تربية الرجال ننتقل إلى الموطن الذي يتربى فيه الرجال، والله قد ذكر أين يتربى الرجال فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. ومن هنا نعرف أن النور الذي ذكره الله هو النور الذي اهتدى به هؤلاء الرجال، فعرفوا الله به، وعرفوا مكانتهم في هذه الحياة، وعرفوا وزنهم وقيمتهم؛ لذلك فهم لا يبغون بها حولاً، ولا يرغبون عنها بدلاً. هؤلاء الرجال الذين نشئوا في المسجد، فهم من أبناء المساجد، وقلوبهم معلقة بالمساجد، يتصفون بثلاث صفات: أولاً: هم يسبحون الله في كل حال من أحوالهم، ويعظمون الله كما يليق بجلاله وعظمته. ثانياً: هم رجال.

стр. 1044

لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن طاعة الله ثالثاً: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ومن العجيب أن لهم تجارة، وأن لهم أموالاً، وأن لهم مصالح، لكن هذه المصالح، وهذه الأموال التي بأيدي هؤلاء الرجال الذين عرفوا الله حق المعرفة، وآمنوا به حق الإيمان؛ لم تلههم، فهم لم يضعوا هذا المال وهذه المصالح في قلوبهم كما يضعها (أشباه الرجال) لكنهم يضعونها في أيديهم، ويضعون خشية الله ومراقبته ومحبته في سويداء القلوب. إذاً: هم رجال ليسوا عالة على غيرهم، كما يظن بعض الناس أن معنى قوله تعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧] أنه ليست لهم تجارة، وليس لهم بيع، وليست لهم مصالح دنيوية، لا. فالمسلم مطالب أن يعمر الحياة، وأن يعمل للحياة، وألا يكون عالة على غيره، وأن يكون عضواً فعالاً في هذا المجتمع، وأن يقدم الخدمات لنفسه ولأهله وذويه ولأمته، وأن يكون عنصراً نشيطاً حياً، لكن يجب عليه ألا يضع شيئاً من ذلك في قلبه! بل يجب أن يفرغ قلبه لخشية الله وللحياة الآخرة، وعليه أن يضع هذه الأشياء في يده. هذا هو المعنى المفهوم من قوله تعالى: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: لهم تجارة، ولهم بيع، ولهم دكاكين، ولهم مصانع، ولهم متاجر، ولهم أعمال، لكن هذه الأشياء كلها يعتبرونها وسيلة وليست بغاية، أما لو انزووا في زاوية من زوايا الحياة، وأصبحوا عالة على المجتمع، وأصبح غيرهم ينفق عليهم، وأصبحوا يتركون دفة الحياة يديرها من لا خلاق له ولا دين له، فإن هذا سوف يُحدث خللاً في المجتمع، فينتشر الفساد، وتنتشر المعاملات المحرمة كالربا، وتفسد الحياة كما هو حاصل في عصرنا الحاضر في بعض الأماكن. هؤلاء الرجال لهم تجارة، ولهم بيع، والدليل على ذلك: أن أحد أصحاب رسول الله ﷺ مر ذات يوم بالسوق، وكان الناس قد فتحوا دكاكينهم يبيعون ويشترون، فإذا بالمنادي ينادي: حي على الصلاة! حي على الفلاح! وكان أحدهم قد رفع الميزان بيده لكي يزن البضاعة، فرمى بالميزان على الأرض، وأغلق الدكان، ومشى إلى المسجد، فقال الصحابي: انظر يا أخي! هؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).

стр. 1045

ليسوا عالة على غيرهم في الحياة أما الذين يقبعون في زاوية من زوايا الحياة، ويصبحون عالة على غيرهم، ويظنون أن الدين رهبانية وانزواء! وأنه لا يسمح للمسلم بأن يزاول أي مهنة من المهن، أو أي صنعة من الصنعائع! حتى ظن بعض الناس أن شيئاً من هذه الصناعات يؤثر على السمعة وعلى الشرف؛ إذا اتجه الناس هذا الاتجاه، فإنهم قد خالفوا الشرع واتجهوا خلاف الشرع الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه! (جاء ثلاثة نفر إلى بيت رسول الله ﷺ ، فقالوا لإحدى زوجاته: ماذا يعمل رسول الله ﷺ في السر؟ فأخبرتهم بعمله في السر، وأنه يعمل للدنيا وللآخرة، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد، وقال الثاني: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء! فلما علم الرسول ﷺ بمقالة هؤلاء غضب غضباً شديداً، ثم صعد المنبر وقال: أيها الناس! أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، أما إني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). وقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة الرجال العقلاء العلماء الذين كانوا يوجهون النصائح إلى قارون، وهو الرجل الذي تنكر لله ، ونسي النعمة والمنعم! فكانوا يوجهون له النصائح بأن يستغل هذه الثروة وهذا المال فيما يرضي الله ، فكان من نصائحهم: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، قال بعض المفسرين: أي: خذ من الدنيا بنصيب، لكن لا تجعل الدنيا أكبر همك. وهذه الوصية التي يجب أن نقدمها دائماً لمن أراد أن يصل إلى مصاف الرجال. إذاً: هذه هي الصفة الثالثة من صفات هؤلاء الرجال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، فيشتغل للدنيا ويشتغل للآخرة، لكن عليه أن يضع كل واحدة في موضعها المناسب، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، وبحيث لا ترتفع إحداهما على كفة الأخرى.

стр. 1046

خشية هؤلاء الرجال وخوفهم من يوم القيامة هؤلاء الرجال أهل الصلاح والاستقامة، عرفوا الله حق المعرفة، وعبدوه حق العبادة، وكان المتوقع لمثل هؤلاء أن يطمئنوا ولا يخافوا؛ لأن الخوف يجب أن يكون من قوم يعيثون في الأرض فساداً، ويدمرون الأفكار والأخلاق، لكن العجب أن هؤلاء الذين هم في طاعة مستمرة لله ، وقد وصلوا إلى درجة الرجال، وشغلوا حياتهم بتسبيح الله ، وكانت لهم تجارة؛ وضعوها في أكفهم، وقدموا خشية الله على كل المصالح الدنيوية؛ يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار! ومن هنا على المسلم أن يأخذ درساً من هؤلاء، فمهما بلغ من الصلاح والتقى والإيمان والخشية لله وتطبيق أوامر الله، فيجب عليه أن يكون خائفاً دائماً، قال عمر بن عبد العزيز ﵁: (إنه لا يأمن غداً إلا من خاف وحذر في هذا اليوم). وجاء في الأثر: من فعل الذنب وهو يضحك، دخل النار وهو يبكي! المؤمن مهما يقدم من الطاعات والحسنات والخير، فإن عليه أن يكون خائفاً على الدوام، لا لأن الله سوف يهضمه شيئاً من عمله، فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢]، ولكنه يخشى من سوء الخاتمة يخشى ألا يتقبل الله منه هذا العمل يخشى الرياء أو السمعة وغيرهما من مفسدات الأعمال يخشى ألا يكون قد أدى كل الواجب الذي أوجبه الله عليه؛ لذلك فهو من الذين: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. يوم القيامة يوم عظيم يجعل الولدان شيباً، يقول الله عن الصالحين: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧]، ويقولون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:١٠]؛ ولذلك فإن هؤلاء لا يلامون أن يخافوا؛ لأنه يوم تقفز فيه القلوب عن مواطنها من شدة الخوف إلى الحناجر، وهو يوم يرتفع فيه البصر من شدة الذعر والخوف إلى أعلى الرأس، وكأنه قد تحول من مكانه من شدة الخوف! وهذا الشيء نشاهده حينما نخاف من أي أمر من الأمور المخيفة، أما أولئك فإنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا، إنما كانت توصف لها وصفاً. فالقلوب تتقلب، أي: تؤمن بأشياء ما كانت تؤمن بها من قبل، وهذه قلوب الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل. فالخوف صفة من صفات الرجال، وقد ورد وصفهم بالخوف في سورة المؤمنون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]، لما سمعت عائشة ﵂ هذه الآية من رسول الله ﷺ قالت: (يا رسول الله! (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهم الذين يسرقون ويزنون ويفعلون الفواحش فيخافون؟ قال: لا، بل هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخشون ألا يتقبل الله ذلك منهم). إذا كان هؤلاء المؤمنون يخافون -وهم في غاية الإيمان والتقى والصلاح والاستقامة- فمن باب أولى أن يخاف أولئك المفسدون في الأرض من أصحاب الجرائم والكفر والإلحاد والطغيان والكبرياء، الذين ساموا المسلمين سوء العذاب، والذين طعنوا في دين الله، وشوهوا دين الإسلام أمام ضعاف الإيمان، وصالوا وجالوا وأفسدوا، وفعلوا ما فعلوا من الفواحش، وتركوا ما تركوا من الواجبات، لكنهم في غمرة الحياة الدنيا، ولذة العيش ومتاع الحياة؛ أصبحوا آمنين مطمئنين، ولكنهم سوف يخافون حينما يأمن الصالحون، وحينما ينجي الله المؤمنين من الفزع الأكبر ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣]، يومئذ يخاف أولئك ويطمئن هؤلاء. هذه هي صفات هؤلاء الرجال: يسبحون، وهم رجال اشتملوا على معنى الرجولة، (ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وأيضاً: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).

стр. 1047

هؤلاء الرجال يعبدون الله رغباً ورهباً ومحبة نعود مرة أخرى إلى قوله تعالى: (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) لنستعرض رأي طائفة من غلاة الصوفية في أيامنا الحاضرة: غلاة الصوفية يقولون: نحن لا نعبد الله خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته! ولا نبالي بالجنة ولا بالنار، وإنما نعبد الله محبة لله! وبعضهم يقول: إني أذوب في محبة الله! وهذا ليس هو الاعتقاد الصحيح، فهو كذب وافتراء، فأنا وأنت وكل مؤمن يجب أن نعبد الله محبة له، وخوفاً من عذابه، وطمعاً في جنته، وهؤلاء صفوة الرجال يقول الله عنهم: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]. بل إن هناك أفضل من هؤلاء، وهم المرسلون عليهم الصلاة والسلام لما ذكر الله بعضهم بأسمائهم وصفاتهم في سورة الأنبياء قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]. إذاً: الإنسان يعبد ربه محبة له، وخوفاً من عذابه، وطمعاً في جنته. والله لولا جنة الله التي نرجوها وعذاب الله الذي نحذره ونخافه ما كنا بهذا المستوى، لكننا نعبد الله محبة ورغبة ورهبة، وهذا هو منهج المؤمنين، (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار).

стр. 1048

التربية بعيداً عن المسجد سبب الانحراف الرجال لا يتربون إلا في المسجد، المسجد الذي يتعاهد الطفل منذ بداية تمييزه، منذ سن السابعة: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع)، الطفل حين يختلط بالصالحين، ويأخذ من أخلاقهم وسلوكهم، ويحضر مجالس العلم، ويعرف الله ورسوله ﷺ حق المعرفة، ويعرف دين الإسلام بالأدلة، ويعرف كيف يعبد ربه، وكيف يخشى الله ، ويجلس في حلق القرآن يقرأ ويتلو كتاب الله ويحفظه؛ حينئذٍ سوف يخرج رجلاً. أما تربيته على خلاف هذه التربية فهذا هو ما أحدث الخلل في هذه الأمة الإسلامية، فالآن يتربى كثير من أبناء المسلمين بعيداً عن المساجد، لا يعرف أحدهم الطريق الموصلة إلى المسجد، ولربما لا يصلي إلا صلاة الجمعة أو بعض الصلوات! ولربما لا يدخل المسجد إلا حينما يموت فيقدم لتصلى عليه صلاة الجنازة! هذا واقع مشاهد لا أحد ينكره، لكن الخطر سيكون قبل أن يقف هؤلاء الناس للحساب بين يدي الله ، والنتيجة خطيرة في الدنيا قبل الآخرة. هؤلاء الذين يتربون بعيداً عن المسجد، قد يتربون بين الأفلام والمواخير، ومراكز الشراب والبارات، والمحرمات، والعاهرات، والرقص، والغناء، لا نريد أن نستعرض هذه كلها، لكن أولئك هم الذين أصبحوا الآن يفسدون في الأرض هم الذين أصبحوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين هم الذين يسعون الآن ليجروا عاراً على أمتهم لا ينسى إلى يوم القيامة هم الذين سوف يحلون قومهم دار البوار هم الذين يصفون هذا الإسلام بالتأخر، والرجعية، والتخلف، وأن هذه الأمة متخلفة، ويصفون المرأة المسلمة بالتأخر والتخلف، وينادونها إلى التحرر، ويزعمون أنهم أصحاب حقوقها، والمدافعون عنها وعن حريتها، والله يعلم أنهم لا يريدون بذلك إلا سوءاً وفساداً، يريدون أن تنحل المرأة وتنحرف؛ ليصطادوها في الماء العكر، ولتصبح لقمة سائغة بين أيديهم. هم ينادون بهذه الحرية الكافرة الملحدة الآثمة الغاشمة في وقت أصبح فيه أعداء الإسلام الكفرة قد سئموا من أوضاعهم المنحرفة، فصاروا ينادون المرأة في بلادهم بأن تعود إلى الحشمة والكرامة والمحافظة! فهؤلاء جاءوا ليبدءوا من حيث ينتهي الناس، هؤلاء هم الذين تربوا بعيداً عن المسجد. ولربما تطور الأمر بالنسبة لهم، فنسمع من أخبارهم ما يدمي القلب ويذيبه كمداً كالطعن في الإسلام، لا يكفيهم أن تتحرر المرأة -كما يزعمون- أو أن تنحرف، بل لا يقر لهم قرار إلا وهم يرون الأمة الإسلامية تعيش في المؤخرة، ولا يكفيهم هذا التخلف وهذا التقهقر الذي أصاب الأمة الإسلامية، وهذا النوع من البشر قد يتجرءون على دين الإسلام فيكونون من أئمة الكفر الذين أمر الله بأن نقاتلهم في أي مكان نجدهم: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢]. ولربما يتجرءون أكثر من ذلك فيطعنون في رسول الله ﷺ ، وما أخبار الحداثيين منا ببعيد، ولربما يتجرءون على الله فيقولون كلاماً لا ينبغي لمسلم أن يقوله حتى على سبيل الحكاية! فلماذا هذا كله؟ لأنهم ليسوا من الرجال الذين تربوا في أحضان المسجد، وعرفوا الله ، بل لربما أن الرقابة الأبوية أو ما فوق الأبوية قد تساهلت في تربية هؤلاء، أو لربما أن هؤلاء غسلت أدمغتهم في بلاد الشرق أو بلاد الغرب، ونجح أعداء الإسلام في إفساد هؤلاء، فأرادوا أن يحققوا الفكرة التي تدور في أذهانهم، وهم يقولون: إنكم لا تستطيعون قطع شجرة الإسلام إلا بغصن من أغصانها!! ويقصدون بهذه الكلمة: ربوا من أبناء المسلمين من يقوم بهدم الإسلام! لكننا مطمئنون على شجرة الإسلام، وهذه الخفافيش والصراصير لن تؤثر فيها أبداً؛ لأن هذا نور الله ودين الله الذي سوف يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ونحن مطمئنون إلى وعد الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، لكننا خائفون على الأمة من أن يتسلم شيئاً من مقاليد الأمور فيها نوع من هؤلاء الذين لا يعتبرون أشباه رجال، ولكنهم دون ذلك!

стр. 1049

تحقق حديث حذيفة بن اليمان في الفتن روى حذيفة بن اليمان ﵁ حديثاً عجيباً أراه اليوم يتحقق في هؤلاء الذين يحسبون على الإسلام، ويحملون الأسماء الإسلامية: أحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وسعد وسعيد، وهم أكبر عدو وألد عدو للإسلام! ولو كان الإسلام يحارب كما في الجاهلية الأولى بـ أبي جهل وأبي لهب لكان الأمر سهلاً! لكنه يحارب بهؤلاء الذين يحملون الهويات الإسلامية، والأسماء الإسلامية، وتربوا في بيوت المسلمين، وهم من أسر إسلامية عريقة، ومع ذلك فهم أخطر على الإسلام من أبي جهل وأبي لهب في وقتهم، وأخطر على الإسلام من أعداء الإسلام الذين يأتون من الخارج!! يقول حذيفة: (كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: قوم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا) كيف ذلك؟ لو أردنا الآن أن نحصر ما كتبه المتمسلمون أو المنسوبون إلى الإسلام في الصحف وفي المجلات وفي المؤلفات من الطعن في الإسلام، ثم ننظر ما كتبه الأعداء الذين يأتون من الخارج، لوجدنا أن الأول أضعاف مضاعفة بالنسبة للثاني! بل وجدنا ممن يعتز بكفره وبجاهليته من غير المسلمين، من يثني على الإسلام! مع أننا لا نحتاج إلى ثنائهم، حتى قال برنارد شو: إن محمداً لو بعث اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة!! فهذه كلمة يقولها رجل كافر يهودي، وتلك مقالات يقولها أناس يحسبون على الإسلام. فالأمر خطير، والمصيبة داخل البيت! ولو كان العدو من الخارج لكان من السهل أن تحمى البلاد بالحصون، وأن يقف كل مسلم أمام داره ليحمي هذا البيت، ولكن المصيبة كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فهذا مثل ضربناه لقوم يحسبون ويعدون من الرجال وما هم برجال! وقوم أيضاً يحسبون على الإسلام والإسلام منهم براء! وإنني لا أنسى حينما سمعت رجلاً ممن يعيش في أقرب المرافق المقدسة يقول مقالته المشهورة: منذ نزول سورة تبت ووجود الهاشمي -يقصد محمداً ﷺ أصبح العالم في تأخر! ثم يثني على أم جميل زوجة أبي لهب إلى غير ذلك.

стр. 1050

أثر المسجد في تخريج الرجال لا نريد أن نطيل الكلام حول الذين لم يتربوا في المسجد؛ لأنكم سمعتم كثيراً من أخبارهم، لكن المهم: لماذا وصلوا إلى هذا المستوى؟ لأنهم ليسوا من الرجال الذين تربوا في المساجد، فلو تعلقت قلوبهم بالمساجد لأصبحوا رجالاً بكل ما تعنيه الكلمة، ولما كانوا على هذا المستوى. فأين أبناء المساجد؟ وأين الرجال الذين يتربون في المساجد؟ هم موجودون والحمد لله، وهم هؤلاء الشباب الذين تتمثل فيهم الصحوة الإسلامية، ونعتز بهم، والذين هم مثل يحتذى به -والحمد لله- في صلاحهم واستقامتهم؛ هؤلاء هم أبناء المساجد، وهم الرجال الذين يقول الله عنهم: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وإذا أردت أن تجد برهاناً على ما أقول فاذهب إلى ساحة أفغانستان، والله لقد رأيت هذه الساحة فعجبت كثيراً! وقلت: أين ذهبت العصبيات القومية والإقليمية والشعوبية؟ فإنك لا تجد جنسية من جنسيات البلاد الإسلامية إلا وتجدها في تلك الساحة! حتى أبناء النعيم أبناء هذه البلاد ودول الخليج الذين عاشوا بين الثلاجات والمكيفات، والذين كان الناس يظنون أنهم لا يستطيعون تحمل مثل تلك المسئوليات، ووعورة الطريق، وشظف العيش، والحر والبرد، إلى غير ذلك تراهم يتسابقون إلى الشهادة في سبيل الله، وإذا أردت دليلاً على ذلك فاسأل الخطوط السعودية: كم يسافر يومياً من هنا إلى أرض أفغانستان؟! سأذكر لكم قصة شاب من هذه البلدة الطيبة -عنيزة- لا يتجاوز عمره العشرين، ذهب إلى هناك، واستبسل حتى استشهد وهو يقول: الله أكبر! فلم يكمل كلمة: الله أكبر حتى جاءته شظية وهو يطوق مطار جلال آباد حتى اقتلعت رأسه! فجاءني أخوه، وظننت أن أخاه سوف يقول لي: كيف غررتم بأخي؟ فإذا به يقول: أبشرك أن أخي استشهد؛ فقلت: الحمد لله رب العالمين. فقال: وأنا سوف أذهب لأستشهد هناك، قلت: لا يا أخي! المصيبة جديدة، انتظر، قال: سأقدم الآن كل ما أملك من مالي في سبيل الله حتى يأذن الله لي بالذهاب لأكون شهيداً هناك. الشاهد أن هذه تربية المساجد، وأما تلك فهي تربية غير المساجد. والله إن من ذهب إلى تلك البلاد يرى العجب العجاب! ويرى شباب المسلمين يتسابقون إلى الحراسة في وقت الثلوج التي يتجمد فيها الإنسان قطعة من الثلج على رءوس الجبال في ظلام الليل بين العدو الحاقد الذي يريد أن يقضي على هذه الأمة لو تمكن من ذلك! ومع ذلك يتسابقون إلى الشهادة وإلى الجهاد وإلى الحراسة؛ لأنهم تربوا في المسجد؛ ولأنهم قد تحملوا هذه المسئولية، وأدركوها من خلال المسجد، فكان ذلك الإيمان -الذي ولد في المسجد وترعرع في المسجد- كما أخبر الله : ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥]، فمن خلال الزيت الذي أشعل في هذا السراج أصبحوا لا شرقيين ولا غربيين، ولكنهم أمة مسلمة؛ ولذا خاب ظن الذين يظنون أنهم قد وضعوا حواجز سياسية، وطبيعية وإقليمية، وشعوبية، وقومية بين المسلمين، وأنهم قد قطّعوا أوصال المسلمين، وحولوا الأمة الإسلامية إلى دويلات، هؤلاء الذين يظنون أنهم قد غرسوا حب القومية والشعوبية في نفوس هؤلاء الشباب؛ خاب ظنهم وهم يتتبعون أخبار أفغانستان، وكيف ينفر شباب الأمة العربية والإسلامية خفافاً وثقالاً يجاهدون في سبيل الله مع العجم الذين لا تربطهم بهم رابطة نسب ولا رابطة وطن، ولكن تربطهم بهم رابطة الدين والعقيدة. هذا دليل من الواقع، وهذا نموذج من الواقع بالنسبة لرجال المساجد.

стр. 1051

رسالة المسجد في عهد السلف لو رجعنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا ما هو أعجب من ذلك! نجد رجالاً رباهم رسول الله ﷺ بالمسجد، وعرفوا رسالة المسجد، لكن رسالة المسجد في أيامنا الحاضرة عند كثير من الناس أن تصلي وتخرج، وإذا تأخرت قليلاً سوف يغلق عليك المسجد، وبعد الصلاة ببضع دقائق تجد المسجد مغلقاً. هذه ليست رسالة المسجد، بل رسالة المسجد أن يكون المسجد قطب رحى الحياة، وأن يكون المسجد كل شيء كما كان مسجد رسول الله ﷺ مدرسة عسكرية، وكان مجلس شورى، وكان مسجد عبادة، وكان مقر اعتكاف، وكان ملتقىً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كان الرجل من الغرباء يأتي إلى رسول الله ﷺ يبحث عنه، فيعقل بعيره عند باب المسجد، ثم يدخل فكأنه دخل في قاعدة عسكرية لا يخرج منها إلا وقد علم كل أمور دينه ودنياه، وعرف كيف يحارب عدوه؟ هذا هو المسجد الذي يتربى فيه الرجال؛ ولذلك فإن لنا أملاً في الله أن يؤدي المسجد هذه الرسالة، لاسيما ونحن نرى حلق الذكر ومجالس العلم بدأت تعود إلى المساجد. ولو تأملنا في سير السلف من الصحابة ومن بعدهم لرأينا كيف كان أثر المسجد في تخريج الرجال، ولأخذنا درساً لا ينسى من أولئك الرجال الذين رباهم رسول الله ﷺ في المسجد. فهذا أسامة بن زيد حينما كان عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، يجهزه الرسول ﷺ ليقود جيشاً إلى بلاد الشام في أحلك عصور الإسلام وأشدها وأخطرها! وفي هذا الجيش كبار الصحابة كـ أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهما من الصحابة! وبعد موت رسول الله ﷺ يسير هذا الجيش، ويحقق معجزة في فترة من أشد فترات تاريخ الأمة الإسلامية اضطراباً، وهي أيام الردة.

стр. 1052

نماذج من رجال المساجد خبيب بن عدي ﵁ وقع أسيراً في أيدي المشركين، وفرح المشركون كثيراً حينما وقع خبيب في الأسر؛ لأنهم يريدون أن يتلذذوا ويتمتعوا بقتله، وتقطيع أجزائه، فخرجوا به خارج الحرم -احتراماً للحرم- ونصبوا له المشنقة، فبدءوا يساومونه على دينه، حتى قالوا له: أتود أن محمداً في مكانك هنا؟ قال: والله ما أود أن محمداً في مكانه تصيبه شوكة وأني في أهلي! وفشلت كل مساوماتهم معه، فرفعوه على المشنقة، وصاروا يمزقون جسده تمزيقاً، وهو لا ينصرف عن دينه، وكان يتوجه إلى الله في أشد معاناته، ويقول: اللهم! أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. فهذا نموذج من نماذج رجال المسجد. وهذا قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه كان من القادة في بلاد الشرق، وممن تربى في المسجد، وهو الذي فتح بلاد ما وراء النهر، وهي تشمل الآن مناطق كثيرة من بلاد أفغانستان وجزءاً من روسيا؛ سأل جنوده: أي بلد أمامي الآن؟ قالوا: بلاد الصين، قال: والله لا أرجع إلى بلدي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين، وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وآخذ الجزية! (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، فبلغ الخبر إلى ملك الصين، فأرسل تراباً وصحافاً من ذهب وأموالاً طائلة إلى قتيبة، وقال: هذه صحاف من الذهب فيها تربة يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه هي الجزية كل سنة تصل إلى قتيبة ولا يأتي إلى بلادنا. وهذا عقبة بن نافع بالجهة الغربية كان يسابق الشمس على مطالعها، ويفتح بلاد الله وينشر فيها الإسلام، يقول المؤرخون: لما وصل إلى القيروان، كانت غابة موحشة، وكان كل الفاتحين يرجعون دونها في تونس، فأراد أن يبني مدينة القيروان لتكون مركزاً للعالم الإسلامي في شمال إفريقيا، قيل له: أيها القائد يرحمك الله! هذه أرض يعجز عنها كل الفاتحين، فهي غابات موحشة مأسدة مخيفة، فوقف على حافة الغابة بإيمانه يخاطب الوحوش -مع أن الوحوش لا تفقه كلام الرجال، لكن الله قد يوقع رعب المؤمنين حتى في قلوب الوحوش- فقال: أيتها الوحوش! نحن أتباع محمد ﷺ جئنا لننشر الإسلام هنا، يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها وتخلي الغابة لـ عقبة بن نافع. وبعد أن بنى مدينة القيروان واصل سيره ليقف بقدمي فرسه على المحيط الأطلسي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً من البشر لخضته إليه بفرسي هذه! ثم بعد ذلك يرجع بعد أن أوصل الفتح الإسلامي إلى تلك البلاد. ليس غريباً أن يربي المسجد مثل هؤلاء، ومثل خالد بن الوليد، ومثل أبي عبيدة بن الجراح، وغيرهم من الرجال، كما أنه ليس غريباً أيضاً أن تربي المواخير ودور الدعارة والفساد هؤلاء الذين أصبحوا يقودون أممهم إلى الهاوية وإلى الدمار! إذاً: ليس هناك سبيل إلى صلاح هذه الأمة إلا أن ترجع إلى المسجد، وتربي أبناءها في المسجد، وتعاد للمسجد رسالته التي سلبت منه، ويستعيد مهمته الكبرى التي أنيطت به، وإلا فإن الأمر خطير؛ ولذلك فنحن نتطلع دائماً وأبداً إلى هؤلاء الرجال الذين يقول الله عنهم: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 1053

أثر الابتعاد عن المسجد نلقي نظرة عابرة إلى النوع الآخر، فبعد أن عرفنا الرجال وموطنهم، ومواقع وجودهم، وأماكن تربيتهم، ثم عرفنا بعد ذلك المثل الذي ضربه الله لهؤلاء؛ ننظر بعد ذلك إلى نوعين من البشر، ليسوا من الرجال، وهذان النوعان أحدهما بحسن نية أو بسوء نية فعل ما فعل، وهو يزعم الإسلام، وهو إما أن يكون منافقاً أو متستراً، وإما أن يكون مرتداً وهو لا يدري أنه مرتد، وإما أن يكون علمانياً يريد أن يجعل ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ويريد أن يتستر بهذا الدين، فيصلي ويصوم ويحج، لكنه أبعد الناس عن الإسلام، ويطعن في الإسلام وهو يزعم الإسلام: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، أو لعله قد التبس عليه الأمر، فظن أن الدين لا يتعدى المسجد والعبادة، وأن الحياة يجب أن تسير بغير الدين. لقد ضرب الله لهؤلاء مثلاً بعد ذكر الرجال ومواطنهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] لهم أعمال صالحة لكنها ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]. حينما يسير الإنسان في شدة الحر في الصحراء الواسعة المستوية القيعة يرى أمامه إذا عطش شيئاً يتسرب بين السماء والأرض وكأنه واد يسيل ماء، وهو عطشان، ويريد أن يبحث عن الماء؛ فيركض وراء هذا الذي يظنه ماءً وهو ليس بماء وإنما هو سراب، وكلما دنا منه ابتعد هذا السراب حتى يهلك دونه. فهذا مثل ضربه الله لمن يظن أنه يحسن صنعاً وهو يسيء صنعاً، وإن من هؤلاء من أحدثوا في دين الله ما لم يشرعه الله، وأصبحوا يعبدون الله على غير بصيرة وعلى غير المنهج القويم الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، ويدخلون في هذا الدين البدع التي يسمونها حسنة! فكلما أدخلوا في دين الله بدعة خرجت منه سنة لتحل محلها هذه البدعة؛ لأن المجال محدود، حتى يصل بهم ذلك إلى الشرك بالله ، فقد عبدت القبور، وطاف بها الناس، وتمسحوا بها، فهؤلاء داخلون في هذه الآية دخولاً أولياً، فتكون أعمالهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]؛ لأن العمل لا يقبل عند الله إلا بثلاثة شروط: إيمان، وإخلاص، ومتابعة للرسول ﷺ ، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فإن معنى لا إله إلا الله: الإيمان والإخلاص، ومعنى محمد رسول الله: المتابعة للرسول ﷺ . إذاً: هؤلاء الذين يريدون أن يدخلوا في دين الله كل ما أعجبهم، الإسلام منهم براء؛ فدين الله كامل قبل أن يأتي هؤلاء منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، آخر آية من القرآن أنزلها الله على قول بعض المفسرين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، والرسول ﷺ قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، أما أن يصبح هذا الدين وعاءً يتسع لكل ما أعجب الإنسان من عبادة فلا، يقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، والأصل في العبادات الحظر، والرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 1054

حكم العمل الصالح بدون إيمان هناك نوع آخر من البشر وهم الذين يقول الله فيهم: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]، يؤدون الطاعات لكن بغير هدف الإيمان، يتصدق أحدهم فيقول: هذه عاطفة، ويساعد الفقير فيقول: هذه إنسانية، وهكذا ويسمون هذه الأشياء بأسماء جذابة، لكن قلوبهم خراب من الإيمان؛ فلذلك أصبحت أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ، ولكن الله لا يظلم مثقال ذرة، فهذه الأعمال -بالرغم من أنها فاسدة- ما دامت تنفع الناس فلها وزن عند الله ، لكن وزنها في الدنيا لا في الآخرة؛ ولذلك فإن صاحبها لا يغادر الدنيا حتى يأخذ جزاءه كاملاً، ويقدم على الله بدون حسنات، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥] أي: بعمل الآخرة، ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥]، أي: في الحياة الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، أي: في الحياة الدنيا ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [هود:١٦]؛ لأن العمل غير صحيح؛ فهو غير مقبول، مادمت تنفق بدافع إنسانية، وتنفق بدافع رياء وسمعة؛ وليثني عليك الناس، ولذلك فإن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: رجل شجاع استشهد في سبيل الله، ورجل عالم بذل العلم، ورجل صاحب مال كان ينفق في كل طرق الخير، لكن لما فسدت النية، وفسد القصد؛ صاروا أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

стр. 1055

تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي) هناك نوع آخر يعرف أنه يسيء صنعاً، ولا زال يراكم سيئات خلف سيئات، ومظالم وطغياناً وكفراً وترك واجبات، وكلما عن في نفسه معصية من المعاصي فعلها، حتى يصبح كما وصفه الله بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]. لو أن واحداً منا نزل في بحر عميق لجي -كثير الماء- ثم كانت هناك أمواج تضرب الماء فتحركه لتخفي ضوء الشمس، وكان فوق هذه الأمواج أمواج ثانية تتضارب فتخفي ضوء الشمس، ثم فوق ذلك سحاب يحول بين الشمس وبين البحر؛ فإن هذا الإنسان في قعر البحر لا يستطيع أن ينظر إلى أقرب الأعضاء إليه وهي يده إذا أخرج يده لم يكد يراها فضلاً عن رؤيتها. هذا المثل ضربه الله لأصحاب الكبائر والسيئات والكفر والطغيان، الذين يجعلون حياتهم من أولها إلى آخرها سيئات تتعاقب، ومعاصي وآثاماً وإجراماً يركب بعضها على بعض حتى يصبح هذا القلب مظلماً، فيكون خلاف القلب الذي تربى في المسجد، وخلاف القلب الذي عرف الله حق المعرفة، فإذا كان قلب ذلك الإنسان يشبه سراجاً في كوة غير نافذة في الجدار، وعلى السراج زجاجة، والزجاجة كأنها كوكب دري، يوقد مصباحها من زيتونة ليست بشرقية ولا غربية؛ فيكون القلب مضيئاً، أما ذلك القلب فكأنه يعيش في قعر بحر عميق، فيه أمواج، وفيه ظلمات، وفوق هذا سحب تحجب عنه الشمس، فالفرق بعيد بين هؤلاء وأولئك! أولئك أهل المساجد المؤمنون الصالحون الأتقياء، وهؤلاء الكفرة الفجرة الذين يجدون حسابهم عند الله .
следующие страницы →