Полный текст (1 366 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
التحذير من مجالسة رفقاء السوء
السؤال
لي أخ له رفقاء فاسدون وصالحون، ويجلس مع هؤلاء ويرتكب المعاصي والآثام، ويجلس مع هؤلاء ويفعل الخير ويحضر المحاضرات معهم، وهم لا يعرفون عن أصدقائه الأشرار أي شيء، فماذا يجب علي أن أفعله؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
الجواب
هذا الوضع خطير، وأخشى أن يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] الآية، وكونه يختار قرناء سوء وقرناء صالحين هذا تناقض وازدواجية في حياة هذا الإنسان، فنقول له: اتق الله، واحذر قرناء السوء، وعليك بالرجال الصالحين الذين تستفيد من حياتهم، وأخشى أن يفسد أولئك المنحرفون عليك أكثر مما يصلحه هؤلاء المصلحون، وعليك أن تحذرهم كما حذر رسول الله ﷺ من مقارنة أصحاب السوء؛ فإنهم كنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة.
стр. 982
حكم سماع الغناء في الخفية
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يسمع الغناء بالخفاء، ويظهر أنه لا يسمعه؟ وهل يعتبر هذا من النفاق العملي أو الاعتقادي؟
الجواب
هذا في الحقيقة ليس نفاقاً عملياً ولا اعتقادياً؛ لأن النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، والنفاق العملي: هو الذي ذكره الرسول ﷺ بقوله: (آية المنافق ثلاث)، ولكن نقول: يخشى أن يدخل في المخادعة؛ لأن استماع الأغاني محرم، خصوصاً أصوات النساء، أو التغزل بالنساء والتشبيب بهن، فنقول: أنت عاصٍ، فعليك أن تتقي الله، وأن يكون مظهرك كمخبرك كلاهما صالحاً.
стр. 983
الاعتكاف ليس من الرهبانية في شيء
السؤال
ذكرت في محاضرتك أن الإسلام لا يقبل الرهبنة، فما الرد على من يقول طعناً في الإسلام: إن الاعتكاف من الرهبنة؟
الجواب
الاعتكاف ليس من الرهبنة، لكن لو أن واحداً من الناس اعتكف مدى الحياة؛ خشينا أن يكون ذلك من باب الرهبنة، أما أن يعتكف مدة من الزمن منقطعاً للعبادة فهذه سنة، والرهبنة تكون في أمور ما فعلها الرسول ﷺ ولا أصحابه، أما الاعتكاف فإنه سنة، أشار الله إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والاعتكاف فعله رسول الله ﷺ وفعله أصحابه، فهو من العبادة، لكن لو أن واحداً من الناس أراد أن ينقطع للعبادة مدى الحياة في المسجد ولا يخرج منه، ويقول: إن هذا هو الزهد، عندها نقول: هذا هو الإحداث في الدين.
стр. 984
خطر الرأسمالية على اقتصاد المسلمين
السؤال
نرجو من فضيلتكم توضيح خطر دعوة الرأسمالية على الإسلام والمسلمين؟
الجواب
الرأسمالية لها معنيان: معنى اصطلاحي ومعنى لغوي، المعنى اللغوي معنى محمود: وهو أن يكون للإنسان رأس مال، والله تعالى أباح لنا أن نتخذ من الأموال ما يكون حلالاً، ونؤدي حقوق هذا المال، لكن الرأسمالية لها معنى اصطلاحي مخيف، وهو: أن تأخذ المال من الحلال والحرام، وليس هناك شيء اسمه ربا محرم، ولا أضعاف مضاعفة محرمة، أو حقوق واجبة، أو زكاة.
هذه هي الرأسمالية في معناها الحاضر، ومعروف أنها عدوة للإسلام، وهي التي نشرت الربا في بلاد المسلمين، وفتحت له البنوك في بلادهم، ولا تؤدي حقوق هذا المال.
هذه هي الناحية الخطيرة في الرأسمالية في معناها الاصطلاحي لا في معناها اللغوي، أما معناها اللغوي: فإن الله تعالى أباح للإنسان أن يتخذ من المال كل ما يكسبه من الحلال، لكن عليه أن يؤدي حقوقه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] الآية، ويقول العلماء: كل مال أديت زكاته فليس بكنز، ولو كان أكثر ما يكون، وكل مال منعت زكاته فهو كنز، ولو كان مالاً قليلاً.
стр. 985
حكم العمل في مواطن الفتن والتبرج
السؤال
هل يجوز للرجل أن يعمل في مكان يوجد به كثير من النساء الأجنبيات المتبرجات كالمستشفى مثلاً؟
الجواب
العمل أصله مباح، لكن البعد عن مواطن الريبة والفتنة أمر مطلوب وواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك نقول: اعمل في أي مجال، لكن عليك وأنت تعمل في أي مجال من المجالات أن تنكر المنكر بقدر ما تستطيع؛ لأنك مسئول عن إنكار هذا المنكر، وكون الصالحين يخالطون الناس الذين فيهم شيء من البلاء أحسن إذا أمنوا على أنفسهم من الفتنة، وعليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويدلوا الناس إلى طريق الخير.
стр. 986
حكم الأخذ بالأعراف القبلية في التزويج
السؤال
هل العصبية القبلية جائزة؟ وما حكم من يعمل بها، كمن يقول: لا أزوجك ابنتي لأنك غير قبيلي، مع أنه مشهود للرجل بالديانة والفضل والخير؟
الجواب
العصبية القبلية بهذا الشكل نظام اجتماعي، وليست من الدين في شيء، والدين لا يفرق بين القبيلي وغيره، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وفي الحديث: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وغير القبيلي ليس له ذنب، فهو يجتمع مع القبيلي في آدم ﵇ وفي حواء، وهما من ذرية من حمل الله تعالى مع نوح، ولكن لما صار هذا نظاماً اجتماعياً بين الناس فنقول للناس: من الأفضل أن تأخذوا بذلك؛ لأن رفض هذا النظام يؤدي إلى بلاء وفتنة ومشاكل، فلو أن واحداً من هؤلاء تزوج من غيره فأخشى أن تقوم هناك فتنة بينه وبين أهله وذويه، ولذلك نقول: تلافياً للمشاكل وحتى تنحل هذه المشكلة بإذن الله على ضوء الإسلام فالأولى ألا نخرج عليها خروجاً كاملاً، لكن الأصل ليس هناك هذه التسميات؛ لأن هؤلاء بشر وكلهم يرجعون إلى أب واحد وأم واحدة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١].
стр. 987
نصيحة لمن أسلم على يديه أناس كانوا كفاراً
السؤال
نريد توجيه نصيحة لمن أسلم على يديه أحد الأجانب الذين يدينون بغير دين الإسلام؟
الجواب
هذه فضيلة كبيرة؛ لأن: (من دعا إلى هدى فله مثل أجر من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، فمن أسلم على يديه أحد من غير المسلمين فليشكر الله على هذه النعمة؛ لأنه قد غرس غرساً يبقى له بإذن الله تعالى إلى يوم القيامة، ولذلك فإنه يلزمه في مثل هذه الحالة أن يتعاهد هذا الغرس، ويتفقده، ويقدم له النصح، ويقدم له الأمور التي تمكنه من دينه؛ لأننا نرى اليوم كثيراً ممن يدخلون في الإسلام يخرجون بطريقة غير مباشرة، وعلى هذا فإننا نقول: نحاول أن نثبت الإيمان في قلوب هؤلاء، وألا نقبل منهم أن يدخلوا في الإسلام إلا عن اقتناع؛ لأنهم لو دخلوه عن غير اقتناع ثم خرجوا منه أصبحوا مرتدين، والمرتد له حكم خاص.
стр. 988
الحكمة في إنكار المنكر والصبر عليه
السؤال
من المعروف أن النهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة، ولكن ما الحكم إذا كان النهي عن منكر يترتب عليه ضرر على الشخص سواء في ماله أو بدنه أو معاملته، خاصة إذا كان هؤلاء الذين ينهون عن المنكر من الأقارب، وقد يوجد هذا حواجز فيما بينهم وبين هذا الشخص، وقد قال ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) إلى آخر الحديث؟
الجواب
يقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولكننا نستطيع أن ننكر المنكر ونتحمل في سبيل إنكار المنكر أشياء كثيرة، والناس يختلفون، هناك من يستطيع أن يتحمل، وهناك من لا يستطيع أن يتحمل، فنقول: الناس مطالبون بأن ينكروا المنكر، ويبذلوا الثمن في سبيل إنكار هذا المنكر، ويتحملوا المسئولية تجاه إنكار المنكر؛ لأن هذا هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام، لكن لو كان هذا المنكر يترتب على إنكاره على الإنسان في نفسه أشياء خطيرة لا يستطيع أن يتحملها، فنقول: لا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن عليه أن يتقي الله تعالى ما استطاع، فإذا كان عنده الإيمان القوي الذي يؤهله لأن يتحمل في سبيل هذا الأمر كل ما يلاقيه، فنحن نطالبه بذلك، أما إذا كان ضعيف الإيمان فنسأل الله تعالى أن يتجاوز عنه في إنكاره بقدر ما يستطيع، أما إذا كان يقيم حواجز بينه وبين أقاربه فنقول: عليه أن يستعمل الحكمة، وإذا استعمل الحكمة فلن تقوم هذه الحواجز بينه وبين أهله وأقاربه وذويه، ولكن إذا كان أولئك يكرهون إنكار المنكر بأي وسيلة، فنقول: يجب أن تقوم الحواجز بينه وبين أهله وأقاربه، خصوصاً إذا كان منكراً كبيراً؛ لأن هؤلاء ليسوا منه وليس منهم.
стр. 989
حكم رقص النساء في الأعراس
السؤال
ما حكم الرقص في الأعراس أمام النساء؟
الجواب
إذا كانت الراقصة امرأة، وفي معزل عن الرجال، وليس هناك أشياء مثيرة أو محركة للشهوة، فأرجو أن يكون هذا الأمر أسهل؛ لأن الدف ما دام قد أبيح للنساء في أيام الزواج، فأتوقع أن هذا تابع لذلك، ولكن الاحتياط هو البعد عن هذه الأمور كلها، أما إذا كانت عن مقربه من الرجال، أو يظهر الصوت للرجال، أو كانت هناك صور أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا كله من الأمور المحرمة.
стр. 990
حكم من أحرم بالحج ولم يحج
السؤال
امرأة كبيرة في السن نوت الحج، وأحرمت من الميقات، فسمعت بالفتنة؛ فعدلت عن الحج ورجعت إلى مدينتها دون حج، فهل عليها إثم؟
الجواب
نعم عليها إثم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، والحج والعمرة يختلفان عن كل العبادات: أن الإنسان إذا بدأ بالنفل أصبح النفل واجباً، ولذلك نقول: هذه ما زالت محرمة، ما دامت قد عقدت النية، وتعدت الميقات وهي محرمة، وعليها أن تحج في العام القادم، والأولى قبل أن ترجع أن تذبح ذبيحة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وما دامت قد منعت، مع أنها في الحقيقة ظنت أنها منعت، ولذلك نقول: هي خافت فهي آثمة، وعليها أن تعتبر نفسها الآن محرمة، وعليها أن تحج في العام القادم.
стр. 991
حكم من حاضت قبل طواف الوداع في العمرة
السؤال
ما حكم من أتتها العادة قبل أن تطوف طواف الوداع أثناء العمرة؟ وهل تعتبر عمرتها صحيحة أم لا؟
الجواب
أكثر العلماء يرون أن العمرة ليس لها طواف وداع، وعلى كل لو فرضنا أن طواف الوداع واجب فإنه يسقط بالحيض كما في الحج مثلاً، فإن طواف الوداع فيه واجب، فإذا حاضت المرأة سقط عنها طواف الوداع.
стр. 992
التحذير من معاكسة النساء والنظر إليهن
السؤال
كثير من الناس اليوم يشاهد النساء في الأسواق، وخاصة الشباب، ويجلسون في أماكن النساء حتى يضايقوهن، فما حكم من فعل ذلك؟
الجواب
هذا فيه إثم بينه وبينه الله تعالى؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إياكم والجلوس في الطرقات، فقال رجل: يا رسول الله! ما لنا في المجالس من بد، فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه يا رسول الله! قال: كف الأذى، وغض البصر، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وعلى هذا نقول: الجلوس في الطرقات لهدف التفرج على النساء والنظر إليهن هذا من الأمور المنهي عنها التي لا تجوز، وإذا جلس الإنسان في الطرقات لضرورة أو لحاجة فإن عليه أن يغض بصره، كما ندعو أيضاً النساء ألا يتبرجن، وألا يخرجن إلا لحاجة؛ لأن الله تعالى يقول لنساء الرسول ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فإن من الإثم ما نشاهده من خروج كثير من الفتيات في أيامنا الحاضرة، والذهاب للدكاكين والخياطين والبقالين وغير ذلك، بحيث نرى هذه المرأة قد تخلو مع واحد منهم تكلمه، وربما تكلمه بسر، وربما تدخل رأسها داخل الدكان أو جسمها، وهذا كله من الأمور الخطيرة، وندعو الشباب أيضاً إلى أن يبتعدوا عن مواطن الفتنة؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
стр. 993
خطر الطعن في فتاوى العلماء وردها
السؤال
انتشر في عصرنا الحاضر إنكار كثير من الناس لكل ما يسمع من فتاوى العلماء إذا كان لم يسمع بها من قبل، ويقول: هذا تشدد، وليست عنده جرأة أن يسأل شيخاً من المشايخ عما يجهل، ولكن يسأل أصدقاءه أو عامة الناس، أرجو من فضيلتكم التحدث عن هذه النقطة؟
الجواب
الحقيقة أن كثيراً من الذين يجهلون تعاليم الإسلام وأخذوا الدين بالوراثة، إذا سمعوا فتوى عالم من علماء المسلمين موثوق يستنكرونها أو ينكرونها، والمسلم يجب عليه أن يبحث عن الحق ولو كان مع من كان، وإذا كان من علمائنا المجتهدين -والحمد لله- في أيامنا الحاضرة من بدءوا يعطون الناس الآراء الصحيحة الممحصة التي تعتمد على الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فإن الذين يطعنون في فتاوى هؤلاء العلماء خاطئون، وواقعون في خطر، ولذلك أقول: إذا كان هذا العالم موثوقاً في دينه وأمانته وعلمه؛ فعليك -إذا لم تكن من أهل الاجتهاد- أن تقبل هذا العلم من هذا الرجل الذي هيأه الله من أجل أن يدلك على طريق الحق.
стр. 994
من أسباب كثرة الطلاق
السؤال
كثر اليوم الطلاق، فبعض الناس يطلقون زوجاتهم بدون أي سبب، ويقول لها: لا تدخلي بيتي بعد اليوم، وبعضهم يتركونها في بيوتهم أو بيت أهلها ولا يطلقونها ولا يعطونها حقاً من الحقوق، نرجو من فضيلتكم توضيح هذه النقطة؟
الجواب
أما كثرة الطلاق فلا أظنه -والحمد لله- كثر الآن؛ بل أصبح كثير من الناس يدخل مع زوجته على بصيرة، ولكن ربما يكثر الطلاق في بعض المناطق أو عند بعض الفئات الذين لا يطلعون الزوج على شيء من أخبار الزوجة أو من شكل الزوجة، ولذلك من سنة الرسول ﷺ أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة، هذه سنة الرسول ﷺ ، وهو أحرى أن يؤدم بينهما، فإذا دخل على غير بصيرة أخشى أن تكون الكراهية، لكن إذا دخل على بصيرة فإنه يتوقع أن يؤدم بينهما.
وعلى كل فإذا نزلنا مع سؤال الأخ بأنه قد كثر الطلاق فلا بد أن له أسبابه، وعلينا أن نتقيها، وأخشى أن تكون من أهم أسبابه: عدم معرفة المرأة للرجل، أو عدم معرفة الرجل للمرأة، أو أن هناك مطامع أخرى قد تغري المرأة بحيث تتمرد على الرجل، وعلى كل فإنه إذا كان أيضاً هناك ظلم من الزوج للزوجة فإن هذا الظلم لا مكان له في دين الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، وعالجنا المشاكل الزوجية بطريق الحكمين، وإذا لم تفلح كل الحلول فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠].
стр. 995
حكم هجر الزوجة وتفضيل بعض الأبناء وخروج الدم من الحامل
السؤال
ما جزاء من هجر زوجته، أو فضل أحد أبنائه على الآخرين؟ وما الحكم إذا كانت المرأة حاملاً وخرج منها سائل، فهل يجب عليها الغسل للصلاة أم لا؟
الجواب
أما بالنسبة لمن هجر زوجته فلا يجوز الهجر إلا كما أمر الله : ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] أي: بالنسبة للناشز، أما الهجران بدون سبب فإن هذا ظلم للمرأة، كما أن الميل إلى إحدى الزوجات دون الأخرى يعتبر أيضاً ظلماً آخر، ولذلك فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، ولا يجوز الهجر إلا على سبيل التأديب، وإذا كانت المرأة ناشزاً؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤]، ولكن هذا الهجر أيضاً له حدود.
أما بالنسبة للعدل بين الأولاد فإنه أمر واجب، ولا يجوز لأحد أن يفضل بين أولاده؛ لأن ذلك يؤدي إلى الشقاق، وإخوة يوسف ﵇ وهم أنبياء نعرف ماذا حدث بينهم لما فضل يعقوب ﵇ يوسف على إخوته، كادوا له كيداً، فكانت الفتنة الكبيرة التي نقرؤها في سورة يوسف.
أما بالنسبة للسائل فإنه إذا كان في أيام الحمل فليس هذا بدم عادة، إذا كانت ممن لا تأتيها العادة في أيام الحمل فإنه لا أثر له، لكن إذا كان من الاستحاضة -ولا أظن الاستحاضة تأتي في أيام الحمل- فإن عليها أن تغتسل لكل صلاة إذا كان هذا السائل دماً، أما إذا كان غير ذلك فإنها تتوضأ.
وبالنسبة للتفرقة بين الأولاد فهو يكثر في أيامنا الحاضرة تفضيل بعض الأولاد على بعض، وهذا يؤدي إلى بلاء وفتنة ومصيبة، ولذلك النعمان بن بشير ﵁ لما جاء أبوه إلى رسول الله ﷺ يخبره أنه أعطى النعمان عطية ما أعطاها أحد إخوانه؛ غضب الرسول ﷺ وقال: (أشهد على هذا غيري فإني لا أشهد على جور)، فنقول: يجب العدل والتسوية بين الأولاد، اللهم إلا في أمور يتطلبها بعضهم دون البعض، كالزواج مثلاً فمن بلغ الزواج يزوجه، ومن كبر سنه ويحتاج إلى سيارة يعطيه سيارة، أما إذا كانوا متساوين في السن وفي المرحلة وكل شيء فتجب التسوية بينهم.
стр. 996
حكم من حج ولم يرم الجمرات
السؤال
حججت ولكني لم أرم الجمرة، وكان لذلك عذري؛ لأن معي طفلة أحملها وليس معي إلا والد الطفلة، وقد سألت عن حكم ذلك فقالوا: هذا جائز، وبعضهم قال: لا يجوز الحج إلا بالرجم، فما حكم ذلك؟
الجواب
إذا كانت ما رمت الجمرة أبداً فإنها تركت واجباً من واجبات الحج؛ لأن الرمي واجب، فنقول: عليها دم مقابل هذا الرمي الذي تركته، يذبح في الحرم ويوزع على فقراء الحرم (فدية)، أما إذا كانت وكلت أحداً ورمى عنها فإن هذا يكفي إن شاء الله.
стр. 997
حكم المسافر إذا مات قبل أن يصلي وهو في سفره
السؤال
إذا كان السفر مسافة تسعمائة كيلو، وصلينا المغرب مع العشاء جمع تأخير -وقدر الله وما شاء فعل- وتوفي أحدنا قبل أن نصلي صلاة المغرب والعشاء، فهل يحاسب على تقصيره؟ وما هو الدليل جزاك الله خيراً؟
الجواب
ما دام الوقت فيه سعة فأرجو -إن شاء الله- أن هذا الإنسان ليس عليه لوم، إنما الذي يلام من يخرج عليه الوقت، فإذا خرج الوقت فيلام الإنسان الذي أخر الصلاة عن الوقت، أما ما دام الوقت باقياً فلا شيء على هذا الذي مات -إن شاء الله- ما دام الوقت لم ينته بعد، ولكن الأولى الصلاة في أول وقتها، فإن أحب الأعمال إلى الله تعالى الصلاة في أول وقتها.
стр. 998
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
السؤال
دخلت المسجد ولم أجد لي مكاناً لأدخل في الصف، فصليت منفرداً، فهل فعلي صحيح؟
الجواب
لا تجوز صلاة المنفرد خلف الصف كما جاء في الحديث، لكن إذا كانت هناك ضرورة وخشي فوات الركعة، ولم يدخل أحد؛ فإنه يصلي منفرداً؛ لقصة أبي بكرة ﵁، فإنه كبر ومشى وهو راكع، وعلى كلٍ فإنه إذا كانت هناك فرجة في الصف تتسع له وتركها فصلاته غير صحيحة وعليه أن يعيد الصلاة، فإن من صلى فرداً خلف الصف وفي الصف مكان له فصلاته غير صحيحة، وعليه أن يعيدها، أما إذا لم يكن هناك مكان في الصف فصلاته إن شاء الله صحيحة، ولا يحتاج إلى أن يجر أحداً معه.
стр. 999
حكم انتقال الرضاع بالمصاهرة
السؤال
صديق لي رضع من زوجة والدي رضاعاً تاماً، هل هذا الولد يكون عماً لبناتي؟ وهل يجوز أن يكون محرماً لهن؟
الجواب
انتقال الرضاع بالمصاهرة موضع اختلاف، أنا لا أستطيع أن أفتي فيه؛ لأن الرضاع يحرم كما يحرم النسب، إلا في موضوع المصاهرة فهذا مختلف فيه، أي: هل ينتقل الرضاع بالمصاهرة كما ينتقل بالنسب؟ اختلف فيه العلماء، وأنا لا أفتي فيه.
стр. 1000
حكم رفع اليدين في الدعاء وقراءة الفاتحة على الأموات
السؤال
ما حكم رفع اليدين أثناء الدعاء؟ وما حكم قراءة الفاتحة على الأموات؟
الجواب
رفع اليدين في الدعاء مستحب، إلا في حالة واحدة في خطبة الجمعة، إذا بدأ الخطيب يدعو فالمؤمَّن لا يرفع يديه في مثل هذه الحالة، إلا في الاستغاثة والاستسقاء كما فعل الرسول ﷺ ، أما في غير هذه الحالة كالوتر مثلاً، أو بعد الصلوات الفرائض بشرط ألا يداوم على ذلك، أو بعد النوافل بلا مداومة؛ فلا بأس، فالرفع في الدعاء سنة.
وأما قراءة الفاتحة للأموات فلم يفعلها السلف الصالح ومن بعدهم، فقراءتها على الأموات بدعة في الدين.
стр. 1001
خمس خصال نعوذ بالله منها
إن سبب تكالب الأعداء على المسلمين، وحلول النكبات، وانتشار الأزمات، هو مخالفة أوامر الله ، والوقوع في المحرمات التي حذرنا الله منها، وقد حذرنا رسولنا الكريم ﷺ من خمس خصال مهلكة، متى وجدت في أمة من الأمم كانت نذير شر وهلاك، وقد وقعت هذه الأمة في هذه الخصال، فحل بها ما وعد الله من الهلاك والدمار، ولن يرفع الله تعالى عنها ذلك حتى تراجع دينها.
стр. 1002
الوقوع في المحرمات سبب حلول النكبات
الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونشكره شكراً يليق بنعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: جاء في حديث صحيح أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
حلت بالأمم الإسلامية اليوم النكبات والأزمات وذلك بسبب مخالفة أمر الله رب البريات، ولا تغتروا بالكافرين الذين أملى الله لهم في الحياة الدنيا، وعجل لهم خيراتهم في الحياة الدنيا وأما في الآخرة فليس لهم إلا النار.
لكننا نتوجه إلى المسلمين سواء منهم من كان في مأمن من هذه البلايا والمصائب، أو من قد حلت بأرضه، فليس هناك سبيل إلى الخلاص منها إلا بالعودة إلى الله .
стр. 1003
عاقبة انتشار فاحشة الزنا في المجتمع
قال رسول الله ﷺ : (لم تظهر الفاحشة في قوم قط إلا فشا فيهم من الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم).
فانتشار فاحشة الزنا من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى خراب البيوت، وسقوط الأمم، والقضاء على تاريخ الدول.
وإذا أردتم دليلاً على ذلك فاقرءوا كتاب الله، واقرءوا تاريخ الأمم حينما مالت إلى اللهو وإلى اللعب وإلى المجون والإسراف والترف، وانظروا كيف كان مصيرها؟ أخذها الله أخذ عزيز مقتدر، يقول : ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل:٤٥ - ٤٧] أي: ينقصهم شيئاً فشيئاً حتى لا تبقى نعمة واحدة بأيديهم.
وفاحشة الزنا وللأسف الشديد أصبحت منتشرة في جل بلاد الإسلام، لا فرق بينها وبين البلاد الكافرة، يسر لها كل الطرق، وذلل من أجلها كل الوسائل، وفي الأخير فتحت بيوتاً للدعارة جهاراً نهاراً على مرأى ومسمع من الناس، ترعاها عيون الدول التي تنتسب إلى الإسلام وتحسب على الأمة الإسلامية، وهذا شيء يشاهده من يسيح في أرض الله الواسعة؛ وما ذلك إلا لأن الطرق كلها قد مهدت لتلك الفاحشة، ولأن الوسائل كلها قد ذللت، فأصبح ذلك الإنسان الفارغ الذي لم تربِّه أيدٍ مخلصة أمينة يبحث عن الفاحشة وعن الجريمة، فأصبح لهؤلاء المفسدين في الأرض الذين جعلوا همهم الإفساد وإتلاف الأخلاق والانغماس في الرذائل بيوت تستهلك هذه الطاقة البشرية المنحرفة.
إنها فتنة في الأرض وفساد عريض، العشق في نظر أولئك خير من الزواج، والزواج في نظر طائفة منهم تخلف، فكانت النتيجة أن انتشر الفساد في الأرض وأصبح عريضاً.
إضافة إلى أن الذين تولوا أمر المسلمين نسوا خشية الله ، وغفلوا عن الوقوف بين يديه، ففتحوا باب الرذيلة على مصراعيه لكل داخل.
لقد مهدت السبل لجريمة الزنا في كل بلدان العالم الإسلامي، من رقص وغناء، وأفلام هابطة، ولهو ولعب، ومسابح مختلطة، وتفسخ وتبرج، وصحف منحرفة، ومجلات ساقطة تبدأ من صورة الغلاف وهي تعرض جمال المرأة ومفاتنها إلى آخر صفحة من صفحاتها، كل ذلك يعتبر في الحقيقة تمهيداً للفاحشة.
والله يريد منا أن نسير على الجادة المستقيمة، وأمرنا أن نجتنب كل الوسائل والطرق التي توقع المرء في الفاحشة والرذيلة، من لهو ولعب محرم، وغناء وموسيقى ورقص، فكل هذه الأشياء يجب على المسلم أن يتجنبها وأن يغض بصره حتى يحصن فرجه، أما إذا أطلق المرء لبصره العنان والنظر إلى المحرمات فإنه لا محالة سيقع في الفاحشة والرذيلة، وينطلق في المحرمات بدلاً من أن يشبع رغبته فيما أباح الله .
لقد أصبح الأمر خطيراً، والشر مستطيراً والبلاء كبيراً، ولقد وصلت الأفلام الهابطة الساقطة إلى قعر بيوت المسلمين، فصارت تبث سمومها في أوساط الشباب والفتيات، إن ما يحل في بيوت أعداء الله يحل قريباً في جل بيوت المسلمين، وإن هذه الأفلام التي تتحدث عن العشق والغرام وتحرك الشهوات الكامنة تريد أن تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعاً منحلاً حينما يستجيب لهذه الدواعي المنحرفة، والتي أصبحت اليوم في متناول الناس أجمعين.
فعلى الدولة والآباء والعلماء والعقلاء مسئولية هؤلاء الشباب حتى لا ينفلت الزمام، وحينئذ يعض من أهمل أصابع الندم، وهيهات أن ينفع الندم، فأنتم كلكم مسئولون بين يدي الله عن دين الله، فاحفظوا هذه الأمانة، واحذروا أن تنتشر الفواحش، وحينما تنتشر الفواحش فإن الله سوف يرفع يده عن هؤلاء الناس، وإن أقل ما يمكن أن يحدث أن تنتشر الأمراض التي لم تكن في أسلافنا كما أخبر النبي ﷺ ، فمرض الإيدز والسيلان والزهري وحتى كثير من الأمراض التي لا ترتبط بهذا النوع الجنسي كالسكر وارتفاع ضغط الدم وغير ذلك، لم يكن آباؤنا يشكون من هذه الأمراض، وبالرغم مما يقدمه الطب الحديث في هذه الأيام المعاصرة إلا أن الطب قد أظهر عجزه في علاج هذه الأوبئة وهذه الأمراض الفتاكة؛ لأن الله قد أنزل عقوبته بهؤلاء الناس إن لم يعودوا إلى الله ، ويرجعوا إلى رشدهم وإلى صوابهم.
إن خروج المرأة من بيتها متبرجة إلى الأسواق والمحلات التجارية، واختلاطها بالرجال في القاعات الدراسية والوظائف وغيرها، يدل دلالة واضحة على أن الفتن قد عمت وطمت في هذه الأمة، فعلى العقلاء الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أن يتداركوا ذلك، وكذلك على ولاة أمور المسلمين القيام بهذا الواجب، فإن الله امتدحهم إذا قاموا بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
إن المعصية إذا انتشرت في الأرض، وكشفت النقاب عن نفسها، وأصبحت واضحة في وضح النهار، ثم لا تجد منكراً من هؤلاء الناس، إذا كان ذلك فإن الأمر خطير، إن إنكار المنكر واجب على كل واحد من المسلمين بقدر ما آتاه الله من مكانة وسلطة، إما بيده إن كان مسئولاً، وإما بلسانه إن كان محتسباً ومتطوعاً، وإما بقلبه حينما يكون في مجتمع يختلف عن مجتمعنا الذي نعيش فيه، ولم نصل بعد والحمد لله في هذا البلد الطيب إلى إنكار المنكر بالقلب.
أما إذا أبى الناس إلا أن تتبرج النساء، وإلا أن تظهر مفاتنها، وإلا أن تذهب إلى الأسواق لتعرض جسدها أمام الشباب الذي يشتكي ألم العزوبة، فإن الفتنة الكبرى تكون وراء ذلك، ولذلك قدّم الله المرأة على الرجل في الزنا فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وإن تقديم المرأة على الرجل في مثل هذه المناسبة ليدل دلالة واضحة على أن المرأة هي أكثر من يملك زمام هذه الفتنة.
فعلينا جميعاً أن نحارب كل الوسائل الداعية إلى الرذيلة، وأن نحمي بيوتنا وأسرنا من خطر الأفلام التي تحرك الغرائز، وتثير الشهوة الكامنة، وعلينا أن نيسر الزواج، فإن الزواج هو سبيل العفة والطهارة.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، فحينما ترون شاباً لا يستطيع أن يقوم بتكاليف الزواج ومؤنه، تعاونوا على البر والتقوى وقدموا من أموالكم ما تسدون به حاجة هؤلاء الشباب؛ لعل الله أن يعفهم بطريق الحلال حتى لا يقعوا في الحرام.
وعلينا كذلك تربية بناتنا وزوجاتنا وأهلينا على الحياء، فإن لكل أمة خلقاً كما أخبر الرسول ﷺ ، وإن خلق هذه الأمة الحياء، وإن الله إذا أراد أن يهلك أمة أو عبداً من خلقه نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً.
وعلينا أيضاً أن نربي أسرنا وبناتنا على طاعة الله، وأن نحذر مكائد الأعداء، فإنهم يريدون أن نضل السبيل ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، فعلى المسلمين أن لا ينخدعوا بالدعايات المضللة التي تصل إليهم بواسطة الصحف، أو المجلات، أو الإذاعة، أو التلفاز، أو الكتاب، أو بأي وسيلة من الوسائل المقروءة أو المرئية، وكونوا على ثقة من دينكم، فإن الله هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 1004
الآثار المترتبة على منع الزكاة
يقول ﵊: (ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) كم يستسقي الناس، وكم يستغيثون الله ويطلبون منه المطر، بل نرى الجدب قد ضرب أطنابه في الأرض، وسبب ذلك أن الأمة الإسلامية فرطت في دينها، وضيعت كثيراً من أوامر ربها .
لقد أصبحت أرقام الأموال لدى طائفة من الناس خيالية لدرجة أنك قد تعجز عن إحصائها، ولكن مع الأسف نجد أن الكثير منهم امتنعوا من إخراج زكاة أموالهم، بل رأينا كثيراً من تلك الأموال تذهب في معصية الله ، وفيما لا يرضي الله في وقت يقول الإحصاء: إن مائتين وخمسين مليوناً من أبناء المسلمين في أفريقيا يهددهم الموت والجوع، وكذلك إخواننا في أفغانستان بحاجة ماسة للطعام والشراب والسلاح الذي يقاتلون به، فهم يقاتلون ويصارعون الشيوعية الملحدة التي تنكر الخالق ، وتنكر الأديان، وتنكر كل المبادئ، وتقول بلسان الحال وبلسان المقال: (لا إله والحياة مادة)، إنهم لا يريدون أرضاً صحراء كأفغانستان، بل ولا يريدون حتى أرضاً فيها خيرات، وإنما يريدون أن نضل السبيل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
وبالرغم من هذا كله نجد أن هذه الزكاة قد بخل بها كثير من الناس، بل أخرج طائفة منهم تلك الأموال في غير مخارجها الصحيحة، فلا تصل إلى إخواننا في أفريقيا الذين هم تحت مسئولية الأمة الإسلامية، ولا إلى إخواننا في أفغانستان الذين يصارعون أعتى قوة في أرض الله ، وحينما يبخل الناس بالزكاة فإن الله تعالى يمنع المطر، ولربما يظن ظان أن المطر إنما هو وسيلة لإنبات العشب، ولكن المطر حقيقة هو وسيلة لحياة هذا الإنسان ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٦٩].
إن امتناع القطر من السماء سببه الذنوب والسيئات، وأعظم هذه الذنوب وتلك السيئات التي كانت سبباً في حبس المطر حتى أجدبت الأرض هو منع إخراج الزكاة، فعلينا أن نصلح أحوالنا حتى يغير الله ما بنا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
إذا منع الناس زكاة أموالهم منع الله عنهم القطر من السماء، ولولا رحمة الله بهؤلاء البهائم ما أُمطرت الأرض أبداً، وعلينا أن لا ننخدع بدول الكفر التي تتمتع بزينة الحياة الدنيا، والتي تمطر ليلاً ونهاراً؛ لأن هذه حسناتهم عجلت لهم، ولأن الله يقول عنهم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧]، ولكن علينا أن نعرف حق الله في هذا المال، فهو حق معلوم للسائل والمحروم، وليخش الذين لا يؤدون هذه الزكاة من يوم يؤتى بهذا المال ثم يصفح صفائح من نار، ثم يحمى عليها في نار جهنم، ثم تكوى بها الجباه والجلود والظهور في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة، كلما بردت أعيدت.
ويقول الله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٠].
стр. 1005
معنى نقص المكيال والميزان وعاقبته
قال رسول الله ﷺ : (ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان)، المراد بنقص الميزان والمكيال إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم.
وإن العبد في تصرفاته ومعاملاته المالية محكوم بضوابط الشريعة، فما أبيح له منها فعله وما منعه الشرع تعين عليه تركه، فما على العبد إلا الرضا والقناعة بما أعطاه الله ﵎، والاكتفاء بحلاله عن حرامه، وقصر النظر على الموجود من غير تطلع إلى ما عند الناس.
وأما تطفيف المكيال والميزان من أجل الحصول على متاع زائل فإنه من أعظم الأسباب الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة كتفشي المجاعة وظلم الولاة لرعاياهم، وقد حذر شعيب ﵇ قومه من الشرك بالله وبخس المكاييل والموازين، فقد كان قومه يغشون في المعاملات وينقصون الناس أشياءهم، وذكرهم الخير الذي أدره الله عليهم، والأرزاق المتنوعة، وأنهم ليسوا بحاجة إلى ظلم الناس في أموالهم، ولكنهم أبوا ذلك فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
стр. 1006
عاقبة نقض عهد الله وعهد رسوله
يقول الرسول ﷺ : (ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم)، ولقد نقض المسلمون عهودهم مع الله ومع رسوله ﷺ ، فتركوا ما أمرهم الله به وارتكبوا ما نهاهم الله عنه، ثم كانت النتيجة الحتمية، والخاتمة السيئة: (سلط الله عليهم عدواً من غيرهم)، أي: من غير الأمة الإسلامية، (فيأخذ بعض ما في أيديهم)، إذا أردت دليلاً على هذا الواقع المرير فتصفح خارطة العالم الإسلامي، أين فلسطين؟ وأين الأندلس؟ وأين كثيراً من البلاد التي أصبحت الآن في قبضة العدو، وما بقي منها فيكاد أن يكون تحت سيطرة العدو إلا ما شاء الله.
وإنا لنخاف أن يأتي ذلك اليوم الذي يأخذ العدو كل ما في أيدينا، ويصبح هؤلاء المسلمون أسرى بسبب سيئاتهم وإعراضهم عن الله .
стр. 1007
النتيجة الحتمية لمن لم يحكم الشريعة الإسلامية
ثم يقول بعد ذلك الرسول ﷺ : (وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
أما الحكم بغير ما أنزل الله فقد عم وطم، جل العالم الإسلامي تحكمه قوانين البشر وآراء الرجال، ويعتبرون شرع الله تخلفاً ورجعية ووحشية ولا يصلح لهذه العصور المتطورة، يقولون: إن كتاب الله وسنة رسول الله كانت صالحة في عصر الخيمة والبعير، لكنه لا يصلح في عصر المركبات الفضائية، لقد جدت أشياء لا يحيط بها الإسلام علماً، فلابد من آراء الرجال التي تواكب متطلبات العصر.
أما النتيجة فهي مؤكدة لا شك فيها، فجعل الله بأسهم بينهم، ولذلك فإن من يحاول لمَّ شتات هذا العالم الإسلامي إنما يحاول مستحيلاً، وأيم الله لن تجتمع هذه الأمة إلا على دين الحق، ولن تجتمع إلا على كلمة التوحيد، ولن تتوحد إلا على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبغير ذلك فلا يمكن أبداً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]، وهذا الشقاق سيبقى ما بقي الإعراض عن دين الله ، حتى يرجع هؤلاء الناس إلى دين الله .
فما دامت أئمتهم تحكم بغير ما أنزل الله فسيبقى بأسهم بينهم، ولربما تكون بداية النهاية، ويدمر بعضهم بعضاً بسبب هذا الخلاف الذي نشأ عن إعراض هؤلاء جميعاً عن دين الله ، والله تعالى ذكر أن من أنواع العقوبات التي ينزلها بالأمة أن يجعل بأسهم بينهم شديداً فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]، ولذلك فإن الذين يقتلون اليوم بأسلحة المؤمنين أضعاف أضعاف الذين يقتلون بأسلحة الكافرين، والذين يلقون ربهم على أيدي الطغاة والمتجبرين والمعتدين في الأرض ممن يحسبون على الأمة الإسلامية أضعاف أضعاف الذين يلقون مصيرهم في ساحات المعركة مع الأعداء.
أسأل الله أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1008
دين العدل
إن دين الإسلام هو دين العدل، فما أنزل الله القرآن إلا للعدل، وما بعث محمداً ﷺ إلا بالعدل، وسنته ﷺ مليئة بالأمثلة والمواقف المبينة لعدله بين الناس؛ ولذا كانت هذه الصفة بارزة في صحابته وخصوصاً الخلفاء الراشدين، فهم أخذوا العدل منه وتربوا على يديه ونشروه في ربوع الأرض، ثم تلاهم على ذلك التابعون من السلف الصالحين، فكم من أمة من أمم الكفر أسلمت لما رأت من عدل المسلمين الفاتحين.
стр. 1009
سبب نزول آيات العدل من سورة النساء
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، والمصطفى من خلقه صلى الله عليه وعلى آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: لربما تكون هذه بداية حلقة لأحاديث متكررة إن شاء الله طيلة إجازة الربيع هنا في جدة، وسيكون الدرس الآخر القادم إن شاء الله مساء السبت ليلة الأحد في مسجد الأمير متعب، ولربما تتواصل الحلقات إن شاء الله، ونرجو الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، وحلقاتنا سوف تتعرض لدروس من كتاب الله ، ذلك أن القرآن هو مصدر حياة البشرية، وأن القرآن كما أخبر الله عنه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]، وأن الله ما فرط فيه من شيء، ولذلك فسوف نختار إن شاء الله دروساً من كتاب الله، كل درس منها يهتم بجانب من جوانب حياة الناس الاجتماعية، وما أكثر الاعوجاج في دنيانا اليوم لدى كثير من الناس، ونرجو الله أن يجعلنا وإياكم وإخواننا المسلمين نتخلق بخلق القرآن الذي هو خلق رسول الله ﷺ كما روي عن عائشة ﵂ حينما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: (كان خلقه القرآن).
أما الفصل الذي سوف أختاره لكم هذه الليلة فهي آيات في سورة النساء تقرر قواعد العدل في الأمة، وهذه القاعدة -قاعدة العدل- هي من أكبر الأمور وأهمها التي لا تستغني عنها الأمة، أمر مهم لا تستغني عنه أمة الإسلام، لاسيما في عصر الجور والظلم والطغيان التي سيطرت على عقول كثير من الناس، وهذه الآيات التي تتحدث عن العدل حتى مع الكافر ضد المسلم؛ لأن الآيات مضمونها رجل ينتسب إلى الإسلام فعل جريمة، فألصق الجريمة برجل يهودي، واستشهد قومه من المنسوبين إلى الإسلام فشهدوا ضد اليهودي، وكاد الرسول ﷺ أن يقطع يد اليهودي، لولا أن الله أوحى إلى نبيه ﷺ بصدق الخبر، وأن الجريمة لم يفعلها اليهودي وإنما فعلها رجل ينتسب للإسلام هو أبو طعيمة بشر بن أبيرق الذي تبين في الأخير أنه من المنافقين حسب سياق القصة، وأن إخوته وأبناء عمه الذين شهدوا معه زوراً وبهتاناً أيضاً هم من المنافقين.
القصة: رجل منافق يدعى بشر بن أبيرق أبو طعيمة سرق ذات يوم درعاً فأخفاه عند يهودي من اليهود في المدينة، ثم جاء الطلب إلى بيت المنافق، فأنكر وجود الدرع عنده، وألصق التهمة باليهودي، فجيء باليهودي وشهد عليه أبناء عم بشر بن أبيرق، فشهدوا أن بشراً لم يسرق، وأن الذي سرق هو اليهودي، بالرغم من أن السارق هو المنافق بشر بن أبيرق، وأن اليهودي كان بريئاً من السرقة، فعزم الرسول ﷺ على قطع يد اليهودي، فأنزل الله قرآناً يبرئ فيه اليهودي.
ومن هنا نعرف أيها الإخوة! كيف أن الإسلام يقر قواعد العدل حتى لمصلحة يهودي ضد مسلم؛ من أجل أن يفهم الناس حقيقة العدل، وأن العدل يجب أن يدخل في الحكم مهما كان هذا الحكم، حتى لو كان بين مسلم ويهودي كما يأتينا من قصص غير هذه القصة.
المهم أنزل الله القرآن فبرأ اليهودي، وألصق التهمة بصاحبها المنافق، أما هذا المنافق نعوذ بالله فما زادته هذه القصة إلا بعداً عن الله، هرب من المدينة مرتداً عن الإسلام، ولجأ إلى مكة بسبب فضيحة القرآن له، وانضم إلى معسكر المشركين في مكة، ثم أراد الله له سوء الخاتمة فنقب ذات يوم بيتاً من البيوت في مكة، فسقط عليه الجدار فمات مرتداً عن الإسلام نسأل الله العافية؛ فخسر الدنيا والآخرة.
هذا هو مصير الظالمين الذين يلصقون التهم بالأبرياء، تكون نهايتهم الردة عن الإسلام، والموت شر ميتة وهو يمارس اللصوصية، أقرأ عليكم الآيات، ثم نعود بعد ذلك إليها بشيء من التفصيل، ثم بعد ذلك نستطيع أن نفهم حقيقة العدل في الإسلام.
يقول الله في سورة النساء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا﴾ [النساء:١٠٥]، الخطاب موجه للرسول ﷺ ، وهو موجه لنا أيضاً نحن؛ لأن كل شيء يوجه للرسول ﷺ هو موجه لنا أيضاً، حتى نقر قواعد العدل في هذه الحياة.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا * وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٠٥ - ١١٢].
ثم يقول الله لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا * لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا * وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٣ - ١١٥]، هذا الذي ارتد عن الإسلام: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٥ - ١١٦].
هذا درس لا يجوز للمسلم أن يغفل عنه أو ينساه أبداً، والعجيب كما قلت لكم: أن هذه الآيات تدافع عن رجل يهودي، فأي دين يستطيع أن يدافع عن أعدائه أشد من هذا الدفاع؟! حتى لقد كان فيه اللوم العتاب للرسول ﷺ من أجل رجل يهودي كاد الرسول ﷺ أن يقطع يده حسب ما قامت عليه البينة الظاهرة، لولا أن الله وجه القصة إلى مجراها الحقيقي بدل أن كانت في مجراها غير الحقيقي.
هذه هي القصة وهذا هو سبب نزولها، ونعود إلى الآيات بشيء من التفصيل لنعود بعد ذلك إلى قواعد العدل التي يجب أن تطبق في الأمة بأي حال من الأحوال.
стр. 1010
تفسير آيات العدل من سورة النساء
стр. 1011
قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق)
قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، أي: يا محمد (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، لا برأيك.
إذا كان الرسول ﷺ لا يجوز له أن يحكم برأيه فهل يجوز لفاجر جبار عنيد أن يأتي في مثل عصرنا الحاضر لينحي القرآن وسنة الرسول ﷺ ليحكم بين الناس برأيه أو بآراء الرجال وبقوانين البشر؟! لا يمكن هذا بأي حال من الأحوال، (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، أي: بما وجهك الله إليه، فالرسول ﷺ حتى في أحاديثه الشريفة التي سماها الله الحكمة ليست رأياً له، وإنما هي بوحي من الله ، ولذلك فإن الكتاب والسنة كلاهما وحي من الله ، لكن هذا وحي هو كلام الله مباشرة، وذاك وحي جعله الله في قلب محمد ﷺ ليبلغه إلى الناس بلسانه، أما الجميع فكلاهما وحي من الله ، ولذلك لا يجوز للرسول ﷺ أن يحكم برأيه في أي أمر من الأمور، وإذا حكم برأيه فإنه يقول للناس: أعينوني برأيكم، كما فعل ﷺ يوم بدر في اختيار المكان وكما هو موقف الحباب بن المنذر، وكما كان قبل ذلك حينما كان يستشير المهاجرين والأنصار، وغيرها قصص كثيرة، حتى لقد عاتبه الله في كثير من هذه القصص كقصة ابن أم مكتوم حينما أعرض عن الأعمى وما أشبه ذلك من الأمور، حتى قال الله : ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام:٣٥] حتى يصل العتاب من الله إلى الرسول ﷺ إلى هذا المستوى.
إذا كان هذا بالنسبة لرسول الله ﷺ فعلى أي واحد من البشر يأتي وهو معرض للخطأ والزلل أن يعترف بخطئه، ثم إذا كان هذا بالنسبة لحكم الله لا بد أن ينفذه الرسول ﷺ بأمر الله لا برأي محمد ﷺ ، فإنه لا يحق لواحد من البشر أن يحكم هذا العالم، بل لا يمكن لهذا العالم أن يخضع لغير حكم الله ، ولذلك فإن من أعرض عن حكم الله فهو طاغوت، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، وأي شعب وأي أمة تتحاكم إلى قوانين الرجال وآراء البشر فهي أمة زائغة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠].
إذاً: لا بد أن يكون الحكم بما أنزل الله لا برأي أحد من الرجال أياً كان هذا الرجل، ولو كان محمداً ﷺ .
(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، المخاصمة على الخائن تسبب لعنة من الله ، ومن رسوله ﷺ ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (لعن الله من آوى محدثاً)، ما معنى آوى محدثاً؟ أي: غطى على حدثه ومصيبته، وعلى جرمه وذنبه؛ حتى يضيع هذا الجرم أو لربما يلتصق هذا بإنسان بريء كما هو في هذه القصة، ولذلك قد تأخذ الحمية إنساناً بسبب قرابة أو بسبب عداوة ليدافع عن مجرم أو ليلصق التهمة ببريء، وهنا تأتي المصيبة التي تحدث عنها القرآن في مثل هذه الآيات: (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، فالمخاصمة عن الخونة، والمدافعة عنهم، والثناء عليهم، وتبرئة ساحتهم أمر خطير جداً لا يجوز لواحد من المسلمين أن يقدم عليه.
стр. 1012
قوله تعالى: (واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً)
هنا يقول الله لرسوله ﷺ : (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)؛ لأن الذنب صفة من صفات البشر يتعرض له كل الناس، إلا أن ذنب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذنب لا يقرون عليه، فإن الله يوحي إليهم بتصحيح الخطأ الذي ربما يحدث من نبي من الأنبياء.
فالذنب ملازم لهذا الإنسان في كل حالة من حالاته، ولذلك يقول الله تعالى للرسول ﷺ : (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ).
تعال معي يا أخي إلى واحد من الناس اليوم، لو قيل له: اتق الله، فإنه ربما يغضب، لو قيل له: لا تفعل كذا أصلح كذا لا تفسد كذا اتق الله في كذا قال: أنا يقال لي: اتق الله! أنا يقال لي: استغفر الله! أنا يقال لي: لا تفعل! فلربما تأخذه العزة بالإثم فيبطش بطشاً عظيماً.
هنا يقول الله للرسول ﷺ : (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، أي قل: أستغفر الله، والاستغفار كما نعرف أنه سبيل ينقل الإنسان من الذنب إلى الطاعة، ومن المعصية إلى الاستقامة، ولذلك فإن الله يقبل توبة الإنسان واستغفاره، والرسول ﷺ يقول: (إنه ليران على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة)، إذاً: كيف لا يستغفر الله إنسان من عامة الناس؟!
стр. 1013
قوله تعالى: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم)
قوله: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ)، الرسول ﷺ ما جادل عنه، وإنما الذي جادل عنه أبناء عمه وإخوته من المنافقين من آل أبيرق الذين برءوا ساحته، فقدموا متهماً غير المتهم الحقيقي أمام الرسول ﷺ ، لكن الرسول ﷺ ربما تعجل في الحكم أو في قبول الدعوى ضد اليهودي قبل أن يتثبت في هذا الأمر.
فالله تعالى قال: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، يعني: أنت عملت ذنباً عظيماً، ومن نعمة الله عليك أنك ما قطعت يد اليهودي، ولو قطعت يد اليهودي لأقدمت على أمر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]، وهنا يقول الله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:١٠٧] أصحاب الخيانة لا تجادل ولا تدافع عنهم، وهذا موجه لأي واحد منا ربما يقع أخوه أو ابنه أو ابن عمه أو أبوه أو قريبه في جريمة أو في ذنب، ثم تأخذه الغيرة على النسب ليقوم مدافعاً عن هذا المجرم ويقول: هذا أخي! وهذا ابني! وهذا أبي! وهذا ابن عمي بريء! ويبذل قصارى جهوده في سبيل تبرئة ساحة هذا المجرم وهو مجرم، فهذا أمر عظيم جداً لاسيما أن هذا الذنب قد يلصق بإنسان بريء وحينئذ يكون الجرم مضاعفاً ومكرراً كما كاد أن يحصل في قصة ابن أبيرق.
стр. 1014
قوله تعالى: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله)
(وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ)، ما هو السبب؟ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ) فهذه صفة المنافقين، المنافق أمام الناس كأنه عابد ناسك، لكنه أمام الله فاجر طاغوت نعوذ بالله: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)، أي: جلسوا جلسة في الليل كما يجلس المجرمون الآن يخططون، وهؤلاء لا يخططون فقط من أجل تبرئة أبي طعيمة، وإنما يخططون للإطاحة بالإسلام.
هذا منهج المنافقين دائماً وأبداً في ذلك العصر وفي هذا العصر وإلى يوم القيامة؛ لأنهم يريدون أن يوقعوا الرسول ﷺ في حرج حينما يقطع يد اليهودي، ولو قطع الرسول ﷺ يد اليهودي لكانت المصيبة أكبر، ولكان اليهود يتهمون هذا الدين بأنه دين جائر حيث يسرق فلان وتقطع يد فلان اليهودي! لكن الله يكشف مؤامرات المنافقين.
وفي يومنا هذا تجدون المنافقين حينما يخططون ويرتبون، ويجلسون الليالي الطوال يشتغلون في الظلام بخبث من أجل الإضرار بالأمة الإسلامية والإطاحة بها، نجد أن الله بلطفه وكرمه دائماً يكشف لنا هذه المؤامرات؛ لأن سنة الله في هذه الحياة: (ولا يفلح الظالمون).
ولذلك فإن الله كشف هذه المؤامرة فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٦ - ١٠٨]، هل يتصور هذا الإنسان أن الله تعالى معه في كل حالة من حالاته، وأي عمل يقدم عليه خيراً كان أو شراً فإن الله تعالى معه ومطلع عليه؟ لا بد أن يعرف هذا الإنسان يقيناً أن الله تعالى معه، وأنه يراقب تصرفاته: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس:٦١]، فالله تعالى مطلع وضع شهوداً في هذه الأرض، فالأرض تحدث أخبارها، والملائكة الكرام الكاتبون يعلمون ما تفعلون، وجوارح هذا الإنسان أيضاً تشهد على هذا الإنسان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت:٢٠] أي: النار، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢٠ - ٢١].
стр. 1015
قوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا)
قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ [النساء:١٠٩]، اتجه الله إلى شهود الزور نعوذ بالله! وهم أظلم الناس، وشر الناس من ظلم الناس للناس.
وشهود الزور: هم الذين يشهدون زوراً وبهتاناً ليوقعوا هذا الدين في حرج، وليخلصوا المجرم، ولينقلوا الحق إلى غير صاحبه، وهؤلاء يعملون أكبر الكبائر كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو بكرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور! ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور!)، يقول أبو بكرة: (فما زال رسول الله ﷺ يكررها حتى قلنا: ليته سكت)، من شدة علامات الغضب التي برزت على وجه رسول الله ﷺ .
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:١٠٩]، أنت الآن تدافع عنه أمام السلطة، لكن يوم القيامة من يجادل عن هذا إذا وقف بين يدي الله ؟! أنت وإن جادلت عنهم في الحياة الدنيا فإنك لا تستطيع أن تجادل عنهم بين يدي الله يوم القيامة؛ لأن الأمر مكشوف وواضح ليس عليه غبار، وليس فيه سر: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، كل الأمور مكشوفة، ولذلك يقول الله تعالى: (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، أي: عن هؤلاء المجرمين: (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا)، من يتوكل على أمرهم؟! وكل إنسان يوم القيامة كما أنه مكشوف أمره هو أيضاً مشغول بنفسه، لا يستطيع أن يدافع عن نفسه فضلاً عن أن يدافع عن غيره؛ لأن الله تعالى يقول عن ذلك الموقف: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]، وهنا يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:١٠٩]، استفهام إنكاري؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يجادل عنهم يوم القيامة، ممكن أن يجادل في الدنيا وممكن أن يذهب المجرم إلى القاضي يدافع عن مجرم آخر، يمكن أن يذهب شاهد الزور ليشهد أن مال فلان لفلان ولربما يحلف؛ لأنه لا يخشى الله ، ولربما يستطيع أن يخلصه بوساطة، وإن كان مجرماً قد أفسد وعاث في الأرض فساداً يستطيع أن يدافع عنه بواسطة أو بجاه، ولربما يكتفي برفع سماعة الهاتف ليقول: أخرجوا فلاناً من السجن، وهو أكبر المجرمين في الأرض، لكن تعال يوم القيامة حينما يقف الجميع بين يدي الله ، من يجادل عن هذا المجرم؟ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، يعني: وأشكالهم ونظراءهم وجلساءهم ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]، هنا يقول الله : ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:١٠٩]، إذاً: يا أخي! لا تجادل عن مجرم، لا تلصق التهمة ببريء، دع المجرم يأخذ نصيبه من العقوبة في هذه الحياة الدنيا، لعل هذه العقوبة تخفف عنه عذاب الله يوم القيامة، دع السارق حتى تقطع يده، حتى يكون عظة وعبرة، ولعل الله أن يتجاوز عنه سرقته يوم القيامة، دع الزاني يقام عليه الحد؛ لعل الله أن يتجاوز عنه هذا الذنب يوم القيامة، دع قاطع الطريق يقام عليه الحد، دع شارب الخمر يقام عليه الحد؛ لعل الله أن يخفف عنهم العقوبة يوم القيامة، أما أن يأتي رجل يلبس ثياب الصلاح والتقى؛ ليجادل عن مجرم، أو ليشهد مع مجرم، ولربما تدفعه الغيرة والحمية أو القرابة أو العداوة لمن يشهد عليه، فإن هناك موقفاً بين يدي الله لا يستطيع فيه أحد أن يجادل عن أحد؛ لأن الله تعالى يجرد كل واحد من سلطته يوم القيامة ويقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
ثم باب التوبة مفتوح، إذاً لا حاجة إلى اللف والدوران ما دام باب التوبة مفتوحاً، وله أجلان: أجل لكل واحد منا ما لم تبلغ الروح الحلقوم ما لم تحضر ساعة الموت، فباب التوبة مفتوح، والله يقول عن هذا الأجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٧] ولفظة (عَلَى) تدل على الوجوب فأوجب الله تعالى على نفسه: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، أن يتوب عليهم، والجهالة ليس معناها الجهل؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ، وإنما معنى (بِجَهَالَةٍ)، أي: في غفلة، ومعنى (مِنْ قَرِيبٍ) ليس معناه: بسرعة، وإنما معناه: ما قبل الموت، فإن ما قبل الموت قريب، والله تعالى يقول في الآية الثانية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:١٨]، ما معنى (من قَرِيبٍ) ما قبل الموت، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أو: (ما لم تبلغ الروح الحلقوم)، أتعرفون معنى الغرغرة؟ الغرغرة: أن تقرب الروح من الخروج لتودع هذا الجسد في هذه الحياة.
إذاً: الأجل طويل لكل واحد، لكن الإنسان لا يسوف؛ لأن الموت قريب جداً من هذا الإنسان قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤].
الأجل الثاني للتوبة بالنسبة لعامة الناس: هو طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، وهي آخر آية من آيات الساعة، ولذلك يقول الله تعالى عنها: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، أي: تطلع الشمس من مغربها ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
стр. 1016
قوله تعالى: (ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه)
إذاً: معنى ذلك أن باب التوبة مفتوح في هذه الحياة، ولذلك يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، السوء: معناه السيئات عموماً، (يَظْلِمِ نَفْسَهُ) معناه: الشرك بالله ، يعني: حتى الشرك بالله وهو أعظم الذنوب، وإذا كان الشرك بالله يغفره الله فليس عجيباً أن يغفر الله ما دون ذلك، والذنب الثاني بعد الشرك بالله هو الربا، الربا الذي أصبح الآن سهلاً تناوله عند كثير من الناس، يعلن بنك الرياض المساهمة فيتسابق الناس إلى المساهمة في بنك الرياض، أتدرون ما هو بنك الرياض وأي بنك من البنوك؟ هو الحرب لله ولرسوله ﷺ ، لا يغركم يا إخوان أنكم ترونها قد فتحت أبوابها أمام الناس، هي حرب لله هي أعظم ذنب بعد الشرك بالله ، أعظم من الزنا، وأعظم من المخدرات التي تحارب الآن بكل الوسائل، وأعظم من اللواط، وأعظم من المسكرات، وأعظم من السرقات، لكنها لا تحارب كما تحارب هذه الذنوب، لكن الله توعد عليها بعقاب شديد.
الربا أصبح الآن مغرياً يسيل له لعاب الناس وفي يوم من الأيام أعلن أحد البنوك فأصبح الريال يساوي أربعين ريالاً، إذاً ليس غريباً أن يقدم الناس على الربا إلا من عنده وازع إيماني؛ لأن هذه هي الفتنة التي يقول الله عنها: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ بنو إسرائيل أراد الله أن يختبرهم كما نختبر الآن بأرباح البنوك والشركات التي تربح بسرعة، فأعطشهم الله ، وأجرى لهم نهراً بارداً، وقال: لا تشربوا من هذا النهر إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليل منهم.
إذاً: لا تعجبوا حينما ترون كثيراً من الناس وقعوا في الربا، ومن لم يأكل الربا أصابه من غباره، بنو إسرائيل حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، وفتنهم، وجعل السمك في يوم السبت يطفو على سطح البحر، ويختفي بقية أيام الأسبوع، لكن بنو إسرائيل أعقل من كفرة أو من فجرة أو من عصاة هذا العصر، ما صادوا يوم السبت لكن استعملوا الحيلة، فصاروا يضعون الشباك يوم الجمعة ويرفعونها يوم الأحد، فهي تكون مملوءة بالأسماك، كما يفعل الناس في حيل البنوك الآن وحيل الربا ما تشاهدونه.
المهم يا إخوتي! إذا رأيتم هذه الأرباح الهائلة فاعرفوا أن وراءها طالباً، فأحذركم من الربا، وأنا تعرضت لهذا الموضوع؛ لأنه موضوع الساعة، أما حديثنا عن مغفرة الذنوب فإن الله يتجاوز عن كل الذنوب حينما يصدق الإنسان بالتوبة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي: سيئة أياً كانت هذه السيئة (أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ)، وهو الشرك بالله (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، من نعمة الله أن قال: ثم يستغفر، ولم يقل: فيستغفر، فالفاء للسرعة وثم للتراخي، ولذلك حتى لو مضى على هذا الذنب مدة من الزمن فالمهم أن يتوب بصدق وأن يبادر إلى التوبة والإنابة بعزيمة صادقة، وأن يرد المظالم فيترك الربا إذا كان كسب مالاً من الربا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فقط رأس المال، أما الربح فليس لك: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]، الله تعالى قريب لكن بشرط أن يصدق هذا الإنسان مع ربه .
стр. 1017
قوله تعالى: (ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه)
قوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)، الإنسان لا يكسب الإثم إلا على نفسه، فالسيئة يجني ثمارها يوم يقف بين يدي الله ، لكن هناك سيئات تجر على المجتمع وبالاً أيضاً، ولا يتعارض ذلك مع هذه الآية: (فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ)؛ لأن الأصل أن السيئة تكون على نفس الإنسان، لكن لا يمنع أن يكون لها آثار تتعدى للمجتمع؛ لأنه صح في الحديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
стр. 1018
قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً)
لكن المشكلة أكبر من ذلك، حين يجني إنسان سيئة ويبرئ نفسه منها، ويلصقها بإنسان آخر: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٢].
الخطيئة: هي التي يفعلها الإنسان وهو يشك بأنها خطيئة، لكن الإثم هو الذي يفعله الإنسان ويعرف أنه إثم، وسواء كانت خطيئة يشك الإنسان في حرمتها أو إثماً يجزم بحرمته فإن عليه أن يعترف، وليس معنى ذلك أن كل من فعل ذنباً عليه أن يقدم نفسه للمحكمة أو للسلطة، فإن باب التوبة مفتوح، فإذا تاب الإنسان بينه وبين ربه فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، بشرط: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥].
فالذنوب على نوعين: هناك ذنوب بين الإنسان وبين ربه ، وهذا يكفي في التوبة أن يتوب الإنسان بينه وبين ربه ، دون أن يكشف نفسه أمام الناس، بل إنه إذا وصل إلى درجة المجاهرة بالذنب فإن الذنب يكون عظيماً، ولذلك جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين إلا المجاهرون) على روايتين.
فالذنب إذا كان بينك وبين ربك فبادر بالتوبة، وثق بأن الله تعالى قد أوجب التوبة على نفسه إذا صدقت في التوبة، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٧]، و (عَلَى) هنا تدل على الوجوب، فالله تعالى أوجبها على نفسه ولم يوجبها عليه أحد غيره، بشرط أن تستوفي هذه التوبة شروطها من الإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود، وأن يندم على ما مضى، لكن هناك ذنب ومثل هذا الذنب قصة ماعز ﵁، فـ ماعز ﵁ من أصحاب الرسول ﷺ ومن خيار الصحابة، زنا ذات يوم فاعترف بين يدي الرسول ﷺ ، وكان الرسول ﷺ يتمنى أن لا يعترف ماعز، وإنما يتوب بينه وبين ربه، فكان يعرض عنه وماعز يتابعه ويقول: يا رسول الله! زنيت زنيت أربع مرات، ويسأله الرسول ﷺ لعله أن يتراجع: (لعلك قبلت، لعلك غمزت، ماذا فعلت؟ فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: أبك جنون؟)، كل ذلك من أجل أن ينصرف ماعز.
إذاً: التوبة بين الإنسان وبين ربه، لا حاجة إلى أن تقام عليه الحدود إذا كان هذا الذنب لا يمس أحداً من الناس، لكن حينما يكون الذنب بين الإنسان والإنسان فهو من ديوان لا يترك الله منه شيئاً يوم القيامة، وهنا لا بد في التوبة من رد المظالم إلى أصحابها قبل أن ترد يوم القيامة إن كان هناك مال يرد، وإن كان هناك عرض يستحل إلى غير ذلك.
لكن إذا فعل هذا الذنب وزيادة على إصراره على هذا الذنب ألصقه بغيره، سرق وقال: فلان سرق، زنا نعوذ بالله، وقال: فلان زنا، قتل وقال: فلان قتل، فهذا هو أعظم الذنوب عند الله ، ولذلك أخرها الله تعالى وقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء:١١٢]، يتهم به إنساناً ليس هو فاعل الذنب، (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)، (بهتاناً) وهو إلصاقه بغيره، (وإثماً) خطأ عظيماً ومبيناً.
إذاً: لا بد لفاعل الذنب في مثل هذه الحال أن يعترف لاسيما إذا كان سيؤخذ البريء بدلاً منه، وأشد من ذلك حينما تقوم بينات وشهادات زور تبرئ المجرم لتلصق الجريمة بإنسان آخر: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
стр. 1019
قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليك ورحمته)
ثم يتوجه الله بعد ذلك إلى الرسول ﷺ ، والرسول عليه أن يتأنى في الأمور، ولولا أن الله تعالى من على الرسول ﷺ بنزول الوحي لكان الرسول ﷺ قد فعل أمراً عظيماً يشوه به الإسلام، ويصبح حجر عثرة في طريق الإسلام أمام اليهود وأيضاً يضر بإنسان بريء.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ) يا محمد (وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ) شهود الزور، (طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: عن الحكم الصحيح (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) الأصل أنهم سيضرون بأنفسهم، لكن يضلونك أنت لو أقدمت على قطع يد الرجل اليهودي البريء، وإن كان يهودياً من أبناء القردة والخنازير، لكن يكفي أنه إنسان بريء من هذه السرقة، لو أقدمت لكان الأمر عظيماً، مع أن اليهود هم أشد وألد أعداء الله والرسول ﷺ ، وألد أعداء الإسلام، ومع ذلك يدافع الله عنهم من أجل أن يقر قواعد العدل في هذه الحياة.
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) يعني: يرتكبون الذنب العظيم؛ لأن هذا من أكبر الكبائر وهو شهادة الزور: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)، في الأصل أنت لا تتضرر، هم يتضررون، لكن أنت أيضاً تصبح عرضة لليهود حينما تقطع يد اليهودي بدون ما جرم.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ).
ثم قال الله تعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، (الْكِتَابَ): القرآن، (الْحِكْمَةَ): السنة، وهذا هو معنى قولنا: إن السنة وحي آخر جاء من عند الله نطق به الرسول ﷺ : (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ).
انظر يا أخي! إلى التربية من عند الله لرسوله ﷺ ، أي المواقف أفضل هذا الكلام أم ما يقوله الصوفية في أيامنا الحاضرة الذين يقولون: إن محمداً هو أول المخلوقات! محمد ليس له ظل! محمد خلق من نور! كل الأنبياء خلقت من نور محمد! الله تعالى يوقع الرسول ﷺ موقع العدل أي: أنت رسول ونبي لكنك بدون هذا الوحي لا تعرف شيئاً من ذلك، هكذا الله يعلم الرسول ﷺ ، ويوقعه أفضل موقع (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، فأنت لا تعلم الكتاب ولا الحكمة كان الرسول ﷺ أمياً، ولكن الله رفعه فوق العلماء، وجعل العلماء يستقون علمهم من علم رسول الله ﷺ ، وهذا فضل من الله ، وليس عيباً في رسول الله ﷺ أن يكون أمياً، بل هو فضل وشهادة للرسول ﷺ أن الله أكرمه، ولذلك لا يتسرب الشك إلى هذا القرآن؛ لأن الرسول ﷺ كان أمياً كما قال في سورة العنكبوت: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، إذاً: لا يمكن أن يرتابوا بعدما عرفوا أنك أمي، وأن الله علمك ما لم تكن تعلم، حتى وجد في عصرنا الحاضر من يقول: محمد ليس أمياً، ويظنون أنهم في هذا الأمر يرفعون قيمة الرسول ﷺ ، الحقيقة أن الرسول ﷺ كما أخبر الله أنه أمي: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهنا يقول: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فما كان يقرأ ولا يكتب ﵊ قبل النبوة، لكن أصبح العلماء يستقون من علمه ﷺ .
إذاً: الغلو في الرسول ﷺ كفر به ﷺ ، وكفر بالقرآن، والرسول ﷺ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، وما تشاهدونه من البدع والخرافات التي أحدثها الناس، ويظنون أنهم بها يرفعون من قيمة رسول الله ﷺ ، والله الذي لا إله غيره إنهم ألد أعداء رسول الله ﷺ ، وأقسم بالله العظيم لو بعث فينا اليوم محمد ﷺ لقطع رءوس قوم غلوا فيه كما غلت النصارى في المسيح بن مريم ﵊، ولو بعث الرسول ﷺ فينا اليوم لقاتل هؤلاء الذين يطرونه ويرفعونه إلى درجة الألوهية قبل أن يقاتل الشيوعيين والملاحدة الذين ينكرون الخالق وينكرون الرسول ﷺ .
أيها الإخوة! ليست محبة الرسول ﷺ محبة عاطفة لكنها محبة متابعة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، ليست كمحبة الزوجة والأولاد محبة عاطفة إنما هي محبة متابعة، ونقول لمن ادعى محبة الرسول ﷺ : تعال نحن وإياك نحتكم إلى شرع رسول الله ﷺ ، وهل أنت حينما تريد أن تغلو في الرسول ﷺ أحب إلى رسول الله ﷺ من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ هل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يشدون الرحال إلى الرسول ﷺ في شهر رجب كما يفعل كثير من الناس اليوم، ويحدثون شيئاً يسمونه الرجبية؟! ما هي هذه الرجبية؟! نحن لا نعبد الله إلا بما شرع الرسول ﷺ ، فمعنى شهادة أن محمداً رسول الله أن لا نعبد الله إلا بما شرع.
هل شرع الرسول ﷺ لنا الرجبية؟ هل شرع لنا أعياد ميلاد؟ يا أخي! قف عند سنة الرسول ﷺ وتكون أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، أما محبة الغلو والإطراء فالرسول ﷺ يرفضها، لما قال له رجل: (يا رسول الله! ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟).
إذاً: أيها الإخوة! المسألة تحتاج إلى وقوف عند سنة رسول الله ﷺ ، حتى لا تكون المسألة عواطف وشهوات نبتعد فيها كثيراً عن رسول الله ﷺ .
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)، هل يعتبر هذا سباً للرسول ﷺ من الله ؟ لا، هذا تعظيم للرسول ﷺ أنه علمه ما لم يكن يعلم، ولو كان يعلم قبل النبوة لأصبح موضع شك عند القوم، لكن العجيب عند القوم أنه رجل أمي، وأصبح معلم البشرية كلها إلى يوم القيامة، (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
стр. 1020
قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم)
ثم تحدث الله عن كشف مؤامرة، كان المنافقون يجلسون بالليل حتى دبروا مؤامرة قصة أبي طعيمة، فالله تعالى مطلع على جلساتهم في الظلام؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت الظلام فقال : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤].
المناجاة التي كانوا يتناجونها في السر ليدبروا المؤامرة ضد اليهودي وليلصقوا المشقة والعنت برسول الله ﷺ ، هذه النجوى أمرها خطير، فالنجوى -وهي الكلام السري الخفي- لا تجوز إلا في ثلاثة أشياء: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، أن يحث الناس على البذل في سبيل الله وعلى الإحسان إلى الفقراء والمساكين وما أكثرهم اليوم! أو يأمر بالمعروف إذا رأى الناس عطلوا واجباً من واجبات هذا الدين، أو يصلح بين اثنين بينهما خلاف وشقاق، وخلافهما وشقاقهما يؤدي إلى ضياع دينهما (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
ثم تعود الآيات مرة أخرى إلى ابن أبيرق الذي انتهت حياته بالردة، وسقط عليه جدار في مكة وهو ينقبه ليسرق مرة أخرى، فيموت مرتداً عقوبة على ما فعل في المدينة؛ لأن الله يقول: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، فالمعاصي يجر بعضها بعضاً، فانتهت المعصية وإلصاق التهمة ببريء إلى الردة عن الإسلام، ثم الموت وهو مرتد، وصار حطباً لجهنم.
следующие страницы →