← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

رسالة المسجد في عهد السلف لو رجعنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا ما هو أعجب من ذلك! نجد رجالاً رباهم رسول الله ﷺ بالمسجد، وعرفوا رسالة المسجد، لكن رسالة المسجد في أيامنا الحاضرة عند كثير من الناس أن تصلي وتخرج، وإذا تأخرت قليلاً سوف يغلق عليك المسجد، وبعد الصلاة ببضع دقائق تجد المسجد مغلقاً. هذه ليست رسالة المسجد، بل رسالة المسجد أن يكون المسجد قطب رحى الحياة، وأن يكون المسجد كل شيء كما كان مسجد رسول الله ﷺ مدرسة عسكرية، وكان مجلس شورى، وكان مسجد عبادة، وكان مقر اعتكاف، وكان ملتقىً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كان الرجل من الغرباء يأتي إلى رسول الله ﷺ يبحث عنه، فيعقل بعيره عند باب المسجد، ثم يدخل فكأنه دخل في قاعدة عسكرية لا يخرج منها إلا وقد علم كل أمور دينه ودنياه، وعرف كيف يحارب عدوه؟ هذا هو المسجد الذي يتربى فيه الرجال؛ ولذلك فإن لنا أملاً في الله أن يؤدي المسجد هذه الرسالة، لاسيما ونحن نرى حلق الذكر ومجالس العلم بدأت تعود إلى المساجد. ولو تأملنا في سير السلف من الصحابة ومن بعدهم لرأينا كيف كان أثر المسجد في تخريج الرجال، ولأخذنا درساً لا ينسى من أولئك الرجال الذين رباهم رسول الله ﷺ في المسجد. فهذا أسامة بن زيد حينما كان عمره لا يتجاوز الثامنة عشرة، يجهزه الرسول ﷺ ليقود جيشاً إلى بلاد الشام في أحلك عصور الإسلام وأشدها وأخطرها! وفي هذا الجيش كبار الصحابة كـ أبي بكر وعمر ﵄ وغيرهما من الصحابة! وبعد موت رسول الله ﷺ يسير هذا الجيش، ويحقق معجزة في فترة من أشد فترات تاريخ الأمة الإسلامية اضطراباً، وهي أيام الردة.

стр. 1052

نماذج من رجال المساجد خبيب بن عدي ﵁ وقع أسيراً في أيدي المشركين، وفرح المشركون كثيراً حينما وقع خبيب في الأسر؛ لأنهم يريدون أن يتلذذوا ويتمتعوا بقتله، وتقطيع أجزائه، فخرجوا به خارج الحرم -احتراماً للحرم- ونصبوا له المشنقة، فبدءوا يساومونه على دينه، حتى قالوا له: أتود أن محمداً في مكانك هنا؟ قال: والله ما أود أن محمداً في مكانه تصيبه شوكة وأني في أهلي! وفشلت كل مساوماتهم معه، فرفعوه على المشنقة، وصاروا يمزقون جسده تمزيقاً، وهو لا ينصرف عن دينه، وكان يتوجه إلى الله في أشد معاناته، ويقول: اللهم! أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. فهذا نموذج من نماذج رجال المسجد. وهذا قتيبة بن مسلم رحمة الله عليه كان من القادة في بلاد الشرق، وممن تربى في المسجد، وهو الذي فتح بلاد ما وراء النهر، وهي تشمل الآن مناطق كثيرة من بلاد أفغانستان وجزءاً من روسيا؛ سأل جنوده: أي بلد أمامي الآن؟ قالوا: بلاد الصين، قال: والله لا أرجع إلى بلدي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين، وأضع وسم المسلمين على الصينيين، وآخذ الجزية! (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، فبلغ الخبر إلى ملك الصين، فأرسل تراباً وصحافاً من ذهب وأموالاً طائلة إلى قتيبة، وقال: هذه صحاف من الذهب فيها تربة يطؤها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم الوسم، وهذه هي الجزية كل سنة تصل إلى قتيبة ولا يأتي إلى بلادنا. وهذا عقبة بن نافع بالجهة الغربية كان يسابق الشمس على مطالعها، ويفتح بلاد الله وينشر فيها الإسلام، يقول المؤرخون: لما وصل إلى القيروان، كانت غابة موحشة، وكان كل الفاتحين يرجعون دونها في تونس، فأراد أن يبني مدينة القيروان لتكون مركزاً للعالم الإسلامي في شمال إفريقيا، قيل له: أيها القائد يرحمك الله! هذه أرض يعجز عنها كل الفاتحين، فهي غابات موحشة مأسدة مخيفة، فوقف على حافة الغابة بإيمانه يخاطب الوحوش -مع أن الوحوش لا تفقه كلام الرجال، لكن الله قد يوقع رعب المؤمنين حتى في قلوب الوحوش- فقال: أيتها الوحوش! نحن أتباع محمد ﷺ جئنا لننشر الإسلام هنا، يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها وتخلي الغابة لـ عقبة بن نافع. وبعد أن بنى مدينة القيروان واصل سيره ليقف بقدمي فرسه على المحيط الأطلسي ويقول: والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراء هذا الماء أحداً من البشر لخضته إليه بفرسي هذه! ثم بعد ذلك يرجع بعد أن أوصل الفتح الإسلامي إلى تلك البلاد. ليس غريباً أن يربي المسجد مثل هؤلاء، ومثل خالد بن الوليد، ومثل أبي عبيدة بن الجراح، وغيرهم من الرجال، كما أنه ليس غريباً أيضاً أن تربي المواخير ودور الدعارة والفساد هؤلاء الذين أصبحوا يقودون أممهم إلى الهاوية وإلى الدمار! إذاً: ليس هناك سبيل إلى صلاح هذه الأمة إلا أن ترجع إلى المسجد، وتربي أبناءها في المسجد، وتعاد للمسجد رسالته التي سلبت منه، ويستعيد مهمته الكبرى التي أنيطت به، وإلا فإن الأمر خطير؛ ولذلك فنحن نتطلع دائماً وأبداً إلى هؤلاء الرجال الذين يقول الله عنهم: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].

стр. 1053

أثر الابتعاد عن المسجد نلقي نظرة عابرة إلى النوع الآخر، فبعد أن عرفنا الرجال وموطنهم، ومواقع وجودهم، وأماكن تربيتهم، ثم عرفنا بعد ذلك المثل الذي ضربه الله لهؤلاء؛ ننظر بعد ذلك إلى نوعين من البشر، ليسوا من الرجال، وهذان النوعان أحدهما بحسن نية أو بسوء نية فعل ما فعل، وهو يزعم الإسلام، وهو إما أن يكون منافقاً أو متستراً، وإما أن يكون مرتداً وهو لا يدري أنه مرتد، وإما أن يكون علمانياً يريد أن يجعل ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ويريد أن يتستر بهذا الدين، فيصلي ويصوم ويحج، لكنه أبعد الناس عن الإسلام، ويطعن في الإسلام وهو يزعم الإسلام: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، أو لعله قد التبس عليه الأمر، فظن أن الدين لا يتعدى المسجد والعبادة، وأن الحياة يجب أن تسير بغير الدين. لقد ضرب الله لهؤلاء مثلاً بعد ذكر الرجال ومواطنهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] لهم أعمال صالحة لكنها ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]. حينما يسير الإنسان في شدة الحر في الصحراء الواسعة المستوية القيعة يرى أمامه إذا عطش شيئاً يتسرب بين السماء والأرض وكأنه واد يسيل ماء، وهو عطشان، ويريد أن يبحث عن الماء؛ فيركض وراء هذا الذي يظنه ماءً وهو ليس بماء وإنما هو سراب، وكلما دنا منه ابتعد هذا السراب حتى يهلك دونه. فهذا مثل ضربه الله لمن يظن أنه يحسن صنعاً وهو يسيء صنعاً، وإن من هؤلاء من أحدثوا في دين الله ما لم يشرعه الله، وأصبحوا يعبدون الله على غير بصيرة وعلى غير المنهج القويم الذي جاء به محمد ﷺ من عند ربه، ويدخلون في هذا الدين البدع التي يسمونها حسنة! فكلما أدخلوا في دين الله بدعة خرجت منه سنة لتحل محلها هذه البدعة؛ لأن المجال محدود، حتى يصل بهم ذلك إلى الشرك بالله ، فقد عبدت القبور، وطاف بها الناس، وتمسحوا بها، فهؤلاء داخلون في هذه الآية دخولاً أولياً، فتكون أعمالهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩]؛ لأن العمل لا يقبل عند الله إلا بثلاثة شروط: إيمان، وإخلاص، ومتابعة للرسول ﷺ ، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فإن معنى لا إله إلا الله: الإيمان والإخلاص، ومعنى محمد رسول الله: المتابعة للرسول ﷺ . إذاً: هؤلاء الذين يريدون أن يدخلوا في دين الله كل ما أعجبهم، الإسلام منهم براء؛ فدين الله كامل قبل أن يأتي هؤلاء منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، آخر آية من القرآن أنزلها الله على قول بعض المفسرين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، والرسول ﷺ قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، أما أن يصبح هذا الدين وعاءً يتسع لكل ما أعجب الإنسان من عبادة فلا، يقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، والأصل في العبادات الحظر، والرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 1054

حكم العمل الصالح بدون إيمان هناك نوع آخر من البشر وهم الذين يقول الله فيهم: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩]، يؤدون الطاعات لكن بغير هدف الإيمان، يتصدق أحدهم فيقول: هذه عاطفة، ويساعد الفقير فيقول: هذه إنسانية، وهكذا ويسمون هذه الأشياء بأسماء جذابة، لكن قلوبهم خراب من الإيمان؛ فلذلك أصبحت أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ، ولكن الله لا يظلم مثقال ذرة، فهذه الأعمال -بالرغم من أنها فاسدة- ما دامت تنفع الناس فلها وزن عند الله ، لكن وزنها في الدنيا لا في الآخرة؛ ولذلك فإن صاحبها لا يغادر الدنيا حتى يأخذ جزاءه كاملاً، ويقدم على الله بدون حسنات، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥] أي: بعمل الآخرة، ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥]، أي: في الحياة الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، أي: في الحياة الدنيا ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [هود:١٦]؛ لأن العمل غير صحيح؛ فهو غير مقبول، مادمت تنفق بدافع إنسانية، وتنفق بدافع رياء وسمعة؛ وليثني عليك الناس، ولذلك فإن أول من تسعر بهم النار ثلاثة: رجل شجاع استشهد في سبيل الله، ورجل عالم بذل العلم، ورجل صاحب مال كان ينفق في كل طرق الخير، لكن لما فسدت النية، وفسد القصد؛ صاروا أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

стр. 1055

تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي) هناك نوع آخر يعرف أنه يسيء صنعاً، ولا زال يراكم سيئات خلف سيئات، ومظالم وطغياناً وكفراً وترك واجبات، وكلما عن في نفسه معصية من المعاصي فعلها، حتى يصبح كما وصفه الله بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]. لو أن واحداً منا نزل في بحر عميق لجي -كثير الماء- ثم كانت هناك أمواج تضرب الماء فتحركه لتخفي ضوء الشمس، وكان فوق هذه الأمواج أمواج ثانية تتضارب فتخفي ضوء الشمس، ثم فوق ذلك سحاب يحول بين الشمس وبين البحر؛ فإن هذا الإنسان في قعر البحر لا يستطيع أن ينظر إلى أقرب الأعضاء إليه وهي يده إذا أخرج يده لم يكد يراها فضلاً عن رؤيتها. هذا المثل ضربه الله لأصحاب الكبائر والسيئات والكفر والطغيان، الذين يجعلون حياتهم من أولها إلى آخرها سيئات تتعاقب، ومعاصي وآثاماً وإجراماً يركب بعضها على بعض حتى يصبح هذا القلب مظلماً، فيكون خلاف القلب الذي تربى في المسجد، وخلاف القلب الذي عرف الله حق المعرفة، فإذا كان قلب ذلك الإنسان يشبه سراجاً في كوة غير نافذة في الجدار، وعلى السراج زجاجة، والزجاجة كأنها كوكب دري، يوقد مصباحها من زيتونة ليست بشرقية ولا غربية؛ فيكون القلب مضيئاً، أما ذلك القلب فكأنه يعيش في قعر بحر عميق، فيه أمواج، وفيه ظلمات، وفوق هذا سحب تحجب عنه الشمس، فالفرق بعيد بين هؤلاء وأولئك! أولئك أهل المساجد المؤمنون الصالحون الأتقياء، وهؤلاء الكفرة الفجرة الذين يجدون حسابهم عند الله .

стр. 1056

قوله سبحانه: (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) ختم الله هذا المقطع من هذه السورة بقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، حتى لا يظن الناس أن النور يكتسب بالذكاء أو يكتسب بالأمجاد، فذاك ابن الأكرمين يجب أن يكون أقرب الناس إلى الله، لا، هذه منة من الله ، وفضل يعطيه الله من يشاء من عباده، وليس في ذلك دليل للجبرية الذين يقولون: الإنسان مجبور على أعماله! لا. فالإنسان له إرادة، لكن مادام الله لم يمنح هذا الإنسان نوراً، فلا يمكن أن يحصل على النور، ولو كان ابن الأكرمين، ولو كان من قريش! فهذا النور ما اهتدى إليه أبو جهل، ولا أبو لهب، ولا أبو طالب، واهتدى إليه بلال، وصهيب، وعمار وفقراء المسلمين؛ لأن هذا النور يمنحه الله لمن يشاء من عباده؛ ولذلك يقول الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ). المسجد هو قطب رحى الحياة، ومن أراد لنفسه ولذريته الصلاح والاستقامة، ليكونوا رجال المستقبل، وليكونوا بُناة المستقبل المشرق؛ فعليه أن يربيهم في المسجد، في حلق الذكر، ومجالس العلم، حتى يخالطوا الصالحين، ويؤدوا الواجبات. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1057

كيف وأين يتربى الرجال؟ [٢]

стр. 1058

ذكر كلمة (رجال) في القرآن الكريم السؤال ذكرتم أن كلمة (رجال) لم ترد في القرآن إلا ثلاث مرات! وذكرتم الآيات، مع العلم بوجود آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وقوله تعالى أيضاً: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وغيرها من الآيات! فما تعليقكم؟ الجواب أحسنت! أولاً: آية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ المقصود بالرجال هنا: الذكور، وإن كانت تعطي المعنى الآخر أيضاً؛ لأن الرجل الصحيح هو الذي لا يسلم القوامة لغيره، فأنا نسيت ذكرها. وأما الآية الثانية: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، فقد ذكرتها، وهي الآية الثالثة، وأنا أتراجع عن قولي: إن كلمة (رجال) لم تذكر إلا ثلاث مرات في القرآن، وقد كنت لا أتذكر غيرها. وعلى كل إذا كان قد وردت في القرآن كلمة (رجال) في غير هذه المواضع، أو في الحديث، فهي لا تدل إلا على نوع من الرجال الذين أخذوا هذه الصفة واستغرقوا ما فيها من معنى؛ لأن (أل) في كلمة (الرجال) للاستغراق. وكلمة (رجال) في تلك المواضع الثلاثة في القرآن المراد بها الذين استكملوا صفات الرجال، ولم يكتفوا بالذكورية التي تفرق بين الرجل والمرأة فقط.

стр. 1059

معنى قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض) السؤال ألم يرد في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] أي: هادي السماوات والأرض؟ الجواب هناك تفاسير كثيرة، وفي بعض القراءات: (الله نَوَّرَ السماوات والأرض)، ولا أمانع أن يكون المراد به نور الله حقيقة، لكن ما تنور به هو موضع الإشكال، مع أن القاعدة: أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ فيكون النور الثاني هو النور الأول، الأول هو: (الله نور السماوات) والثاني هو: (مثل نوره) فالأولى أن يكون قوله: (مثل نوره) يرجع إلى النور الأول لوجود الضمير، والنور الأول يصلح أن يكون لله ، بمعنى أنه اسم من أسماء الله؛ لأن من أسماء الله النور، والثانية لا تصلح؛ لأن فيها تشبيه، والتشبيه لا يليق بجلال الله. وأما قراءة: (الله نَوَّرَ السموات والأرض)، فهي تؤيد أن المراد بالنور: النور المخلوق لا النور الذي هو اسم من أسماء الله ؛ لأن الله تعالى نورها بهذه الأشياء المضيئة. وعلى كل حال فالمعنيان ذكرهما المفسرون، لكن قوله الله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ) ذكر فيه التشبيه، وقد أشارت إليه الآية الثانية: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] وبجمع الآية الثانية بالآية الأولى يلزم أن يكون المراد نور الإيمان؛ لأن نور الإيمان يكون في بيوت أذن الله أن ترفع.

стр. 1060

صون المساجد عما لا يليق بها من أمور الدنيا السؤال كثر الحديث في أمور الدنيا في المساجد، فما توجيهكم؟ الجواب هذا من الخطأ، وقد أخبر رسول الله ﷺ عن المساجد: أنها لا تصلح لشيء من ذلك، إنما هي لذكر الله والصلاة والتسبيح، ونحو ذلك، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن من علامات الساعة أن ترتفع الأصوات في المساجد، وإذا كانت المساجد موضع حديث الناس في أخذهم، وعطائهم، ومصالحهم، وبيعهم، وشرائهم؛ فإن هذا من الخطأ، ويجب أن تصان المساجد عن كل ما لا يليق بها، كالحديث في أمور الدنيا، ويجب أن تكون كما قال الله : ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، يجب أن تكون المساجد للعبادة، لكن يجب أن تكون المساجد منطلقاً للحياة، بشرط ألا تكون للبيع وللشراء، ولأمور الدنيا. وكما ذكرنا أن مسجد رسول الله ﷺ كان مركزاً عسكرياً يدرب فيه الرجال، وكان أيضاً سجنٌ، وكان أيضاً مأوىً لفقراء المسلمين، وكان أيضاً مكاناً لحل كل مشاكل المسلمين، وكان أيضاً مركزاً لحكم الأمة الإسلامية، فقد كان مركز الرسول الله ﷺ هو المسجد؛ ولذلك فإن العلماء يقولون: يجب أن تصان المساجد من كل ما يشينها، فلا تنشد فيها الأشعار، ولا تنشد فيها الضالة، والرسول ﷺ أمرنا إذا وجدنا أحداً ينشد ضالته في المسجد أن نقول له: (لا ردها الله عليك). وأيضاً: يمنع الصبيان الذين لا يتورعون من احترام المساجد من دخولها، كما ورد في الأثر: جنبوا صبيانكم مساجدكم، والمقصود بالصبيان هنا من هم دون التمييز ممن لم يؤمروا بالصلاة، خصوصاً أن الصبي لا يتنزه من نجاسة، ولا يعرف حقيقة النجاسة. واختلف العلماء هل النوم في المسجد يتنافى مع قوله تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]؟ وهناك أدلة تدل على أن النوم في المسجد لا بأس به، كما كان أهل الصفة ليس لهم مكان إلا المسجد، وهناك من يمنع إلا في حال الضرورة والحاجة.

стр. 1061

أحوال المجاهدين في أفغانستان والمصادر الموثوقة لتلقي الأخبار السؤال ما هي المصادر التي نستقي منها الأخبار عن أفغانستان، خاصة ونحن لا نثق ببعض وسائل الإعلام؟ وما هي أوضاع المسلمين في أفغانستان في هذا الوقت؟ حبذا أن تتحدث عن بعض كراماتهم، وبعض ما شاهدت هناك؟ الجواب أولاً: إعلام العالم الإسلامي كله يلام؛ لأنه لم يعط أفغانستان ما تستحق، فإننا نرى أموراً تافهة توضع لها صفحات خاصة، وصفحات أخرى للفن وغيره، وتصل أخبار العالم والسلفادور إلى الناس في كل يوم، لكن أخبار أفغانستان أصبح كثير من المسلمين لا يرى منها إلا القليل، وأخبار مختصرة وفي زوايا خاصة، وهذا خطأ، حيث لم يعط إخواننا الأفغان ما يستحقون من عناية وتعظيم. أما بالنسبة للمصادر التي نعتمد عليها في نقل أخبار إخواننا في أفغانستان فتكاد أن تنحصر في مصدرين: المصدر الأول: المجلات التي يصدرونها هم، وقد بلغت الآن سبع أو ثمان مجلات والحمد لله، وكلها منتشرة في العالم الإسلامي، وتنقل الأحداث بالخبر وبالصورة إلى غير ذلك. المصدر الثاني: الإخوة القادمون من هناك، فإنهم ينقلون الأخبار طرية، وهذا -والحمد لله- يتكرر دائماً وباستمرار. وعلى كل حال فإن قضية أفغانستان قضية كبيرة، وسيعلم الناس نبأها بعد حين! بل قد رأى كثير من الناس آثارها، فلقد أحدثت خللاً في صفوف العدو وفي أنظمتهم وفي أوضاعهم، إخواننا الذين يسكنون في داخل روسيا يبلغون خمسين مليوناً من المسلمين! لم يفكروا أن يأخذوا حريتهم إلا في هذه الأيام، وقد أُعطوا شيئاً من الحرية خوفاً من أن يتحركوا كما تحرك الإخوة الأفغان! لا سيما وأن الحدود إليهم مفتوحة، ولنا إخوة يبلغون مائة مليون في الصين الشعبية، كانوا محرومين من بناء المساجد والمدارس، وما كان لهم أي وزن في هذا العالم، ولم يكن أحد يطالب بحقوقهم، والآن -والحمد لله- بدءوا يبنون المساجد، ويفتحون المداس، ويأخذون شيئاً من حريتهم وإن كان شيئاً قليلاً. أيضاً: ما حدث في فلسطين يعتبر ثمرة ونتيجة مما حدث في أفغانستان. ومن المبشرات أيضاً: أنه من المتوقع حدوث ما هو أكبر من ذلك في إريتريا التي مضت عليها مدة من الزمن في وضع لا تحسد عليه، والجبهات المنحرفة تفعل الأفاعيل في الإريتريين أكبر مما كان يتوقع الإريتريون أن تفعله بهم أثيوبيا الكافرة! وعموماً: فإن قضية أفغانستان لها آثار طيبة إن شاء الله، وستكون الثمرة قيام دولة إسلامية على الجهاد في سبيل الله، يتفيأ ظلالها كل فرد من المسلمين المستضعفين، وكما يلجئون إلى بلادنا هذه الآمنة المطمئنة -ولله الحمد- سوف يلجئون إلى تلك البلاد التي تقوم على الجهاد في سبيل الله. أما الكرامات فأنا لا أريد أن يعتمد الناس عليها، فالمسلم يجب عليه أن يدخل ساحة الجهاد وهو يعرف أنه سيواجه عدواً قد أملى الله له، وأعطاه من القوة المادية ما قد يفتك به وبغيره -وإن كنا لا ننكر الكرامات- فالكرامات ربما تزيد في مثل هذه الفترة التي طغت فيها المادية، وقلت فيها الروحانية، والكرامات موجودة، لكنا لا نريد استعراض الكرامات التي ذكرها المجاهدون، وألفوا فيها كتباً أو ترد في مجلات المجاهدين، إنما سأذكر لكم كرامة واحدة، وكلكم ترونها وأنتم هنا، وهي أن عدداً قليلاً في عدده وفي سلاحه وفي مستواه الثقافي -بل في كل مستوياته- استطاع أن يدوخ أكبر أمة في التاريخ المعاصر يبلغ سكانها ثلاثمائة مليون لا تصنع إلا آلات الدمار ووسائل القتال!! ولقد رأيت العدو بعيني في ذلك المكان يظهر أنه في الليل مستيقظ يخشى أن يداهمه المجاهدون، فكانت طلقات النار لا تهدأ دقيقة واحدة، فلما سألنا: ما هو السر في ذلك؟ قالوا: يثبتون أنهم صاحون حتى لا يهجم عليهم المجاهدون في سبيل الله، وهذه نعتبرها أكبر كرامة في الحقيقة؛ فمتى كان هذا العدد القليل يفكر أنه سيقضي على أكبر قوة عاتية في الأرض، ما تركت وسيلة من وسائل الدمار إلا واستعملتها في أفغانستان، حتى أنهم استخدموا أسلحة لم يستخدموها في الحروب العالمية، هناك الكمندوز الذين رباهم الروس من أبناء الزنا واللقطاء لم يستعملوهم في الحرب العالمية، واستعملوهم في حرب أفغانستان! وهم قوم كالوحوش لا يعرفون أسرة، ولا يعرفون أباً، ولا أماً، ولا زوجة، ولا أطفالاً، أبوهم الدولة، وقد تربوا على الدماء، ودربوا سنين طويلة على أفتك أنواع الأسلحة، ومع ذلك -والحمد لله- أطاح بهم المجاهدون من أبناء العرب والمسلمين الذي عاشوا هنا وهناك. فهذه تعتبر أكبر كرامة أن تُستذل هذه الدولة التي تزعم زعامة العالم في مثل هذه الأيام، ثم تضعف أمام هذا العدد القليل من هؤلاء الرجال الذي يفقدون أبسط أنواع الأسلحة، والله المستعان!

стр. 1062

الجهاد في أفغانستان ليس قائماً على المصالح السؤال هناك من يقول: إن الجهاد الأفغاني قائم على مصالح، وليس قائماً على الجهاد الإسلامي! ويذكر بعض الإخوة أنه يوجد فئات متشددة في أفغانستان كما تزعم بعض وسائل الإعلام، ومنهم المعتدل، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب أولاً: كلمة (مصالح) من يفكر أن في جبال أفغانستان مصالح؟ حتى روسيا حينما تفكر بأفغانستان لا تريد مصالح، وإنما تريد أن تتخذ من أفغانستان جسراً تعبر به إلى الباكستان، ثم تتخذ الباكستان جسراً آخر، وتعبر به لا إلى المياه الدافئة كما يقول بعض المحللين؛ لأن المياه الدافئة ليست هدفاً، الهدف هي هذه المقدسات التي نسأل الله أن يحميها ويحفظها، والله تعالى كشف هذه المؤامرة فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. إذاً: ليس هناك مصالح في أفغانستان، لا للمجاهدين ولا لغير المجاهدين، فهي أرض قاحلة صحراء جبال موحشة مخيفة! ليس فيها أي شيء من هذه المصالح، وإنما هو الجهاد في سبيل الله، ومنذ أمد بعيد، منذ أن انتهت الخلافة الإسلامية إلى يومنا هذا، ما سمعت مثلهم في أفغانستان! ولو كانت القضية قضية مصالح فلماذا يأتي رجل من بلاد المغرب ويقطع آلاف الأميال ليذهب إلى أفغانستان، وكذلك من الدول الأخرى مثل دول الخليج وغيرها من دول الرخاء؟ فليست المصالح موجودة هناك، بل إنهم يتركون المصالح ويذهبون إلى هناك، فترى الشباب يتسابقون إلى الشهادة. وبالنسبة للأفغان أنفسهم فليست لهم مصالح، ولو أرادوا أن يعيشوا في باكستان أو في أي دولة إسلامية لعاشوا مرفوعي الرءوس؛ لأن أكثرهم عندهم إمكانات ثقافية تؤهلهم للعيش كما يعيش سائر الناس. إذاً: ليس هناك مصالح سوى السعي لرضا الله ، وكسب الشهادة، وإقامة الدولة الإسلامية، وليست هناك مصلحة أخرى، ومن ظن غير ذلك فإما أن يكون جاهلاً أو هو عدو للإسلام!! أما بالنسبة لوجود أطراف مختلفة، فنعم! هناك أطراف مختلفة، فهناك السلفيون في الدرجة الأولى، وهناك أناس لا نرضى عن شيء من سلوكهم بالنسبة للعقيدة، وهناك أناس كثيرون معتدلون. وعلى كل حال: فإن كل هذه الأطراف لا تتهم أبداً، فكلها تسعى لتحارب كفراً وإلحاداً؛ لأن العدو المشترك يقول: لا إله والحياة مادة، وما دام العدو بهذا المستوى فنحن نتغافل عن بعض الأشياء ولا ننساها ونتركها، ولكن نقول: لربما تستقر الدولة الإسلامية -إن شاء الله تعالى- فيتفقد كل إنسان أحواله، وإن كنا نتمنى أن يبدأ السير من أول نقطة على منهج كتاب الله وسنة رسوله، لكن هذا هو ما نرجوه فيما بينهم.

стр. 1063

واجب المسلمين تجاه إخوانهم في فلسطين السؤال ما واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في فلسطين؟ ونرجو أن تحدثنا عن جهادهم بشكل مختصر؟ الجواب في الحقيقية: ليست كابل بأحب إلينا من القدس! ولا أحد ينكر ذلك، وقد يظن البعض حينما نكثر الكلام عن أفغانستان ولا نتحدث عن القدس أن عندنا شيئاً من التحيز. والواقع أن ما حدث في أفغانستان شد انتباه الناس، وما حدث في فلسطين في السنين الأخيرة، هو ثمرة من ثمرات الجهاد الأفغاني فلا أحد ينكر ذلك، والجهاد الذي قام الآن في إريتريا هو ثمرة من ثمرات الجهاد في أفغانستان، وستكون هناك ثمار كثيرة إن شاء الله. الجهاد الفلسطيني جهاد مقدس، ويجب أن يكون له موقع عظيم في قلوبنا قبل أي مكان آخر؛ لأن هذه هي الأرض التي بارك الله فيها، وهي مهبط الرسل قبل محمد ﷺ ، ولكن لما كان إخواننا الفلسطينيون لا يملكون القاعدة والمنطلق، ولا يستطيعون أن يحملوا السلاح بحرية كاملة، فلا ندري كيف يستطيعون قتال عدوهم بالحجارة، والعدو يملك أكبر وسائل الدمار والحرب! لكنا نرجو من الله أن يفيق إخوانهم المسلمون المجاورون لهم، فيعطوهم المكان والمنطلق؛ ليفعلوا كما فعل إخواننا في أفغانستان.

стр. 1064

الجهاد في إرتيريا السؤال ماذا عن الجهاد في إريتريا، نرجو أن تحدثنا عن بوادر هذا الجهاد، وعن منطلقه الإسلامي؟ الجواب في الواقع أن إريتريا بالرغم من قربها منا، إلا أننا نجهل كثيراً من أوضاعها، والذي أعرفه -فقط- عن إريتريا: أنها دولة صغيرة، ضعيفة، هزيلة، استضعفتها أثيوبيا فاستولت عليها لتكون وسيلة لوصولها إلى البحر الأحمر! ومنذ قرابة ثلاثين عاماً وهي تعيش تحت الحكم الإثيوبي والاستعمار الكافر، نام المسلمون وتركوا هذا الأمر مدة طويلة من الزمن! فقام مجموعة من النصارى وغيرهم من أشباههم، وكونوا ما يسمى بالجبهة الشعبية، والجبهة الشعبية نسمع عنها أخباراً لا تسر الصديق. وكانت هناك دول ساهمت في ذلك كإريتريا والعراق وغيرها من الدول التي أرسلت جماعات، وما ندري ما نقول عن هذه الجماعات، المهم أن علماء المسلمين من إريتريا والصالحين والأتقياء تنبهوا إلى أن قضية إريتريا لا يحلها إلا الإسلام، ولا يقضي على العدو إلا الإسلام، فعلمت أخيراً أن علماء المسلمين تجمعوا في بعض البلاد المجاورة هناك -كالسودان وغيرها- وقد بدءوا يفكرون في إعلان الجهاد في سبيل الله، وهم الآن يستأذنون من الدول التي يعيشون فيها لتسمح لهم بالجهاد في سبيل الله، ولو قام الجهاد في سبيل الله لحلت المشكلة إن شاء الله.

стр. 1065

التوفيق بين التربية داخل المسجد واحتياجات العصر السؤال كيف تكون التربية داخل المسجد؟ وهل هي في حضور الجماعات أم ماذا؟ وكيف يكون ذلك والعالم الإسلامي يحتاج الآن إلى معارف وعلوم شتى لا يمكن أن تكون داخل المسجد؟ وأنتم قد ذكرتم أن السلف تربوا داخل المسجد ونشروا الإسلام من داخل المسجد؟ الجواب المسجد من أوله إلى آخره مركز تربية؛ ولذلك فإن الرسول ﷺ أمرنا بأن نختار السن المناسبة لتربية الطفل، وهي التي ذكر علماء التربية أنها من سن السابعة، فنأمره بالصلاة، ومعنى ذلك أننا نذهب به إلى المسجد ليتربى هناك، والمسجد سواء كان في حضور صلاة الجماعة، أو في اللقاء بالصالحين، أو في تلاوة وتعلم القرآن، أو في التسبيح ومعرفة عظمة الله ، أو في حلق الذكر ومجالس العلم، فهذا كله يعتبر تربية. ونحن حينما نتحدث عن التربية في المسجد لا نريد أن نحصر العلوم كلها في المسجد، وإن كنا نتمنى أن يكون المسجد منطلقاً لكل علوم الإسلام وعلوم الدين والدنيا، لكنا نقول في أيامنا الحاضرة: لا يلزم أن يكون المسجد وحده هو المنطلق، بل يجب أن يكون هو المنطلق الأول! ونحن لا نقول للناس: ابقوا في المسجد، واتركوا طلب العلم، والكسب، والتحصيل، ولكنا نقول: خذوا من المسجد بالنصيب الأكبر، ونافسوا الناس على أمور الدنيا بحدود، وادخلوا الكليات العلمية: كالطب، والهندسة، وغير ذلك، لكن يجب أن تكون قلوبكم معلقة بالمساجد دائماً، واحذروا أن تضيعوا صلاة من الصلوات الخمس في المسجد؛ لتكون تربيتكم مرتبطة بهذا المسجد، أما أن نقول للناس: يجب أن تكون الجامعات والكليات كلها داخل المساجد، فهذا لا يلزم، وإنما الذي يلزم هو أن يكون للمسجد أوفر نصيب، أما في عهد رسول الله ﷺ فما كانت هناك دور للعلم سوى المساجد، فكان المسجد يؤدي الدور الكامل، سواء من ناحية التربية العسكرية، أو التربية الدينية، أو ما أشبه ذلك. المهم! أن المسجد له دور عظيم، ودوره ما زال باقياً، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وذلك لا يمنع أن يساهم الإنسان في أي جانب من جوانب الحياة الأخرى.

стр. 1066

خطر انتشار اللهجة العامية وترك اللغة العربية السؤال زادت في العشرين السنة الماضية الكتابة والنشر في الصحف والمجلات العامة وغيرها باللهجة العامية في المملكة، واليوم يعقد لها ندوات ومحاضرات، فما أثر هذا على الإسلام؟ الجواب هذا خطير على الإسلام؛ لأن محاربة اللغة العربية تعتبر محاربة للإسلام، واللغة العربية هي لغة القرآن، ولغة الرسول ﷺ والعرب الذين بلغوا دعوة الإسلام إلى العالم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وطالب الله العرب -بصفة خاصة- والمسلمين -بصفة عامة- أن يبلغوا دعوة الإسلام، وأعداء الإسلام الذين يطعنون في الإسلام لا يتركون جانباً من جوانب حرب الإسلام إلا ويتطرقون له، ويأخذون منه بنصيب، فكان من أهم الجوانب التي دعوا إليها الشعر الحر! والدعوة إلى العامية، وما أشبه ذلك. وليس عجيباً أن تعقد لها مؤتمرات وندوات، والشعر الحر يجد رواجاً، ويحمل رموزاً تنذر بخطر، فإن خلال الرماد وميض نار، وعلى هذا أقول: إن محاربة اللغة العربية يعتبر محاربة للإسلام، وإن الدعوة إلى العامية تعتبر محاربة للغة العربية، والله المستعان.

стр. 1067

دين الإسلام شامل لجميع جوانب الحياة السؤال ما هو الرد على هذا التساؤل: المتدينون في أغلبهم درجوا على جعل الإسلام عاماً لجميع جوانب الحياة والحضارة، وهذا أدى إلى الطعن في الإسلام من قبل الكفار والمنافقين؟ الجواب دين الإسلام دين عالمي، ومنهجه منهج حياة متكاملة، يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩]. ولذلك فإن دين الإسلام دين عالمي حضاري، فيه: منهج حياة، واقتصاد، وسياسة، وأخلاق، واجتماع، إلى غير ذلك، فقد ربى أمة فهمت هذا كله من الإسلام، ثم درج المسلمون على ذلك مدة طويلة من الزمن، ويعتبرون الإسلام هو مصدر الحضارة، والقرآن هو مصدر الرقي والتقدم، ولم يطرقوا جانباً من جوانب الحياة إلا بهدي من كتاب الله ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] أي: للطريقة التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. هذا فهم المسلمين في القديم وفي الحديث، ثم أراد أعداء الإسلام أن يطعنوا في الإسلام ويفصلوا الإسلام عن الحياة، وجاءوا بما يسمونه بالعلمانية التي يقولون فيها: ما لله لله وما لقيصر لقيصر! هذه كلمة قيلت قبل الإسلام، لكنها لا تصلح للإسلام؛ لأن الإسلام منهج حياة متكاملة، يقول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فليس هناك شيء لله وشيء لقيصر، بل الأمر كله لله ، ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، وعلى هذا نقول: إن الدعوى التي تزعم أن توسيع مسئولية الإسلام هي التي سببت الطعن في الإسلام أو الخروج عن الإسلام باعتبار أنه تعدى الحدود! دعوى خاطئة. نقول: لا، فهذه كلها في حدود الإسلام، والله هو الذي شرع الشرائع، وهو الذي سن القوانين والأنظمة، وسأضرب لكم مثلاً: هناك آيات في القرآن تتحدث عن العبادات ثم تتحدث عن العشرة الزوجية وأنظمة الحياة، كما تجدونها في آخر الجزء الثاني من سورة البقرة، حيث ذكر الله تعالى العبادات ثم ذكر بعدها الأنظمة، ثم يذكر العبادات، ثم يعود مرة أخرى إلى الأنظمة، ليعلم الناس أن الإسلام نظام حياة، حينما يتكلم عن العلاقات الزوجية يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٨ - ٢٣٩]، إلى غير ذلك، ثم يذكر الله مرة أخرى أحكام العلاقات الإنسانية. وهناك آية في القرآن قسمت إلى ثلاثة أقسام، وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣]، وآخر الآية: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]. فهذه الآية أول ما نزل أولها، ثم نزل بعد ذلك آخر جزء منها: (فَمَنْ اضْطُرَّ)، وأما وسط هذه الآية فإنه نزل في آخر ما نزل من الإسلام في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فأمر الرسول ﷺ أن تشطر تلك الآية وتوضع هذه الآية في وسطها؛ حتى يعلم الناس أن الإسلام ليس منهج عبادة فقط، بل هو منهج حياة متكاملة، ولذلك جمع بين العبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق والأنظمة، وعلى هذا نقول للذين يزعمون أن توسيع دائرة الإسلام هو الذي أدى إلى ضياع بعض المسلمين، وانحرافهم عن الدين: ليس الأمر كذلك، بل هذا هو الذي زاد المسلمين ثقة بدينهم وبربهم وبكتاب ربهم ، أما الذي حرفهم عن التمسك بالدين فهم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.

стр. 1068

نبذة عن حياة الشيخ عبد الله الجلالي السؤال هلا ذكرتم لنا نبذة مختصرة عن حياتكم؟ الجواب أنا أخوكم: عبد الله الجلالي، تخرجت من كلية الشريعة في عام (١٣٨١هـ)، ودرست في المعاهد العلمية، ودرست بعض الدراسات العليا في الأزهر، وكنت أدرس في السنوات الماضية في جامعة الإمام، لكن هذه السنة ما سمحوا لي، وما أدري ما هو السبب؟!

стр. 1069

موقف الإسلام من العلمانية السؤال تحدثت قبل قليل عن العلمانية، فما موقفنا منهم؟ الجواب موقفنا منهم العداء، فهؤلاء العلمانيون هم أعداء دين الله ؛ لأنهم يريدون أن يحصروا الدين في المسجد، ولا يخرجوه للحياة، ويقولون: الدين يجب أن يبقى في المسجد، ويدير الحياة الدينية فقط، ويقال: هذا مطوع، أو هذا من رجال الدين -كما هو حال النصارى- وإلى غير ذلك. وإذا أراد الإنسان الخروج عن هذا النطاق اعتبروه متعدياً للحدود، فهؤلاء هم أعداء الله ، وهؤلاء اتهموا دين الله بأنه دين قاصر لا يصلح للحياة، ونشأ عن ذلك شرع القوانين الوضعية التي صاروا يحكّمون فيها البشر؛ لأنهم يرون أن شرع الله لا يصلح إلا في عهد الخيمة والبعير، أما في عهد الطائرة والصاروخ والمركبة الفضائية إل، فلا يصلح هذا الدين، ويقولون: قد استنفد أغراضه، فهؤلاء لم يتركوا الدين حتى في المسجد، فلما حصرهم المسجد بدءوا يطاردونه داخل المسجد. وعلى كل حال نقول: يجب أن يكون موقفنا منهم أنهم مرتدون؛ لأنهم يرون أن شرع الله لا يصلح للحياة، ويرون أن شرع الله لا يمكن أن يتدخل في أمور الدنيا، وأن شرع الله قاصر وحكم الله لا يصلح لحل مشاكل البشر!! والله تعالى حكم عليهم بالردة والكفر فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ [المائدة:٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وقال في سورة النور: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٤٨ - ٥٠]، فهؤلاء الذين لم يريدوا لشرع الله أن يخرج من المسجد، بل لا يريدونه أن يبقى حتى في المسجد؛ مرتدون، ولا يجوز أن نعتبرهم في حساب المسلمين، وكلمة علمانية في بعض الأحيان يلطفونها، لكنهم يكلون كل شيء للعلم، أما دين الله فإنه يجب أن يكون خاصاً بالطقوس والتعبدات والسلوك والأخلاق والفضائل! ولذلك لا يسمح العلمانيون للخطيب أو المتحدث أن يتحدث في أمور الدين في بعض الدول الإسلامية التي تبنت العلمانية، وسأضرب لكم مثلاً في واحدة منها: أندونيسيا كادت أن تحكمها الشيوعية فترة من الزمن ثم تغيرت المعايير، فحكمها نوع آخر من الكفر وهو العلمانية، ولو ذهبت إلى أندونيسيا لرأيت العجب العجاب! تخرج إلى الشارع فترى الأمة متفسخة منحلة! ثم تدخل إلى المسجد فترى هذه الأمة المتفسخة تدخل المسجد، وتصلي النساء في مساجد خاصة في مؤخر المساجد، ثم تخرج هذه الأمة إلى الشارع فتعود إلى تفسخها وإلى خلاعتها، والله يعلم ما وراء ذلك. فهذه كلها من نتائج العلمانية، ولذلك أقول: إن دين الله دين كامل لا يهمل أي جانب من جوانب الحياة كما قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فما دامت هذه الأشياء داخل السماوات والأرض؛ فيجب أن يكون الحكم فيها لله، ويجب أن يكون التصرف فيها لله ، فالعلمانية مرفوضة شرعاً وعقلاً.

стр. 1070

حكم لبس خاتم الفضة السؤال هل يجوز لبس خاتم الفضة؟ الجواب لبسه جائز، بل هو أقرب ما يكون إلى السنة؛ لأن الرسول ﷺ فعله، وإذا فعله الرسول ﷺ -وإن كان فقط من عاداته الخاصة لا من التعبدات- فهو أقرب إلى السنة منه إلى الجواز، أما خاتم الذهب فهو محرم بلا خلاف بين العلماء، وقد شبهه الرسول ﷺ بالجمرة يضعها الإنسان في يده، وخاتم الذهب يستعمله الآن بعض الرجال، وأنا أحذر هؤلاء من هذا العمل.

стр. 1071

متى يجوز الجمع والقصر للمسافر ؟ السؤال من خرج من مدينته يريد النزهة خارج المدينة لمدة ثلاثة أيام، وعلى بعد ثمانين كيلو متر، فهل يجوز له جمع الصلاة وقصرها؟ الجواب الشرع لم يحدد مدة في السفر، ولا حدد مسافة، والعلماء اختلفوا في المسافة، لكن الذي يظهر أنه ليست هناك مسافة محددة، فله أن يقصر إذا لم ينو الإقامة الطويلة، فإن بعض العلماء يرى أن ما يسمى سفراً عرفاً يعطى حكم السفر دون أن يحدده بالمسافة؛ لأن الرسول ﷺ لم يحدد بالمسافة ولا بالوقت، فنعرف حد السفر بحسب العرف بين الناس، فإذا كان يعتبر عند الناس سفراً فإنه يأخذ كل أحكام السفر من الفطر والقصر والجمع والمسح على الخفين لمدة ثلاثة أيام إلى غير ذلك. أما الجمع فيرى بعض العلماء أنه ﷺ ما كان يجمع إلا إذا كان على ظهر مسير؛ لأن الجمع من أجل التيسير للمسافر بدل أن ينزل مرتين ليصلي الظهر والعصر، ينزل مرة واحدة فيصليهما جميعاً في آن واحد، فالأحوط ألا يجمع الإنسان وإن كان يقصر، إلا إذا كان ماشياً في الطريق.

стр. 1072

الإسلام منهج حياة متكاملة السؤال الحركات الدينية حولت الدين إلى فكر سياسي أيديولوجي من خلال الطرح لعدد من الآراء والأفكار من قبل بعض الكتاب من أمثال: سيد قطب، والمودودي، والنبهاني وغيرهم، فطرح هؤلاء أفكاراً في: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع وغيرها، ووضعوا الحدود والفواصل بين النساء والرجال، وانطلاقاً من أن هذه الأفكار لا تعدو كونها مجرد اجتهادات شخصية من هذا وذاك، أفلا يحق لكل ذي رأي مناقشة هذه الآراء والأفكار من أجل تقويمها؟ الجواب نعم يحق لأي إنسان ذلك، لكن الحقيقة أن دين الإسلام دين حركي وليس ديناً خاملاً، وعلى هذا نقول: إن الإسلام منهج سياسة واقتصاد وأخلاق، وليس عجيباً أن يتجه المودودي، والندوي، وسيد قطب، وكل هؤلاء يرحمهم الله تعالى ليبينوا للناس أن الإسلام منهج حياة متكامل، وأن الإسلام يرفض كل حكم غير حكم الله ، ويرفض كل حاكم لا يحكم بشرع الله ، هذا هو منهج الإسلام الصحيح، وهؤلاء لم يجتهدوا من عند أنفسهم، وإنما أخذوا هذا المسار وهذا المنهج من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأخلاقه ومعاملاته للناس، فالقرآن منهج سياسة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:٣٨]، ومنهج شورى، ومنهج حياة، والإسلام منهج اقتصاد: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧]، فشرع الزكاة، وشرع الواجبات، وحدد طرقاً مباحة لكسب المال، وحرم الطرق المضرة، والإسلام منهج أخلاق وفضيلة، واقرءوا إن شئتم سورة النور في نصفها الأول وستجدون كيف اهتم الإسلام بالأخلاق الفاضلة. والإسلام نظام اجتماعي عالمي لا يساويه أي نظام، واقرءوا ما ورد من حقوق الوالدين وصلة الرحم وحقوق الجوار إلى غير ذلك، وبعد ذلك كله، هل يليق بأي واحد من الناس أن يظن أن الإسلام ليس منهج حياة متكاملة؟! هؤلاء الكتاب الذين أبرزوا صورة الإسلام الحقيقية يعتبرون قد اجتهدوا أو سلكوا مسلكاً أيديولوجياً كما يقال، والناس والعلماء يختلفون على مستويات متعددة ومختلفة في فهم حقيقة الإسلام، وهؤلاء يعتقد أنهم عاشوا في فترة بين الجاهلية والإيمان، وهذه الفترة استطاعت أن تعطيهم هذه الدروس، فهم عاشوا في فترة بين أمتين، وعاشوا مخضرمين بين الفترة التي نشأت فيها القوانين والأنظمة، وتمرد فيها كثير من الناس على شرع الله ، فكانوا -بحق- مجتهدين، لكنهم مجتهدون بمقدار ما فهموا من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وعلى هذا نقول: الإسلام دين حركي، ومنهج حياة متكاملة، ومن ظن غير ذلك فإن عليه أن يراجع فهمه أو إيمانه.

стр. 1073

خطر القنوات ووسائل الإعلام على تربية الناشئة السؤال ماذا عن تربية الأبناء في ظل هذا الإعلام؟ وما رأيكم فيما سمع عن نية إطلاق قمر صناعي يبث في الخليج وغيرها من المناطق؟ الجواب الحقيقة أن العلم الحديث جر آثاراً سيئة بمقدار ما جاء بحسنات، فالعلم الذي نقل الأفكار من الشرق إلى الغرب بواسطة التسجيل والمذياع والوسائل الأخرى، هو الذي جاء أيضاً بهذه الوسائل التي لها أخطار كبيرة على الناشئة، بل إنه أحدث ازدواجية في نفوس طائفة من الشباب والأطفال الذين لا يدرون أيصدقون ما يجدون من اللهو واللعب بجوار ما يسمعون من الخير والحكمة؟! أهذا المقصود أم ذاك؟! ولربما يخرج هذا الطفل وهو لا يميز بين النافع والضار، والحلال والحرام، والخطر والمفيد. وعلى كل حال فإن وسائل الإعلام أخطارها معروفة، لأنكم أدركتموها، ودور كل واحد منا أن يتقي الله في أمانته، وأن يحول بين أهله وذريته وبين الوسائل التي أصبحت تجر كثيراً من الأخطار على الناشئة. أما بالنسبة للقمر الصناعي فهو سيأتي بجديد من الأخطار بلا شك، لكننا نقول من جهة أخرى: وسائل النقل التي تنقل الناس أصبحت الآن متوافرة، وتصوروا كم نسافر يومياً من البلاد الإسلامية المحافظة إلى البلاد التي لا ترعى إلاً ولا ذمة في دين الله، آلاف الشباب يومياً يسافرون؛ حتى انتشرت المخدرات والمحرمات بسبب هؤلاء، ولربما انتقل شيء من الأمراض والأوبئة التي جاءوا بها من تلك البلاد. المهم أن هذا سيضيف شيئاً جديداً، بحيث يصبح الإنسان الذي كان لا يشاهد من وسائل الإعلام إلا ما يخضع لشيء من الرقابة، التي ما أدت دورها، سوف يأتي يوم من الأيام وبإمكانه أن يشاهد كل شيء، والسبيل للنجاة لا يخلو من أحد أمرين: الأمر الأول: هو الحق، الثاني: فيه بعض الحل للمشكلة. أما الأول: فهو أن يكون المؤمن قوياً في شخصيته، يحرس بيته وأهله وأسرته بالإيمان، ولا يسمح لأي شر أن يتسرب إلى بيته. أما الشيء الآخر: فهو -على الأقل- أن يراقب هذه الأشياء، وأن يحاول أن يخفف من مصائبها لعل الله أن يقيه من هذه الفتن. ٠ وأول ذلك وآخره هو أن نربي الناشئة على طاعة الله ؛ حتى يستطيعوا أن يعرفوا النافع من الضار، إضافة إلى ما نقدمه من الحيلولة بينهم وبين هذه الوسائل القديمة أو الجديدة.

стр. 1074

معنى قوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن) السؤال قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، هل معناها: الأمر بالحجاب، وأن كشف الوجه للمرأة غير جائز؟ الجواب انقسم العلماء في فهم هذه الآية على فريقين: بعضهم يقولون بوجوب الحجاب كاملاً، وأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ولا يديها، وهذا يمثل رأياً لبعض العلماء. يقول بعضهم: تدني الحجاب على وجهها فلا يظهر شيء من ذلك، وبعضهم استثنى عيناً واحدة لتنظر فيها، وهؤلاء لهم مأخذ من هذه الآية، لكن الآية الأخرى أوضح استدلالاً، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قالوا: إن الخمار -وهو ما يغطى به الرأس- لا يمكن أن يصل إلى الجيب إلا ماراً بالوجه. والرأي الآخر يرى أنه لا بأس بكشف الوجه والكفين، وهو رأي طائفة من العلماء، إلا أنهم مجمعون -الأولون والآخرون- على أن كشف الوجه واليدين إذا كان يؤدي إلى الفتنة فإن ذلك لا يجوز، والفتنة لا شك أنها موجودة؛ لأن الوجه هو موضع الفتنة، وعلى هذا يكاد يكون العلماء متفقين على تغطية الوجه؛ لأن الفتنة ستلازم كشف الوجه. والذين يقولون بعدم تغطية الوجه يقولون في معنى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]: تدني من الجانب الأيمن فتغطي شيئاً من الخد، ومن الجانب الأيسر فتغطي شيئاً من الخد، ولا يمنع أن يخرج شيء من الوجه؛ لأن الله تعالى ما قال: تحتجب وإنما قال: يدنين، والإدناء معناه: التقريب لا التغطية. على كل حال، هذا مأخذ بعيد، والأدلة كثيرة على تغطية الوجه والكفين، وأن المرأة لا يجوز أن يرى منها أي شيء من بدنها، وعلماء المسلمين أجمعوا على أنه في حال الفتنة لا يجوز للمرأة أن تكشف شيئاً من وجهها، والفتنة تلازم الوجه؛ لأن الوجه هو موضع الفتنة، فالعينان والأنف والفم والخدان وكل مراكز الجمال تتجسد وتجتمع في الوجه. وعلى كلٍ فإن الاحتياط واجب، بل هو الأمر اللازم، وهو الحجاب الكامل، وهو حجاب المرأة المسلمة، والنبي ﷺ ذكر أنه يأتي نساء في آخر الزمان كاسيات عاريات، ومعنى كاسيات عاريات أي: تخرج شيئاً من بدنها وإن كانت قد كست شيئاً من جسدها، والحجاب هو الذي يعلم المرأة الحياء، والحياء هو خلق هذه الأمة كما جاء في الحديث: (إن لكل أمة خلقاً، وإن خلق هذه الأمة الحياء) والمرأة إذا أخرجت وجهها تعتبر هذه هي المرحلة الأولى بالنسبة لما سيحدث بعدها، فبإخراج الوجه يخرج ما بعده، ويقل الحياء، فلربما تكشف عن شعرها بعد ذلك، أو عن نحرها، أو عن ذراعيها، أو عن ساقيها، وهذا هو ما حدث بالفعل، فإن العالم الإسلامي ما انتشر فيه هذا التبرج إلا بعد ما كشفت المرأة وجهها، والذين يطالبون المرأة بكشف الوجه لا أظن أنهم سوف يقفون عند هذا الحد، بل إنهم يعتبرون هذا هو المرحلة الأولى، والخطوة التي يبدءون وينطلقون منها. والله المستعان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1075

اتقوا ربكم شرع الله للناس شرائع، وحد لهم حدوداً، وعظم سبحانه تلك الشرائع والحدود، وأمر باحترامها والمحافظة عليها، وتوعد من تعداها بالوعيد الشديد، كما شرع الله التوبة لمن تعدى شيئاً من هذه الحدود، وبين شروط ومقومات هذه التوبة.

стр. 1076

تعظيم حدود الله وشرائعه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ ، وعلى آله ومن دعا بدعوته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! هذه هي الحلقة الثانية من سورة النساء، ابتداءً من قول الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣] إلى آخر الثمن. وقد تبين لنا من حدود الله في الثمن الأول من هذه السورة أمور عظيمة هي من حدود الله التي أمر الله باحترامها والمحافظة عليها في هذه الآية، من تلك الحدود: صلة الرحم، والمحافظة على حقوق الأيتام، وحقوق النساء ومهورهن؛ حتى لا يتلاعب بهن الإنسان، ومن تلك الحدود: احترام تشريع الله حينما أباح للرجل أكثر من زوجة؛ محافظة على المجتمع من الانهيار والفساد والتفكك، ومن حدود الله : حفظ أموال الناس وأموال الدولة؛ بحيث لا تصبح بأيدي السفهاء يتلاعبون بها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ومن حدود الله: أحكام المواريث التي لم نتعرض لها؛ لأنها تحتاج إلى بحث خاص. هذه الحدود عظمها الله فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٣]، والإشارة بالتاء مع اللام -لام البعد- مع كاف الخطاب يدل على عظمة المشار إليه وعلى أهميته. والحدود معناها: الحواجز، أي: الأمور العظام التي وضعت حاجزاً أمام النفس البشرية لا تتعداها؛ لأنها من أوامر الله . ثم أخبر الله أن هذه الحدود من التزم بها، ووقف عندها، ولم يتعداها؛ فإنه مطيع لله ولرسوله، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء:١٣]؛ فالذين يتبعون حدود الله وأوامره، ويقفون عند نواهيه، ويلتزمون بحدوده فلا يتعدونها، ويعصون في ذلك نفوسهم والشيطان، ويطيعون أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، هم الذين يستحقون هذه الجنة التي تجري من تحتها الأنهار. أما النوع الثاني: فهم الذين يريدون أن يتجاوزوا حدود الله في مثل هذه الأوامر وغيرها؛ فيقطعون الرحم، ويعترضون على حكم الله الذي أباح للرجل أربع نساء، أو لا يقفون عند حدود الله في معاملة النساء والعدل بينهن، أو لا يقفون عند حدود الله في حقوق اليتامى، أو الأموال، أو المواريث، فيقول الله عن هؤلاء: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤]، هذه هي عقوبة الذي يتعدى حدود الله، وتلك للذين يلتزمون بحدود الله ويقفون عندها.

стр. 1077

حد الزنا وأحكامه في الإسلام ذكر الله بعد ذلك شيئاً من الحدود، بعد أن أمر بالالتزام والوقوف عند حدوده ، فذكر أمر النساء اللاتي يقعن في الفاحشة، فكما عظم الله أمر النساء، وأمر بعشرتهن، والإحسان إليهن، وإتيانهن حقوقهن، هنا عظم الفاحشة وهي: فاحشة الزنا، والعجيب أن أمور الزنا والفواحش دائماً يبدأ فيها بالنساء قبل الرجال، وليست الفاحشة مقصورة على المرأة؛ بل لا تكون إلا بين الرجل والمرأة، ولكن لما كانت المرأة أعظم شناعة، وأشد قبحاً، وأعظم خطراً؛ فإن الله تعالى يقدم في مثل هذه الأمور المرأة على الرجل، كما قدمها في سورة النور في قوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، فقدم الزانية على الزاني، وهنا قدم حكم النساء أيضاً على حكم الرجال فقال سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥].

стр. 1078

حد الزنا المنسوخ وهذه من الآيات المنسوخة حكماً، فقد كان في أول الإسلام وقبل أن تنزل الحدود، وقبل أن تشرع، بما في ذلك حد الزنا الذي يقول الله عنه في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ويقول في سورة الأحزاب في آية منسوخة اللفظ: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وهناك أحاديث صحيحة وردت برجم الزاني المحصن، وجلد وتغريب الزاني والزانية غير المحصنين، فقبل أن ينزل ذلكم الحكم كان الأمر كما ذكر الله هنا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:١٥]، والمراد بالفاحشة هنا: فاحشة الزنا على رأي جمهور علماء التفسير، وإن كانت قد فسرت عند طائفة منهم بفاحشة الخطأ، أي: الفحش في القول بالنسبة لمعاملة الرجل للمرأة، لكن الفاحشة حينما تذكر مطلقة إنما يراد بها فاحشة الزنا، ويؤيدها الحديث الذي سوف نذكره إن شاء الله. إذاً: المراد بالفاحشة هنا فاحشة الزنا، وهذا في أول الإسلام، فقد أمر الله أن نستشهد على المرأة إذا وجدناها تمارس فاحشة الزنا أربعة من الشهود، وإن كان قد نسخ لفظ هذه الآية وحكمها، لكنه بقي الاحتفاظ بالشهود الأربعة، فنجد هنا الأربعة الشهود، ونجد في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ثم يذكر الله الأربعة الشهود: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]. ثم يذكر بعد ذلك آية الملاعنة؛ حيث خفف الله عن الزوج حينما يشك في صلاح زوجته واستقامتها، وحينما يجد عندها -نسأل الله العافية والسلامة- رجلاً في فعل الحرام؛ فإنه يكلف بأربعة أيمان بدل أربعة شهود، وعلى هذا فإن الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود يشهدون شهادة واضحة على فعل الرجل أو فعل المرأة الفاحشة، وحينئذٍ يقام الحد. ويكفي عن هؤلاء الشهود الأربعة أربعة اعترافات، كما حصل من ماعز بن مالك ﵁ حين وقف بين يدي رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه الرسول ﷺ ، ثم قالها ثانيةً، وثالثة، حتى إذا كررها في الرابعة قال ﷺ : أبك جنون؟ هل فعلت كذا) إلخ، ثم أقام عليه الحد. وهنا ذكر الله حتى في الآية المنسوخة أن الحكم يكون بأربعة شهود، فقال: (فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ)، أي: أربعة شهود عدول، و (منكم) الضمير يعود إلى المسلمين، وعلى هذا فإنها لا تقبل شهادة الكافر، كما لا تقبل شهادة الفاسق؛ فالكافر لا تقبل شهادته في حدود الله ، كما أن الفاسق الذي عرف منه فسق وتعدٍ لحدود الله لا تقبل شهادته، فإن الضمير في قوله: (منكم) يعود إلى المسلمين العدول. قال تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ [النساء:١٥]، أي: شهدوا بأنها فعلت الفاحشة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥]، هذه الآية -كما قلت لكم- منسوخة بما في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وبالأحاديث الصحيحة في رجم الزاني، وقد كان ذلك في أول الإسلام، فقد أمر المسلمون أن يعاملوا الزانيات بأن يمسكوهن في البيوت، وأن يؤذوا الرجال، كما في الآية الثانية، حتى نزلت آيات الحدود، فقال ﵊: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، وقوله ﵊: (قد جعل الله لهن سبيلاً)، إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥]، فتكون هذه الآية منسوخة بآية النور وبالأحاديث الصحيحة.

стр. 1079

حد الزنا المحكم غير المنسوخ وعلى هذا فإن الأذى والحبس في البيوت كان في أول الإسلام، أما وقد استقر الحد فإن عقوبة الزاني إن كان ثيباً محصناً أن يجلد ويرجم. واختلف العلماء في الجلد، واتفقوا على الرجم إذا كان محصناً، والمحصن: هو من وطئ زوجته المسلمة بنكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران، فإن المحصن الذي عرف قدر نعمة الغيرة على المحارم، والذي قد أتم الله عليه النعمة الحلال، ثم يجنح إلى الحرام؛ فإن عقوبته أن يرجم، أما البكر من الرجال والنساء فإن عقوبتهما الجلد مائة جلدة، مع التغريب سنة. واختلف العلماء أيضاً بالنسبة لجلد المحصن قبل الرجم، فقالت به طائفة كما قال علي بن أبي طالب ﵁، وكما هو رأي طائفة من العلماء، ولذلك يقول الله تعالى عن الرجل والمرأة: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٦]، أي: يأتيان فاحشة الزنا، والضمير في (منكم) أي: من المسلمين، والخطاب دائماً يعود للمسلمين، مع أن عقوبة الزاني وردت في الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن كما في قصة اليهوديين. ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦]، المراد بالأذى: التعيير واللوم والعتاب والتشنيع والسب، ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ [النساء:١٦]، أي: رجعا إلى الله ، ﴿وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦]، أي: أصلحا العمل، ودائماً تقرن التوبة بالإصلاح، أي: أن التوبة التي لا تقترن بعمل صالح قد تكون توبة غير صحيحة. ولذلك يكلف العبد إذا تاب إلى الله أن يصلح العمل، كما قال الله في سورة هود: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، ولذلك كلما فعل الإنسان سيئة فعليه أن يعمل بجوارها حسنة؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها)، وعلى هذا فإن الإصلاح أمر مطلوب كما أن التوبة أمر مطلوب، والدليل على صدق التوبة وحسنها هو: إصلاح العمل، ولذلك على من وقع في معصية من معاصي الله ثم تاب ورجع إلى الله أن يكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتجاوز عنه. ولما تخلف كعب بن مالك ﵁ عن غزوة تبوك، ثم أنزل الله توبته في سورة التوبة: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] إلى آخر الآيات، جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن من توبتي -أي: من شكر نعمة الله علي بالتوبة- أن أنخلع من مالي كله لله ، فقال له ﵊: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). وعلى هذا فإن من صمم وعزم على التوبة، وصدق في توبته إلى الله ؛ فإن عليه أن يصلح العمل، وأن يبادر بالإكثار من الصالحات من نوافل العبادة، إضافة إلى فرائض العبادة، ولكن لا يبدأ بالنوافل ويضيع الفرائض، فإن الله يقول في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه). قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء:١٦]، أي: أصلحا العمل، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦]، أي: بالنسبة للأذى؛ لأن الله تعالى قبل التوبة، ولأن الناس عليهم أن يقبلوا هذه التوبة، ولأنه لم تنزل هناك حدود في هذا الأمر قبل سورة النور. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦]، وكلمة (كان) إذا جاءت في لغة العرب معناها: مضى وانتهى، لكنها إذا جاءت بالنسبة لله وأسمائه وصفاته فإنها تدل على الاستمرار والدوام، أي: ولا يزال الله تواباً يقبل التوبة، (رحيماً)، أي: يرحم عباده فيقبل توبتهم.

стр. 1080

التوبة حقيقتها ووقتها بعد ذلك ذكر الله تعالى التوبة الحقيقية: ما هي؟ وما وقتها؟ وما شكلها؟ قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧]، و (إنما) هنا للحصر، والتوبة معناها: قبول التوبة من الله ، واختلف العلماء بالنسبة لتفسير كلمة (على)؛ لأن (على) تدل على الوجوب، فيقول بعض المفسرين: إن الله تعالى قد أوجب التوبة على نفسه، أي: أن يقبل توبة من تاب إليه، بدليل قوله تعالى: (على الله)، ولم يقل: (من الله)؛ فـ (على) تدل على الوجوب، وليس هناك شيء واجب على الله ، ولكن لكرمه وإحسانه، وليطمئن ذلك العاصي الذي انغمس في الرذيلة والمعصية إلى ذقنه أن يطمع في الله ، وألا يقنط من روحه، فقال : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ)، فـ (على) وإن كانت للوجوب لكن وجوبها من الله للعبد شيء أوجبه على نفسه ؛ ولذلك فإن هذه الآية تعتبر أرجى الآيات بالنسبة لقبول التوبة من الله على العبد؛ لأن الله تعالى فرضها وأوجبها على نفسه. (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، ولعل أحداً من الناس حينما يسمع (بجهالة) ويسمع (من قريب) لربما ييأس بعض من انغمس طوال عمره في معصية الله ، وهو على علم ويقين من أنه عصى الله سبحانه متعمداً، لكننا نطمئنك بأن قوله تعالى: (بجهالة) ليس معناه بجهل، فحتى من عصى الله بعلم؛ فإن الله يقبل توبته كما وعد. ولا يجوز أن نفسر الجهالة بالجهل؛ لأن الجاهل غير مؤاخذ، فكل من جهل ذنباً فلا تسجل عليه المعصية، وإنما المراد بالجهالة أي: في أيام الجهل والغفلة، والضياع، والسفه، والشباب والصبوة في أيام مضت غفل فيها عن الله ، فأصبح كأنه جاهل؛ لأنه يعيش عصرا ًجاهلياً؛ وعلى هذا فليطمئن الذي أمضى عمره كله أو جله في معصية الله ، ثم أقبل على ربه ؛ فليبشر بأن الله تعالى قد أوجب على نفسه أن يقبل هذه التوبة. أما في قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، فقد يظن بعض الناس أنه لابد إذا فعل الذنب أن يقول في الحال: تبت، ويتوب حقيقة، وإلا فإن التوبة لا تقبل، وهذا فهم خاطئ؛ فإن المراد بالقريب في مثل هذه الآية: ما قبل الموت، فما قبل الموت كله يعتبر قريباً وإن طال الزمن على المعصية، بشرط: أن يكون هذا الإنسان دائماً وأبداً على وجل، وأن يحرص على المبادرة، وألا يهمل ويسوف في التوبة؛ لأن البعيد قد يكون قريباً، ولأن الناس يعيشون في مثل هذا الزمن الذي نعيشه يفاجئون بالموت مفاجأة وعلى غير استعداد، فقد كان آباؤنا وأجدادنا لا يموتون غالباً إلا على فراش الموت، بعد أن يمضوا مدة من الزمن تكون لهم معذرة وتنبيهاً، أما وقد أصبح الرجل يخرج من بيته فلا يرجع، ويقوم ولا يقعد، ولا يستطيع أن يرقد؛ فإن عليه أن يبادر بالتوبة؛ لأن هذا العصر الذي نعيشه هو عصر يفاجأ فيه الناس بالأجل على غير استعداد في كثير من الأحيان. ولو عملنا إحصائيات للذين يموتون على الفرش، أو الذين يموتون في حوادث السيارات أو السكتات القلبية، أو الموت المفاجئ جملة؛ لوجدنا أن الأخير أكثر بكثير من النوع الأول، مما يفرض على هذا الإنسان أن يبادر بالتوبة والإنابة، لكن معنى قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، أي: قبل الموت، بدليل الآية التي بعدها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]. إذاً: فهمنا من الآية الثانية أن المراد بالقرب هو ما قبل الموت، فلو أمضيت حياتك كلها في معصية الله ثم تبت قبل الموت، فنعتبرك قد من الله عليك فأمهلك فتبت من قريب، ولكن لا تظنن أن استمرارك على المعصية هو خير لك، بل هو مخاطرة في حسن الخاتمة، فلربما يدركك سوء الخاتمة. (فَأُوْلَئِكَ) أي: الذين يعملون السوء بجهالة في فترة جهل وانصراف وإعراض وسفه، ويتوبون من قريب، ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:١٧]، ولذلك جاء التعظيم لهم في قوله تعالى: (أولئك)؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا فإن الله قد يمن على العاصي بأن يقلب كل سيئة عملها في أيام جهله -إذا صدقت توبته- إلى حسنة، كما قال في سورة الفرقان: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، أما هنا فيقول الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:١٧]، أي: يقبل توبتهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٧]، يضع الأمور في مواضعها. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]، في تلك الساعة لا تقبل التوبة، ولذلك جاء في الحديث: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، والمراد بالغرغرة: أن يضع الإنسان في حلقه ماءً يرجه رجاً، لكن المراد بالغرغرة هنا: أن تصل الروح إلى آخر مرحلة من مراحل الجسم، ولا يبقى إلا أن تخرج، كأنه يغرغر بالماء، ويغرغر بروحه؛ لأنها تريد الخروج، أو إن الله يقبل توبة العبد ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وهذا هو الأجل النهائي الذي لا تقبل فيه التوبة؛ لأن الإنسان في ساعة الموت يرى ملائكة الرحمة ويرى ملائكة العذاب، ويرى مقعده من الجنة ويرى مقعده من النار، ولذلك فإنه يكشف عنه الحجاب في تلك الساعة، وحينئذ لا تقبل التوبة. أما التوبة العامة فقد وضع الله لها أجلاً أيضاً، وهو: طلوع الشمس من مغربها، وطلوع الشمس من مغربها آخر علامة من علامات الساعة، كما أخبر الله عن ذلك في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، وفسر الرسول ﷺ هذه الآية بأنها طلوع الشمس من مغربها. إذاً: هناك أجل لأي واحد منا ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وهناك أجل لكل الناس: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨]، أي: يوم تطلع الشمس من مغربها، ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]، الآن لا تقبل التوبة، ولذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] لما قال هذا الكلام قال الله تعالى له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] الآن تتوب؟! ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : (علامة النور التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)، وقد أخبر الله عن قوم أنهم لا يتوبون إلا حينما يحضر الأجل: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]، ففي مثل هذه الساعة لا تقبل التوبة، والله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧]، إلى غير ذلك، والله تعالى يقول: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩].

стр. 1081

حرمة إرث النساء في الإسلام بعد ذلك لما ذكر الله تعالى التوبة، وحث عليها، وذكر موعدها الذي تقبل فيه والذي لا تقبل فيه، عادت الآيات مرة أخرى تبين أشياء من حدود الله ، فقال عن هذه الحدود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩]. يدعي أقوام في عالمنا اليوم أنهم أنصار المرأة، وأنهم يدافعون عن حقوق المرأة، ويتهمون دين الله الحق بأنه هضم المرأة حقها، أو نقصها شيئاً من حقها، وهنا يذكر الله تعالى شيئاً من حقوق المرأة كان مهضوماً في كل الجاهليات، وحتى في جاهلية اليوم المعاصرة هو مهضوم هضمت هذه المرأة فأصبحت لا شيء في نظر تلك الجاهليات. وفي الجاهلية الأولى كانت المرأة إذا مات زوجها يتسابق أولاده من غيرها، فأيهم سبق الآخر ووضع عليها رداءً كان أحق بها؛ إن شاء ملكها، وإن شاء تزوجها، وإن شاء زوجها، وهي زوجة أبيه، وهذا لا شك أنه محرم من عدة جوانب: الجانب الأول: أنه إهانة للمرأة. الجانب الثاني: أن فيه نكاحاً لزوجة الأب، والله تعالى حرم من المحرمات -التي سوف نتعرض لها إن شاء الله تعالى- زوجة الأب كما حرم الأم، ووضعها مع الأم في آية واحدة. إذاً: هذه العادة من عادات الجاهلية وهي أن يتسابق أولاد الميت من غيرها إليها، فأيهم وضع عليها الرداء كان أحق بها، وإن استطاعت أن تهرب قبل أن يضع أحد منهم الرداء كانت حرة، فأنزل الله تحرير هذه المرأة، فلا يحق لأحد أن يتسلط عليها، أو أن يضع عليها الرداء، أو يتملكها، أو يكون أحق بها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، أي: مكرهين لهن، وليس معنى ذلك: أنه بواسطة غير الإكراه له أن يرثها، لكن ذلك حكاية واقع؛ لأنهم يعملون ذلك كرهاً. (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ) أي: تتملكونهن، وهذه الآية تعرضت لتحرير المرأة من أن تورث هي، وقد مرت بنا آية تعرضت لحق المرأة في الميراث في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]، وعرفنا أن سبب نزول تلك الآية: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون المرأة، وإنما يورثون الرجل فقط، إضافة إلى أنهم يرثون المرأة كما يورث سائر المتاع، فالله حرم أن تورث المرأة من زوجها؛ فإنما هي إنسان حر كالرجل، وحرم أن تمنع من ميراث زوجها أو أحد أقاربها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]، إذاً: هي لا تورث بل ترث كما يرث الرجال، ولها في كل صغير وكبير مما خلفه الميت حق، حتى لو كانت الإبرة أو ما كان أقل من ذلك.

стр. 1082

حرمة عضل النساء ومنعهن من الزواج قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، والمراد بالعضل هنا: المنع من الزواج، وهذا الخطاب ربما يكون موجهاً إلى أولياء النساء، فقد حرم الله على ولي المرأة أن يعضلها، ومعنى: (يعضلها)، أي: يمنعها من الزواج، فإن الزواج يعتبر حصناً منيعاً للرجل والمرأة، وربما يتسلط بعض الأولياء خصوصاً إذا كانوا من الآباء الذين لهم سلطة أكبر على منع هذه البنت من الزواج بعد أن تبلغ سن الزواج؛ فتكون المصيبة العظمى، ويكون البلاء والفتنة، ولذلك قال ﵊: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض). وربما تكون هناك مطامع مادية يطمع فيها ذلك الأب، كأن تكون ذات مرتب، أو لها دخل أو مال، فلا يريد أن يزوجها من أجل أن يتمتع ويستفيد من مالها، وهذا هو العضل الذي حرمه الله في قوله تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ)، وقال في سورة البقرة: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢]. وتلك الآية لها سبب: أن رجلاً طلق زوجته، وبعد مدة من الزمن فكر في إعادتها إليه والعقد عليها مرة أخرى؛ لأنه بعد انتهاء العدة لابد من عقد جديد إذا لم تكن الطلقة الثالثة، فاتفق الزوج والزوجة، ورفض الأب، فأنزل الله تعالى تلك الآية في سورة البقرة، أما هذه الآية فإنها عامة في ابتداء أو إعادة الزواج، ولذلك لا يحل للولي أياً كان حتى لو كان الأب أن يعضل موليته، أو يعضل الأب ابنته ويمنعها من الزواج؛ لأن الله تعالى قال: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ)، والعضل معناه: المنع بقوة. وعلى هذا يقول فقهاء المسلمين: إن المرأة إذا بلغت سن الزواج وتقدم إليها من يخطبها، وتبين أن وليها قد عضلها -ولو كان الأب- ومنعها من الزواج بدون سبب، وكان ذلك الخاطب كفؤاً؛ فإن للحاكم أن يزوجها دون إذن أبيها؛ لأن الله تعالى حرم العضل، فإذا عضل وصمم على العضل لأي مصلحة من مصالحه الخاصة فإن ذلك ليس له، إلا إذا كان ذلك الخاطب غير كفء. (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ)، وقد يكون هذا الخطاب للأزواج، فقد يكره الزوج الزوجة ويصمم على أن يحتفظ بها من أجل أن يأخذ منها شيئاً من المال، فيحبسها وهو يكرهها حتى تفتدي وتطلب الطلاق بنفسها منه ابتداءً، فتقدم المال من أجل أن يأخذ بعض أو كل ما آتاها وهو المهر، وهذا أيضاً من الأعمال المحرمة، فإذا بدأت الكراهية من الزوج فإنه يحرم عليه أن يأخذ منها شيئاً، أو يعضلها حتى تقدم شيئاً من المال افتداءً لها، بخلاف ما إذا كرهته هي؛ فإن ذلك موجود حكمه في سورة البقرة؛ فله أن يأخذ منها المهر، كما في قصة صاحب الحديقة. يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، أي: لتأخذوا بعض أو كل المهر أو أكثره حينما تطلب منه الفداء، وهو عوض الخلع، فقد يمسكها ليضرها، وهذا من الأمور التي حرمها الله ، وقد أخبر الله تعالى أنه لو آتاها قنطاراً ثم فكر في طلاقها بدون أن يكون السبب من عندها؛ فإنه يحرم عليه أن يأخذ منه شيئاً، ولو كان شيئاً قليلاً. يقول الله تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) أيها الأزواج، أي: بعض المهر، حتى تفتدي لتتخلص من مشكلة ذلك الزوج الذي كرهها هو، وهو الذي فكر في طلاقها دون أن تكون منها رغبة هي، فإنه في مثل هذه الحال لا يجوز له أن يعضلها أو يأخذ شيئاً مما أعطاها. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩]، فإذا فعلت الفاحشة؛ سواءً كانت فاحشة الزنا التي هي أعظم الذنوب؛ فله أن يؤذيها من أجل أن تفتدي ليسترجع حقه؛ لأنها هي التي أفسدت عليه فراشه، أو كانت الفاحشة فاحشة الأذى أيضاً، وهي ما دون فاحشة الجريمة، بأن تكون بذيئة اللسان، مؤذية كارهة له؛ فله أن يطلب منها الفداء، كما في سورة البقرة.

стр. 1083

وجوب معاشرة النساء بالمعروف يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] أي: كما أن المرأة مطالبة بأن تحسن العشرة للزوج؛ فإن الزوج أيضاً مطالب بأن يحسن عشرة الزوجة، وهذا الإحسان بالمعروف، أي: بما جرت به العادة وبالعرف، فلا يجوز له أن يترفع عليها، أو يؤذيها، أو يقصر في حقها أو في نفقتها، أو حتى في زيه ولباسه، وحينما يسيء في معاملتها من ناحية النظافة أو ما أشبه ذلك، فإن عليه لها حقاً كما أن له عليها حقاً، ولذلك يقول عبد الله بن عباس ﵁: (إني لأحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين هي لي). وعلى هذا فإن الزوج مطالب بالعشرة من جميع النواحي، فإذا كلمها يكلمها بأدب واحترام، كما أنها مطالبة أيضاً بذلك، وإذا لزمت النفقة فإن عليه أن ينفق بما يناسب مقام هذه المرأة، وإذا أخطأت فإن عليه أن يتحمل شيئاً من الخطأ، وإذا أحسنت إليه فإن عليه أن يقابل هذا الإحسان بإحسان مثله، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، أما الذين يسيئون إلى المرأة ويمتهنونها ويحتقرونها ويذلونها، فإنهم قد عصوا الله ؛ لأن الله تعالى يقول: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

стр. 1084

الندب إلى احتمال المرأة والصبر عليها إذا كرهها الرجل قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] أي: كره الزوج الزوجة، ويريد فراقها، فالله يأمره أن يتأنى في الأمور وألا يستعجل، فقد يكره هذه المرأة لسوء معاملتها، لكن فيها خير كثير لا يعرفه عنها، وقد يكرهها لشكلها أو لقلة جمالها، فالله يقول له: انتظر، فربما تأتي بولد صالح يعجبك فينسيك ما ينقصها من جمال، وربما يكرهها في نسبها، أو في قلة ذات يدها، أو في أي أمر من الأمور التي يكره الرجال النساء بسببها؛ فإن الله يأمر هذا الرجل بالتأني وألا يتسرع في فراق هذه المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، ولذلك صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يؤذيها أو لا يفارقها- إن كره منها خلقاً رضي منها آخر). وقد يبتلى بعض الرجال بامرأة فاقدة الجمال، أو أي مقوم من مقومات العشرة الزوجية؛ فيكرهها من أول ليلة يدخل بها، فإن كان عاقلاً فإن عليه أن يتبع أمر الله ، وينتظر لعل الله أن يأدم بينهما، وأن ييسر منها خيراً، أو يهب له منها أبناءً صالحين، وقد يتسرع بعض الرجال فيفارقها من أول وهلة، وهذا هو أبغض الحلال إلى الله ؛ لأن الله تعالى يبغض شيئين: الطلاق، والإكثار من الطعام، وقد أباحهما الله ، كما جاء في الحديث: (إن الله لا يبغض شيئاً أعطاه إلا هذين الأمرين). وعلى هذا فإن الطلاق يهدم البيوت، ويشرد الأسرة والأطفال، وربما يسبب العقد النفسية عند الأطفال، ويفسد العلاقة بين أهل الزوج والزوجة، وبين الزوج والزوجة، والمرأة المطلقة -غالباً- في المجتمع تكون امرأة سائبة يندر أن يقدم عليها أحد من الرجال، ولذلك يكره الله الطلاق، ويعالج الحياة الزوجية بعدة أمور، ومن أمور المعالجة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥]. وقد أمر قبل ذلك بأن يؤدب هذه المرأة قبل أن يفارقها، ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، وقبل ذلك يأمرنا الله أن نتحمل كما قال في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]. إذاً نقول: أي امرأة تكرهها لسبب من الأسباب ولسلبية من السلبيات فإن فيها من الإيجابيات ما فيه مصلحتك، فعليك أن تنظر إليها بالعينين الاثنتين كاملتين، لا تنظر إليها بعين السيئات وإنما بعين الحسنات، فقد تكون غير جميلة لكنها ذات خلق حسن ونسب ودين، وقد تفقد واحداً من هذه الأشياء لكن فيها أمور سوف تعجبك مستقبلاً، حيث يهب الله لك منها أبناءً صالحين، لكن حينما تكون منحرفة في دينها وتعجز عن تقويمها؛ فإن لك الحق في رفضها فوراً حتى لا تفسد عليك بيتك وفراشك. (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا)، و (عسى) إذا جاءت من عند الله فليست للترجي كما هو في معناها اللغوي، لكن معناها: التحري والتوقع، أي: إن كرهتموهن فحري بكم أن تكرهوا شيئاً لكن فيه خير كثير، وهذا الخير الكثير لم تعثروا عليه بعد، فلا تتسرع في مفارقة امرأة تكرهها في جمالها، أو نسبها، أو بذاءتها، أو أي أمر من أمورها، وعليك ألا تتسرع حتى لا تقدم على الطلاق الذي هو حلال يبغضه الله . ثم ذكر الله أن هذا الخير كثير، لكنك لا تتوقعه؛ لأنك لا تنظر إلا إلى أمور سطحية، أما الله فإنه يعلم ما تخفيه هذه القلوب، وما تكنه الضمائر، كما أنه تعالى يعلم ما في المستقبل، كما يعلم ما في الحاضر.

стр. 1085

حرمة أخذ المهر من المرأة إذا طلقها الرجل إذا صمم الرجل على طلاق امرأته برغبته هو لا برغبتها هي، وقد أعطاها من المال الشيء الكثير؛ فإنه يحرم عليه أن يأخذ منها فلساً أو قرشاً أو درهماً أو ديناراً، ما دام هو الذي كرهها ولم تكرهه هي، وهو الذي رغب في فراقها ولم ترغب هي في فراقه، وبذل لها ما بذل من المال فإن عليه أن يتأنى، فإذا عزم على ذلك؛ فإن عليه ألا يأخذ مما آتاها شيئاً، بل عليه أن يمتعها، والتمتيع: هو شيء من المال يعطى للمرأة المطلقة عند الطلاق إذا كان الرجل هو الذي كرهها، وهذا المال من أجل إرضائها وجبر خاطرها، ولذلك يقول الله تعالى عن هذا الأمر: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:٢٠]، والمراد بالزوج هنا: الزوجة، وكلمة (زوج) تطلق على الذكر والأنثى، فإذا عزم الإنسان على تطليق زوجته ليستبدلها بزوجة أخرى، أو لا يريد أن يستبدلها إنما يريد أن يطلقها، وإنما ذكر هذا على مجرى الغالب؛ لأن من يريد أن يطلق لا بد أن يتزوج غالباً غيرها، فسماه الله تعالى استبدالاً، أي: بحيث يطلق الأولى؛ لأنه يكرهها في دينها أو خلقها أو أي أمر من أمورها، فإذا أراد أن يستبدل زوجاً مكان زوج وقد أعطى السابقة قنطاراً، والقنطار: هو مبلغ ووزن كبير من الذهب، فلو أعطيتها المال العظيم فلا يجوز لك أن تأخذ من هذا المال شيئاً أبداً. (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ) أي: التي تريدون تطليقها، (قِنطَارًا) أي: مالاً عظيماً من الذهب، (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)، أي: حرام عليكم أن تأخذوا منه شيئاً، ولذلك يتلاعب طائفة من الرجال بحقوق النساء، فيتمتع بالمرأة ما شاء أن يتمتع بها، حتى إذا أراد أن يفارقها ليأتي بزوجة جديدة ضيق على المسكينة السابقة من أجل أن تكرهه، من أجل أن تقدم له شيئاً من المال لتفتدي نفسها بهذا المال، فالله تعالى حرم هذا الأمر تحريماً عظيماً وقال: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)، وهذا من المال المحرم الذي لا يحل للزوج ما دام هو الذي كره المرأة ولم تكرهه المرأة، أما إذا كرهته المرأة فله أن يطالبها بالمهر أو أكثر أو أقل، وأن يتمسك بها حتى تدفع ذلك، وخير له أن يعفو عن كل ما أعطاها؛ لأنه: (ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً)، كما جاء في الحديث. (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)، حتى لو كان شيئاً قليلاً، فلو دفعت لها مائة ألف ريال، وأردت أن تأخذ ريالاً واحداً، فإن هذا الريال حرام عليك ما دمت أنت الذي عزفت عنها، وأنت الذي لم ترغب في البقاء معها. ثم يعظم الله تعالى هذا الأمر ويقول: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠] أي: هل تأخذونه؟! وهذا استفهام إنكاري لتعظيم هذا الأمر، والمراد بالبهتان: الظلم، والإثم معناه: الذنب، أي: أخذ هذا المال بعد هذا التمتع بهذه المرأة، وبعد الخلوة بها، أخذ هذا المهر أمره عظيم عند الله، وأخذه يعتبر بهتاناً عظيماً.

стр. 1086

مشروعية تخفيف المهور أخذ العلماء من هذه الآية: جواز تعظيم المهور والمغالاة في المهور، ولكن في اعتقادي أن هذه الآية ليست دليلاً على المغالاة في المهور؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠]، ليس معناه: أن هناك من النساء من تعطى قنطاراً من الذهب؛ لأن القنطار من الذهب يساوي مالاً عظيماً، وإن كان يجوز أن يكون المهر كثيراً، لكن الأفضل هو تخفيف المهور، فالمبالغة في المهور لها سلبيات عظيمة، وأهم سلبياتها: عدم البركة بين الزوجين؛ لأنه من كانت أقل مهراً كانت أكثر بركة، كما صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أقلهن مئونة أكثرهن بركة)، وهذا شيء نشاهده، فالذين يبذلون الملايين من الريالات للمرأة غير أكفاء كما يتصورون هم وكما هو حقيقة؛ لأنهم لو كانوا أكفاء لهذه المرأة لما بالغوا في هذا المهر. الأمر الثاني: أن كثرة المهر هي التي تسلب البركة في هذا الزواج، فقد أجمع علماء المسلمين على أفضلية تخفيف المهور، لكن اختلفوا في جواز الزواج بالمهور الكبيرة، فأخذ طائفة من العلماء من هذه الآية جواز المغالاة في المهور، وهناك من بذل مهوراً في السابق وفي اللاحق، والأصل هو التخفيف. كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطب، ففكر أن يحدد المهور ذات يوم، فصار يخطب على المنبر ويقول: أيها الناس! خففوا المهور، لا تغالوا في المهور، فقامت امرأة عجوز وقالت: يا أمير المؤمنين! أتحرمنا شيئاً أعطانا الله إياه، والله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠]؟ فقال عمر: أخطأ عمر وأصابت امرأة، كل الناس أصابوا إلا عمر. وبالرغم من أن عمر ﵁ حينما كان يريد أن يخفف المهور إنما هو لمصلحة الأمة، لكننا نستطيع أن نأخذ من هذا نتيجة: أن بعض العلم قد يخفى على الأكابر ويعلمه الأصاغر، كما أن ولي الأمر عليه أن يقف عند حدود الله حينما تبلغه من أي إنسان كائناً من كان، ولو كان دونه في المستوى والعلم والسياسة، فإن هذه المرأة استطاعت أن توقف الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وهو الثاني من الخلفاء الراشدين الذين خلفوا رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ). فكون امرأة تقول: أخطأت يا عمر! وهو يخطب على المنبر، يعطينا دليلاً على أن ولي الأمر مهما كان مركزه في هذه الحياة؛ فإن عليه أن يقبل النصيحة إذا أسديت إليه من أي واحد كائناً من كان، فإن كانت حقاً فعليه أن يقبلها، وإن كانت باطلاً فإن عليه أن يناقش صاحب هذا الباطل، وإذا قيل له: اتق الله! ولم يقبل هذه النصيحة، فعليه خطر، ولا خير في الناس إن لم يقولوا له: اتق الله، ولا خير له إن لم يقبلها من هؤلاء الناس، فـ عمر ﵁ يقول: (كل الناس أصابوا إلا عمر). وعلى هذا نقول: إن تخفيف المهور هو الأفضل، وإن ذكر الله القنطار ليس معناه: أن هناك من يدفع لها من النساء قنطار من الذهب، وإنما ذلك من باب المبالغة، والمعنى: ولو كان المال عظيماً فلا تأخذ منه شيئاً، كما قال ﵊: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، وليس هناك بيت يساوي مفحص القطاة، أي: مربض القطاة، ولا أحد يستطيع أن يصلي في مربض القطاة، وإنما ذلك من باب الحد الأدنى وهذا على الحد الأعلى، أي: ولو كان مالاً كثيراً. وعلى كل أيها الإخوة! مصلحة الأمة أن تخفف المهور، وأن يتزوج الشباب العزاب والعوانس اللاتي يبلغن سناً متأخرة داخل البيوت، وخطر على الأمة أن يعزف شبابها عن الزواج، وخطر على الأمة أن تعزف نساؤها أو تتعلق بالتعليم أو بالوظيفة عن الزواج، وحينئذ يحدث خلل في المجتمع لا يعلم مقداره إلا الله .

стр. 1087

أسباب تحريم أخذ المهر من المرأة بعد طلاقها ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١]. (وكيف): هذا استفهام إنكاري، وقوله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) يبين أن هذا أمر عظيم، أن تفضي إليك المرأة بجسدها وتفضي إليها بجسدك، وتحصل هذه العلاقة بينك وبينها وتلك الثقة، ثم تسلب منها المهر مرة ثانية! ولذلك اختلف العلماء في معنى الإفضاء، فقال بعضهم: أن يكشف وجهها، كما جاء في الحديث: (إذا كشف وجهها ونظر إليها؛ فقد وجب المهر). وقيل: المراد بالإفضاء: أن تنزع ثيابها وينظر إلى عورتها، فهل يستطيع أحد أن يتزوج امرأة ثم ينظر إلى داخل جسدها، ثم يفكر هو دون رغبة منها هي في طلاقها، ثم بعد ذلك يقول: أعطيني هذا المهر بعد هذا النظر، وبعد الميثاق الغليظ الذي أخذته هذه المرأة على هذا الرجل وهو عقد النكاح؟! وقيل: مجرد النظر إليها. وقال بعضهم: هو الخلوة. وقال بعضهم: هو الجماع، فإذا جامعها يستقر الأمر. ولكن الأولى أن نقول: هو الخلوة؛ لأنه إذا خلا بها وأغلقت الأبواب بينه وبين الناس معها فقد أفضى إليها، وحينئذ يحرم عليه أن يأخذ المهر إذا كان الطلاق برغبته هو. والإفضاء مأخوذ من الفوضى؛ لأن الفوضى معناها: اختلاط الأمر، نقول: يعيش العالم في فوضى، أي: في اختلاط من الأمر، والمراد بالإفضاء: الفوضى، أي: خلوه بها وخلوها به بحيث لا يكون بينهما أمر حاجز. (وَأَخَذْنَ)، أي: أخذت النساء منكم، (مِيثَاقًا غَلِيظًا)، والميثاق الغليظ -والله أعلم- المراد به عقد النكاح، فإنه ميثاق غليظ، كما أشار إليه الرسول ﷺ في حجة الوداع حيث قال: (فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بعهد الله)، وعلى هذا فإن هذا الميثاق الغليظ قول الولي: زوجتك هذه المرأة، فتقول: قبلت، هذا ميثاق غليظ يزيل كل الحواجز بين هذا الرجل وتلك المرأة، ثم إذا بهذا الرجل الذي أفضى إليها ويرغب في زواج امرأة أخرى بدلها، ويعزف عنها، ولربما أنه تمتع بها، ولربما أنها أنجبت له من الأولاد ما أنجبت، ثم إذا به يريد أن يأخذ هذا المهر بعد أن تمتع بهذه المرأة مقابل هذا المهر، فهذا أمر عظيم عند الله .

стр. 1088

تحريم نكاح زوجة الأب ثم يذكر الله أيضاً شيئاً من حدوده في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، ذكرنا في الآية السابقة أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الزوج يتسابق أولاده من غيرها إليها، فأيهم وضع الرداء عليها كان أحق بها، أو يطؤها أو يملكها أو يزوجها، المهم يكون حراً في التصرف فيها، فلما حرم الله هذا الأمر على الناس وكان موجوداً في الجاهلية، بدءوا يعقدون على زوجات الآباء، ويقول: أنا لا آخذها بالقوة وإنما آخذها بالعقد، والعقد حرام في مثل هذه الحال؛ لأن زوجة الأب كالأم لا يجوز للابن أن يقربها؛ لأنها من محارمه، فلما فعل القوم ما فعلوا بأن بدءوا يعقدون على زوجات آبائهم بدلاً من كانوا يرثونهن ميراثاً؛ أنزل الله هذه الآية التي تحرم حتى العقد على زوجة الأب. وكيف يقدم إنسان على زوجة أبيه؟! هذا مقت شديد، وإثم عظيم، وقد كان ذلك أيضاً موجوداً في الجاهلية، ولذلك يقول الله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا)، أي: لا تتزوجوا، والمراد بالنكاح هنا العقد، (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: ما عقد عليها الأب وتزوجها، (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (إلا) هنا استثناء منقطع، أي: لكن ما قد سلف لا تؤاخذون عليه؛ لأنه كان في أمر الجاهلية، أما بعد أن نزلت هذه الآية فإنه يحرم على أي واحد منكم أن يتزوج زوجة أبيه؛ لأن زوجة أبيه بمنزلة أمه. (إنه كان فاحشة)، كالزنا، (ومقتاً)، ممقوت عند الله ، وممقوت أيضاً في أذواق الناس، فإن الأذواق البريئة النزيهة الطاهرة لا تقدم على مثل هذا العمل؛ بل هي تمقته وتسبه، وبطبيعة الإنسان البشرية أن ينفر من زوجة أبيه كما ينفر بفطرته عن أمه؛ لأن كل واحدة منهما تعتبر فراشاً لأبيه، فهو ممقوت، ولذلك كانوا يسمون في الجاهلية الولد الذي ينشأ عن زواج الولد بزوجة أبيه: الولد المقيت أو الممقوت. (وَسَاءَ سَبِيلًا)، أي: سبيلاً سيئة وفرجاً حراماً، كيف يقدم عليها هذا الإنسان بعد أن أقدم عليها أبوه؟!

стр. 1089

المحرمات من النساء بالنسب والرضاعة والمصاهرة يقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية، ذكر الله تعالى في هذه الآية سبع محرمات بالنسب وسبع محرمات بالرضاعة والمصاهرة، وبعض هؤلاء محرمة إلى الأبد كالمحرمات في النسب، وهناك جزء محرمات إلى وقت محدد كالجمع بين الأختين، فإذا طلق إحداهما تحل له الأخرى بعد انتهاء العدة. يقول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)، الأم: هي كل من انتسب إليها الإنسان بولادة، سواء كانت أماً أو جدة أو جدة جدة، وسواء كان ذلك من قبل الأم أو الأب، أو من قبل الرضاعة، أو ما أشبه ذلك. (وَبَنَاتُكُمْ)، والبنت تشمل جميع البنات من انتسبت إليه بأبوة؛ سواء كانت من بناته، أو بنات بناته، أو بنات أولاده إلى ما لا نهاية. (وَأَخَوَاتُكُمْ)، والأخوات كل من شاركته في أب، أو أم، أو في الاثنين جميعاً، سواءً كانت الأخت لأب، أو لأم، أو شقيقة، أو كانت أختاً من الرضاعة. (وَعَمَّاتُكُمْ)، وهي كل من انتسبت إلى أبيه بأخوة، أو إلى جده وأجداده بأخوة؛ سواء كان أجداده من قبل الأب أو من قبل الأم، فهؤلاء كلهن يعتبرن من العمات، فلا يجوز الزواج بواحدة منهن. (وَخَالاتُكُمْ) الخالات كل من انتسبت إلى أمه بأخوة، أو جدته أو جداته، فإنها تدخل في هذا الأمر. (وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)، بنات الأخ: هي كل من انتسبت إلى أخيها بنسب أو رضاع وبناتها وإن نزلن، وكذلك بنات الإخوة. (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، الأم وأمها وجداتها، كل هؤلاء يحرمن على هذا الرجل الذي رضع من واحدة منهن. (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة)، الأخت من الرضاعة سواء كانت قريبة أو بعيدة، فكل من أرضعتك أمها أو رضعت هي من أمك فإنها تحرم عليك. (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)، والمراد بأم المرأة: الأم المباشرة أم زوجتك وجدتها، سواء كانت من قبل الأم أو الأب، فكل ذلك داخل في هذا التحريم. (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، الربيبة: هي بنت الزوجة، وسميت بنت الزوجة ربيبة؛ لأن الزوج يربيها في حجره، والمراد بالحجر: وسط الثوب، أي: يضعها كما يضع أولاده، وجمهور العلماء على أن هذا القيد لا مفهوم له، فسواء عاشت في حجره أو بعيدة عنه ما دامت بنتاً لزوجته، سواء كانت قبل أن يتزوج بها أو بعد أن فارقها وتزوجت برجل آخر فأنجبت بنتاً، فإنها تعتبر ربيبة له، وهي محرم من محارمه تحرم عليه، ولا يجوز له أن يتزوج بها، إلا الظاهرية فإن طائفة منهم اشترطوا أن يكون قد رباها ذلك الزوج وعاشت عنده، لكن هذا القيد في الحقيقة لا مفهوم له، وهذا القيد لا أثر له، سواء كانت في حجره أو لا؛ بل لو كانت من زوج تزوج أمها بعده؛ فإذا طلق امرأة وتزوجت رجلاً بعده فأنجبت بنتاً، فإن هذه البنت تعتبر ربيبة له وإن لم يرها، فتعتبر ربيبة تحرم عليه، وتعتبر من محارمه؛ لأنها بنت زوجته. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فإذا كانت بنت زوجة لم تدخل بها أنت فإنها تحل لك، وعلى هذا فإن العقد على الأم لا يحرم البنت، بخلاف العقد على البنت فإنه يحرم الأم عند جمهور العلماء، فإذا عقد رجل على امرأة ولم يدخل بها لم تحرم بنتها عليه؛ لأنها لا تعتبر ربيبة؛ لأنه لم يدخل بالأم؛ لأن الله تعالى يقول: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، والمراد بالدخول هنا: الجماع أو الخلوة، فإذا خلا بالأم أو وطئها فإن البنت تعتبر ربيبة بالنسبة له، وتحرم عليه، وتعتبر من محارمه، أما لو عقد على الأم فقط ولم يدخل بها ولم يخل بها؛ فإن هذه الربيبة لا تعتبر ربيبة بالنسبة له، فيجوز له أن يتزوجها وإن كان قد عقد على أمها؛ لأنه لم يدخل بها؛ لأن الله تعالى يقول: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، أما لو عقد على البنت فجمهور العلماء على أنها لا تحل الأم ولو لم يدخل بالبنت؛ لأن أم الزوجة تحرم منذ أن يعقد على ابنتها، أما بنت الزوجة فإنها لا تحرم -التي هي الربيبة- إلا إذا دخل بأمها؛ لأن الله تعالى هنا يقول: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، ما دامت المسألة فقط عقداً بدون دخول فيجوز له أن يتزوج بنت الزوجة؛ لأنها لا تسمى ربيبة في مثل هذه الحال. كذلك من المحرمات: حلائل الأبناء، قال تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، والحليلة: هي الزوجة، وسميت الزوجة حليلة؛ لأنها تحل وترتحل مع زوجها متى حل وارتحل، أو من الحلال، والمراد بها هنا زوجة الابن، فإذا تزوج ابنك امرأة وطلقها فقد أصبحت هذه المرأة حراماً عليك، وأصبحت من محارمها وهي من محارمك. لكن هذا القيد في قوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، ما مفهوم هذا القيد؟ يقول العلماء: إنما هذا لنفي أولاد التبني، فقد كان هناك في الجاهلية إذا أعجب الرجل طفل تبناه ونسب إليه، حتى حرمه الله بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فأصبح التبني محرماً، وعلى هذا فإن زوجة الابن بالتبني يجوز لمن تبناه أن يتزوجها، والدليل على ذلك: أن الرسول ﷺ تزوج زوجة من تبناه زيد بن حارثة ﵁، وهي زينب بنت جحش لما طلقها زيد ﵁، حتى يثبت للناس أن زوجة الابن بالتبني لا تحرم على الأب، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]. وهنا يقول: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، والمراد بالأولاد: أولادك أنت وأولاد أبنائك وبناتك؛ إذ كل هؤلاء داخلون في قوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، فزوجات هؤلاء يعتبرن محارم للأب؛ فلا يتحجبن عنه، ولا زوجة ابن ابنه ولا زوجة ابن بنته، كلهن يعتبرن من المحارم، وتعتبر هذه المرأة حراماً عليه إذا طلقها ذلك الابن. بقي الخلاف في الأولاد من الرضاعة: هل الأولاد من الرضاعة تعتبر زوجاتهم محارم؟ اختلف العلماء في ذلك، فبعض العلماء أخذ من قوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، إخراج الأولاد من الرضاعة، فزوجاتهم لا يعتبرن محارم للآباء من الرضاعة، وعلى هذا يجوز التزوج بهن، لكن من باب الاحتياط، وهو رأي طائفة من العلماء: أن الأولاد من الرضاعة كالأولاد من النسب، وأن زوجاتهم تعتبر محارم للأب من الرضاعة، وهذا هو الاختيار. وأقل ما يكون في هذا الأمر لو تحجبت عنه ألا يتزوجها، وعلى هذا يصبح أولاد الرضاعة كأولاد النسب في هذا الأمر؛ لما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وعلى هذا فإن هذه القاعدة تعتبر في كل نسب تنتقل بمثله من الرضاعة، فالأولاد وأولاد الأولاد والآباء والأبناء من النسب ينتقل هذا الحكم بالنسبة لهم من الرضاعة، وهؤلاء اللاتي حرمن بالنسب ينتقل الأمر فيهن كالعمة والخالة والأخت من الرضاعة، وبنت الأخت وبنت الأخ وهكذا ينتقل الأمر، وكذلك زوجة الابن من الرضاعة تعتبر حراماً على الأب. قال تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)، كانوا في الجاهلية يتزوج أحدهم أختين شقيقتين أو لأب أو لأم، وفي الإسلام حرم الله الجمع بين الأختين، وهذا هو النكاح المحرم إلى أمد، فأخت الزوجة محرمة حتى تطلق هذه الزوجة السابقة وتنتهي عدتها، ولذلك الرجل يلزم بالعدة في حالتين: الحالة الأولى: إذا كانت معه أربع زوجات وطلق الرابعة، فلا يجوز له أن يتزوج حتى تنتهي عدة الرابعة، ويعتبر شريكاً لها في هذه العدة. الحالة الثانية: إذا كان قد طلق زوجته وأراد أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوج الثانية حتى تنتهي عدة الأولى، واختلف العلماء في الطلاق البائن، أما الطلاق الرجعي فاتفق علماء المسلمين على أن من تزوج زوجة خامسة قبل أن تنتهي عدة الرابعة والطلاق رجعي بأن هذا قد أقدم على عمل محرم، وأن هذا يشبه الزنا، وكذلك الجمع بين الأختين حتى تنتهي عدة السابقة، فإذا انتهت عدة السابقة فله أن يتزوج أختها. وعلى هذا فإنه لا يجوز الجمع بين الأختين، سواء كان بنسب أو برضاع، على رأي طائفة من العلماء، ولذلك يقول الله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا)، أي: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)، أي: لكن ما قد سلف في الزمان السابق في الجاهلية فأنتم مسامحون فيه، (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1090

الأسئلة
следующие страницы →