Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
مشروعية تخفيف المهور
أخذ العلماء من هذه الآية: جواز تعظيم المهور والمغالاة في المهور، ولكن في اعتقادي أن هذه الآية ليست دليلاً على المغالاة في المهور؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠]، ليس معناه: أن هناك من النساء من تعطى قنطاراً من الذهب؛ لأن القنطار من الذهب يساوي مالاً عظيماً، وإن كان يجوز أن يكون المهر كثيراً، لكن الأفضل هو تخفيف المهور، فالمبالغة في المهور لها سلبيات عظيمة، وأهم سلبياتها: عدم البركة بين الزوجين؛ لأنه من كانت أقل مهراً كانت أكثر بركة، كما صح في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أقلهن مئونة أكثرهن بركة)، وهذا شيء نشاهده، فالذين يبذلون الملايين من الريالات للمرأة غير أكفاء كما يتصورون هم وكما هو حقيقة؛ لأنهم لو كانوا أكفاء لهذه المرأة لما بالغوا في هذا المهر.
الأمر الثاني: أن كثرة المهر هي التي تسلب البركة في هذا الزواج، فقد أجمع علماء المسلمين على أفضلية تخفيف المهور، لكن اختلفوا في جواز الزواج بالمهور الكبيرة، فأخذ طائفة من العلماء من هذه الآية جواز المغالاة في المهور، وهناك من بذل مهوراً في السابق وفي اللاحق، والأصل هو التخفيف.
كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطب، ففكر أن يحدد المهور ذات يوم، فصار يخطب على المنبر ويقول: أيها الناس! خففوا المهور، لا تغالوا في المهور، فقامت امرأة عجوز وقالت: يا أمير المؤمنين! أتحرمنا شيئاً أعطانا الله إياه، والله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠]؟ فقال عمر: أخطأ عمر وأصابت امرأة، كل الناس أصابوا إلا عمر.
وبالرغم من أن عمر ﵁ حينما كان يريد أن يخفف المهور إنما هو لمصلحة الأمة، لكننا نستطيع أن نأخذ من هذا نتيجة: أن بعض العلم قد يخفى على الأكابر ويعلمه الأصاغر، كما أن ولي الأمر عليه أن يقف عند حدود الله حينما تبلغه من أي إنسان كائناً من كان، ولو كان دونه في المستوى والعلم والسياسة، فإن هذه المرأة استطاعت أن توقف الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وهو الثاني من الخلفاء الراشدين الذين خلفوا رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).
فكون امرأة تقول: أخطأت يا عمر! وهو يخطب على المنبر، يعطينا دليلاً على أن ولي الأمر مهما كان مركزه في هذه الحياة؛ فإن عليه أن يقبل النصيحة إذا أسديت إليه من أي واحد كائناً من كان، فإن كانت حقاً فعليه أن يقبلها، وإن كانت باطلاً فإن عليه أن يناقش صاحب هذا الباطل، وإذا قيل له: اتق الله! ولم يقبل هذه النصيحة، فعليه خطر، ولا خير في الناس إن لم يقولوا له: اتق الله، ولا خير له إن لم يقبلها من هؤلاء الناس، فـ عمر ﵁ يقول: (كل الناس أصابوا إلا عمر).
وعلى هذا نقول: إن تخفيف المهور هو الأفضل، وإن ذكر الله القنطار ليس معناه: أن هناك من يدفع لها من النساء قنطار من الذهب، وإنما ذلك من باب المبالغة، والمعنى: ولو كان المال عظيماً فلا تأخذ منه شيئاً، كما قال ﵊: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، وليس هناك بيت يساوي مفحص القطاة، أي: مربض القطاة، ولا أحد يستطيع أن يصلي في مربض القطاة، وإنما ذلك من باب الحد الأدنى وهذا على الحد الأعلى، أي: ولو كان مالاً كثيراً.
وعلى كل أيها الإخوة! مصلحة الأمة أن تخفف المهور، وأن يتزوج الشباب العزاب والعوانس اللاتي يبلغن سناً متأخرة داخل البيوت، وخطر على الأمة أن يعزف شبابها عن الزواج، وخطر على الأمة أن تعزف نساؤها أو تتعلق بالتعليم أو بالوظيفة عن الزواج، وحينئذ يحدث خلل في المجتمع لا يعلم مقداره إلا الله .
стр. 1087
أسباب تحريم أخذ المهر من المرأة بعد طلاقها
ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١].
(وكيف): هذا استفهام إنكاري، وقوله تعالى: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) يبين أن هذا أمر عظيم، أن تفضي إليك المرأة بجسدها وتفضي إليها بجسدك، وتحصل هذه العلاقة بينك وبينها وتلك الثقة، ثم تسلب منها المهر مرة ثانية! ولذلك اختلف العلماء في معنى الإفضاء، فقال بعضهم: أن يكشف وجهها، كما جاء في الحديث: (إذا كشف وجهها ونظر إليها؛ فقد وجب المهر).
وقيل: المراد بالإفضاء: أن تنزع ثيابها وينظر إلى عورتها، فهل يستطيع أحد أن يتزوج امرأة ثم ينظر إلى داخل جسدها، ثم يفكر هو دون رغبة منها هي في طلاقها، ثم بعد ذلك يقول: أعطيني هذا المهر بعد هذا النظر، وبعد الميثاق الغليظ الذي أخذته هذه المرأة على هذا الرجل وهو عقد النكاح؟! وقيل: مجرد النظر إليها.
وقال بعضهم: هو الخلوة.
وقال بعضهم: هو الجماع، فإذا جامعها يستقر الأمر.
ولكن الأولى أن نقول: هو الخلوة؛ لأنه إذا خلا بها وأغلقت الأبواب بينه وبين الناس معها فقد أفضى إليها، وحينئذ يحرم عليه أن يأخذ المهر إذا كان الطلاق برغبته هو.
والإفضاء مأخوذ من الفوضى؛ لأن الفوضى معناها: اختلاط الأمر، نقول: يعيش العالم في فوضى، أي: في اختلاط من الأمر، والمراد بالإفضاء: الفوضى، أي: خلوه بها وخلوها به بحيث لا يكون بينهما أمر حاجز.
(وَأَخَذْنَ)، أي: أخذت النساء منكم، (مِيثَاقًا غَلِيظًا)، والميثاق الغليظ -والله أعلم- المراد به عقد النكاح، فإنه ميثاق غليظ، كما أشار إليه الرسول ﷺ في حجة الوداع حيث قال: (فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بعهد الله)، وعلى هذا فإن هذا الميثاق الغليظ قول الولي: زوجتك هذه المرأة، فتقول: قبلت، هذا ميثاق غليظ يزيل كل الحواجز بين هذا الرجل وتلك المرأة، ثم إذا بهذا الرجل الذي أفضى إليها ويرغب في زواج امرأة أخرى بدلها، ويعزف عنها، ولربما أنه تمتع بها، ولربما أنها أنجبت له من الأولاد ما أنجبت، ثم إذا به يريد أن يأخذ هذا المهر بعد أن تمتع بهذه المرأة مقابل هذا المهر، فهذا أمر عظيم عند الله .
стр. 1088
تحريم نكاح زوجة الأب
ثم يذكر الله أيضاً شيئاً من حدوده في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، ذكرنا في الآية السابقة أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الزوج يتسابق أولاده من غيرها إليها، فأيهم وضع الرداء عليها كان أحق بها، أو يطؤها أو يملكها أو يزوجها، المهم يكون حراً في التصرف فيها، فلما حرم الله هذا الأمر على الناس وكان موجوداً في الجاهلية، بدءوا يعقدون على زوجات الآباء، ويقول: أنا لا آخذها بالقوة وإنما آخذها بالعقد، والعقد حرام في مثل هذه الحال؛ لأن زوجة الأب كالأم لا يجوز للابن أن يقربها؛ لأنها من محارمه، فلما فعل القوم ما فعلوا بأن بدءوا يعقدون على زوجات آبائهم بدلاً من كانوا يرثونهن ميراثاً؛ أنزل الله هذه الآية التي تحرم حتى العقد على زوجة الأب.
وكيف يقدم إنسان على زوجة أبيه؟! هذا مقت شديد، وإثم عظيم، وقد كان ذلك أيضاً موجوداً في الجاهلية، ولذلك يقول الله تعالى: (وَلا تَنكِحُوا)، أي: لا تتزوجوا، والمراد بالنكاح هنا العقد، (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: ما عقد عليها الأب وتزوجها، (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (إلا) هنا استثناء منقطع، أي: لكن ما قد سلف لا تؤاخذون عليه؛ لأنه كان في أمر الجاهلية، أما بعد أن نزلت هذه الآية فإنه يحرم على أي واحد منكم أن يتزوج زوجة أبيه؛ لأن زوجة أبيه بمنزلة أمه.
(إنه كان فاحشة)، كالزنا، (ومقتاً)، ممقوت عند الله ، وممقوت أيضاً في أذواق الناس، فإن الأذواق البريئة النزيهة الطاهرة لا تقدم على مثل هذا العمل؛ بل هي تمقته وتسبه، وبطبيعة الإنسان البشرية أن ينفر من زوجة أبيه كما ينفر بفطرته عن أمه؛ لأن كل واحدة منهما تعتبر فراشاً لأبيه، فهو ممقوت، ولذلك كانوا يسمون في الجاهلية الولد الذي ينشأ عن زواج الولد بزوجة أبيه: الولد المقيت أو الممقوت.
(وَسَاءَ سَبِيلًا)، أي: سبيلاً سيئة وفرجاً حراماً، كيف يقدم عليها هذا الإنسان بعد أن أقدم عليها أبوه؟!
стр. 1089
المحرمات من النساء بالنسب والرضاعة والمصاهرة
يقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] إلى آخر الآية، ذكر الله تعالى في هذه الآية سبع محرمات بالنسب وسبع محرمات بالرضاعة والمصاهرة، وبعض هؤلاء محرمة إلى الأبد كالمحرمات في النسب، وهناك جزء محرمات إلى وقت محدد كالجمع بين الأختين، فإذا طلق إحداهما تحل له الأخرى بعد انتهاء العدة.
يقول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)، الأم: هي كل من انتسب إليها الإنسان بولادة، سواء كانت أماً أو جدة أو جدة جدة، وسواء كان ذلك من قبل الأم أو الأب، أو من قبل الرضاعة، أو ما أشبه ذلك.
(وَبَنَاتُكُمْ)، والبنت تشمل جميع البنات من انتسبت إليه بأبوة؛ سواء كانت من بناته، أو بنات بناته، أو بنات أولاده إلى ما لا نهاية.
(وَأَخَوَاتُكُمْ)، والأخوات كل من شاركته في أب، أو أم، أو في الاثنين جميعاً، سواءً كانت الأخت لأب، أو لأم، أو شقيقة، أو كانت أختاً من الرضاعة.
(وَعَمَّاتُكُمْ)، وهي كل من انتسبت إلى أبيه بأخوة، أو إلى جده وأجداده بأخوة؛ سواء كان أجداده من قبل الأب أو من قبل الأم، فهؤلاء كلهن يعتبرن من العمات، فلا يجوز الزواج بواحدة منهن.
(وَخَالاتُكُمْ) الخالات كل من انتسبت إلى أمه بأخوة، أو جدته أو جداته، فإنها تدخل في هذا الأمر.
(وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)، بنات الأخ: هي كل من انتسبت إلى أخيها بنسب أو رضاع وبناتها وإن نزلن، وكذلك بنات الإخوة.
(وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، الأم وأمها وجداتها، كل هؤلاء يحرمن على هذا الرجل الذي رضع من واحدة منهن.
(وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة)، الأخت من الرضاعة سواء كانت قريبة أو بعيدة، فكل من أرضعتك أمها أو رضعت هي من أمك فإنها تحرم عليك.
(وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)، والمراد بأم المرأة: الأم المباشرة أم زوجتك وجدتها، سواء كانت من قبل الأم أو الأب، فكل ذلك داخل في هذا التحريم.
(وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، الربيبة: هي بنت الزوجة، وسميت بنت الزوجة ربيبة؛ لأن الزوج يربيها في حجره، والمراد بالحجر: وسط الثوب، أي: يضعها كما يضع أولاده، وجمهور العلماء على أن هذا القيد لا مفهوم له، فسواء عاشت في حجره أو بعيدة عنه ما دامت بنتاً لزوجته، سواء كانت قبل أن يتزوج بها أو بعد أن فارقها وتزوجت برجل آخر فأنجبت بنتاً، فإنها تعتبر ربيبة له، وهي محرم من محارمه تحرم عليه، ولا يجوز له أن يتزوج بها، إلا الظاهرية فإن طائفة منهم اشترطوا أن يكون قد رباها ذلك الزوج وعاشت عنده، لكن هذا القيد في الحقيقة لا مفهوم له، وهذا القيد لا أثر له، سواء كانت في حجره أو لا؛ بل لو كانت من زوج تزوج أمها بعده؛ فإذا طلق امرأة وتزوجت رجلاً بعده فأنجبت بنتاً، فإن هذه البنت تعتبر ربيبة له وإن لم يرها، فتعتبر ربيبة تحرم عليه، وتعتبر من محارمه؛ لأنها بنت زوجته.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فإذا كانت بنت زوجة لم تدخل بها أنت فإنها تحل لك، وعلى هذا فإن العقد على الأم لا يحرم البنت، بخلاف العقد على البنت فإنه يحرم الأم عند جمهور العلماء، فإذا عقد رجل على امرأة ولم يدخل بها لم تحرم بنتها عليه؛ لأنها لا تعتبر ربيبة؛ لأنه لم يدخل بالأم؛ لأن الله تعالى يقول: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، والمراد بالدخول هنا: الجماع أو الخلوة، فإذا خلا بالأم أو وطئها فإن البنت تعتبر ربيبة بالنسبة له، وتحرم عليه، وتعتبر من محارمه، أما لو عقد على الأم فقط ولم يدخل بها ولم يخل بها؛ فإن هذه الربيبة لا تعتبر ربيبة بالنسبة له، فيجوز له أن يتزوجها وإن كان قد عقد على أمها؛ لأنه لم يدخل بها؛ لأن الله تعالى يقول: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)، أما لو عقد على البنت فجمهور العلماء على أنها لا تحل الأم ولو لم يدخل بالبنت؛ لأن أم الزوجة تحرم منذ أن يعقد على ابنتها، أما بنت الزوجة فإنها لا تحرم -التي هي الربيبة- إلا إذا دخل بأمها؛ لأن الله تعالى هنا يقول: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)، ما دامت المسألة فقط عقداً بدون دخول فيجوز له أن يتزوج بنت الزوجة؛ لأنها لا تسمى ربيبة في مثل هذه الحال.
كذلك من المحرمات: حلائل الأبناء، قال تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، والحليلة: هي الزوجة، وسميت الزوجة حليلة؛ لأنها تحل وترتحل مع زوجها متى حل وارتحل، أو من الحلال، والمراد بها هنا زوجة الابن، فإذا تزوج ابنك امرأة وطلقها فقد أصبحت هذه المرأة حراماً عليك، وأصبحت من محارمها وهي من محارمك.
لكن هذا القيد في قوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، ما مفهوم هذا القيد؟ يقول العلماء: إنما هذا لنفي أولاد التبني، فقد كان هناك في الجاهلية إذا أعجب الرجل طفل تبناه ونسب إليه، حتى حرمه الله بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فأصبح التبني محرماً، وعلى هذا فإن زوجة الابن بالتبني يجوز لمن تبناه أن يتزوجها، والدليل على ذلك: أن الرسول ﷺ تزوج زوجة من تبناه زيد بن حارثة ﵁، وهي زينب بنت جحش لما طلقها زيد ﵁، حتى يثبت للناس أن زوجة الابن بالتبني لا تحرم على الأب، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧].
وهنا يقول: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، والمراد بالأولاد: أولادك أنت وأولاد أبنائك وبناتك؛ إذ كل هؤلاء داخلون في قوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، فزوجات هؤلاء يعتبرن محارم للأب؛ فلا يتحجبن عنه، ولا زوجة ابن ابنه ولا زوجة ابن بنته، كلهن يعتبرن من المحارم، وتعتبر هذه المرأة حراماً عليه إذا طلقها ذلك الابن.
بقي الخلاف في الأولاد من الرضاعة: هل الأولاد من الرضاعة تعتبر زوجاتهم محارم؟ اختلف العلماء في ذلك، فبعض العلماء أخذ من قوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، إخراج الأولاد من الرضاعة، فزوجاتهم لا يعتبرن محارم للآباء من الرضاعة، وعلى هذا يجوز التزوج بهن، لكن من باب الاحتياط، وهو رأي طائفة من العلماء: أن الأولاد من الرضاعة كالأولاد من النسب، وأن زوجاتهم تعتبر محارم للأب من الرضاعة، وهذا هو الاختيار.
وأقل ما يكون في هذا الأمر لو تحجبت عنه ألا يتزوجها، وعلى هذا يصبح أولاد الرضاعة كأولاد النسب في هذا الأمر؛ لما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)، وعلى هذا فإن هذه القاعدة تعتبر في كل نسب تنتقل بمثله من الرضاعة، فالأولاد وأولاد الأولاد والآباء والأبناء من النسب ينتقل هذا الحكم بالنسبة لهم من الرضاعة، وهؤلاء اللاتي حرمن بالنسب ينتقل الأمر فيهن كالعمة والخالة والأخت من الرضاعة، وبنت الأخت وبنت الأخ وهكذا ينتقل الأمر، وكذلك زوجة الابن من الرضاعة تعتبر حراماً على الأب.
قال تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)، كانوا في الجاهلية يتزوج أحدهم أختين شقيقتين أو لأب أو لأم، وفي الإسلام حرم الله الجمع بين الأختين، وهذا هو النكاح المحرم إلى أمد، فأخت الزوجة محرمة حتى تطلق هذه الزوجة السابقة وتنتهي عدتها، ولذلك الرجل يلزم بالعدة في حالتين: الحالة الأولى: إذا كانت معه أربع زوجات وطلق الرابعة، فلا يجوز له أن يتزوج حتى تنتهي عدة الرابعة، ويعتبر شريكاً لها في هذه العدة.
الحالة الثانية: إذا كان قد طلق زوجته وأراد أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها؛ فإنه لا يجوز له أن يتزوج الثانية حتى تنتهي عدة الأولى، واختلف العلماء في الطلاق البائن، أما الطلاق الرجعي فاتفق علماء المسلمين على أن من تزوج زوجة خامسة قبل أن تنتهي عدة الرابعة والطلاق رجعي بأن هذا قد أقدم على عمل محرم، وأن هذا يشبه الزنا، وكذلك الجمع بين الأختين حتى تنتهي عدة السابقة، فإذا انتهت عدة السابقة فله أن يتزوج أختها.
وعلى هذا فإنه لا يجوز الجمع بين الأختين، سواء كان بنسب أو برضاع، على رأي طائفة من العلماء، ولذلك يقول الله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا)، أي: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين.
(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)، أي: لكن ما قد سلف في الزمان السابق في الجاهلية فأنتم مسامحون فيه، (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1090
الأسئلة
стр. 1091
حكم عدم العدل بين النساء في الجماع
السؤال
ما حكم الشرع فيمن لديه زوجتان يعدل بينهما إلا في الجماع؛ لأنه لا يستطيعه مع أحدهما لأسباب، رغم أنه يحاول ولكن دون جدوى، أي: لا يطيق ذلك، لكنه في الأمور الأخرى يعطيها كامل حقها؟
الجواب
ذلك داخل في قول الرسول ﷺ : (اللهم هذا عدلي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك)، فمسألة الجماع والشهوة وهذه الأمور الخاصة بالنساء التي لا يطيقها الرجل فلا يؤاخذ فيها، ولكن عليه ألا يهجرها هجراً كاملاً، أما بالنسبة للمبيت والنفقة وما أشبه ذلك من الأمور والعشرة فيجب عليه أن يعدل بينهما؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل)، أما بالنسبة لمحبة القلب والجماع وما أشبه ذلك من الأمور التي يغلب عليها الإنسان، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 1092
حكم إعطاء الزوجة باقي المهر إذا طلقها الرجل
السؤال
تزوجت بمبلغ خمسين ألف ريال، ودفعت منها أربعين ألفاً، وبقيت عشرة آلاف، وقد طلقت الزوجة، فهل يلزمني دفع المبلغ الباقي؟
الجواب
نعم، يلزمك؛ لأن الوفاء بشروط الزواج أعظم أنواع الوفاء، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج)، فما دمت قد التزمت لها بهذا المبلغ، وأنت الذي طلقتها بإرادتك لا بإرادتها هي؛ فعليك أن تعطيها كل حقوقها، وتزيد نفقة العدة على العشرة الآلاف، والتمتيع أمر مطلوب ومحبوب.
стр. 1093
حكم امتناع الأب من تزويج ابنته بحجة إتمام الدراسة
السؤال
ما قولك عن الرجل التي تخطب ابنته ويرفض بحجة إكمال الدراسة، حتى ولو بقي عليها القليل؟ وكثير من الناس يقول: الأب أدرى بمصلحة ابنته في إكمال الدراسة؟
الجواب
الحقيقة أن الزواج عبادة لله ، وعمارة للكون، وعفة للمجتمع، فهو غاية، أما التعليم فإنه وسيلة، والغاية تقدم على الوسيلة، وليس معنى ذلك أن نهون من شأن التعليم، ولكن التعليم الذي لا يقف عند حد ولا مرحلة، بل ويضيع فترة الزواج، ويضيع على الفتاة أغلى فترات عمرها، هذا أمر نعتبره جناية على المرأة، وعلى هذا فإننا نقول لذلك الأب: أخطأت يا أخي! فيمكن أن تزوجها ويمكنها ذلك الزوج من مواصلة الدراسة، لاسيما إذا كانت هذه الدراسة تتعدى حدود الحاجة، فإذا كانت هذه البنت لا تريد أن تتزوج حتى تحصل على آخر مرحلة من مراحل التعليم فربما تذهب زهرة شبابها، وأنتم تدركون أن المرأة فترتها للولادة وللتمتع محدودة أقل من الرجل، ولربما أنها تطمع في العمل والوظيفة حينما تكمل هذه الدراسة.
ولذلك فإني أقول: بادر يا أخي! بتزويج ابنتك، وخصوصاً إذا كانت لها الرغبة هي في ذلك، وإذا كان عندها من الطموح ما يرغبها في مواصلة الدراسة فإن عليها أن تتفاهم مع ذلك الزوج حتى تكمل الدراسة، أما أن تعطل النساء داخل البيوت حتى تكمل أعلى مرحلة في التعليم، ثم يتلو ذلك أن تعمل مدة من الزمن؛ فإن هذا يعتبر في الحقيقة جناية على المرأة، وجناية على المجتمع.
стр. 1094
حكم الخلوة بالمخطوبة
السؤال
أنا شاب ملتزم والحمد لله، وخطبت بنتاً من عائلة معروفة، ولكن هذه العائلة نساؤهم لا يتحجبن، وقالوا لي: البنت تريد أن تتكلم معك وتتحدث وتخرج وتمزح معك، ووالدي يؤيدهم على عملهم هذا، ويقول لي: هذه خطيبتك ولابد أن تفعل ذلك معها، فما رأيكم؟
الجواب
أما بالنسبة لعدم تحجب هذه العائلة فليست عائلة محافظة، خصوصاً في بلادنا هنا -والحمد لله- أن أي امرأة لا تتحجب لا نعتبرها من عائلة محافظة، وربما يكون ذلك في بعض البلاد الأخرى، فقد تكون محافظة وتكشف الوجه والكفين أخذاً برأي له احترامه، لكنه لا يجوز في حال الفتنة، والفتنة ملازمة للمرأة.
أما أن يصل الأمر إلى أن يمزح معها وينفرد بها، فإن هذا من الأمور المحرمة؛ لأنها ليست زوجة له، وبعد العقد يكون ذلك، أما قبل العقد فإنه لا يكون ذلك، و (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).
ولكني أنصح ذلك الأخ الخاطب الذي وصل الأمر بالنسبة له إلى أن يطلب منه إلى أن يخلو معها أو يمزح معها أو تمزح معه، أن ينصرف عن هذه المرأة؛ لأنها امرأة عندها شيء من الانحراف.
стр. 1095
حكم صلة مطلقة الأب المتوفى
السؤال
رجل تزوج امرأة ثم طلقها، وبعد ذلك توفي عنها، يسأل ابنه ويقول: هل علي أن أصلها وتكون من صلة الرحم؟
الجواب
نعم، إن كانت زوجة أبيك فإنها تعتبر من محارمك، ولو طلقها أبوك ولو مات عنها، فتبقى هذه المحرمية مدى الحياة؛ لأنها محرمة عليك، والمحرمية مربوطة بتحريم الزواج، فكلما كان الزواج محرماً بين رجل وامرأة فإن المحرمية تعتبر باقية، فهي من محارمك وصلتها طيبة؛ لأنها من صلة أبيك.
стр. 1096
حكم من جامع امرأة في الظلام يظنها زوجته
السؤال
إذا أتى رجل إلى بيته وظن أن زوجته في البيت، فجامع امرأة وهو لا يدري أنها زوجته بحجة الظلام، أو أنه لم يرها جيداً في الظلام، ثم تبين أنها غير زوجته، فما الحكم؟
الجواب
يا أخي! هذا لا يقع، لكن لو حدث هذا بدون إرادة، إذا كانت هي عالمة فإنها زانية، أما بالنسبة له إذا كان غير عالم فإنه يعتبر وطئاً بشبهة، لكن هذا لا يقع أبداً إلا في أمور مدبرة مسبقاً؛ لأن الجماع له مقدمات، والإنسان يستقبل زوجته ويراها وينظر إليها وتنظر إليه، فلا يبدأ الأمر هكذا مباشرة.
стр. 1097
حكم من أسقط جنيناً عمره شهران
السؤال
أنا شاب متزوج وسبق لي أن زنيت وأنا متزوج، وحملت مني، وبعد شهرين طلبت منها أن تسقطه، وفعلاً حصل الإسقاط، والآن بعد التوبة والندم على ما فات ماذا يجب علي: هل أصوم شهرين كفارة لقتله، أو ماذا أفعل؟
الجواب
هذا الذنب عظيم، زنا وقتل نفس! لكن لعل قتل النفس التي لم تتجاوز شهرين أمره أسهل، فأعتقد أن مثل هذا لا يوجب الكفارة؛ لأن الطفل في حدود شهرين لم يكمل فيه خلق الإنسان، ولم تنفخ فيه الروح، أما الذنب فإنه عظيم جداً، وعليك أن تصدق في هذه التوبة، وأن تكثر من الأعمال الصالحة، عسى الله أن يتجاوز عنك، كما أن على المرأة أن تفعل شيئاً من ذلك هي أيضاً.
стр. 1098
حكم كشف المرأة شيئاً من بدنها للطبيب للضرورة
السؤال
أنا امرأة متزوجة من أحد الشباب الملتزمين، ولكنني مريضة بمرض في القلب، وزوجي يمنعني من العلاج عند الدكتور الأخصائي الذي في المستشفى، وهو الذي يشرف على علاجي، بحجة أنه رجل وسوف يكشف عورتي، علماً بأنه سمح له بمرافقتي عند دخول الدكتور علي، مع العلم بأن مرضي نادر ولا توجد دكتورة متخصصة فيه، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أما إذا لم توجد طبيبة فإنه يجوز لمثل هذه المرأة أن تكشف للطبيب، خصوصاً أن مرض القلب لا يصل إلى حد العورة المغلظة، وإنما يصل إلى كشف شيء من الجسد، لكني أرجو من المسئولين في هذه الدولة في وزارة الصحة أن يتقوا الله ، فإن كل الناس يتذمرون من إدخال نسائهم على الرجال، وأعظم من هذا في أمراض النساء الداخلية، وفي حالات الولادة، وصدقوني يا إخوتي! أن أكثر مستشفيات الولادة يتولى التوليد فيهن رجال، ونحن في بلد والحمد لله عندنا من الخير والنعمة والرخاء ما نستطيع أن نجذب فيه كل طبيبات العالم، علماً أن الطبيبات في العالم يساوين الأطباء أو يزدن.
وعلى هذا فإني أقول لوزير الصحة ولكل مسئول في وزارة الصحة: اتقوا الله ، فإن الله قد ائتمنكم على عورات هؤلاء النساء، وإن أكثر الذين يولدون أو يعالجون أمراض النساء والولادة من الرجال، وهذه مسئولية عظيمة يتقلدها كل مسئول في الدولة يستطيع أن يغير هذا الوضع.
أما أنت يا أختي السائلة! فيجوز لك في مثل هذا الحالة أن تقنعي الزوج، وعليه أن يقتنع ما دامت ليست هناك أخصائية، والمسألة وصلت إلى حد الضرورة، وليس هناك كشف للعورة المغلظة، وإنما هو فقط للصدر وما حوله، ففي مثل هذه الظروف يتسامح في هذا الأمر عند الضرورة، ويتحمل المسئولية بين يدي الله وزير الصحة وكل مسئول في هذه الدولة يستطيع أن يغير هذا الوضع.
стр. 1099
حكم مصافحة بنات الخال والعم
السؤال
أنا شاب ملتزم وعندي أقرباء لا يتحجبون، فإذا أردت أن أزور خالتي أو عمتي خرجن إلي بناتهن، ويصافحنني ويتكلمن معي، ويكشفن وجوههن عندي، فما أستطيع أن أفعل شيئاً، وإذا لم أزرهم هل أكون قاطعاً للرحم؟
الجواب
بنات الخالة والخال وبنات العمة والعم لسن من المحارم، وعلى هذا فلا تجوز مصافحتهن، ولا يجوز أن يكشفن الوجوه ما دام لم يكن هناك رضاع ولا نسب يبيح كشف الوجه، فليست هناك محرمية، وأعظم من ذلك إذا كانت هناك خلوة، فإن الرسول ﷺ يقول: (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ فقال: الحمو الموت).
فعلى هذا أقول: لا يجوز لك يا أخي! أن تصافحهن، ولا أن تنظر إلى وجوههن، وتحرم عليك الخلوة بهن تحريماً مغلظاً.
стр. 1100
الجمع بين حديث: (لو لم تذنبوا) وبين آيات الوعيد
السؤال
كيف نوفق بين قول الرسول ﷺ : (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون) الحديث، ومن الآيات الواردة في الزنا والربا والأقوال الفاحشة وغيرها؟
الجواب
بالنسبة للحديث: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)، أي: أن فطرة البشر أنهم معرضون للذنب، وليس معنى ذلك: أن الذنب قربة لله ، وإنما هذه فطرة بشرية؛ لأن الله تعالى جرت سنته في هذه الحياة أن يكون هناك مذنبون، وأن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير، والحكمة تتعطل لو أن الناس كلهم يعيشون حياة ملائكية، ولذلك فتح الله تعالى باب التوبة.
أما الآيات والأحاديث في عقوبات المذنبين، وفي تحريم الذنوب؛ فهي باقية على طبيعتها ولا إشكال فيها، إنما سنة الله أن يبقى في هذا العالم من يذنب ويعصي ويطيع.
والله أعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1101
الولاء والبراء
الولاء والبراء أصل من أصول الدين، فيجب على المسلم أن يؤمن به، وأن يطبقه في واقعه وحياته، فيوالي أولياء الله ويحبهم، ويعادي أعداء الله ويبغضهم، فمن كان كذلك فقد استكمل الإيمان، ومن لم يكن كذلك بأن والى أعداء الله، أو عادى أولياء الله، فإنه على خطر عظيم، وهو إلى النفاق والريبة أقرب منه إلى الإيمان.
стр. 1102
وجوب تميز الأمة الإسلامية بهويتها
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٩].
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! هذا هو موقف الأمة الإسلامية من أعدائها، والأمة الإسلامية أمة ذات عقيدة جاءت من عند الله ناسخة لكل الأديان، وحيث إن هذه العقيدة أُنزل فيها أعظم وأحسن كتاب أنزل إلينا من ربنا، فإن الأمة الإسلامية يجب أن تكون لها شخصية مستقلة تنفرد بها، ولا تذوب في الأمم، لاسيما من أعدائها الكافرين، وهذه الآيات التي سمعتموها حدد الله فيها موقف المسلمين من جميع فئات الكفر: من أهل الكتاب اليهود والنصارى، ومن المشركين الوثنيين، ومن المنافقين، ومن المرتدين من المسلمين المارقين عن الإسلام.
ولذلك فإن هذه الآيات حددت موقف المسلم من كل هذه الفئات، فلا تظنوا أن موقفنا واضح مع اليهود والنصارى أو مع الوثنيين فقط، لكن حتى مع المنافقين العلمانيين والمندسين في صفوف الأمة الإسلامية والمرتدين عن الإسلام، قال : ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، حتى لو كان يحمل في جيبه الهوية الإسلامية، ولو كان يعيش في بيت مسلم ومن أبوين مسلمين، لابد أن يناله نصيبه من هذا الولاء والبراء إذا انحرف عن دين الله .
стр. 1103
الولاء والبراء من أصول العقيدة الإسلامية
والولاء والبراء أمرهما عظيم في دين الإسلام، فليسا من الفروع كما يظن بعض الناس، لكنهما من أصول العقيدة؛ فقد يرتد المسلم -نعوذ بالله- ويخرج من الإسلام بسبب ولائه وبرائه، ولذلك فإن الولاء بين المسلمين والكافرين أو بين المسلم والكافر أمر خطير جداً، وسوف نذكر شيئاً من معاني هذه الآيات مع التعليق، فالولاء أمره خطير، ولذلك يقول الرسول ﷺ عنه: (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله)، وكيف كان أوثق عرى الإيمان؟
الجواب
لأنه يمس أصل العقيدة وأصل الدين، لا الفروع.
стр. 1104
تحريم ولاية المسلمين للكافرين
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
هنا حرم الله الولاية بين المسلمين وبين اليهود والنصارى، والمراد بالولاية: المحبة والاعتماد والتعلق والركون والضعف أمام هؤلاء من اليهود والنصارى، فبعض الناس اليوم يعتبرون اليهود والنصارى والكفرة والوثنيين والمارقين من الدين هم المخلصين في أعمالهم، وينبذون المسلمين الذين يُحصى عددهم في أيامنا الحاضرة بأكثر من ألف مليون مسلم، وكثير منهم يموتون جوعاً وهم بحاجة إلى أموال المسلمين، فهنا يحذر الله الأمة الإسلامية فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، أي: ركناً تركنون إليه وتعتمدون عليه.
стр. 1105
ولاء اليهود والنصارى بعضهم لبعض
ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، أي: بعض اليهود أولياء بعض من اليهود، وبعض النصارى أولياء بعض من النصارى، ويمكن أن يقال: (بعضهم) يرجع إلى اليهود والنصارى، و: (أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي: من اليهود والنصارى، على خلاف بين علماء المسلمين: هل هناك ولاء عميق بين اليهود والنصارى، مع أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥]، أم أن اليهود والنصارى فرقة واحدة؟ وهم يرجعون إلى أصل واحد؛ لأنكم تعرفون في تاريخ الأديان أن النصارى فرقة من اليهود؛ لأن عيسى ﵊ حينما بعث إلى اليهود آمن به من آمن فسموا أنفسهم نصارى، فكان الذين اتبعوا عيسى ﵊ من اليهود هم النصارى، والذين بقوا على دينهم ورفضوا ملة عيسى ﵊ هم اليهود، لكن بالرغم من أن هناك صلة في النسب ولربما أن هناك عداءً في الأصل لكنهم يتفقون في حرب الإسلام، وصحيح أنه ربما تكون بينهم بعض الفوارق وبعض الحساسيات فيما بينهم، أي: فيما بين اليهود والنصارى، لكنهم يتفقون على حرب الإسلام، ولذلك لهم مواقف سجلها التاريخ اشتركت فيها جميع فئات الكفر، سواء كان ذلك في غزوة الأحزاب، أو كان ذلك في الحروب الصليبية، فنصارى العرب وضعوا أيديهم في أيدي نصارى الغرب، وفتحوا لهم البوابة التي هي لبنان، والتي هي دائماً مدخل البلاء والفتن على بلاد المسلمين، فتحوا تلك البوابة فجاءت هذه الأعداد الهائلة والسيل الكاسح من النصارى من بلاد الغرب، ونفذوا إلى المسلمين من جهة لبنان، واتخذوا من النصارى العرب جسراً للعبور إلى بلادهم، ولذلك نعتبر نصارى العرب هم أخبث أنواع النصارى؛ لأنهم يعيشون في بلاد الإسلام ولا يرعوون ولا يرجعون؛ ولأن قوميتهم ووطنيتهم التي يزعمونها لم تغن عنهم شيئاً.
يقول الله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، أي: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض، واليهود والنصارى أيضاً أولياء بعض حينما يريدون أن يتفقوا على حرب الإسلام، وإن وجد بينهم ما وجد من شيء من الخلافات السياسية أو المذهبية أو ما أشبه ذلك فإنما هي وقتيه، لكن حينما يكون الأمر في حرب الإسلام فإنهم أولياء بعض، كما أخبر الله .
ولذلك في الحروب الأخيرة في حرب المسلمين مع أعدائهم نجد أن فئات الكفر كلها تتفق في صف واحد، فلم يبق هناك إلا معسكران: معسكر الإسلام ومعسكر الكفر، ومعسكر الكفر تلتقي فيه حتى الشيوعية وما يسمى بالوفاق الدولي الذي سقطت فيه الشيوعية من أجل أن تنضم إلى المعسكر الغربي من أجل حرب الإسلام، وهذا في الحقيقة أكبر دليل يوضح لنا قول الله : ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، وكان بعض الناس يظن أن الكفر ملل، لكن الحقيقة أن الكفر ملة واحدة، لا تختلف يهوديته عن نصرانيته عن شيوعيته عن وثنيته عن علمانيته عن نفاقه عن أي بلاء من أنواع هذا البلاء.
ولذلك حكم الله تعالى بأن بعضهم أولياء بعض، والله تعالى هو أصدق الحاكمين وأصدق القائلين، ولذلك يجب علينا أن نقبل هذا الحكم حتى لا نغتر بنوع من أنواع الكافرين، فابتسامة النصارى في وجوه المسلمين ربما تخدعهم، فأصبح النصارى في نظر طائفة كثيرة من الناس أنهم إخوة للمسلمين، وأنهم يعطفون على الأمة الإسلامية، أما اليهود فإنهم يحاربون الإسلام.
стр. 1106
حقيقة مواقف النصارى من المسلمين
الحقيقة أن مواقف النصارى في الحروب الصليبية أعظم بكثير من مواقف اليهود في الأيام الحاضرة، بالرغم من أن اليهود والنصارى كلهم ملة واحدة، لكن اليهود والوثنيين أعدى وأقسى في حرب الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢]، وبعض الناس يفهم هذه الآية خطأً، ويظن أن هذه الآية تثني على النصارى وتقول: إن النصارى قريبون من الإسلام، وليس كذلك؛ فهذه الآية لا تثني على النصارى، وإنما تبين أن عداوة اليهود أخطر من عداوة النصارى، وإلا فعداوة اليهود والنصارى كلها ثابتة لا شك فيها؛ لأن الله قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ [المائدة:٨٢]، فالمسألة مسالة تفاضل في شدة العداوة وخفتها.
إذاً: العداوة بالمفهوم موجودة من اليهود والنصارى على حد سواء، لكنها في اليهود أشد وأقسى، علماً أن هذه الآية: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] نزلت في مناسبة، حتى لا يظن بعض الناس أنها هي صفة دائمة للنصارى، وأنهم دائماً يتعاطفون مع الإسلام؛ بل هم أعداء للإسلام، فالآية نزلت في مناسبة اعتناق النجاشي ﵁ الإسلام، وكان من زعماء النصارى في الحبشة، وبكى حينما سمع القرآن، فأنزل الله تعالى في حقه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] الآية، صحيح أن القاعدة الأصولية: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعداوة موجودة في اليهود والنصارى، لكنها بالنسبة لليهود أشد، أما النصارى فعندهم عداوة وحقد شديد على الإسلام، لكن حقد اليهود أشد من حقد النصارى على الإسلام.
ولذلك ينخدع بعض المسلمين بالابتسامة التي يشاهدونها من بعض هؤلاء النصارى، لاسيما حينما يأتون إلى بلاد الإسلام، ولاسيما بلاد الإسلام المحافظة كبلادنا هذه؛ حيث نجد أنهم يبرزون كأنهم مخلصون، وكأنهم يريدون أن يقدموا خدمة، وهذا في الحقيقة أكبر دليل على حقدهم على الإسلام؛ لأنهم لا يستطيعون أن يدخلوا بلاد الإسلام، ولا أن يعيشوا مع المسلمين إلا من هذا الجانب حينما يظهرون الولاء، وحينما يظهرون العطف والرقة مع المسلمين، وهؤلاء ابتسامتهم تتغير حينما تتغير المعايير في يوم من الأيام، فقد ابتسم نصارى لبنان قبل الحروب الصليبية في وجوه المسلمين مدة طويلة من الزمن، حتى إذا جاء موعدهم مع نصارى الغرب كانوا هم أكبر معول يهدم في بلاد الإسلام، وهكذا قبل ذلك في بلاد الأندلس؛ فحينما فتح المسلمون بلاد الأندلس وتركوا الجبال الوعرة -وهي ما تسمى بجبال البرتغال في أيامنا الحاضرة- احتقاراً لشأنها، خضع النصارى لحكم الإسلام، وصاروا يشعرون بالولاء، ويشعرون المسلمين بالطاعة واللين، إلى أن تمكنوا من رقاب المسلمين فانقضوا على الأمة الإسلامية، فسقطت الأندلس وقامت دولتا أسبانيا والبرتغال.
وهكذا هي دائماً مواقف الكافرين أياً كانوا يهوداً أو نصارى، فلا تغتروا بالابتسامة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٨].
إذاً: المسألة هي مسألة إرضاء بالأفواه، أما الأصل فإن اليهود والنصارى كلهم أعداء للإسلام، ويكفينا دليلاً هذا الدليل الواضح: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، فهذا حكم الله، والله تعالى هو الذي خلق القلوب، وخلق البشر، وخلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو الذي يقول لنا: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
إذاً: ليس هناك عداء بين اليهود والنصارى، فلا تغتروا أيها المسلمون! حينما ترون النصارى يتقربون إلى الإسلام، وأعمالهم لا تخفى عليكم الآن، فهم الذين يسومون المسلمين سوء العذاب في كل بلاد المسلمين، هم الذين يسعون الآن من أجل أن ينحرف أبناء المسلمين، كما قال : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، وأعمالهم لا تحتاج إلى كثير من التفصيل فهي معروفة.
إذاً: على المسلمين أن يراجعوا تاريخ هذه الأمة من النصارى؛ حتى لا يغتروا بهم ولا يتخذوهم بطانة، فقد امتلأت بلاد المسلمين بالنصارى، لكن الظروف السياسية لا تسمح لليهود، أما بالنسبة للنصارى فقد امتلأت بلاد المسلمين بالنصارى؛ بل وامتلأت بيوت المسلمين بالنصارى، فمن يصدق أن الأسر الإسلامية أصبحت الآن تأتي بخادمات من بلاد النصارى والوثنيين، كبلاد الفلبين التي هي أحقد بلاد تذبح المسلمين هناك كالغنم، فيؤتى من هناك مربيات ومربون من أبناء النصارى يربون أبناء المسلمين على غير الفطرة! فعلى المسلمين أن يراجعوا تاريخ هذه الأمة، فالله تعالى هنا يقول: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
стр. 1107
حكم تولي اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار
ثم يأتي وعيد أشد: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، فهذه ردة عن الإسلام، وهذا دليل على أن تولي اليهود والنصارى، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، والثقة بهم وتوليتهم مقاليد الأمور إنما هو ردة عن الإسلام بنص القرآن: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ)، والضمير في: (مِنْكُمْ) يعود إلى المسلمين، وقوله: (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يعود إلى اليهود والنصارى، أي: إذا توليت اليهود والنصارى واعتمدت عليهم واتخذتهم بطانة من دون المؤمنين فأنت منهم، فأنت يهودي أو نصراني، فهذا نص القرآن لا يحتمل التأويل، فعلى المسلم أن يراجع حياته مع هؤلاء القوم؛ فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، ما هو السبب؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
فالذي ظلم نفسه هو الذي ربط نفسه بعجلة اليهود والنصارى، واتخذهم بطانة، وجاء بهم إلى بلاد المسلمين، وكثر سوادهم في بلاد المسلمين، وولاهم مقاليد الأمور، وهذا خطر شديد جداً، فعلى الأمة الإسلامية أن تعود إلى ربها حتى لا تقع في الردة، فالله تعالى يقول: (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، وأكد ذلك بقوله: (فَإِنَّهُ)؛ لأن كلمة (إن) لفظ من ألفاظ التأكيد، حتى لا يظن أحد أن الأمر ملتبس، بل هو مؤكد بـ (إن)، وقوله: (فَإِنَّهُ)، أي: الذي يتولى هؤلاء، (مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
стр. 1108
ولاء المنافقين لليهود والنصارى
لما نزلت هذه الآية كان المنافقون في المدينة -مدينة الرسول ﷺ يعايشون المسلمين، ويندسون في صفوف المسلمين، واليهود كانوا موجودين في المدينة، واليهود يعتبرون أنفسهم أكثر أهل المدينة في ذلك العصر، وفيهم ثلاث قبائل: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، وهي من أكبر قبائل اليهود في المدينة، لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لعنه الله -كما يقول ذلك أيضاً المنافقون في أيامنا الحاضرة- قال: نحن لا نثق بمحمد، فمحمد ليس ركناً نعتمد عليه، نريد أن نعقد حلفاً مع بني قريظة وبني النضير، نخشى أن تصيبنا دائرة! ومعنى هذا الكلام: أنه يقول: نحن في المدينة مهددون بعدما جاء محمد ﷺ إلى المدينة، فيقول: نريد أن نعقد حلفاً مع اليهود، ونريد أن نربط أنفسنا باليهود، ولو كان الله يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة:٥١]، فهو يقول: لا، سنتخذ اليهود أولياء؛ لأننا نخشى أن تصيبنا دائرة، فيهجم علينا أحد من أعدائنا من الخارج، فنستعين بهؤلاء اليهود، ولما قال هذه المقالة الخبيثة التي يقولها اليوم كثير من الناس، الذين لا يثقون بالله ، ولا يثقون بقوة الله ولا بنصر الله، ويقولون: نريد أن نعقد حلفاً مع أولئك القوم؛ لأننا نخشى أن يهجم علينا أحد من جيراننا أو من الأباعد، فنعقد مع هؤلاء حلفاً أو صلحاً أو هدنة أو تعاوناً أو ما أشبه ذلك؛ لأننا نخشى أن تصيبنا دائرة.
والله تعالى أنزل قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة في ابن أبي، ومن سار على شاكلته من الذين يشعرون بالضعف، ولا يعتمدون على الله في أمورهم، ثم على أنفسهم بعد ذلك، يقول الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة:٥٢]، أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢]، أي: يسارعون في اليهود، وربما في اليهود أو في النصارى، فهذا ابن أبي يقول: أنا أعقد حلفاً مع اليهود؛ أخشى أن تصيبني دائرة.
قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة:٥٢]، أي: نفاق، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢]، وانتبه يا أخي! إلى قوله: (فِيهِم)، ولم يقل: (إليهم)، والفرق بين (إليهم) و (فيهم) بعيد جداً، فـ (إليهم) تعني: يذهبون إليهم ويعقدون معهم صلحاً، لكن (فيهم) أي: يدخلون في وسطهم، فكأن هؤلاء ما اكتفوا بأن يعقدوا معهم حلفاً، وإنما اعتبروا أنفسهم جزءاً منهم، ولذلك ارتدوا عن الإسلام؛ لأنهم دخلوا في وسط اليهود، وأصبحوا -أي: المنافقون- يهوداً مثلهم؛ لأنهم يخشون أن تصيبهم دائرة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢]، ولم يقل: إليهم، لماذا؟ لأنهم: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢]، أي: نخاف أن يهجم علينا أحد أو أن تصيبنا مصيبة ونحن ما استعددنا للقتال، وما عندنا إمكانات ولا عندنا أسلحة ولا تدريب، فنريد أن نعقد الحلف مع اليهود؛ حتى لو هجم علينا أحد من خارج المدينة نستطيع أن ندافعه بهؤلاء اليهود باعتبارهم داخل المدينة، فقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢]، عسى من الله واجبة.
وعسى في اللغة العربية تأتي بمعنى الترجي، لكنها من الله ليست بهذا المعنى، وإنما (عسى) بمعنى: حري وقريب أن يأتي فتح من الله ، والمراد بالفتح: عز الإسلام وظهور الأمة الإسلامية، واستعداد الأمة الإسلامية لعدوها في أنفسها واعتمادها على أنفسها بعد الله ، وهذا يعني قرب ظهور الإسلام في الأرض، وبذلك يفشل عبد الله بن أبي لعنه الله ومن على شاكلته من المنافقين، ويتحطم اليهود أمام قوى المسلمين، وهذا هو الذي حدث بعد مدة وجيزة، فلم تمض سنوات قصيرة إلا وقد تحطمت كل فئات الكفر الثلاث المسيطرة على المدينة، فكلها تحطمت تحت أقدام المسلمين، حتى كان آخرهم بني قريظة الذين حكَّم الرسول ﷺ فيهم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بأن يقتل كل رجل بالغ، وتسبى النساء والذرية، وتصير أرضهم ملكاً للمسلمين.
إذاً: هذا تحقيق لخبر الله ؛ لأن (عسى) وإن كان أصلها في اللغة العربية للترجي، لكنها إذا جاءت من عند الله فمعناها التحقق والتأكد، أي: حري ومؤكد أنه سوف يأتي يوم يندم فيه كل إنسان يربط نفسه بعجلة الكافرين ويخشى أن تصيبه دائرة، وذلك حينما يأتي نصر من عند الله ، وإذا جاء نصر من عند الله يصبح هؤلاء القوم على ما أسروا من النفاق حينما ربطوا أنفسهم بالكافرين: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
وظهر الإسلام والحمد لله، وأصبح اليهود عبيداً يباعون ويشترون ويشغلون قسراً في بلاد المسلمين، وصارت أراضيهم ملكاً للمسلمين في المدينة وخيبر، وتحقق هذا الوعد، ويتحقق هذا الوعد دائماً وأبداً، ويعود الكافرون أذلة أمام المسلمين حينما يصدق المسلمون مع الله ، أما حينما يشعر المسلمون بالذلة والمهانة وهم في بلادهم وفي أرضهم، ويستخدمون عدوهم ليدافع عنهم وهم عاجزون، فهذا هو العار الذي يصيب الأمة الإسلامية في أيام تخلفها.
أما الله فقد حكم بأنه سوف يظهر هذا الإسلام بالرغم من الذلة التي يشعر بها المسلمون في يوم من الأيام، فسوف يظهر هذا الإسلام، ويندم الذين كانوا بالأمس يعتمدون على غير المسلمين من دون الله .
وقوله: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)، أي: ظهور الإسلام، (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)، أي: أمر لا يعلمه الناس، فقد تكون العلامات والأدلة تدل على أن المسلمين متخلفون، سواء كان في الصناعة أو في الإنتاج أو في التكتيك العسكري أو في التجنيد أو ما أشبه ذلك، لكن الله له جنود السماوات والأرض، فعليهم أن يتجهوا إلى الله ، وأن يرتبطوا بالله ، وحينئذ يأتي أمر من عنده لا يعلمه الناس، وبعد ذلك إذا جاء أمر الله تتغير وجهة نظر أولئك الذين كانوا يريدون أن يربطوا أنفسهم بعجلة الكافرين ويقولون: (نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ)، وحينئذٍ (فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ).
стр. 1109
التحذير من حسن الظن بالكافرين
هكذا يعلمنا الله كيف نحسن الظن به ، أما أن نسيء الظن بالله ، وأما أن نحسن الظن بأعدائنا ونعتمد على أعدائنا فهذا لا يجوز، وقد أصبحت بلاد المسلمين الآن مرتعاً لكل كافر وطاغوت من طواغيت البشر ومن شذاذ العالم، وأصبحت بلاد المسلمين يرفع هؤلاء الكفار رءوسهم بها، ولربما يخفض كثير من المسلمين رءوسهم في بلاد المسلمين؛ بل لربما يخفض العلماء والدعاة والمصلحون رءوسهم في بلاد المسلمين، في وقت نجد أن شذاذ العالم والكفرة والمارقين من كل بلاد العالم يجوبون خلال الديار قد رفعوا رءوسهم في بلاد المسلمين! وهذه هي المصيبة، وهذه هي البلية، وهذه كلها ترجع إلى سوء الظن بالله وحسن الظن بالكافرين، فحسن الظن بالكافرين جعلهم يعتمدون على غير الله وعلى غير المؤمنين، ويتخذون بطانة من دون المؤمنين، وسوء الظن بالله جعلهم لا يعتمدون على شيء من أمر الله ، فتنكب المسلمون كثيراً عن دين الله ، وربطوا أنفسهم في عجلة الكافرين، وهؤلاء الكافرون بالرغم من أنهم ربما يمدون يد العون للأمة الإسلامية لمصالح مؤقتة، لكنهم يحملون الحقد الدفين على هذه الأمة، وهذا هو الشيء الذي يجب أن نؤمن به، ويجب أن نأخذه من كتاب الله مباشرة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
стр. 1110
ولاء العلمانيين والقوميين ونحوهم للكافرين
وبعد ذلك ربما تنضم جبهات تزعم أنها على الإسلام إلى الكافرين؛ لتقول للكافرين: اضربوا الإسلام ونحن معكم! فسيأتي اليوم الذي تكون فيه القوة للأمة الإسلامية، وحينئذٍ يوجد المنافقون، لكن قد توجد فئات أخرى تشبه المنافقين من القوميين والعلمانيين والملاحدة والمتربصين والانتهازيين، إلى غير ذلك من الألقاب الجديدة، وهؤلاء هم لا يبالون بالأمة الإسلامية، ولا ينافقون، لكنهم يندسون في المجتمع الإسلامي ويقولون للكفار: افعلوا ما شئتم في الأمة الإسلامية فنحن معكم، وربما يربيهم الكفار في بلادهم، ثم يدسونهم في المجتمعات الإسلامية؛ ليخربوا صف الأمة الإسلامية، ولينتهزوا الفرص التي يجب أن تتحد فيها الأمة الإسلامية، فيتحرك أولئك كالجرذان كما رأينا في العام الماضي؛ فحينما انشغلت الدولة في حرب ألد أعدائها، وحينما كشر العدو عن أنيابه في عدة مناطق من بلاد المسلمين ضد هذه الدولة؛ نجد أن هؤلاء الفجرة تحركوا ليربكوا نظام الدولة، ومن أجل أن يستغلوا هذه الفرصة، ومن أجل أن يشوهوا سمعة المسلمين والدعاة إلى الله ، فهؤلاء لا يخفون على الله ، ولا يخفون أيضاً على المؤمنين.
ولذلك الله تعالى يكشفهم هنا فيقول: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهم على ثقة من إيمانهم ودينهم بالله ، أي: المؤمنون يقولون للكفار: ﴿أَهَؤُلاءِ﴾ [المائدة:٥٣]، أي: يشيرون إلى المنافقين أو المندسين في صفوف المسلمين، الذين استعملهم الكفار لضرب الأمة الإسلامية من أبناء الجلدة، وقد يكونون من أبناء الجلدة، وغالباً يكون المنافقون هم من أبناء الجلدة؛ لأنهم يندسون في المجتمع من أجل أن يفسدوا الصف، وهم الذين أخبر عنهم الرسول ﷺ : بأنهم سوف يأتون في آخر الزمان وهم قوم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا -أي: باللغة العربية الفصحى- دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فهؤلاء الدعاة يبرزون في نقط وفي مواقع سوداء من تاريخ الأمة الإسلامية، وكلما شعروا بضعف الأمة الإسلامية أو بضعف الدعاة، أو كلما توقفت الدعوة نشطوا هم من الجانب الآخر، كما شاهدتموهم في العام الماضي، فهؤلاء المؤمنون يستهينون بهم، اسمعوا ماذا يقولون عنهم: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا)، أي: للكافرين، (أَهَؤُلاءِ)، وهذا من باب التحقير: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة:٥٣]، أي: تعتمدون أيها الكفار! على هؤلاء الذين حلفوا يميناً مغلظة بأنهم سوف يتعاونون معكم ضد الإسلام وضد الأمة الإسلامية، وهؤلاء لا خير فيهم، ولا قيمة لهم، ولا نقيم لهم وزناً ولو كانوا من أبناء المسلمين، ولو كانوا يتسلمون مناصب مهمة في بلاد المسلمين، فهؤلاء لا وزن لهم ولا قيمة، وسوف يكونون هم الضحية الأولى -إن شاء الله- حينما يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده.
وقوله: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ)، أي: كانوا يتظاهرون بالخير، (جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ)، أي: يغلظون الأيمان المتكررة، (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ)، أي: ضدنا نحن المؤمنين، (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، أي: لا خير فيهم، وسقطت أعمالهم وبطلت.
واختلف المفسرون في قوله تعالى: (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، أهي من كلام المؤمنين أم من كلام الله ؟ فيُحتمل أنها من كلام المؤمنين يتهمون ويقولون للكفار: إن من تعاون معكم من أبناء جلدتنا من المنافقين المندسين في الصفوف الإسلامية هؤلاء لا قيمة لهم ولا وزن، ثم أيضاً هم مرتدون عن الإسلام؛ لأن معنى (حَبِطَتْ) أي: بطلت بسبب أنهم ارتدوا عن الإسلام.
وقوله سبحانه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥٣]، لأنهم خسروا الدنيا وخسروا الآخرة، خسروا قومهم فانضموا إلى معسكر العدو، وخسروا الآخرة لأنهم ارتدوا عن دين الإسلام، فأصبحوا حطباً لجهنم، والعياذ بالله! هذا هو موقفنا مع الانتهازيين ومع العلمانيين ومع المتمسلمين، الذين يندسون في صفوف المسلمين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين؛ موقفنا معهم واضح كموقفنا مع اليهود والنصارى وجميع فئات الكفر، فموقفنا مع اليهود والنصارى أننا نقول: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، ولا نتولاهم ونركن إليهم، ولا نعتمد عليهم في أمر من الأمور، وموقفنا مع هؤلاء المحسوبين على الإسلام والذين يندسون في صفوف المسلمين من المخربين، موقفنا معهم الاستهزاء والسخرية، وأنهم لا خير فيهم، والدليل أنهم لا خير فيهم: أنهم يخربون على أنفسهم وعلى أبناء جلدتهم، ثم أيضاً هم مرتدون عن الإسلام بانضمامهم إلى الكافرين.
стр. 1111
وعد الله تعالى بنصر الإسلام وتمكين أهله
بعد ذلك يقول الله تعالى للعالم الإسلامي كله: لا تخافوا على الإسلام، فالإسلام دين الله ظاهر، وحتى لو قدر أنه وجد من أبناء المسلمين من المنافقين وأشباههم الذين يزعمون الإسلام، وهم أبعد عن الإسلام مما بين المشرق والمغرب، لو وجد هؤلاء فلا تخافوا منهم؛ لأن لله جنود السموات والأرض، فلو ارتد من ارتد من المسلمين عن الإسلام فأصبحوا حرباً ضد الإسلام؛ فإن لله خلقاً لا تعلمونهم أنتم، وهؤلاء الخلق سوف يأتون في الفترة التي توجد فيها الردة عن الإسلام.
والله إن هذه الآية كأنها تخاطب أهل هذا الزمان الذي نحن نعيش فيه؛ فإننا نرى في هذا الزمان قوماً ارتدوا عن الإسلام، وما ارتدوا عن الإسلام فأصبحوا يهوداً أو نصارى فقط؛ لكنهم أصبحوا شوكة تؤذي الأمة الإسلامية، وأصبحوا حجر عثرة في تاريخ الأمة الإسلامية، ووالله يا إخوان! إن الإسلام يُحارب في أيامنا الحاضرة بهم أكثر من أن يحارب باليهود والنصارى، ولا أكتمكم سراً حينما نقرأ عن رجل يقال له: محمد يقول: إن محمد الهاشمي وسورة (تبت) هي سبب تأخر المسلمين! فهذا رجل اسمه محمد، وفي نفس الوقت نقرأ في تاريخ اليهود الذين هم أحقد الناس على الإسلام أن رجلاً يُدعى برنارد يهودي يقول: لو بُعث محمد اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة! قارن يا أخي! بين محمد وبين برنارد، محمد رجل مسلم من أهل المدينة، وبرنارد رجل يهودي من الحاقدين على الإسلام، وبرنارد يقول: لو بعث محمد اليوم لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجاناً من القهوة.
يعني: يستطيع أن يحل مشاكل العالم كلها وهو يشرب فنجاناً من القهوة.
إذاً: لو ارتد من ارتد من المسلمين عن دين الله فلا تخافوا على هذا الدين؛ فإن هذا الدين تكفل الله بحفظه، وتكفل برعايته حتى يسلمه كل جيل إلى الجيل الذي بعده؛ لأنه آخر دين في هذه الحياة؛ ولأن رسالته آخر رسالة؛ ولأن كتابه أشرف وآخر كتاب، فسيبقى هذا الدين، ولو ارتد كل العالم الإسلامي عن الإسلام؛ فإن لله قوماً سوف يوجدون في هذه الفترة التي تُوجد فيها الردة.
وتعال معي يا أخي! إلى العالم الإسلامي في السنوات الأخيرة، قبل سنوات كانت التخمينات الضائعة الضالة تقول حتى للمسلم: فلان وفلان وفلان سوف يهلكون عن الوجود وينتهي الإسلام عن هذه الأرض، والله لقد كنا نسمع هذا الكلام يا إخوان! حتى المفسدون في الأرض كانوا إذا جاءوا بأفلام قيل لهم: متى هذه الأفلام؟ قالوا: ما جاء موعدها حتى الآن؛ انتظروا موعدها قريباً سيأتي؛ ومعنى ذلك: أنه سينحرف العالم الإسلامي، وتنحرف البلاد التي تطبق الإسلام! وهذه الأفلام ستطبق حتى هنا، وكان هنا أقوام يأتون بأفلام ما وصلنا إليها حتى الآن، ولا وصلت إلينا والحمد لله، فإذا قيل لهم: متى تنشر هذه الأفلام؟ يقولون: ما جاء وقتها، بقي عليها وقت قصير، ويتصورون أن الإسلام انتهى من هذه الحياة وبقي فلان وفلان في هذا العالم الإسلامي ينتهون وبعد ذلك تعود هذه الأرض كفراً بواحاً.
لكن ما الذي حدث يا إخوان؟! في العشر السنوات الأخيرة التي كانت تقال هذه المقالات، وكانت تؤلمنا حينما نسمعها، ولولا ثقتنا بالله وبدين الله لكنا نصدق بهذه الأخبار فنخاف على الأمة الإسلامية، لكن اليقين بالله يطمئننا على هذا الدين فنقول: إن الله يقول: ﴿َلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٧]، ويقول: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون:٧]، ويقول: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، ويقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
هذه الآيات تتردد أمام مخيلتنا دائماً وأبداً، فنثق بوعد الله ، فإذا بنا -والحمد لله- نعيش اليوم صحوة إسلامية جعلت السقف يخر عليهم من فوقهم، ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، أعني المتربصين بالإسلام الذين ينتظرون نهاية الإسلام في سنوات قريبة، فإن عاقبتهم كما قال الله : ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦]، فنشأت ناشئة -والحمد لله- إسلامية وشباب إسلامي متدين متمسك بدينه، نشئوا على إسلام ليس متطرفاً كما يقولون عنه، وليس أصولياً، اللهم إلا إذا كانت الأصولية في معناها الصحيح وهو: أنه يرجع إلى الأصل في دينه، وليس متزمتاً، وليس منحرفاً، وليس متشدداً، ولكنه شباب يعيش إسلام الفطرة، لكن لما بعد الناس مدة طويلة من الزمن عن الفطرة الصحيحة ظنوا أن هذا الشباب متهور، وأنه متطرف، وما هو بمتهور ولا متطرف، فإذا به يأتي هذا الشباب، وأرجو أن يكون هذا هو وعد الله في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
إذاً: من هنا نطمئن على دين الله ، لا نخاف على الإسلام؛ فالإسلام يقول الله عنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولا نخاف على الأمة الإسلامية إذا تمسكت بدينها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
إذاً: هذا الوعد يطمئننا على هذه الأمة الإسلامية، أما الإسلام فنحن مطمئنون عليه اطمئناناً كاملاً.
стр. 1112
إذا ترك المسلمون دينهم فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
ما هو الطريق لو انحرف العالم الإسلامي كله عن دينه؟ الطريق: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وهذا هو الواقع، فلما تنكرت الأمة كثيراً للإسلام في أيامنا الحاضرة، وظن طائفة من الناس من ضعاف الإيمان أن الإسلام قد استنفذ أغراضه، وأنه سوف يخلي هذه الحياة؛ ليكون البديل هي الملل المنحرفة الكافرة، وخرج دعاة الباطل من الخارج ومن الداخل، وتضافرت الجهود، وانتشر الطغيان والفساد في الأرض، ولكن في هذه الفترة وجد هؤلاء القوم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].
ولذلك يبين الله أن الخير لا يأتي إلا إذا استحكمت حلقات اليأس والمصائب، فالخير لا يأتي إلى الناس إلا حينما يكاد الخير أن يودع الأرض، ويكاد الشر أن يسيطر على كل الحياة، كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، ومن هنا يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [المائدة:٥٤]، أي: من يخرج عن دين الإسلام ويظن أن الإسلام سيضيع إذا خرج عنه، ولكن لو خرج كل الناس عن الإسلام ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤].
стр. 1113
صفات القوم الذين يحبهم الله ويحبونه
لقد ذكر الله لهؤلاء القوم ست صفات، لابد لأي واحد منا يريد أن يكون جندياً من جنود الله أن يسجل نفسه في هذه القائمة، وأن يتسم بالصفات الست التي ذكرها الله هنا، وهذه الصفات هي: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، ست صفات لابد أن يتصف بها هؤلاء القوم الذين هم بديل عن القوم الذين تنكروا لدين الإسلام، وهؤلاء هم الذين سوف يمثلون الصحوة الإسلامية الصحيحة، وهؤلاء هم الذين سوف يقضي الله بهم على هؤلاء المفسدين في الأرض.
الصفة الأولى: (يُحِبُّهُمْ)، ومحبة الله تتطلب الطاعة المطلقة التي لا ترتبط بقيد ولا شرط أبداً لله ولرسوله.
الصفة الثانية: (وَيُحِبُّونَهُ)، ومن محبتهم لله أنهم آثروا دين الله على أي ملة، وعلى أي منهج، ولربما تقدم لهم إغراءات في هذا السبيل يسيل لها لعاب كثير من الناس، لكنهم يرفضونها، ويقول قائلهم بلسان الحال وبلسان المقال في جانب الله : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب فهم يتمثلون بهذا الأمر، وحينئذ يحبهم الله ، ويحبونه ، ومن محبتهم له أنهم يتفانون في سبيل الدفاع عن دين الله ، وهب أن أحدهم لقي الله في سبيل هذا الدين إنما لقي الله بأجله لا بأجل إنسان آخر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
الصفة الثالثة: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، والذلة معناها: الخضوع، فهو يخضع للمؤمنين ويرق ويلين، فإذا أراد أن يتعامل مع مسلم مع مؤمن مع تقي تجده أرق من القطن؛ فحينما يريد أن يتعامل مع هؤلاء المسلمين يخضع لهم، ويحبهم، ويقدم لهم الطاعة في طاعة الله ، لكن حينما يريد أن يتعامل مع الكافرين يكون عزيزاً.
الصفة الرابعة: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، أي: أقوياء، والعزة معناها: القوة، فهو يتعامل مع المسلمين بلين وسهولة، ويتعامل مع أعدائه بخشونة وقوة، وليس معنى ذلك أنه يظلم الكافرين، فإن الله حرم علينا أن نظلم كافراً إذا كان مستأمناً في بلاد المسلمين، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، وأنتم تعرفون كيف يتعامل الإسلام مع الكافر إذا كان يريد أن يعيش في بلاد المسلمين مستأمناً معاهداً، لا يتدخل في أمور المسلمين، وأصبح المسلمون مضطرين إلى بقائه في بلاد المسلمين، لاسيما إذا جاء ليدرس الإسلام ليدخل في الإسلام، فإنه يجب على الأمة الإسلامية أن تحافظ عليه، ولا يُؤذى، لكنه لا يرفع رأسه في بلاد المسلمين، فلو رفع رأسه في بلاد المسلمين يجب أن يقمع حتى لا يتولى منصباً حساساً، كما هو الآن في كثير من بلاد المسلمين أو في جل بلاد المسلمين؛ حيث يتولون مناصب حساسة، فوالله لقد رأيناهم يا إخواني! يسومون المسلمين سوء العذاب حينما يتولى أحد منهم منصباً من المناصب، لاسيما نصارى العرب الذين تمكن طائفة منهم من بعض المناصب، فأصبحوا في بلاد المسلمين يذلون الأمة الإسلامية، ويتحكمون في مصير وأرزاق المسلمين.
لكن الحقيقة أنه يجب أن تكون هذه العزة ليست على حساب الكافر الذي لا يحارب الإسلام؛ بل يجب أن تكون هذه العزة قوة في المسلم حينما يريد هذا الكافر أن يتمرد في بلاد المسلمين، أو أن يعلو في بلاد المسلمين، أو أن يرفع رأسه، فالله تعالى يقول: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، أي: أقوياء على الكافرين.
الصفة الخامسة: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، أي: يبذلون الجهد من أجل إعزاز دين الله، إذا تطلب الموقف أن يحمل السلاح في وجوه الكافرين حينما تكون الحرب بين المسلمين وبين الكافرين فإنه أسرع الناس إلى حمل السلاح، وإذا تطلب الموقف الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فهو أسبق الناس إلى الدعوة إلى الله ، وإذا تطلب الموقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه هو الجندي من جنود الله يستميت في سبيل الدفاع عن محارم الله وعن محارم المسلمين.
الصفة السادسة: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)؛ لأن المشكلة التي تعترض كثيراً من الدعاة أو كثيراً من المصلحين أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر هي خوف لومة لائم، فبعض الناس يظن أن رزقه بيد البشر، وينسى أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وبعض الناس يظن أن حياته بيد البشر، وينسى أن الله تعالى يقول: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، ويقول: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وبعض الناس يظن أن مصيره بأيدي البشر فيخاف، أما المؤمن الحق فإنه لا يخاف لومة لائم.
وكلمة (لومة) كافية في المعنى، فما فائدة (لائم) في قوله: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)؟ أي: كائناً من كان هذا اللائم، ومهما كان مستواه، ومهما كان مركزه في هذه الحياة، فهم لا يخافون منه؛ لأنهم يعرفون أن كل شيء بيد الله ، كما قال ﷺ : (وأن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
إذاً: يجب عن المسلم ألا يخاف لومة لائم حينما تنتهك محارم الله ، فيغضب لله غضبة لا يمكن أن تقف هذه الغضبة حتى تعود الأمور إلى طبيعتها، والمياه إلى مجاريها، أما أن يساوم في دين الله فهذا هو الأمر الخطير في حياة البشر، ولذلك أخبر الله تعالى بأن هناك مؤمنين لكنهم مؤمنون يرجعون من منتصف الطريق فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾، أي: أذى الناس، ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠]، يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠].
إذاً: هؤلاء الذين يرجعون من منتصف الطريق لا يصلحون لمثل هذه الحياة التي يرتد فيها أقوام عن الإسلام، ويتقدم أقوام يدافعون عن دين الله وعن الأمة الإسلامية، يقول الله فيهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، أما إذا كانوا يخافون لومة لائم فإنهم لا يدركون محبة الله ؛ لأن هذا يعني عدم الثقة بوعد الله ، وعدم الاعتماد على وعده .
إذاً: المسلم لا يخاف في الله لومة لائم، فلو تنكرت كل الدنيا في وجهه وهو يعرف أنه على طريق مستقيم فلا يبالي ولا يتوقف، وهذا بخلاف ذلك الذي يعبد الله -نعوذ بالله- على حرف وعلى طرف بين الإيمان والكفر: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
إذاً: هذه الصفات الست هي: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، ويمكن أن نضيف إلى هذه الصفات الست صفة سابعة وهي: الاجتماع على كلمة الحق لقوله: (بقوم)، فالله تعالى لم يقل: أفراد؛ لأن العمل الفردي في سبيل الدفاع عن هذا الدين ربما يصعب على المسلم، لكن العمل الجماعي من أجل رفعة هذا الدين، ومن أجل حماية هذا الدين من المفسدين في الأرض لابد منه، ولابد أن يتولى ذلك قوم، وهم الذين أشار الله إليهم في سورة آل عمران بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران:١٠٤]، أي: لا أفراد، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:١١٠]، ودائماً الإسلام يخاطب المجموعة، ويريد أن تكون الأمة مجموعة لا متفرقة.
стр. 1114
فضل الله لا يكتسب بالمجد ولا بالنسب
يقول الله : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]، وهذا لا يكتسب بالنسب ولا بالأمجاد ولا بالآباء ولا بالذكاء، إنما هذا فضل من الله ، ولذلك لا تتعجبوا يا إخوان! إذا صدقناكم القول وقلنا: إن أبناء العلماء في أيامنا الحاضرة هم أقل الناس في هذه الساحة دخولاً في قوله سبحانه: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، ووالله يا إخوان! لقد وجد في أيامنا الحاضرة من أبناء الفسقة والمدمنين للخمور وأصحاب السجون من يدافع عن هذا الإسلام أكثر مما وجد في أبناء العلماء وأبناء الصالحين، فالمسألة ليست متوارثة، وليست تكتسب بالآباء والأمجاد وبالأصول، وإنما تكتسب بفضل من الله ، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].
стр. 1115
من هو الذي يجب أن نواليه ؟
إذاً: من هو الولي الذي يجب أن نربط أنفسنا به، وأن نحبه، وأن نعطيه الولاء الكامل بعد الله وبعد رسوله ﵊؟
الجواب
هو المؤمن التقي، كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، فلا بد للمسلم ألا يركن إلا إلى المؤمنين.
ولما حرم الله على الأمة الإسلامية أن تركن إلى الكفار أياً كان هؤلاء الكفار: يهوداً أو نصارى أو وثنيين أو ملاحدة أو لا دينيين أو علمانيين، أو متمردين على الإسلام أو مرتدين؛ بين من هو الذي يجب أن يكون له الولاء بين المسلم والمسلم، فقال الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥].
إذاً: من أراد أن يتولى وأن يتخذ بطانة وأن يتخذ أحباباً وجلساء وإخواناً يحبهم في الله بعد الله ورسوله فهم المؤمنون؛ فالولاية يجب أن تكون لله ولرسوله وللمؤمنين، أما الكفار فإنهم يفسدون على الإنسان دينه.
وهل سمعتم بقصة القوم الذين دخلوا في الإسلام وهم كثيرون، ثم إذا بهم يُحاربون من قبل جلسائهم، كـ عقبة بن أبي معيط الذي بصق في وجه رسول الله ﷺ عياذاً بالله! فإنه حينما دعاه الرسول ﷺ للإسلام وحضر مائدته عيره قومه وقالوا: يا عقبة! والله لا نكلمك أبداً حتى تطأ على عنق محمد، وتبصق في وجهه، وتعلن ردتك عن الإسلام، ففعل ذلك البعيد ما طلبوا منه، فأنزل الله فيه قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]، ثم قال الله : ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، فهذا بسبب المجالسة.
وأبو طالب في آخر ساعة من حياته لو قال: لا إله إلا الله لأصبح من أهل الجنة، وهو عم رسول الله ﷺ وشقيق أبيه، يقول عنه الرسول ﷺ : (إنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه)؛ لأن الرسول ﷺ جاءه في ساعة احتضاره وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فالتفت إلى جلسائه يميناً وشمالاً فقالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! قال: هو على ملة عبد المطلب - نعوذ بالله -، فخرجت روحه وهو يقول: على ملة عبد المطلب)، فحرم الله على الرسول ﷺ أن يستغفر له فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣].
стр. 1116
صلة الدين مقدمة على صلة القرابة والنسب
فالمسألة ليست مسألة قرابة، صحيح أن القرابة محترمة، وأن الرحم أمر الله بصلتها، وأمر ببر الوالدين والإحسان إلى الأقارب والعشيرة، لكن ذلك حينما يكون الدين واحداً، أما حينما يتفرق الناس في دينهم فإن الله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]، وهذا وعيد شديد على من ربط نفسه بغير المؤمنين.
وهذا نوح ﵇ يسأل الله نجاة ابنه لما رفض أن يركب السفينة، وأن يدخل في دين نوح ﵊ فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥]، فقال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦].
وإبراهيم لما كان يستغفر لأبيه منعه الله تعالى من ذلك وبين عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وقال لنا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
إذاً: هذا هو الذي يربطنا بالناس أو يحل الرباط بيننا وبين الناس، ولذلك لا تعجبوا يا إخوتي! فالرسول ﷺ كانت بطانته بلال بن رباح وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وغيرهم ﵃، وكانوا قد جاءوا من بلدان بعيدة عن بلاد العرب، لكن أين أبو جهل وأبو لهب أقاربه؟! قال الله : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١].
فالمسألة ليست مسألة قرابة، وإنما هي مسألة إيمان؛ فهو الذي يربطنا بالصالحين، أو يفرق بيننا وبين الفاسقين أياً كانت درجتهم في القرابة، ولذلك يقول الله تعالى: (إِنَّمَا)، و (إنما) للحصر، أي: ليس هناك ولاية إلا من هذا الطريق، ومن أراد أن يضع ولاية بينه وبين إنسان أياً كان هذا الإنسان حتى لو كان أقرب الناس منه فعليه أن يراجع هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥] فقط.
стр. 1117
حرمة موالاة الكافرين بأي نوع من أنواع الولاية
أما الكفار فلا تجوز أن تكون بيننا وبينهم ولاية أو محبة أو عشرة أو أخوة، أو أي علاقة من العلاقات التي تربط بين البشر فيما بينهم، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، حتى لو كان ركوناً بسيطاً؛ بل حتى لو كان ميلاً، فإن الله قال لرسوله ﷺ في شأن الكافرين: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، ففي هذه الآية: أولاً: أن هذا رسول الله.
ثانياً: كون الركون شيئاً قليلاً.
ثالثاً: أن الرسول ﷺ ما فكر في الركون إليهم من أجل أن يدافع عن الإسلام فقط، وإنما يريد أن يكسبهم إلى الإسلام، ومع ذلك قال الله تعالى له: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، يعني: لو فعلت ذلك يا محمد! وركنت إليهم ولو شيئاً قليلاً، ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، يعني: عاقبناك في الدنيا عقوبة مضاعفة، وعاقبناك في الآخرة عقوبة مضاعفة.
إذاً: المسألة مسألة عقيدة، فالصلة بالكفار وبالمؤمنين مسألة عقيدة، وليست مسألة فرعية، وإنما هي عقيدة تخرج الإنسان من دائرة الدين أو تدخله في دائرة الدين، وهنا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥]، ليس فقط الذين آمنوا باللسان، بل حتى المؤمن الذي لا تربطنا به علاقة إلا إذا طبق هذا الدين تطبيقاً حقيقياً.
стр. 1118
صفات المؤمنين الذين تجب ولايتهم
يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]، فلابد من تطبيق تعاليم الإسلام، وأن يكون ذلك الذي نربط أنفسنا به مطبقاً لهذا الإيمان ومقيماً لتعاليم هذا الدين، فمن صفاته: أنه يقيم الصلاة، فغير المصلي مرتد عن الإسلام، ولا تجوز ولايته بأي حال من الأحوال، وقد لعن الله بني إسرائيل مع بعضهم حينما كان بينهم ولاء على غير هذا المبدأ، وإن كان أحدهم ينهى الآخر عن المنكر، لكن ما كان ليفارقه؛ بل كان هو جليسه وأكيله وشريبه وهو يجده على المنكر، فالله تعالى يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
ثم قال بعد ذلك: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة:٨٠]، فالتولي لعن فيه اليهود لما تولوا كفاراً تمردوا على دين اليهود.
إذاً: نقول: ما رأيك يا أخي! في الأمة الإسلامية لو تمردت أو ربطت أنفسها بمن تمرد على دين الإسلام؟ تكون المصيبة أكبر؛ لأن دين الإسلام له احترام أكثر من الأديان كلها، فالله تعالى يقول: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فهو مهيمن على كل الأديان، ولذلك يقول الله تعالى عن المؤمنين الذين يجب أن تكون الولاية بيننا وبينهم وثيقة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، حتى ولدك يا أخي! إذا وجدته لا يصلي -وهذه ردة عن الإسلام عند جمهور العلماء- فليس من أوليائك؛ بل يجب عليك أن تحاربه، وإذا عجزت عن إصلاح هذا الولد -لاسيما إن كنت فرطت في أيام شبابه وطفولته- فلا يجوز لك أن تواليه بأي حال من الأحوال؛ لأن الله تعالى يقول: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ)، وحتى الصلاة وحدها لا تكفي؛ بل لابد أن تكون صلاة قيمة مستقيمة كاملة، (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، فإن عدم إتيان الزكاة أيضاً خطر، (وَهُمْ رَاكِعُونَ)، أي: وهم خاضعون لله .
إذاً: من لم يخضع لله ولا لدينه فإننا لا نقبله لأن يكون ولياً لنا أياً كان، حتى لو زعم الإسلام، ولو كان من أبناء المسلمين الذين يزعمون أنهم مسلمون، ويحملون الهوية الإسلامية في جيوبهم، فهؤلاء ما دمنا نرى تصرفاتهم تناقض الإسلام فليسوا بأولياء، ولا تجوز موالاتهم في أي حال من الأحوال، وإنما الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
стр. 1119
حزب الله تعالى هم الغالبون
ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، وفي هذا إشارة إلى أول الآيات، فأول الآيات تقول: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ [المائدة:٥٢]، أي: يشعر بعض المسلمين بالضعف في بعض الأحيان، لاسيما إذا أهملوا الأمر ولم يستعدوا لقتال العدو، فيربطون أنفسهم بالكافرين خوفاً من عدو، فالله تعالى هنا يبين في هذه الآية أن الغلبة إنما هي للمؤمنين، ولو كان العدد قليلاً، ولو كان العدو كثيراً، وإن كان الأصل أنه يجب الاستعداد للعدو، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، لكن حينما لا يكون هذا التكافؤ، فيجب على الأمة الإسلامية مهما قل عددها وعدتها، ومهما شعرت بالضعف يجب عليها أن تشعر بالقوة؛ لأنها تستمد القوة من الله ؛ ولأن قلوب الخلائق ونواصي الخلائق في قبضة الله .
إذاً: لا يجوز للمسلم أن يخاف من عدوه أبداً؛ فإن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ)، أي: جماعة الله، (هُمُ الْغَالِبُونَ)، أي: أن الذين يرتبطون بالله مباشرة، ويعتمدون على الله في كل أمورهم هم الغالبون، ولو كانوا قلة في العدد أو في العتاد، فالله تعالى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، ويقول: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن﴾ [الأنفال:٦٥]، فالأمة الإسلامية لا تقاس بعدوها من الناحية العَددية أو العُددية، وإنما تقاس بعدوها من ناحية الإيمان وتطبيق هذا الدين أو عدم تطبيقه، فبمقدار ما تطبق من دين الله يكون نصيبها من النصر، فجند الله هم الغالبون.
стр. 1120
تحريم موالاة المستهزئين بدين الله
ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥٧]، إنه تعبير عجيب! فقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ) أي: منكم أنتم، فالمسألة ليست مسألة يهود ونصارى، وإنما المسألة مسألة خروج عن هذا الدين؛ سواء كان هذا الخارج عن الدين انتسب إلى دين سماوي منسوخ كاليهود والنصارى، أو انتسب إلى ملة منحرفة ككفرة هذا العصر الذين لا ينتسبون إلى مبدأ ولا إلى دين، فهناك ملاحدة لا دينيون، لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يؤمنون بالأديان، ولا بالبعث بعد الموت، ولا بالمرسلين، ويسخرون أيضاً من الدين والعياذ بالله! وهؤلاء أيضاً هم عدو لنا أخطر من عدونا من اليهود والنصارى، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة:٥٧].
فهم يهزءون بالدين والعياذ بالله! ويقول أحدهم ساخراً: انظر إلى لحية فلان! انظر إلى ثوبه القصير! انظر كيف يصلي ويضع يديه على صدره! وهذه كلها يا أخي! من سنة رسول الله ﷺ ، غفل عنها الناس مدة من الزمن، ويأبى الله إلا أن تعود هذه السنة في هذا العصر المظلم، ولذلك نجد هذا الطعن في الدين يكثر في أيامنا الحاضرة، فيصل إلى درجة خطيرة جداً! والله تعالى حكم على الذين يسخرون من الدين بأنهم أئمة الكفر فقال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، ولم يقل: كفرة، وإنما قال: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]؛ لأنهم قادة الكفرة، ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢]، أو (لا إيمان لهم) في قراءتين سبعيتين.
إذاً: القضية قضية كفر، وليست قضية يهود أو نصارى فقط؛ بل ومن ينتسب إلى الإسلام أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ [المائدة:٥٧]، فالذين أوتوا الكتاب من قبل هم كفار أيضاً؛ لأن دينهم منسوخ، وقوله: (وَالْكُفَّارَ) أي: من بعدكم وممن كان فيكم، فهؤلاء هم الكفار حقيقة؛ لأنهم كفروا نعمة الله بعدما رأوا الدين والخير والنور، وصار حالهم كما قال الله : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧]، وما هؤلاء المرتدون عن دين الإسلام المارقون عن الدين إلا هؤلاء الذين يقول الله عنهم -والله أعلم بأسرار كتابه- أنهم هم الكفار بعد ذكره لليهود والنصارى.
قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة:٥٧ - ٥٨]، فاليهود والنصارى والمشركون كانوا يسخرون من الرسول ﷺ إذا نادى للصلاة، يقولون: (قاموا لا قاموا)! وهم يسخرون من المسلمين حين يصلون في المسجد الحرام، فإذا بدءوا يصلون بدءوا يضحكون ويسخرون منهم.
ومن أبناء المسلمين الآن من يفعل ما هو أكبر من ذلك، ومن يسخر من هذا الدين، ويسخر من أبيه وأمه ومنهجه ومجتمعه، لاسيما الشباب الذين انفتحوا فجأة واحدة، والذين انطلقوا في هذا العالم بعدما كانوا مضبوطين في مجتمع خاص.
إذاً: المسألة خطيرة أيها الإخوة! فهؤلاء الذين يسخرون علامتهم أنهم يسخرون من الصلاة.
وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) أي: إذا سمعوا الأذان: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:٥٨]، وليس معناه: أنهم ليس لهم عقول؛ بل لهم عقول، لكن هذه العقول ما استعملت فيما خلقت له، بل استعملت في غير ذلك؛ فبعضهم قد يكون أذكى الناس في العلوم التي يبرز فيها الذكاء، لكن عقله محدود لا يؤمن إلا بالمحسوسات، كما أخبر الله عن هؤلاء بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يحفظنا والأمة الإسلامية -ولا نقول: الإسلام؛ لأن الإسلام محفوظ- من كيد الكائدين، سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو الوثنيين أو العلمانيين أو المندسين في صفوف المسلمين، والله المستعان: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1121
الأسئلة
стр. 1122
حكم موالاة الكفار بحجة أنهم قد يقفون مع المسلمين أحياناً
السؤال
فضيلة الشيخ! ما هو موقفنا من بعض جهلة المسلمين الذين يقولون عندما نناقشهم في مسألة الولاء والبراء: إن الكفار قد ناصرونا ووقفوا معنا، بعكس بعض المسلمين الذين وقفوا ضدنا، فكيف نجيبهم، وجزاكم الله خيراً؟ الجوب: نقول: وهذه من الفتنة؛ فإن الأمة الإسلامية حينما تحتاج إلى عدوها لتنتصر به في وقت نجد أن أقرب الناس قد خذلها تُعتبر من الفتنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ فنقول: هذه من الفتنة، لكن بالرغم من ذلك تأكدوا أن أعداء الإسلام لا يمكن أن يمدوا لنا يد العون حباً ولا ولاءً، وإنما لمصالح أخرى، لكن ذلك لا يجوز أن يكون سبيلاً للمحبة، فالمحبة لا سبيل إليها مع الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، والله تعالى حرم الموادة، لكنه ترك المودة، فالمودة تغلب الإنسان، فهي قهرية بدون إرادة، أما الموادة -وهي: تبادل المحبة- فهذه هي الخطيرة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، فالموادة غير المودة، فالموادة: هي تبادل المحبة وإظهارها، أما المودة: فإنها شيء فطري، وهي خطيرة، اللهم إلا إذا كانت موافقة للفطرة؛ كأن يكون لأبوين كافرين.
стр. 1123
الموقف من وجود الكفار في جزيرة العرب
السؤال
ما موقف العلماء وطلبة العلم والمسلمين عامة من كثرة النصارى والشيوعيين والوثنيين في جزيرة العرب، علماً بأنهم كثير في هذه البلاد لا كثرهم الله، والنبي ﷺ يقول: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)؟ الجوب: الحقيقة أن هذه أيضاً من الفتن الكبرى، والرسول ﷺ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)، وليس المعنى أنهم لا يجتمعون؛ لأنه لو كان المعنى: لا يجتمعون فسيكون خبراً، وقوله: (لا يجتمعْ) إنشاء، أي: أمر الرسول ﷺ ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وعلى هذا نقول: إن هذه من الفتن، والأمة الإسلامية حقيقة ليست بحاجة إلى هؤلاء الكفار، ولنا أمل في الله أن يوفق المسئولين إلى أن يقللوا سواد هؤلاء في بلاد المسلمين، أو أن يقضوا عليهم نهائياً، أما وجودهم فهو فتنة، وهذا هو ما نشكوه إلى الله ، ولا نستطيع أن نقول في ذلك أكثر من ذلك.
стр. 1124
حكم الملابس التي تحمل صوراً لمدن وأشخاص غير مسلمين
السؤال
نجد في الأسواق كثيراً من الملابس قد كتب عليها أسماء مدن غربية، أو تحمل صوراً لأشخاص من الكفار، وهذه الملابس غالباً ما تكون ملابس أطفال أو نساء، فهل في هذه الملابس إذا استخدمها أهل بيوتنا نوع من الولاء للكفرة، مع العلم أن بعض الأطفال قد يلبس هذه الملابس ويسأل عما كتب عليها من كتابات، فإذا أخبرته باسم هذه المدينة أو باسم هذا الشخص فإنه يجد تكبراً في نفسه، أو يكبر في عينه ذلك الشخص، علماً أن كثيراً من ملابس الأطفال لا تخلو من الصور، فماذا تنصحونا وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
البحث يشمل أمرين: الأمر الأول: الصور، وهذا محرم، لاسيما أنها صور رسوم باليد، وهذه لا خلاف بين علماء المسلمين في تحريمها، والرسول ﷺ أمر بهتك الصورة بحيث تقطع إلى قطعتين، فهذا أمر منهي عنه إذا كانت صورة ترسم باليد، وهذا هو الواقع بالنسبة للصور التي توجد في الملابس.
أما الأمر الآخر: فهو ضعف في الشخصية الإسلامية تجاه الكفار، وهذا أمر أخطر من الأول، ولذلك فإن تربية الأطفال وإن ميول النساء إلى اقتناء هذه الصور، أو الاعتزاز بها من صور غير المسلمين أمر خطير، والأمة الإسلامية مطالبة -لا نقول: بأن تضع صور أبطال الإسلام في ملابسها- ولكن بأن تهتك هذه الصور، وأن تقاطعها، ولا تشتريها، وحينما تقاطع فإنها لن تنتشر في أسواق المسلمين، وإنما تنتشر في أسواق المسلمين حينما لا تكون هناك مقاطعة، وهذا دليل أكيد على ضعف شخصية الأمة الإسلامية.
стр. 1125
حكم المداينة مع الكفار
السؤال
أنا موظف في أحدى الدوائر الحكومية، ولدينا الكثير من الجنسيات ومن الديانات الأخرى، وأنا أقوم أحياناً بإقراض هؤلاء الموظفين من المال، وهذه الديانات منها النصارى والمجوس والهندوس، أفتوني جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أما بالنسبة للإحسان فالله تعالى يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، والمراد بالبر: الإحسان إليهم، فحينما يفتقر في بلاد المسلمين رجل كافر فالأمة الإسلامية لا تُنهى أن تحسن إلى هذا الرجل الكافر، كما كان يفعل ذلك عمر ﵁ في خلافته، أما أن يصل الأمر إلى ولاء ومحبة وتبادل هدايا أو أقراض وقضاء حاجات وذوبان مع هؤلاء فذلك لا يجوز، أما إذا كان الأمر فقط مجرد إحسان تستطيع من خلال هذا الإحسان أن تجذبه إلى الإسلام، وأن تحبب له دين الإسلام، فهذا أمر طيب ولا بأس به، أما أن تريد أن تذوب حتى لا تفرق بين مسلم وكافر وثنياً أو يهودياً أو نصرانياً فهذا هو الأمر الخطير.
لكن يجب أن يكون السؤال: لماذا بلاد المسلمين ولماذا الدوائر الحكومية يكون فيها الوثنيون واليهود والنصارى؟! فهناك مليار من المسلمين أكثرهم يموتون جوعاً في بلاد البنغال وغيرها، فلماذا لا تكون العمالة من بلاد المسلمين؟! فمثلاً: التمريض الآن لا نكاد أن نجد فيه خمسة في المائة مسلمات، مع أن هناك في بلاد الفلبين اثني عشر مليوناً من المسلمين، ولكن كم رأينا من المسلمات الممرضات أو من المسلمين الممرضين من يؤتى به إلى هنا؟ فالسؤال يجب أن يقال: لماذا هؤلاء يكثرون في دوائر الحكومة؟! ولماذا هؤلاء يكثرون في العمالة وفي المؤسسات؟! ولماذا لا يستبدل هؤلاء بالمسلمين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]؟! ولماذا نكثر سوادهم ونعطيهم أموال المسلمين، وبأموال المسلمين يُذبح المسلمون في الهند وُيذبح المسلمون في الفلبين وفي مناطق كثيرة؟! فهذا السؤال يجب أن يكون دائماً أمام أي واحد من المسلمين ليجيب عليه، ويجب على العالم الإسلامي أن يرجع إلى هذا الدين الصحيح حتى لا يعتمد على غير المسلمين بعد الله .
следующие страницы →