← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الأسئلة

стр. 1122

حكم موالاة الكفار بحجة أنهم قد يقفون مع المسلمين أحياناً السؤال فضيلة الشيخ! ما هو موقفنا من بعض جهلة المسلمين الذين يقولون عندما نناقشهم في مسألة الولاء والبراء: إن الكفار قد ناصرونا ووقفوا معنا، بعكس بعض المسلمين الذين وقفوا ضدنا، فكيف نجيبهم، وجزاكم الله خيراً؟ الجوب: نقول: وهذه من الفتنة؛ فإن الأمة الإسلامية حينما تحتاج إلى عدوها لتنتصر به في وقت نجد أن أقرب الناس قد خذلها تُعتبر من الفتنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: هل تتحملون هذه الفتنة؟ فنقول: هذه من الفتنة، لكن بالرغم من ذلك تأكدوا أن أعداء الإسلام لا يمكن أن يمدوا لنا يد العون حباً ولا ولاءً، وإنما لمصالح أخرى، لكن ذلك لا يجوز أن يكون سبيلاً للمحبة، فالمحبة لا سبيل إليها مع الكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، والله تعالى حرم الموادة، لكنه ترك المودة، فالمودة تغلب الإنسان، فهي قهرية بدون إرادة، أما الموادة -وهي: تبادل المحبة- فهذه هي الخطيرة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، فالموادة غير المودة، فالموادة: هي تبادل المحبة وإظهارها، أما المودة: فإنها شيء فطري، وهي خطيرة، اللهم إلا إذا كانت موافقة للفطرة؛ كأن يكون لأبوين كافرين.

стр. 1123

الموقف من وجود الكفار في جزيرة العرب السؤال ما موقف العلماء وطلبة العلم والمسلمين عامة من كثرة النصارى والشيوعيين والوثنيين في جزيرة العرب، علماً بأنهم كثير في هذه البلاد لا كثرهم الله، والنبي ﷺ يقول: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)؟ الجوب: الحقيقة أن هذه أيضاً من الفتن الكبرى، والرسول ﷺ قال: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)، وليس المعنى أنهم لا يجتمعون؛ لأنه لو كان المعنى: لا يجتمعون فسيكون خبراً، وقوله: (لا يجتمعْ) إنشاء، أي: أمر الرسول ﷺ ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان، وعلى هذا نقول: إن هذه من الفتن، والأمة الإسلامية حقيقة ليست بحاجة إلى هؤلاء الكفار، ولنا أمل في الله أن يوفق المسئولين إلى أن يقللوا سواد هؤلاء في بلاد المسلمين، أو أن يقضوا عليهم نهائياً، أما وجودهم فهو فتنة، وهذا هو ما نشكوه إلى الله ، ولا نستطيع أن نقول في ذلك أكثر من ذلك.

стр. 1124

حكم الملابس التي تحمل صوراً لمدن وأشخاص غير مسلمين السؤال نجد في الأسواق كثيراً من الملابس قد كتب عليها أسماء مدن غربية، أو تحمل صوراً لأشخاص من الكفار، وهذه الملابس غالباً ما تكون ملابس أطفال أو نساء، فهل في هذه الملابس إذا استخدمها أهل بيوتنا نوع من الولاء للكفرة، مع العلم أن بعض الأطفال قد يلبس هذه الملابس ويسأل عما كتب عليها من كتابات، فإذا أخبرته باسم هذه المدينة أو باسم هذا الشخص فإنه يجد تكبراً في نفسه، أو يكبر في عينه ذلك الشخص، علماً أن كثيراً من ملابس الأطفال لا تخلو من الصور، فماذا تنصحونا وجزاكم الله خيراً؟ الجواب البحث يشمل أمرين: الأمر الأول: الصور، وهذا محرم، لاسيما أنها صور رسوم باليد، وهذه لا خلاف بين علماء المسلمين في تحريمها، والرسول ﷺ أمر بهتك الصورة بحيث تقطع إلى قطعتين، فهذا أمر منهي عنه إذا كانت صورة ترسم باليد، وهذا هو الواقع بالنسبة للصور التي توجد في الملابس. أما الأمر الآخر: فهو ضعف في الشخصية الإسلامية تجاه الكفار، وهذا أمر أخطر من الأول، ولذلك فإن تربية الأطفال وإن ميول النساء إلى اقتناء هذه الصور، أو الاعتزاز بها من صور غير المسلمين أمر خطير، والأمة الإسلامية مطالبة -لا نقول: بأن تضع صور أبطال الإسلام في ملابسها- ولكن بأن تهتك هذه الصور، وأن تقاطعها، ولا تشتريها، وحينما تقاطع فإنها لن تنتشر في أسواق المسلمين، وإنما تنتشر في أسواق المسلمين حينما لا تكون هناك مقاطعة، وهذا دليل أكيد على ضعف شخصية الأمة الإسلامية.

стр. 1125

حكم المداينة مع الكفار السؤال أنا موظف في أحدى الدوائر الحكومية، ولدينا الكثير من الجنسيات ومن الديانات الأخرى، وأنا أقوم أحياناً بإقراض هؤلاء الموظفين من المال، وهذه الديانات منها النصارى والمجوس والهندوس، أفتوني جزاكم الله خيراً؟ الجواب أما بالنسبة للإحسان فالله تعالى يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، والمراد بالبر: الإحسان إليهم، فحينما يفتقر في بلاد المسلمين رجل كافر فالأمة الإسلامية لا تُنهى أن تحسن إلى هذا الرجل الكافر، كما كان يفعل ذلك عمر ﵁ في خلافته، أما أن يصل الأمر إلى ولاء ومحبة وتبادل هدايا أو أقراض وقضاء حاجات وذوبان مع هؤلاء فذلك لا يجوز، أما إذا كان الأمر فقط مجرد إحسان تستطيع من خلال هذا الإحسان أن تجذبه إلى الإسلام، وأن تحبب له دين الإسلام، فهذا أمر طيب ولا بأس به، أما أن تريد أن تذوب حتى لا تفرق بين مسلم وكافر وثنياً أو يهودياً أو نصرانياً فهذا هو الأمر الخطير. لكن يجب أن يكون السؤال: لماذا بلاد المسلمين ولماذا الدوائر الحكومية يكون فيها الوثنيون واليهود والنصارى؟! فهناك مليار من المسلمين أكثرهم يموتون جوعاً في بلاد البنغال وغيرها، فلماذا لا تكون العمالة من بلاد المسلمين؟! فمثلاً: التمريض الآن لا نكاد أن نجد فيه خمسة في المائة مسلمات، مع أن هناك في بلاد الفلبين اثني عشر مليوناً من المسلمين، ولكن كم رأينا من المسلمات الممرضات أو من المسلمين الممرضين من يؤتى به إلى هنا؟ فالسؤال يجب أن يقال: لماذا هؤلاء يكثرون في دوائر الحكومة؟! ولماذا هؤلاء يكثرون في العمالة وفي المؤسسات؟! ولماذا لا يستبدل هؤلاء بالمسلمين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨]؟! ولماذا نكثر سوادهم ونعطيهم أموال المسلمين، وبأموال المسلمين يُذبح المسلمون في الهند وُيذبح المسلمون في الفلبين وفي مناطق كثيرة؟! فهذا السؤال يجب أن يكون دائماً أمام أي واحد من المسلمين ليجيب عليه، ويجب على العالم الإسلامي أن يرجع إلى هذا الدين الصحيح حتى لا يعتمد على غير المسلمين بعد الله .

стр. 1126

حكم قول (سيستر) للممرضات الكافرات السؤال كثير من النساء وكذلك الرجال ينادون الممرضات اللواتي يعملن في المستشفيات بقولهم: (سيستر)، بمعنى: يا أخت! فما هو الحكم من حيث الولاء والبراء، مع العلم أنهن كافرات، وقد تساهل كثير من الناس في ذلك، وفقكم الله؟ الجواب الحقيقة أن هذه من الأخطاء الشائعة الكبيرة، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فليس الكافر أخاً للمسلم، وعلى هذا نقول: يجب أن تُستبدل هذه الكلمة ما دمنا مجبرين على أن نعيش مع هؤلاء ونحتاج إليهم بكلمات لا تدل على الولاء ولا على المحبة، وإنما تكون كلمات فقط كافية للنداء.

стр. 1127

حكم تأجير البيوت وغيرها للكفار السؤال هل يجوز أن أؤجر بيتي على غير مسلم؟ وإذا كان عندي مستأجر غير مسلم فهل أخرجه أم ماذا، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب التعامل مع غير المسلمين الذين لا يحاربون الإسلام أمر جائز، فالرسول ﷺ مات ودرعه مرهون عند يهودي، لكن حينما يكون المسلم بحاجة إلى بيتك أو بحاجة إلى مالك أو إلى أمر من أمورك فهو أحق بهذا الأمر، لكن هذا الكافر ما دام قد سُمح له بالبقاء في بلاد المسلمين فإن استطعت ألا يكون قريباً منك فافعل، أما إذا كان هذا البيت ملاصقاً لك أو ملاصقاً لأسرة مسلمة فلا تفعل ذلك؛ حتى لا يؤثر على هؤلاء المسلمين، وأما إذا كان في منأى عن البلد ولا يختلط بالمسلمين فلعل ذلك يجوز، وذلك كأمر ضروري فقط، وإلا فالأصل أن الإنسان يجب ألا يتعاون مع هؤلاء في أي أمر من الأمور.

стр. 1128

حكم الإعجاب بالكفار، وأثر ذلك على الدين والأخلاق السؤال نلاحظ في هذا الزمان أن كثيراً من المسلمين -هداهم الله- وخاصة الشباب الذين درسوا في بلاد الغرب قد أعجبوا بأخلاق أولئك القوم من الغرب والشرق؛ حتى إننا نسمع كثيراً أن فلاناً من الناس يتحدث عن هؤلاء الكفرة، بل ويصفهم بالمحافظة على الوعد ودقتهم في ذلك، وفي المقابل نجده يقارن ذلك بحال المسلمين، وأن معظمهم لا يهتم بالوفاء بالوعد وغير ذلك، وأنهم همج، فما تعليقكم على ذلك؟ الجوب: الحقيقة أن الإعجاب بالكافرين هو أكبر سبيل للذوبان في أخلاقهم وسلوكهم، ولذلك فإن الثناء عليهم لا يجوز، ويقابل ويصطحب هذا الثناء سب المسلمين، فالذين يأتون بالعمالة الكافرة إذا قيل لهم: اتقوا الله، يقولون: هؤلاء يصدقون بالوعد، والمسلمون خونة، والمسلمون يضيعون الوقت في الصلاة وفي الصيام! نعوذ بالله! وهذا الأمر خطير جداً، ولربما يكون هناك شيء من الصحة أن هؤلاء الكفار قد يوفون بالوعد وغير ذلك، والسر في ذلك يرجع إلى أنهم يشعرون بالنقص، فهم يريدون أن يكملوا، لاسيما إذا أرادوا أن يحرفوا الأمة الإسلامية، فإنهم من خلال هذه الأخلاق يستطيعون أن يؤثروا على الأمة الإسلامية، إضافة إلى أن الكافر قد انتهى منه الشيطان، فلماذا يأمره بإخلاف الوعد أو بالخيانة أو ما أشبه ذلك؟ وماذا يفعل الشيطان بالبيت الخرب، كما جاء في الأثر؟ وعلى كل: أيها الإخوة! إن كانت هناك بعض الصفات صحيحة بالنسبة لهؤلاء فيجب عدم الاهتمام بها؛ لأن الإسلام فوق ذلك كله، وإن كانت الأمة الإسلامية مطالبة بالوفاء بالعهد وبجميع مكارم الأخلاق، أما أن تكون هذه الصفة من صفات الكفار، أو الذين ذهبوا إلى بلد الكفار وصاروا يشرحون أوضاعهم ويبينونها للناس هنا إنما يريدون أن يبثوا دعاية لهؤلاء الكافرين، وهؤلاء لا خير فيهم، فننصح الإخوة أن يتعاملوا بمثل هذا التعامل؛ لأن ذلك يؤدي إلى الثناء على من لا يستحقون الثناء من أولئك الذين طردهم الله من رحمته.

стр. 1129

أهمية اعتزاز المسلم بدينه السؤال حبذا لو أشرتم إلى عزة المسلم، وأن النصر للمسلمين، وما ذاك إلا لبعث الهمة في قلوب المسلمين؛ لتنطفئ نار التعلق والاتكال على الكافرين؟ الجواب ما علينا إلا أن نقرأ القرآن بتفهم وتدبر فسنجد كيف أن الله يعد المسلمين بالفرج والنصر، كما قال : ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، إلى غير ذلك من الآيات، لكن الشيطان يخوف أولياءه؛ فإذا ضعف الإيمان في ذهن واحد من الناس وفي عقل واحد من الناس بدأ الشيطان يخوفه بأعداء الله ، أما الأمر الذي يجب أن نتأكد منه فهو أن النصر بيد الله وليس بيد البشر، وأن الله يؤتيه من يشاء، كما قال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وعلى هذا فإن الاعتماد على ما في أيدي الكافرين وأعداء الإسلام إنما هو ذلة ومهانة، وما في يد الله هو الأمر الحق.

стр. 1130

الفرق بين الحب والبغض في الله وبين الولاء والبراء السؤال هل الحب والبغض في الله هو نفسه الولاء والبراء، أي: أنهما لفظان لمعنىً واحد، أم أن المعنى يختلف؟ الجواب نعم هما لفظان متباينا اللفظ، لكنهما متفقان في المعنى، فالحب في الله معناه: الولاء، والبغض في الله معناه: البراء من الكافرين ومن الفسقة المجرمين. والولاء والبراء والحب والبغض في الله هو أن الإنسان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ويكره الإنسان من أجل بعده عن دين الله ، هذا هو معنى الولاء والبراء، ومعنى الحب والبغض في الله ، والأولان هما اللذان جاءا في القرآن في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، وهكذا البغض أيضاً.

стр. 1131

حكم طاعة الأخ الذي يأمر بمعصية السؤال فضيلة الشيخ! أخي يمنعني عن حضور بعض المحاضرات، وكذلك يمنعني من الخروج مع الناس الذين نحسبهم والله حسيبهم من الصالحين، بل ويحذرني منهم، مع العلم أنه غير محافظ على الصلاة، بل ولا يبالي بكثير من المعاصي التي يقترفها، فما هي الطريقة التي أستطيع أن أوجهه أو أتخلص من كلامه لي؟ الجواب هذا ليست له طاعة؛ لأمرين: الأمر الأول: أنه منحرف بفطرته وبطبيعته. الأمر الثاني: أنه هو بنفسه يأمر في غير طاعة الله ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فإن حضور مجالس الذكر، والخروج مع الإخوة الصالحين الذين تأنس بهم وتطمئن إليهم وتستفيد من أخلاقهم وسلوكهم، إنما هو عبادة، وما دام الأمر عبادة فلا طاعة لهذا الأخ، لاسيما وأنه منحرف، وعلى هذا نقول: عليك أن تعصيه في مثل هذه الأمور أياً كان هذا الإنسان ما دام ذلك في طاعة الله ، أما هو فيجب عليك أن تحذره ما دام لا يحافظ على الصلاة ولا على طاعة الله تعالى، وما دام يتعاطى أشياء من المحرمات.

стр. 1132

حكم موالاة عصاة المؤمنين السؤال ما حكم موالاة عصاة المؤمنين؟ الجواب إذا كانت المعصية صغيرة فلا بأس في موالاتهم مع النصيحة، أما إذا وصلت إلى درجة الكبائر فعليك أن تنصحهم مرة بعد أخرى، فإذا عجزت فعليك أن تقاطعهم، وأن تبتعد عنهم، وهذا هو الهجر الذي أمر الله به، والذين قال فيهم الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، وعلى هذا فإننا نقول: تجب مقاطعة هؤلاء، لكن يجب أن تقدم النصيحة من حين لآخر إلى هؤلاء؛ لعل الله أن يهديهم، فإذا عرفت أنهم لا يستفيدون أو أنك ربما تتأثر بمجالستهم فعليك أن تبتعد عنهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 1133

الغربة لقد بدأ الإسلام غريباً، ثم انتهت تلك الغربة بأن نصر الله دينه، وأعلى كلمته، وأيد أولياءه، وذلك حين صبر المسلمون، وجاهدوا في سبيل الله، وضحوا بأنفسهم وأموالهم من أجل هذا الدين، وفي هذه الأيام نشهد غربة عظيمة مستحكمة كالأولى، وقد تكون أشد وأقسى، ولن تنتهي هذه الغربة إلا إذا سلكنا طريق الغرباء الأولين، وحينئذ سنظفر بما ظفروا به، ويكون النصر والسؤدد حليفنا بإذن الله مولانا.

стр. 1134

تعريف الغربة وواجب المسلم تجاهها الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله، حكم بالعزة له ولرسوله وللمؤمنين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده، فبلغ رسالة ربه، وأدى الأمانة ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة في الله! إن الحديث عن الغربة حديث يؤلم القلب ويجرح النفس، لكنه حديث عن الواقع، ولذلك فإن المسلم لا يجوز له أن يكون نصيبه من هذا الدين هو التلاوم والتباكي على الواقع المرير الذي يعيشه العالم الإسلامي؛ لأن ذلك لن يحول بين الناس وبين عقوبة الله ، فالله تعالى يقول: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:٥]، وذكر بعد ذلك ما حل بهم من النكال والعذاب حيث قال: ﴿جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥]. فالتلاوم لا يغني من الله شيئاً، ولكن المسلم مطالب في أن ينظر في الواقع، ثم عليه أن يغير في نفسه وفي بيته وفي مجتمعه وفي الناس أجمعين؛ لأنه تحمل هذه الأمانة التي وضعها الله تعالى في عنقه. أما الحديث عن الغربة بمعناها اللغوي، فمعنى الغربة: أن يكون الشيء غير مألوف في مكانه أو في زمانه، ولذلك فإن غربة الإسلام معناها: أن يكون الإسلام غير مألوف في مكانه أو في أرضه أو في زمانه في فترة من الفترات، ولذلك فإن منطلقنا من قول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)، وفي رواية: (الذين يصلحون إذا فسد الناس)، وفي رواية أخرى: (الذين يصلحون ما أفسد الناس)، ولذلك فإن حديثنا عن هذا الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ ، وسيكون الحديث في هذا الموضوع مكوناً من خمسة منطلقات: المنطلق الأول: الغربة الأولى. المنطلق الثاني: موقف سلفنا الصالح من تلك الغربة. المنطلق الثالث: كيفية اجتياز سلفنا الصالح لهذه الغربة. المنطلق الرابع: شدة الغربة وقسوتها في أيامنا الحاضرة. المنطلق الخامس: كيف نجتاز هذه الغربة؟

стр. 1135

الغربة الأولى أما الحديث عن الغربة الأولى فهو حديث يتكرر في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وفي كتب السيرة، فحينما نقرأ سيرة رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده، والسلف الصالح المهديين؛ نجد غربة الإسلام واضحة، خصوصاً في عهد رسول الله ﷺ ، وفي أول خلافة الخلفاء الراشدين، هذه الغربة نجدها ماثلة منذ أن قام رسول الله ﷺ يدعو الناس بدعوة الإسلام سراً، ولم يؤمن معه إلا عدد قليل من المسلمين الأوائل، حتى إذا أعلن دعوة الإسلام بعد نزول قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] حينها صعد على الصفا ونادى بطون قريش: يا بني فلان! ويا بني فلان! ويا بني فلان! حتى إذا اجتمعوا حوله قال لهم: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن عيراً من وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما عهدنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). ومنذ تلك اللحظة قامت المعركة بين الإسلام وبين الجاهلية، المسلمون يريدون أن يجهروا بكلمة التوحيد؛ امتثالاً لأمر الله ، واتباعاً لنبيهم محمد ﷺ ، والكفر قد ألف عبادة الأوثان والأصنام، فقامت المعركة بين الرسول ﷺ وأصحابه من جانب، وبين الكفر بجميع ملله وأشكاله من جانب آخر، ولقد أوذي المسلمون في تلك الفترة أذىً شديداً، عبر عنها القرآن العظيم في مواقع كثيرة من كتاب الله، تجد ذلك في قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، ففي تلك المرحلة يستبطئ الرسول والمؤمنون معه النصر ويستعجلون النصر؛ لأن الأمر قد وصل بهم إلى درجة لا تطاق. وعبر عنها القرآن في موضع آخر بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]. وفي موضع ثالث: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]. وفي موضع رابع: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]. وفي موضع خامس يقول الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]، إلى آخر الآيات التي نزلت في مناسبة واحدة. وعلى كل فقد صور القرآن لنا المستوى الذي وصل إليه المؤمنون في تلك الفترة التي جهر فيها رسول الله ﷺ بدعوته، وهذه الصور تتكرر مع كل رسول مع أمته حينما يجهر بدعوته. وهذه الغربة تطورت حتى صورها لنا حديث خباب بن الأرت ﵁ حيث قال: (شكونا إلى رسول الله ﷺ ذات مرة ما كنا نجده من أعدائنا -يعني: في مكة- فجئنا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار على مفرق رأسه إلى قدميه -يعني: يقسم قسمين- ولقد كان يمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، ولكنكم قوم تستعجلون، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه). ويتحقق هذا الوعد في تلك الفترة العصيبة الحالكة من تاريخ الإسلام، ولقد وعد ﷺ أن ينطلق الإنسان في الجزيرة العربية لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولقد كان الصحابة يصدقون وعد الله ووعد رسوله، فكانوا ينتظرون هذا الوعد وهم في أشد ظروف الحياة.

стр. 1136

موقف سلفنا الصالح من تلك الغربة لقد بلغ الأذى بالمؤمنين في تلك الفترة وفي تلك الغربة ما لا تطيقه الجبال الرواسي، بل لقد كان المؤمنون أقوى من الجبال؛ لأن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]، أي: وما كان مكر الماكرين لتزول منه الجبال، والمراد بالجبال الصحابة ﵃.

стр. 1137

صور من صبر الصحابة على تعذيب المشركين وأذاهم لهم من صور التعذيب والأذى الذي حصل للصحابة: ما وقع لـ بلال ﵁، فقد كان المشركون يخرجون بـ بلال بن رباح ﵁ في شدة الحر إلى بطحاء مكة المحرقة، فيبطح على بطنه، ثم يأتون بالحجارة الحارة فتوضع على ظهره، ويقول له سادته: لا نزيل عنك هذا العذاب حتى تكفر بمحمد، فلا يزيد على أن يقول: أحد أحد، أحد أحد، لا يصرفه ذلك عن دينه. ولقد أتي بـ عمار بن ياسر ﵁ وأمه وأبيه وجميع الأسرة، فوقعوا تحت عذاب المشركين في تلك الفترة، ولقد مات طائفة منهم تحت العذاب، ولقد كان الرسول ﷺ يمر بهم فلا يزيد على أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). ثم بعد ذلك يفكر المسلمون بالهجرة، وكان من بين المهاجرين الأتقياء صهيب الرومي ﵁، فيأخذ شيئاً من ماله ويلحق برسول الله ﷺ ، فيعترض المشركون سبيله ويقولون له: يا صهيب! أنت رجل صانع فينا، أتيتنا فقيراً وأنت اليوم تملك هذه الأموال، فيقول لهم: وماذا تريدون مني وألحق بمحمد ﷺ ؟ فيقولون: نريد منك أن تدلنا على كل أموالك، فيقول: هذه أموالي كلها، خذوها واتركوني ألحق بمحمد ﷺ ، فيسلمهم كل ما يملك؛ فراراً بدينه ولحوقاً بمحمد ﷺ ، فلا يكاد يصل إلى المدينة المنورة حتى يسمع المسلمين يتلون فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ويبشره الرسول ﷺ بما نزل في شأنه وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي﴾ [البقرة:٢٠٧]، أي: يبيع ﴿نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] هذه الآية نزلت في صهيب ﵁؛ لأنه باع نفسه لله بكل ما يملك من أموال الحياة الدنيا.

стр. 1138

صور من الأذى الذي تعرض له الرسول ﷺ في تلك الغربة يتطور الأمر ويصل العذاب إلى رسول الله ﷺ في تلك الغربة، فيقاسي من آلام العذاب ما لم يقاسه أحد، كان رسول الله ﷺ يتحمل الأذى ويمسح الدم عن وجهه بسبب جراحات قومه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، ويسيل الدم من عقبه وتكسر ثنيتاه، وتجرح وجنته، ويقول المجرم أبو جهل عليه لعنة الله إلى يوم القيامة ذات يوم: إذا رأيتم محمداً يصلي فأخبروني، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ في الصلاة نادوه: يا أبا الحكم! هذا محمد يصلي، فيأتي ويقبل عليه ثم يدبر ثم يقبل عليه ثم يدبر، يريد أن يطأ على عنق رسول الله ﷺ ، فقيل له: ماذا جرى لك؟ فقال: والله لقد رأيت بيني وبينه فحلاً قد فغر فاه يريد أن يأكلني. ثم بعد ذلك ينزل الله تعالى في شأنه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:٩ - ١٠]. ثم بعد ذلك يتطور الأمر فيلاقي من أهله وذويه ﵊ كل جفاء، فيبصق في وجهه أبي بن خلف عليه لعنة الله إلى يوم القيامة، وقصته معروفة: حينما دعا أبي بن خلف رسول الله ﷺ إلى مائدة طعام ذات يوم، فأبى رسول الله ﷺ أن يحضر طعامه حتى يشهد أبي أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يشهد أبي أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويحضر رسول الله ﷺ مائدته، ثم يلومه المشركون من قرناء السوء وأصحابه وجلسائه ويقولون: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟! والله لا نكلمك أبداً حتى تذهب وترتد عن الإسلام وتبصق في وجه محمد، ثم يذهب فيبصق في وجه رسول الله ﷺ ، ويرتد عن الإسلام، ويرد الله تعالى بصاقه إلى وجه أبي، فتصبح علامة فيه إلى أن مات. هكذا تتطور الغربة وتزيد الغربة قسوة أن يحارب الرسول ﷺ ويحارب المؤمنون معه من أهلهم وذويهم، وكما يقول الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على الحر من وقع الحسام المهند وعلى هذا فقد قامت كل المساومات لرسول الله ﷺ ليتنازل عن دعوته، ولكنه يرفض كل هذه المساومات، ويقول لعمه الذي كان مندوب هذه المساومة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).

стр. 1139

كيفية اجتياز السلف الصالح للغربة الأولى هذه هي المرحلة الأولى لغربة الإسلام؛ تصوروا قسوتها أيها الإخوان! وأنتم تعيشون اليوم غربة أخرى تزيد قسوة وضراوة على هذه الغربة في كثير من أحيانها، لكن كيف استطاع المؤمنون الأوائل أن يجتازوا تلك الغربة وأن يصلوا إلى ساحل النجاة والأمان؛ ليرتفع دين الله وينتشر في الأرض، وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؟ بأي شيء استطاعوا أن يجتازوا تلك الغربة؟ لقد شمر القوم عن سواعد الجد، وعاهدوا الله على الجهاد، ورفضوا كل الإغراءات والمساومات التي عساها أن تصرف اليوم كثيراً من الناس عن اجتياز غربتنا اليوم، لقد تركوا الوطن والأهل والعشيرة حينما فرض عليهم ذلك، وكانوا يتمنون تلك الساعة التي ينتقلون فيها إلى المدينة؛ ليقيموا دولة الإسلام، ولو خرجوا من أموالهم وأهليهم وكل ما يتمتعون به، لقد خرجوا وتركوا الوطن، وتحول الأغنياء إلى فقراء، وتركوا كل ما يملكون من متاع الحياة الدنيا وزينتها، تركوه في مكة وانتقلوا بإيمانهم مع رسول الله ﷺ إلى المدينة. لقد أعلن الصحابة الجهاد في سبيل الله، وأبرموا العقد مع رسول الله ﷺ على الجهاد، حينما أنزل الله هذه الوثيقة التزموا بها، فوقعوا عليها وصدقوا الله ما عاهدوه عليه، هذه الوثيقة نقرؤها في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١]، بل لقد فرح المسلمون بهذه البيعة، حتى قام عبد الله بن رواحة ﵁ لما سمع هذه الآية يتلوها رسول الله ﷺ وقال: (يا رسول الله! ما لنا إذا قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، فقال عبد الله بن رواحة ﵁ والمؤمنون من ورائه: يا رسول الله! ربح البيع، والله لا نقيل ولا نستقيل). لقد فرحوا بهذه البيعة التي لها ثمن ومثمن وبائع ومشتر: أما البائع فهو المؤمن، وأما المشتري فهو الله ، وأما الثمن فهو النفس والمال، وأما المثمن فهو الجنة، ولقد صدق الله هذه الوثيقة في التوراة والإنجيل والقرآن؛ حتى لا يكون لأحد من الناس عذر في ألا يفي بهذه البيعة. إخوتي في الله! هكذا اجتاز سلفنا الصالح تلك الغربة، وشمروا عن سواعد الجد، وتحملوا الأذى في سبيل الله، وتركوا الأهل والوطن والعشيرة، وصدقوا الله ما عاهدوه عليه، قال : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٤]. هكذا أيها الإخوان! يجتاز المؤمن الأمور الصعبة؛ لأن الأمور الصعبة لا يمكن أن يجتازها الناس بالنوم والراحة والمتاع والدعة؛ لأن الجنة كما أخبر عنها رسول الله ﷺ غالية نفيسة، يقول ﵊: (من خاف أدلج)، أي: مشى بالليل، والمراد بالإدلاج هنا: السعي الحثيث إلى الآخرة، (ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

стр. 1140

نصر الله تعالى للمؤمنين وتمكينه لهم بعد تلك الغربة لقد اجتاز سلفنا الصالح تلك الغربة، وقدموا كل ما يملكون من نفس ونفيس، لقد قدموا الأرواح لله ، فدخلوا المعركة وهم يحملون أرواحهم على أكفهم، ابتغاء مرضات الله ، وطلباً للشهادة والجنة، لقد صدقوا الله ما عاهدوه عليه، ولم ينكثوا ولم ينقضوا ذلك العهد، فأعطاهم الله سعادة الدنيا والآخرة، وكان جهالهم يقولون في يوم من الأيام: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، والله جعلهم يتخطفون من أرضهم؛ ليكونوا قادة العالم وسادة الحياة الدنيا، بعد أن قدموا عشرات الآلاف من القتلى والشهداء في سبيل الله ، فهذه بلدة واحدة -وهي بلاد الشام- لم يستطع المسلمون أن ينشروا الإسلام فيها إلا بعد أن قدموا خمسة وعشرين ألف شهيد من أصحاب رسول الله ﷺ ، هذا الثمن وإن كان كثيراً لكنه ثمن قليل بالنسبة لعزة الإسلام وقيام دولة الإسلام، ولذلك فقد كانت النتيجة مشرفة، وكان الأمر واضحاً، وكانت العزة -كما وعد الله لله ولرسوله وللمؤمنين. لقد شعر المسلمون بالعزة، ولقد تفيئوا ظلال هذه العزة وهم في عنفوان حياتهم، بعد أن أصبحت دولة الإسلام ترفرف أعلامها على عالم عظيم من أرجاء هذا الأرض، فامتدت دولة الإسلام من بلاد الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، إلى ما يقرب من باريس اليوم شمالاً، إلى أكثر هذا العالم جنوباً؛ لأن المسلمين صدقوا بوعدهم لله فصدقهم الله وعده، الذي سطره في سورة النور في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النور:٥٥]، وكأن هذه إشارة إلى الغربة الجديدة، ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].

стр. 1141

تأييد الله للمؤمنين بالكرامات وخوارق العادات أيها الإخوان! لا تعجبوا حينما تقرءون في التاريخ خوارق للعادة! لا تعجبوا حينما تقرءون في تاريخ الإسلام أن نواميس الحياة وأنظمة الدنيا قد انقادت للمؤمنين الذين صدقوا في وعدهم لله ! لا تعجبوا يا إخوتي! حينما تسمعون أن سعد بن أبي وقاص في أيام عنفوان الدولة الإسلامية يتجمد له نهر دجلة ويعبر عليه، حينما انتهت معركة القادسية، وأراد أن ينتقل إلى المدائن عاصمة الفرس لم يكن لديه في ذلك الوقت سفن ولا قوارب يعبر فيها هذا النهر، فيسأل قومه: ماذا يقع أمامنا؟ فيقولون: المدائن والقصر الأبيض الذي يسكنه يزدجرد، فيقول: والله لأعبرن على هذا الماء ولو على ظهور الخيل، فيتجمد نهر دجلة ويعبر من القادسية إلى المدائن، ويقبلون على أهل المدائن فيظن أهل المدائن أن هؤلاء شياطين وقد أقبلوا عليهم، فيقولون: جاءكم الشياطين -بلغتهم الخاصة- فيتركون المدائن، ويدخل سعد بن أبي وقاص ﵁ قصر المدائن القصر الأبيض -الذي هرب منه يزدجرد - وهو يتلو قول الله : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٨]. لم يدخل بنشوة الطرب والغناء تتقدمه الراقصات والمغنيات، كما يفعله الذين يزعمون بأنهم من الفاتحين في أيامنا الحاضرة، وإنما يعترف لله بالفضل والنعمة، وهو يردد أن هذه نعمة الله . لا تعجبوا يا إخوتي! حينما تسمعون عبر التاريخ أن عقبة بن نافع ﵁، وهو يفتح في شمال أفريقيه في أيام عز الإسلام وذروته أيام دولة بني أمية، فيقبل على بلاد تونس الحالية ويريد أن يبني قاعدة للإسلام هناك، ثم يسأل: ما هذا المكان الذي يقع أمامنا؟ فيقولون: أيها القائد يرحمك الله! إنها غابة القيروان التي عجز الفاتحون كلهم عنها؛ لأنها مقر للوحوش الكاسرة المفترسة، فيقف عقبة بن نافع ﵁ ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا لنشر الإسلام هنا. تصوروا أن الوحوش قد سمعت هذه المقالة، وأن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قد ألهمها ما يقول عقبة. يقول شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها تخرج من الغابة، فيدخل عقبة بن نافع الغابة ويقيم فيها مدينة القيروان؛ لتكون مركزاً للمسلمين في شمال أفريقيا. ثم يواصل البطل المسلم سيره حتى وصل إلى حافة المحيط وقال: والله لو أعلم أن وراء هذا الماء بشراً لخضت إليهم على فرسي هذه. ولم تكن قد اكتشفت الأمريكتان في ذلك الوقت بعد. ثم أيضاً لا تعجبوا حينما نسمع قصة قتيبة بن مسلم ﵁، وهو يفتح بلاد ما وراء النهر، وقد أقبل على بلاد الصين بعد أن فتح لنا هذه المنطقة الواسعة التي تجتاحها الشيوعية في أيامنا الحاضرة -نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم لتعود لهم قوتهم الأولى- فيسأل قتيبة: ماذا يقع أمامنا من البلاد؟ فيقولون: بلاد الصين، فيقول: والله لا أرجع إلى وطني حتى أطأ بقدميَّ هاتين أرض الصين، وحتى أضع وسام المسلمين على أهل الصين، فيصل الخبر إلى ملك الصين وما يقوله قتيبة، فيخاف ملك الصين من المسلمين، فيقول: هذه تربة في صحاف من الذهب، اذهبوا بها إلى قتيبة وهو في مكانه ليطأها وليبر بقسمه، وهؤلاء أولادي الأربعة ليضع عليهم قتيبة وسام المسلمين، وهذه الجزية ندفعها كل عام لـ قتيبة ولا يدخل إلى بلادنا. هكذا ينصر المسلمون بالرعب حينما يصدقون مع الله . أيها الإخوان! أما سمعتم حينما امتدت دولة الإسلام تسابق الشمس على مطالعها؛ وذلك عندما رفع هارون الرشيد -أحد خلفاء دولة بني العباس- رأسه إلى السماء ليخاطب قطعة من السحاب تمر من فوق رأسه ويقول: أيتها السحابة! أمطري أنى شئت، فسيأتيني خراجك ولو بعد حين. وذلك لأن هذه السحابة ستمطر في أي بقعة من بلاد الإسلام الواسعة. هكذا بلغت دولة الإسلام، وهكذا امتدت.

стр. 1142

عودة الغربة وقسوتها في أيامنا الحاضرة يدور الزمان دورته، ويعيد التاريخ سيرته، وينام المسلمون على المتاع والراحة والدعة، ولا يستيقظون إلا وهم في غربة أقسى من تلك الغربة الأولى، ينام المسلمون حينما أتتهم الدنيا بشهواتها وملذاتها وهي راغمة، وحينما يغرق طائفة من المسلمين بالمتاع الحلال أو بالمتاع المشتبه، وما يدريك لعلهم قد غرقوا في كثير من المتاع الحرام. ثم رفع الله يده عن هؤلاء الناس بعد أن كانت دولة الإسلام تمتد من الصين إلى المحيط الأطلسي، وهي دولة واحدة يحكمها رجل واحد، يسير فيها المسلم مرفوع الرأس، لا تستوقفه إدارة جوازات تسأل عن هويته، ولا تستوقفه مراكز شرطة وأمن تسأل عن إقامته أو عن جواز سفره أو عن جنسيته، أما المسلم اليوم فيعيش في دولة صغيرة من مائة دولة أو أكثر في أيامنا الحاضرة في هذه المساحة؛ لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١]. ومن هنا تمزقت الدولة الإسلامية على أيدي أعداء المسلمين الذين يتربصون بهم الدوائر، ليتحقق في المسلمين قول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣] إنها دروس وعبر يرويها لنا التاريخ. ومن هنا فقد المسلمون كثيراً من بلادهم، بل لقد أصبحت مواطن الإسلام الأولى الآن تهتز عروشها في كثير من البلاد الإسلامية تحت أصحابها؛ لأن الله قد عاقب هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً، والذين أصبحوا قد تجرد كثير منهم عن دينه، واتجهوا إلى الشرق والغرب في أفكارهم وفي مللهم، وفي أحكامهم وفي تشريعهم، فالله عاقبهم، ولذلك تسمعون أخبار هذا العالم عبر الأثير وفي الصحف وفي المجلات، وهذا العالم قد غرق في دمه إلى الركب، تسمعون أخبار لبنان، وتسمعون ما يحدث في العراق وما يحدث في إيران، وما يحدث في مناطق كثيرة من بلاد الله الواسعة؛ لأن هؤلاء قد عصوا الله ؛ ولأن الرسول ﷺ يقول فيما يروي عن ربه في الحديث القدسي: (إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني). هذه الفتن تحل قريباً من دارنا، ولنا في ذلك عظة وعبرة، فليس بيننا وبين الله عهد ولا ميثاق، فعلينا يا إخوتي! أن نستقيم على دين الله ، وأن نناصح القادة والمسئولين، وأن نقول لهم: اتقوا الله ، فإن ما يحدث قريباً منا ليس منا ببعيد، فعلينا أن نخشى الله. لقد عادت الغربة في واقع المسلمين، فنجد أن هذه الغربة لم تترك جانباً من جوانب الحياة عند المسلمين إلا وأثرت فيه، لقد غزت المسلمين في اقتصادهم وفي أخلاقهم وفي أنظمتهم الاجتماعية وفي سلوكهم وفي رجالهم وفي نسائهم وفي حكامهم وفي شعوبهم، وكما تكونون يولى عليكم.

стр. 1143

مظاهر الغربة في هذا الزمان

стр. 1144

انتشار الربا بين المسلمين إن كل ما كان في جاهلية الأمس عاد في جاهلية اليوم، فنجد أن الربا الذي كان بالأمس نظاماً من أنظمة الجاهلية قد عاد اليوم بجميع أشكاله وأنواعه: ربا الفضل، وربا النسيئة. في البنوك يدفعون مائة ريال ليأخذوا مائة وعشرة، يحاربون الله علناً، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة قيل لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب) أي: حارب الله ، ومن يستطيع أن يحارب الله؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. وهناك ربا الحيل المكشوفة، كأن يقولوا: خذ هذه الكمية من الخام أو من الأرز وبعه في الحال، ثم خذ ثمنه، ثم اخرج بضع دقائق وائت بشيء من المال، فهذه حيل مكشوفة تلف بلفائف كاذبة، كأنهم يخادعون الله وهو خادعهم. كذلك ربا الصاغة الذين يبيعون ويشترون الذهب بالكلام وبالتلفون وبدون نقد. وكذلك ربا العينة الذين يبيعون الشيء بثمن مؤجل ثم يشترونه بأقل منه حالاً. كل أنواع الربا واقعة، حتى ربا الأضعاف المضاعفة الذي هو أخبث أنواع ربا الجاهلية، الذي يقول الله عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٠]، وربا الأضعاف المضاعفة: هو أن يعطي إنسان إنساناً مالاً بزيادة، حتى إذا حل الدين قال: إما أن تسدد وإما أن نزيد، وهذا هو ما تستعمله البنوك في أيامنا الحاضرة علناً وفي وضح النهار، ويسجل في الدفاتر، ويستحق هؤلاء الذين يسجلونه لعنة الله ولعنة رسوله؛ لأن الرسول ﷺ : (لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم في الإثم سواء)، وهذا من الحيل المكشوفة بحيث إذا حل الدين ولم تسدده يوجله عليك ويزيد. هؤلاء يتلاعبون بحرمات الله وحدوده، ويظنون أنهم يخادعون الله تعالى فيها والله خادعهم. هذا الربا أصبح نظاماً اقتصادياً، وبدل أن يسمى رباً سمي: اقتصاداً، وأصبحت الحياة في مفهوم عالمنا اليوم لا تقوم إلا على هذا النظام الاقتصادي الربوي؛ لأن كل المعايير قد تغيرت، فسمي الربا اقتصاداً، وسمي النفاق مجاملة، وسمي الكذب دبلوماسية، وسميت الخمر مشروبات روحية، وسمي الغناء والرقص فناً، يريدون أن يجملوا هذه الأشياء بهذه الأسماء، فنقول: وإن غيرت الأسماء فلن تتغير هذه المسميات.

стр. 1145

انتشار الرشوة أيها الإخوان! إن هذه الغربة حلت في سويداء أنظمتنا كلها، حيث انتشرت الرشوة التي لعن الرسول ﷺ فيها الراشي والمرتشي والواسطة، واستخف كثير من الناس بالأيمان وبشهادة الزور في سبيل مصالح مادية، وأكلت الأموال بطرق حرام متشتتة ومتعددة، تحقيقاً لقول رسول الله ﷺ : (يأتي على الناس زمان كلهم يأكلون فيه الربا).

стр. 1146

تفكك الأسر والمجتمعات لقد حلت هذه الغربة في أنظمتنا الاجتماعية فتقطعت أوصال الأسر، وأصبح العقوق منتشراً بين كثير من الناس، وقطعت الرحم بسبب مصالح مادية تافهة؛ بل لقد عاد الجار في كثير من الأحيان لا يعرف من هو جاره، وتمضي سنون وهو لا يعرف جاره؛ لأن جاره في الغالب لا يحضر الصلاة في المسجد، فيعيش سنين طويلة لا يرى في المسجد مرة واحدة، ولربما لا يدخل المسجد إلا حينما يقدم لتصلى عليه صلاة الجنازة، نسأل الله العافية! تقطعت الأوصال الاجتماعية بين الناس، وحلت هذه الغربة في الأنظمة الاجتماعية، فأصبح الأمر خطيراً.

стр. 1147

تفسخ الأخلاق وانتشار الرذيلة لقد حلت هذه الغربة في الأخلاق، حيث غزت هذه الغربة أنظمة الأخلاق؛ بل لقد تعمقت في هذه الأخلاق، فتفسخت المرأة وتبرجت وأخرجت كثيراً من مفاتنها، وصارت النساء الكافرات تجوب خلال الديار الإسلامية طولاً وعرضاً، لا يستطيع أحد من المسلمين أن يرفع رأساً وأن يقول: إن هذه امرأة يجب أن تقف عند حدودها، إلا ما شاء الله. لقد تبرجت المرأة المسلمة تقليداً للمرأة الكافرة، وأظهرت مفاتنها، وانتشر الفساد في البر والبحر، وانتشر الفساد أيضاً حتى في الجو يا إخوان! في الجو وعلى متن الهواء وعلى بعد آلاف الأمتار من الأرض يعصى الله ، حيث توضع نساء في الطائرات متبرجات أعظم من تبرج الجاهلية الأولى، تخرج سيقانها وركبها وشعرها وعضدها ونحرها وتقصد الركاب، وأهل الجاهلية الأولى قد كانوا خيراً منا في هذه الناحية، فقد كانوا إذا ركبوا في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، يقول عنهم: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، ونحن على متن الهواء تعرض الأفلام الفاضحة الهابطة، والله لقد رأيت بعيني أفلاماً كلها جنس تعرض والناس بين السماء والأرض معلقين برحمة الله ، والمشركون وهم على الماء يدعون الله مخلصين له الدين في حال الشدة. إذاً: جاهلية اليوم أخطر وأخبث من جاهلية الأمس، فجاهلية الأمس كانوا يعرفون الله في وقت الشدة ويغفلون عنه في وقت الرخاء، وفي أيامنا الحاضرة يغفل عنه كثير من المسلمين في أيام الرخاء والشدة. ثم إن المرأة قد قام لها أناس يطالبون بحقوقها وبحريتها، ولم يكتفوا بما وصلت إليه اليوم، فهاهم اليوم يقولون: نريد من المرأة أن تقود السيارة، ويقولون في الغد: نريد من هذه المرأة أن تأخذ كل ما يأخذه الرجل، وأن تختلط بالرجل في المعمل، وفي المكتب، وفي السوق، وفي المدرسة، وفي كل أمر من الأمور، هذه مطالب لا يقف أعداء الإسلام عند حد فيها، وهم الآن يتربصون بنا الدوائر، ويظنون أن دولة الإسلام شمس تكاد أن تأفل اليوم، فهم ينتظرون ساعة الصفر التي يعلنون فيها ما في قلوبهم من غل، ولكن الله يقول: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢]. ولقد كانوا ينتظرون زوال فلان وفلان من الناس الذين هم حجر عثرة في سبيل تقدمهم كما يزعمون، ولكن خر عليهم السقف من فوقهم، ونجد والحمد لله في كل العالم اليوم صحوة إسلامية، تبين أن دولة الإسلام قد عادت كل العودة، وأن الغربة بدأت الآن ترتحل من أرض الله الواسعة لتترك مكانها لدين الإسلام. هذه الصحوة الإسلامية التي يتمتع بها شبابنا اليوم وفتياتنا، والذين يرفضون كل هذه التقاليد، ويرفضون كل تلك السموم، ويريدون أن تكون العزة لله بحق، ويريدون أن تعود دولة الإسلام كما كانت في أيامها السابقة، ونسأل الله أن يحقق الخير على أيديهم. إخوتي في الله! إن غربة الإسلام اليوم قاسية، لكن لا نتناسى هذه الصحوة الإسلامية التي -والحمد لله- تعيش معنا اليوم ونعيش معها، ونسأل الله أن يثبت أقدامها، وأن يرزقها الاتزان والصبر والتحمل، لكن بالرغم من ذلك كله فما زلنا نعيش هذه الغربة، نعيشها في أخلاق الناس اليوم، وإني لأعجب كل العجب أن تصل هذه الغربة إلى أعماق رجولة الرجال، فقد رأينا كثيراً أو طائفة من الشباب يتنازلون حتى عن رجولتهم، وما كان ذلك في غربة الأمس؛ بل لقد كان العربي يعتز برجولته بالأمس بالرغم من أنه رجل جاهلي، ولكننا في أيامنا الحاضرة نجد كثيراً من الشباب بدءوا يتنازلون عن رجولتهم، يتأنثون كما تتأنث النساء، ويزاحمون النساء على موضاتهن وأشكالهن وصفاتهن في الابتسامة وفي الضحكة وفي الصوت وفي ضيق الملابس وفي شفافية الملابس، وربما يلبسون شيئاً من الذهب! وصدق الرسول ﷺ حينما سأله عمر عما سيحدث، فقال: (يا عمر! ترك القوم الطريق وخدمهم أبناء فارس) انظروا إلى أبناء فارس الآن، هم الذين يقودون السيارات ببناتنا ويذهبون بهن إلى المدرسة وإلى الأسواق في كثير من الأسر؛ بل وبنات فارس الآن تعيش في قعر بيوت المسلمين من الفلبين ومن كوريا ومن كل بلاد الكفر، وبلاد الإسلام التي قد فقدت الإسلام الصحيح، وهب أنهم مسلمون ما داموا غير محارم لهؤلاء النساء فهذا عار وهذه مصيبة. وكذلك عندما يتزين الرجل منهم بزينة المرأة لزوجها، يتأولون كتاب الله، حيث يرددون قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف:٣٢]. أيها الإخوان! في جاهلية الأمس كان الرجل يعتبر أن من عرف اسم ابنته أو اسم أخته أو سمع صوتها عاراً، ويقول قائلهم: إياك واسم العامرية إنني أخشى عليها من فم المتكلم واليوم تسمعون وترون بأعينكم أخبار هؤلاء النساء إلا من رحم الله.

стр. 1148

طرق ووسائل اجتياز المسلمين للغربة التي يعيشونها إن جاهلية اليوم أخبث بكثير من جاهلية الأمس، وغربة اليوم أقسى بكثير من غربة الأمس، وإذا كان في غربة الأمس يحارب الإسلام بـ أبي جهل وأبي لهب وأبي بن خلف، فإن في جاهلية اليوم يحارب الإسلام بعبد الله وعبد الرحمن وأحمد ومحمد، تحقيقاً لوعد أعداء الإسلام الذين قال قائلهم: إنكم لا تستطيعون أن تقطعوا شجرة الإسلام إلا بغصن من أغصانها. إن الذين يظنون أنهم سيحكمون المسلمين بقوة الحديد والنار مخطئون؛ لأن الإيمان أقوى من الحديد والنار، وإذا أردتم شاهداً على ذلك فانظروا إلى أفغانستان، لقد قدموا أكثر من مليون من الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، ومع ذلك ما لان القوم بقوة الحديد والنار؛ بل يقاتلون الأعداء بالحجارة وأعداؤهم يقاتلونهم بالمواد السامة وبأحدث أنواع الأسلحة. الإيمان أقوى من الحديد والنار، والذين يريدون أن يطوعوا المؤمنين بالترف والميوعة والفساد والمعصية مخطئون؛ لأن هذه الشعوب ستستيقظ في يوم من الأيام فلا تقبل هذا الترف ولا تقبل هذه الميوعة ولا تقبل هذا المتاع، لكن كيف نجتاز هذه الغربة التي نعيشها اليوم؟ وبأي شيء نستطيع أن نحكم هذا العالم؟ نحكمه بدين الله ، وحينئذ تمشي هذه الشعوب وتسير وراءنا بحق، وهكذا يستطيع القادة أن يحكموا العالم الإسلامي، ولذلك فإن التاريخ أكبر شاهد على ما نقول، فما استطاع أحد أن يحكم هذا العالم، وأن يذلل هذه الصعاب، وأن يجعل هذه البوادي وهذه الصحاري مدناً إلا حينما دعاها إلى دين الله ، ولعلنا نجد في سيرة الملك عبد العزيز رحمة الله عليه أكبر دليل على ذلك، فإنه ما استطاع أن يطوع هذه البوادي الجافة الجافية إلا بدين الله ، ولذلك فنحن نقول لخلفه من بعده: إنكم لن تستطيعوا أن تحكموا هذا العالم إلا بدين الله ، فنوصيكم بالثبات على دين الله ، وبتحكيم شرع الله ، ومن هنا نستطيع أن نجتازه هذه الغربة التي نعيشها اليوم. ثم أيضاً بالجهاد في سبيل الله نستطيع أن نجتاز هذه الغربة كما اجتازها سلفنا الصالح؛ وذلك حينما أعلنوا الجهاد في سبيل الله، وجعلوا حياتهم كلها في مرضاة الله . أسأل الله تعالى أن يثبت الأقدام، وأن يرزقنا الاستقامة حتى نجتاز هذه الفتن التي أخبر عنها الرسول ﷺ بأنها: (فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا). نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من هذه الفتن، وأن يرزقنا القوة والصلابة في الدين، حتى نكون من المؤمنين الأقوياء من أجل أن نجتاز هذه الغربة، وحينئذ فإن الخير أمامنا بإذن الله كما كان أمام أسلافنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1149

الأسئلة

стр. 1150

معنى قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً) السؤال أليس معنى قوله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) أنه سوف يعود إلى قوته وعزته الأولى كما كان ضعيفاً في بدايته، وذلك أننا نشاهد ولله الحمد الصحوة الإسلامية لدى الشباب اليوم؟ الجواب بالنسبة لمعنى الحديث هو لا يدل على أنه سيعود إلى قوة أخرى، وإنما يدل الحديث على ثلاث مراحل: غربة، ثم عودة القوة للإسلام، ثم غربة، وهذه المراحل الثلاث كلها مرت وعاشها الناس، لكن القوة الثانية في الغربة الثانية وإن لم يتعرض لها الحديث في لفظه وفي منطوقه لكنه تعرض لها في مفهومه؛ لأن قوله ﷺ : (فطوبى للغرباء) يدل على أن الغربة الثانية لها رجال، كما أن للغربة الأولى رجالاً اجتازوها. وعلى هذا فإن هؤلاء الرجال سيرجعون للإسلام عزته وقوته مرة أخرى، ومن هنا نستطيع أن نأخذ أن القوة الثانية بعد الغربة الثانية ستأتي على أيدي هؤلاء الغرباء الذين يجتازون الغربة الثانية، وعلى كل فإن هذه قد بدأت الآن بوادرها تظهر، كما يلاحظ في الصحوة الإسلامية الموجودة في أيامنا الحاضرة، التي سيكون فيها إن شاء الله خير كثير، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وإخبار الرسول ﷺ بأن الإسلام سيعود إلى عزته وقوته في أحاديث كثيرة، وأن المسلمين سيقاتلون اليهود ويختبئ اليهود وراء الشجر والحجر، هذه أدلة على قوة الإسلام وعزته. وعلى هذا فإن الغربة الثانية لها قوم يجتازونها، فيصلون بالإسلام إلى مرحلة القوة مرة أخرى.

стр. 1151

طرق إصلاح الأهل والأقارب السؤال أنا شاب ملتزم ولله الحمد، أسأل الله لنا ولكم الثبات على ذلك، ولكنني أريد إصلاح أهلي وأقاربي، فكيف السبيل لذلك؟ وما هو أول شيء أبدأ به؟ جزاكم الله خيراً. الجواب أما السبيل فهو الدعوة إلى الله ، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، وهذه الآية وإن كانت نزلت على الرسول ﷺ مع أهله، لكن حكمها باق إلى يوم القيامة، فالإنسان أول ما يبدأ بأهله وأولاده وأهل بيته وأسرته، ثم يتوسع حتى يصل إلى كافة المجتمع، والسبيل إلى هذا الأمر هو استعمال طرق الدعوة الصحيحة، وأهمها: الحكمة، ومعاملة الأهل باللين والإحسان إليهم؛ حتى تستطيع أن تملك قلوبهم، ثم بعد ذلك توطن هذه الدعوة وتزيل الجفوة التي بينك وبينهم بإذن الله تعالى من هذا المنطلق. ثم أيضاً عليك أن تبدأ بالأهم فالأهم، فإذا كانت في بيتك أو في أهلك معاصٍ كبيرة فعليك قبل ذلك أن تقوي الإيمان في قلوب هؤلاء الأهل؛ لأنك حينما تقوي الإيمان ستزول هذه المعاصي وهذه الأشياء الممقوتة فيهم بطبيعتها؛ لأن ما حدث في بيوت المسلمين من المعاصي اليوم بسبب ضعف في الإيمان، وبسبب ضعف في اليقين، وبسبب ضعف في تصورهم لحقيقة هذا الدين وللحياة الآخرة، فعليك يا أخي! أن تقوي الإيمان، وأن تقوي اليقين في قلوبهم، وحينئذ بإذن الله ستستطيع أن تزيل ذلك بالتدريج.

стр. 1152

حقيقة ظهور الصحوة الإسلامية السؤال نرى في هذه السنوات الأخيرة أن كثيراً من شباب اليوم -ولله الحمد والمنة- قد التزموا بدينهم، فبماذا تفسر هذه الصحوة؟ الجواب هذه الصحوة لم تأت فلتة، وإنما هي وعد من الله وعدنا بها حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وأخبرنا بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأخبرنا الله بأن الأيام يداولها بين الناس، فبمقدار ما نرى مما نكره سنرى ما يسرنا بإذن الله تعالى. وهذه الصحوة ليست وليدة عمل كبير، وإن كان هناك عمل، لكن هذه الصحوة وجدت في فترة استقرار وفترة خمول في كثير من الأحيان، وهذا دليل على أن دين الله ظاهر، سواء دعا الناس إليه واجتهدوا في العمل له أو لم يجتهدوا. علماً بأن هذه الصحوة والحمد لله لها خطباء استطاعوا أن يؤثروا على الناس، ولها موجهون ولها مربون. إذاً: هذه إرادة غالبة لله ، حيث ظهرت الصحوة في هذه الفترة التي خاف فيها كثير من الناس على ضياع دين الله، والله أعلمهم بدليل من الواقع يلمسونه بأعينهم ويشاهدونه بأن هذا الدين سينتصر، ورغم هذه الجفوة الشديدة التي أصيب بها المسلمون, ورغم هذا التسلط الشديد الذي مني به المسلمون على أيدي قادة كثيرين من العالم الإسلامي؛ ومع ذلك كله وجدت هذه الصحوة وفرضت نفسها في هذه البلاد الإسلامية والحمد لله؛ ولذلك لا تسافر إلى أي بلد من بلاد الله الواسعة -حتى في بلاد الكفر- إلا وتجد هذه الصحوة، بحيث لو ذهبت إلى أمريكا ستجد هذه الصحوة والحمد لله، وستجد كثيراً من شباب المسلمين يتمتعون بهذه الصحوة، نسأل الله تعالى أن يحفظهم، ولذلك فإنا لا نفسرها التفسير الحقيقي إلا أن الله أراد أن يظهر دينه، وأراد أن يعطينا درساً بأن هذا الدين باق، وأنه سيتغلب على كل الصعوبات وعلى كل المشاكل وعلى كل التحديات التي توجد في أيامنا اليوم.

стр. 1153

تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم) السؤال قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، أرجو شرح هذه الآية؟ الجواب شرح هذه الآية يحتاج إلى ليال، لكن ممكن أن نشرحها بإشارة يسيرة، يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٥] قوله: (مِنْكُمْ) خطاب للمسلمين خاصة، وهذا الوعد من الله له ثلاثة شروط وفيه ثلاث نتائج، إذا وفى المسلمون بالشروط الثلاثة حصلت النتائج الثلاث: الشرط الأول: (آمَنُوا). الشرط الثاني: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). الشرط الثالث: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، وكلمة: (شَيْئًا) في اللغة العربية نكرة جاءت في سياق النفي، والنكرة إذا جاءت في سياق النفي تعم، أي: باللات والعزة ومناة وهبل ونائلة وإساف، لكن يوجد الآن فلان وفلان من الناس يعبدون من دون الله في كثير من العالم الإسلامي، يوجد زعماء وضعوا أنفسهم مشرعين للبشر ويطيعهم الناس، حيث تركوا أوامر الله وتحاكموا إلى شرع هؤلاء الرجال. إذاً: هؤلاء الناس الذين يعبدون من دون الله من الشيء الذي قال الله فيه: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. كذلك توجد الآن القبور التي تعبد من دون الله في كثير من البلاد الإسلامية، كذلك الدنيا تعبد من دون الله تعالى الآن، كذلك المال يعبد من دون الله تعالى الآن، كذلك الوظيفة تعبد من دون الله، بحيث تجد الشخص يتنازل عن دينه، حتى لا يحرم من وظيفته، ولو حلت عليه لعنة الرسول ﷺ لا يبالي ما دامت هناك وظيفة وما دام له مرتب، وما دام يستفيد من ذلك مادياً، هذا كله يخشى أن يكون داخلاً في الشرك الذي يقول الله فيه: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. أما النتائج التي وعدها الله تعالى لهؤلاء الذين اتصفوا بالشروط الثلاثة فهي: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ)، أي: تكون لهم الخلافة والقيادة في الأرض، ولذلك لما حقق سلفنا الصالح هذه الصفات تحققت لهم هذه النتيجة، فاستخلفهم الله تعالى، فكانت لهم الخلافة ولهم القيادة. وكذلك من النتائج: أن يمكن الله لهم دينهم الذي ارتضاه لهم، ومن النتائج: أن يبدلهم الله بعد خوفهم أمناً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1154

الاستقامة الاستقامة على دين الله تعالى تعني الالتزام به وعدم الانحراف عنه طرفة عين، وهي سبب من أسباب النجاة من عذاب الله تعالى وغضبه في الدنيا والآخرة، فمن استقام على دين الله ثبته الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ومن زاغ عن الصراط المستقيم أضله الله تعالى، وأهلكه في الدنيا والآخرة، وللاستقامة أسباب لابد منها لمن أرادها: كالصبر، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك.

стр. 1155

الاستقامة على دين الله من أسباب النجاة من عذاب الله وغضبه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونشكره، ونثني عليه الخير كله ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: فأيها الإخوة! أسأل الله أن يجمع القلوب على طاعته كما جمعنا في هذا المكان المبارك، وأن يجمعنا جميعاً في مستقر رحمته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. موضوع هذا الدرس هو: الاستقامة، وما أحوج المسلمين اليوم إلى الاستقامة والثبات على المنهج الصحيح، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٢ - ١١٧]. إنّ هذه الآيات تلزم المسلمين بستة أوامر من أوامر الله ، وهي سبب السلامة والعافية من غضب الله تعالى وعقابه، وقد جاءت هذه الآيات في ختام سورة هود، وما أدراك ما سورة هود! إنها السورة العظيمة التي تحدثت عن هلاك كثير من الأمم، ولقد شيبت ناصية رسول الله ﷺ ، ففي الحديث: قيل لرسول الله ﷺ : (شبت يا رسول الله! فقال: شيبتني هود وأخواتها) أي: وأخواتها من السور التي تتحدث عن مصارع الظالمين، ونهاية المجرمين والمفسدين في الأرض. وكان آخر هؤلاء الظالمين آل فرعون، فاتبعوا فرعون في طغيانه وظلمه ودعواه أنه رب العالمين، فأهلكه الله في عنفوان قوته وملكه الذي كان يفتخر به ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، ولذلك قضى الله تعالى بأخذ هؤلاء الطغاة، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٧ - ٩٨]. قال الله تعالى بعد ذكره أخبار هذه الأمم التي أهلكها في سورة هود التي تضمنت -كغيرها- أحسن القصص: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] إذاً: فطريق السلامة طريق واحدة، وليس هناك طريق أخرى للسلامة من عذاب الله في الدنيا والآخرة، هذه الطريق هي: الاستقامة على دين الله. وإنّ ما أصاب تلك الأمم من سخط الله وأليم عقابه إنما كان سبب ذلك أنهم لم يستقيموا على دين الله ومنهجه، فإذا كنت -يا محمد- تريد السلامة لك ولأمتك فاستقم كما أمرت، وإذا كنت -أيها الأخ المسلم- تريد العافية من عذاب الله فاستقم كما أمرت، ومن هنا نعرف أن هذه العناصر الستة التي احتوتها هذه الآيات تبدأ بالاستقامة.

стр. 1156

معنى الاستقامة وفضلها ولوازمها الاستقامة معناها: عدم الانحراف عن المنهج الصحيح، فإن الله تعالى -بحكمته- قد رسم لكل مخلوق في هذه الحياة -بما في ذلك الإنسان- طريقاً معتدلة مستوية لا انحراف فيها، قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ومن حاد عن هذه الطريق التي رسمها القرآن فإنه يسلك طرقاً متعددة منحرفة كلها تنتهي إلى النار؛ ولذلك فإن الرسول ﷺ لما قرأ هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) رسم خطاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله ينتهي إلى الجنة، ورسم عن يمينه وشماله طرقاً منحرفة وقال: هذه السبل، وعلى كل واحد منها شيطان، وعليها سدل مرخاة، فإذا أراد أحد أن يفتح طريقاً من هذه الطرق قال له منادٍ: يا عبد الله! لا تفتح، فإنك إن تفتح تلج إلى يوم القيامة)، أو كما قال ﷺ . إذاً: هذا الطريق المستقيم طريق واضح لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولكن ربما يكون هناك غبش على العيون، أو التباس في العقول؛ فيضل هذا الإنسان عن الطريق المعتدلة إلى طرق منحرفة، فحينئذٍ لا يلوم إلا نفسه، أما الأصل فهو الاستقامة، وهي المحجة البيضاء التي جاء بها محمد ﷺ من عند الله، وما ترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة يحتاج إليها هذا الإنسان في دينه إلا وقد وضحها.

стр. 1157

الدعوة إلى الله من لوازم الاستقامة إنّ الاستقامة هي الثبات، والثبات: هو لزوم الطريق، وأهم شيء في لزوم هذا الطريق: الدعوة إلى الله ، فمن لم يقم بهذا الواجب فما استقام على هذا الطريق؛ ولذا يندر أن تذكر الاستقامة في القرآن إلا وتذكر معها الدعوة إلى الله تعالى، كما قال تعالى في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ﴾ [الشورى:١٥]، فقدم الدعوة على الاستقامة، وهنا قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، وقال في آخرها: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]، وقال أيضاً في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، ثم قال بعدها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٤]. ومن هنا نعرف صلة الدعوة إلى الله بالاستقامة، وأنها صلة وثيقة، وأن من فرط في الدعوة إلى الله ، وترك أمر المسلمين يلتبس عليهم، وغفل عن هذا الواجب المقدس الذي هو ميراث المرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه ما استقام حق الاستقامة، ما دام أنّه يستطيع أن يبلغ عن الله وعن رسوله ﷺ ولم يفعل.

стр. 1158

الاستقرار من لوازم الاستقامة اعلم أنّه لابد في الاستقامة من الاستقرار، وذلك بأن يثبّت الإنسان أقدامه على هذا الطريق؛ لأن في هذا الطريق مزالق، ولأن في هذا الطريق عقبات، ولأن في هذا الطريق أموراً تكرهها النفوس البشرية بطبيعتها، فلابد من الثبات على هذا المنهج، وأهم ما في هذا المنهج: الدعوة إلى الله .

стр. 1159

الاستقامة هي المخرج من الفتن لقد كثرت في عصرنا الحاضر التقلبات والاتجاهات، وظهرت أفكار جديدة لم تُعهد من قبل، تسربت هذه الأفكار إلى المسلمين وكأنها جزء من هذا الدين، وقد يتباكى أصحابها على الإسلام في الظاهر، ويلفون هذا الجرائم وهذه الأفكار المنحرفة بلفائف ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، ثم يغتر كثير من الناس بهذه الدعايات، لاسيما إذا كان أصحاب هذه الدعايات من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. إذاً: فما هو المخرج؟ المخرج قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]. وقد أخبر النبي ﷺ بأن من ميزة آخر زمان هذه الأمة أن تكثر الأهواء والفتن، وأن يكون لهذه الفتن آثار في حياة الناس، وهذه الآثار تبرز في استقامة هؤلاء الناس، كما قال الرسول ﷺ : (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) وقال: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: وما المخرج منها يا رسول لله؟ قال: كتاب الله وسنتي). وهذه الفتن التي نعيشها اليوم هي -والله- كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضاً كما أخبر الرسول ﷺ ، فإذا جاءت الفتنة قال المرء: هذه مهلكتي، فإذا جاء ما بعدها قال: تلك أهون من هذه. والخلاص منها يكون بالاستقامة على دين الله، فإنّ الدين واضح، والمحجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك. وقد نلاحظ في حياة الناس هذا التقلب في كثير من الأحيان، ولا يكاد الإنسان يسر بأن فلاناً من الناس قد استقام على دين الله بعد أن كان منحرفاً، إلا ويفاجأ -في بعض الأحيان- بأنّ فلاناً قد انحرف عن هذا الدين؛ لنشاط دعاة الباطل، وضعف دعاة الحق، ولوجود بيئة متلوثة في العالم الإسلامي كله، وهذه البيئة المتلوثة فيها من الفتن ما قد يؤثر على عقول كثير من أبناء المسلمين. إنّ المؤمن مطالب بالاستقامة والثبات على الحق ولو انحرف كل الناس، بحيث لا يرتبط هذا المرء بغيره من الناس ارتباطاً يجعله ينحرف معهم، وإنما يرتبط بهم ارتباطاً يجعله يستقيم معهم إذا استقاموا، فإذا انحرفوا لزم المنهج الصحيح ولو لم تكن الدنيا معه بل ضده، ويتمثل بقول الشاعر في حق الله : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

стр. 1160

الاستقامة سبب للنجاة والسلامة في الدنيا والآخرة إنّ الاستقامة والثبات عليها أمر لا مناص منه للمؤمن، خصوصاً في زمن التقلبات والأهواء والفتن، وفي زمن المساومة على دين الله تعالى في كثير من الأحيان من قبل كثير من المسلمين، تلك المساومة التي يسيل لها لعاب كثير من الناس، ولكن المسلم حقاً لا يمكن أن يرجع من منتصف الطريق، بل يكمل هذا المشوار إلى ربه وإلى الدار الآخرة، وهذه الاستقامة هي أفضل سلاح يستطيع المؤمن من خلاله أن يتخطى هذه العقبات التي تقف في طريقه وتعترض سبيله، وحينئذٍ لا يضره من خالفه ولا من خذله حتى يأتي أمر الله تعالى. هذه الاستقامة هي التي تؤمن الإنسان في ساعة الموت، كما أنها تؤمنه في هذه الحياة الدنيا، فإذا كان مستقيماً على المنهج الصحيح لا يغير ولا يبدل، ولا يقبل المساومة، ولا يقبل أي منهج غير هذا المنهج الذي اقتنع به، وعرف أنه هو المنهج الصحيح الذي جاء به المرسلون من عند الله ؛ فإنّه يبشر في ساعة الموت بجزاء هذه الاستقامة، فتنزل عليه ملائكة تبشره في ساعة الاحتضار حينما تلتف الساق بالساق، وحينما تكون رجل في الدنيا ورجل في الآخرة، وحينما يريد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مدبراً عن الحياة الدنيا، ومقبلاً على الله والدار الآخرة، في ساعة رهيبة يفكر فيها الإنسان فيما أمامه من مخاوف: من حياة البرزخ وما فيها من الأهوال والمخاوف، والقبر وضمته، وسؤال الملكين، وما بعد حياة البرزخ من الصحف التي تسجل فيها الأعمال، والموازين التي توزن فيها الأعمال، والصراط والأمور الهائلة في ذلك الموقف. وهو أيضاً يتصور هذه الحياة الدنيا وما فيها من أهل ومتاع، ويريد أن يودعه، فمن استقام على دين الله فإنه في ذلك الموقف الرهيب تنزل عليه الملائكة مبشرة له، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] أي: كنا معكم، وكنا -بأمر من الله نثبتكم، ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١]، هذا جزاء الاستقامة، وإذا ثبّت الله الإنسان في الحياة الدنيا ثبته في ساعة الموت، وثبته حينما يريد العبور على الصراط الدحض المزلة، الذي ورد وصفه بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف، ويغطيه دخان جهنم. فالمستقيم يثبته الله على الإيمان، فلا تستطيع هذه الفتن العاصفة، وهذه الأهواء المضلة، وهذا الزمان المغبر المخيف المرهق أن تغير مبدأ هذا المسلم الذي عرف الله ، واقتنع بهذا المبدأ، ورضي بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ويثبته الله في المواقف العصيبة.
следующие страницы →