Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
معنى الاستقامة وفضلها ولوازمها
الاستقامة معناها: عدم الانحراف عن المنهج الصحيح، فإن الله تعالى -بحكمته- قد رسم لكل مخلوق في هذه الحياة -بما في ذلك الإنسان- طريقاً معتدلة مستوية لا انحراف فيها، قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ومن حاد عن هذه الطريق التي رسمها القرآن فإنه يسلك طرقاً متعددة منحرفة كلها تنتهي إلى النار؛ ولذلك فإن الرسول ﷺ لما قرأ هذه الآية: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) رسم خطاً مستقيماً وقال: (هذا صراط الله ينتهي إلى الجنة، ورسم عن يمينه وشماله طرقاً منحرفة وقال: هذه السبل، وعلى كل واحد منها شيطان، وعليها سدل مرخاة، فإذا أراد أحد أن يفتح طريقاً من هذه الطرق قال له منادٍ: يا عبد الله! لا تفتح، فإنك إن تفتح تلج إلى يوم القيامة)، أو كما قال ﷺ .
إذاً: هذا الطريق المستقيم طريق واضح لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولكن ربما يكون هناك غبش على العيون، أو التباس في العقول؛ فيضل هذا الإنسان عن الطريق المعتدلة إلى طرق منحرفة، فحينئذٍ لا يلوم إلا نفسه، أما الأصل فهو الاستقامة، وهي المحجة البيضاء التي جاء بها محمد ﷺ من عند الله، وما ترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة يحتاج إليها هذا الإنسان في دينه إلا وقد وضحها.
стр. 1157
الدعوة إلى الله من لوازم الاستقامة
إنّ الاستقامة هي الثبات، والثبات: هو لزوم الطريق، وأهم شيء في لزوم هذا الطريق: الدعوة إلى الله ، فمن لم يقم بهذا الواجب فما استقام على هذا الطريق؛ ولذا يندر أن تذكر الاستقامة في القرآن إلا وتذكر معها الدعوة إلى الله تعالى، كما قال تعالى في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ﴾ [الشورى:١٥]، فقدم الدعوة على الاستقامة، وهنا قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، وقال في آخرها: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]، وقال أيضاً في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠]، ثم قال بعدها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٤].
ومن هنا نعرف صلة الدعوة إلى الله بالاستقامة، وأنها صلة وثيقة، وأن من فرط في الدعوة إلى الله ، وترك أمر المسلمين يلتبس عليهم، وغفل عن هذا الواجب المقدس الذي هو ميراث المرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه ما استقام حق الاستقامة، ما دام أنّه يستطيع أن يبلغ عن الله وعن رسوله ﷺ ولم يفعل.
стр. 1158
الاستقرار من لوازم الاستقامة
اعلم أنّه لابد في الاستقامة من الاستقرار، وذلك بأن يثبّت الإنسان أقدامه على هذا الطريق؛ لأن في هذا الطريق مزالق، ولأن في هذا الطريق عقبات، ولأن في هذا الطريق أموراً تكرهها النفوس البشرية بطبيعتها، فلابد من الثبات على هذا المنهج، وأهم ما في هذا المنهج: الدعوة إلى الله .
стр. 1159
الاستقامة هي المخرج من الفتن
لقد كثرت في عصرنا الحاضر التقلبات والاتجاهات، وظهرت أفكار جديدة لم تُعهد من قبل، تسربت هذه الأفكار إلى المسلمين وكأنها جزء من هذا الدين، وقد يتباكى أصحابها على الإسلام في الظاهر، ويلفون هذا الجرائم وهذه الأفكار المنحرفة بلفائف ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب، ثم يغتر كثير من الناس بهذه الدعايات، لاسيما إذا كان أصحاب هذه الدعايات من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
إذاً: فما هو المخرج؟ المخرج قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
وقد أخبر النبي ﷺ بأن من ميزة آخر زمان هذه الأمة أن تكثر الأهواء والفتن، وأن يكون لهذه الفتن آثار في حياة الناس، وهذه الآثار تبرز في استقامة هؤلاء الناس، كما قال الرسول ﷺ : (ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) وقال: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: وما المخرج منها يا رسول لله؟ قال: كتاب الله وسنتي).
وهذه الفتن التي نعيشها اليوم هي -والله- كقطع الليل المظلم، يرقق بعضها بعضاً كما أخبر الرسول ﷺ ، فإذا جاءت الفتنة قال المرء: هذه مهلكتي، فإذا جاء ما بعدها قال: تلك أهون من هذه.
والخلاص منها يكون بالاستقامة على دين الله، فإنّ الدين واضح، والمحجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقد نلاحظ في حياة الناس هذا التقلب في كثير من الأحيان، ولا يكاد الإنسان يسر بأن فلاناً من الناس قد استقام على دين الله بعد أن كان منحرفاً، إلا ويفاجأ -في بعض الأحيان- بأنّ فلاناً قد انحرف عن هذا الدين؛ لنشاط دعاة الباطل، وضعف دعاة الحق، ولوجود بيئة متلوثة في العالم الإسلامي كله، وهذه البيئة المتلوثة فيها من الفتن ما قد يؤثر على عقول كثير من أبناء المسلمين.
إنّ المؤمن مطالب بالاستقامة والثبات على الحق ولو انحرف كل الناس، بحيث لا يرتبط هذا المرء بغيره من الناس ارتباطاً يجعله ينحرف معهم، وإنما يرتبط بهم ارتباطاً يجعله يستقيم معهم إذا استقاموا، فإذا انحرفوا لزم المنهج الصحيح ولو لم تكن الدنيا معه بل ضده، ويتمثل بقول الشاعر في حق الله : فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
стр. 1160
الاستقامة سبب للنجاة والسلامة في الدنيا والآخرة
إنّ الاستقامة والثبات عليها أمر لا مناص منه للمؤمن، خصوصاً في زمن التقلبات والأهواء والفتن، وفي زمن المساومة على دين الله تعالى في كثير من الأحيان من قبل كثير من المسلمين، تلك المساومة التي يسيل لها لعاب كثير من الناس، ولكن المسلم حقاً لا يمكن أن يرجع من منتصف الطريق، بل يكمل هذا المشوار إلى ربه وإلى الدار الآخرة، وهذه الاستقامة هي أفضل سلاح يستطيع المؤمن من خلاله أن يتخطى هذه العقبات التي تقف في طريقه وتعترض سبيله، وحينئذٍ لا يضره من خالفه ولا من خذله حتى يأتي أمر الله تعالى.
هذه الاستقامة هي التي تؤمن الإنسان في ساعة الموت، كما أنها تؤمنه في هذه الحياة الدنيا، فإذا كان مستقيماً على المنهج الصحيح لا يغير ولا يبدل، ولا يقبل المساومة، ولا يقبل أي منهج غير هذا المنهج الذي اقتنع به، وعرف أنه هو المنهج الصحيح الذي جاء به المرسلون من عند الله ؛ فإنّه يبشر في ساعة الموت بجزاء هذه الاستقامة، فتنزل عليه ملائكة تبشره في ساعة الاحتضار حينما تلتف الساق بالساق، وحينما تكون رجل في الدنيا ورجل في الآخرة، وحينما يريد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مدبراً عن الحياة الدنيا، ومقبلاً على الله والدار الآخرة، في ساعة رهيبة يفكر فيها الإنسان فيما أمامه من مخاوف: من حياة البرزخ وما فيها من الأهوال والمخاوف، والقبر وضمته، وسؤال الملكين، وما بعد حياة البرزخ من الصحف التي تسجل فيها الأعمال، والموازين التي توزن فيها الأعمال، والصراط والأمور الهائلة في ذلك الموقف.
وهو أيضاً يتصور هذه الحياة الدنيا وما فيها من أهل ومتاع، ويريد أن يودعه، فمن استقام على دين الله فإنه في ذلك الموقف الرهيب تنزل عليه الملائكة مبشرة له، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] أي: كنا معكم، وكنا -بأمر من الله نثبتكم، ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١]، هذا جزاء الاستقامة، وإذا ثبّت الله الإنسان في الحياة الدنيا ثبته في ساعة الموت، وثبته حينما يريد العبور على الصراط الدحض المزلة، الذي ورد وصفه بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف، ويغطيه دخان جهنم.
فالمستقيم يثبته الله على الإيمان، فلا تستطيع هذه الفتن العاصفة، وهذه الأهواء المضلة، وهذا الزمان المغبر المخيف المرهق أن تغير مبدأ هذا المسلم الذي عرف الله ، واقتنع بهذا المبدأ، ورضي بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، ويثبته الله في المواقف العصيبة.
стр. 1161
الاستقامة هي أخذ الدين من جميع جوانبه دون استثناء
إن الاستقامة التي يطالب الله الناس جميعاً أن يثبتوا عليها بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ﴾ [الشورى:١٥] هي أخذ الدين من جميع جوانبه، لا أن يتتبع المرء ما سهل عليه أو وافق هواه؛ لأننا حينما نأخذ من هذا الدين ما رق ولان، ومن هذه الأحكام ما سهل، ومن هذه العبادة ما تيسر، ونترك ما شق على النفوس؛ لم نكن مستقيمين، ولكن الاستقامة أن يأخذ بهذا الدين في المنشط والمكره، وأن يثبت على هذا المبدأ ولو تخلف عنه الناس أجمعون، فهو يسير على هذا المبدأ القويم ويستقيم عليه حتى يلقى ربه .
ولذلك كان الرسول ﷺ -وهو رسول الله ﷺ يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) أي: أنّه يطلب من الله أن يستقيم على هذا الدين، وتقول له عائشة في ذلك: (كيف تخاف على نفسك يا رسول الله؟! قال: إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
стр. 1162
الاستقامة المحمودة هي التي تكون حتى الممات
لقد زلت القدم بأقوام كانوا على منهج قويم، وكانوا على حال مشرفة، لكن الله تعالى كتب لهم الشقاوة في الخاتمة، وكل ميسر لما خلق له، فمن خلق للسعادة مات عليها، نسأل الله ذلك! ومن خلق للشقاوة وللنار فإنه يموت على الشقاوة، ولو كانت حياته كلها في طاعة الله ، والعبرة بالخواتيم، الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وقال يعقوب ﵇ حينما حضرته الوفاة: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، فالعبرة هنا على ساعة الموت لا على مدة الحياة، وهذا هو معنى الاستقامة؛ لذا لا تعتبر الاستقامة استقامة إلا مع حسن الخاتمة.
стр. 1163
الاستقامة أمر وسط بلا إفراط ولا تفريط
نستطيع من خلال كلمة (فاستقم) أن نأخذ معنىً آخر وهو: أن دين الإسلام دين وسط بين طرفي نقيض دائماً وأبداً، فإذا نظرت إلى الأفكار العصرية والأفكار القديمة والمذاهب والملل وجدت أنها على طرفي نقيض دائماً، فجانب إلى اليمين وجانب إلى الشمال، والإسلام وتعاليمه يمثل جانب الوسط، وهو جانب الاستقامة، وإليك بعض الأمثلة على ذلك: فهناك جانب يقدس الروح ويهمل الجسد، وهو منهج الصوفية، ويقابله جانب آخر يقدس الجسد ويهمل الروح، وهو عالم المادية الطائشة في أيامنا الحاضرة، بينما نجد أن الإسلام يستقيم في معاملة الاثنين جميعاً، فلا يهمل الروح ولا يهمل الجسد، ولكنه يربي الروح والجسد، فيعطي الروح حقها، لكن لا يكون ذلك على حساب الجسد، ويعطي الجسد حقه ولا يكون ذلك على حساب الروح، فلا هو بالصوفية الموغلة التي لا ترعى حقاً للجسد، ولا هو بالمادية المنحرفة التي لا تعطي الروح شيئاً من حقها.
وفي جانب الاقتصاد نجد أن في عالمنا نظامين كافرين: نظاماً يسمى بالشيوعية الاشتراكية، يبتز أموال الناس لا للفقراء، ويقابله في الطرف الآخر نظام آخر، وهو الرأسمالية في مفهومه العصري، لا يبالي من أين يكسب المال ولو كان عن طريق الربا أو المحرمات، المهم أن يكون هناك مال، ولا يحترم هذا المال، ولا يعتبر فيه حقاً للسائل والمحروم من الزكاة وغيرها.
ونجد في الوسط دين الإسلام، فهو ملة وسط، فلا هو بالذي يأخذ أموال الناس بغير حق، ولا هو بالذي يجعل الأمر مفتوحاً لهذا الإنسان أن يكسب المال متى شاء ومن أي طريق شاء، إذاً فهو الطريق الوسط المستقيم.
وفي باب المعتقد نجد المعطلة والمشبهة على طرفي نقيض، ونجد أن الجانب الوسط هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تشبيه ولا تعطيل، وهكذا دائماً نجد الإسلام ديناً وسطاً مستقيماً بين طرفي نقيض، وهو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً، ومنهجكم منهج الوسط، فلا هو بالجانب المنحرف ذات اليمين، ولا هو بالجانب المنحرف ذات الشمال.
стр. 1164
الاستقامة كما أمر الله لا كما تشتهيه الأنفس
إن هذه الأمة مطالبة بأن تسير على هذا المنهج القويم: (فاستقم كما أمرت)، وهذه الاستقامة مقيدة هنا بقوله تعالى: (كما أمرت)، فهل هناك استقامة منحرفة؟! نعم، فقد تكون الاستقامة في الظاهر، لكنها منحرفة وليست كما أمر الله رسوله ﷺ ، حتى الرسول ﷺ ليس له حرية في أن يختار طريق الاستقامة؛ بل الأمر كما قال الله تعالى: (كما أمرت).
أيها الإخوان! إن من يسير في العالم الإسلامي سيرى أقواماً أحدثوا عبادات لو نظرت إليهم من أول وهلة لقلت: هؤلاء هم عبّاد الله في الأرض، وإذا نظرت إليهم بعين البصيرة وجدت أنهم من أبعد الناس عن دين الله ، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]، والعجيب أنها عاملة خاشعة ناصبة تقية -في الظاهر- لكنها تصلى ناراً حامية!! لأنها لا تسير على المنهج الصحيح الذي جاء من عند الله ، يحدثون في دين الله، ويشرعون لأنفسهم من العبادات ما لم يأذن به الله، وكلما أعجبتهم عبادة قالوا: هذه بدعة حسنة، مع أن الرسول ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة)، فليس هناك في الإسلام بدعة حسنة، وقد تطورت هذه البدع إلى أن وصلت إلى درجة الشرك بالله ، فتعبد الأصنام الآن من خلال ما يسمونها بالبدعة الحسنة! لقد رأينا أُناساً يسجدون للقبور، وقد ولوا ظهورهم صوب الكعبة، ووجوههم -وهم ساجدون لغير الله صوب القبور والأضرحة، يعبدون أناساً قد صاروا تراباً، ويسجدون لهم من دون الله ، وحينئذٍ نعرف أن الشرك قد عاد على أشده، فإنّ أكبر مرحلة وصل إليها الشرك في آخر أيام الشرك يوم فتح مكة، وهي آخر لحظة من لحظات الشرك، وكان عدد الأصنام ستين وثلاثمائة صنماً تعبد من دون الله، وقد كسرها رسول الله ﷺ ، وانتهى الأمر، وأما في وقتنا الحاضر فإنّ الإحصائيات تقول: إن في العالم الإسلامي أكثر من عشرين ألف ضريح يعبد من دون الله.
وقد رأيت أنا بعضها؛ فيها حجاج من جميع بلاد العالم، ويحجون إليها أكثر ممن يحج إلى الكعبة المشرفة، والطواف حولها أكثر من الطواف حول الكعبة المشرفة، وتراهم يريقون الدموع في ذلك الموقف، ويتوسلون، ويدعون، ويخشعون، ويذبحون ويريقون من الدماء أكثر مما يفعله المسلمون في أيام منى! فقلت: سبحان الله! لقد عاد الشرك الآن على أشده، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن تلك الغربة ستعود أعنف مما كانت، وبلادنا هذه -والحمد لله- لا تعرف الشرك بهذا المعنى، فقد حماها الله من هذا الشرك بدعوة سلفية صالحة، نسأل الله أن يثبتنا على التوحيد، لكن نريد أن نصلح ما دون ذلك.
والخلاصة -أيها الإخوة- في قول الله تعالى: (كما أمرت): ألّا تستقيم كما يروق لك، حتى رسول الله وخاتم الأنبياء وخير المرسلين، قال له ربه: استقم كما أمرت، أي: لا كما تريد، ولا كما يحلو لك.
إن الاستقامة لها قيود وشروط، والعبادة لها ضوابط، وقد أكمل الله تعالى هذا الدين بحيث لا يصبح أُلعوبةً لبعض المسلمين يزيد فيه وينقص، ويتهم الله بعدم إكمال هذا الدين، وهو الذي يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، ويتهم النبي ﷺ بعدم تبيين هذا الدين، وهو الذي يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها).
стр. 1165
الطغيان من أسباب الهلاك والعذاب
الأمر الثاني من هذه الأوامر: (ولا تطغوا)، والطغيان في اللغة العربية معناه: تجاوز الحد، سواء كان ذلك في العبادة أو في المعصية، فتجاوز الحد في المعصية يعتبر طغياناً في الأرض، فالمتجبرون الذين يسومون الناس سوء العذاب، والذين يريدون أن تخضع لهم هذه الشعوب على غير منهج الله ، هم طغاة البشر.
стр. 1166
خطر الطغيان والغلو في جانب العبادة
هناك طغيان في العبادة، والمراد به: تجاوز الحد، أي: كونوا وسطاً؛ ولا تتعدوا هذه الحدود ولو كان ذلك في أمر العبادة؛ ولذلك فكل أوامر الإسلام مضبوطة ببداية ونهاية، وبحدود وحواجز؛ لئلا يفكر أحد من الناس أن يزيد فيها أو أن ينقص، فإنّ من زاد في شرع الله فإجرامه أكبر مِن إجرام مَن نقص منه؛ لأن من نقص من شرع الله فهو عاصٍ، وأما من زاد فيه فإنه يضع نفسه في مقام الربوبية التي لا تجوز لأحد إلا لله وحده، وهذا هو الطغيان، ولهذا فإن أوامر الإسلام محدودة: خمس صلوات لا نزيد عليها كفرائض، وصيام رمضان لا نزيد عليه، حتى إنّ من صام اليوم الذي يشك فيه قبل رمضان فقد عصى أبا القاسم ﷺ ، فلا نزيد يوماً قبله ونعتبره من رمضان، ولو كان ذلك اليوم يوم شك على سبيل الاحتياط فيه، ولا يجوز أن نصوم يوم العيد؛ لأنه يزيد في رمضان، وهكذا كل العبادات تجدها قد رُسم لها طريق بداية ونهاية وحدود، بحيث لا يستطيع أحد من الناس أن يزيد فيها أو أن ينقص، ولذا قال الله تعالى: (ولا تطغوا) أي: لا تتجاوزوا الحدود في هذا الأمر، فإن الإفراط أخطر على حياة المسلم من التفريط.
جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي ﷺ فسألوا عن عمله، فذكر لهم عمله، فكأنهم تقالوا هذا العمل، فقال أحدهم: (أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد -أي: يصلي كل الليل- وقال الثاني: وأما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، -أي: يريد أن يتبتل وينقطع عن العبادة- فلما علم الرسول ﷺ بقولهم غضب غضباً لم يغضب مثله، وقال: أما إني أتقاكم لله وأعلمكم بالله، وإني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
إذاً: فالإفراط وتجاوز الحد والطغيان في العبادة أمر لا يقل خطراً عن أمر التقصير في العبادة، بل يزيد خطره على ذلك.
وهنا ننبه على أمر يقع فيه كثير من الناس وهو: أنّ كثيراً من شباب المسلمين -الآن- حينما يتجهون إلى الله فإنهم يوصفون بالتطرف، أو يوصفون بالتشدد، وما هذا الأمر بتشدد في الحقيقة، إنما هو دين، لكن لما غفل الناس عن هذا الدين مدة طويلة من الزمن، وهدى الله هذه الشبيبة المسلمة؛ ظن كثير من الناس أن هذا تجاوز وتعدٍّ للحدود، فصاروا يسمونه تطرفاً، ومرة أخرى يسمونه وسواساً، وحيناً يسمونه شدة في الدين إلى آخر ذلك، حتى إنهم يسمونه في بعض الأحيان رجعية وتخلفاً، وهذا حقيقته الطعن في الدين، وهذا هو ما يحدث بالنسبة لمن يسنون الشرائع الأرضية، والقوانين البشرية، فإنهم يقولون: هذا الدين لا يصلح لهذه الحياة، إذاً لابد أن يأتوا بقوانين وآراء الرجال، ويضلون الأمة عن الطريق المستقيم ﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢].
стр. 1167
الركون إلى الظالمين من أسباب الهلاك والعذاب
قال تعالى في الأمر الثالث: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، اعلم أنّ كلمة (الظلم) تأتي في الشرع على ثلاثة معانٍ: فتأتي بمعنى: التعدي على حقوق الناس، يقول الرسول ﷺ : (من ظلم من الأرض قيد شبر) الحديث، وتأتي بمعنى: الشرك بالله ، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وتأتي بمعنى: المعصية؛ صغيرة كانت أم كبيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢]، فلها معان متعددة؛ ولذلك فإن الظالم -بكل معانيه- لا يجوز لأحد أن يتعاون معه، أو يركن إليه، أو يجالسه، أو يشاربه، أو يعاونه في أي أمر من الأمور، فمن عاونه مسته النار.
إنّ الميل إلى الظالمين يسبب مس النار والإحراق في نار جهنم، فكيف بالظالم نفسه الذي يتعدى على حرمات المسلمين وأموالهم وحرياتهم وحقوقهم وأعراضهم، وغير ذلك؟!! فالأمر خطير جداً، ولذلك فإن هذه الآية: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) تحذر المسلمين من أن يميلوا إلى طغاة البشر أو أن يتعاونوا معهم، كما تحذر المسلمين من أن يميلوا إلى الكافرين، وتحذرهم أيضاً من مخالطة الفسقة والعصاة؛ لأن ذلك يسبب فسقاً وعدواناً في الأرض؛ ولذا فإن الله عاتب نبيه ﷺ حينما فكر تفكيراً بعيداً في أن يجذب القوم إلى الإسلام عن طريق الميل القليل إليهم؛ كأن يخصص لهم مجلساً، أو أن يلين مع كفار قريش من أجل أن يجذبهم إلى الطريق المستقيم، يقول الله تعالى له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، فالركون شيء قليل، والعذاب مضاعف في الحياة الدنيا وبعد الموت، مع أنه رسول الله ﷺ !! إنّ نبينا محمداً ﷺ -وهو خير البرية المبلغ من عند الله- عندما فكر في أن يركن إليهم شيئاً قليلاً، هدده الله تعالى بالعقوبة ضعف الحياة وضعف الممات، إذاً فماذا نقول في ركون المسلمين إلى الكافرين هذا الركون الطويل العريض، حتى أصبح بعضهم يسب الإسلام من خلال أخلاق هؤلاء الكافرين، ويسب المسلمين تصنعاً لهؤلاء الكافرين، بسبب ابتسامتهم في وجوهنا، ويقول هذا المسلم الخائن: الكفرة خير من هؤلاء؟! كلمات نسمعها دائماً وأبداً، ولربما يزيد الأمر خطورة حينما يصل إلى درجة محبة هؤلاء.
إذاً: فالأمر خطير، الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، والتنوين في (إذاً) يسمى بتنوين العوض، والمعنى: إذاً لو ركنت إليهم شيئاً قليلاً ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥]، أي: عاقبناك عقاباً شديداً مضاعفاً في الحياة الدنيا وبعد الموت.
стр. 1168
ضرورة استقلال الشخصية الإسلامية وعدم ركونها إلى غيرها
لقد أمر الله الشخصية الإسلامية أن تستقل عن غيرها، وأمر المسلمين ألا يستعينوا بالكافرين، وألا يركنوا إليهم وألا يميلوا إليهم، وألا تكون هناك محبة أو موالاة لهم، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] وهم الكفرة ﴿وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، يعني: لا تواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباً لك، وانظر إلى امتثال ذلك في حال إبراهيم ﵊ حينما تبرأ من أبيه لأنه رجل كافر، قال تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤].
وهذا نوح ﵊ يلومه الله تعالى أن مال قليلاً إلى ابنه الكافر: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، ثم يقول: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فيعتبرها نوح ﵊ ذنباً عظيماً اقترفه في جنب الله فيقول: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧].
وهذا نبينا محمد ﷺ ، ينزل الله في عمه أبي لهب قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، وأدنى النبي ﵊ الأباعد من الرجال، وأبعد الأقارب؛ لأن أولئك الأقارب الذين أبعدهم أعداء لله ولرسوله، ولأن أولئك الخيار الذين أدناهم من أولياء الله تعالى ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
ولما أنزل الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١] قال المنافق عبد الله ابن أُبي بن سلول لعنه الله: نريد أن نعقد حلفاً مع اليهود؛ فإنا نخشى أن تصيبنا دائرة، يعني: نخاف من أيام الدنيا فنستعين بهم على نوائب الحياة، مع أنهم يسكنون المنطقة التي يعيش فيها المسلمون، فينزل الله تعالى آية أخرى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة:٥٢] أي: المنافقين ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة:٥٢] أي: في ولاية الكافرين، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] فما هو الحل؟ الحل: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
إذاً: فالركون إلى الكافرين محبةً وموالاةً أمر خطير جداً، قال الله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فإن العقوبة شديدة وليست هينة، فالمس هنا معناه: الإحراق بالنار.
стр. 1169
خطورة مجالسة الفسقة والعصاة والركون إليهم
مجالسة الفسقة والعصاة أمر خطير جداً؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، ويقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، وكم يسخر أعداء الإسلام من هذا الدين، ويضحكون من المتدينين، وكم يتفكه كثير من أصحاب المجالس -وإن كانوا من المنسوبين إلى الإسلام- بالدين والمتدينين، حتى إذا ذهب أحدهم إلى أهله انقلبوا فكهين! فيضحك مع زوجته قائلاً: والله! ابن فلان من الناس كأنه مصاب بعقله، أراه قد قصر ثوبه، وأرخى لحيته! كذا يسخر من دين الله ، وربما يقول: فلان أصيب بالوسواس.
حتى ربما يسخر من ولده حينما هدى الله أبناء المسلمين إلى الفطرة في أيامنا الحاضرة، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣]، ولكن هذه السخرية وهذا الضحك تنقلب رأساً على عقب في يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٥]، فيطلعون عليهم وهم في نار جهنم، ويأتي دور المؤمنين في الضحك، فيضحكون منهم.
أيها الإخوة! إنّ من البلاء مخالطةَ الظلمة ومجالستهم، والاطمئنان والركونَ إليهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود:١١٣]، ولذلك فإن المسلم مطالب ألاّ يركن إلى الكافرين، أي: لا يتخذ ركناً يعتمد عليه بعد الله إلا في المؤمنين ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ﴾ [المائدة:٥٥]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤]، ولا يركن إلى الفسقة وإن كانوا مسلمين.
стр. 1170
اتخاذ بطانة الشر من الركون إلى الظالمين
الركون معناه: أن تتخذ هذا الرجل أو هذا الإنسان كالركن تعتمد عليه كما تعتمد على الجدار أو على الركن، أي: فتتخذ هذا الرجل الكافر أو الفاسق أو الظالم أو الطاغية ركناً تعتمد عليه من دون المؤمنين، وهذا هو الخطر، وهذه هي البطانة التي حذر الله من اتخاذها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: من غيركم ممن لا يوافقكم في دينكم وعقيدتكم، فإنّ اتخاذهم بطانة أمر خطير جداً؛ ولهذا فإن كثيراً ممن وقعوا في سخط الله إنما وقعوا في ذلك بسبب هذه البطانة، ولم يوفقوا إلى جلساء صالحين، ولعل السر في ذلك: أنهم أعرضوا عن شرع الله ، فقيض الله تعالى لهم هذه البطانة، وهذا ما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، سواء كان من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) أي: لا يتركه حتى يكبَّه في نار جهنم.
فالأمر خطير، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، فمصاحبة الفسقة أمر خطير، يذهب بالإنسان مذاهب خطيرة، فهؤلاء الفسقة ربما يفسدون على الرجل الصالح -الذي لم يحسن اختيار الجلساء- صلاحه ودينه، فلا يدعوه حتى يخرجوه من الملة، ولذلك فإن المسلم مطالب بألّا يخالط إلا الأتقياء، وألّا يأكل طعامه إلا الصالحون، وألّا يأنس إلا بأولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإن رغب عن هذا المنهج فإنه على خطر، ويكون من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا؛ فتمسه النار، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود:١١٣] أي: ليس لكم أي ولي من الأولياء، و (من) هنا زائدة للتأكيد، والمعنى: أن هؤلاء الذين ركنتم إليهم لا يستطيعون أن يدفعوا عنكم ضراً أو يجلبوا لكم نفعاً، أياً كان هذا النفع وأياً كان هذا الضر؛ لأن دخول (من) في هذا المكان بعد النفي تفيد العموم المطلق، والمعنى: أي ولي اعتمدتم عليه غير الله، فإن هذا الذي اعتمدتم عليه ليس ولياً يركن إليه، وإنما هو عدو لهذا الذي ركن إليه.
ولذلك يقول الله تعال: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود:١١٣] أي: لا يستطيع ذلك أن ينصركم من دون الله، ولذا شبّه الله تعالى الذين اعتمدوا على غيره، وركنوا إلى غير الركن الشديد، واتخذوا بطانة من غير المؤمنين؛ شبههم بالعنكبوت حينما تبني لها بيتاً تدافع به عن نفسها، وتتحصن به في وقت الشدائد، فلا يستطيع هذا البيت أن يحمي هذه العنكبوت، فهؤلاء أشبه ما يكونون ببيت العنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]، وقد جاءت هذه الآية بعدما أخبر الله بأنه أهلك الأمم الذين اتخذوا بطانة من غير المؤمنين، وصرفوا العبادة لغير الله، وظنوا أن هذه الآلهة تدفع عنهم ضراً أو تجلب لهم نفعاً، قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠ - ٤١].
стр. 1171
وجوب الركون إلى الله تعالى دائماً وأبداً
يجب على المسلم أن يركن إلى الله دائماً وأبداً، في حال الشدة وفي حال الرخاء، ولا ينسى ربّه في حال الرخاء فيتخلى الله عنه في وقت الشدة؛ بل عليه أن يتعرف إلى الله في وقت الرخاء حتى يعرفه في الشدة، وأخطر الأمور كلها: أن يَنسى الله في وقت الرخاء وفي وقت الشدة، يقول النبي ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، ويقول : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر:٦١]، فما دام أنهم اتقوا الله في أيام الرخاء ينجيهم الله في وقت الشدة في الأمور المخيفة التي لا يستطيعون أن يدفعوها عن أنفسهم، وإنما يدفعها الله بمقدار ما تقربوا إليه في وقت الرخاء واتقوه.
стр. 1172
خطر تقليد الآباء والأجداد في الدين
أيها الإخوة! إن من أخطر الأمور أن يميل المسلم إلى الكافر، أو أن يأخذ دينه من غير المنهج الصحيح، وذلك حينما يقلد الآباء والأجداد، ولذلك فإن حال الكافرين الأولين، وكذلك المشركين في أيامنا الحاضرة: ﴿وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠] أي: ما وجدنا، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] أي: لو كان الآباء قد ضلوا الطريق فإن الأبناء سيضلون الطريق؛ بسبب تمسكهم بمنهج آبائهم ولو كان آباؤهم على غير الدين والمنهج الصحيح!! وهذا هو السبب في انحراف كثير من الناس، وهو الذي جعل لجهنم ملأها، وهو الذي جعل الكبر يملأ قلوب وعقول أولئك الناس الذين لا يريدون أن يتبعوا المنهج الصحيح، وإنما يتبعون ما وجدوا عليه الآباء والأجداد، حتى لو كان الآباء والأجداد لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.
стр. 1173
خطر موالاة الكافرين
إنّ المسلم مطالب بألّا يعتمد إلّا على الله ، وألّا يركن إلا إلى المؤمنين، وألا يتخذ البطانة إلا من المؤمنين، وألّا يوالي الكافرين؛ فإن موالاتهم أمر خطير يجب على المسلم أن يحذره، وأن يعلم أن أعداء الإسلام وإن ابتسموا في وجوه القوم فقلوبهم مملوءة حقداً على هؤلاء الناس، كما قال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٨]، فكم ابتسموا في وجوه الناس وفي وجوه المسلمين ثم قلبوا لهم ظهر المجن في لحظة سريعة.
فمن الذي يجوب خلال ديار المسلمين اليوم، وينشر الفساد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل في بلاد المسلمين؟! ومن الذي استولى على بلاد المسلمين مائة وسبعين عاماً والدماء تجري كالأنهار؟! حتى نصارى العرب لم تغن عنهم قوميتهم من دون الله شيئاً، فهم الذين فتحوا الباب للصليبيين حينما قدموا عن طريق لبنان، وهذا يشهد به التاريخ.
الرابطة هي رابطة العقيدة، والأخوة هي الأخوة في الله ، وهي أوثق عرى الإيمان، لكن الله تعالى يقول لنا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، فإذا كانت المسألة مسألة عدل وإنصاف فحينئذٍ لا يجوز للمسلم أن يميل مع المسلم ضد الكافر إذا كان الحق لغير المسلم.
стр. 1174
الصلاة من أسباب النجاة من غضب الله تعالى وعقابه
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤] إنّ الصلاة على طرف نقيض مما سبق من الركون إلى الكافرين؛ لأن الصلاة ركون إلى الله ، واستمداد للقوة من الله مباشرة، وتتجدد وتتكرر كل يوم خمس مرات، فكلما ضعف اليقين في قلب هذا الإنسان، أو ضعفت قوته وخارت؛ فإنه يرتبط بالله ، ويقف بين يديه؛ ليستمد منه العون والتوفيق، فيخشع بين يدي الله خمس مرات، وينحني له، ويضع جبهته خضوعاً لله ، ويتوسل إلى الله بآياته، ويعظم الله بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، وهذه أفضل العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه .
ولذلك لما ذكر الله تعالى موالاة الكافرين بيّن كيف يجب أن تكون الموالاة له وحده فقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، وطرفا النهار: صلاة الفجر وصلاة المغرب والعشاء، أو صلاة الفجر والمغرب، (وزلفاً من الليل) هي صلاة العشاء، وتدخل صلاة الظهر وصلاة العصر في الطرف الثاني من النهار، فالمراد هنا بالصلاة: الصلوات الخمس التي هي أعظم فريضة شرعها الله على عباده، وقد فرضت فوق السماء السابعة، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله، وهي آخر ما يفقد من هذه الأمة، وأي أمة تُفقد فيها الصلاة فلا حظَّ لها في هذا الدين، قال رسول الله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
لقد غفل بعض المسلمين عن أولادهم فارتدوا عن الإسلام حينما تركوا هذه الصلاة المكتوبة، وهذا أمر خطير جداً، ليس الأمر مجرد معصية فحسب، ولكنه يتعداها إلى درجة الكفر والردة عن الإسلام، نسأل الله العافية والسلامة!
стр. 1175
الصلاة طهارة من الذنوب الآثام
إنّ الصلاة صلة بين العبد وربه ، وتطهر الإنسان من الآثام كنهر غمرٍ بباب أحدنا يغتسل منه خمس مرات كل يوم فهل يبقى من درنه شيء؟ وقد نزلت هذه الآية في رجل من الصحابة ﵁ فعل ذنباً، وهو أنه قبل امرأة، فجاء إلى الرسول ﷺ وقال: (يا رسول الله! عملت ذنباً عظيماً، قبلت امرأة، فأمره الرسول ﷺ أن يجلس، فأنزل الله تعالى في حقه وفي حق جميع المسلمين إلى يوم القيامة لتكفير صغائر الذنوب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فلما نزلت هذه الآية تلاها ﷺ على هذا الرجل، فقال: يا رسول الله! ألي خاصة أم لجميع الأمة؟ قال: بل لجميع أمتي)، وهذه من نعمة الله أن شرع لنا هذه الصلاة العظيمة التي يكفر الله بها هذه السيئات التي يقترفها الإنسان في حين غفلة، أو في حين انحراف، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
стр. 1176
خطر السهو عن الصلاة وتأخيرها عن وقتها
الصلاة أمرها عظيم، وشأنها خطير، وقد يتأخر عنها الإنسان بعض الوقت، فيؤدي ذلك إلى أن يتساهل في مواقيتها؛ بحيث يصليها في غير وقتها، فيكون من الذين قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]، فإذا كان هذا الأمر في تأخير الصلاة عن وقتها، فكيف بتركها كلية؟! نعوذ بالله من ذلك! وقال الله في سورة الماعون: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، والويل هو العذاب الشديد، فإذا كان العذاب الشديد للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، فما هو مصير الذين لا يركعون لله ركعة واحدة، ولا يعرفون الطريق إلى المسجد إلا حينما يقدّمون جنازة يصلي عليه المسلمون؟! نسأل الله السلامة والعافية! وهذا كثير فيمن ينتسب إلى الإسلام في أيامنا الحاضرة، نسأل الله لنا ولهم الهداية والاستقامة.
стр. 1177
أهمية الصلاة ووجوب إقامتها على كل حال
أيها الإخوة! إنّ الصلاة هي رأس العبادات البدنية، وقد فرضها الله من فوق السماء السابعة، بينما كل شرائع الإسلام فرضت على الأرض؛ ليعرف هذا الإنسان أهمية هذه الصلاة التي لم يكن الرسول ﷺ يتركها في أي حال من أحواله، حتى في ساعة المعركة والنفوس تختطف، والرءوس تقطع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]، ولو كنت تركض على الأقدام فلابد أن تصلي، ولو كنت على البعير أو على الدابة، لا تترك هذه الصلاة أبداً في ساعة المعركة ولو كنت على أي وسيلة من وسائل القتال، لابد أن تؤدي هذه الصلاة، ولا تسقط حتى في حال المرض، فإذا كان الصيام يؤخر في حال المرض كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، والحج يؤخر إلّا لمن استطاع إليه سبيلاً، لكن الصلاة يقول ﷺ فيها: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، ولو أن يومئ إيماءً، أو يحرك عينيه حركة، فلابد أن يشعر أن هذه الصلاة فريضة، وشعيرة عظيمة، لا تسقط بأي حال من الأحوال ما دامت الروح في الجسد.
ولذلك لا تتعجبوا أيها الإخوة! حينما يقول الله تعالى في وسط هذه الأوامر العامة: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ)، وكلمة (أقم) لها معنى غير معنى (صل)، فمعنى (صل) أي: أدَّ الصلاة، لكن معنى: (أقم) أي: ائت بها مستقيمة كاملة غير ناقصة.
стр. 1178
الصلاة تكفر صغائر الذنوب
قال الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، كم يقترف الناس من السيئات التي قد يشعرون بها أو لا يشعرون.
فأعطاهم الله هذه الصلاة العظيمة التي تكفر عنهم هذه الصغائر، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة، وهذه التوبة بابها مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، هذا بالنسبة إلى عامة الناس، وأما بالنسبة لخاصة الناس -أي: لكل واحد من الناس- فما دامت هذه الروح في ذلك الجسد فباب التوبة مفتوح إلى قبل الموت ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٧]، فقوله تعالى: (من قريب) أي: قبل الموت، فلا يفرط الإنسان في هذا العمر، ولا يمهل، ولا يغتر بالصحة والعافية والقوة والشباب، لا يؤخر التوبة فقد يهجم عليه الموت على غرة فلا يستطيع أن يستعتب، ويقول وهو في حسرات الموت وفي سكرات الموت: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فيقال له: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: لا ترجع أبداً، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
стр. 1179
خطر ترك الصلاة
أيها الإخوان! إن ترك الصلاة ردة عن الإسلام، يقول العلماء: من ترك الصلاة فإنه كافر مرتد، وإذا كان في عصمته امرأة مسلمة فإنه يجب أن يفرق بينهما؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ويقول بعض العلماء: إنّ الأولاد الذين يولدون في فترة عدم صلاته موضع شك هل هم أولاد شرعيون أم هم غير شرعيين؟! ويقولون: لا يكفن، ولا يغسل، ولا يقبر في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يدخل المسجد، فالأمر خطير يا إخوان! وكثير من الذين يتركون الصلوات الخمس، أو يتركون بعضها يغفلون عن هذا الأمر الخطير، ويغفلون عن هذه المسئوليات الكبيرة، ويصبح أولادهم موضع شك بالنسبة لإلصاقهم بهم من الناحية الشرعية، ويفرّق بينهم وبين زوجاتهم، فالمراد أنّ حياتهم تتغير تغيراً كاملاً، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن يجعلنا وإياكم وذرياتنا ممن يقيم الصلاة، ويخشى الله .
стр. 1180
فضل الصلاة مع الجماعة
ومن مظاهر الاستقامة: إقامة الصلاة، وهي أعظم وأهم مظهر من مظاهر الاستقامة على دين الله تعالى، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، بل إن من ترك الصلاة مع الجماعة فإنّه يخاطر بدينه، فتراه يسمع المنادي يقول له: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وكأنه لا يسمع، فإذا جاء يوم القيامة قيل له: اسجد لله ما دمت لم تسجد، فلا يستطيع السجود؛ لأن الظهر يعود طبقاً واحداً، فينكب على وجهه في نار جهنم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣] أي: في الدنيا ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣]، إنّهم معافون الأجساد، ومع ذلك لا يستجيبون، والمنادي ينادي من جانب داره كل يوم خمس مرات: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يرفعون لذلك رأساً، ولا يقيمون له وزناً، فيكشف عن ساق يوم القيامة، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون السجود.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ في وصف المجتمع الإسلامي الذي عاشه: (إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس من سنن الهدى، ولو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم)، والصلاة في البيت تؤدي إلى ترك الصلاة نهائياً؛ لأنه عصى الله تعالى، والله يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، قال: (ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم).
ثم يقول عن مجتمعه: (ولقد رأيتنا -ونحن أصحاب رسول الله ﷺ وما يتخلف عنها -أي: في المسجد- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل منا يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) أي: أنه لا يستطيع المشي، فيحمله اثنان حتى يقيمانه في الصف، مع أن صلاة الجماعة غير واجبة عليه، لكنه لا يريد أن يتخلف عن الصلاة مع المسلمين.
стр. 1181
بيان أهمية الصبر وأنه من لوازم الاستقامة
يقول تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٥] أي عبادة من العبادات لابد أن يكون من أهم مقوماتها الصبر، والصبر معناه: حبس النفس، وعدم الشكوى.
والاستقامة تحتاج إلى صبر؛ لأن الإنسان ربما يكون في مجتمع يرهقه أن يكون مثل هذا الرجل الصالح فيهم، فيضايق؛ فلابد له من الصبر، وقد يفسد المجتمع فتحتاج الاستقامة إلى شيء كثير من الصبر والمصابرة، ودائماً الصبر هو طريق الفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
إن الركون إلى الكافرين قد تفرضه بعض الظروف على المسلم، فهو مطالب أن يصبّر نفسه حتى لا يركن إلى الكافرين، والصلاة تحتاج إلى صبر؛ لأنها عبادة تتكرر كل يوم خمس مرات، ولا يطيقها إلا الصابرون الذين يصبرون أنفسهم على طاعة الله وعن محارم الله، وهكذا يكون الصبر دائماً هو طريق الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 1182
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النجاة من غضب الله تعالى وعذابه
يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود:١١٦]، أي: لم يكن في الأمم السابقة من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً، وهؤلاء القليل لو تتبعتهم لوجدتهم هم الذين ينقذون أنفسهم وينقذون العالم من عذاب الله ؛ ولذلك إذا أنزل الله تعالى العقوبة فإنه لا يسلم منها إلا الذين ينهون عن السوء، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ) أي: فهلا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ) أي: لم يكن فيمن قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض، فلا تكونوا مثلهم فيعاقبكم الله كما عاقبهم، ولكن كونوا ممن ينهى عن الفساد في الأرض؛ لأن ذلك هو سبب سلامة العالم صالحهم وفاسقهم، وهو سفينة النجاة، فإذا تُركت هذه السفينة يعبث بها السفهاء، ونام العقلاء عن ذلك، واستطابوا العيش الرغيد، ولم يفكروا في أن يغيروا شيئاً من الأوضاع التي ألفها الناس؛ لأنهم يريدون أن يعايشوا هذا المجتمع معايشة سليمة خالية من التنغيص، ولو كان ذلك على حساب الدين، ولو كان ذلك على حساب بقاء الأمم وهلاكها؛ كان ذلك سبب هلاك وفناء هذا العالم.
(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) أي: لم يكن هناك من ينهى عن الفساد إلّا قلة، وهؤلاء القلة هم الذين أنجاهم الله ، وهم المرسلون ومن آمن بالمرسلين.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، ولم يقع في تاريخ البشرية أن الله تعالى أهلك أمة مصلحة، ولكن أهلك المفسدين، وأهلك معهم الذين يسكتون عن الفساد في الأرض، أما المصلحون فإذا وُجِدوا في الأرض فإنهم يكونون من الأمم التي ينجيها الله .
فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يؤذى المصلحون في الأرض؟ ولما يتعرض المصلحون في الأرض من الذين يدعون إلى الله تعالى، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر للأذى، وهم سبب بقاء هذا العالم، وسبب بقاء هذه الدول التي وجد فيها المصلحون؟!! إن وجود هؤلاء المصلحين في أمة أو في دولة هو علامة على بقائها.
стр. 1183
صلاح الأمم بوجود المصلحين وهلاكها بفقدهم
إنّ المصلحين إذا فُقدوا من الأرض، أو تهاونوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الجو يخلو للمفسدين ليعثوا في الأرض فساداً، وإذا كان الأمر كذلك فإنه بداية النهاية، وهو سبب دمار العالم، ولذلك نقول للناس: اتقوا الله وكونوا من المصلحين، ونقول: إن الله تعالى مدح المصلحين ولم يمدح الصالحين، فالصالح بنفسه الذي لا يصلح أوضاع الناس قد لا يخلص نفسه من عذاب الله ، فضلاً أن يخلص غيره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧]، فكون أهلها صالحين لا يكفي، بل لابد أن يكون أهلها مصلحين، فإذا وجد المصلحون فهم علامة بقاء هذه الأمة، ومع ذلك فإني أعجب كل العجب كيف يكافَح المصلحون في الأرض؟! وكيف توجه لهم التهم؟! وكيف يوجه لهم الأذى؟! وكيف تشل حركة الدعوة إلى الله؟! وكيف تشل حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم سبب بقاء هذا العالم؟!! واعلم أنه بمقدار ما يكون في الأمة من المصلحين يكون نصيبها من الخلود والبقاء في الأرض، ونقصد بالخلود طول العمر، وبمقدار ما يُفْقَدُ هؤلاء المصلحون تكون هذه الأمة هينة، ولا يبالي الله بها أبداً، وتسقط من عين الله تعالى.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من المصلحين، وأن يوفق للأمة الإسلامية قادة رشداء، وأن يهيئ لها أمراً رشيداً يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يجعل ولاة أمرنا وولاة أمر المسلمين كافة من الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1184
فاستمسك بالذي أوحي إليك
القرآن الكريم فيه صلاح الفرد والمجتمع، وفيه صلاح البشرية جمعاء، من تمسك به ساد، ودانت له العباد والبلاد، ومن حكم به عدل، ومن قال به سُمع لقوله، ومن تخلق به كُسيَ ثوب المهابة والوقار، وانصرف عنه كل شر وعار، به تُنقذ البشرية من الضياع والضلال، ومن التنازع والاقتتال، ومن كل سوء ووبال، وبه تنشرح الصدور، وتمتلئ بالفرح والحبور، وتزول عنها الهموم والغموم، ولا يقربها الشيطان المرجوم؛ فيجب على أمة الإسلام أن تتمسك به، وأن تعض عليه بالنواجذ، وأن تسعى جاهدةً في أن تسقي بقية الأمم الأخرى من هذا المعين الصافي.
стр. 1185
أمر الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ولأمته بالاستمساك بالقرآن
نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الحديث في هذه الليلة عن عظمة هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى حجة لهذه الأمة أو حجة عليها، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].
أما قوله تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ) فإنه يختلف عن قوله تعالى: فأمسك؛ لأن الإمساك أقل من الاستمساك، والاستمساك معناه: العض عليه بالنواجذ، وأخذه بقوة، كما قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢].
والله أمر الرسول الكريم ﵊، وأمر هذه الأمة عامة أن تستمسك بهذا القرآن، وأن تعض عليه بالنواجذ، وأن تحمله حملاً يختلف عن حمل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل؛ ذلك أن هذا القرآن العظيم هو خاتم الكتب السماوية، وأن حامله محمداً ﷺ هو آخر الأنبياء وخاتم الأنبياء، وأن أمة القرآن هي آخر الأمم، فهي مسئولة عن حمل هذا القرآن وتبليغه للعالم أجمع في أرجاء الدنيا، وذلك جيلاً بعد جيل.
إذاً: هي مسئولية عظيمة، فيلزم هذه الأمة أن تستمسك به استمساكاً قوياً متيناً؛ حتى لا ينفلت منها.
والصراط المستقيم في قوله تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) هو الطريق الذي لا انحراف فيه ولا اعوجاج، فدين الإسلام صراط مستقيم يبدأ في الدنيا، وينتهي في الجنة، كما قال عنه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وأنت يا أخي المسلم! في كل ركعة من صلواتك الخمس ونوافلك تسأل الله أن يهديك هذا الصراط المستقيم الذي هو طريق الإسلام، وهو الطريق الذي يوصل إلى الجنة، فتقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وهم المسلمون، أي: ليس بصراط اليهود المغضوب عليهم، ولا النصارى الضالين.
إذاً: من استمسك بهذا القرآن فهو على صراط مستقيم.
стр. 1186
القرآن الكريم شرف لهذه الأمة وتبليغه مسئوليتها
لقد بين الله في الآية الثانية أن القرآن العظيم شرف لهذه الأمة من جانب، وهو -أيضاً- مسئولية عظيمة من الجانب الآخر فقال : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، فهذه نعمة، أما المسئولية فبينها تعالى في قوله: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
والمراد (بالذكر) هنا: الشرف على أصح أقوال المفسرين، فهذا القرآن شرف لهذه الأمة.
стр. 1187
تشريف أمة محمد ﷺ بالإسلام والقرآن
كانت هذه الأمة قبل هذا الكتاب العظيم أمة تعيش في غي وضلال، قد أهملها التاريخ، وانزوت بين جبال مكة ووهادها وفيما حولها إلى أن بُعث فيها نبينا محمد ﷺ ، ولما بعث محمد ﷺ ودعا الناس إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، ظن العرب أنهم سوف يتخطفون من أرضهم، وأنهم سيكونون لقمة سائغة للعالم حينما يستقلون بهذا الدين الجديد: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧]، فإذا بهم يتخطفون من أرضهم ليكونوا قادة العالم، وذلك حينما أخذوا بهذا الدين، فكان فيهم من يرفع رأسه إلى السماء كـ هارون الرشيد ويخاطب السحابة وهو في بغداد ليقول لها: أيتها السحابة! أمطري أنى شئت، فسيأتيني خراجك ولو بعد حين.
وذلك لأن الأرض أصبح أكثر أهلها يعيش تحت ظل هذا الدين، وكان فيهم قتيبة بن مسلم القائد الأموي، فقد كان في بلاد ما وراء النهر يفتح البلاد، ويسأل قومه حين وقف على مشارف الصين: أي بلدة أمامنا؟ فيقولون له: يرحمك الله أيها القائد! هذه بلاد الصين، فيقول رحمة الله عليه: والله لا أرجع من هذه الأرض إلى بلدي حتى أطأ بأقدامي هذه أرض الصين، وأضع الوسام -يعني: وسام المسلمين- على الصينيين، وأفرض عليهم الجزية.
فوصل الخبر إلى ملك الصين فقال: قولوا لـ قتيبة يبقى في مكانه، ثم أرسل إليه بتربة أرض الصين وقال: هذه تربة الصين في صحاف من ذهب ليطأها قتيبة وهو في مكانه، وهؤلاء أربعة من أولادي يضع عليهم الوسام، وسام المسلمين، وهذه هي الجزية، وسوف تصل إليه في مكانه في كل عام.
هنا يتخطف المسلمون من أرضهم ليكونوا قادة العالم، وليقف عقبة بن نافع رحمة الله عليه وهو في بلاد شمال أفريقيا ينشر الإسلام، ويفتح البلاد، فوقف على حافة غابة القيروان -وهي غابة موحشة وأرض مسبعة- حين أراد أن يبني مدينة القيروان الحالية في تونس لتكون مركزاً للمسلمين في تلك البلاد، فقال له أهل البلاد: يرحمك الله يا عقبة! كل الفاتحين يرجعون دون هذه الغابة؛ لأنها أرض مسبعة، فقال: والله لا أرجع حتى أبني فيها مدينة تكون مقراً للمسلمين هنا، ثم وقف رحمة الله عليه على حافة الغابة وخاطب سباعها ووحوشها قائلاً: أيتها السباع! نحن أصحاب محمد ﷺ جئنا هنا لنشر الإسلام، فقال شاهد عيان: والله لقد رأينا الوحوش تحمل أولادها من الغابة تخليها لـ عقبة بن نافع ليبني فيها مدينة القيروان.
ثم يواصل السير إلى أن يصل إلى بلاد المغرب، ثم إلى المحيط الأطلسي ليغرز قوائم فرسه في ماء المحيط ويقول: والله الذي لا إله غيره! لو أعلم أن وراء هذا الماء -أي: ماء المحيط الأطلسي- أقواماً لخضته على فرسي هذه إليهم.
هكذا حصل المسلمون على الشرف، والذين اعتنقوا هذا الدين أدركوا هذا الشرف الذي يقول الله عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: شرف، ولذلك فإن الله أكرم من أكرم من صناديد العرب وغيرهم بهذا الدين، ونقلهم نقلة عظيمة من عالم إلى عالم أعظم، فأصبح أهل مكة وأهل المدينة وأصبح العرب بصفة عامة هم قادة العالم، وهذا من الشرف الذي أكرم الله به هذه الأمة حينما أخذت بهذا الدين، ثم ما زال هذا الشرف تتوارثه أجيال إثر أجيال في هذا العالم وعلى هذا الكوكب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا تزال أمة إثر أمة تملك زمام الأمور، وتستقر لها الأوضاع، وتسود العالم، وتثبت عروشها بمقدار ما تأخذ من هذا الدين، وبمقدار ما تتمسك به، وبمقدار ما تستنير به من نهج كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا الشرف وهذا الذكر الذي أشار الله إليه في هذه الآية ليس لجيل من الأجيال، ولا لأصحاب محمد ﷺ فحسب؛ بل هو شرف وذكر لكل من رفع راية الإسلام، واستنار بنور القرآن.
стр. 1188
مسئولية تبليغ هذا الدين إلى جميع الأمم
وكما أن هذا الدين شرف فهو أيضاً مسئولية، فإن الله قد شرف العرب داخل الجزيرة العربية وخارجها بهذا القرآن، وهو أيضاً قد حملها مسئولية لم تتحملها أمة من الأمم قبل هذه الأمة، ولذلك يقول الله ﵎ عن هذه المسئولية: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]، وقال في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: كما أُخرج اليهود والنصارى والأمم قبلهم لأنفسهم؛ فإن هذه الأمة أخرجت للناس ولم تخرج لنفسها فحسب، ولذلك فإن مسئوليتها عظيمة جداً أمام الله يوم القيامة، فليعِ كل مسلم -حسب موقعه في هذه الحياة، وحسب قدرته وإمكانياته- عظمة المسئولية (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).
ولربما تسأل الأمم قبل الأنبياء، بل لابد من ذلك؛ لأن الله تعالى قدم سؤال الأمم على سؤال الأنبياء فقال : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: الأمم ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، فكما أن المرسلين تحملوا مسئولية، فإن الأمم أيضاً تتحمل مسئولية لاسيما في أمة الإسلام التي يقول الله عنها: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهي لم تخرج لنفسها وإنما أخرجت للناس.
وأيضاً: فإن أمة الإسلام قد أعطيت من الميزات ما لم تعطه أمة من الأمم، فهي آخر الأمم، ونبيها محمد ﷺ أفضل الأنبياء، وهو ﵊ أول من يأخذ بحلقة الجنة، وأمته أكثر الأمم دخولاً الجنة، وهو ﵊ خاتم النبيين؛ فلا نبي بعده، وأعطي خمساً لم تعطها أمة من الأمم، كما أشار إلى ذلك ﷺ في قوله: (أعطيت خمساً لم تعطها أمة قبلي).
وعلى هذا فإن مسئولية هذه الأمة عظيمة، وكما أخبر الله ﵎ في القرآن أنها أمة مشرفة، وأمة مكرمة؛ أخبر كذلك أنها أمة ذات مسئولية كبيرة، وذات عبء ثقيل، وهذه المسئولية سوف يسأل عنها كل واحد حسب موقعه في هذه الحياة: الملوك والقادة والرؤساء عليهم مسئولية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، ومن دونهم ممن يتحملون مسئولية الأمم هم أيضاً يتحملون هذه المسئولية، وهم داخلون في قوله تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) بمقدار ما لهم من السلطة، وأنا وأنت يا أخي! وكل واحد من المسلمين أيضاً على ثغر من ثغور الإسلام؛ لأن أي أحد منا يؤمن إيماناً لا يخالطه شك أنه لن يبعث في هذه الأمة نبي بعد نبينا محمد ﷺ ، ولن ينزل عليها كتاب بعد القرآن، ولن تنزل عليها ملائكة من السماء تدعو إلى الله ، ولكنها المسئولية التي أحيطت بعنق كل واحد منا: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
إن الذين يموتون على الكفر في أيامنا الحاضرة سوف نسأل عنهم بين يدي الله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، ولن يبعث رسول بعده ﷺ ، ولكن أمته هي التي تحمل هذه الرسالة، فهؤلاء سلفنا الصالح من صحابة رسول الله ﷺ بلغ عددهم مئات الآلاف، وكان عدد الذين حجوا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفاً، ومع ذلك لا نجد قبورهم في مكة والمدينة إلا قليلاً، فأين قبورهم؟ لقد تفرقت قبورهم في الأرض؛ لأنهم خرجوا يرفعون راية الإسلام وينشرون هذا الدين، ويبينون للناس طريق الجنة، ولذلك فإن قبورهم في كل مكان من الأرض، ثم بعد ذلك ارتفعت راية الإسلام بفضل الله ، ثم بسبب جهود سلفنا الصالح ﵃ الذين حثوا الخطى، وضربوا آباط الإبل حتى نشروا الإسلام في هذه الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
هذه مسئولية يجب أن يفهمها كل الناس حتى يكون هناك شعور بالواجب.
стр. 1189
آثار غفلة المسلمين عن دين الله
لقد غفل الناس كثيراً في أيامنا الحاضرة عن دين الله عز جل، ثم كان لهذه الغفلة آثارها الخطيرة والتي منها:
стр. 1190
ظهور الوثنية من جديد في بلاد الإسلام
انتشار الشر والوثنية في بلاد المسلمين، وحصل مروق من الدين في طائفة من المسلمين، ولقد كانت عبادة الأوثان في يوم من الأيام في أوج انتشارها، ومع ذلك لم تزد الأصنام عن ستين وثلاثمائة صنماً فقط، وقد كسرها حبيبنا ﷺ بسيفه يوم الفتح حينما دخل مكة فاتحاً وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، وهذا أرقى وأبعد ما وصلت إليه الوثنية في آخر أيامها، ولكن في أيامنا الحاضرة تقول الإحصائيات الرسمية: إن في العالم الإسلامي اليوم أكثر من عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله، وهذه الأضرحة هي عبارة عن قبور لأولياء صالحين أو غيرهم تنصب فوقها الأضرحة التي تناطح السحاب، ثم يأتي ضعاف الإيمان والعقول يتمسحون بها، ويطوفون بها، ويذبحون لها الذبائح، ويتقربون إليها بالقرابين، حتى لقد رأينا بعضاً منها يطوف حوله أقوام كثر، ولا يسمح في بعض الأحيان والمناسبات للطائفين حولها إلا بشوط واحد فقط بسبب كثرة الزحام!! والمسلمون في غفلة عما يحدث في هذا العالم، وبلدنا هذه -والحمد لله- أرض التوحيد والعقيدة، وأرض الوحي، والأرض التي عاش فيها خير البرية محمد ﷺ ، قد حفظها الله من هذه الأمور، ولكن أين المسئولية التي يقول الله عنها: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤]؟ ولو انطلق أهل هذه البلاد -أرض التوحيد والعقيدة والإيمان والنور- إلى أرجاء العالم يبلغون دعوة الله تعالى، وينشرون دين التوحيد مرة أخرى من جديد؛ لما كان يوجد في العالم عشرون ألف ضريح تعبد من دون الله تعالى (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).
стр. 1191
خروج المستضعفين من المسلمين من دين الله
هنالك أمم في الأدغال، وفي الغابات، وفي مخيمات المهاجرين المسلمين الضعفاء، يكفرون وينصرون ويمرقون من دينهم على أيدي المنصرين، والمسلمون كثير منهم في نوم عميق، يتفننون في بناء المساكن واقتناء المراكب الوثيرة والمتاع القليل، وأمم كثيرة تموت على الكفر، وأمم أخرى تمرق من الدين بسبب التنصير، حتى إنه في دولة إسلامية يسكنها ما يزيد عن مائة وستين مليوناً من المسلمين، نقص منهم ما يزيد على اثني عشر مليوناً الله أعلم بمصيرهم، ولربما أن كثيراً منهم قد ارتد عن الإسلام، وما ذاك إلا بسبب غفلة المسلمين عنهم، وعدم الشعور بالمسئولية تجاههم.
أما أعداء الإسلام فعلى الرغم من أنهم لم يتحملوا هذه المسئولية، إلا أنهم يحثون الخطى في أرض المسلمين لينصروا المسلمين، حتى لقد رأينا في دولة إندونيسيا وحدها -وهي الدولة المسلمة التي يوجد فيها أكثر عدد من المسلمين- أكثر من مائة مطار للتنصير، وما يزيد عن مائة وخمسين طائرة مجهزة بكل الوسائل؛ وذلك لدعوة المسلمين إلى النصرانية.
إذاً: لا تعجب من أن يتنصر فيها ما يزيد عن اثني عشر مليوناً من المسلمين، ويتركوا دينهم.
فالمسئولية كبيرة، وحمل هذا القرآن في مجاهل أفريقيا وفي العالم كله هي مسئولية العلماء والدول الإسلامية، وكل من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 1192
القرآن الكريم شرف ومسئولية
أيها الأخ الكريم! لقد أخبر الله تعالى أن القرآن شرف، وأخبر أيضاً بأنه مسئولية عظيمة تحملها هذه الأمة، وسوف تسأل عنها يوم القيامة، فما موقفي وموقفك يا أخي المسلم! بين يدي الله يوم القيامة حينما يحضر الملايين من البشر ممن مات على غير ملة التوحيد والإسلام، فيقولون: يا رب! ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيسأل الله هذه الأمة: هل بلغتم رسالة محمد ﷺ إلى هذا العالم؟
و
الجواب
أن كثيراً منهم لم يقم بهذا الدور، حتى أصبح المسلمون يعيشون في فتنة في كل العالم الإسلامي، وأصبحت للمسلمين في كل أرض قضية ومشكلة، وبلغ عدد المهاجرين من ديارهم عشرات الملايين، وعدد الذين يهددهم الجوع والفقر والمسغبة من المسلمين مئات الملايين، والمسلمون -والحمد لله- يملكون أكبر ثروة موجودة على وجه الأرض، هذه الثروات التي هي أيضاً مسئولية ثانية سوف نسأل عنها بين يدي الله يوم القيامة.
إذاً: يا أخي المسلم! كما أن القرآن شرف لي ولك وللعالم كله، وبصفة خاصة للذين أنزله الله بلغتهم فقال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] أي: بلغة قومه ليبين لهم، فشرفنا الله نحن العرب بصفة عامة، وأهل الجزيرة بصفة خاصة، بأن أنزل القرآن بلغتنا، فأصبحنا نفهمه فهماً جيداً دون كلفة أو مشقة، فهو أيضاً مسئولية حملنا الله أمر تبليغها؛ حتى يفهم العالم كله هذا الدين.
واعلم أن ما يحدث من عداء لهذا الدين من قِبَل أعداء الإسلام إنما هو بسبب تفريط هذه الأمة، وضعفها في تبليغ هذه الرسالة.
أيها الإخوة الكرام! إن هذا القرآن العظيم قد أعجز الله فيه أرباب البلاغة والفصاحة، ولو ترجمناه -أي: نقلناه- بلغات هذا العالم، وفهم الآخرون حقيقته؛ لما وجدنا من يعادي هذا الدين؛ لأنه دين يوافق الفطرة، ودين لا يقبل الله يوم القيامة سواه، ولو أفهمنا هذا العالم حقيقة هذا الدين، وعلمناهم هذا الكتاب العظيم الذي أنزل علينا وعليهم، ومنهج الرسول الكريم ﵊، وعلم العالمون كلهم أن محمداً ﵊ إنما هو رحمة لكل العالم كما قال الله عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]؛ لأنه ينقذهم من النار ويدخلهم الجنة، لو علم العالم هذه الحقيقة لما انتفخ الكفر في أيامنا الحاضرة، ولما شعر المسلمون في كثير من أرجاء هذا العالم بالضعف والذلة.
ولا أزال أتذكر كلمة لأخٍ لنا في الإسلام، وهو أمريكي، كان يتحدث في أحد المساجد ذات يوم، فكان يخاطب الحاضرين ويقول لهم: السلام عليكم أيها الظالمون! أنتم ظلمة أيها المسلمون.
ويقول: نحن الأمريكان صنعنا الطيارة والسيارة، وصنعنا الثلاجة والغسالة وجميع وسائل الراحة، وأرسلناها لكم؛ لأنها كل ما نملك، وهي ثروتنا، ولربما تتمتعون بها أكثر مما نتمتع بها نحن، أما أنتم أيها المسلمون! فلديكم الإسلام منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، وفيكم بعث محمد ﷺ ، وما بلغتمونا دعوة الإسلام في أمريكا، ولقد مات أبي وجدي وأمي وجدتي وكثير من الناس على غير الملة، إذاً أنتم ظلمتمونا حينما لم تبلغونا دعوة الإسلام.
ثم يستطرد هذا الأخ الكريم ويقول: بلغونا دعوة الإسلام، فليس الإسلام ملكاً لكم أيها العرب -أو أيها المسلمون- ولكنه للعالم كله، فبلغوا دعوة الإسلام في بلادنا، ثم قال بعد ذلك: قفوا! نحن لا نحتاج إلى تبليغكم، فإن الإسلام ينتشر عندنا في أمريكا أكثر مما ينتشر في البلاد الأخرى؛ لأن الأمريكان يقول: بدءوا يتعقلون ويفكرون في الأمور، فصاروا يدخلون في دين الله، حتى بلغ عدد المسلمين في أمريكا أكثر من عشرين مليوناً في أيامنا الحاضرة، ثم قال: نريد منكم شيئاً واحداً فقط، وهو ألا تكون هناك ازدواجية في بلادنا بسببكم، فنحن بدأنا ننشر الإسلام في أمريكا ونقول: إن الإسلام يحرم الخمر والزنا والخنزير وكل المحرمات، فيرون بعض أبنائكم الذين جاءوا من بلاد العرب يفعلون هذه الأشياء، فلا يصدقوننا في أن الإسلام يحرم هذه الأشياء، فامنعوا عنا أبناءكم؛ فإن ذلك أفضل دعوة تقدمونها لنا.
هكذا يتحدث هذا الأخ الكريم، نسأل الله لنا وله الثبات ولأمة الإسلام كلها.
стр. 1193
وجوب التضحية والجهاد في سبيل تبليغ هذا الدين
أيها الأخ الكريم! إن تبليغ دعوة الإسلام شرف من جانب، ومسئولية من الجانب الأخر، وهذه المسئولية ثقيلة؛ لأن لها متطلبات، فهي تحتاج إلى سفر طويل وصبر ومصابرة، وتحتاج إلى جهود مضنية، كما أنها قد تضطر المسلمين في يوم من الأيام إلى الجهاد في سبيل الله، وإلى الوفاء بالبيعة التي أبرمها المسلم المؤمن مع الله في سورة التوبة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
فهي يا أخي الكريم! مسئولية عظيمة تنتهي بأن تقدم نفسك ومالك ودمك من أجل هذا الدين، وفاء بالبيعة التي أبرمتها مع الله في التوراة والإنجيل والقرآن، أي: في كل الكتب السماوية صُدِّقت هذه البيعة، فأصبحت أمراً لا بد منه، لا سيما في مثل هذه الظروف التي نعيشها، والتي لا أعتقد أنه مرّ في تاريخ البشرية أقسى منها على الأمة الإسلامية عبر التاريخ الطويل، وسوف أذكر لكم بعض الأمثلة: هل تصدق يا أخي! أن بعض الأيام تمر -بل أكثر الأيام- ويقتل في بلاد إسلامية صغيرة كطاجاكستان أكثر من عشرة آلاف مسلم! ويفعل مثل هذا العمل أو أكثر منه -مع انتهاك الأعراض وامتهان الأمة الإسلامية- في البوسنة والهرسك! وهل تصدق يا أخي! أن المسلمين في جنوب الفلبين يزيدون على ثلاثة عشر مليوناً، ورغم ذلك فلا أعتقد أن أحداً -إلا الندرة القليلة- يعرف شيئاً من أوضاعهم، أو فكر في زيارتهم ومواساتهم، علماً بأنهم يطبقون تعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة في كثير من أحيانهم، ومع ذلك فإنهم مطوقون في تلك المنطقة بأكثر من مائة ألف صليبي حاقد على الإسلام.
وتعال معي إلى ما يحدث في كشمير وفي الحبشة وفي إريتريا وفي فلسطين وفي كل مكان من الأرض، والمسلمون في غفلة، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء:٧٥]، فالقتال في سبيل المستضعفين من المسلمين أمر كالقتال في سبيل الله؛ لأن الله أمرنا بأن ندافع عن المستضعفين والمستذلين في الأرض من أبناء هذه الأمة، فهو أمر مطلوب كالجهاد في سبيل الله، فكما أنك مطالب بأن تفتح الطريق، وتزيل العقبات من طريق هذه الأمة إلى الله وإلى دينها، وتقدم النفس والمال والروح من أجل أن ينتشر وينتصر هذا الدين؛ فأنت أيضاً مطالب بالدفاع عن الأمة المسلمة المستضعفة التي استرخص الآخرون دمها في أيامنا الحاضرة، بينما لو اعتدى إنسان على يهودي أو نصراني في أي مكان من الأرض لقامت الدنيا ولم تقعد، ولعلكم تعرفون سبب دخول الاستعمار الإنجليزي حينما دخل إلى مصر، فقد كان سببه: أن رجلاً إنجليزياً كان يصطاد، فلحقه الفلاحون دفاعاً عن مزارعهم، فهرب وهلك في الصحراء، فكان ذلك سبباً في دخول الاستعمار الإنجليزي الذي أهلك مصر إهلاكاً لمدة طويلة من الزمن؛ لأن رجلاً إنجليزياً واحداً مات من حر الشمس حينما هرب من الفلاحين الذين طاردوه دفاعاً عن مزارعهم.
ومكث الاستعمار الإنجليزي مدة طويلة أذل فيها مصر المسلمة، وغير فيها كثيراً من مجرى تاريخها، من أجل رجل واحد! فمن للملايين من المسلمين الذين يموتون اليوم؟! فقد مات ملايين المسلمين على أيدي الشيوعيين الحاقدين في روسيا أيام الحكم الشيوعي للبلاد الإسلامية فيما يسمى بآسيا الوسطى، وما زالت المجازر بعشرات الآلاف يومياً في بلاد المسلمين على أيدي الجيش الروسي الحاقد إلى يومنا هذا! وفي إريتريا قتل في يوم واحد عشرة آلاف من المسلمين، ولو قتل في ذلك اليوم عشرة آلاف كلب، أو عشرة آلاف قط لقامت جمعية الرفق بالحيوان تحتج على ذلك؛ بل لو قتل يهودي واحد أو نصراني واحد لكان ما كان.
إذاً: فالمسئولية عظيمة، وهي تبدأ من التربية والدعوة إلى الله، وتنتهي بالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، كما أخبر الصادق المصدوق ﵊.
стр. 1194
نصر الله تعالى لعباده كائن لا محالة
أيها الأخ الكريم! إن هذا القرآن يطالبك أن تفي بالبيعة التي بينك وبين الله ، وحينئذ تكون من المؤمنين؛ لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم، و (ال) هنا للاستغراق، وليست لنوع واحد من المؤمنين، وإنما هي لجميع المؤمنين، فكل من آمن بالله سوف يتحمل مسئولية هذه البيعة، وسوف يطالب بالوفاء بهذه البيعة، هذا جانب يجب أن نفهمه حتى لا نظن أن الدين سهل ميسر؛ بل هو سهل ميسر في الحقيقة ولكنه يحتاج إلى جهد، وإلى بذل للطاقة؛ لأنه دين عزيز على كل واحد من المسلمين؛ ولذلك أخبر الله تعالى في هذا القرآن أن طريق الجنة طريق وعرة، وأن فيها عقبات وزلازل وخوفاً وذعراً، وأن فيها اضطراباً، حتى قال الرسول: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟! وحتى قال المؤمنون أيضاً: (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ)؟! وكما قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد جاء نصر الله، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، حتى لا ييأس المؤمنون من نصر الله .
стр. 1195
لابد من ظهور هذا الدين مهما حاربه الأعداء
إن هذا الدين لابد أن يظهر رغم أنف كل حاقد، ولو نام المسلمون أجمعون عن هذا الدين لأتى الله بأقوام يرفعون راية الإسلام، ولذلك يقول الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، والمراد بالدين هنا كل المعتقدات، ويقول ﵊: (حتى لا يبقى بيت شعر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به أهل طاعته، وذلاً يذل به أهل معصيته).
ولذلك نرى في وقتٍ تكالب فيه الأعداء على الأمة الإسلامية من كل جانب، وأحيطت الأمة الإسلامية بكل عدو، بل وتحرك الأعداء من الداخل كما تحرك الأعداء من الخارج، وتحرك الأعداء من أبناء الأمة ممن مرق من الدين وهو يحسب على الإسلام، ويحمل الهوية الإسلامية، وينطق باللغة العربية! فبدءوا ينخرون في هذا الدين، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين! وبالرغم من ذلك كله، وبالرغم من اتحاد العالم كله حول راية واحدة لمحاربة هذا الدين؛ يظهر هذا الدين بقدرة قادر ! مما يدل على أصالة هذا الدين، ومما يدل على أن هذا الدين سوف يظهر ويؤكده قول الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣].
فنرى الصحوة الإسلامية قد انتشرت، وليس الأمر كما يقول أعداء الإسلام: إنها جاءت في غير موعدها؛ بل نحن متأكدون أنها جاءت في موعدها المحدد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فبالرغم من أن العالم كله يتكالب على الأمة الإسلامية رأينا الإسلام يظهر في أيامنا الحاضرة والحمد لله، والشباب يقبلون على هذا الدين، والصحوة الإسلامية العارمة تظهر يوماً بعد يوم رغم أنوف الحاقدين، وتزيد وتتضخم، ويصلب عودها، وتقوى قاعدتها وتتسع والحمد لله، بالرغم من أن هناك أقواماً كانوا يظنون أنها فترة وجيزة حتى يستنفد الدين أغراضه ويخلو المكان -كما يعتقد هؤلاء الذين في قلوبهم مرض- لملة أخرى.
إن الشيوعية التي حكمت كثيراً من العالم ثلاثة أرباع قرن من الزمان سقطت في لحظة واحدة؛ لأن الله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨].
следующие страницы →