Полный текст (1 366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عوامل الخوف على هذا الدين
بقي الآن صفوة الموضوع، وهو: هل المستقبل لهذا الدين أو لغير هذا الدين؟ نقول: المستقبل لهذا الدين، لكن هناك أشياء تخيف بعض المسلمين على هذا الدين، وهم الذين ينسون وعد الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ويغفلون عن قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح:٢٨].
نقول لهؤلاء الناس الذين يخافون على هذا الدين: اطمئنوا على الدين وخافوا على أنفسكم؛ لأن هناك عوامل تدلنا على أن المستقبل حقيقة لهذا الدين، وإننا ننتظر من خلال هذا الواقع الذي نعيشه اليوم حياة أفضل يتجه بها العالم كله إلى دين الله.
стр. 177
العامل الأول: الإعراض عن شرع الله
إن الإعراض عن شرع الله موجود، فالآن لا تجد دولة تحكم بشرع الله إلا دولتنا التي نسأل الله أن يهديها ويوفقها ويحفظها بالإسلام وإقامة حدوده، وأن يجنبها دعاة الباطل، وأن يوفقها لمحاربة المحرمات التي بدأت تشوش على المسلمين اليوم.
فهل يمكن أن يظهر هذا الدين في وقت لا نجد فيه إلا دولة واحدة في العالم تحكم بشرع الله؟ نقول: الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، وأبناء هذه الصحوة -وهم اليوم حتى في أمريكا وفي روسيا والحمد لله- الآن يؤذنون بخير وبصبح قد أقبل، وبأنهم سوف يعيدون للأمة الإسلامية شرع الله وحكم الله في الأرض.
стр. 178
العامل الثاني: التسلط والطغيان في الأرض
هناك تسلط في أيامنا الحاضرة وطغيان في الأرض شديد يسوم المسلمين سوء العذاب، ولربما يزيد هذا التسلط فيخيف ضعاف الإيمان فيرجعون من منتصف الطريق، ويكونون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١]، أو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، هذا التسلط خطير جداً، لكن ثق بأن هذا التسلط جاء في فترة والإيمان عميق في نفوس الناس والحمد لله، وأظن أن هؤلاء المؤمنين الذين يتعرضون لهذا التسلط لا يقلون إيماناً عن إيمان سحرة فرعون الذين قال لهم فرعون: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]، فقال السحرة: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢].
إذاً هذا التسلط وإن كان خطيراً وإن كان مخيفاً لكن لنا أمل قوي في الله ثم في شباب الصحوة الإسلامية الذين عرفوا الله حق المعرفة في كل العالم الإسلامي، بل حتى في بلاد الكفر.
стр. 179
العامل الثالث: ضعف دعاة الحق
إن ضعف دعاة الحق تعتبر من أكبر العوامل الخطيرة، لاسيما إذا كان هناك نشاط لدعاة الباطل، ولاسيما إذا كان دعاة الباطل من أبناء جلدتنا -نعوذ بالله- ومن يتكلمون بألسنتنا، فمن كان اسمه أحمد، أو محمد، أو عبد الله، أو عبد الرحمن فإن هؤلاء يطعنون في الإسلام أكثر مما طعن فيه أبو جهل وأبو لهب، هذه حقيقة خطيرة في وقت ضعف فيه دعاة الحق، أو أُضعفوا وأوقفوا أو كادوا يوقفوا، لكن لنا أمل في الله أن تعود المياه إلى مجاريها.
стр. 180
العامل الرابع: وجود المغريات وكثرتها
من العوامل وجود مغريات في هذا العصر، منها السفر إلى الخارج فهو ميسر، ومنها الأفلام، فهي أفلام تصل إلى قعر بيوت المسلمين، ولربما يعدوننا بالبث المباشر، ويخوفوننا بالذين من دون الله، إلى غير ذلك من هذه الأمور.
وهذه حقيقة مخيفة، لكن المؤمن إذا عرف الله لا يتأثر بكل هذه الأمور؛ لأن المؤمن ينطلق من منطلق قوي وهو إيمانه بالله .
стр. 181
بوادر وعوامل الخير المؤكدة على أن المستقبل لهذا الدين
هناك بوادر وعوامل الخير التي نشاهدها تؤكد لنا أن المستقبل لهذا الدين وأن هذا العالم سوف يعود كله بإذن الله إلى هذا الدين، ولن يبقى في هذه الأرض دين غير دين الإسلام، ولن يبقى في هذه الأرض من يدين بغير دين الإسلام.
стр. 182
وجود الصحوة
هناك بوادر وأدلة واضحة أهمها هذه الصحوة الإسلامية المباركة، الشباب الذين لا تجد فيهم إلا عدداً قليلاً من كبار السن.
وقبل فترة من الزمن ما كنا نجد في المساجد إلا كبار السن والعجزة، فما الذي حدث؟ الذي حدث أن نور الله ودينه بدأ يظهر على الدين كله.
فمن أهم العوامل والبوادر الدالة على الخير وجود هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ووجود هذا النوع من الشباب، حتى وجدنا الشباب أحسن من الآباء في أيامنا الحاضرة، حتى أبناء الفسقة تدينوا -والحمد لله- وأقبلوا على دين الله، حتى الأبناء الصغار أقرب إلى الدين من الكبار، مما يدل على أن هذه الصحوة الإسلامية مباركة، ولها جذور عميقة في هذه الحياة.
إذاً هذه تعتبر من أهم البوادر والمظاهر والعوامل الحقيقية التي تثبت لنا أن المستقبل لهذا الدين.
стр. 183
سقوط الأفكار المنحرفة
إن الأفكار المنحرفة كل يوم يسقط منها مذهب والحمد لله، فقبل سنوات سقطت القومية العربية التي أرهبت الناس، وخاف بعض الناس من شدة المغالاة فيها أن تكون ديناً وعقيدة، فسقطت حينما عرف أن الذين قاموا بها هم أعداء الأمة العربية، وبعد فترة من الزمن جاءت الشيوعية فأرهبت الناس وخاف الناس أن تكتسح العالم فسقطت والحمد لله، فكان آخر مسمار من مسامير نعشها الحركة الأفغانية والجهاد في سبيل الله، وفي هذه الأيام سقط حزب البعث الذي كان يرهب كثيراً من الناس.
فالمهم أن الأفكار التي تتساقط إنما تتساقط تحت أقدام الإسلام والمسلمين، فتعتبر هذه من أعظم البوادر وأهمها في كون المستقبل لهذا الدين.
стр. 184
سقوط الديانات المنحرفة
إن الأفكار والمذاهب والديانات المزعومة كلها بدأت تتساقط، فالكنائس الآن تباع في أوروبا وأمريكا ويشتريها شباب المسلمين ويحولونها إلى مساجد، وسألت بنفسي في إحدى ولايات أمريكا صاحب كنيسة فقلت له: لماذا تبيع هذه الكنيسة؟ هذه دينك وعبادتك! قال: ليست ديناً، هذا دين فاسد، فأنا لا يمكن أن أحجز خمسة ملايين دولار ليأتي فرادى من الشيوخ وكبار السن في يوم الأحد فقط.
إذاً سيكون المستقبل لهذا الدين.
стр. 185
دخول الناس في هذا الدين بسبب القدوة
وهناك دليل آخر على ذلك، وهو أن أولئك النصارى بدءوا الآن يبحثون عن عقيدة، لكن هل ترى أن المسلمين سوف يستغلون هذه الفرصة، ففي كل يوم يعلن فلان أنه اعتنق الإسلام وفلان وفلان وفلان؟ وأنا متأكد من أننا لو دعونا إلى الإسلام دعوة صحيحة لدخل الناس كلهم في دين الله أفواجاً، بل متأكد من أننا لو أعطينا صورة حسنة عن الإسلام لدخل الناس في دين الله أفواجاً، لكن تصور رجلاً كافراً يرى أبناء المسلمين هناك في حانات الخمور في بلاده ومواقع الدعارة، وهو يعلم أن الإسلام يحرم الخمر والزنا، ثم يرى هذا التناقض وهذه الازدواجية في حياة المسلمين! إنه سيرفض هذا الدين.
فمعنى ذلك أن أبناء المسلمين الذين يعيشون عيشة منحرفة في بلاد الكفر هم أكبر عقبة في طريق الإسلام.
ولذلك أقول: القدوة هي أفضل طريق للإسلام، ولو لم يذهب إلى تلك البلاد دعاة.
فأكبر تجمع إسلامي في جنوب شرق آسيا يقدر في أيامنا الحاضرة بأكثر من مائتي مليون مسلم في تايلند والفلبين وأندونيسيا وماليزيا وسنغافورة إلى غير ذلك، لم يذهب جيش إسلامي للجهاد هناك في تلك البلاد، ولا ذهب داعية في صدر الإسلام أبداً، وإنما دخل أولئك في الإسلام بواسطة القدوة، وذلك عندما ذهب جماعة من تجار حضرموت إلى تلك البلدان فصاروا يبيعون ويشترون ويتعاملون مع الناس معاملة إسلامية صحيحة، فأعجبت أهل تلك البلاد فدخلوا في دين الله أفواجاً، حتى إن الفلبين التي يقدر سكانها في أيامنا الحاضرة بستين مليوناً كانت كلها في يوم من الأيام دولة إسلامية بأكملها، وارتد كثير من المسلمين عن الإسلام بسبب ضعف المسلمين في الدعوة إلى الله ، إذاً القدوة تعتبر من أكبر العوامل.
وعلى كل فالمستقبل -بإذن الله تعالى- لهذا الدين، وعلينا أن نتفائل، وعلينا أن نحسن الظن بالله ، لكن علينا أن نتحرك لهذا الدين؛ لأن هذا الدين ما قام في عصره الأول إلا على جماجم الرجال وأشلائهم، ففي فتح بلاد الشام فقط قدم المسلمون خمسة وعشرين ألفاً من صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين، ثم تصير بلاد الشام بأيدي الكفرة الفجرة، فهذا تفريط من المسلمين.
стр. 186
الأسئلة
стр. 187
العوائق التي تواجه الداخلين في دين الإسلام
السؤال
الفريق الأمريكي لكرة السلة الذي جاء للعب في هذه البلاد قد من الله جل وعلا على خمسة منهم بالإسلام فأسلموا، وكان إسلامهم خلال ثلاثة أيام، وقد دخل في الإسلام مدرب إحدى فرق المملكة أمام فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز فنرجوا الدعاء لهؤلاء جميعاً بالثبات؟
الجواب
نسأل الله أن يثبت هؤلاء على الدين، فأمامهم فتن، وأهم هذه الفتن رؤية هؤلاء الصور في بلاد الإسلام ليست هي الصور الحقيقية للإسلام، ولكننا نقول: هذه هي القدوة، فهؤلاء لما رأوا وتأثروا بجماعة من إخواننا المسلمين كان ذلك سبباً في دخولهم في دين الله ، لكننا نخاف عليهم من الفتنة، ونرجو الله لهم الثبات، ونسأل الله أن يوفق قادة الأمة الإسلامية إلى أن يجعلوا البلاد الإسلامية قدوة حسنة لمن أراد أن يدخل في دين الله، فاللهم! ثبت أقدامهم، اللهم! إنا نسألك -يا حي يا قيوم- أن تربط على قلوبهم، اللهم! إنا نسألك أن تتوفاهم على ملة الإسلام، وأن تهدي ضال المسلمين، وأن تدخل الناس كلهم في دينك أفواجاً.
стр. 188
الطريقة المثلى لإيقاف أصحاب الأفكار المنحرفة
السؤال
هناك مقالة للحداثية المشهورة الدكتورة ثريا العريض في جريدة الرياض، وفي ثنايا مقالها التافه تقول: هل يأتي اليوم الذي نستطيع أن ننزل المطر كيفما نشاء؟ فإلى متى وهذه الضالة تكتب وتنشر أفكارها المنحرفة من خلال هذه الجريدة التي هي وكر للحداثيين؟
الجواب
والله لقد حار أمرنا في هؤلاء الحداثيين، وهذا الموضوع أقل من مواضيع مرت بنا كانت أخطر من هذه المقالة، ولقد سمعنا كلمات قبل هذه أزعجتنا كثيراً، ولذلك نقول: هذه وأمثالها لا يمكن أن يقفوا عند الحدود إلا إذا كانت هناك سلطة تحاسبهم عما يقولون، ونسأل الله أن يوفق السلطة لمعاقبة مثل هؤلاء، أما الكلام فإنه لا يرد بالكلام، وهذه ربما تدخل في أمور الردة، وإذا دخلت في أمور الردة فالله تعالى قد وضع حداً للردة كما وضع حداً لجرائم أخرى.
стр. 189
الطرق المثلى في استغلال الوقت للمرأة بما ينفعها في دينها
السؤال
نحن -معشر النساء- نعيش أوقاتاً كثيرة في المنزل، ولسنا مثل الرجال، فهم يذهبون إلى دروس العلم ومجالس العلماء والذكر وزيارة المقابر، فهل من برنامج مقترح لنا -معشر النساء- لكي نستغل أوقاتنا بما يعود علينا بالخير في الدنيا والآخرة، ويزيد إيماننا وحبنا لله ولرسوله وللطاعات عموماً؟
الجواب
أظن أن الأخت السائلة قد تحققت أمنيتها ورغبتها في هذا الواقع والحمد لله، فالآن وسائل التقنية الحديثة تستطيع أن تنقل أي كلمة خير من مكان إلى مكان آخر بسهولة، فهذه أشرطة الكاسيت والتسجيلات قد خدمت هذه الفكرة، فعليك -يا أختي- أن تستغلي كثيراً من الوقت في هذا الأمر، والأشرطة متوافرة والحمد لله، كما أني أطالبك بأن تحضري حلق العلم والمحاضرات والندوات، وما كنا ننادي بذلك قبل فترة حينما كانت المرأة في خدرها وداخل بيتها، أما وقد خرجت المرأة إلى المدرسة وإلى السوق فنحن ندعوها إلى أن تأتي إلى المسجد لتحضر دروس العلم ومجالس العلم بأدب وحشمة، وأيضاً أقول: احرصي -يا أختي- على اقتناء الأشرطة واشغلي الوقت بهذه الأشرطة؛ فإنها خير لك ولأسرتك.
стр. 190
سبب خوف حكام المسلمين من التمسك بالإسلام
السؤال
لماذا يخاف الحكام في وقتنا من التمسك بالإسلام، ألا يثقون بوعد الله بالنصر والتمكين، وقد أثبت التاريخ أن الحق منصور؟!
الجواب
إنهم يخافون من الإسلام؛ لأن المستشارين والخبراء يقولون لهم: إن الإسلام خطير، إنه لو تحرك لأطاح بأمم ولذلك فإن كثيراً منهم يخاف من هذا الأمر، ونحن نقول لهؤلاء الذين يقولون هذه المقالة ويتوقعون هذا التوقع: إن الإسلام قوة عارمة، وإنه لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه وفي زحفه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] فالطريق الوحيدة التي تكفل لهؤلاء أن يعيشوا بأمن وسلام هي أن يضعوا أيديهم بأيدي الدعاة وبأيدي المصلحين، وهنا يطمئنون على ملكهم ويطمئنون على حياتهم.
стр. 191
سبب خوف الحكام والسلاطين من الدعاة والعلماء وبيان بطلان هذا السبب
السؤال
نلحظ في وسائل الإعلام هجوماً مركزاً على الدعاة والحركات الإسلامية في البلاد العربية وغيرها، واتهامها بالعمل للاستيلاء على السلطة، فهل هذا ينم عن نية الأنظمة إلى انتهاج الأسلوب الماضي في قمع هذه الحركات؟ وما حقيقة الأمر؟
الجواب
هذه الفكرة ليست جديدة بل هي قديمة جداً، فهذا فرعون حينما دعاه موسى إلى الله قال لقومه: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الشعراء:٣٥] فهو خاف على الأرض، مع أنه يعلم أن موسى ليس له مطمع في الأرض، وإنما يريد قلوب القوم ليهديها إلى الله ، وهكذا كل دعاة الحق إذا تقدموا إلى أهل الباطل يخاف أهل الباطل من دعاة الحق؛ لأنهم يخافون على ملكهم، ونحن نقول: إن دعاة الحق لا يفكرون في شيء من ذلك، وهذا الملك الذي تتقاتل عليه الأمم لا يساوي عندهم شيئاً؛ لأنه من عرض هذه الحياة الدنيا، إنما يريدون السعادة لهؤلاء البشر، يريدون أن يموت الناس كلهم على ملة الإسلام، ويريدون أن يدخل حتى الكفار الجنة حينما يدخلون في هذا الدين، وإذا كان من هؤلاء الحكام من يفكر أو يخاف على ملكه أو على سلطانه من الدعاة فعليه أن يصحح مفهومه، فدعاة الإسلام هم أبعد الناس عن الطمع في هذه الحياة الدنيا؛ لأنهم أتباع الأنبياء الذين يقول كل واحد منهم لقومه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الشورى:٢٣].
стр. 192
حقيقة اتجاه الناس إلى ربهم عند سقوط الأفكار والمذاهب المنحرفة
السؤال
كثيراً ما نقرأ في وسائل الإعلام أنه في ظل فشل الأحزاب القومية والعلمانية في تحقيق الرفاهية للشعوب العربية وغيرها بدأت هذه الشعوب باللجوء إلى الجانب الروحي والغيبيات هروباً من الواقع، فهل من توضيح لهذا الكلام والغرض منه؟
الجواب
الإغراق في الجانب الروحي والغيبيات هذا يشبه كلام الصوفية، وعلى كل فالعالم يتصارعه ويتجاذبه موجتان: موجة يمين وموجة شمال، موجة تصوف وانحراف، وموجة مادية خالصة بحتة، والله تعالى يقول عنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسط، ليست بالتي تقدس الروح وتهمل الجسد كما يفعل الصوفية، وليست بالتي تقدس الجسد وتهمل الروح كما تنويه وتريده الشيوعية، ولذلك فإن فشل هذه المذاهب المادية تلجئ الناس لا إلى الروحانية بمعناها الذي أشرت إليه، ولكن إلى الروحانية بمعناها الحقيقي، ففشل هذه المذاهب وفشل هذه الأفكار وسقوطها في أيامنا الحاضرة -والحمد لله- كل ذلك كان أكبر عامل من عوامل هذه الصحوة الإسلامية المباركة، ولربما كانت صحوة إسلامية مباركة عن فهم وتدبر، ولذلك فإني أقول: بمقدار ما تسقط هذه المذاهب وتلك الأفكار يتجه الناس إلى دين الله الصحيح، وهذا هو ما حدث في هذه الأيام عندما سقطت الأفكار المنحرفة فاتجه الناس إلى ربهم .
стр. 193
حكم وجود من لا ينتسب إلى الإسلام في جزيرة العرب
السؤال
في هذا العصر كثر المشركون في جزيرة العرب، والرسول ﷺ أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب، فما هي الوسائل المعينة على إخراج المشركين من هذه الجزيرة، لاسيما أن وجودهم يشكل خطراً على المسلمين، ومن هذا الخطرِ المنشور والذي وزع في مدينة الخبر، وهو يدعو إلى تنصير المسلمين، ومن ذلك أيضاً الجامعة الأمريكية التي فتحت لها فرعاً في الرياض لتقوم بالتدريس فيه، ولا شك أن وجود مثل هذه الجامعة في عاصمة الإسلام يشكل خطراً على عقائد المسلمين وعلى أخلاقهم، ونحن نعلم ما سيدور في مثل هذه الجامعة، فهل من كلمة حول هذا الموضوع؟
الجواب
الحقيقة أن هذا كلام شائك، لكن لابد من الدخول فيه، فلرسول ﷺ يقول: (لا يجتمع في الجزيرة العربية دينان) ويقول ﵊: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب) إلى غير ذلك من الأدلة، والله تعالى أمر بالبراءة من الكافرين حيث قال : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، لذلك فإنا نتوجه إلى الله بالدعاء والتضرع، وكلنا أمل في الله تعالى ثم في هذه الحكومة المسلمة أن تطهر هذه الجزيرة، بحيث لا نرى فيها وثنياً ولا يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً ولا ملة غير ملة الإسلام، سواء أان ذلك على المستوى الرسمي أم على المستوى الشعبي، فإننا نرى الآن -مع الأسف- أن كثيراً من أصحاب المؤسسات يستوردون النصارى والوثنيين والبوذيين إلى بلاد المسلمين ليكثروا سوادهم، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله لربما يطعن في الإسلام ويخرج عن دين الإسلام؛ فقد يقول: إن هؤلاء أوفى وأحسن عملاً من المسلمين.
بل زاد الطين بلة وزاد المشكلة أن كثيراً من بيوت المسلمين فيها نساء وثنيات خادمات، وهذه مصيبة وبلية، كنا نهرب من أن تكون مسلمة؛ لأنه اختلاط لا يجوز شرعاً، فكيف إذا كانت وثنية أو يهودية أو نصرانية، أو كان سائقاً وهذا أخطر وأشد وأعنف.
ولنا أمل في الله أن لا تكون هناك جامعة أمريكية في الرياض، ولنا أمل في الله ثم في المسئولين -أيضاً- أن لا يبقى في جزيرة العرب ولا في أرض الحرمين ولا في بلاد المقدسة إلا مؤمن موحد، وهذا هو ما نرجوه من الله ، ولنا أمل في هذه الحكومة التي قامت على دعوة سلفية صالحة، ولا يمكن أن تبقى إلا على هذا المنهج الذي قامت عليه، نسأل الله لها الثبات والهداية والاستقامة، والله المستعان.
стр. 194
وجه كون المستقبل لهذا الدين مع وجود الفساد في الأرض
السؤال
إذا قيل: إنه لا حاجة لنا إلى أن نقول: إن المستقبل لهذا الدين، ولا نحتاج إلى أدلة على ذلك ونحن نرى الوجوه الطيبة من الشباب في المجالس الطيبة، فكيف ذلك ونحن عندما نخرج إلى الأسواق والمحلات والشوارع نرى شيئاً معاكساً لما نراه في المساجد؟
الجواب
الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة، يقول : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، فمنذ الساعة الأولى التي هبط فيها آدم وحواء من الجنة هبط الشيطان معهما فكان الصراع.
إذاً لا تعجب -يا أخي- وأنت ترى الخير والشر يتصارعان في هذه الحياة، بل إن الله قال: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ [هود:١١٦].
فالفساد موجود في الأرض في كل عصر، لكن الشيء الذي يفقده الناس في كثير من الأحيان هو: هل هناك من ينهى عن الفساد في الأرض؟ فإذا وجد من ينهى عن الفساد في الأرض فوجود الفساد في الأرض أمر سهل، فمن أخطر الأشياء في حياة البشر أن لا يكون هناك من ينهى عن الفساد في الأرض، وكذلك من أخطر الأشياء على حياة البشر أن تكمم أفواه العلماء والدعاة إلى الله ، وأن يوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخطر من ذلك كله أن تطمئن قلوب المسلمين إلى معصية الله ، والله تعالى يقول: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣]، فوجود الفساد في الأسواق مع وجود خير في المسلمين يدل دلالة واضحة -إن شاء الله- على أن هذا الفساد سوف يودع الحياة عما قريب.
стр. 195
قدرات رابطة العالم الإسلامي في تغيير المنكرات بأنواعها
السؤال
ذكر أن هناك عشرين ألف ضريح يُعبد من دون الله، فأين دور رابطة العالم الإسلامي من هذا الأمر العقدي الخطير؟ أليس من الممكن أن يُعقد مؤتمر إسلامي ويُتخذ قرار له صفة الحكم الإلزامي لحكومات العالم الإسلامي بإزالة كل ما يعبد من دون الله؟
الجواب
نعم.
لكن من يستطيع أن ينفذ ذلك؟ فرابطة العالم الإسلامي لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور، ولم تقم بدور أقل من ذلك حتى تقوم بهذا الدور الكبير؛ لأنها لا تسيطر على بلاد المسلمين، وإمكاناتها محدودة، وهناك معاص دون هذه الأشياء وأصغر من هذه الأشياء ومع ذلك لم تستطع رابطة العالم الإسلامي أن تقضي عليها، فكيف تستطيع أن تقضي على أضرحة يحج إليها آلاف بل ملايين البشر من خلق الله ، الأمر ليس من السهولة بمكان، الأمر لا يحتاج إلى رابطة العالم الإسلامي، وإنما يحتاج إلى أن يعرف الناس دينهم، ثم يسيرون في هذه الأرض ينشرون دين التوحيد، لاسيما من بلادنا التي قامت على دعوة سلفية نسأل الله أن يجزي مؤسسها خير الجزاء.
стр. 196
كيفية الحد من فتنة المرأة في وسائل الإعلام وغيرها
السؤال
لقد بدأ التلفاز السعودي بإخراج النساء السعوديات أثناء المقابلات والتمثيل، فهل لدى العلماء علم بهذا؟ وما موقفهم منه؟
الجواب
لا أدري عن كونهم هل لديهم علم، أما الموضوع فهو كما يقول الشاعر: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد وسواء في ذلك النساء السعوديات أو غير السعوديات، كل ذلك فتنة، لكن النساء السعوديات يشكلن فتنة على المرأة كما يشكلن فتنة على الرجل، وعلى كل فأنا وأنت لربما لا نستطيع أن نسيطر على الموقف، لكن مَنْ مِنَ الرجال الذين استرعاهم الله على هذه البيوت يفكر في أن تخرج زوجته أو أخته أو ابنته لتقوم بهذا الدور؟ ودع عنك هذا كله فلماذا تضع هذه الأجهزة في بيتك مع أنك لم تجبر عليها؟ فأنت تضعها بنفسك ثم تقول: لماذا كذا وكذا؟! صحيح أن الإصلاح أمر مطلوب، لكن -على الأقل- قف على باب بيتك واحفظه من هذه الفتن، نسأل الله لنا ولك العافية.
стр. 197
حكم تدريس المقررات المخالفة لتعاليم وأحكام الإسلام
السؤال
إنني مدرس مطالب بتدريس بعض المناهج التي يوجد فيها ما هو مخالف لفطرة الإسلام، مثل ما يوجد في بعض المقررات من أن المادة لا تفنى ولا تبيد ونحو هذا، فهل يجوز لي تدريس مثل هذه المقررات؟ وإذا كان لا يجوز فما هو الموقف الذين يمكن أن أتخذه لكوني مدرساً؟
الجواب
أولاً: لا يجوز لك أن تدرس هذه المقررات، ولو كانت منهجاً مقرراً على الطلبة؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الخالق أمر لا يجوز.
ثانياً: هل فكرت في يوم من الأيام أن تبلغ المسئولين عن التعليم عن هذه الأخطاء الجوهرية المتعلقة بالعقيدة؛ فكيف تدرس نظرية تقرر أن المادة لا تفنى والله تعالى يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]؟! إذاً معنى ذلك أنك مطالب بأن تنكر هذا المنكر فتبلغ المسئولين لتخرج من العهدة، وإذا لم يرعوِ المسئولون ويتراجعوا عن هذا الأمر فأنت مطالب بأن تبين خطأ هذه الفكرة، ولو خالفت المنهج الذي كلفت بتدريسه؛ لأن طاعة الله قبل طاعة المخلوق، وأنت مطالب -أيضاً- بأن تبصر أولئك الشباب وتدلهم على الفطرة بدل أن تفسد فطرتهم.
стр. 198
أخبار حركة الجهاد في أرتيريا
السؤال
بما أنكم من المهتمين بأحوال إخواننا في خارج البلاد، خاصة في أرتيريا، فما هي آخر أخبار إخواننا في أرتيريا، خاصة بعد سقوط حكومة أديس أبابا وقيام الجبهة الشعبية ببعض التصريحات التي لا ترضي أهل الحق؟
الجواب
الحقيقة أن حركة الجهاد تكافح الجبهة الشعبية؛ لأن الجبهة الشعبية أخطر على الإسلام من حكومة أديس أبابا، وعلى هذا فإن الخطر يبدأ الآن ولا ينتهي، ونبشر ونطمئن بأن حركة الجهاد في أرتيريا تقوم على أيدي علماء من أهل السنة والجماعة ينطلقون من منطلق السلف الصالح ﵃، نسأل الله لهم الثبات والسداد والتوفيق على ذلك، ثم -أيضاً- نقول: آخر مراحل حركة الجهاد هناك -وإن كانت أموراً سرية، وبعد تلك الحادثة لم تصبح سرية- آخر مراحلها أن الجهاد -والحمد لله- قائم هناك على أشده، ويحتاج إلى دعمنا، فهناك من أرتيريا في السودان مليون مهاجر يموتون جوعاً، فضلاً عن أن يحملوا السلاح للجهاد في سبيل الله، وينسب هذا الكلام إلي، ففي كل ساعة يموت في كل معسكر عدد معين، فنحن مطالبون بأن ننفق على هؤلاء، وأن نمد لهم يد العون، كما أننا -أيضاً- مطالبون بأن نساعد إخواننا المجاهدين في حركة الجهاد في سبيل الله لتحرير أرتيريا من الكفر بكل أنواعه، والله تعالى قدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس حيث قال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١١].
стр. 199
علاقة وجود مجلس شورى في السعودية بالمستقبل للإسلام
السؤال
هل ترى أنه من المؤشرات المفرحة للمستقبل الإسلامي انتقال فكرة مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية إلى واقع عملي؟
الجواب
مجلس الشورى أمره أمر آخر، وهذا يرجع للدولة، نسأل الله أن يوفقها لما فيه الخير والسداد، وإن كان الأصل في الإسلام أن الحكم يقوم على الشورى، قال : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ [الشورى:٣٨] بشرط أن تكون هذه الشورى لأهل الحل والعقد، ولأهل الفكر وللذين يريدون الخير لهذه الأمة، أما وجود مجلس الشورى في مثل هذه البلاد فأعتقد أن أعضاء هذا المجلس سيكونون من خيار هذه الأمة، وسوف يساهم -إن شاء الله- مساهمة فعالة في توجيه الناس إلى ربهم.
стр. 200
دور العلماء والدعاة في لم شمل الأمة الإسلامية
السؤال
في هذا الزمان تفكك العلماء وتباعدت الصلة بينهم، حتى إن أهل الباطل يحصل بينهم اجتماعات وتعاون على الفساد، بينما العلماء وطلاب العلم كل في واد، فأرجو توجيه نصيحة للشباب والعلماء من أجل التعاون لنصرة هذا الدين؟
الجواب
أما العلماء فلا حاجة إلى أن نوجه لهم النصيحة؛ لأنهم يوجهون الناس، ويعلمون يقيناً أن الأمة إذا تفرقت فسوف يؤدي ذلك إلى فساد عريض، يقول : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
وأما الشباب فنقول: التفوا حول العلماء؛ فإن العلماء لا يريدون للدولة ولا لكم إلا خيراً، فكونوا عضدهم وساعدهم، واستقيموا على دين الله، وانهلوا من هذا العلم، واستغلوا الفرصة، فأي صحوة إسلامية لا تقوم على العلم الصحيح فإنها لا يستفاد منها، فاحرصوا على حلق العلم ومجالس الذكر؛ فإن بها تتجه هذه الصحوة الإسلامية إلى الله اتجاهاً طيباً مباركاً، وأسأل الله أن يثبت الأقدام، وأن يوفق القادة والمسئولين إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعل ولاة هذا البلد بصفة خاصة وولاة أمر المسلمين بصفة عامة من الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 201
الآيات الكونية وتحكيم شرع الله
تدل آيات الله الكونية من أرض وسماء، وجبال ووديان، وبحار وأنهار، ونجوم وكواكب على عظمة الله سبحانه، وأنه الخالق والفاطر لها، والمسير والمدبر لأمورها، أفلا يدل ذلك على استحقاقه سبحانه للعبادة والتذلل والخضوع من خلقه؟! ألا يدعو ذلك إلى التحاكم إلى دينه وشرعه؟! ألا ينادي ذلك بحكمته وإتقانه؟
стр. 202
الآيات الكونية وما فيها من تعظيم الله سبحانه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وبارك وعلى آله ومن دعا بدعوته ونصح لأمته إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٤١ - ٥٤].
أيها الأخ الكريم! هذه حلقة جديدة من سورة النور، والنصف الأول منها يتحدث عن موضوع واحد، وهو: كيف نحارب الرذيلة والفساد في الأرض؟ وكيف نكافح الزنا حتى لا يكون؟ وما هي الطرق الكفيلة بذلك؟ تنتهي تلك الاحتياطات ببيان منشأ الرجال وأين ينشأ الرجال، فالرجال لا ينشئون إلا في المسجد، ولا يتربون إلا في المسجد ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] وهؤلاء الذين يتربون في المسجد كما عرفنا.
في قلوبهم نور، وهذا النور هو أعظم نور عرفه الإنسان ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥].
ثم انتهى الأمر بعد ذلك إلى بيان الخطر الذي يصيب الإنسان حينما يبتعد عن المسجد وعن الله وعن دين الله، فيعيش إما في أحلام، فتكون: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩] أو يعيش في ظلمة نعوذ بالله، فليست له أعمال ترجى، بل هي سيئات إثر سيئات، وكفر ومعاصٍ وإلحاد وعناد ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
انتهى المقطع الأول من هذه السورة إلى هذا الحد، وجاء الحديث عن الآيات الكونية التي وضعها الله في هذا الأفق، وفي الأنفس، وفي هذا العالم، في السماوات وفي الأرض من أجل أن يهتدي هذا الإنسان، وكأن هذه الآيات الكونية وضعت بجوار الآيات الشرعية التي سبقت لتكون سبباً لهداية هذا الإنسان، فالإنسان الذي في قلبه نور ينشأ هذا النور في المسجد، والذي يفقد هذا النور يعيش في سراب، وفي أحلام يقظة، أو يعيش في بحر لجي فيه ظلمات إذا أخرج يده لم يكد يراها.
لكن الله قد وضع في هذا الأفق أدلة ترشد إليه في السماوات والأرض وفي الأنفس، ولذلك الله تعالى بين أن هذه الآيات الموجودة في السماوات يتذكر من خلالها أولوا الألباب، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢١] فإذا لم يجد الإنسان آيات في الأرض تكفيه لتعرفه بربه فسوف يجد هذه الآيات في السماء، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] وإذا لم ينظر في هذا ولا ذاك فلينظر في نفسه، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
فلو نظر هذا المخلوق المعاند لله فيما وضع الله تعالى في هذا الكون من آيات ومخلوقات من جبال معلقة بين السماء والأرض وهو السحاب وينزل منها الماء ومن مخلوقات متحركة على وجه الأرض، دواب، إنسان، حيوان، زواحف، حشرات، كل هذه أدلة ترشد الإنسان إلى ربه ، وقد يغفل هذا الإنسان عن هذه الآيات، فتكون النتيجة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور:٣٩ - ٤٠].
لكن لو نظر هذا الكافر قبل أن يكون كافراً في هذه الآيات الكونية والأفقية والنفسية ليرى منها قدرة الخالق ؛ ما كان هذا الإنسان ليكفر بالله ، وما كان لينكر الخالق وهو يرى آياته في هذا الوجود، وما كان ليزعم له شريكاً وهو يرى دقة الصنعة في هذا الوجود، وتلك الدقة التي خلقها الله في كل مخلوق تدل على أنه الواحد، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: في السماوات والأرض، ﴿آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] لأن اختلاف الصانع يؤدي إلى اختلاف الصناعة، بل في دون هذا الكون من الأمور التي يشترك فيها أكثر من واحد في صنعها تظهر فيها علامات الخطأ والخلل، وضعف الصنعة، أما هذه المخلوقات التي خلقها الله فهي دليل على الوحدانية.
стр. 203
قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)
يبين الآيات الكونية بعد بيان الآيات الشرعية من أجل أن يعرف الإنسان فيها قدرة الخالق، فيعيش في رحاب الإيمان، فيقول الله تعالى عن الآيات الأولى من هذه الآيات الكونية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور:٤١] هذه آية من آيات الله ، آية كونية، ألم تعلم -أيها الإنسان المكذب بربه أن الله تسبح له كل المخلوقات، فإن لم تسبح له أنت فاعلم أن كل المخلوقات تسبح لله، حتى الحجارة والجمادات، وحتى الطير في الهواء، وحتى السمك في الماء، كلها تسبح لعظمة الله ، إذاً لو كفرت -أيها الإنسان- بربك فأنت جزء بسيط من مخلوقات الله، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
إذاً معنى ذلك -أيها الإنسان- أنك إن كفرت بالله فإنه غني عنك، له خزائن السماوات والأرض، له جنود السماوات والأرض، ولذلك الله تعالى يقول في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] إذاً بقي جزء آخر من الناس لا يسبحون لله، فما يضر هذا الكون أن يكون هناك من لا يسبح لله من بني آدم، أو من الجن والإنس ما دامت هذه المخلوقات كلها تسبح لله .
فالمصيبة في كثير من الناس، أما سائر المخلوقات فإنها تسبح لله كلها، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [النور:٤١] أي: ألم تعلم أيها الإنسان المكذب ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤١] والذين في السماوات هم الملائكة، تصور يا أخي كثرة الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله ، قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وملك ساجد واضع جبهته لله ، السماء العظيمة التي تعتبر الأرض ذرة صغيرة من ذرات هذا الكون والذي تحيط به سبع سماوات، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك ساجد لله .
إذاً معنى ذلك أن الإنسان أصغر المخلوقات، وهذا الكوكب الصغير الذي يعيش الإنسان فيه جزء بسيط من الكون، إذاً لله جنود السماوات والأرض.
ثمانية ملائكة في كل يوم وليلة موكلون بالإنسان، أربعة كتبة، وأربعة حفظة، والأربعة الكتبة: اثنان في الليل، واثنان في النهار، والحفظة: اثنان في الليل واثنان في النهار، المجموع ثمانية لكل واحد من الناس، إذاً: كم عدد الملائكة؟ لا يحصي عددهم إلا الله ، فالله تعالى يقول عن الكتبة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، ويقول عن الكتبة أيضاً: ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١ - ١٢]، ويقول عن الحفظة الذين يحفظونه من أمر الله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ويقول ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر) صلاة الصبح التي ينام عنها كثير من الناس.
إذاً الأمر عظيم، وجند الله لا يحصي عددهم إلا الله ، فالله تعالى هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور:٤١]، والطير ليست في السماء ولا في الأرض، ولكنها في السماء اللغوية، والسماء اللغوية: هي كل ما علا مما هو بين السماء والأرض.
فقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) أي: وهي باسطة أجنحتها تسبح لله ، لكن بطريقة نحن لا نعرفها، تسمع الصوت ولا تدري ماذا يقول هذا الطير، ولكن الله يعلم تسبيحها، ويرى حركاتها وسكناتها، فهذه من قدرة الله ، والطير تسبح وهي باسطة أجنحتها في الفضاء، وقد تقبض أجنحتها في الفضاء ولا تسقط على الأرض ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ﴾ [الملك:١٩].
(كلٌ) أي: كل واحد من هذه المخلوقات (قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) فالصلاة للعقلاء، والتسبيح لغير العقلاء، الصلاة للملائكة والجن والإنس، أما ما سوى ذلك من المخلوقات فلها تسبيح لكن بطريقه نحن لا ندركها، لا يدركها إلا الله .
(كل قد علم) فاعل علم يحتمل أن المراد به هو الله ، أي أن الله علم صلاة وتسبيح هذه المخلوقات، ولو كان في جنح الليل المظلم، ولو كان في جوف البحر فإن الله تعالى يعلم صلاته وتسبيحه، ويحتمل أن الضمير في (علم) يعود إلى (كل)، أي: لهذه المخلوقات.
كل واحد منها علم صلاة نفسه وتسبيحها.
(والله عليم بما يفعلون)، وهذا يؤيد المعنى الأول، أي: ما تفعله هذه المخلوقات من خير أو شر لا يخفى على الله .
стр. 204
قوله تعالى: (ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير)
بعد ذلك الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٤٢]، وهذه آية من آيات الله، وقدرة من قدراته ، أن الله له ملك السماوات والأرض، ليس معنى ذلك أن هناك شيئاً مملوكاً لمخلوق لا يرجع ملكه إلى الله .
العلمانيون يقولون: (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) الله له المسجد، أما سائر الحياة فهي للإنسان يتصرف فيها كيف يشاء، أنظمة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحكم غير ذلك هذه ليست لله، فالله يعبد في المسجد، فمن أراد أن يعبد الله فليذهب إلى المسجد، وهذه خلاصة مذهب هؤلاء الفجرة الكفرة، والحقيقة أن الله تعالى يقول: ﴿لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٤١]، فليس هناك شيء لغير الله، وليس هناك شيء لقيصر، فكل شيء لله؛ لأن الله تعالى له ما في السماوات وما في الأرض، وعلى هذا نعرف أن حكم الله نافذ على كل المخلوقات في السماوات والأرض، ونافذ أمره في كل أمر من أمور هؤلاء الخلق، سواء أكان في أمور العبادات أم في أمور الحياة الدنيا.
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي: المرجع.
وهذا أيضاً دليل على قدرة الله، فمن يستطيع أن يجمع هذه الخلائق يوم القيامة؟ من يستطيع أن يجمع هذه الأجزاء التي امتصها التراب فأصبحت تراباً وعادت تراباً؟ الله هو الذي يستطيع أن يجمع ذلك، ولذلك الله تعالى رد في آخر سورة (يس) على الملحد الذي جاء ذات يوم إلى رسول الله ﷺ وفت عظماً بالياً في وجه محمد ﷺ وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يبعث هذا يوم القيامة قال: (نعم يميتك ثم يبعثك ويحشرك إلى النار) فأنزل الله أدلة على أن الله تعالى يجمع هذه الأجزاء وإن كانت عظاماً بالية، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٠] شجر أخضر تضعه في النار فيلتهب ناراً، من حول الرطوبة إلى حرارة والبرودة إلى حرارة؟ الذي يبعث الأجسام يوم القيامة هو الذي يعيد إليها الرطوبة والحرارة مرة أخرى.
стр. 205
قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه)
ثم بعد ذلك الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) وهذه آية كونية من آيات الله، فمن يستطيع أن يعلق هذا السحاب بين السماء والأرض؟ فهي آيات عظيمة.
وقوله: (يزجي) أي: يرسل ويبعث سحاباً ينطلق من البحار والهواء، ومما لا يعلمه إلا الله ، ويتجمع في السماء كالجبال، يزجيه ويجمعه، ثم يسوقه إلى مواقعه التي يريد أن ينزل فيها المطر، وهذا السحاب العظيم محمل بالمياه الثقيلة، ويسير بين السماء والأرض بقدرة الله ، كما أمسك الطير في السماء أمسك السحاب أيضاً بين السماء والأرض، ولذلك هذه آية كونية أخرى تشبه الآية الكونية السابقة.
ألم تعلم أيها الإنسان؟ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا)؟ و (سحاباً) جمع سحابة، وهي القطعة من الغيم، (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) يجمع بعضه على بعض (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) فيرتص ويتراكم بعضه فوق بعض، حتى تكون السحابة العظيمة السوداء في السماء آلاف الأمتار بقدرة الله وهي محملة بالمياه ومعلقة بين السماء والأرض، إذاً من يستطيع ذلك؟ لا يستطيعه إلا الله .
(فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) المطر يضعه الله تعالى في فتوق هذا السحاب، فيبدأ الماء ينزل، فإذا أراد الله تعالى أن ينزل الماء لا ينزله إلا الله .
وقد كتبت كاتبة تقول: متى ننزل المطر بإرادتنا؟ وهل يستطيع الإنسان أن ينزل المطر بإرادته؟! الله هو المسيطر على هذا الكون والسحاب، لا ينزل ذلك إلا بإرادة الله ، إذاً الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) ينزل بإرادته لا بإرادة مخلوق من المخلوقين (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ) أي: المطر يتفتق هذا السحاب فينزل (يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ)، أي: من فتحات هذا السحاب بقدرة الله إذا أراد أن ينزل، لا بقدرة المخلوق، فقد تمر السحابة العظيمة المحملة بالمياه الثقيلة ولا ينزل في هذا المكان، وينزل في مكان آخر حسب إرادة الله، وبمقدار ما يوجهه الله .
(وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) قد ينزل برداً بدلاً عن الماء، وقد يهلك بدلاً من أن يكون سبيل رحمة، وهذه الجبال الموجودة بين السماء والأرض كناية عن السحاب العظيم المثقل بالماء، فكأنها أصبحت كالجبال، خلافاً لما يقوله بعض المفسرين بأن هناك جبالاً من برد في السماء متجمدة تنزل إذا أراد الله.
والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا من باب التشبيه، فهناك سحاب ثقيل عظيم كأنه الجبال، وأنت تشاهد هذا السحاب إذا ركبت الطائرة وقد علت من فوق السحاب، فترى سحاباً كالجبال.
إذاً قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ) أي: من سحاب كالجبال -والله أعلم- من شدة ارتفاعه في السماء، ولما يحمله من مياه ثقيلة، ولتجمعه وتراكمه، فقد ينزل منه برد يتجمد بين السماء والأرض، فيكون هذا الماء برداً، وربما يكون ضاراً، والإنسان لا يعرف مصلحته أفي هذا السحاب أم في غيره.
(وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا) أي: في السماء (مِنْ بَرَدٍ) مياه متجمدة، (فَيُصِيبُ بِهِ) أي: بالمطر أو بالبرد (مَنْ يَشَاءُ) أي: من أراد الله تعالى إنزاله عليه (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) فهي قدرة إلهية وليست قدرة بشرية، فلو كان هذا الإنسان بيده قدرة ما كانت تمر فوقه سحابة إلا ويمتص ما فيها من ماء؛ لأن هذا الماء هو سبب حياة البشر، وسبب حياة الأرض، وسبب زينة الأرض، لكن الله هو الذي يوجه هذا الأمر بقدرته وإرادته، لا بإرادة هذا الإنسان، ولذلك الله تعالى يقول: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) بقدرة إلهية، وهذا المطر عظيم، وهذا السحاب عظيم له برق لامع، يكاد من شدة برقه أن (يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) لشدة لمعانه، (يَكَادُ سَنَا) أي: ضوء برقه (يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) من شدة لمعانه.
стр. 206
قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
هناك آية أخرى يراها الإنسان في كل يوم وليلة، ويراها الإنسان في كل سنة عدة مرات، ولربما يراها في الصباح والمساء، يزيد الليل ويزيد النهار، ويكون الليل أطول من النهار أو النهار أطول من الليل حسب فصول السنة، في كل يوم يحصل هذا التغير، وليلة باردة وليلة حارة، ويوم بارد ويوم حار، تقلب بإرادة الله ، فمن يستطيع أن يفعل هذا الفعل؟ لا يستطيع ذلك إلا الله، ولذلك من آيات الله الكونية أنه يقلب الليل والنهار، فيزيد الليل لينقص النهار، ويزيد النهار لينقص الليل، ويجعل الوقت بارداً أو حاراً أو متوسط البرودة والحرارة، إذاً هذه من آيات الله .
ولو نظرت إلى الساعة في هذا اليوم وقارنتها بالساعة في مثل هذا اليوم لسنوات مضت منذ آلاف السنين فلن تجد أن هذا الكون يختلف، أو أن هذا الزمن يختلف لحظة واحدة، فمن نظم هذا الكون بهذا المقدار وبهذه الدقة التي لا يستطيعها إلا الله ؟ إنه الله ، ولذلك تقليب الليل والنهار بزيادة ونقص، وطول وقصر، وبرودة وحرارة لا يستطيعه إلا الله ، فهذه الدقة في الصنعة آية من آيات الله، فالله تعالى يقول: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) بالزيادة والنقص وغير ذلك (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في تقليب الليل والنهار (لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ) أي: آية ودليل قاطع يعتبر منه الإنسان، لكن لا يتعظ بذلك إلا أولوا الأبصار، أما الماديون فيقولون: المادة هي التي تصنع هذا الشيء.
والدهريون والملاحدة يقولون: هذا الفضاء يسبح بطبيعته، ونظم نفسه.
فهل يستطيع أن ينظم نفسه بنفسه؟ ومن يستطيع أن ينظم هذا الكون بدقة؟ فهذا النظام الذي وضعه هو الله وصفه في هذه الحياة، خلاف ما يعتقده الملاحدة الذين يظنون، بل لا أظنهم يظنون، بل أنا متأكد أنهم يؤمنون بقرارة أنفسهم؛ لأن الإيمان فطرة، ولكنهم يريدون أن يخالفوا هذا الإيمان لمصالحهم، كما قال فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] والله تعالى يقول عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤].
إذاً معنى ذلك أن هذا النظام الرتيب الذي وضعه الله في هذا الكون أعظم دليل على وجود الخالق ، وعلى قدرته ووحدانيته، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٤] لكن لا يستفيد من هذه الأدلة ومن هذه الدروس إلا أولوا الأبصار وأصحاب العقول.
стр. 207
قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
هناك دليل آخر نشاهده نحن في أنفسنا، وفيما يعيش معنا من مخلوقات الله من الزواحف والحيوانات والطيور والحشرات وغير ذلك، في هذه المخلوقات وهي تتفاوت في شكلها وفي طريق سيرها ومشيها، فما هي الآية؟ يقول الله : (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) الدابة: هي ما يدب على وجه الأرض.
وهل المقصود بذلك ما يدب على وجه الأرض أم المراد به كل ما يدب من الملائكة التي تدب على سطح السماء، والجن الذين يدبون على وجه الأرض ونحن لا نراهم، والطيور التي تعيش بين السماء والأرض، إذ كلها تسمى دابة؟ إن الدابة مأخوذ من الدبيب، والدبيب معناه: السير البسيط الخفيف، لكنه يطلق على مجرد سير، إذاً الله خلق كل دابة من ماء، ما هو هذا الماء؟ يحتمل أن المراد بالماء ماء الذكر الذي يختلط بماء الأنثى، ويرد على هذا بعض الأمور، فهناك من لم يخلق من هذا الأمر، فآدم خلق من تراب ولم يخلق من هذا الجنس، والجن خلقوا من النار، والملائكة خلقوا من النور، وهناك ما يتولد من التعفن كالبكتيريا وغيرها، إذاً يحتمل أن المراد بالماء هنا أصل الماء؛ لأن أول ما خلق الله في هذا الكون الماء، فكان أول المخلوقات، حتى لو قلنا بالرأي الأول نقول: المراد (بالماء) الماء المعروف، وليس المراد ماء الذكر والأنثى، وهل كل شيء خلق من ماء؟ نعم حتى النار خلقت من الماء، لأنها لا تشتعل إلا بالشجر الذي خلق من الماء، وحتى الحشرات المتعفنة تتعفن من مادة لا بد أن فيها أصل الرطوبة، إذاً الله أعلم بالمراد، هل الماء أصل المخلوقات، الذي خلقه الله قبل أن يخلق شيئاً في هذا الكون، وأوجد من هذا الماء كل هذه المخلوقات حتى الأرض وجدت من هذا الماء؟ الله أعلم بذلك.
(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) كالزواحف والحيات التي ليس لها أرجل ولا أيد، تزحف زحفاً على الأرض (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) و (من) هنا لا تأتي إلا للعاقل، لكن جيء بها هنا لأن العاقل هو أفضل هذه المخلوقات.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) كالإنسان والطيور وما أشبه ذلك (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) كالحيوانات وغيرها.
إذاً فأكثر المخلوقات على ثلاثة أنواع: منها من يمشي على بطنه كالزواحف، ومنها من يمشي على رجلين كالطيور والإنسان، ومنها من يمشي على أربع كسائر البهائم، لكن وجد على وجه الأرض من يسير على أكثر من أربع بأقدام كثيرة، فهذه نقول: تأتي بطريق التبع؛ لأنها قلة، أما أكثر المخلوقات التي تحدث الله عنها -وهي ترى دائماً- فهي من يمشي على بطنه أو من يمشي على رجلين أو من يمشي على أربع، وما سوى ذلك فهو داخل في القلة والندرة.
(يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) يعني: هذه قدرة الله وليست قدرة المخلوق، فليس للمخلوق يد في صنعها.
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومن قدرته أن جعل هذه المخلوقات متفاوتة، فصار منها ما يزحف زحفاً على الأرض بدون أرجل، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يمشي على أكثر من ذلك، إذاً هي قدرة الله .
стр. 208
قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات)
يختم الله بهذه الآية تلك الآيات الكونية، وهذه الآية دائماً تتكرر؛ لأنها بدئت بها السورة: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١].
ثم ختم بها الجزء والمقطع الأول من السورة: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النور:٣٤].
ثم جاءت الآيات الكونية فختمت بمثل ما ختمت به الآيات السابقة: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور:٤٦] أي: واضحات الدلالة على مراد الله ، ولكن ما على هذا الإنسان إلا أن يتعظ بها ويستفيد منها.
(وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الهداية بيد الله، فهذه أدلة كونية واضحة، لكن ما يهتدي بها إلا من شاء الله تعالى أن يهتدي، فدائماً الهداية مربوطة بمشيئة الله، ولا دليل للجبرية الذين يقولون: كيف يقدر الله المعصية على الإنسان ويعاقبه عليها؛ لأن الله تعالى قد أعطى هذا الإنسان مشيئة، فالمذاهب المعروفة ثلاثة: فمذهب الجبرية يقول: إن الله تعالى قد أجبر الإنسان على أعماله، فكيف يعاقبه على ذلك؟! وتهرب قوم بسبب هذا المذهب الخبيث وهم القدرية فقالوا: الله تعالى لم يقدر مقادير الخلائق ولا أعمال العباد، فالعبد هو الذي يخلق أفعاله.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين هذين المذهبين، فليس بمذهب الجبرية الذي يقول: إن الإنسان مجبر وليست له إرادة، وليس بمذهب القدرية الذين يقولون: كيف يقدر الله المعصية على الإنسان ويعاقبه عليها؟ فيقولون: الله تعالى ما قدر أفعال العباد.
أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو الوسط، فإن الله تعالى قدر أفعال العباد، لكن لهذا الإنسان إرادة، وإرادته مربوطة بإرادة الله تعالى وبمشيئة الله .
إذاً ليس في هذه الآية دليل للجبرية؛ لأن الإنسان له إرادة، فالله تعالى يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فله مشيئة، إلا أنها مربوطة بمشيئة الله .
стр. 209
الآيات الدالة على وجوب تحكيم شرع الله
هنا يجيء مقطع جديد يوجب تحكيم شرع الله، وهل يصلح البشرية غير شرع الله؟ وهل تستقيم أمور الناس بشريعة غير شريعة الله؟ لا.
أبداً، فالإنسان لا يمكن أن تستقيم أموره، ولا يمكن أن تستقر أحواله، والعالم لا يمكن أن يخضع لنظام غير شرع الله ، ولذلك نسمع الآن أخبار هذا العالم الذي قد أمسك بالزناد في كل بلاد العالم، لا يهدأ له بال، فوضى، واضطرابات، ومشاكل، ومصائب، وسلب ونهب، وقتل وجرائم، ولصوصية واغتصاب، وفساد وزنا، وسرقة، ما الذي حدث؟! الذي حدث أن هذا العالم أعرض عن شرع الله، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧] وهذا الشقاق سيبقى ما بقي الإعراض عن شرع الله ، والرسول ﷺ يقول: (وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
إذاً لا بد أن تحكم الأئمة بشرع الله، وإذا حكمت الأئمة بشرع الله هدأت الأمور، واستقرت الأحوال، ولذلك بمقدار ما يطبق الناس من شرع الله يكون لهم نصيب من الأمن والاستقرار والهدوء، وبمقدار ما يعرضون عن شرع الله يكون الأمر من الفوضى والاضطرابات والمشاكل.
نصيحة نوجهها لكل حاكم يحكم هذا العالم الإسلامي -بل العالم كله- أن يحكم بشرع الله ، وحينئذٍ يكون الأمن والاستقرار، والرخاء والطمأنينة، والهدوء والطاعة من الشعوب للقادة، بل لا يجوز لهذه الشعوب أن تخضع للقادة وهي تحكم بغير شرع الله، فالله تعالى أخبر بأن هؤلاء الذين يحكمون بغير شرع الله طواغيت، وأن الشعوب التي تستجيب لمن يحكم بغير شرع الله أيضاً هي طاغوت، فأي واحد من أفراد الشعب يعتبر طاغوتاً إذا تحاكم إلى غير شرع الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠]، الذي يحكم بغير شرع الله ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠].
تضل الشعوب ضلالاً بعيداً إذا تحاكمت إلى غير شرع الله ، أما الطاغوت الذي يحكم بغير شرع الله تعالى فإنه هو الكافر المرتد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] وهنا ستجد قصة تحدث عنها القرآن تبين لماذا يعرض الإنسان عن شرع الله؟ إما أن يكون في قلبه مرض نفاق، أو يكون مرتاباً شاكاً بهذا الدين، أو يكون شاكاً بعدالة الله : ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] فلا يمكن أن يكون من يحكم بغير شرع الله إلا واحداً من هؤلاء الثلاثة، فمن يحكم بغير الشرع نقول له: أنت إما أن تكون مريض القلب منافقاً ما دام أنك تعرض عن شرع الله، وإما أن تكون مرتاباً شاكاً في هذا الدين أنه جاء من عند الله، وأن القرآن نزل من عند الله، وهذا هو الكفر الصريح، وإما أن تتهم الله تعالى بالحيف؛ لأن هذا حكم الله، فالله الذي حكم بين هؤلاء الناس، إذاً يحيف، أي: يميل مع بعضهم دون بعض فأنت إذاً ملحد مجرم في حق الله .
والقصة لها سبب نزول، وهو أنه ذات يوم اختصم رجل يهودي مع رجل منافق، والمنافقون أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، المنافقون الذين يندسون في المجتمعات الإسلامية ويترهبنون مع المسلمين، ويتظاهرون بالدين، ويطعنون في الدين من الخلف أو من الأمام سراً أو علناً هم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى، ما في الدنيا أخطر على الإسلام وعلى الدين من المنافقين، ولذلك ليس عجيباً أن يضعهم الله تعالى في الدرك الأسفل من النار، فاليهود والنصارى في النار، لكن هؤلاء في الدرك الأسفل من النار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] أي: النفاق الاعتقادي، نعوذ بالله.
فهذا الرجل الذي يتظاهر بأنه رجل مسلم وأنه يحكم شرع الله ويتباكى على الإسلام، وإذا تحدث فكما قال الله : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة:٢٠٤] فإنه يؤكد ويقول: أنا صادق فيما أقول، ويشهد الله أني صادق فيما أقول.
لكن قلبه فاسد وضد الإسلام ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥].
فوجود هذا على وجه الأرض يسبب غضب الله، والذي يحدث من خلال غضبه أنه يهلك الحرث والنسل، إذاً المنافقون أخطر على الإسلام من غيرهم، ولو وجدناهم يتباكون على الإسلام ويتحدثون عنه ويقولون الخطب الرنانة التي يظهرون فيها أنهم مع الإسلام، وأنهم جنوده، لكن إذا كانوا يخفون في الباطن غير ذلك فإنها سريرة سوف يكشفها الله تعالى عما قريب؛ لأن الله تعالى يعلم السر وأخفى.
إذاً هؤلاء هم أخطر من يجب أن يخاف منه.
فالمنافق اختصم مع يهودي، واختلفا في بئر أو أرض، فقال اليهودي: نحتكم إلى محمد.
وهو لا يؤمن بمحمد ﷺ ، لكن يعرف أن محمداً ﷺ سوف يحكم له في هذه، فقال المنافق: نحتكم إلى كعب بن الأشرف.
يهودي مجرم.
اليهودي يحتكم إلى الإسلام والمنافق يريد أن يحتكم إلى كعب بن الأشرف الرجل اليهودي المشهور! فأنزل الله هذه الآيات تبين كيف يعرض الناس عن شرع الله، لماذا؟ لأنهم يرون أن الحق عليهم، وأن الإسلام سوف يرد الحق إلى صاحبه وأهله، فالإسلام عادل، ولا يمكن أن يميل مع رجل ولو كان يتظاهر بالإسلام وليس مسلماً صحيحاً، أو هب أنه مسلم صحيح ضد رجل يهودي، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:١٠٥ - ١٠٧].
وهذه الآيات نزلت في شأن أناس كانوا يزعمون أنهم مسلمون، فسرقوا سرقة وألصقوا التهمة بغيرهم، لكن الإسلام لا يحيف مع أتباعه ضد أعدائه، الإسلام نظام حكم شامل لا يصلح الحياة إلا هو، فقام الذين يزعمون أنهم مسلمون بإلصاق التهمة بغيرهم، وجاء جماعة من قومهم يشهدون معهم، وكاد الرسول ﷺ أن يحكم ضد المتهم، فهل تظن أن الله تعالى سوف يتركهم؟ لا، بل قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ﴾ [النساء:١٠٥ - ١٠٦] فقد أخطأت.
ثم يقول الله تعالى بعد ذلك: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ [النساء:١٠٩].
الإسلام لا يفرق بين هذا وهذا، الإسلام لا يفرق بين ملك وسوقة، الإسلام لا يعطي حاكماً أكثر مما يعطي محكوماً من شرع الله ، الناس في حكم الله سواسية.
ويختصم علي بن أبي طالب ورجل يهودي ذات يوم، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين.
ورجل يهودي من فقراء اليهود، يفقد علي بن أبي طالب ﵁ درعه في صفين، فيبحث عنه فيذكر له أنه عند يهودي، فيقول لليهودي: هذا درعي.
فيقول اليهودي: بل هو درعي.
فيحتكم الرجلان: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين الذي يحكم العالم الإسلامي كله مع رجل من فقراء اليهود دينه فاسد، ويجلسان أمام القاضي شريح، ويجلس القاضي شريح الاثنين جميعاً على كراسي الحكم؛ لأن الإسلام ليس فيه ملك ولا سوقة، فيقول شريح: ماذا عندك يا أبا الحسن؟ فيغضب علي حين قال له: أبا الحسن! لا يريد أن يعطيه لقباً أكثر من اليهودي، غضب حين أعطاه هذا اللقب دون أن يعطي اليهودي لقباً مثله.
فيقول: ماذا عندك؟ فيقول: عندي هذا الدرع أخذه اليهودي.
فيلتفت إلى اليهودي فيقول: الدرع لك يا يهودي أم لـ علي؟ فيقول: بل هو لي.
فيلتفت إلى علي فيقول: أعندك بينة؟ فيقول: والله ما عندي بينة.
فيقول: الدرع لليهودي.
تصوروا العدل الذي قامت عليه دولة إسلامية امتدت من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً مدة طويلة من الزمن، إلى أن فسد هذا العدل وحصل فيه ما حصل، فيحكم بالدرع لليهودي ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ويقوم اليهودي والدرع معه، فيرجع اليهودي ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن هذه أحكام أنبياء، الدرع لك يا أمير المؤمنين، تبعتك يوم صفين فوجدته قد سقط منك.
لماذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ لأنه رأى العدل في حكم الإسلام فلو حكم المسلمون اليوم بالعدل حقيقة لدخل الناس كلهم في دين الله أفواجاً، فأندونيسيا سكانها مائة وخسمة وسبعون مليوناً، فيها الآن مائة وستون مليون مسلم، ما وصلهم داعية واحد في أول الإسلام، ولا وصلتهم جيوش إسلامية، وإنما وجدوا كيف يتعامل الإسلام مع الناس فدخلوا في الإسلام.
إذاً قصة ا
стр. 210
قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم)
هذا حكم الله هو الذي لا يصلح البشرية إلا هو، ولذلك أولئك يعرضون عن حكم الله ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨] لا يريدون شرع الله؛ لأنهم أصحاب شهوات، وأصحاب فساد، لأنهم لصوص الأرض لا يريدون أن تقطع يد السارق فيصل القطع إليهم في يوم من الأيام، لأنهم يهوون الزنا والفواحش، ولا يريدون أن يرجم الزاني أو يجلد؛ لأن الزنا ديدنهم وصفتهم، فلما فسدوا ظنوا سوءاً بحكم الله .
(وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ومتى يرجعون إلى شرع الله؟ إذا كان الحق لهم، ولذلك اليهودي رضي بشرع الله؛ لأنه يعرف أن الحق له في شرع الله، والمنافق رفض حكم الرسول ﷺ وأراد حكم كعب بن الأشرف؛ لأنه يعرف أن عند كعب بن الأشرف حكماً غير حكم الله، أي: لن يعطي صاحب الحق حقه، هذا هو السر في إعراضهم عن شرع الله.
لكن تصور -يا أخي- لو كانوا يعرفون أن الحق لهم! فلو عرفوا أن الحق لهم لرجعوا إليه مذعنين، والآن يسود العالم دندنة تقول: لابد من التزام حقوق الإنسان، ولا تقتلوا الإنسان، لا تقتلوا القاتل، ولا تقطعوا يد السارق، إنها جريمة فاحشة وحكم شنيع.
ولو واحداً منهم أراد أن يحكم -ولا يستطيع أن يحكم إلا على الجماجم والأشلاء والدماء- لأباد هذا العالم كله ليحكم، وهو الذي يقول بالأمس: القتل وحشية وإراقة الدماء وحشية فلو أراد أن يحكم ورأى أنه لا يحكم إلا بأن يقتل ولو ثلاثين ألفاً من مدينة واحدة من أجل أن يثبت ملكه ليحولها -كما يقال- إلى مزارع للبقدونس لنفذ ذلك الحكم، لكن قتل مجرم واحد يرى أنه وحشية وجريمة.
стр. 211
قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
ما سبق ذكره هو الواقع، فأكبر دولة تتبنى الآن حقوق الإنسان وترى أن قتل الإنسان وحشية هي أمريكا كما نعرف، وأمريكا قتلت في ساعة واحدة ثمانين ألفاً في قنبلة ذرية ألقتها في اليابان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] إنسان يريد أن يحكم وأن يثبت عرشه الذي يهتز من تحته يمكن أن يجعل أودية من الدماء تسيل، كما كان هتلر يقول: سأسلم الأرض لله فارغة كما خلقها فارغة.
هذه كانت من مقالاته، يقول: لا أسلم الأرض لله إلا وهي فارغة من بني آدم.
لأنه يريد أن يحكم، وهذه طبيعة البشر، لكن قتل واحد مجرم يرون أنه جريمة وفاحشة وشنيعة.
ومع الأسف فهناك دولة إسلامية عربية كان من قوانينها: (تجنب الحدود البشعة) بهذا اللفظ، وهذا هو القانون السائد الآن، فقتل الإنسان عندهم جريمة، وإذا كان قد أجرم في نظرهم فقتله في نظرهم جريمة، لكن إذا أرادوا أن يحكموا أرضاً من أرض الله بقوة الحديد والنار والطغيان فيمكن أن تسيل الأرض دماءً ولا يبالون، ويمكن أن يقتلوا آلاف البشر ولا يبالون، في سبيل أن تثبت هذه العروش التي تهتز من تحتهم.
فذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] يعني: الذين يرفضون حكم الله إذا كان لمصلحتهم ورأوا أن الحق لهم وأنه يخدم مصالحهم يأتون إلى حكم الله مذعنين.
فالذين يرون أن قطع يد السارق وحشية، وقتل القاتل وحشية يأتون إلى القتل مذعنين حينما يريدون أن يثبتوا ملكهم في هذه الأرض، وهذه قاعدة مطردة لا تتخلف دائماً وأبداً، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ﴾ [النور:٤٩] أي: في قتل هذا الإنسان أو في حكم الله ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾ [النور:٤٩] يعني: إلى حكم الله (مذعنين) أي: منقادين لمصالحهم الخاصة، ما هو السر في ذلك؟ السر أحد ثلاثة أشياء: قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) نفاق (أَمْ ارْتَابُوا) عندهم شك في الله وفي حكم الله، كل هذا لا شك أنه موجود فيهم (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وهو موجود، فهم -أيضاً- يخافون أن يحيف الله عليهم؛ لأنهم ما يؤمنون بالله ، وإن آمنوا بالله فإيمانهم ضعيف، فهم يظنون في أنفسهم أن الله يحيف عليهم حينما يأخذ الحق من هذا لهذا، وحينما يُقتل هذا، وحينما يأمر بقطع يد هذا، أو حينما يأمر بسجن هذا، يعتبرونه حيفاً من الله ، فهذه أحد أمور ثلاثة، وكلها موجودة فيهم.
و
الجواب
( بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالذي حدث أنهم ظالمون لأنفسهم وللشعوب وللأمم، ولذلك أعرضوا عن شرع الله بسبب ظلمهم.
إذاً ما هو موقف المؤمن أمام شرع الله وإذا دعي إلى شرع الله؟ يقول: سمعت وأطعت، يجب على كل أحد من المسلمين إذا قيل له: تذهب إلى شرع الله، إلى المحكمة، إلى القاضي الشرعي أن يقول: سمعنا وأطعنا.
فهذا هو موقف المؤمن في مثل هذه الحالة.
стр. 212
قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين)
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) (قول) هنا خبر كان، واسمها مصدر مؤول متأخر.
فالمسلم إذا دعي إلى شرع الله يجب أن يستجيب، ولا يجوز له أن يتأخر أو أن يبحث عن شرع غير شرع الله، وإذا دعي إلى قوانين البشر وآراء الرجال أو أن يحكم فيه بغير شرع الله فعليه أن يرفض، وتعتبر استجابته لغير شرع الله خطراً عظيماً عليه، وتعتبر استجابته لله أمراً مطلوباً.
(أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) يقولونه بألسنتهم وأفعالهم، يعني: يستجيبون لشرع الله.
(وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الذين يقولون: سمعنا وأطعنا مستجيبين لشرع الله.
стр. 213
قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله)
(وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذا هو جزاء الذين يتحاكمون إلى شرع الله ويحكمون بشرع الله، ويرفضون كل شرع ونظام غير شرع الله ويخالف شرع الله.
(وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ) الخشية: هي شدة الخوف وأعظمه.
هذه الخشية هي التي يجب أن يمتلئ بها قلب المؤمن (ويتقه) أي: يتق الله (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) أي: هؤلاء هم الذين يفوزون بسعادة الدنيا والآخرة.
بل -والله- يفوزون بسعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، فالعالم الذي يستجيب لشرع الله ويتحاكم إلى شرع الله هو الذي يسوده الأمن والهدوء والطمأنينة، وانظر إلى بلادنا -والحمد لله- فبمقدار ما تطبق من شرع الله يكون لها الأمن والطمأنينة، ويتخطف العالم من حولنا، ونسأل الله الثبات على شرع الله، وأن نموت على شرع الله وعلى ملة الإسلام.
وهذا بالنسبة لفوز الدنيا، أما فوز الآخرة فإنه الجنة التي أعدها الله لمن تحاكم وحكم بشرع الله.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 214
قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا)
يقول الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] دائماً المنافقون عندهم كلام ولا يوجد فعل حقيقة، ما عندهم اعتقاد صادق وإنما قول فقط؛ لأن إيمانهم قول لا يعدو اللسان، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ [النور:٤٧] كل من لم يحكّم شرع الله ويخضع لدين الله ولو كان يهز المنبر بمواعظه نقول له: أنت قائل ولست بفاعل (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) والأحداث هي التي تكشف هؤلاء المنافقين.
(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد هذا القول (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ما هم صادقون في الإيمان، لو كان الإيمان موجوداً حقيقة لظهر على الجوارح، ولظهر على التصرفات، ولظهر على الحياة، لو كان هؤلاء مؤمنون حقاً ما كانت الحياة بهذا الشكل.
إذاً إيمانهم مزعوم، وقلوبهم فاسدة، هذا الإيمان قول وليس بحقيقة، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] ليسوا مؤمنين حقاً، ما هو الدليل؟ الدليل: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨] فكما أعرض ذلك المنافق يعرض المنافقون دائماً عن شرع الله، والآن تسود العالم ضجة كبرى تقول: شرع الله لا يصلح للحياة، يصلح في عصر الخيمة والبعير والأمور البسيطة، لا يصلح في عصر الصاروخ والمركبات الفضائية إلى غير ذلك! يقولون: تطورت العقلية الإنسانية.
فهذا هو رأي العلمانيين الفجرة، أنه لا يصلح هذا الدين للحياة، يصلح للمسجد صيام رمضان وحج ونحو ذلك، ولذلك الله تعالى يبين أن هؤلاء المنافقين لا ينكشفون إلا عند الأمور الحساسة: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، ولذلك يقولون: قطع يد السارق وحشية، أنقطع يد سارق لنترك رجلاً عالة في المجتمع بدون يد؟! أنرجم الزاني من أجل شهوة بسيطة في دقائق نقضي على حياته؟! أنقتل القاتل ونضيف إلى مقتول مقتولاً آخر ليصبحا اثنين؟! نكتفي بالمقتول الأول ويكفي هكذا عقولهم تقول لهم، ونسوا أن الزاني يفسد المجتمع، وأن السارق يهدد الأمن، وأن القاتل يهدد الناس في دمائهم، وأننا لو تركنا القاتل يقتل دون أن نأخذ منه القصاص لتركنا فتنة في الأرض، ولربما تكون حرباً مدمرة بين قبيلتين بسبب دمٍ واحد، أو نترك ذلك القاتل يقتل من شاء متى شاء؟!
стр. 215
الوعد الحق
لقد وعد الله تعالى ووعده حق، وقوله صدق، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وعد عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لهذا الدين، وإبدال الخوف أمناً، وذلك إذا أقاموا دينه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فإن تخلفوا عن ذلك فليس لهم عند الله من ميثاق ولا عهد ولا وعد.
следующие страницы →