← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قوله تعالى: (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) ما سبق ذكره هو الواقع، فأكبر دولة تتبنى الآن حقوق الإنسان وترى أن قتل الإنسان وحشية هي أمريكا كما نعرف، وأمريكا قتلت في ساعة واحدة ثمانين ألفاً في قنبلة ذرية ألقتها في اليابان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] إنسان يريد أن يحكم وأن يثبت عرشه الذي يهتز من تحته يمكن أن يجعل أودية من الدماء تسيل، كما كان هتلر يقول: سأسلم الأرض لله فارغة كما خلقها فارغة. هذه كانت من مقالاته، يقول: لا أسلم الأرض لله إلا وهي فارغة من بني آدم. لأنه يريد أن يحكم، وهذه طبيعة البشر، لكن قتل واحد مجرم يرون أنه جريمة وفاحشة وشنيعة. ومع الأسف فهناك دولة إسلامية عربية كان من قوانينها: (تجنب الحدود البشعة) بهذا اللفظ، وهذا هو القانون السائد الآن، فقتل الإنسان عندهم جريمة، وإذا كان قد أجرم في نظرهم فقتله في نظرهم جريمة، لكن إذا أرادوا أن يحكموا أرضاً من أرض الله بقوة الحديد والنار والطغيان فيمكن أن تسيل الأرض دماءً ولا يبالون، ويمكن أن يقتلوا آلاف البشر ولا يبالون، في سبيل أن تثبت هذه العروش التي تهتز من تحتهم. فذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] يعني: الذين يرفضون حكم الله إذا كان لمصلحتهم ورأوا أن الحق لهم وأنه يخدم مصالحهم يأتون إلى حكم الله مذعنين. فالذين يرون أن قطع يد السارق وحشية، وقتل القاتل وحشية يأتون إلى القتل مذعنين حينما يريدون أن يثبتوا ملكهم في هذه الأرض، وهذه قاعدة مطردة لا تتخلف دائماً وأبداً، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ﴾ [النور:٤٩] أي: في قتل هذا الإنسان أو في حكم الله ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾ [النور:٤٩] يعني: إلى حكم الله (مذعنين) أي: منقادين لمصالحهم الخاصة، ما هو السر في ذلك؟ السر أحد ثلاثة أشياء: قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) نفاق (أَمْ ارْتَابُوا) عندهم شك في الله وفي حكم الله، كل هذا لا شك أنه موجود فيهم (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) وهو موجود، فهم -أيضاً- يخافون أن يحيف الله عليهم؛ لأنهم ما يؤمنون بالله ، وإن آمنوا بالله فإيمانهم ضعيف، فهم يظنون في أنفسهم أن الله يحيف عليهم حينما يأخذ الحق من هذا لهذا، وحينما يُقتل هذا، وحينما يأمر بقطع يد هذا، أو حينما يأمر بسجن هذا، يعتبرونه حيفاً من الله ، فهذه أحد أمور ثلاثة، وكلها موجودة فيهم. و الجواب ( بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالذي حدث أنهم ظالمون لأنفسهم وللشعوب وللأمم، ولذلك أعرضوا عن شرع الله بسبب ظلمهم. إذاً ما هو موقف المؤمن أمام شرع الله وإذا دعي إلى شرع الله؟ يقول: سمعت وأطعت، يجب على كل أحد من المسلمين إذا قيل له: تذهب إلى شرع الله، إلى المحكمة، إلى القاضي الشرعي أن يقول: سمعنا وأطعنا. فهذا هو موقف المؤمن في مثل هذه الحالة.

стр. 212

قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين) (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) (قول) هنا خبر كان، واسمها مصدر مؤول متأخر. فالمسلم إذا دعي إلى شرع الله يجب أن يستجيب، ولا يجوز له أن يتأخر أو أن يبحث عن شرع غير شرع الله، وإذا دعي إلى قوانين البشر وآراء الرجال أو أن يحكم فيه بغير شرع الله فعليه أن يرفض، وتعتبر استجابته لغير شرع الله خطراً عظيماً عليه، وتعتبر استجابته لله أمراً مطلوباً. (أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) يقولونه بألسنتهم وأفعالهم، يعني: يستجيبون لشرع الله. (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الذين يقولون: سمعنا وأطعنا مستجيبين لشرع الله.

стр. 213

قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله) (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) هذا هو جزاء الذين يتحاكمون إلى شرع الله ويحكمون بشرع الله، ويرفضون كل شرع ونظام غير شرع الله ويخالف شرع الله. (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ) الخشية: هي شدة الخوف وأعظمه. هذه الخشية هي التي يجب أن يمتلئ بها قلب المؤمن (ويتقه) أي: يتق الله (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) أي: هؤلاء هم الذين يفوزون بسعادة الدنيا والآخرة. بل -والله- يفوزون بسعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة، فالعالم الذي يستجيب لشرع الله ويتحاكم إلى شرع الله هو الذي يسوده الأمن والهدوء والطمأنينة، وانظر إلى بلادنا -والحمد لله- فبمقدار ما تطبق من شرع الله يكون لها الأمن والطمأنينة، ويتخطف العالم من حولنا، ونسأل الله الثبات على شرع الله، وأن نموت على شرع الله وعلى ملة الإسلام. وهذا بالنسبة لفوز الدنيا، أما فوز الآخرة فإنه الجنة التي أعدها الله لمن تحاكم وحكم بشرع الله. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 214

قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) يقول الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٤٧] دائماً المنافقون عندهم كلام ولا يوجد فعل حقيقة، ما عندهم اعتقاد صادق وإنما قول فقط؛ لأن إيمانهم قول لا يعدو اللسان، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ [النور:٤٧] كل من لم يحكّم شرع الله ويخضع لدين الله ولو كان يهز المنبر بمواعظه نقول له: أنت قائل ولست بفاعل (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) والأحداث هي التي تكشف هؤلاء المنافقين. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد هذا القول (وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ما هم صادقون في الإيمان، لو كان الإيمان موجوداً حقيقة لظهر على الجوارح، ولظهر على التصرفات، ولظهر على الحياة، لو كان هؤلاء مؤمنون حقاً ما كانت الحياة بهذا الشكل. إذاً إيمانهم مزعوم، وقلوبهم فاسدة، هذا الإيمان قول وليس بحقيقة، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٤٧] ليسوا مؤمنين حقاً، ما هو الدليل؟ الدليل: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨] فكما أعرض ذلك المنافق يعرض المنافقون دائماً عن شرع الله، والآن تسود العالم ضجة كبرى تقول: شرع الله لا يصلح للحياة، يصلح في عصر الخيمة والبعير والأمور البسيطة، لا يصلح في عصر الصاروخ والمركبات الفضائية إلى غير ذلك! يقولون: تطورت العقلية الإنسانية. فهذا هو رأي العلمانيين الفجرة، أنه لا يصلح هذا الدين للحياة، يصلح للمسجد صيام رمضان وحج ونحو ذلك، ولذلك الله تعالى يبين أن هؤلاء المنافقين لا ينكشفون إلا عند الأمور الحساسة: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨]، ولذلك يقولون: قطع يد السارق وحشية، أنقطع يد سارق لنترك رجلاً عالة في المجتمع بدون يد؟! أنرجم الزاني من أجل شهوة بسيطة في دقائق نقضي على حياته؟! أنقتل القاتل ونضيف إلى مقتول مقتولاً آخر ليصبحا اثنين؟! نكتفي بالمقتول الأول ويكفي هكذا عقولهم تقول لهم، ونسوا أن الزاني يفسد المجتمع، وأن السارق يهدد الأمن، وأن القاتل يهدد الناس في دمائهم، وأننا لو تركنا القاتل يقتل دون أن نأخذ منه القصاص لتركنا فتنة في الأرض، ولربما تكون حرباً مدمرة بين قبيلتين بسبب دمٍ واحد، أو نترك ذلك القاتل يقتل من شاء متى شاء؟!

стр. 215

الوعد الحق لقد وعد الله تعالى ووعده حق، وقوله صدق، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وعد عباده المؤمنين بالاستخلاف في الأرض، والتمكين لهذا الدين، وإبدال الخوف أمناً، وذلك إذا أقاموا دينه، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فإن تخلفوا عن ذلك فليس لهم عند الله من ميثاق ولا عهد ولا وعد.

стр. 216

شروط التمكين في الأرض الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا في سلسلة آيات سورة النور نتحدث عن بعض أسرار هذه السورة العظيمة التي أعطاها الله عناية وميزة فقال في مطلعها عز من قائل: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]. وحديثنا عن قول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور:٥٥ - ٥٧]. أيها الأخ الكريم! نحن نعرف يقيناً بأن الله خالق هذه البرية وهذا العالم، وهو الذي يعلم أسراره ويعلم ما يصلح شئونه وما يفسده، ولذلك فإن خبره صدق كما أن حكمه عدل، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] ثم جرت سنة الله في هذه الحياة أن يضع لها نواميس وأنظمة، ويدور بقاء هذه البشرية ونهايتها حول أسباب البقاء وأسباب النهاية. يقول الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف:٣٤] وكما أن للأفراد آجالاً فإن للأمم آجالاً أيضاً، فالله قد يبسط الدنيا لأمة وييسر لها وسائل البقاء والتطور والتقدم، ولكن الله يطالبها بمقدار ما يعطيها من وسائل البسط والبقاء أن تستقيم على شرع الله، وأن تلتزم منهجه، ويضع للاستخلاف والبقاء أسباباً ونواميس، فإذا أخذت الأمة بهذه الأسباب فإن الله لا يخلف وعده، ولكنها حينما تأخذ بهذه الأسباب ثم تتخلف عنها في يوم من الأيام فإن الله لا يغيروا ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣]، ولذلك سوف تجد في آية الاستخلاف والتمكين والأمن والطمأنينة ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] وهذا وعيد، والوصف بالفسق لا يعني ذلك أن الأمر يقف عند فسق ثم ينتهي الأمر، فإن لله محارم ولله غيرة، فإذا تجرأت هذه الأمة على محارم الله فإن الله لها بالمرصاد. أيها الأخ الكريم! يقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥]، فنجد أن هذه الآية اشترطت أربعة شروط، ثم وعد الله هذه الأمة إذا وفت بهذه الشروط أن تتحقق لها ثلاثة أمور مهمة تسعى إليها كل الأمم، فجميع الأمم التي تخوض الحروب العالمية الدامية بما في ذلك الحربان العالميتان اللتان أفنتا عشرات الملايين من البشر، واللتان دمرتا جزءاً كبيراً من الكرة الأرضية الهدف من وراءها البحث عن الاستخلاف في الأرض، والبحث عن تمكين دين أياً كان هذا الدين، أو معتقد أياً كان هذا المعتقد، والبحث عن الأمن والطمأنينة، ولكن الذي خاض كيد الحربين العالميتين لم يستطع أن يحقق الأمن والطمأنينة لنفسه فضلاً أن يحققهما للعالم، وإن كان قد حصل على شيء من المكاسب لكنه لم يستطع بعد ذلك أن تبقى حضارته آمنة مطمئنة؛ لأن الشروط غير متوافرة، فالشروط أربعة، وهي قوله تعالى: (آمنوا منكم) وكأن الخطاب موجه بصفة خاصة للأمة الإسلامية؛ لأن الضمير يعود إلى الأمة الإسلامية، وقوله: (وعملوا الصالحات) وقوله: (يعبدونني) وقوله: (لا يشركون بي شيئاً) فهذه أربعة شروط لا بد أن يعيها هؤلاء الناس حتى يلتزموا بها التزاماً كاملاً، وحتى يقيموها في حياتهم اليومية دائماً وأبداً، لا يغفلوا عنها ساعة من الزمن، وحينئذ سوف يتحقق ذلك الوعد، وقد تحقق ذلك الوعد يوم طبقت الأمة الإسلامية هذه الشروط الأربعة في عصرها الذهبي في عهد سلفنا السلف ورعيلنا الأول.

стр. 217

الإيمان الإيمان معناه: التصديق الجازم، التصديق بوجود الله أولاً، فلا يصل إلى قلب أحد شك في وجود الله ، وكيف يصل إلى قلب أحد من الناس الشك وهو الذي يرى آيات الله في الآفاق وفي الأنفس؟! قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] هذه الآيات التي وضعها الله في هذا الكون ينظر إليها الإنسان ليلاً ونهاراً، ينظر إليها في كل لحظة، يرفع بصره إلى السماء فيرى هذه الكواكب العظيمة وهي تجري إلى أجل مسمى، وينظر إلى الشمس والقمر وهما يجريان إلى أجل مسمى، ثم ينظر إلى الأرض فيرى قدرة الخالق ، ثم ينظر إلى نفسه ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فيخرج من ذلك بنتيجة وهي وجود الله وقدرته ووحدانيته في هذا الكون؛ لأن هذه الوحدانية تبرز في قدرة الصانع وفي انتظام هذا الكون الرتيب، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] ولذلك فإن الإيمان فطرة، وكل ما في هذا الكون يحرس هذه الفطرة، والانحراف خروج عن الفطرة، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] أي: ثم انحرفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣] وهذه الفطرة هي صبغة الله التي يقول عنها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] هذه الفطرة -فطرة الإيمان بوجود الخالق وقدرته ووحدانيته- فطرة خلقت مع الإنسان، فقد قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] بماذا؟! قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، وفي معنى هذا الآية الكريمة يقول الرسول ﷺ : (إن الله قد استخرج ذرية آدم من ظهره يوم خلقه كالذر، فأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. فأخذ قبضة فقال: هذه إلى النار ولا أبالي. وأخذ قبضة أخرى فقال: هذه إلى الجنة). إذاً هي فطرة فطر عليها هذا الإنسان، ولكن هذه الفطرة -أي: فطرة الإيمان- تتعرض في كثير من الأحيان لأمور خارجية تؤثر فيها، ولعل من أبرز هذه الأمور الخارجية دعاة الضلال الذين نذروا أنفسهم لحرف أبناء الفطرة عن الفطرة، ولكن هذه الفطرة ما زالت موجودة، وأي فطرة يوجد فيها إنكار هذه الفطرة فإنما هو لأسباب ودوافع، فإذا كان فرعون يقول للملأ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويقول لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ويخرج على هذه الفطرة فإن نواياه السيئة تنكشف في قول الله : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ويزيد هذا الانكشاف وضوحاً حينما أدركه الغرق فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] وعلى هذه تأكدنا من أن الفطرة ما زالت موجودة، وأن هدف فرعون إنما يريد من خلال ذلك أن يستعبد هذا العالم، وهكذا كل من يريد أن يستعبد هذا العالم لا بد أن يخرج على هذه الفطرة؛ لأن هذه الفطرة لا تمكن لطاغية من الطغاة أو لجبار من الجبارين أن يسود هذا العالم إلا بمقدار ما يحول بين هؤلاء الناس وهذه الفطرة، ولذلك تجد أن الشيوعية التي كادت أن تكتسح جزءاً كبيراً من العالم مدة من الزمن كان هدفها الاستيلاء على العالم، واستعباد بني البشر، ولا يمكن لأمة أن تستعبد البشر إلا حينما تحول بينه وبين هذه الفطرة، حتى إذا يئسوا من هذا الهدف أظهرت الشيوعية إفلاسها. فالمهم هو الشرط الأول، وهو الإيمان، وهذا الإيمان له مفهومان: المفهوم الأول: مجرد التصديق، وهذا لا يكفي لحياة الرجل المؤمن، فإن مجرد التصديق تعتريه كثير من الأحداث والأخطار التي تهزه هزاً، ولربما يتجرد هذا الإنسان من إيمانه بسبب هزة بسيطة أو هزة عنيفة، ولذلك الله تعالى ذكر من هذا الإيمان أنواعاً: فقال عن نوع منه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٨ - ٩]. وذكر نوعاً آخر من هذا الإيمان الصادق في بادئ الأمر، لكنه غير ثابت ولا مستقر؛ لأنه لم يصل إلى سويداء القلوب؛ ولأن الأحداث لم تفتنه بعد، ولأنه لم يصب بهزة من الهزات، ولكنه سرعان ما يصاب بهزة يتأثر بها هذا الإيمان؛ لأنه لم يكن عن تفكير وبحث وروية، وإنما كان عن تقليد أو إرث من الآباء والأجداد أو إرث من البيئة، ولذلك الله تعالى يقول عن هذا النوع من الإيمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] هذا الإيمان الذي يريد صاحبه أن يأخذ ما سهل ولان ويترك ما شق وصعب، ففي أيام الرخاء يقول: إنه مؤمن. لكن حينما تغرقه الشدائد ينهار كما ينهار بيت العنكبوت، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]. وهناك إيمان كالجبال، وهناك إيمان أقوى من الجبال لا يتزحزح عن موقعه ولا يتأثر بما يحيط به. فالإيمان الحقيقي الصادق شرط للاستخلاف، لا نريد أن يكون كإيمان أبي العلاء المعري الذي يقول: (إن كان الحق معي فأنا أكسب الموقف، وإن كان الحق مع غيري فأنا لم أخسر شيئاً) ولكننا نريد إيماناً كإيمان إبراهيم ﵊ الذي ألقي في النار فيقول له جبريل: ألك حاجة؟! فيقول في ساعة الصفر: (أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم)، كإيمان إبراهيم الذي يقول لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فيقول الابن الصالح المؤمن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] وانتهى الأمر وجاء الفرج من عند الله . نريد إيماناً كإيمان موسى ﵊ الذي يقول له بنو إسرائيل وقد استقبل البحر: يا موسى! العدو من ورائنا والبحر من أمامنا، أين المفر؟! فيقول بكل رباطة جأش: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] هذا الإيمان الذي لا يرهبه تهديد طاغية ولا ظلم طاغوت، إيمان كإيمان السحرة الذين كانوا يقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤] فإذا بهم يرون أن عزة فرعون لا تحميهم من عذاب الله ، ويرون أن ما جاء به موسى ﵊ ليس سحراً، ولكنها آية كبرى جاء بها من عند الله، وحينئذ يخرون لله ساجدين، ولم يفعلوا من دينهم إلا سجدة واحدة، ثم يأتي دور تهديد الطغيان في الأرض الذي يشعر بالنشوة، فيقول لهؤلاء المؤمنين الذي رأوا الآيات بأمهات أعينهم: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] فماذا قال السحرة؟ قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] فأنت لك الجسد لكنك لا تستطيع أن تصل إلى الروح! ويمكن أن تعذب في الحياة الدنيا لكنك لا تستطيع أن تعذب في الحياة الآخرة، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] و (ما) هنا من ألفاظ العموم، أي: كل ما تريد أن تفعله افعله في هذه الأجسام. ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٣ - ٧٥] هذا الكلام يقوله سحرة جاء بهم فرعون من أقصى المدائن، وجمعهم من شتى أقطار مصر من أجل أن يقفوا أمام آية من آيات الله، وكانوا يظنون في بادئ الأمر أن فرعون صادق، وأن موسى كاذب، لكنهم حينما رأوا الآيات بأمهات أعينهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] لكن هذا الإيمان أين يولد؟ وأين يوجد؟ في التفكير في عظمة الله ، ولذلك تجد إبراهيم ﵊ الذي يستسلم للإلقاء في نار الدنيا هروباً من نار الآخرة وهو على ثقة بأن الله سوف يدافع عنه هو ذلك الذي يبحث عن الله، وما كان يشك في الله، وإنما كان يريد أن يعلم الناس من الذي يستحق أن يعبد، أهو الكوكب؟ لا يصلح الكوكب؛ لأنه لا يحب الآفلين، ولأن الكوكب أفل، أهو القمر؟ إن القمر لا يصلح. أ

стр. 218

العمل الصالح الشرط الثاني: العمل الصالح، ولا يمكن لإيمان أن يقوم بدوره وأن يؤدي مهمته إلا إذا اقترن بعمل صالح، وإذا كان الإيمان هو الشجرة فإن العمل الصالح هو ثمرة تلك الشجرة، ولذلك فإن العمل الصالح لا بد منه مع الإيمان في حياة هذا الإنسان، ولذلك فإن المسلم مطالب بأن يحقق هذا الإيمان القلبي بعمل صالح يظهر على الجوارح، ويكذب من يزعم أن التقوى في صدره ويشير إلى قلبه العفن وليس فيه من الإيمان حبة خردل، وجوارحه قد تجردت من الأعمال الصالحة، ولذلك فإن الأعمال الصالحة هي مصداق ذلك العمل، فالإيمان اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل بالجوارح، ولذلك فإن عمل الصالحات شرط من شروط الاستخلاف في الأرض أياً كانت هذه الصالحات، سواءٌ أكانت أداء الواجبات من الصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين والإحسان إلى الفقراء إلى غير ذلك، أم كانت في ترك المنكرات وما حرم الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكل ذلك داخل في عمل الصالحات، فإذاً لابد من عمل الصالحات، وهو شرط آخر.

стр. 219

العبودية الخالصة لله الشرط الثالث: (يعبدونني)، والعبودية لله معناها الخضوع التام لله ، ومعناها الإعراض عن غير الله والإقبال عليه وحده، ومعناها الإعراض عن أي شرع وأي نظام يتنافى مع شرع الله، والإقبال على شرع الله وحده وتحكيمه في كل صغيرة وكبيرة من أمور الناس، هي العبودية التي عبر عنها ربعي بن عامر ﵁ حينما أرسل إلى بلاد الفرس فقال له رستم: ما جاء بكم أيها العرب؟ فقال له: (إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده). إذاً العبودية شرط من شروط التمكين، ولكن هذه العبودية إما أن تكون لله وإما أن تكون لغير الله، فتكون لله إذا عرف الإنسان ربه حق المعرفة، وإذا أعرض عن عبوديته لله فلا بد من أن يكون عبداً لشيء آخر. فإما أن يكون عبداً للشيطان يتبعه ويتبع خطواته، وقد حذره الله حيث قال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]. أو يكون عبداً للدرهم والدينار، ومعنى كونه عبداً للدرهم والدينار أن يقدم جمع المال على حب الله والدار الآخرة، فيكسب المال من الحلال والحرام، يشترى ضميره ودينه بثمن بخس، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:٧٧] إذا عرضت عليه زينة الحياة الدنيا وسعادة الحياة الآخرة اختار زينة الحياة الدنيا على سعادة الحياة الآخرة، إذا عرضت عليه الرشوة، وإذا عرض عليه المنصب تجده عبداً لهذا الأمر وينسى عبوديته لله ، وقد يكون عبداً للمركز والوظيفة، وقد يكون عبداً للهوى، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، وقد يكون عبداً لغير ذلك، لكنه يتحرر من كل هذه العبوديات حينما يتعلق بالعبودية لله ، وبمقدار ما يتجرد من عبودية الله يسقط في عبودية البشر، وبمقدار ما يتعلق بعبوديته لله يبتعد عن عبودية البشر أياً كان هذا البشر، هذه العبودية التي تزيد الإنسان شرفاً وعزة وكرامة يعبر عنها الفضيل بن عياض رحمة الله عليه فيقول عن العبودية لله: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا إذاً هذه العبودية يعبر عنها الفضيل بن عياض رحمة الله عليه بأنها علو، وبأنها مكانة عالية، حتى يقول: لقد كدت أن أطأ الثريا بأقدامي حينما أكون عبداً لك يا رب، وحينما أدخل في نبوة وبعثة محمد ﷺ فأكون من أمة الإجابة. هذه العبودية قد يفقدها بعض الناس فيشعر بالذلة والمهانة، ويشعر بالضعف والهوان حتى يدخل في هذه العبودية، يروي لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الصالح الذي كان فاسقاً لا يعرف معنى العبودية من الحرية، ومكث على هذا مدة طويلة من الزمن، حتى هداه الله فعرف معنى العبودية، فيروي المؤرخون أن بشراً المسمى بـ بشر الحافي كان شاباً فاسقاً طائشاً ذا فساد عريض في الأرض، وكان من أبناء الذين امتحنهم الله بالمال الوفير والنسب العريق، فقضى مدة طويلة من شبابه في فسق ولهو، لم يترك جانباً -كما يروي عن نفسه- من جوانب الفسق إلا وقد أخذ منه بنصيب، فأراد الله له الهداية، فمر ذات ليلة بداره الرجل الصالح المشهور إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه، فتمزق قلب هذا الرجل الصالح حينما رأى الرقص والغناء واللهو والموسيقى وكئوس الخمور تدار في بيت بشر، فوقف عند الباب وطرقه، ففتحت له إحدى الراقصات القينات فقال: بالله أخبريني هذا بيت من؟ قالت: هذا بيت بشر. قال: أخبريني بالله أحر هو أم عبد؟ قالت: هو حر. قال: قولي له إن كان حراً فليفعل ما يشاء. ثم انصرف، فانتبه بشر فسأل المرأة: من عند الباب؟ قالت: رجل. وذكرت صفته، قال: ماذا قال؟ قالت: سألني حر أنت أم عبد؟ فقال: ماذا قلت له؟ فقالت: قلت له: أنك حر. قال: وماذا قال؟ قالت: قال: إن كان حراً فليفعل ما يشاء. وانصرف، فمشى حافياً لأول مرة وهو من أبناء الأشراف، ولحق بـ إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليهما، فقال: قف يا رجل. ماذا تقول؟! قال: يا بشر! سألت: أحر أنت أم عبد؟ فأخبروني أنك حر، فإن كنت -يا بشر - حراً فافعل ما تشاء. قال: يا رجل! ويحك ماذا تقول -بدأ الرجل ينتبه ويعرف معنى الحرية والعبودية-؟ قال: لم أزد على ذلك أبداً، قال: ويحك ماذا تقول؟ قال: يا بشر! إن كنت حراً فافعل ما تشاء، وإن كنت عبداً فهذه ليست صفة العبيد. قال: والله إني لعبد، والله إني لعبد، والله إني لعبد. ويضرب برجله الأرض، ويعود بشر ليكسر زجاجات الخمر، ويخرج الراقصات والغانيات، ويعاهد الله على التوبة وتحقيق معنى العبودية، ليصبح في يوم من الأيام مضرب المثل في الورع والزهد والتقوى، حتى إن ذكر بشر الحافي تغلب بعد ذلك على ذكر إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليهما أجمعين، هذه هي العبودية والرق لله ، وتلك الحرية التي ينادى بها اليوم هي التفلت من القيود التي وضعها الله لهؤلاء البشر حتى يكونوا عباداً لله . فالعبودية هي التي تكسب الإنسان شرفاً، وتزيده الدرجات العلى في الدنيا والآخرة، ورفض الشهوات والإقبال على الله ، وعدم الميل إلى زينة الحياة الدنيا ميلاً يضيع على الإنسان سعادة الحياة الآخرة الخالدة.

стр. 220

ترك الشرك بالله الشرط الرابع: قال تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]. والشرك بالله معناه صرف نوع من العبادة لغير الله. أي: أن تصرف نوعاً من أنواع العبادة أياً كان هذا النوع رجاءً أو خوفاً، أو طاعةً أو استعانة، أو استغاثة أو دعاء أو ما أشبه ذلك فتعطيه مخلوقاً من المخلوقين لا يقدر على فعل شيء من ذلك، أو تصرف نوعاً من الخوف بحيث يصبح خوف البشر أكثر في قلبك من خوف الله ، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤] وهذا النوع من الشرك ما زال موجوداً وكثيراً في قلوب كثير من الناس، ولربما يصل إلى الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في نار جهنم، ولذلك الله تعالى لم يقل: لا يشركون بي. وإنما قال: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥] وكلمة (شيء) -كما يقول علماء اللغة- نكرة في سياق النفي، فتعم أي شيء من هذه الأشياء أياً كان هذا الشرك، وقد دخل النار رجل في ذباب، قيل له: قرِّب. قال: وما أقرب؟ قيل: قرِّب ولو ذباباً. فقرب ذباباً فدخل النار، فلا تعجب حينئذ من كلمة (شيئاً). ولذلك فإن الشرك قد يخدع هذا الإنسان فلا يحيط به إلا من نور الله بصيرته، والشرك أكبر طريق يخلد الناس في نار جهنم -نعوذ بالله-، فإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، سواء أكان شرك الأحياء أم شرك الأموات. ولربما يقول قائل: إن الشرك انتهى يوم فتح الرسول ﷺ مكة فتساقطت الأصنام تحت أقدامه ﷺ . ولكننا نقول: رغم أن الأوثان قد كسرها الرسول ﷺ بيده الكريمة يوم الفتح فإن الإحصائيات تقول: إن في العالم الإسلامي عشرين ألف ضريح تعبد من دون الله. وأكبر نسبة وصلت إليها الأوثان في آخر أيام الشرك في عهد رسول الله ﷺ وستون وثلاثمائة صنم تعبد من دون الله، وفي أيامنا -كما تقول الإحصائيات- عشرون ألف ضريح تعبد من دون الله، وهذه الإحصائية مضى عليها سنوات، فتأكد بأنها زادت زيادة واضحة، وإن من يخرج من حدود بلاد الحرمين التي حماها الله وحرسها بدعوة سلفية مباركة يرى الشرك الأكبر على أشده في جل العالم الإسلامي، ينحني البشر لغير الله، ويركعون ويسجدون لقبور وأضرحة، ويطوفون حولها، يذرفون من الدموع أكثر مما يذرفه المؤمنون حول الكعبة المشرفة، وطواف ليلاً ونهاراً، وذبح ونذر لغير الله ، ولكن ربما يقول قائل: إن هذه المعتقدات ربما تفنى في عصر العلم. لكنها ما زالت باقية، ولربما كان هناك مصالح تفرض على كثير من طغاة البشر أن يحتفظوا بهذه الأوثان التي تعبد من دون الله؛ لأنها تخدر الشعوب، ولأنها تجمد العقول، ولأنها لا توجد عباداً يطالبون بالإسلام الحق، ولذلك فإنها تجد رواجاً وتشجيعاً في كثير من العالم الإسلامي. ولكن تعال -يا أخي- إلى شرك الأحياء، كم يعبد من الأحياء من دون الله ؟! كم من المقننين والمشرعين وأصحاب الأهواء وصانعي الأنظمة من يعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة! ولذلك يندر أن تجد في العالم الإسلامي بقعة تطبق شرع الله، وإنما تطبق قوانين البشر وآراء الرجال، ولذلك فإن هذا نوع من الشرك، ولما قال عدي بن حاتم لرسول الله ﷺ حينما نزل قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي: يا رسول الله! والله ما كنا نعبدهم. قال: ()، ولذلك فإن أي أمة تحكم قوانين البشر وآراء الرجال، وتحني رأسها وتخضع لهذه الأنظمة من دون شرع الله فهي أمة لها نصيب من الشرك، ولذلك الله تعالى اعتبر هذه الأمة تزعم الإيمان زعماً، وليس عندها إيمان حقيقي ما دامت تخضع لغير شرع الله ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦١] يريدون هذه القوانين. أما صانعوا هذه القوانين والذين يفرضونها على المجتمعات الإسلامية ويقسرون المجتمعات الإسلامية عليها قسراً فهم أصحاب الردة الواضحة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ولذلك لا تعجب حينما ترى الذين يتهمون شرع الله بالتخلف والوحشية والرجعية والشدة والقسوة، لا تعجب حينما تراهم يعرضون عن شرع الله، وحينما يرون عروشهم تهتز من تحتهم فيقتلون الآلاف بل عشرات الآلاف من البشر، ولربما يقتلون الملايين كما فعلت الشيوعية في أفغانستان، لا تعجب حينما ينتقدون القصاص أو قتل النفس التي يزعمون أن قتلها قوداً وحشية ويغتاظون من إقامة حدود الله بشرعية القصاص الذي فيه حياة الأمم، لا تعجب حينما تراهم يقتلون آلاف البشر من أجل مصالحهم، فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٤٨ - ٥٠] وهذا هو الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي إلا ما شاء الله. إذاً الشرك ليس معناه فقط الركوع والسجود لصنم من الأصنام، وإن كان هذا قد ملأ سمع الدنيا وبصرها، لكن شرك الأحياء، والخوف من غير الله ، والخضوع لغير الله سبحان وتعالى، والرجوع من منتصف الطريق خوفاً من البشر يعتبر نوعاً من الشرك الذي هو من أخطر أنواع الشرك بالله ، ولذلك الله تعالى يقول عن الشرط الرابع: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].

стр. 221

جزاء من توافرت فيهم شروط التمكين الجزاء لأولئك العاملين ثلاثة أمور، كل واحد منها يرتبط بما قبله: استخلاف في الأرض، ويترتب على الاستخلاف في الأرض تمكين هذا الدين، ويترتب على تمكين الدين من نفوس البشر الطمأنينة والأمن في هذه الحياة. ثلاثة أمور كل واحد منها يترتب على الآخر.

стр. 222

الاستخلاف في الأرض إذا صدقت الأمة جاء الاستخلاف في الأرض، وما معنى الاستخلاف؟ معناه: أن تكون الخلافة بيد الصالحين، وأن تكون قيادة الأمة الإسلامية بأيدي خيارها الذين يحكمون بين الناس بالعدل، والذين لا يحكمون إلا شرع الله في كل أمورهم صغيرها وكبيرها، والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ينقادون لشرع الله في أي حال من الأحوال، وعلى أي أحد من الناس، يقول رسول الله ﷺ : (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فالذين يصدقون مع الله يعطيهم الله الاستخلاف في الأرض والسلطة، وحينما يأخذون هذا الاستخلاف لا يعتبرونه منطلق ظلم وطغيان أو تكبر، وإنما يعتبرونه منة من الله وعبئاً ثقيلاً تحملوه، ويسألون الله العون على تحمل هذه المسئولية، فهي أمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] يعتبرونها أمانة وعبئاً ثقيلاً. وأبو بكر ﵁ يعلم هؤلاء القادة وحكام العالم الإسلامي ما مدى مسئولية السلطة فيقول: (ألا إني وليت عليكم ولست خيراً من أحدكم، ولكني أثقلكم حملاً) هذا هو الاستخلاف في الأرض، ليس الخليفة خيراً من واحد من رعيته عند الله ، وإنما الفضل والميزان بالتقوى، لكنه حمل ثقيل، فـ أبو بكر يقول: (ولكني أثقلكم حملاً) ويقول بعد ذلك: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم). ويوضح ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو على المنبر يخضع لأمر الله ويقول للمسلمين أمامه: (إذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني) ولا يغضب حينما قال له رجل: يا أمير المؤمنين -ويشهر سيفه في المسجد-! والله لو رأينا منك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا هذه. فيقول: (الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بسيفه لو انحرف) هذا هو الرجوع إلى الحق، وهذا هو الاستخلاف في الأرض، يحكم بين الناس بالعدل، ولذلك فمن أول السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة إمام عادل في نفسه وحكمه، وبين الرعية، وبينه وبين الرعية سواء، ولذلك فالاستخلاف في الأرض هو للصالحين من خلق الله، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. وإذا رأيت الاستخلاف في الأرض بيد غير أصحابه الشرعيين فاعلم أن هناك عدم وفاء بشرط من الشروط السابقة، وهذا هو ما يقع في أكثر العالم الإسلامي، أنه وسد الأمر إلى غير أهله كما أخبر الرسول ﷺ ، ومعنى (وسد) أي: أصبح أمر المسلمين كالوسادة يعتمد عليه الإنسان ويتمتع به كما يعتمد المتوسد على وسادته، حينما يعتمد عليها ويتمتع بها، وبدلاً من أن يكون مسئولية وعبئاً ثقيلاً كما يقول أبو بكر الصديق ﵁: (لست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملاً) يصبح وسادة لينة رقيقة يعتمد عليها صاحب الأمر، وهذا هو ما يحدث في أكثر بلدان العالم الإسلامي، يقول رسول الله ﷺ : (وإذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). إن الأمر إذا كان بأيدي غير صالحي البشر من خلق الله ، وكان بأيدي أناس لا يحكمون بشرع الله، ولا يعدلون في الرعية، ولا يخافون في هذه الأمة الله يصبح الأمر خطيرا، وحينئذ فقد الاستخلاف في الأرض إذا كان بهذا الشكل في تلك المنطقة التي أصبح الأمر فيها بأيدي غير أصحابه الشرعيين. فالاستخلاف في الأرض معناه الحكم بحكم الله ، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، فإذا تم الاستخلاف في الأرض، وسارت الأمور على طبيعتها، وأصبح أمر المسلمين بأيدي أهله الشرعيين الحاكمين بشرع الله فحينئذ يتمكن الدين، بل ويطالب الذين استخلفهم الله في الأرض أن يتخذوا من هذا الاستخلاف منطلقاً للحفاظ على هذا الدين، ولذلك قال تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] من الأمم الذين ساروا على شرع الله.

стр. 223

التمكين للدين في الأرض قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] تمكين الدين، بحيث يشعر المسلم بالعزة التي شعر بها سلفنا الصالح، حينما كان عقبة بن نافع ﵁ يقف على القيروان -وهي غابة موحشة في تونس الحالية- ليبني مدينة القيروان في تلك الغابة التي كلفه الخليفة أن يبني فيها قاعدة للمسلمين في شمال أفريقيا، فيقول له أهل البلد: يرحمك الله أيها القائد، هذه غابة موحشة كل الفاتحين يرجعون دونها. فيقف عقبة ﵁ عند جانب من الغابة ويقول: أيتها الوحوش! نحن أصحاب محمد جئنا هنا لننشر الإسلام. يقول شاهد عيان: لقد كنا نرى الوحوش تحمل أولادها من الغابة لتخليها لـ عقبة بن نافع. إنه يتمكن الدين في الأرض حينما يستخلف المؤمنون ويكون الأمر بأيدي أصحابه الشرعيين، فيبني مدينة القيروان، ويواصل البطل سيره إلى جهة الغرب ليقف على شاطئ المحيط الأطلسي، ويغرز عقبة قوائم فرسه في ماء المحيط ويقول: (والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أن وراء هذا الماء بشراً لخضته إليه على فرسي هذا) فهل يستطيع فرس عقبة بن نافع أن يخوض المحيط الأطلسي إلى بلاد أمريكا وهي لم تكتشف بعد؟! لا يستطيع، ولكنها عزة المسلم التي تشبهها عزة قتيبة بن مسلم ﵁ الذي فتح بلاد ما وراء النهر، فيجلس ذات يوم مع القادة وكبار الجند في بلاد ما وراء النهر ويقول: يا قوم! أي بلد أمامي الآن؟! يقولون: هي بلاد الصين. يقول: والله الذي لا إله غيره لن أرجع إلى بلادي حتى أطأ بأقدامي أرض الصين وأضع الوسم على الصينيين وأفرض الجزية. ويجلس قتيبة، وتنفذ هذه الكلمات التي صدرت من قلب صادق عبر التجسس الذي يخبر ملك الصين بأن قتيبة حلف أن يطأ بأقدامه أرض الصين، فيخاف ملك الصين من قتيبة وجنده وبينه وبينهم آلاف الأميال، وليس لدى قتيبة من وسائل التدخل إلا الخيل والبغال والإبل، فيقول ملك الصين: هذه صحاف من ذهب مملوءة من تربة بلادي يطأها قتيبة وهو في مكانه ويبر بقسمه، وهؤلاء أولادي الأربعة يضع عليهم قتيبة بن مسلم وسم العرب كما يقول، ولا يصل إلى بلادي، وهذه الجزية سوف تصله في كل عام. فهذه العزة هي عزة المؤمن، فحينما استخلفهم الله في الأرض ومكنهم في الأرض تمكن الدين، وكانوا هم أنصار الدين، ولذلك فإن الاستخلاف إذا صاحبه انحرف عن الدين فإن الله يقول بعد ذلك: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] وقد تعمر دولة، وقد تتسع رقعتها وتتباعد حدودها لكن نهايتها مربوطة بعدم الوفاء بهذا الشرط الذي اشترطه الله ، وجعله شرطاً لهذا الوعد الحق. إذاً ما هي ضريبة الاستخلاف في الأرض؟! تجد هذه الضريبة في قول الله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]. أما الذين لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، وهم ممكنون في الأرض فليس لهم نصيب من التمكين، وإن وجد التمكين مدة من الزمن فسوف تكون هذه بداية النهاية، ولذلك نشاهد في تاريخ الأمم عبر التاريخ الطويل أن أي أمة يمكن الله لها في الأرض ويستخلفها وتصبح لها هيبة أنها تمتحن من عند الله ، فإن وفت بهذه الشروط وأدت ضريبة التمكين في الأرض فأقامت الصلاة، وآتت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وشجعت الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وشجعت الذين يدعون إلى الله على بصيرة، ووضعت يدها على أيديهم، وأصبحت تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم وتسير في فلكهم فهي أمة سوف تطول مدتها بمقدار ما تحافظ على هذا العهد وتفي به تجاه الله ، ولكنها حينما تكون الثانية -نسأل الله العافية والسلامة- فستجدها حضارة تنهار يوماً بعد يوم، أو لربما تؤخذ فجأة وبغتة كما شاهدنا في تاريخنا القريب وفي عصرنا الحديث أمماً وجدت ثم انتهت، فأصبحت خبراً بعد عين، فماذا فعل الله بالأندلس؟ وماذا فعل الله بفلسطين؟ وماذا كان للبنان؟ هذه كلها دروس تصيبهم قارعة أو تحل قريباً من دارهم، والحمد لله أنها ما أصابتنا وإن حلت قريباً من دارنا، فنسأل الله أن يجعل لنا فيها عظة وعبرة. إذاً الاستخلاف في الأرض يطلب معه تمكين الدين، وتمكين الدين يكون من قبل الله ، لكن لا بد من أن تكون هناك جهود تبذل، ولا بد من أن تكون هناك تضحيات، ولا بد من أن تشجع الدعوة إلى الله ، ولا بد من أن يقمع الفساد في الأرض، لا بد من أن تطهر البيئة لتكون بيئة طاهرة طيبة لتربية أبناء المسلمين، لا بد من أن يشجع جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمة، وحينئذ يتحقق قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] يعني: الأمر اتركوه لله، فالله تعالى هو الذي يحفظ الأمة، وهو الذي يقضي عليها حينما ينتهي أجلها بإرادة الله ، وهنا يقول الله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] فكيف استخلف الذين من قبلنا؟! يقول الله تعالى عن قصة استخلاف الذين من قبلنا: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فالإمامة لم يصل إليها من قبلنا إلا بالصبر واليقين، ولا تصل إليها هذه الأمة إلا بالصبر واليقين، ولا يستقر الاستخلاف في الأرض ولا يتمكن الدين في هذه الأرض إلا إذا صبر الناس وأيقنوا بوعد الله وساروا على المنهج الصحيح.

стр. 224

استبدال الأمن بالخوف إن بعد استقرار الدين يكون الأمن، ولذلك الله تعالى لما قال: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥] قال: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، فقد تكون الأمة خائفة، وقد تكون الأمة تسير على منهج صحيح وعلى دين قويم ولكنها ما زالت خائفة امتحاناً وابتلاءً من الله ، ولذلك يقول المفسرون في سبب نزول هذه الآية: جاء الصحابة ﵃ إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! إلى متى ونحن نحمل الحديد -أي: السلاح- لا يستطيع أحد أن يقضي حاجته إلا وهو يحمل السلاح! وكما روى خباب بن الأرت ﵁ يقول: (جئنا إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فجلس الرسول ﷺ قاعداً وقال: لقد كان يؤتى بالرجل فيمن كان قبلكم فيحفر له في الأرض، ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه، فيقسم إلى قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دين الله، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون) هذا الوعد تحقق، فسار الراكب لا من صنعاء إلى حضرموت فحسب، وإنما سار الراكب من بلاد الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً إلى جبال البرانس شمالاً لا تستوقفه دائرة جوازات تقول له: من أنت؟ وإذا قيل له: من أنت؟ يقول: أنا مسلم. ولا تستوقفه مراكز تبحث عن شخصيته؛ لأن شخصيته أنه المسلم الذي لا يستطيع أحد أن يقف في طريقه، ليست هناك حواجز ولا حدود صنعها البشر كما يوجد في أيامنا الحاضرة، ولكن كما قال الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] سار الراكب عبر هذا الخط الطويل لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه؛ لأنه تحققت الشروط التي التزم بها المسلمين أمام الله ، إيمان، وعمل صالح، وعبودية لله ، وتوحيد لله ، فلم يصرف نوع من هذه العبادة لغير الله ، فتحقق الوعد، واستقرت الأمور، وقامت الخلافة في الأرض، وتمكن الدين في نفوس الناس، فأصبح أحدهم يسابق الشمس على مطالعها ينشر الإسلام، ولذلك ثبت في حجة الوداع أن من حج مع رسول الله ﷺ كان عددهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً من المسلمين، فأين قبور هؤلاء الذين يزيدون على مائة ألف من المسلمين؟ لم نجد في الجزيرة العربية إلا قبوراً معدودة بالأصابع، تلك قبورهم في أنحاء العالم ينشرون الإسلام، أخرجهم الله لإنقاذ هذا العالم من عبادة العباد إلى عبادة الله ، وانتشروا في الأرض يبشرون بدين الله، وينشرون دين الله في الأرض، كان أحدهم يتمنى الشهادة أكثر مما يتمنى متاع الحياة الدنيا الناس في أيامنا الحاضرة، وكان أحدهم يرمي تمرات كانت في قرن معه وهو يأكل منها في غزوة بدر ويقول: (والله إنها لحياة طويلة لو عشت حتى آكل هذه التمرات). من هنا استقرت الأمور، ومكن الله هذا الدين في قلوب أولئك القوم، ثم مكن الله لهذا الدين في هذه الأرض فشمل أكثر المعمورة، وبالرغم مما يلاقيه العالم الإسلامي اليوم من طغيان وإبادة نجد أن العالم الإسلامي -والحمد لله- ما زال بخير، وفي مقدار ما يوجد من تبشير وتنصير وتهويد هذه الأرض نجد -والحمد لله- أن الإسلام يسابق الشمس على مطالعها، في منطقة واحدة لم يصل إليها داعية من الرعيل الأول ولا جيش من جيوش المسلمين يعيش الآن أكثر من مائتي مليون مسلم في جزر الملايو، وفي البلاد التي استهدفت الآن ما زال الإسلام فيها عزيزاً والحمد لله. أقول: إن الإسلام ما زال -والحمد لله- في خير، وبمقدار ما يتعرض الكفر لهذا الدين فإن هذا الدين لا يزيد إلا نمواً في الأرض وظهوراً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]. دولة استعمرها الكافرون أكثر من مائة وثلاثين سنة تطالب بالإسلام بطريقة جماعية وبالإجماع، وترفض أي نظام يخالف الإسلام، والحروب الصليبية انتهت بعد سنين طويلة فخرجت والأمة الإسلامية أقوى منها من ذي قبل، حتى لقد قال المؤرخون: إن قرية في الشام اسمها (معرة النعمان) أباد منها الصليبيون مائة ألف مسلم، وبالرغم من ذلك ما ارتد واحد من المسلمين عن دينه. وهكذا فإننا نجد أن الأمة الإسلامية بمقدار ما تصيبها الأحداث لا تتأثر. والتتار أفسدوا خلال الديار مدة من الزمن، ثم نجد أن الأمة الإسلامية لم تتأثر بالغزو التتري. وأفغانستان أكبر درس وأقرب دليل إلى حياة كل واحد منا، تلك القلة من البشر من خلق الله المؤمنين قاوموا تلك الدولة المتغطرسة، ويعتبر وجودهم في معارك بسيطة سبباً من أسباب سقوط الشيوعية. إذاً هذا الدين إذا مكن الله له في الأرض لا أحد يستطيع أن يحاربه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء:١٨] ويقول عن الباطل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فهذه شروط الاستخلاف في الأرض والتمكين وشروط الأمن والطمأنينة، ومن بحث عن الأمن في غير هذه المواقف عليه أن يصحح رؤيته، وأن يراجع حسابه، فالأمن لا يكون إلا للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].

стр. 225

عاقبة من كفر بنعمة الله سبحانه في الآية الكريمة تأتي النهاية، حتى لا يطمع أحد من الناس في عمل آبائه وأجداده وأمجاده ويقول: أبي بنى الدولة وأنا أتصرف فيها كيف أشاء. فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] أي: من كفر هذه النعمة وأخل بهذه الشروط فالويل له، والوعيد عليه. ولذلك فكم من أمة من الأمم قامت على منهج صحيح فمكن الله لها في الأرض، وأعطى قادتها الخلافة والسلطة، ومكن لها في الأمن فأصبحت مضرب المثل في الأمن والاستقرار والطمأنينة، فإذا بها تؤخذ على غرة أو تؤخذ بالتدريج، فلذلك الله يقول: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل:٤٧] والمراد بالتخوف التنقص، أي: ينقصهم شيئاً فشيئاً حتى يسلب منهم هذه النعمة. وكم من الأمة من أخذ بغتة! ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤] والله تعالى يقول بعد ذلك: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النور:٥٥] أي: بعد توافر هذه الشروط، وبعد وفائه بهذه الأمور فغير ما بنفسه فإن الله تعالى له بالمرصاد. والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. إننا ننصح أي أمة مكن الله لها في الأرض واستخلف قادتها في هذه الأرض وأعطاهم الأمن والطمأنينة والاستقرار في هذه الأرض ننصحهم أن يحافظوا على هذه المبادئ، وعلى هذه الأسس، فهناك فرق بعيد بين دولة تقوم على انقلابات عسكرية، وعلى فسق وضياع وإراقة دماء، وبين دولة تقوم على دعوة صالحة صحيحة قيمة، هناك فرق بعيد بين الدولتين، فإن الثانية لا تبقى ولا يكون لها الدوام والاستمرار والاستقرار إلا بمقدار ما تحافظ عليه من أمر الله ، ولا يجوز للثانية أن تنخدع بالأولى التي لا تقوم إلا على الدماء والفوضى والحروب والثورات الداخلية، أما التي تقوم على منهج صحيح، وعلى دولة صحيحة فإنها تطالب أن تحافظ على هذا المنهج، فإنه هو أصلها وقاعدتها ولا تقوم إلا به. أسأل الله في ختام هذا الحديث أن يوفق قادة هذا البلد الذين استخلفهم الله في هذه الأرض الطيبة، والذين مكن لهم في الأرض، والذين أعطاهم الله من الأمن ما لم يعطه الأمم التي تصنع وسائل الدمار ووسائل الاكتشاف، حتى أصبح الرجل في بلادنا يسير بكل أمواله عبر الصحاري الواسعة -صحراء الجزيرة العربية شرقاً وغرباً- لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه. أسأل الله تعالى الذي منّ عليهم بهذا الأمن والاستقرار أن يوفقهم للاستقامة على دين الله، وأن يجعلهم من الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. وأسأل الله أن يرزقنا الاستقامة، فإن الأثر يقول: (كيفما تكونوا يول عليكم) بل إن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩]، أقول قولي هذا وأستغفر الله لنا جميعاً، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 226

الأسئلة

стр. 227

لا يتحقق الاستخلاف إلا ببذل جميع الأسباب السؤال ما توجيهكم لمن يقول: إن التمكين في الأرض لا بد أن يكون نتيجة لأمور يأتي بها المؤمنون، وهي: الإيمان، والعمل به، والدعوة إليه، والأذى في سبيل الله، والصبر على الأذى، لاسيما أن الأذى يحصل للدعاة كما حصل للأنبياء؟ الجواب هذا هو الشيء الذي تحدثنا عنه، فالتمكين في الأرض لا يكون إلا بشروطه، ولعل من أبرز هذه الشروط الصبر والتحمل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة:٢٤] أئمة قيادة الحياة ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فإن الصبر في هذا السبيل أمر مطلوب لا تقوم الأمور إلا به، ولا تستقر الأحوال إلا بالصبر والتحمل، ولذلك فإن المرسلين عليهم الصلاة والسلام الذين أظهر الله تعالى دعوتهم وأظهر دينهم، وأظهر دولهم أيضاً قام جهدهم على الصبر والتحمل، وقد وضع الله تعالى في طريق ذلك كثيراً من العقبات من أجل أن يعرف الناس أن طريق الجنة ليس بالشيء السهل، وإنما هو محفوف بالمكاره والمخاطر، ولذلك تجد في طريق الجنة قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فمن أراد هذه السعادة في الدنيا والسعادة الخالدة في الآخرة فعليه أن يأخذ بهذه الأسباب، والشاعر يقول: ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر إذاً لابد في طريق التمكين في الأرض من أمور، لا بد في طريق الأمن والاستقرار من أمور خطيرة، ولا بد أن يكون أيضاً في طريق الاستخلاف والحصول على السلطة ووصول السلطة بأيدي المؤمنين من أمور، نسأل الله أن يجعلها دائماً وأبداً في أيدي المؤمنين الصالحين.

стр. 228

بيان معنى خوف الشرك ومحبة الشرك السؤال أحب أن توضح الكيفية التي يقع فيها الإنسان في شرك الخوف والحب؟ الجواب إذا كانت هذه المحبة لهذا المخلوق تساوي محبة الله أو تزيد فهذا هو الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] فهؤلاء هم المشركون، ثم يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] يحبون الله أكثر من حب هؤلاء لمعبودهم. وشرك الخوف من اعتقد أن فلاناً من الناس يستطيع أن ينفع أو يضر من دون الله، فهذا هو الشرك الأكبر، أما أن أخاف من فلان كما أخاف من الأسد، أو أخاف من هذا الطاغية أو من هذا الجبار، أو أخاف من هذا الظالم فهذا خوف فطري لا يؤاخذ عليه الإنسان، لكن هذا الخوف لا يجوز أن يغير شيئاً من أمور دين هذا الإنسان بحيث يتنازل عن دينه مقابل هذا الخوف، وإنما يجب عليه أن يكون خوف الله وخشية الله هي المسيطرة على قلبه، وأن يكون خوف هذا الإنسان الفطري لا يصل إلى درجة الخوف من الله ، ولو وجد عنده شيء من الخوف فإنه يعتبر أنه لا يصيبه هذا الإنسان الذي يخيفه إلا بإرادة الله وقضائه وقدره، أما لو قال: إني أخاف من فلان كخوفي من الله أو أشد. أو يرى أن فلاناً المخيف المرهب الطاغوت الجبار العنيد يستطيع أن يفعل به شيئاً من دون الله فهذا هو الخوف الذي يخرج من الملة.

стр. 229

كيفية نصر الله لمن نصره السؤال يقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] كيف يكون نصر الله ؟ الجواب نصر الله بإظهار الذين ينصرونه بالتمكين لهم في الأرض، وبالدفاع عنهم، وبظهور دينهم حتى ولو لقوا في سبيل دعوتهم ونصرتهم لدين الله الأذى الشديد، لكن العاقبة لهم، كما قال الله : ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] فقد يظهر في بادئ الأمر أن الكفة راجحة في أيدي أعدائهم كما يوجد في كثير من الأحيان، وقد يبتلي الله هؤلاء الذين ينصرون دينه، فيظهر أن الأمر لحساب غيرهم، وقد تطول مدة الفتنة، وهذه حكمة الله ، حتى يمتحن هؤلاء الناس ويمحصهم، ولربما يتخذ منهم شهداء، أي: أناس يستشهدون في هذا السبيل، كل ذلك يحصل في طريق نصرة دين الله، فإن وعد الله لا يتخلف، فسينصرهم الله، ولربما ينصرهم الله في ظهور مذهبهم ومنهجهم ومبدئهم الذي دافعوا عنه، ويعتبر نصراً ولو قتل الإنسان الذي دافع عن دين الله؛ لأنه ليس معنى النصر السلامة، وإنما النصر الحصول على الهدف الذي يسعى إليه هذا الإنسان، ولربما يكون من أهدافه الشهادة مع النصر لدين الله ، وهؤلاء هم الذين يقدمون أنفسهم قرباناً لدين الله . إذاً لا يتصور أحد من الناس أن النصر معناه فقط السلامة من العدو، أو السلامة من المعتدي، وإنما يحصل القتل والسجن والأذى في ذات الله ، لكن يظهر هذا المبدأ الذي دافع عنه هذا الإنسان، ويكون ذلك من أرقى أنواع الصبر، ولذلك الله تعالى يقول عن المرسلين: ﴿كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام:٣٤] ومع ذلك نصرهم الله ، ولربما تأخر النصر كثيراً، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] والله تعالى ذكر الابتلاء في طريق النصر وفي طريق الجنة، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]، وهذا استفهام إنكاري من الله .

стр. 230

معوقات الوعد الحق السؤال ما هي معوقات الوعد الحق، وما هي طلائع ذلك الوعد؟ الجواب معوقات الوعد الحق أن يتأخر النصر، ويتأخر هذا الوعد امتحاناً وابتلاء من الله ، ولربما لا يتأخر، لكن النفوس لا تفي بشروط هذا الوعد، أو لربما يطول عليها المدى ويطول عليها الأمد فتقسو القلوب وترجع من منتصف الطريق، وهذا أخطر ما يصيب الإنسان، كما ذكره الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] ويسير في هذا الطريق يريد أن يحقق هذه الشروط ليحصل على هذا الوعد ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في دين الله ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] يقول: أنا هربت من عذاب الآخرة، فكيف أقع الآن في عذاب الدنيا؟! إذاً أتحمل عذاب الآخرة لأنه ليس أمامي الآن، وأهرب من عذاب الدنيا. تقول النفس الضعيفة للإنسان في بعض الأحيان هذا الأمر، فيرجع من منتصف الطريق، وهذا هو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: أذى الناس في الدنيا ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في الآخرة. وهذا من أكبر المعوقات التي تحول بين الأمة وبين تحقيقها بالوعد من عند الله .

стр. 231

كيفية الأخذ بسفينة الأمة خشية الغرق السؤال إن السفينة توشك على الغرق بسبب السفهاء الذين هم في أسفلها، فهل يبقى العقلاء الذين في أعلاها ينظرون إلى هذه السفينة وهي تغرق، أم ما هو الواجب على كل إنسان يعرف ولو آية من كتاب الله ؟ الجواب توشك السفينة أن تغرق، ولكن -والحمد لله- ما زال في هذا العالم خير وفي هذه الأمة وفي بلدنا بصفة خاصة خير كثير، وما دام هذا الخير موجوداً فلعل الله أن يحفظ هذه السفينة، وكم يدفع الله من الأذى والبلاء والمصائب والبلايا بسبب الصالحين، شيوخ ركع، وأطفال رضع، وعباد وأتقياء وشباب -والحمد لله- سلكوا الطريق عن بصيرة واقتناع، لذلك نقول: اطمئن يا أخي؛ فإن السفينة لن تغرق -بإذن الله- ما دام هؤلاء الصالحون موجودين، وأرى كثيراً من السفهاء وهم يخرقون السفينة، لكني أرى أكثر منهم -والحمد لله- الآن قد انتبهوا، فهم الذين سوف يحافظون على هذه السفينة بإذن الله . وعلى كلٍ فالسفينة على خطر لولا أن الله أعطى هذه الأمة وعداً على لسان رسوله ﷺ بأن لا يهلك هذه الأمة بسنة بعامة، ولكنه لم يعط رسوله وعداً بالنسبة لأمته أن لا يجعل بأسهم بينهم كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، وهذا هو أخوف ما نخافه الآن، أن يتساهل المسئولون عن هذا الأمر، وأن تحترق قلوب هؤلاء الشباب الذين يرون المنكرات، ولربما يحصل أن أكثرهم يندفع، ونرجو أن لا يكون هناك اندفاع فيؤدي ذلك إلى وجود أفكار وحزبيات وجماعات تكفير وهجرة كما يوجد في البلاد المجاورة، ونسأل الله أن يحفظ بلادنا هذه من كل مكروه، وأرجو من الإخوة الشباب أن يضبطوا أنفسهم، وأن يتقوا الله في أمن هذا البلد وطمأنينته، وأن يناصحوا المسئولين، وأن يراسلوهم بين فترة وأخرى، وأن يقولوا لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] هذا كلام لا بد من أن يقال، ويجب على القادة أن يقبلوا هذه النصيحة، ولا يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] وإنما عليهم أن يرعووا ويرجعوا إلى الحق، ولكن علينا أن نقدم هذه النصيحة بحكمة وبسر، وبأمانة وإخلاص، وبمحبة للقادة ومحبة الخير لهذه الأمة، أما أولئك فعليهم أن يتقبلوا وأن يحبوا الناصحين، وأن يعتبروا من يقول لهم: اتقوا الله أنه هو المحب لهم والمخلص، بخلاف من يقول لهم: أنتم أكمل الناس.

стр. 232

الصراع دائم بين الحق والباطل السؤال إن الإسلام في بلد الحرمين الشريفين الذي يعتبر أقوى معقل من معاقل الإسلام يواجه هذه الأيام حرباً شرسة، ولكنها خفية في معظم أحوالها، ولعل من أهم هذه الأمور ما يدور بين الفينة والأخرى من تحرير المرأة من الفضيلة والإيمان، وهو أهم الأشياء التي يركز عليها أعداء الله من بني جلدتنا وغيرهم، فماذا قدمنا لهذا الأمر في مواجهة المجرمين؟ الجواب أولاً: تأكد -يا أخي- أن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦]، وسيبقى أهل الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله. فالصراع بين الحق والباطل قديم قدم الحياة، وباقٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولربما يزيد في فترات ضعف المسلمين أو سكوت الدعاة أو إسكاتهم -نسأل الله العافية والسلامة-، ولربما يزيد في منطقة دون منطقة، وهذا ما يحدث في بلادنا التي هي من المعاقل التي تطبق شرع الله، فليس فيها كنيسة ولا معبد لليهود ولا للنصارى، نسأل الله أن تبقى على ذلك، وهي البلاد التي لم تدنسها أقدام الاستعمار في يوم من الأيام، وهي البلاد التي يستقبلها المسلمون كل يوم خمس مرات في صلاتهم، وهي البلاد التي يحجون إليها ويعتمرون، فهي قمة هذا العالم، فلا تستغرب حينما توجه إليها الضربات واللكمات العنيفة أكثر من غيرها، لأنهم أولاً انتهوا من البلاد الأخرى. ثانياً: هذه البلاد إيقاعها في حبائل الشيطان يعتبر إيقاعاً للعالم كله؛ لأنها هي قبلة المسلمين، يأتي الحجاج والمعتمرون والزوار لمسجد رسول الله ﷺ فيأخذون دينهم من بيئة هذه البلاد، ويأتي المتعاقدون والطلبة والدارسون والمدرسون ليأخذوا معتقداتهم من هذا البلد، يأتون هادمين فيرجعون موحدين، هذا هو الذي يحدث. إذاً ما هو الطريق؟ الطريق هو أن يقضى على هذا المعقل في نظر أعداء الإسلام، ولكن ما هو السبيل؟ السبيل أنهم يأتون عبر مخططات مرة، وعن طريق المرأة مرة أخرى، فهم لا يقولون: نريد أن نهدم الإسلام في هذه البلاد. لا يستطيعون ذلك، لكن يأتون مرة عن طريق المرأة، ومرة عن طريق التخلف والرجعية، ومرة عن طريق التقدم والرقي إلى غير ذلك، ولربما يجدون آذاناً صاغية في كثير من الأحيان بالنسبة للنساء حينما يقال: التخلف والرجعية. أو في نظر بعض أصحاب المسئوليات الذين يخافون من عقدة التخلف فيقولون: لماذا نعيش في التخلف؟ نحن نريد نفعل كذا وكذا حتى لا يقال: إننا متخلفون. إن هذا هو ما يحدث في أكثر أوضاعنا، نركب الطائرة في خطوطنا فكنا نظن أننا سوف نجد حياة كحياة الصحابة في الطائرة، فإذا المضيفات في طائراتنا يلبسن لباساً لا يوجد في كل البلاد الإسلامية، حتى البلاد العلمانية التي يحكمها العلمانيون خطوطها الجوية خير من الخطوط الجوية السعودية في اللباس، وعندما نركب الطائرة إن كنا نريد ثياب إحرام إذا نسينا لا نجد، وإذا بهم يبيعون دخاناً وأطياباً! بينما الذي يأتي إلى هذه البلاد لا يريد الدخان فهو آت من بلاد فساد وإنما يريد أن يلبس ملابس الإحرام، يريد أن يذكر الله، يريد أن يرى الخير من أول ما يضع أقدامه على هذه الطائرة التي تحمل علم لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتقدم على بلد يحكم شرع الله، وبلد المقدسات. والمصيبة أن بعض المسئولين يخافون من عقدة التخلف، فيقولون: نتسامح في مثل هذه المسائل. نسأل الله أن يهدي المسئولين، ومهما يكن ففي بلادنا خير لا يوجد في بلد آخر -والحمد لله- سواء أكان على مستوى المسئولين أو على مستوى الشعوب، لكن نريد أن تكون الأمور أفضل من ذلك بكثير، والله المستعان.

стр. 233

الرد على الذين يرون أن الإسلام لا يصلح للحياة السؤال كثيراً ما نسمع من التيار العلماني من يقول: أنتم تطالبون بالتطبيق الشامل للإسلام ونحن قد نتفق معكم في صلاحية كثير من ذلك للتطبيق، لكن العائق العظيم هو عدم وجود من لديه القدرة على التطبيق الصحيح، فكيف يرد على هؤلاء المنافقين الذين يبرزون بين الفينة والأخرى؟ الجواب نقول لهؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يطبقوا شرع الله في بعض الأمور ويتركوا بعضها الآخر: يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]، والله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] ويقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] فإذا كانوا يعتقدون أن دين الإسلام منهج عبادة، وأنه ليس منهج حياة متكاملة فنقول: الإسلام الذي عاش فيه العالم أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وأصلح تلك الأمة هو الذي يصلح هذه الأمة، فنحن نعتبر أن هذا الكتاب ما فرط في شيء، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]. وهؤلاء العلمانيون الذين يعيشون معنا ويقولون: إن الإسلام لا يصلح كنظام للحياة، وإنما يصلح منهج عبادة. ولربما نجدهم في بعض الأحيان يظهرون مظهر العُبَّاد في أمور العبادة نقول لهم: كذبتم، فإن الإسلام منهج حياة متكاملة، بل أنتم لا تريدون أن يكون للإسلام منهج عبادة، فأنتم تحاربون الإسلام حتى لا يكون أيضاً منهج عبادة، ولذلك هم يريدون أن لا يكون الدين كله لله، ونحن نطلب أن يكون الدين كله لله، بدون أن يكون هناك استثناء (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) كما يقولون هم.

стр. 234

أهمية معرفة الله عند اشتداد الفتن السؤال كيف تتحقق العبودية لله، خاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمعاصي، فأصبح الإنسان لا يخلص منها في بيته، ولا في سوقه، ولا في معمله، ولا في أي شيء من شئون حياته؟ الجواب هنا يُعرف الله ، يعرف المؤمنون ربهم عندما يتحزب أعداء الإسلام ضد الإسلام، وعندما ينتشر الفساد في الأرض تكون العودة إلى دين الله الحق، ولذلك الله تعالى يقول عن هذا الموقف: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] فبمقدار ما ترى هؤلاء الناس يتخلفون عن دين الله يزيد يقينك بالله ، وتزيد ثقتك بهذا الدين، ويزيد تمسكك، ولذلك فإن المسلم مطالب بأن يثبت على هذا الطريق مهما تغير الناس.

стр. 235

المسلم والقيام بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر انتحال شخصية أخرى، وإذا كان غير ذلك فهل من كلمة توجيهية للشباب حتى يدعوا بالأسلوب الحسن؟ الجواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شخصية كل واحد من المسلمين حسب موقعه في هذه الحياة، وعلى قدر استطاعته، فإن (مَن) من ألفاظ العموم في قوله ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) ولربما تكون هناك هيئة رسمية وحسبة مسئولة عن جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن هذه الجماعة تتحمل مسئولية بطريقة رسمية وبطريقة شخصية، أما أنت أيها الأخ المسلم فإنك تتحملها وتتحمل هذه المسئولية بطريقة أمر من أوامر الله ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] والله تعالى يقول: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] فإذا كنت تريد أن تكون من المفلحين فما عليك إلا أن تكون من هذه الأمة، سواء أكنت تعمل على المستوى الرسمي أو على المستوى الخاص، من منطلق واجبك الذي فرضه الله عليك.

стр. 236

أهمية الدعوة إلى الله السؤال يوجد في بعض البلاد قرى وهجر ليس لها حظ كبير من الدعوة ولا الدعاة، حيث إنها تعيش في جهل وعدم معرفة بأحكام الدين، وليس للدعوة فيها وجود أبداً، فنرجوا توجيه طلاب العلم بالدعوة والتوجيه إلى هذه القرى والهجر، وهي في المنطقة الشرقية، والشمالية، والغربية، والجنوبية من المملكة العربية السعودية، ومحتاجة للدعوة أشد من احتياجها إلى الشراب والغذاء، لاسيما في الإجازة، فنرجو حث الأحبة على هذا الأمر؟ الجواب أفضل طريق إلى الجنة هو طريق الدعوة إلى الله ، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ولذلك فإني أدعو إخوتي طلبة العلم وأقول: اتقوا الله، فإن الله قد وضع الأمانة في عنق كل واحد من المسلمين، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] وختمت الرسالات برسالة محمد ﷺ ليتحملها كل واحد من أمته، ولقد علمت أن في المناطق الجنوبية أموراً تشبه أمور الجاهلية بسبب عدم وجود طلبة علم، ولربما كان هناك طلبة علم هربوا من هذه القرى، فأنا أدعو الإخوة إلى أن ينفروا إلى الدعوة إلى الله خفافاً وثقالاً، وأن لا يتركوا جانباً من جوانب الدعوة إلا ويسلكوه، وقد يسرت الطرق والحمد لله، والأمر ميسر، ودولتنا -إن شاء الله- تشجع جانب الدعوة، والأمر أصبح أمراً إلزامياً؛ لأن هؤلاء الذين ربما يموتون على غير الفطرة وعلى غير الدين الصحيح، أو عندهم شيء من التغيير والتبديل أو من الإثم سوف يوقفوننا بين يدي الله يوم القيامة، ويقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير. قد وضع الله الأمانة والمسئولية في عنق كل واحد من أتباع محمد ﷺ ، فعلينا أن ننظم أنفسنا للدعوة في تلك المناطق، وأن نرتب جماعات يذهبون إلى دعوة تلك الأمم في القرى الشرقية، والغربية، والجنوبية، والشمالية، وفي القرى الوسطى أيضاً. أسأل الله أن يتقبل منا صالح الأعمال وأن يجعلنا من عباده وأولياءه المقربين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 237

كيف نربي المرأة المسلمة لقد كرم الإسلام المرأة أيما تكريم، وأعطاها منزلتها اللائقة بها، وحقوقها الواجبة لها، في وقت ظلمتها فيه الجاهليات القديمة، والديانات الوثنية، فسلبوها حقوقها؛ بل ولم يعتبروها إنسانة مكرمة مشرفة، ثم جاء أدعياء الحرية والانفتاح في هذا العصر ليخرجوا المرأة من دينها وحيائها وعفتها وطهارتها إلى التبرج والسفور، والاختلاط والفجور وما إلى ذلك من أنواع الفساد، فجلبوا كل ما من شأنه أن يفسدها: من مجلات خليعة، وصور وأفلام عارية ونحوها؛ لتصبح المرأة كالدمية في أيديهم يفعلون بها ما يريدون وفي ظل هذه الأحوال الكالحة لابد أن تربى المرأة المسلمة تربية إسلامية صحيحة؛ حتى تجنب نفسها وأسرتها ومجتمعها من كل خطر وبلاء يريده أعداء الإسلام بنا.

стр. 238

الصراع بين الحق والباطل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وبارك وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين، أما بعد: فقد جرت سنة الله في هذه الحياة أن يكون الصراع محتدماً بين الحق والباطل، وهذا الصراع هو الحكمة من خلق هذه البرية: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، ومنذ تلك الساعة التي أهبط فيها أبونا آدم ﵊ إلى الأرض، وإلى يومنا هذا، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، والصراع محتدم أبداً بين الحق والباطل، وبين دعاة الحق ودعاة الضلال، ولذلك فإني أقول: إن ما يحدث في الساحة الإنسانية اليوم، إنما هو إجراء لحكمة الله في خلق الجنة والنار: (ولكل واحدة منهما ملؤها)، كما جاء في الحديث. وهذا الصراع يأخذ عدة مسالك، وعدة مجريات، والأمم التي قسمها الله إلى فريقين: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، هي التي تتصارع أمام الحق وأمام الباطل، وأعداء الإسلام الذين يكرهون الإسلام ملء قلوبهم، وذلك الحقد الدفين الذي امتلأت به قلوب أعداء الإسلام ضد هذا الدين الحنيف، تظهر هذه العداوة من خلال هذا الصراع، ولذلك نقول: إن الله أخبر بأن العداء قديم فقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦]، وباقٍ، قال ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، أو حتى تقوم الساعة).

стр. 239

تنوع مخططات الأعداء في محاربة الإسلام أيها الأخ المسلم! أعداء الإسلام منذ فجر الإسلام وهم يخططون لهذا الدين، وللإطاحة بهذا الدين، ويسلكون شتى الوسائل وكل السبل التي يعتقدون أنها كفيلة في الحط من هذا الدين، أو النيل من الأمة الإسلامية، وقد كان الصراع مدة طويلة من الزمن وجهاً لوجه في معارك كثيرة دامية، في عصر النبوة، وعصر الخلفاء الراشدين وما بعد ذلك، وإلى عهد قريب، ولما رأى العدو أنه لا يستطيع أن يتغلب على دين حكم الله بإظهاره على الدين كله؛ لجئوا إلى ما يسمونه: بالحرب الباردة، أو بحرب الأفكار، وجعلوا لها عدة وسائل، ورسموا من أجلها عدة مخططات، وهدفهم في ذلك إبعاد الأمة الإسلامية عن دينها ومنهجها الأصيل بالتشكيك في المعتقدات، وببذل الوسائل في عرقلة الأخلاق والفضائل؛ لأنهم يدركون أن هذا الإسلام إنما يسير حينما تكون هناك بيئة صالحة نظيفة طاهرة، وحينما تكون هناك امرأة صالحة وبذور طيبة وتربة حميدة، من أجل ذلك بذلوا كل الجهود في سبيل الحط والنيل من هذا الإسلام، ولكن الله غالب على أمره، ومظهر دينه، ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].

стр. 240

استخدام الأعداء للمرأة كوسيلة لدمار المجتمع هذه المخططات متنوعة، ولربما تتنوع وتتلون أساليبها حسب العصور ومن خلال الميول، وعلى هذا فقد لجأ أعداء الإسلام في آخر المطاف إلى استعمال المرأة كوسيلة من وسائل دمار المجتمع، والإطاحة بالأمة الإسلامية، من خلال تجارب كثيرة ووصايا متوارثة، يرثها الآخرون من الأولين، ولذلك فإن من أعظم المخططات التي رتبت في هذا العصر للحط من الأمة الإسلامية والنيل منها: استخدام المرأة كوسيلة لدمار المجتمع، حتى قال قائلهم: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمعات إلى الدمار من المرأة، فعليكم بالمرأة! فاتجهت التقنية الحديثة، والأفكار المسمومة، والأيدي العابثة، والعقول المنحرفة، من الداخل ومن الخارج، من أعدائنا البارزين والمقنعين؛ بل ومن أبناء جلدتنا، انبرت أيديهم القذرة من أجل أن تتخذ من المرأة وسيلة للإطاحة بالأمة الإسلامية، وبشباب الأمة الإسلامية؛ لأن الأمة حينما تقع فيما حرم الله من الزنا والشهوة الحرام؛ حينها تسهل قيادتها إلى حيث تكون نهايتها ودمارها وانحطاطها، ولذلك فإنكم تجدون أعظم ما يخططه أعداء الإسلام في أيامنا الحاضرة أنهم اتخذوا من المرأة وسيلة عفنة، في حين يزعمون أنهم أنصارها، وأنهم المدافعون عنها، وهم الذين يسعون لإثبات حريتها وحقوقها، لكنهم اتخذوا منها لعبة يتسلى بها العابثون، ويفسدون بها الأخلاق والفضائل، ويهدمون بها المجتمعات الإنسانية بصفة عامة، والمجتمع الإسلامي بصفة خاصة، ولكن ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. أيها الإخوة! لقد خطط الأعداء لهذه الأمة تخطيطاً رهيباً في الظلام، وطبخ الأمر من أجل أن تنحرف هذه الأمة الإسلامية عن أزكى وأفضل أخلاقها وسلوكها، ولكن ثقتنا بالله ، وثقتنا بالأمة الإسلامية، وهي تنظر بنور الله ، وثقتنا في الصحوة الإسلامية، التي أحيطت بهذا الغزو الفكري والشهواني، ثقتنا بذلك كله فوق ما يحدث، وفوق ما يتصوره أعداء الإسلام.

стр. 241

تكريم الإسلام للمرأة وإهانة غيره لها أيها الإخوة! في عصر من يزعمون أنهم أنصار المرأة، والمطالبون بحقوقها وحريتها، نرى أن المرأة قد سقطت في المجتمع، ويصح أن نقول: إنها سقطت سقوطاً أعظم من سقوطها في الجاهلية الأولى وفي الجاهلية الثانية؛ بل وفيما قبل ذلك في العصور السابقة، التي ما كان للمرأة فيها قيمة ولا أثر؛ بل كانت تعد من سقط المتاع، فقد كانت تورث، فإذا مات زوجها فإن أقرب أولاده من غيرها يبادر ليضع عليها رداءه ليكون أحق بها، إن شاء باعها، وإن شاء وطأها، وإن شاء تزوجها، وإن شاء فعل بها ما أراد، إلى أن أنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، بل وأثبت لها الميراث، وما كانت ترث قبل ذلك: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧]. وإذا كانت المرأة يشك الرومان واليونانيون وأصحاب الملل قبل الإسلام في إنسانيتها، وفي بشريتها، وهل هي مخلوق محترم، أو من سقط المتاع؟ وهل لها روح أو لا روح لها؟ فإن في جاهلية اليوم بالرغم من تلك الهالة، وذلك الإطراء الشديد الذي يتحدثون فيه عن حقوق المرأة وحريتها؛ نجد أنهم حطوا من شأنها أكثر من ذلك لقد أصبحت دمية يتسلى بها العابثون تزين بها المعارض، وتعرض عليها الأزياء، وتجمع بها الأموال؛ بل وتكون دعاية حتى لشركات الطيران بين السماء والأرض، حينما يختارون أجمل فتاة من أجل اصطياد الناس، أو من أجل الدعايات الكاذبة لأهدافهم ولمطالبهم. إن المرأة قد وصلت في عصرنا الحاضر إلى أن صار مهرها في بعض الدول المتطورة المتقدمة -كما يزعمون- لا يساوي جنيهاً واحداً إسترلينياً، بالرغم من أننا نجد المرأة المسلمة المحجبة المحترمة، تبذل في سبيلها أغلى الأثمان وأكثر القيم، ولذلك فإننا نقول: أي حضارة تزعم أنها تحترم المرأة في أيامنا الحاضرة، وفي قانونها وفي نظامها أن المتفق عليه في كل بلاد العالم التي لا تحكم بشرع الله أن المرأة بعد الثامنة عشرة من عمرها تخرج من البيت، ولا يلتزم أبوها بالنفقة عليها، وعليها أن تبحث عن الرزق ولو عن طريق الحرام، ولو أن تتنازل عن شرفها وكرامتها من أجل أن تحصل على لقمة العيش؟! أما المرأة في ظل الإسلام فإن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ويقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، ويلزم الأب أن يقوم بكل حاجات ابنته كسائر أبنائه، حتى يسلمها لزوجها، الذي يلتزم بكل نفقاتها الصغيرة والكبيرة، دون نقص ولا شطط. ومن هنا نقول: إن المرأة التي تعيش معنا اليوم في هذا العالم لا يمكن أن تتنفس الصعداء ولا أن تجد الحرية ولا أن تجد حقها إلا في ظل هذا الدين، ولذلك فقد انخدعت كثير من النساء اللواتي صدقن ما يقال عن الإسلام وضد الإسلام، فزهدت كثيرات منهن في الإسلام، وتمسكت الأكثر منهن بهذا الدين، واعتبرته هو مصدر سعادتها وعزتها وكرامتها. أيها الإخوة! وبالرغم من هذا الغزو الفكري والشهواني، وبالرغم من هذه المخططات الرهيبة التي صدقها بعض الببغاوات في بلاد الإسلام، وصاروا يرددونها، ويقولون: المرأة مظلومة المرأة في مجتمعنا مهضومة حق مجتمعنا معطل نصفه مجتمعنا لا يتنفس إلا برئة واحدة مجتمعنا تعيش فيه المرأة في الحضيض كما يقولون مجتمعنا يشكل حياة تشبه الحياة في القرون الوسطى!! هؤلاء في الحقيقة هم على نوعين: نوع مخدوع بما يقوله أعداء الإسلام؛ لكنه لم يقرأ عن الإسلام قليلاً ولا كثيراً، ولا عن الحضارات التي سبقت الإسلام وكيف كانت تتعامل مع المرأة، ونوع آخر حاقد على الإسلام، وإن كان من أبناء جلدتنا، وإن كان ممن يتكلمون بألسنتنا، وهذا النوع الحاقد على الإسلام هو الذي يريد أن يكون طبلاً يدق به أعداء الإسلام، وأن يكون بوقاً ينفخون فيه، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين، قاتلهم الله أنى يؤفكون! ولذلك نقول: المرأة في بلاد الإسلام امرأة لها كل حقوقها وحريتها التي أعطاها الله إياها، ومنحها إياها، وخلصها بها وبهذا الدين من براثن الجاهلية، ومن مخططات الأعداء، وما عليها إلا أن تسلك طريق الإسلام، وستجد في آخر المشوار؛ بل في أوله وأوسطه سعادتها وعزتها وكرامتها.

стр. 242

توجيه الرجل والمرأة إلى التمسك بكتاب الله تعالى أيها الأخ المسلم! باعتبارك ولياً ومسئولاً عن بيتك، وباعتبارك راعياً ومسئولاً بين يدي الله عن هذه الرعاية، وأنت أيتها الأخت المسلمة! باعتبارك مسئولة بين يدي الله يوم القيامة عن نفسك وعن مجتمعك، وعما تحت يدك من الأهل والذرية، نقترح عليكما جميعاً؛ بل نلزمكما جميعاً أن تقرءوا كتاب الله ، وكيف استطاع أن يضع الأسس الكريمة، وأن يرتب التراتيب المتينة التي تكفل سعادة المرأة من أجل أن تصون عرضها وكرامتها، وتحتفظ بعزتها وبدينها وبشرفها. وأنت يا أختي المسلمة! بين عاملين يتجاذبان فيك: عامل الخير الذي تجدينه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعامل الشر السالب الذي يريد لك الشقاوة، ويريد لك التعاسة، ويريد لك أن تضلي السبيل، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦]، ثم يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]. إذاً: هنا عاملان: عامل الشهوات ومخططات الأعداء الذين يريدون أن نضل السبيل، ويريدون أن ننحرف عن الجادة، ويريدون أن يصطادوا المرأة في الماء العكر، ويريدون أن يوفروا لأنفسهم المشوار الطويل وهم يبحثون عن الفاحشة والجريمة أرجاء العالم، في بلاد الكفر والفسق والانحلال، يريدون أن يوفروا لأنفسهم هذا المشوار الطويل من أجل أن يجدوا المرأة ميسرة في أقرب فرصة وفي أقرب مكان، أما الله فهو يريد أن يتوب عليكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم، وسنن الذين من قبلنا هي المحافظة على هذه المرأة، وتربيتها وإعدادها وإكرامها من خلال هذا الدين.

стр. 243

سبع صفات لابد أن تلتزمها المرأة المسلمة أما كيف نربي المرأة المسلمة لنحميها من الفتن؟ فإننا نجد في كتاب الله صفات راقية، جاءت من أجل أن تكون قواعد متينة وأسساً ثابتة تسير عليها المرأة المسلمة؛ ليسلم عرضها وشرفها، وتسلم كرامتها، وليسلم أيضاً مجتمعها، ولتكون تربة صالحة طيبة طاهرة تبذر فيها بذور الذرية الصالحة، وهذه الصفات هي موجهة في الأصل إلى أفضل نساء العالمين، إلى زوجات رسول الله ﷺ ، لكنها في الحقيقة تطالب بها كل امرأة مسلمة تريد أن تجعل قدوتها زوجات رسول الله ﷺ . إنها صفات لو التزمت بها المرأة لكانت امرأة مثالية من نساء أهل الجنة، ولكانت امرأة يقال لها غداً: اختاري أفضل أبواب الجنة وادخلي من أيها شئت، سبع صفات اختارها الله لخير نساء العالمين، ولنساء الناس كافة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]، هذه الصفات السبع تجدونها في سورة الأحزاب، وهي التي من خلالها تستطيع المرأة أن تعد نفسها إعداداً للجنة، وقبل ذلك لسعادة الدنيا، وفوق ذلك لتسلم من مخططات رهيبة تدبر في الظلام، وتحاك على أيدي العابثين من الداخل والخارج، هذه الصفات يقول الله عنها: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤]، سبع صفات لابد لكل امرأة مسلمة أن تقرأها بكرة وعشياً، وأن تتفهم معناها، وأن تطبقها على نفسها، وأن تتفقد سيرتها وسلوكها دائماً وأبداً، حتى لا تفقد واحدة من هذه الصفات السبع؛ حتى تكون من نساء الجنة.

стр. 244

صفات صنف من نساء النار بجوار هذه الصفات السبع صفات أخرى هي لأهل النار، ولنساء النار، نعوذ بالله من النار! يقول ﵊: (صنفان من أمتي لم أرهما بعد: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا سنة)، أي إنسان يضحي بزوجته وبأخته وبابنته وبأمه وبقريبته وموليته أياً كانت، ليجعلها حطباً لجهنم، حتى لا تشم رائحة الجنة، بالرغم من أن رائحة الجنة تدرك من مسافة بعيدة؟ أما صفات المرأة التي تسلك هذا المسلك فهي: كساء مع عراء، وكيف يكون الكساء مع العراء؟ تكون هناك كسوة لكنها لا تستر كل البدن تكون هناك كسوة مادية مع عراء معنوي تكون هناك كسوة لكن الحياء مفقود، وإذا فقد الحياء لم تلق هذه المرأة إلا مقيتة بعيدة عن الله ، مائلة منحرفة عن الصراط المستقيم، مميلة تحرف المجتمع، وتحرف من في قلبه مرض، ولربما تحرف حتى من ليس في قلبه مرض؛ لأن الفتنة التي توزعها المرأة على المجتمع حينما تتبرج، أو حينما تخرج شيئاً من مفاتنها في مجتمع رتبت له كل التراتيب ليكون مجتمعاً منحرفاً، وغذي بالأفلام والمسلسلات، والصور العارية وأشباه العارية، وأفلام الفيديو والسينما، وغير ذلك من المخططات الرهيبة، إنه مجتمع تساهم فيه المرأة مساهمة فعالة حينما لا تلتزم بأوامر الله ، وحينئذ يكون فساد عريض؛ لاسيما في مجتمع اختلت فيه الأنظمة الاقتصادية، والأنظمة الاجتماعية، وارتفعت فيه المهور، ولم يوجد هناك نظام يضبط سن التعليم من سن العمل، من سن الزواج، وغير ذلك من الأمور الأخرى. نساء مائلات مميلات، يميل المجتمع ويميل الناس مع هذه المرأة المائلة، وحينئذ تكون هذه المرأة التي زرعت هذا الفساد في المجتمع لا تستحق دخول الجنة؛ بل لا تفكر في دخول الجنة؛ بل لا تشم رائحة الجنة أبداً، فضلاً عن أن تدخل الجنة، بالرغم من أن رائحة الجنة تدرك من مسافة بعيدة، أي: مشوار يحتاج إلى سنوات.

стр. 245

صفات النساء الصالحات نعود إلى النساء الفضليات، إلى الصفات الحسنة، بعد عرض صفات أهل النار من النساء اللواتي هن كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة؛ نعود لك يا أختي! لتعرفي كيف يجب أن تكون المرأة المسلمة. ولكن يا أخي! كيف تربي زوجتك وأهلك ومن استرعاك الله عليه؟ بعد أن تفهم قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] هل تطيق هذه النار التي تذيب الحجارة؟ إنك لا تطيق ذلك؛ لكنك تستطيع بإذن الله وبفضل الله وبتوفيق الله أن تخلص نفسك حينما تبحث عن أفضل الصفات، عن الصفات المثلى؛ لتربي أهلك وذويك، لاسيما النساء اللواتي يخطط لهن بالعشي والإبكار من أجل الانحراف، ومن أجل الضياع.

стр. 246

تقوى الله تعالى قال تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وهذه أولى صفات المرأة، وإن كانت هذه الصفة مطلوبة في الرجل والمرأة على حد سواء، لكنها في المرأة أولى؛ لأن تقوى المرأة يعني عفتها وطهارتها، وعفتها وطهارتها وخشيتها لله تعني تطهير المجتمع من الفساد، وتطهير المجتمع من الفساد يعني أن تبقى للأمة أخلاقها، وأن يبقى لها دينها، وأن تبقى لها محافظتها، وحينئذ يكون هذا المجتمع طيباً طاهراً نظيفاً، وتكون هذه البيئة صالحة للتربية. إن تقوى المرأة أهم في المجتمع من تقوى الرجل، بالرغم من وجوب التقوى على الذكر والأنثى؛ لكن فساداً واحداً في مجتمع لامرأة واحدة يحدث خللاً في مجتمع كامل هل تقرءون أيها الإخوة سورة النور؟ لا نجد في القرآن ولا في السنة آية ولا حديثاً تقدم فيه المرأة على الرجل إلا في موضع واحد، في كل آيات الكتاب وأحاديث رسول الله ﷺ ، وهذا الأمر الذي قدمت فيه المرأة هو الزنا فقط، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، لماذا قدمت المرأة هنا على الرجل؟ يقول المفسرون: لأسباب كثيرة: أولاً: أن عرض المرأة حساس أشد من عرض الرجل، فالحديث عن المرأة بفاحشة أو بتهمة يعني أنها لا تتزوج أبداً، ويعني أن ذلك يحط من شأن الأسرة كلها، ويقلل من أهميتها، ويسقطها من عين المجتمع، إضافة إلى أن المرأة -نسأل الله العافية- لو فسدت في مجتمع كبير لاستطاعت أن تفسد أمماً، لو أن واحدة من النساء تبرجت وخرجت في أكبر مدينة، وجابت خلال شوارعها وأسواقها، لاستطاعت أن تفتن نصف هذا المجتمع على الأقل، إن لم يتداركه الله بلطفه، بخلاف انحراف رجل واحد أو فساد رجل واحد؛ فإنه لا يستطيع أن يفسد كما تفسده المرأة، ولذلك فإن الله هنا قدم المرأة على الرجل في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولم يقدم الرجل هنا، وقدم الرجل في الزواج في قوله: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣]، وقدم الرجل في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي يتقدم فيها الرجل دائماً على المرأة إلا في مثل هذه الحال.

стр. 247

معنى تقوى المرأة لربها إذاً: تقوى المرأة لله أمر مهم جداً، والتقوى حقيقتها: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، التقوى: هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، وترك معصية الله على نور من الله خشية عقابه، تقوى الله للرجل والمرأة جميعاً أن يحاسب كل واحد منهما نفسه فيما يفعل ويذر، وفي كل تصرفاته، لاسيما في تعامل الزوجين بعضهما مع بعض، فإن هذا أمر حساس، فقد جعل الله على المرأة واجباً عظيماً، حتى قال ﵊ للمرأة تجاه الرجل: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ويكفي أن هذا الزوج يتولى أمرها وتربيتها وإعدادها، ويعفها ويطهرها، وينجب لها بإذن الله أبناء صالحين، يكونون قرة عين لها في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فإن المرأة مطالبة بالتقوى أكثر من الرجل، وتقواها يعني أن تحفظ فرجها، وأن تصون عرضها، وأن تحفظ زينتها؛ فلا تبرزها إلا لمن أذن الله لها في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية. تقوى المرأة لله معناه: أن تكون دائماً خشية الله أمام عينيها، وهي تفعل وتذر، وتترك وتعمل، في كل أمر من أمورها تكون دائماً متقية لله ، تتصور ساعة القدوم على الله والوقوف بين يديه ، تتصور الفتن التي تحدث من جراء تبرجها، تتصور ساعة الموت والاحتضار والقدوم على الله ، تتصور القبر وظلمته، تتصور الحساب وشدته، تتصور صحائف الأعمال التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وتحصيها، ولذلك فإن نظرة واحدة ينظر إليها بغير طريق شرعي مباح تسجل عليها سيئة، لا سيما وأن هذه النظرة ربما تكون لها آثار على المجتمع سيئة.

стр. 248

عدم الخضوع بالقول ثم يذكر الله الصفة الثانية فيقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، والخضوع معناه: اللين والرقة، والقول معناه: الحديث، أي: لا يجوز للمرأة إذا اضطرت إلى أن تكلم رجلاً ليس من محارمها أن تكلم هذا الرجل برقة ولين؛ سواء كان من خلال الباب، أو الهاتف، أو كلام المواجهة مع البائعين، وأمام الدكاكين عند الضرورة، إذا اضطرت إلى أن تخرج لتقضي حاجة من حاجاتها، بأي حال من الأحوال، يجب أن يكون كلامها طبيعياً غير متكلف، ليست فيه رقة ولا لين؛ حتى لا يطمع من في قلبه مرض، أي: نفاق، أو شك، أو شهوة حرام، أو ربما يكون إنساناً بريئاً طاهراً فتؤثر فيه كلمة رقيقة يسمعها من امرأة ربما تكون نزيهة، ثم إذا بها تقع موقعها من قلبه، فإذا بها تؤثر عليه، وتفسد عليه دينه وأخلاقه وتقاه لله . إذاً: على المرأة إذا تكلمت أن تقول قولاً معروفاً، كما أخبر الله ؛ فليس بالكلام الخشن، وليس بالكلام الرقيق الذي يؤدي إلى الطمع فيها، فكم من كلمة رقيقة مقصودة أو غير مقصودة أثرت في أخلاق أمة، وأفسدت فرداً أو مجتمعاً! ولذلك فإن المرأة عليها أن تتقي الله حينما تضطر إلى الحديث مع أحد ليس من محارمها، أن يكون كلامها طبيعياً، وألا يكون رقيقاً، وألا يكون مطمعاً فيها، مرغباً من في قلبه مرض، ومحدثاً شهوة في قلبه تتعلق بهذه المرأة.

стр. 249

القرار في البيت الصفة الثالثة: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، يقول المفسرون: إن (قرن) مأخوذ إما من الوقار أو من القرار، وسواء كان من الوقار أو من القرار فكلاهما أمر مطلوب، فالوقار معناه: الاحترام، أي: كن موقرات محترمات، ولذلك فإن بقاء المرأة في البيت هو الوقار وهو الاحترام لها، وهو السلامة لها والسلامة للمجتمع. عز الفتاة بقاؤها في البيت لا في المعمل والمرء يعمل في الحقو ل وحرصه في المنزل أي: زوجته، وعلى هذا فإنا نقول: إن المرأة تكون موقرة محترمة بعيدة عن الشهوات المحرمة، بعيدة عن النظرات الفاتنة، بعيدة عما حرم الله حينما تبقى في بيتها، هذا هو وقارها، وهذه عزتها وكرامتها. وربما يكون من القرار، وهذا أقرب إلى المقام، والمراد بالقرار: البقاء، ومعنى (قر) أي: ثبت، أي: اثبتن في بيوتكن، والمرأة التي لا تبقى في بيتها وتخرج متى شاءت لسبب ولغير سبب، لحاجة ولغير حاجة، لضرورة ولغير ضرورة، امرأة معرضة للفتنة, وهي أيضاً معرضة الناس للفتنة، فإن تجمل المرأة وذهابها متى شاءت وحيث شاءت، دون أن تتقيد بأمر اضطراري يضطرها إلى الخروج، أو على الأقل حاجة تحوجها إلى الخروج، إنها امرأة عليها خطر هي بنفسها، والمجتمع الذي تتزاحم فيه النساء في الأسواق، والذي تتسابق فيه النساء إلى الأسواق دون ضرورة مجتمع على خطر. إن ذلك يعتبر من أخطر الفتن التي حلت في العالم، حينما كرهت المرأة البقاء في البيت، واعتبرته تخلفاً ورجعية كما يقول أعداء الإسلام في أيامنا الحاضرة، فيجعلونها تخرج متى شاءت، وترجع متى شاءت، وتذهب إلى دور السينما، وإلى شواطئ البحار، كما يحدث حتى في أكثر البلاد الإسلامية، دون قيد ولا شرط؛ هذا هو الذي أحدث فتنة في الأرض وفساداً عريضاً.

стр. 250

جواز خروج المرأة للضرورة وبشروط معلومة أما المرأة المسلمة فإن الله تعالى يقول لها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، والقرار في البيت: هو سبب عزتها وكرامتها وسلامتها، وسلامة المجتمع، وهذا الأمر لا يعني ألا تخرج المرأة؛ بل إذا خرجت فعليها أن تخرج بأدب، وبقدر الحاجة، فإن الإسلام يعامل المرأة كما يعامل الرجل -إلا في أحوال مخصوصة-، فيبيح لها أن تخرج لحاجاتها، لكن بشروط وآداب، وأهم هذه الشروط: أن تكون هناك حاجة ملحة، وأن تكون متسترة غير متبرجة، وغير متطيبة، ويا حبذا لو ذهب بها وليها إلى المدرسة وإلى مكان العمل عند الحاجة والضرورة. وعلى كل فإن هذه الآية لا تعني أن تحرم المرأة من الأخذ والإعطاء، والبيع والشراء قدر الحاجة، والتعليم والعمل، ولكن ذلك كله يجب أن يخضع لشروط وقواعد وأمور لابد منها؛ لحفظها وحفظ المجتمع من فتنتها، ومن شر مخططات الأعداء، فلها أن تتعلم، لكن يجب أن يكون بحدود، يجب أن تكون هناك مناهج مرسومة وفق متطلبات بلد ما، بمقدار محافظة هذا البلد على دينه وأخلاقه، وبمقدار حاجة هذا المجتمع إلى تخصصات هذه المرأة، بحيث تكون لها برامج محددة ومعينة ومقدرة وفق حاجتها وحاجة المجتمع. والإسلام لا يمنع من عمل المرأة، لكن بشروط، وأهم هذه الشروط: أن تكون بعيدة عن الرجال، وألا يخلو بها رجل ليس من محارمها، وألا تكون هناك فتنة في خروجها، وأن يكون هذا العمل لا تقوم به إلا المرأة، أما أن يختلط الأمر على الناس، ليعمل الرجل بجوار المرأة، والمرأة بجوار الرجل، وأن تعمل المرأة في وقت نجد فيه الشباب معطلاً، وهي التي تقوم بدور الشباب، وبعمل الشباب؛ فإن ذلك كله يعتبر خللاً في نظام المجتمع، وخطأ تقترفه الأمة في حق المرأة وحق الرجل. كثير من المجتمعات البشرية يتعطل فيها الرجال وتشتغل فيها النساء، وتشتغل النساء بأعمال الرجال، ولربما يشتغل الرجال بأعمال النساء، ولربما يشاهد ذلك في بعض أعمال المستشفيات التي لم تنظم وفق منهج تشريعي صحيح، فنجد مثلاً أن المرأة يولدها رجال، لينظر إلى أقصى عورتها! في وقت نرى أن التمريض تقوم به النساء حتى في جانب الرجال، بالرغم من وجود معاهد للتمريض للرجال وللنساء! فما هو السر في ذلك؟ لا ندري! بالرغم أن كليات الطب تخرج من النساء أكثر مما تخرجه كليات الطب للشباب، لكني أرى ذلك خللاً أو سوء تفكير، ونعوذ بالله أن نضطر إلى أن نقول: إن ذلك يدل على سوء الطوية.
следующие страницы →