← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تقوى الله تعالى قال تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وهذه أولى صفات المرأة، وإن كانت هذه الصفة مطلوبة في الرجل والمرأة على حد سواء، لكنها في المرأة أولى؛ لأن تقوى المرأة يعني عفتها وطهارتها، وعفتها وطهارتها وخشيتها لله تعني تطهير المجتمع من الفساد، وتطهير المجتمع من الفساد يعني أن تبقى للأمة أخلاقها، وأن يبقى لها دينها، وأن تبقى لها محافظتها، وحينئذ يكون هذا المجتمع طيباً طاهراً نظيفاً، وتكون هذه البيئة صالحة للتربية. إن تقوى المرأة أهم في المجتمع من تقوى الرجل، بالرغم من وجوب التقوى على الذكر والأنثى؛ لكن فساداً واحداً في مجتمع لامرأة واحدة يحدث خللاً في مجتمع كامل هل تقرءون أيها الإخوة سورة النور؟ لا نجد في القرآن ولا في السنة آية ولا حديثاً تقدم فيه المرأة على الرجل إلا في موضع واحد، في كل آيات الكتاب وأحاديث رسول الله ﷺ ، وهذا الأمر الذي قدمت فيه المرأة هو الزنا فقط، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، لماذا قدمت المرأة هنا على الرجل؟ يقول المفسرون: لأسباب كثيرة: أولاً: أن عرض المرأة حساس أشد من عرض الرجل، فالحديث عن المرأة بفاحشة أو بتهمة يعني أنها لا تتزوج أبداً، ويعني أن ذلك يحط من شأن الأسرة كلها، ويقلل من أهميتها، ويسقطها من عين المجتمع، إضافة إلى أن المرأة -نسأل الله العافية- لو فسدت في مجتمع كبير لاستطاعت أن تفسد أمماً، لو أن واحدة من النساء تبرجت وخرجت في أكبر مدينة، وجابت خلال شوارعها وأسواقها، لاستطاعت أن تفتن نصف هذا المجتمع على الأقل، إن لم يتداركه الله بلطفه، بخلاف انحراف رجل واحد أو فساد رجل واحد؛ فإنه لا يستطيع أن يفسد كما تفسده المرأة، ولذلك فإن الله هنا قدم المرأة على الرجل في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولم يقدم الرجل هنا، وقدم الرجل في الزواج في قوله: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣]، وقدم الرجل في السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي يتقدم فيها الرجل دائماً على المرأة إلا في مثل هذه الحال.

стр. 247

معنى تقوى المرأة لربها إذاً: تقوى المرأة لله أمر مهم جداً، والتقوى حقيقتها: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، التقوى: هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، وترك معصية الله على نور من الله خشية عقابه، تقوى الله للرجل والمرأة جميعاً أن يحاسب كل واحد منهما نفسه فيما يفعل ويذر، وفي كل تصرفاته، لاسيما في تعامل الزوجين بعضهما مع بعض، فإن هذا أمر حساس، فقد جعل الله على المرأة واجباً عظيماً، حتى قال ﵊ للمرأة تجاه الرجل: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ويكفي أن هذا الزوج يتولى أمرها وتربيتها وإعدادها، ويعفها ويطهرها، وينجب لها بإذن الله أبناء صالحين، يكونون قرة عين لها في الدنيا والآخرة. وعلى هذا فإن المرأة مطالبة بالتقوى أكثر من الرجل، وتقواها يعني أن تحفظ فرجها، وأن تصون عرضها، وأن تحفظ زينتها؛ فلا تبرزها إلا لمن أذن الله لها في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية. تقوى المرأة لله معناه: أن تكون دائماً خشية الله أمام عينيها، وهي تفعل وتذر، وتترك وتعمل، في كل أمر من أمورها تكون دائماً متقية لله ، تتصور ساعة القدوم على الله والوقوف بين يديه ، تتصور الفتن التي تحدث من جراء تبرجها، تتصور ساعة الموت والاحتضار والقدوم على الله ، تتصور القبر وظلمته، تتصور الحساب وشدته، تتصور صحائف الأعمال التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وتحصيها، ولذلك فإن نظرة واحدة ينظر إليها بغير طريق شرعي مباح تسجل عليها سيئة، لا سيما وأن هذه النظرة ربما تكون لها آثار على المجتمع سيئة.

стр. 248

عدم الخضوع بالقول ثم يذكر الله الصفة الثانية فيقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، والخضوع معناه: اللين والرقة، والقول معناه: الحديث، أي: لا يجوز للمرأة إذا اضطرت إلى أن تكلم رجلاً ليس من محارمها أن تكلم هذا الرجل برقة ولين؛ سواء كان من خلال الباب، أو الهاتف، أو كلام المواجهة مع البائعين، وأمام الدكاكين عند الضرورة، إذا اضطرت إلى أن تخرج لتقضي حاجة من حاجاتها، بأي حال من الأحوال، يجب أن يكون كلامها طبيعياً غير متكلف، ليست فيه رقة ولا لين؛ حتى لا يطمع من في قلبه مرض، أي: نفاق، أو شك، أو شهوة حرام، أو ربما يكون إنساناً بريئاً طاهراً فتؤثر فيه كلمة رقيقة يسمعها من امرأة ربما تكون نزيهة، ثم إذا بها تقع موقعها من قلبه، فإذا بها تؤثر عليه، وتفسد عليه دينه وأخلاقه وتقاه لله . إذاً: على المرأة إذا تكلمت أن تقول قولاً معروفاً، كما أخبر الله ؛ فليس بالكلام الخشن، وليس بالكلام الرقيق الذي يؤدي إلى الطمع فيها، فكم من كلمة رقيقة مقصودة أو غير مقصودة أثرت في أخلاق أمة، وأفسدت فرداً أو مجتمعاً! ولذلك فإن المرأة عليها أن تتقي الله حينما تضطر إلى الحديث مع أحد ليس من محارمها، أن يكون كلامها طبيعياً، وألا يكون رقيقاً، وألا يكون مطمعاً فيها، مرغباً من في قلبه مرض، ومحدثاً شهوة في قلبه تتعلق بهذه المرأة.

стр. 249

القرار في البيت الصفة الثالثة: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، يقول المفسرون: إن (قرن) مأخوذ إما من الوقار أو من القرار، وسواء كان من الوقار أو من القرار فكلاهما أمر مطلوب، فالوقار معناه: الاحترام، أي: كن موقرات محترمات، ولذلك فإن بقاء المرأة في البيت هو الوقار وهو الاحترام لها، وهو السلامة لها والسلامة للمجتمع. عز الفتاة بقاؤها في البيت لا في المعمل والمرء يعمل في الحقو ل وحرصه في المنزل أي: زوجته، وعلى هذا فإنا نقول: إن المرأة تكون موقرة محترمة بعيدة عن الشهوات المحرمة، بعيدة عن النظرات الفاتنة، بعيدة عما حرم الله حينما تبقى في بيتها، هذا هو وقارها، وهذه عزتها وكرامتها. وربما يكون من القرار، وهذا أقرب إلى المقام، والمراد بالقرار: البقاء، ومعنى (قر) أي: ثبت، أي: اثبتن في بيوتكن، والمرأة التي لا تبقى في بيتها وتخرج متى شاءت لسبب ولغير سبب، لحاجة ولغير حاجة، لضرورة ولغير ضرورة، امرأة معرضة للفتنة, وهي أيضاً معرضة الناس للفتنة، فإن تجمل المرأة وذهابها متى شاءت وحيث شاءت، دون أن تتقيد بأمر اضطراري يضطرها إلى الخروج، أو على الأقل حاجة تحوجها إلى الخروج، إنها امرأة عليها خطر هي بنفسها، والمجتمع الذي تتزاحم فيه النساء في الأسواق، والذي تتسابق فيه النساء إلى الأسواق دون ضرورة مجتمع على خطر. إن ذلك يعتبر من أخطر الفتن التي حلت في العالم، حينما كرهت المرأة البقاء في البيت، واعتبرته تخلفاً ورجعية كما يقول أعداء الإسلام في أيامنا الحاضرة، فيجعلونها تخرج متى شاءت، وترجع متى شاءت، وتذهب إلى دور السينما، وإلى شواطئ البحار، كما يحدث حتى في أكثر البلاد الإسلامية، دون قيد ولا شرط؛ هذا هو الذي أحدث فتنة في الأرض وفساداً عريضاً.

стр. 250

جواز خروج المرأة للضرورة وبشروط معلومة أما المرأة المسلمة فإن الله تعالى يقول لها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، والقرار في البيت: هو سبب عزتها وكرامتها وسلامتها، وسلامة المجتمع، وهذا الأمر لا يعني ألا تخرج المرأة؛ بل إذا خرجت فعليها أن تخرج بأدب، وبقدر الحاجة، فإن الإسلام يعامل المرأة كما يعامل الرجل -إلا في أحوال مخصوصة-، فيبيح لها أن تخرج لحاجاتها، لكن بشروط وآداب، وأهم هذه الشروط: أن تكون هناك حاجة ملحة، وأن تكون متسترة غير متبرجة، وغير متطيبة، ويا حبذا لو ذهب بها وليها إلى المدرسة وإلى مكان العمل عند الحاجة والضرورة. وعلى كل فإن هذه الآية لا تعني أن تحرم المرأة من الأخذ والإعطاء، والبيع والشراء قدر الحاجة، والتعليم والعمل، ولكن ذلك كله يجب أن يخضع لشروط وقواعد وأمور لابد منها؛ لحفظها وحفظ المجتمع من فتنتها، ومن شر مخططات الأعداء، فلها أن تتعلم، لكن يجب أن يكون بحدود، يجب أن تكون هناك مناهج مرسومة وفق متطلبات بلد ما، بمقدار محافظة هذا البلد على دينه وأخلاقه، وبمقدار حاجة هذا المجتمع إلى تخصصات هذه المرأة، بحيث تكون لها برامج محددة ومعينة ومقدرة وفق حاجتها وحاجة المجتمع. والإسلام لا يمنع من عمل المرأة، لكن بشروط، وأهم هذه الشروط: أن تكون بعيدة عن الرجال، وألا يخلو بها رجل ليس من محارمها، وألا تكون هناك فتنة في خروجها، وأن يكون هذا العمل لا تقوم به إلا المرأة، أما أن يختلط الأمر على الناس، ليعمل الرجل بجوار المرأة، والمرأة بجوار الرجل، وأن تعمل المرأة في وقت نجد فيه الشباب معطلاً، وهي التي تقوم بدور الشباب، وبعمل الشباب؛ فإن ذلك كله يعتبر خللاً في نظام المجتمع، وخطأ تقترفه الأمة في حق المرأة وحق الرجل. كثير من المجتمعات البشرية يتعطل فيها الرجال وتشتغل فيها النساء، وتشتغل النساء بأعمال الرجال، ولربما يشتغل الرجال بأعمال النساء، ولربما يشاهد ذلك في بعض أعمال المستشفيات التي لم تنظم وفق منهج تشريعي صحيح، فنجد مثلاً أن المرأة يولدها رجال، لينظر إلى أقصى عورتها! في وقت نرى أن التمريض تقوم به النساء حتى في جانب الرجال، بالرغم من وجود معاهد للتمريض للرجال وللنساء! فما هو السر في ذلك؟ لا ندري! بالرغم أن كليات الطب تخرج من النساء أكثر مما تخرجه كليات الطب للشباب، لكني أرى ذلك خللاً أو سوء تفكير، ونعوذ بالله أن نضطر إلى أن نقول: إن ذلك يدل على سوء الطوية.

стр. 251

بقاء المرأة في بيتها لتربية أولادها وحمايتهم أيها الإخوة! إن بقاء المرأة في بيتها هو عزتها وكرامتها، وليس معنى ذلك أنه إهانة لها، بل ذلك يعني أن الرجل مكلف ومطالب بأن يحضر كل حاجات المرأة إلى بيتها، وأن يقوم بكل متطلبات حياتها، فهو الذي يلزمه أن يذهب إلى البقال لكي يحضر الأطعمة، وهو ملزم بأن يبحث عن الرزق الحلال؛ لتبقى هي في مهمة أكبر، في إعداد البيت، وتربية الأطفال، وحمايتهم من الفتن، وتعريفهم بالله ، وتربيتهم تربية سليمة، وهذا هو ما تفقده كثير من المجتمعات التي شغلت المرأة بدون قيد ولا شرط، فذُهب بالأطفال إلى المحاضن، وربوا تربية بعيدة عن الإسلام؛ بل بعيدة عن العاطفة، حتى لا يشعر هذا الطفل بعاطفته تجاه أبيه وأمه، فهو لا يرى أباه وأمه إلا في وقت نادر جداً، مما أدى إلى عقوق من جانب، وأدى إلى انفصام في الشخصية الإنسانية من جانب آخر، كما أدى إلى أن يكون هناك مجرمون في المجتمعات الإنسانية؛ لأنهم يفقدون العاطفة والحنان. وعلى هذا نقول أيها الإخوة! إن الإسلام الذي يطالب المرأة بالبقاء في البيت لا يعني أن يعطل هذه الطاقة، وإنما يعني أن تقوم بدور أكبر من البحث عن الرزق، أما الرجل فهو الذي يطالب بالبحث عن الرزق، فالرجال كما قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، حتى قال علماء الإسلام: إن الزوج يطالب بالنفقة على زوجته، ولو كانت هي غنية وهو فقيراً، حتى لو عجز عن النفقة عليها، وفي مثل هذا الحال لها أن تطلب الطلاق، بناء على عجزه عن النفقة عليها أي حق تطلبه المرأة بعد ذلك؟ وأي هدف تسعى إليه؟ لم يبق بعد ذلك إلا أن تخرج إلى ما فيه هدم أخلاقها، وضرر المجتمع، ودمار الأمم. إن المجتمعات التي خرجت فيها المرأة فلا تعود إلى بيتها إلا في الهجيع الأخير من الليل، هي المجتمعات التي خطط لها منذ أمد بعيد، ودمرت تدميراً حتى لم يبق لديها رصيد من الفضيلة، أما الإسلام فإنه يعطي كل ذي حق حقه، ويلزم الرجل بالبحث عن الرزق، وبالسعي والضرب في أرجاء هذه الأرض؛ حتى يؤمن لهذه المرأة كل وسائل الراحة والمتاع، وعليها أن تبقى في البيت امتثالاً لأمر الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإذا احتاجت للخروج للعلم أو للتعليم، أو لعمل آخر منضبط وفق قواعد الشرع التي جاءت من عند الله ؛ فإن الإسلام لا يعارض في هذا الأمر، لكن خير لها أن تبقى في بيتها حتى لا تضيع هذه الذرية. أما المجتمعات التي خالفت هذا الأمر فجاءت المربيات، ونقلت الأطفال إلى المحاضن، ثم إلى رياض الأطفال، ثم إلى غير ذلك، حتى لربما أن هذه الأم لا ترى طفلها بعد ساعة الولادة إلا بعد مدة طويلة من الزمن، ومن هنا تفقد العاطفة بين الأبوة والأمومة والطفولة، وحينئذ لا تسأل عما يصل إليه ذلك المجتمع، ويكفينا دليلاً على ذلك ذلك الانفصال النكد بين أفراد المجتمعات الإنسانية التي فقدت هذه العاطفة وهذا الحنان، حتى لا نرى أن هناك علاقة وثيقة بين الأب وأبنائه، وبين الأبناء وأبيهم وأمهم. إن من أهم مصالح هذا القرار للمرأة في البيت أن يسلم المجتمع من النظرات الحرام التي توزعها المرأة في المجتمع حينما لا تتقيد بأوامر الله .

стр. 252

عدم التبرج والسفور قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، التبرج: مأخوذ من البرج، والبرج معناه: الشيء المرتفع الذي يرى من بعيد، ويقال للسفينة الكبيرة: بارجة؛ لأنها ترى من بعيد، كما يقال للبرج برجاً؛ لأنه يرى لارتفاعه من بعيد، والمرأة المتبرجة: هي التي تكشف شيئاً من جمالها ليراها الناس كما يرى البرج من بعيد، وكما ترى البارجة من بعيد. وهذا الجمال الذي جعله الله زينة لها ليكون سبيلاً لربط العلاقة بينها وبين زوجها، لا يجوز أن يكشف إلا حيث أباح الله بقوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية. والتبرج يشمل عدة أمور نشاهدها في عالمنا اليوم منها: إظهار جمال الجسد، كما تفعل كثير من النساء الساقطات، حينما تخرج شعرها ونحرها وساقيها، ولربما شيئاً من فخذيها وذراعيها، حتى لقد تطور الأمر إلى أن وجدت هناك نساء شبه عاريات ترى في بعض بلاد المسلمين! فكان سبباً للفتنة. وإذا قيل لتلك المجتمعات: إن هذا سبب دمار الأمة، قالوا: إن الوحشة بين الذكر والأنثى تزول حينما تتبرج المرأة وتكشف زينتها؛ لأنها تصبح أمراً مألوفاً! قاتلهم الله أنى يؤفكون! ونرد عليهم من خلال واقعهم ونقول: إن مجتمعاتكم التي كشفت عن جمال المرأة وعن جسدها، حتى وصلت إلى الحضيض، وسقطت أنظمتكم بمقدار سقوط أخلاقكم، وكلما هبط الإنسان درجة هبط القانون درجتين ليسدل ستاراً على ذلك الواقع المرير هل استطعتم من خلال هذا الهبوط، ومن خلال هذا التبرج، ومن خلال هذا الاختلاط، ومن خلال تلك العفونة وذلك الانحطاط هل استطعتم أن تقضوا على الفاحشة كما تزعمون؟! إنكم تقولون: إن الشهوة بين الرجل والمرأة نستطيع أن نقضي عليها من خلال هذا التبرج ومن خلال الاختلاط إلى غير ذلك، ونقول: إن الفواحش والجرائم والسطو والزنا والإجرام ينتشر في بلادكم بمقدار ما تنحرفون عن منهج الله وعن دين الله، وبمقدار ما تسقط فيه المرأة وتتبرج. وعلى هذا فإن الله يريد المرأة المسلمة ألا تتبرج: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، سواء في ذلك التبرج الذي هو إخراج الزينة، أو التبرج الذي هو إخراج تقاسيم الجسد في الملابس الضيقة من البنطال وغيره، أو التبرج الذي هو لبس الملابس الشفافة، أو الرقيقة، أو الجميلة الفاتنة، أو التعطر والتطيب، كل ذلك داخل في التبرج الذي حرمه الله . يقول الله : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، وهذا يدل على أن هناك جاهليتين، وفعلاً هناك جاهليتان: جاءت الجاهلية الأولى فتفسخت فيها المرأة، حتى كان من بقاياها أن طافت حول البيت عارية، تضع يديها على سوءتها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله تفسخت المرأة، وانتشر الفساد؛ فكان سبباً في سقوط الأمة في الجاهلية الأولى. ثم جاءت الجاهلية الثانية تحمل رد فعل لما فعلته الجاهلية الأولى، فبالغوا في حماية المرأة مبالغة شديدة، حتى أدى إلى أن أحدهم -والعياذ بالله- ﴿َإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]، يقول الله : ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]، فربما يصبر على هذه المرأة، ويشعر بالخيبة والضياع حينما تولد له امرأة، فإما أن يمسكها على هوان، وإما أن يدفنها وهي حية، وهو الوأد الذي يقول الله عنه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، ثم جاء الإسلام فلا هو بالجاهلية الأولى التي تتبرج فيها المرأة، ولا هو بالجاهلية الثانية التي يبالغ فيها بحماية المرأة حتى يؤدي إلى وأدها، وإلى الشعور بالذلة والمهانة والسوء حينما يبشر أحدهم بالأنثى، أي: بالبنت تولد له، فالله يقول: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: لا تتبرجن كتبرج الجاهلية الأولى.

стр. 253

إقامة الصلاة يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وإقامة الصلاة تعني: تطهير المجتمع من الفساد، والرجل والمرأة جميعاً مطالبان بإقامة الصلاة، والصلاة طهارة للمجتمع، كما قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وكما شبهها الرسول ﷺ بنهر غمر جاري بباب أحدنا يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ لا يبقى من درنه شيء. إن المجتمعات المصلية التي تؤدي الصلاة كما أمر الله هي المجتمعات المحافظة على عزتها وكرامتها، وعلى طهارتها ونقائها، والمجتمعات الفاسدة التي ليست فيها الصلاة، وليس من تكاليفها الصلاة أو لا تقيم الصلاة، مجتمعات منحطة، مجتمعات فاسدة، تنتشر فيها الفواحش الظاهرة والباطنة. إن الصلاة طهارة للمجتمع، وكذلك الزكاة؛ سواء في ذلك زكاة المال، أو الزكاة بمعنى الطهارة.

стр. 254

طاعة الله ورسوله قال تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وهذا هو العامل السادس من العوامل التي تطهر المجتمع: طاعة الله وطاعة رسوله، ومعنى طاعة الله وطاعة رسوله: امتثال أمر الله، ولو أدى ذلك إلى معصية الهوى والشهوة، ولو أدى ذلك إلى مخالفة ما يدسه أعداء الإسلام في المجتمعات الإنسانية، الله تعالى يريد لهذا المجتمع أن يكون طاهراً نقياً، وأعداء الإسلام يريدون أن يكون مجتمعاً ساقطاً منحرفاً قد ظل الطريق، ولذلك فإن المرأة مطالبة بأن تطيع الله ورسوله في كل أمر من أوامر الله ورسوله ﷺ ، لا تقدم على ذلك شهوة، ولا موضة، ولا رغبة من رغباتها، ولا مخططاً من مخططات أعدائها، ولا انحرافاً من الانحرافات التي يبثها أعداء الإسلام في المجتمع، وحينما تقدم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على طاعة أعدائها؛ تكون لها السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 255

الدعوة إلى الله تعالى ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، معنى (اذكرن) أي: تذكرن، فتذكري أيتها الأخت المسلمة وأنت تعيشين في بيت مسلم، في عصبة زوج مسلم، أو في كفالة أب مسلم، أو في حفظ وصيانة أخ مسلم، وفي مجتمع مسلم - تذكري هذه النعمة، واعتبريها من أكبر نعم الله عليك، وانظري يميناً وشمالاً إلى النساء الساقطات الكافرات نساء جهنم؛ فاشكري نعمة الله . كما أن هذه الآية أيضاً تطالب المرأة بتبليغ دعوة الإسلام؛ لأن معنى (اذكرن) أي: بلغن أيضاً، فإن المرأة المسلمة كالرجل المسلم؛ بل ربما تكون أحوج إلى أن تتحمل هذه المسئولية في أيامنا الحاضرة من الرجل، في وقت وجهت مخططات رهيبة إلى النساء وإلى الفتيات المسلمات، هذا الموقف يتطلب من الأخت المسلمة، ومن الشابة المؤمنة، ومن الزوجة الصالحة، ومن الأم التقية أن تؤدي هذه الأمانة، أي: أمانة التبليغ، وأمانة الدعوة إلى الله ؛ حتى تنتشل هذه النساء المسكينات، اللواتي ربما نجحت فيهن مخططات أعداء الإسلام. إن تبليغ دعوة الإسلام، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن محاربة المخططات الرهيبة التي يقوم بها أعداء الإسلام في أيامنا الحاضرة مسئولية الجميع، الذكر والأنثى على حد سواء، وهي مسئولية المرأة أيضاً في الدرجة الأولى؛ فإن النساء تتأثر بالنساء، وإن المرأة تسمع من المرأة، وتختلط بها، وتدرك أخطاءها وعثراتها، ولذلك فإنا ندعو الأخت المسلمة لاسيما في عصر الصحوة الإسلامية المباركة والحمد لله، لاسيما في عصر صار نصيب المرأة من الصحوة الإسلامية، ومن الاتجاه إلى دين الله أكثر بكثير والحمد لله من نصيب الشباب، وصدقوني أيها الإخوة! من خلال أسئلة تأتي عن طريق الهاتف تتكرر في الساعة عشرات المرات من أخوات يسألن عن أمور الورع، وعن قيام الليل، وعن صوم النوافل، وعن الأمور التي ربما ما كان الناس يفكرون بها في يوم من الأيام، مما يدل دلالة واضحة على أن هذه الصحوة -ولله الحمد- لدى فتياتنا وأخواتنا أكثر بكثير مما هو لدى شبابنا الذي اتجه إلى ربه والحمد لله في هذه الأيام. وهذه الفرصة تتطلب عملاً جاداً من الرجل والمرأة، ومن المرأة بصفة خاصة إلى النشاط في الدعوة إلى الله ، إلى توزيع الشريط الإسلامي، والكتاب الإسلامي، والكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والتخويف بالله ، والتذكير به، وبيان مخططات الأعداء، وبيان ما يحيكه أعداء الإسلام ضد هذا الدين بصفة عامة، وضد المرأة بصفة خاصة. إن قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٤]، أمر للمرأة بصفة خاصة أن تبلغ دعوة الإسلام، وأن تغتنم الفرصة، وألا تفوتها داخل المدرسة وداخل السوق حينما ترى امرأة متبرجة، وداخل المنزل، وفي كل حال من حالاتها، لا تغفل عن هذا الأمر؛ فإنها مسئولية عظيمة، عجزت عنها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، نقول للأخت المسلمة: افهمي معنى قول الله : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].

стр. 256

الأخطار العظيمة المحدقة بالمجتمعات الإسلامية إن هناك أخطاراً عظيمة حلت في المجتمعات الإنسانية؛ بل وفي المجتمعات الإسلامية، إن عصر التقنيات الحديثة الذي نعتبره من جانب نعمة من نعم الله ، هو في الحقيقة قد فتح أبواباً كثيرة من أبواب الشرور والمصائب، فكان من هذه الوسائل الحديثة ما حمل هذا السم، ونقله إلى قعر بيوت المسلمين؛ فجاءت الصحف المصنعة والوافدة بأفكار مسمومة، وقصص غرامية، وصور فاتنة، ابتداء من صورة الغلاف إلى آخر صفحة من صفحاتها، وغزت الأمة الإسلامية، ودخلت إلى قعر بيوت المسلمين، وإني لأعجب كل العجب حينما أرى أن طائفة من الآباء وأولياء الأمور لهذه النساء هم الذين يشترون هذه الصحف المتفسخة الفاتنة؛ ليهدوها هدية إلى نسائهم داخل وقعر بيوتهم!! وهذه من المصائب والبلايا التي حلت بالأمة الإسلامية؛ لأن المرأة أصبحت تقرأ وتتطلع إلى أن تقرأ إلى كل شيء في هذا المجتمع، أضف إلى ذلك ما مني بها عالمنا الحاضر في دنيا الناس اليوم من الأفلام التي وصلت إلى قعر بيوت المسلمين بوسائل متعددة؛ سواء في ذلك التي تأتي بطريق رسمي، أو بطريق غير رسمي، من الفيديو وغيره. وعلى هذا نقول: الأمر خطير، فإننا نرى أن جزءاً من وقت فتياتنا العفيفات الطاهرات يصرف في مشاهدة هذه الأفلام بواسطة التلفاز أو الفيديو أو أفلام السينما أو ما أشبه ذلك صور شبه عارية، وقصص غرامية، وخيانات زوجية، وأمور عظام لا يستطيع أن يتحملها عقلاء الرجال فضلاً عن عامتهم، فضلاً عن المرأة التي تتعامل في المجتمع مع عواطفها أكثر من عقلها. أمور أخرى وأهمها: الانفتاح الشديد المفاجئ لبيئة مثل بيئتنا هنا بيئة محافظة والحمد لله، انفتاح شديد وسريع مفاجئ، فما هي إلا سويعات وإذا بهذه المرأة تصل إلى أقصى بلاد العالم، لاسيما فيما يسمونه: (شهر العسل)، الذي تفاجأ فيه المرأة المحصنة العفيفة الطاهرة التي تعيش داخل أسوار أمينة، ثم إذا بها تنتقل إلى بيئة بعيدة كل البعد عن أخلاقها وما اعتادته، ثم إذا بها تتأثر بسرعة، لتعود إلى بلادها وهي تشعر بأن ذلك العالم هو العالم المنفتح. وعلى هذا نقول: إن هناك أخطاراً عظيمة غزت العالم الإسلامي، وهناك وسائل تقنية حديثه نقلت الغث والسمين، والضار والنافع -إن كان هناك شيء نافع- إلى قعر بيوت المسلمين، وأصبح الرجل داخل بيته يشعر باللوعة والأسى، ويعض أصابع الندم، ويضرب يداً بيد، لا يدري ماذا يفعل أمام هذه الفتنة التي لم تدع بيت شعر ولا مدر إلا دخلته! ثم بعد ذلك ربما يكون هو متسبباً، وهو الذي جاء بهذه الفتن حتى أدخلها داخل البيت. كل ذلك وغيره من الكتب المسمومة، والأفكار المنحرفة، والدعايات المضللة، ودعاة الباطل على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وأصبحوا يشتغلون من خلال هذه الوسائل الحديثة، فأصبح الأمر خطيراً، وربما يعجز المصلح في هذه الظروف أن يصلح ما دامت هذه البيئة فيها شيء من هذا اللوث وهذا الانحراف، فما هو العلاج؟

стр. 257

العلاج من الوقوع في تلك الأخطار العلاج أن تتضافر كل الجهود، وأن يتقي الله كل المسئولين، سواء كان على المسئوليات الكبرى، أو على المسئوليات الصغرى، أم على مسئولية صاحب البيت، وصاحب الأمانة الذي استرعاه الله على أغلى شيء في هذه الحياة وهي الأهل والذرية، ليتقوا الله جميعاً، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] نعم آن، ثم يقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧]، فهناك أمل؛ فكما تحيا الأرض بعد موتها قد تحيا القلوب الميتة، التي طال عليها الأمد فقست. ألم يأن للمسئولين عن الإعلام في بلاد المسلمين أن يتقوا الله ، وألا ينشروا إلا ما فيه خير، أو ما لا ضرر فيه؟! ألم يأن لأولياء البيوت وللآباء، ولمن استرعاهم الله على هذه الأمانة، وسوف يسألهم الله عن عن هذه الأمانة، أن يتقوا الله في هذه البيوت البريئة، وأن يتقوا الله في هذه الفطرة النظيفة الطاهرة النقية، حتى لا يكدروها بما حرم الله ، فلا يجلب لهذه البيوت الوسائل الفاتنة المرئية أو المسموعة أو المقروءة؟! يتقون الله في هذه الأمانة، فإن الرسول ﷺ يقول: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). فما هو موقفك بين يدي الله يا أخي المسلم! إذا أوقفك الولد يحاسبك ويقول: يا رب! إن أبي هذا خانني، أو أوقفتك البنت التي لم تؤد حق الله في تربيتها وتطهيرها وإنقاء أخلاقها وتقول: يا رب! زد أبي هذا عذاباً ضعفاً في النار، إنه خانني؛ لأنك لم تربها التربية الصحيحة، ولم تطلعها على المنهج الصحيح الذي يجب أن تكون عليه النساء الفضليات، بل ربما تكون أنت السبب في إحضار بعض الوسائل التي كان لها أثر فعال، ومصيبة وفتنة في أخلاقها ودينها وسلوكها؟! من خلال ذلك نستطيع أن نربي المرأة المسلمة التي هي أمانة في أعناقنا منذ طفولتها، وبعد أن تشب عن الطفولة، وحينما تكون شابة؛ حتى نسلم هذه الأمانة لزوجها ليتحمل بقية المسئولية وبقية المشوار. أما ما عليه هؤلاء الناس في كثير من الأحيان فإنه أمر خطير جداً، فقد أصحبت هذه الأوبئة، وهذه الأفلام والمسلسلات، وهذه الصور الفاتنة تفتك بالشباب والشابات، تشحذ الهمم، وتثير الغرائز، فإذا بها تكون في المجتمع فتنة عمياء صماء، يضاف إلى ذلك ما مني به المجتمع الإسلامي بصفة خاصة من غلاء في المهور، ومن عزوف عن الزواج، ومن خلل في الأنظمة الاجتماعية، كل هذه لها الأثر مع ما سبق مما خططه أعداء الإسلام لينشروا الفساد والرذيلة. ونختم حديثنا بقول الله موجهاً للمرأة المسلمة بل ولوليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]، ثم يوجه الله بعد ذلك الخطاب للذين يريدون أن ينشروا الفساد في المجتمعات الإسلامية فيقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠ - ٦٢]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسال الله أن يثبت الأقدام على ما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 258

وقرن في بيوتكن لقد خاطب الله في القرآن الرجال والنساء بخطاب عام على السواء، ثم إنه سبحانه خص النساء بالخطاب في بعض الآيات لأهمية الموضوع الذي يتناولهن، ومن هذه المواضيع المهمة ما تناولته آيات الأحزاب من الأمر بطاعة الزوج، والصبر على قلة ذات يده، وترك التبرج والسفور، وعدم مخالطة الرجال أو مصانعتهم بالكلام المثير لغرائز النفوس وشهواتها، والالتزام باللباس الشرعي الساتر كما أمر الله تعالى.

стр. 259

تفسير آيتي التخيير من سورة الأحزاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ وبارك، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٣٤]. أما بعد: أيها الإخوة! درسنا هذه الليلة إن شاء الله في صفات المرأة في سورة الأحزاب، وهذه السورة ركزت على تربية المرأة، وكانت الآيات التي سنشرحها تربيةً لأفضل نموذج لنساء العالمين، زوجات رسول الله ﷺ . وهذه التربية ليست خاصة بزوجات رسول الله ﷺ ، وهذه الأوامر التي سمعتموها ليست خاصة بهن، لكنها لزوجات رسول الله ﷺ من باب أولى، فهي للمرأة الفاضلة، وبمقدار ما تزيد المرأة فضلاً يكون نصيبها من هذه الأخلاق أكثر وأفضل، ولذلك تجدون في آخر الآيات كما سيأتينا إن شاء الله في آخر السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٥٩ - ٦٢].

стр. 260

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها) تبدأ الآيات بصفات زوجات رسول الله ﷺ ، أي: الصفات التي يجب أن تتحلى بها المرأة المسلمة عموماً، لكنها يجب أن تبدأ من أفضل النساء وتنتهي بأي امرأة مسلمة، وسبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩] أن زوجات رسول الله ﷺ ، اتفقن ذات يوم على أن يطلبن النفقة؛ لأن الرسول ﷺ وهو الذي لو شاء لسارت معه جبال الدنيا ذهباً وفضة- قد قدر الله عليه عيشه فلم يوسع له؛ لأن له الحياة الآخرة، فكن في ضيق من العيش، وضنك من النفقة، فاتفقن ذات يوم على أن يقدمن احتجاجاً، يطلبن فيه زيادة في النفقة. فدخل أبو بكر وقد ظهرت علامات الغضب على رسول الله ﷺ ، فأراد أبو بكر ﵁ من رسول الله ﷺ أن يبتسم، فقال: (يا رسول الله! لو رأيت زوجتي طلبت مني نفقة فقمت فوجأت عنقها؛ فابتسم رسول الله ﷺ ، وقال: هن هؤلاء حولي يطلبن النفقة، فقال: يا رسول الله! إن شئت أقوم فأجأ عنق عائشة -أي: بنته- قال: لا)، ثم بعد ذلك أنزل الله هذه الآيات، يخيرهن بين زينة الحياة الدنيا وبين المتاع الخالد في الحياة الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب:٢٨]، المتاع اللذيذ، القصور الفارهة، هذا ليس عند رسول الله ﷺ ، وإنما هو عند غير الرسول الله ﷺ الذين وسع الله عليهم في الرزق، أما إذا كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فعليكن أن تصبرن على شظف العيش في بيت رسول الله ﷺ ، فقلن كلهن: بل نختار الله ورسوله، فبعد ذلك نهى الله تعالى رسوله ﷺ أن يتزوج عليهن كما سيأتينا في آيات لاحقة إن شاء الله. إذاً: هذا هو سبب نزول هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]. وعلى هذا فإن المرأة المسلمة إذا اختارت الرجل الصالح فلم يوسع الله له متاع الحياة الدنيا أو لم يعطه من الشرف ما أعطى سائر الناس، أو غيره من أمور أخرى تهواها المرأة، فعليها أن تصبر وتتحمل؛ لأن هذه هي سنة الله في هذه الحياة، ولربما يفتح الله لهذا الإنسان الحياة الدنيا، ويعطيه أيضاً الحياة الآخرة، لكن المرأة الصالحة عليها دائماً وأبداً أن تختار السعادة الخالدة، وأن تختار الرجل الصالح، فنساء الرسول ﷺ اخترن رسول الله ﷺ ، ولو كان هناك شظف شديد من العيش.

стр. 261

مراحل علاج الرجل للمرأة قبل الطلاق (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) المال، (وَزِينَتَهَا) القصور والمتاع والطعام اللذيذ، (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلًا) والتمتيع هو مالٌ يدفع عوضاً عن الفراق، وهذا كان واجباً، ثم صار سنة عند فراق المرأة أن يدفع لها الزوج شيئاً من المال تطييباً لخاطرها عند الفراق، وإذا كان هناك مهر مؤخر فعليه أن يدفعه في مثل هذه الحال، وإذا لم يكن هناك مهر مؤخر فمن السنة والأفضل أن يمسح دموع هذه الزوجة المطلقة التي فاتها هذا الزوج الذي عاشت معه مدة من الزمن، ويسمى التمتيع، ثم يكون بعد ذلك الطلاق. والطلاق: هو المراد بالسراح الجميل، ولا يجوز أن يكون ألعوبة بأيدي العابثين، ولذلك سماه الله تعالى سراحاً جميلاً، وهناك سراح غير جميل، وهو أن يتخذ ذلك الإنسان هذه المرأة ألعوبة يطلقها اليوم، فإذا أوشكت عدتها على النهاية راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها إذا أوشكت على النهاية، ثم طلقها، فبدلاً من أن تصبح العدة ثلاثة أشهر فتصبح تسعة أشهر، وهذا إيذاء للمرأة وليس بالسراح الجميل. ولذلك فإن الطلاق الصحيح هو طلاق السنة: أن يعزم على الطلاق بعد أن يكون لا مناص هناك من الطلاق؛ لأن الطلاق هدم للأسر، فلا يقدم عليه الإنسان إلا في حالات ضرورية ملحة تلزم هذا الإنسان بالطلاق، أما أن يتسرع هذا الإنسان ويتخذ المرأة ألعوبة، فيتزوج اليوم ويطلق غداً لتصبح هذه المرأة غير مستقرة الحياة لا تبني لها عشاً ولا بيتاً فإن هذا لا يقره الإسلام، فلا يتزوج إلا وعنده رغبة في الحياة الطويلة معها، ثم عند الضرورة هناك علاج في القرآن في سورة النساء يذكر كيف يعالج الإسلام قضية الطلاق، وهو أنه إن كرهها فعليه أن ينظر إلى كثير من صفاتها الأخرى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]، ويقول ﵊: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر)، قد تكون غير جميلة لكنها امرأة صالحة، قد تكون غير جميلة لكنها تنجب له أولاداً صالحين، وهكذا. فالمسلم ينظر إلى المرأة من عدة جهات لا من جهة واحدة، ولذلك الذين يتسرعون في أمر الطلاق يخطئون في حق المرأة وفي حقوق أنفسهم، وفي حق الأولاد إن كان هناك أولاد، وفي حق المجتمع؛ لأن المجتمعات التي تكثر فيها المطلقات يكثر فيها الفساد، وهذا شيء مشاهد، لاسيما في عصر يكثر فيه النساء ويقل فيه الرجال، فلا تكاد المرأة المطلقة تتزوج. ثم بعد ذلك إذا توترت العلاقات بين الزوج والزوجة فقد قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، ثلاثة أنواع من أنواع التربية: وعظ وتخويف بالله، ثم هجر في المضجع، فإذا نام يجعلها على جهة القفا، فإذا لم ينفع فيها ضربها ضرباً غير مبرح، وهو نوع من التربية، وهذا الضرب وإن كان ضرباً تكرهه المرأة إلا أنه غير مبرح، وهو أيضاً لمصلحة المرأة؛ لأن هذا خير لها من الطلاق. ثم بعد ذلك إذا أعيت هذه العلاجات كلها قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]، فيتدخل العقلاء بعدئذ ويأتي حكمٌ من قبل الزوج وحكمٌ من قبل الزوجة، ويدرسان الوضع، فإذا وجدا أي طريق للإصلاح فعليهما أن يسعيا به، أما إذا لم يكن هناك طريق للإصلاح فلهما الحق في الفراق؛ لأن الله تعالى يقول بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠]، هذا هو الطلاق في الإسلام، وليس هو الطلاق في نظر الجاهلية.

стр. 262

الرد على من ينتقد جعل الطلاق بيد الرجل ينتقد أعداء الإسلام الطلاق في الإسلام، ويقولون: الإسلام يتلاعب بالمرأة، وللرجل أن يطلق متى شاء، بل هناك دول إسلامية مع الأسف تطالب الآن أن يكون الطلاق بيد المرأة لا بيد الرجل؛ وهذا أخطر شيء في حياة الأمة، لأنه لو كان الطلاق بيد المرأة لوقع في ليلة الزفاف؛ لأن المرأة بطبيعتها وعواطفها وسرعة تصرفها لا تستطيع أن تمسك غضبها، وأن تمتلك عصمة الزواج في أي غضبة، فربما تندفع في أي لحظة فتطلق هذا الزوج، لكن حكمة الله غالبة حيث جعل الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة؛ لأسباب كثيرة، وأهمها: العقل الذي يمتاز به الرجل وضبط النفس، وعدم الاندفاع مع العواطف. ثانياً: الرجل هو الذي يدفع المال، فلو كانت المرأة تطلق متى شاءت لأصبح الرجل هو الذي يكون ألعوبة، اليوم يتزوج فلانة ويدفع لها كل ماله، ثم تطلقه غداً، وهكذا. إذاً: سنة الله هي الحكمة والمصلحة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٩]. إذاً: الذين يتلاعبون في حقوق المرأة ليس الإسلام مسئولاً عن تصرفاتهم، وذلك حينما تصبح العدة تسعة أشهر بدل ثلاثة أشهر، لأنه يطلق فيراجع في آخر المدة، ثم يطلقها بعد أيام، ثم يراجعها وهكذا، وربما تبقى معلقة مدى الحياة، وهذا خلاف سنة رسول الله ﷺ .

стр. 263

بيان طلاق السنة وتحريم طلاق البدعة سنة رسول الله ﷺ في الطلاق، أنه إذا عزم ولم يكن هناك مناص ولا طريق للإصلاح فإن عليه أن ينظر في أيام طهرها، فإذا كانت طاهراً غير حائض، ثم كان هذا الطهر لم يجامعها فيه فإنه يطلق طلاق السنة وهي طلقة واحدة، ثم يتركها حتى تنتهي هذه العدة فإذا انتهت هذه العدة، فهذا هو الطلاق الذي أشار الله إليه بقوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:٤٩]، وهو الذي أشار الله إليه بقوله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، وهذا هو طلاق السنة، أما الطلاق في أيام الحيض فهو بدعة ومحرم، ولذلك بعض العلماء لا يوقعه، يقول: ليس هذا بطلاق، ولا يقع. كذلك الطلاق ثلاثاً نعوذ بالله، شخص يعطيه الله ثلاث فرص في الطلاق، لعله أن يستعيد المرأة، ولعله يفكر فيها مرة أخرى، لكنه يغضب ولو عند طعامه إذا تأخر أو عند أي مشكلة بسيطة فيقول لزوجه: أنت طالق ثلاثاً، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الطلاق أيضاً لا يقع؛ لأنه محرم وكل محرم لا يقع؛ ولأن الرسول ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). وعلى كل فإن المرأة ليست ألعوبة، ولعل هذا اللعب الذي يفعله كثير من الجهال أو طائفة الجهال، هو الذي جرأ أعداء الإسلام اليوم على أن يقولوا عن الإسلام ما يقولون، أما الإسلام فإنه براء مما يقوله هؤلاء الكاذبون المفترون.

стр. 264

أجر المرأة إذا صبرت على شظف العيش وحقها في طلب الفراق قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٢٩]، أي: البقاء في عصمة رسول الله ﷺ ، أو في عصمة رجل صالح، مع شظف العيش وقلة المال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]، وجواب الشرط محذوف: أي: وإن كنتن تردن الله ورسوله فإن ذلك خير لكن (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً) وهذا دليل على أن الأجر عظيم إذا تحملت المرأة شظف العيش مع زوجها، لاسيما إذا كان الزوج معسراً، مع أن الإسلام أعطى المرأة حق طلب الفراق إذا أعسر الزوج، وهذا من تكريم الله للمرأة، فإذا أعسر الزوج -ولو كانت المرأة غنية، لكنها لا تريد أن تنفق على نفسها من مالها- فلها أن تطلب الطلاق، والعلماء يقولون: يفرق بينهما، فأي تكريم للمرأة أعظم من هذا التكريم؟! قاتل الله أعداء الإسلام الذين يتهمون المرأة بالإهانة. لو كانت هي موسرة والزوج معسراً وعندها مال كثير جداً فإنها لا تلزم بالنفقة على نفسها، فلها أن تطلب الفراق إذا عجز الزوج عن النفقة، لكن خير لها أن تبقى في عصمة رجل صالح ولو كان معسراً ما دامت تجد أن هذا الرجل فيه صلاح وتقى، وذلك خير لها من أن تتحمل رجلاً فاسقاً ولو كان صاحب مركز، ولو كان أثرى الناس، ولو كان يملك كل أموال الحياة الدنيا، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [الأحزاب:٢٩]، فالصبر على شظف العيش مع الزوج الصالح هو ابتغاء مرضاة الله ورسوله، وابتغاء الدار الآخرة، والمراد بالدار الآخرة هنا الجنة. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٢٩]، وهذا أعظم درجة الإحسان، أن تتحمل المرأة شظف العيش عند الرجل الصالح، ما دام هذا الصالح يوجهها إلى ما يرضي الله .

стр. 265

إخبار الله بمضاعفة الثواب أو العقاب لزوجات رسول الله ﷺ ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]. لو أن واحدة -وحاشا لفراش رسول الله ﷺ أن يكون فيه فاحشة- فعلت الفاحشة وهي في فراش رسول الله صلى الله ﷺ -يعني: زوجة له- فإنها تأخذ العذاب ضعفين، حتى قال بعض المفسرين: (ضعفين) أي يضاعف لها عدة مرات؛ لأن الضعف يساوي مرتين. فالعقوبة في خيانة بيت النبوة عظيمة جداً، وكذلك بيوت الرجال الصالحين الأتقياء، وليس معنى ذلك أن خيانة البيوت الساقطة أمر مباح، لكن خيانة البيوت النظيفة الطاهرة الطيبة أمر أخطر وأشد عند الله ، وهذا دليل على تكريم المرأة أيضاً؛ لأن المرأة حينما تفسد بيتاً صالحاً يزيد إثمها، وتزيد عقوبتها، وحينما تصلح في بيت صالح تؤتى أجرها مرتين، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١]. إذاً: احترام فراش الزوج أمر مطلوب من كل امرأة، وإذا كان الفراش أطهر وأنقى فإن المرأة تطالب باحترام هذا الفراش أكثر من أي فراش آخر، فإذا خانت الأمانة في بيت رجل صالح كان جرمها أكبر وأشد، وإذا أدت الأمانة وحفظت نفسها في بيت رجل صالح أو في بيت رسول الله ﷺ ، فإنها تؤتى أجرها مرتين. يقول الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب:٣١]، والرزق الكريم هنا هو الجنة، وهذا دليل أيضاً على أن المرأة يجب أن تخشى الله ، وألا توطئ فراش زوجها من يكرهه بأي حال من الأحوال، أي: تدخله بيته.

стр. 266

صفات زوجات رسول الله ﷺ في آيات الأحزاب ثم يذكر الله عن الصفات التي يجب أن تتصف بها زوجات رسول الله ﷺ ، وهي في الحقيقة صفات لكل زوجات المسلمين. وأريد أن نصيخ بآذاننا إلى هذه الصفات لنلقي من خلال هذه الصفات نظرة أخرى على المجتمع، وهل المجتمع الذي نعيشه الآن يطبق هذه الصفات، أو لا يطبق هذه الصفات؟ وبعد أن نقارن بين ما أراده الله للمرأة المسلمة أياً كانت هذه المرأة المسلمة وبين الواقع علينا أن نعود إلى الله تائبين، وإن كان هناك شيء في أهلينا يختلف عن المنهج الذي جاء به الرسول ﷺ من عند الله فإننا نصححه. يقول الله تعالى عن صفات المؤمنات وهي تبدأ بصفات زوجات رسول الله ﷺ أولاً، وتنتهي في أي امرأة مسلمة: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]. يعني: أنتن تختلفن عن نساء العالمين جميعاً؛ لأنكن تعشن في بيت النبوة، ولأنكن زوجات خير البرية ﷺ ، فلستن كأحد من النساء. ثم ذكر الله الصفات التي يجب أن تتحلى بها زوجات رسول الله ﷺ في الدرجة الأولى، وتتحلى بها كل امرأة مسلمة في الدرجة الثانية، وهي: أولاً: (إِنْ اتَّقَيْتُنَّ) وهذه الصفة الأولى. ثانياً: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ). ثالثاً: (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا). رابعاً: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ). خامساً: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى). سادساً: (وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ). سابعاً: (وَآتِينَ الزَّكَاةَ). ثامناً: (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). تاسعاً: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]. فهذه تسع صفات لا بد لكل امرأة تريد سعادة الدنيا والآخرة أن تتسم بهذه الصفات التسع، وأي امرأة تخرج من هذا الإطار ومن هذا المنهج ومن هذه الصفات فهي معرضة للنار؛ لأن هذه صفات زوجات رسول الله ﷺ ، اللائي يقول الله عنهن: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:٢٦]، ونحن مطالبون بأن نتبع الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١]. إذاً: ما يطالب به زوجات رسول الله ﷺ في الدرجة الأولى تطالب به كل امرأة مسلمة، وما يطالب به الرسول ﷺ بتربية أهله يطالب به كل واحد من المسلمين؛ لأن هذا المنهج تشريع لكل الأمة، وليس هناك صفة خاصة.

стр. 267

من صفات زوجات رسول الله ﷺ التقوى فالصفة الأولى: هي التقوى: قال: (إِنْ اتَّقَيْتُنَّ) والتقوى صفة جميلة محبوبة في كل خلق الله، لكنها في المرأة أجمل وأحسن؛ لأسباب وأهم هذه الأسباب: أن بعد المرأة عن التقوى خطر عظيم، وليس خطراً على المرأة وحدها فحسب، بل هو خطر على المجتمع؛ لأن أعداء الإسلام في كل عصر وخاصة في هذه الفترة المعاصرة يحرصون كل الحرص على أن تخرج المرأة عن جانب التقوى ليفسد المجتمع؛ لأنهم جربوا كل الأمور ففشلت، ورأوا أن أقرب طريق لحرف الأمة الإسلامية إنما هو المرأة، وهذا عن تجارب مروا بها مع المسلمين: أولاً: جربوا المسلمين بالمواجهة المسلحة، فأصبحوا يواجهون جبالاً، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٦]، وأصبحت الأمة الإسلامية لا تغلب، ولو غلبت في معركة من المعارك فإنها تلم شملها في أسرع وقت ممكن، ثم بعد ذلك تعود لها قوتها في الحال، كانت غزوة الأحزاب، ثم كانت حروب أخرى، ثم كانت الحروب الصليبية، ثم كان الغزو التتري، ثم كان ثم كان حروب كثيرة، بعضها تنتصر فيها الأمة الإسلامية، وبعضها ربما تنهزم فيها في الظاهر، لكنها تستعيد مكانتها في أقرب وقت ممكن. إذاً: فشلت هذه المؤامرة، حتى جاءت الشيوعية تحمى بقوة الحديد والنار، وانتهت الشيوعية وما ارتد مسلم واحد من سبعين مليون مسلم في بلاد الشيوعية عن الإسلام ودخل في منهج الشيوعية أبداً. ثم سقطت الشيوعية وأنهت دورها في هذه الحياة، وجاءت أفكار أخرى قومية وناصرية وعلمانية وهي الآن قد بدأت تهتز، وكلها تساقطت. إذاً: ما هو الطريق لحرف الأمة الإسلامية؟ الطريق هو المرأة، وهذه الفكرة الجديدة التي هي فكرة المرأة ليست جديدة، لكنها تتكرر في كل عصر وفي كل فترة، وفي أيامنا الحاضرة بعدما فشل غزو الأفكار جاء غزو الشهوات، وغزو الشهوات خطير، والدليل على خطورة غزو الشهوات ما يجده الإنسان بطبيعته الفطرية البشرية من ميل إلى المرأة قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤]، لكن هذه الفطرة تتأثر بالعقيدة، ولذلك فإن أعداء الإسلام لا يريدون أن تنحرف الأخلاق فقط، وإنما يريدون أن تنحرف العقيدة، لكنهم يريدون من خلال انحراف الأخلاق أن تنحرف العقيدة تبعاً، فهم يريدون أن تسقط هذه الأمة من عين الله حينما تقع فيما حرم الله، ثم بعد ذلك تسقط في مهاوي الضلال والردى بالنسبة للمعتقدات الفاسدة، ولذلك ركزوا على المرأة في أيامنا الحاضرة، وهذا ما سنتحدث عنه إن شاء الله في آخر الآيات. أما التقوى هنا فهي أمر مهم دائماً وأبداً لا سيما بالنسبة للمرأة، ولذلك تجدون المرأة في مجالها الخاص تتقدم على الرجل، وما تقدمت على الرجل في القرآن ولا في السنة إلا في موضع واحد؛ لأن هذا هو الذي يهم أعداء الإسلام، وهو أن تقع في الفاحشة نعوذ بالله، ولذلك لو تتبعت آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ ، وأحاديث من جاء بعده من سلفنا الصالح ما وجدت المرأة تتقدم إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، ولعل المسلمين ينتبهون للسر في ذلك، وهو ما تملكه المرأة من وسائل الإغراء. إذاً: هذا هو أهم سر في هذا الأمر، لذلك التقوى -التي هي امتثال أوامر الله ، واجتناب نواهي الله ، ولو كان في ذلك معصية النفس والهوى والشهوات- هي أفضل طريق لحماية المرأة في الدرجة الأولى، ولحماية المجتمع في الدرجة الثانية. ولذلك يجب أن تتسم المرة بالتقوى التي هي خشية الله؛ لأن عندها دوافع وعواطف ومغريات، وأمامها إعلاماً فاسداً منحرفاً جاء مرتباً له في كل بلاد الإسلام من أجل أن تنحرف عن الجادة المستقيمة، ولذلك فإننا نقول: يجب على المرأة ألا تنظر إلى هذه المخططات؛ لأن لديها منهجاً عظيماً هو هذا القرآن العظيم: (إِنِ اتَقَيْتُنَّ) فإذا لم تتق الله فلا خير فيها.

стр. 268

من صفات زوجات رسول الله ﷺ عدم الخضوع بالقول ومن مظاهر التقوى: (فلا تخضعن بالقول): ترقيق الصوت أمام رجل ليس من محارمها أمر محرم، لاسيما إذا كان الترقيق يغري، وهو فعلاً يغري؛ لأن المرأة حينما تبتسم في وجه غير محارمها، أو ترقق الصوت، أو تأتي بكلمات لا تتناسب مع الفضيلة ومع مكانة المرأة يطمع فيها من كان في قلبه مرض، بل ربما تكون امرأة عفيفة طاهرة نقية، لكن هذه الكلمة الرقيقة التي ألقتها دون حساب، ربما تطمع فيها من في قلبه مرض، ولذلك فإنه يلزم المرأة ألا تخضع بالقول حتى في قراءة القرآن. تسألنا بعض الأخوات دائماً تقول: لدينا مدرس للقرآن، هل يجوز أن نجمل أصواتنا أمام مدرس القرآن في المدارس؟ والله أنا أعتقد أن ذلك لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذم الخضوع بالقول الذي هو ترقيق الصوت أياً كان ولو في تلاوة القرآن. إذاً: نقول: ترقيق الصوت أمام غير المحارم بأي حال من الأحوال لا يجوز، حتى قراءة القرآن يجب أن يكون بالصوت الطبيعي الذي ليست فيه كلفة، بل لربما نقول لها: تتصنع خشونة الصوت إذا كان صوتها بطبيعته رقيقاً، ولا شك أن الصوت مرض خطير، بل إن الإنسان بطبيعته لربما ينسجم مع صوت المرأة ولو كان عنده ما عنده من الإيمان. إذاً نقول للمرأة: خير لك ألا تثيري الغريزة عند الرجال، ولا يجوز لك أن تفعلي شيئاً من ذلك.

стр. 269

من صفات زوجات رسول الله قول المعروف قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] ما هو القول المعروف؟ هو الذي جرت به العادة، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية: أن المرأة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يطالب الرجل سواءً بسواء، قال تعالى: ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]. وعلى هذا نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الجميع، الرجل والمرأة على حد سواء، فكلهم يطالبون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا كانت المرأة تطالب به وهي حبيسة البيت فالرجل من باب أولى، لكن المرأة أيضاً فيما يخصها هي مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي في مدرستها إن كانت مدرسة أو كانت طالبة أو كانت موظفة، وفي مجتمعها إن كانت تجتمع بأخواتها المسلمات تنكر هذا المنكر كما ينكره الرجل.

стр. 270

من صفات زوجات رسول الله ﷺ القرار في البيت قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]. هناك قراءتان سبعيتان: وقَرْنَ، وقِرْنَ، أما قِرْنَ بالكسر، فهي تؤخذ إما من القرار أو من الوقار؟ أي: أن المرأة تطالب بالوقار، فالتحشم للمرأة والبقاء في البيت أمر يثبت لها الوقار، والمرأة إذا خرجت من البيت ضاع وقارها، وضاعت قيمتها، وضاع وزنها في المجتمع، خصوصاً إذا كان هذا الخروج من غير حاجة. وإذا كان من القرار فمعناه: اقررن أي: ابقين، والقرار معناه البقاء، وهذا هو معنى قراءة الفتح (وقَرن في بيوتكن) من القرار.

стр. 271

ضوابط خروج المرأة من البيت وعلى هذا لا نقول: إنها يحرم عليها الخروج خارج البيت، ولكن أوامر الله تأمرها بالبقاء في البيت ولا تخرج إلا لحاجة ملحة، ولا يعني ذلك أن المرأة لا تتعلم، ولا تذهب إلى المدرسة، ولا تذهب لحاجتها الضرورية، ولا تذهب إلى المستشفى والمصحات، ولا تذهب لزيارة أقاربها، ولكن هذا الخروج له شروط مهمة جداً يجب أن ترعاها المرأة، وإذا لم ترعها المرأة فإن خروجها يعتبر محرماً: يجب أن تخرج محتشمة، وخير لها أن تخرج مع محرمها في سيارته أو في رفقته، وتخرج غير متطيبة ولا متجملة ولا متزينة، ولا تخرج إلا عند الحاجة، أما ما يفعله كثير من نساء المسلمين اليوم نسأل الله لنا ولهن الاستقامة، فإن هذا خطر عظيم حيث أصبح البقاء في البيت عيباً لدى كثير من النساء، حيث إنهن لا يردن أن يكن حبيسات البيوت، مع أنه يعتبر في نظر الإسلام تشريفاً، ولذلك نجد أن الإسلام الذي يأمر المرأة بالقرار والبقاء في البيت هو الإسلام الذي يوجب على الزوج أن يوفر لها كل حاجاتها، حتى لو عجز عن النفقة عليها والبحث عن المال والرزق فالأمر إليها، لها أن تطلب الطلاق لتبحث لها عن زوج آخر، ويجبر هذا الزوج على الطلاق ما دام قد عجز عن النفقة. إذاً: هل هناك ضرورة ملحة تلزم هذه المرأة بالخروج كهذا الخروج الذي نشاهده اليوم في دنيانا؟ الأمر خطير أيها الإخوة! فقد خرجت المرأة وانفلتت في المجتمعات الكافرة أيما انفلات، فأصبح الرجل لا يفكر أن يحصل على زوجته داخل البيت إلا من شاء الله، وأصبح العقلاء من أولئك القوم يضربون يداً بيد، ويقولون: لقد فرطنا في هذه المرأة فقد اختلطت بالرجال، واختلطت بالشباب على مدرج الجامعات وفي المدارس إلى غير ذلك، حتى أدى هذا الأمر إلى ضياع وفساد في المجتمعات الإنسانية، حتى لقد بلغت الإحصائيات في بلاد الغرب للأولاد غير الشرعيين (٧٥%) من المواليد كل سنة، يعني: ثلاثة الأرباع من الأولاد الذين يولدون بطريقة غير شرعية. فمعنى ذلك أن خروج المرأة أوجد هذا الفساد العريض.

стр. 272

انتشار فساد النساء في بلاد الإسلام اترك بلاد الكفر وتعال إلى بلاد الإسلام، لقد بلغ الأمر ذروته، وكاد أن يصل إلى ذلك الحد الذي وصلت إليه بلاد الكفر، وذلك في البلاد الإسلامية التي سبقتنا إلى إخراج المرأة عن بيتها بدون حاجة ولا ضرورة، فقد أصبح الفساد في قمته. أما بلادنا هذه فقد حماها الله بنظام شرعي، وبتحكيم شرع الله، لكني أرى كثيراًً من القوم الذين يسوءهم أن تكون هذه المرأة المسلمة وفق المنهج الذي جاء من عند الله ، يشعرون بالقلق والضيق، ولذلك فإنهم دائماً وأبداً يبحثون عن الطريق التي يخرجون فيها المرأة، لاسيما وأن المرأة أصبحت حياتها غير منضبطة في بلادنا، فالتعليم أصبح ليس له حدود ولا ضوابط في بلاد الإسلام، ممكن أن تبحث عن هذا التعليم في أي حالة من حالاتها ولو كبر سنها ولا تنتهي بمرحلة معينة، بل ولا تنتهي بسن معين، بل وتفكر بالعمل المستمر الدائم، ولو أدى ذلك إلى أن تهمل الحياة الزوجية التي حدد الله لها وقتاً، وقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، إلى غير ذلك. وما تسمعونه من أخبار تفلت النساء في كل بلاد المسلمين إنما سببه ووراءه قوم يحملون خطراً عظيماً على هذه المرأة، حتى سمعنا أن الجامعات التي تختص بالبنين فيها الآلاف من البنات، وحتى سمعنا أن هناك دوائر رسمية مهمة أصبحت المرأة تنافس فيها الرجل. بيدي خطاب من شركة (سمارك) يقول: الآن تكاد النساء أن تغلب الرجال في هذه الشركة، حتى التدريب يختلط فيه البنين والبنات، وحتى إن هناك وظائف لا تصلح إلا للرجال أصبحت تمارسها النساء، وبيدي قصاصة جريدة من رجل مجرم في صحيفة تسمى (الفجر الجديد)، وإن لم تكن من المصنعة في بلادنا لكنها من الوافدة التي فقدت الرقابة، هذا الكاتب يشكر لحكومة الكويت وأنا لا أشبهها إلا ببني إسرائيل، فإنهم حينما خلصهم الله من البحر وجدوا قوماً يعبدون الأوثان: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]. يقول هذا الكاتب: إن حكومة الكويت أحسنت حينما منعت النساء المبرقعات من قيادة السيارة، ولا يقصد أنها أمرتهن بالحجاب، وإنما يقول: لا بد من إزالة هذا الغطاء نهائياً؛ لأنه من يدري من تحت هذا البرقع لعله يكون جاسوساً. قاتلهم الله أنى يؤفكون! الجواسيس يرفعون رءوسهم مكشوفة الوجه لا يحتاجون إلى أن يتستروا، المسلمون والنساء الصالحات هم الذين يحتاجون إلى التستر في مثل هذه الأيام، وعلى هذا نقول: إنها مصيبة وفتنة. وهذه الصحيفة كأنها تتهمنا بأن تخلفنا لأننا لم نسمح لنسائنا على شواطئ البحار بـ (المايوه): فيقول هذا الكاتب: إسرائيل نساؤهم تخرج بالمايوه ولكنها تدافع عن وطنها، أما نحن فقد انشغلنا بلباس المرأة وحلق اللحية والشارب إلخ كلامه. وأصبح يسخر من الدين، والله يا إخوان هذا الإعلام لو وجد في أي بلد من بلاد العالم في أيام عز الإسلام لما كان يسمح له أن يتسرب إلى بلاد المسلمين، ففيه سخرية من اللحية! وسخرية من الدين! فهؤلاء هم الذين ورطوا المرأة فأخرجوها من إطارها، ولعلكم لم تنسوا الفتن التي مرت في بلادنا هنا في أيام المحنة؛ لأن أعداء الإسلام المتربصين يكرهون الدولة، ومن كراهيتهم للدولة كما عرفتم لما انشغلت الدولة بحرب العراق ماذا فعل أولئك؟ جاءوا بكل المشاكل وحشوها في بلادنا هنا؛ من أجل أن يربكوا الدولة ويشغلوها، ولذلك هم يكرهون بقاء المرأة لا من أجل سعادة المرأة، وإنما يكرهون بقاءها في البيت من أجل أن تفسد المرأة، ومن أجل يفسد المجتمع، فماذا أعددنا لذلك أيها الإخوة؟ هؤلاء القوم الذين يكرهون الإسلام ويحقدون على هذه الدولة التي تحكم شرع الله كما أحسبها، ومن أجل ذلك فإنهم يشكلون هذه البلابل في بلاد المسلمين وهذا أمر يتطلب منا الجد، وإذا قام خطيب يقول للناس: اتقوا الله، أصبح موضع شك لدى كثير من المسئولين كما تشاهدونه في كثير من الأحيان. على كلٍ: فإن سعادة المرأة أن تبقى في البيت، وليس معنى ذلك أنها تبقى في الحريم كما يقول أعداء الإسلام، نقول: في البيت؛ لأن لديها دوراً مهماً، هذا الدور لا يقوم به الرجل، ولا يقوم به كل أحد، حتى المربية التي جئنا بها من بلاد الكفر، أو من بلاد الإسلام، وحتى الخادمة وحتى لا يمكن أن تقوم بهذا الدور، ولا يقوم به إلا الأم التي عندها من العاطفة والحنان ما ليس عند أحد آخر. ولذلك الشيوعية لما انتشرت كانت تخرج المرأة عن البيت، وتأخذ الطفل منذ ولادته إلى المحضن، ثم تأخذه إلى روضة الأطفال، ثم بعد ذلك لا يلتقي هذا الطفل بأمه إلا بعد أن يكبر كثيراً، وبعد أن يقسو قلبه فلا يشعر نحوها بالعاطفة، ومن هنا كانت الهوة البعيدة بين الابن وأمه وأهله وعشيرته، من أجل أن يكون الأطفال للدولة، كما قدمتهم في حرب أفغانستان بما يسمى بالكومندوز الذين وجهتهم كأبناء للدولة يقاتلون بهم الأفغان ويعدونهم للحروب. على كلٍ: كفى الله المؤمنين القتال، وسقطت الشيوعية وما عندها من مخططات، وتبين أن بقاء المرأة في البيت هو طريق السعادة.

стр. 273

التزام نساء النبي بالقرار في البيوت يقول الله تعالى لزوجات الرسول ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، حتى إن بعض زوجات رسول الله ﷺ ، قيل لها ذات يوم: لماذا لا تحجين؟ قالت: لقد حججت ما أوجب الله علي، والله تعالى يقول: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ). أي أنه لا حاجة لتكرار الحج مادامت قد أدت فرضها؛ لأن الله تعالى يقول: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ). إذاً: ما رأيك في رجال يذهبون في أيام الصيف، بل في كل الإجازات بنسائهم وأطفالهم وبنيهم وبناتهم إلى بلاد الكفر وبلاد الغرب والبلاد المسلمة المنحلة إذا كانت زوجات رسول الله ﷺ يرفضن تكرار الحج استجابة لقول الله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)؟ وما مصير هؤلاء الذين يذهبون بالنساء المسلمات المحجبات الطاهرات، بل لربما يتزوج ذلك البعيد شابة صالحة تقية قد بذلت جهود كبيرة في سبيل تربيتها، فما خرجت من إطار بيتها إلا في حدود محدودة، ثم يتزوجها ذلك الشقي الذي أساء أبوها اختياره زوجاً لها، فلا تصبح ليلة الزفاف إلا في دولة أوروبية باسم شهر العسل أو ما أشبه ذلك. هذه من المصائب والبلايا أيها الإخوة، فالله تعالى يقول: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، من القرار أو من الوقار. إذاً: بقاء المرأة كما قال الشاعر: عز الفتاة بقاؤها في البيت لا في المعمل والزوج يعمل في الحقو ل وعرسه في المنزل هذا هو النظام المتبع حتى عند العرب قبل الإسلام وبعده، وإذا وجد شيء يخالف ذلك فإن على الأمة الإسلامية أن تعالج هذه المشكلة؛ لأن خروج هذه المرأة من البيت بدون حاجة ولا ضرورة أمر خطير جداً كما جاء في الحديث: (المرأة فتنة فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، أي: ركب عليها حتى يفتن بها الناس.

стр. 274

من آثار عدم التقيد بالشرع في خروج النساء أيها الإخوة! لعلكم تشاهدون من آثار عدم التقيد بأوامر الله ما يحدث في الساحة، سمعنا عن جامعة الرياض وسمعنا وسمعنا عن أشياء كثيرة، ما هو السر في ذلك؟ السر في ذلك هو معصية أوامر الله ، والله يا إخوان لقد وصل إلي كتاب من بنت تدرس في جامعة الرياض، تقول لي: يا إخوتي! اتقوا الله، والله إن هناك فتيات ما دخلت الجامعة مدة سنة كاملة وفصل كامل، مع أنها تأتي إلى الجامعة كل يوم يدخلها وليها من بوابة لتخرج من بوابة أخرى ولا يدري ذلك المسكين، لأنه اندفع وراء مطالب هذه البنت، فصار يذهب بها في الصباح وصارت تنفلت يميناً وشمالاً ويظن أنها في الجامعة، فإذا كان في آخر النهار ذهب يبحث عنها ليأتي بها، وكأنها قد أكلمت دراستها. هذا أمر خطير يا إخوتي! لا بد من مراقبة هذا الأمر، ليست الخسارة مادية، إنها خسارة معنوية عظيمة جداً. إذاً: يجب أن تبقى هذه المرأة داخل البيت بأي حال من الأحوال إلا في حال الضرورة، يذهب بها وليها ويتأكد من بقائها في الجامعة أو في المدرسة، ويجب أن يكون لهذا التعليم حدود، لئلا تطغى مدة هذا التعليم على مدة الزواج. ونتمنى لو فرضت الدولة نظاماً ألا تقبل امرأة في الجامعة إلا بعد أن تثبت زواجها، إلا في حالات خاصة إذا لم يتقدم لها أحد، ولعل ذلك يكون سبباً في إقدامهن على الزواج، أما الآن فكثير من الشباب يتقدم لفتاة، ولكنها تريد أن تكمل الجامعة، ثم إذا أكملت الجامعة تريد أن تعمل، ثم ثم ثم بعد ذلك حتى تنتهي مدتها المحدودة التي تنتهي بعد مدة وجيزة.

стр. 275

من صفات زوجات رسول الله ﷺ عدم التبرج قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]: تصوروا -يا إخوان- تبرج الجاهلية الأولى، حتى الجاهلية الثانية هي خير من الجاهلية الثالثة، وإن من يسير في بلاد الإسلام يرى أن في الجاهلية الثانية ما هو خير بالنسبة لحماية المرأة من الجاهلية الثالثة التي نعيشها اليوم، نعم في الجاهلية الأولى تفسخت المرأة حتى قال بعض المفسرين: إن المرأة وصلت في الجاهلية الأولى إلى أن تكشف عن كل جسدها فيتمتع زوجها بما تحت السرة ويتمتع أصدقاؤه بما فوق السرة، وهذا يوجد الآن في الجاهلية الثالثة في بلاد الكفر وفي البلاد التي انحلت عن القيم نهائياً. وقد طافت المرأة في الجاهلية الأولى عارية حول البيت، وكانت تضع يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله فلما جاءت الجاهلية الثانية التي هي قبيل بعثة الرسول ﷺ خاف الرجال من هذه النساء، فكان كل من ولدت له امرأته بنتاً يخاف أن تفسد كما فسدت المرأة في الجاهلية فكانوا كما قال الله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، يسود وجهه إذا قيل له: ولدت لك بنت، فإن كان عاقلاً تحملها على مضض، وإن كان جاهلاً أخذها في غيبة الناس وحفر لها حفرة ودفنها وهي حية، كما قال الله : ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩]، هذا حدث بهم لأن الجاهلية الأولى فسدت فيها المرأة فساداً ذريعاً، لكن رغم هذا الجرم العظيم الذي أنكره الله فقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، بالرغم من هذا الجرم العظيم الذي وصل إلى قول أحدهم: إياك واسم العامرية إنني أخشى عليها من فم المتكلم هذا البيت ما قيل في الجاهلية الثالثة، وإنما قيل في الجاهلية الثانية، قبيل بعثة الرسول ﷺ يقول: لا تذكر اسم المرأة في مجلس، فإني أخاف عليها أن ينطق بها رجل ليس من محارمها. لكن تعال إلى الجاهلية الثالثة التي انسلخت من الإسلام والعياذ بالله، ماذا حدث؟ حدث كل شيء، وجاءت قوانين وأنظمة تحمي الفاحشة، كلٌ أخذ بنصيب من هذا الفساد، وكانت هناك تمهيدات كالتمهيدات التي توجد في بلادنا اليوم، إعلام يأتي بصحف ومجلات وأفلام ومحرمات، ليعلم المرأة كيف تنحل، فلا تمضي عليها مدة من الزمن إلا وتنحل، حتى وصل الآن إلى وجود نواد للعراة في بلاد الكفر، وحتى وصل الاعتراف بزواج الذكر بالذكر في بعض البلاد. ولما كان هذا الميول المنحرف تتطلبه أفئدة منحرفة جاءت القوانين تنحرف مع هذا الميول، ولذلك كلما هبط الإنسان درجة هبطت القوانين درجتين اثنتين؛ حتى إذا هبط الدرجة الثالثة تكون القوانين تخدم هذه الفكرة الهابطة، فالعراة اليوم على شواطئ البحار، وأظنه موجوداً حتى في بعض شواطئنا نعوذ بالله! لباس لا يكون إلا في فراش النوم، بل لربما يكون أخلع من فراش النوم. إذاً: هذا الأمر خطير لا بد أن تكون له حلول وإلا فإن نقمة الله أقرب إلى أحدنا من شراك نعله؛ لأن الله تعالى يغار على محارمه، ومنها هذا التبرج الشديد الذي ليس كتبرج الجاهلية الثانية وإنما كتبرج الجاهلية الأولى، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، من أجل أن يعلمنا أن هناك جاهليتين: جاهلية تبرجت فيها المرأة، وجاهلية أصبحت كرد فعل للجاهلية الأولى. إن جاهلية اليوم أعظم من جاهلية الأمس؛ فما هو موقف الأمة الإسلامية من هذا الأمر؟ أتريد أن تقلد فيها المرأة المسلمة المرأة الكافرة في كل حال من الأحوال؟! والتبرج مأخوذ من البرج، والبرج معناه: الشيء المرتفع، أو من البارجة، والبارجة هي السفينة الكبيرة ترى من بعيد، والتبرج معناه: إظهار الزينة لغير المحارم، والله تعالى قد بين من هم المحارم قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١]. الشيء الذي نريد أن نقوله: هل هذا التبرج الذي أصاب الأمة الإسلامية فضلاً عن الأمة الكافرة، وصل إلى درجة الجاهلية الأولى؟! فقد وصل إلى كثير من ذلك في كثير من الأحيان! والله إنك لتسير في كثير من بلاد الإسلام حتى لا تكاد تفرق بين امرأة مسلمة وامرأة كافرة إلا إذا سألتها عن اسمها، وحتى إن هذا الفساد الذي مهد له في بلاد الإسلام مدة طويلة من الزمن قد وصل إلى هذا المستوى، ثياب ضيقة ثياب رقيقة ثياب شفافة إخراج الشعر إخراج الرأس إخراج النحر إخراج الرقبة إخراج الساقين إلخ، ما بقي شيء من هذه المرأة إلا السوءتان في كثير من بلاد الإسلام. إذاً: هذا التبرج أمر محرم وخطير، ويؤدي بالأمة الإسلامية إلى الهاوية، فعلى الأمة الإسلامية أن ترعى هذا الأمر.

стр. 276

من صفات زوجات رسول الله ﷺ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتبليغ الدين قال تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب:٣٣]: وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أمر يحفظ الإنسان مما حرم الله ، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة طاعة لله تكون لها آثار طيبة، والمجتمعات التي تعطل الصلاة لا تستغرب أن تقع في أي منكر من المنكرات التي حرمها الله ؛ لأن الصلاة كما أخبر الله تنهى عن الفحشاء والمنكر. ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]: قال بعض المفسرين (اذكرن) أي: بلغن، فكرر الله التبليغ مرتين من أجل أن تتحمل هذه المرأة المسئولية كما يتحملها الرجل لاسيما مع النساء، خاصة أن كثيراً من النساء لربما تفسق أو تسقط أخلاقها أو تفكر فيما حرم الله، فيجب أن تكون المرأة المسلمة عامل إصلاح في مجتمعها، فإذا رأت امرأة غير متحجبة تقول لها: اتقي الله يا أختي! حرام عليك لا تفتني الرجال، وإذا رأت امرأة متطيبة تقول: إن رسول الله ﷺ ذكر أن هذا الطيب نوع من الزنا، الذي هو شم الرائحة وهكذا.

стр. 277

الأمر لزوجات النبي ونساء المسلمين بالتستر ثم بعد ذلك تنطلق بنا هذه الآيات إلى آخر السورة بعد أن تحدثت عن كثير من صفات النساء فيقول الله بعد ذلك مكملاً هذا الموضوع: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]: لما ذكر الله الصفات التي يجب أن تتحلى بها زوجات الرسول ﷺ ، والصفات التي يجب أن تتحلى بها كل امرأة تقتدي بنساء الرسول ﷺ ، وذكر الرسول ﷺ الوعيد الشديد على المرأة التي لا تتقيد بذلك، فقال في الحديث الصحيح: (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها). يقول الله بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]: والجلباب هو الثوب الغليظ، يعني: لا يكفي أن تستر بدنها بثوب كأي ثوب، فلا بد أن يكون فوق هذا الثوب ثوب آخر، وهو جلباب غليظ كالعباءة وما أشبه ذلك من الأمور التي تغطي تقاسيم الجسد، حتى لا يكون الثوب الأسفل ضيقاً ليصف تقاسيم الجسد، إذاً: لا بد أن يكون هناك جلباب، وهو الثوب الغليظ، وهو أكبر من الخمار، تغطي به المرأة كل جسدها ولا بد أن تدنيه على وجهها حتى لا يعرفها أحد. ولعل في هذه الآية إشارة إلى واقع كان يعيشه المسلمون في العصر الأول، فكانت الجواري فيهن شيء من الانحلال في ذلك الوقت، فالمرأة المسلمة الصالحة التقية الحرة يجب أن تتميز عن الجارية الرقيقة حتى لا يعرفها أحد فيؤذيها، وليس معنى ذلك أن الجارية تجوز أذيتها، ولكن معنى ذلك أن أذية المرأة الصالحة أشد عند الله من أذية الجارية، فأمر الله النساء المسلمات عموماً، وأمر الرسول ﷺ بأن يأمر نساءه ويأمر نساء المسلمين كافة بأن: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]. ومن هنا نقول: إن قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ) يدل على أن الحجاب والتستر حينما شرعه الله ما جاء إلا لمصلحة المرأة؛ لأنها بدون الحجاب سوف تؤذى، وهذا شيء مشاهد، فلو أن امرأة متبرجة انطلقت في أسواق المسلمين لآذاها كل أحد في قلبه مرض، ولتبعها خلق كثير يبحثون عن الفاحشة في هذه المرأة، لكن الله أمرها بأن ترتدي الجلباب فوق ملابسها حتى لا يطمع فيها، وهذا الجلباب زيادة على التستر حتى لا يطمع فيها إنسان في قلبه مرض. (ذَلِكَ أَدْنَى) أي: أقرب، (أَنْ يُعْرَفْنَ): أن يعرفن أنهن نساء عفيفات طاهرات حرائر، (فَلاَ يُؤْذَيْنَ) كما تؤذى النساء الفاجرات المنحرفات. إذاً: قوله تعالى: (فَلاَ يُؤْذَيْنَ) دليل على تكريم الله للمرأة، وأن هذا الحجاب ما جاء لإهانة المرأة كما يردده أعداء الإسلام، وكما يردده الببغاوات من المنسوبين للإسلام من أبناء جلدتنا، فهو ما جاء إلا لتكريم المرأة واحترامها، قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيَّنَ). إذاً: هي إذا لم ترتد هذا الجلباب فإنها سوف تؤذى، وإذا أوذيت فسوف تكون عرضة للسقوط في المجتمع، ثم السقوط من عين الله . إذاً: الجلباب لمصلحتها ولمصلحة المجتمع.

стр. 278

تهديد الله للمنافقين المتطاولين في أعراض المسلمين

стр. 279

أنواع أعداء الفضيلة ثم يقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب:٦٠]: ثلاثة أنواع: منافقون، وفي قلوبهم مرض، ومرجفون في المدينة، كلهم موجودون عندنا الآن أيها الإخوة: منافقون يظهرون التباكي على الإسلام وعلى المرأة، يبطنون غير ما يظهرون، يقولون: لا بد أن نحفظ المرأة، لا بد أن نحافظ على حقوق المرأة، حرية المرأة، وهم في الحقيقة منافقون؛ لأنهم يبطنون الفسق، بل لربما يبطنون الكفر داخل قلوبهم، فهم يكرهون المرأة، ويكرهون الدين الإسلامي، ويكرهون الحجاب، ويكرهون أن تصلح هذه الأمة، فهم منافقون سواء كان نفاقاً اعتقادياً أو نفاقاً عملياً، يعني: سواء كان هذا نفاقاً يخرجهم من الملة حينما يبطنون الكفر، أو نفاقاً عملياً حينما يكذبون في تعاملهم مع المرأة، وتباكيهم على المرأة حينما يطالبون بحقوقها وحريتها. (والذين في قلوبهم مرض) يأتون في الدرجة الثانية، ربما لا يوجد عندهم نفاق اعتقادي، لكنه يوجد عندهم نفاق عملي. (في قلوبهم مرض): شك، أي أنها لم تنضج الأمور في قلوبهم، ولم يكتمل الإسلام في رؤيتهم، ولربما يصل هذا المرض إلى النفاق أيضاً فيكونون من الدرجة السابقة، وحينئذٍ يكون قوله تعالى: (في قلوبهم مرض) توضيحاً لقوله تعالى: (المنافقون). أما المرجفون في المدينة: فأظن أن أخبارهم لا تخفى عليكم في أيامنا الحاضرة، هؤلاء الذين ينتظرون الفرصة التي تضعف فيها الأمة الإسلامية حسب ظواهر الأمور، فيستغلون هذه الفرصة من أجل أن يتخذوا منها سبيلاً إلى إذلال الأمة الإسلامية. إن هذه الأحداث الأخيرة قد كشفت لنا المرجفين في المدينة، وعلمنا كيف يتعاملون معنا ومع الجهات المسئولة ومع الناس، فإذا وجدوا أي مدخل لهم إلى هذا الدين، وإلى هذه الحياة التي من الله بها على هذه المرأة، نجد أنهم يستغلون هذه الفرصة من أجل أن يفسدوا أخلاق هذه المرأة، ولذلك فإن المرجفين في المدينة كثير، وكانوا بالأمس يأتون من الخارج، لكنهم أصبحوا في أيامنا الحاضرة يغزون الأمة الإسلامية من الداخل، ويطعنونها من الباطن، حيث إنهم من أبناء الجلدة، وممن يتكلمون بالألسنة أي: باللغة العربية، وهم أيضاً لا يقولون إنهم أعداء للمرأة أو يقولون إنهم أعداء للإسلام، بل ربما ينادون بما ينادون فيه باسم الإسلام، ولكنهم ينكشفون؛ لأن الإسلام واضح والحمد لله، وليس خفياً، هو كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

стр. 280

حكم الله على المنافقين أعداء الفضيلة أيها الإخوة! هؤلاء المنافقون إن لم ينتهوا ما هو مصيرهم؟ قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٠]، هؤلاء المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في المدينة إن لم ينتهوا عما يفعلون من الدس في الإسلام، ومن الطعن في المرأة من جانب خفي، ومن أذية الأمة الإسلامية، ومن السعي لإفساد المجتمع بعد إفساد المرأة، إن لم ينتهوا ليكونن الإغراء عليهم من الله لرسوله ﷺ ، وإذا لم يكن الرسول ﷺ موجوداً فلمن من يكون الإغراء؟ للأمة الإسلامية من روضة الأنبياء الذين ورثوا هؤلاء فيغريهم الله حتى يدافعوا عن دين الله، وحتى يدافعوا عن حياض الشرف والفضيلة. ندعو علماء المسلمين إلى أن ينتبهوا لهذا الخطر، فإن في ساحتنا اليوم وفي عالمنا وفي دنيا الناس مرجفين كثيرين، وفيها قوماً في قلوبهم مرض، وفيها منافقين، وهؤلاء لا يدفعون إلا لعلماء المسلمين الربانيين الذين يشعرون بهذه المسئولية، نرجو من هؤلاء أن ينتبهوا لخطر هؤلاء حتى لا يستفحل، فإنهم إن تركوا يعبثون، فإنهم سوف يغرقون هذه السفينة التي لا بد أن يدافع عنها العقلاء، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١]، ويقول تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [الحج:٤٠]، فهل دفع هؤلاء العلماء الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق، وأتباع العلماء من طلبة العلم والصالحين والأتقياء؛ هل دفعوا هؤلاء الذين يريدون أن يخرقوا هذه السفينة، والذين يريدون أن يفسدوا في الأرض؟ أنا أدعو كل ذي عقل وإيمان، وكل ذي علم -أياً كان هذا العلم- أن يدخل الساحة اليوم، لا ليدافع عن دين الله ، ولا عن كرامة هذا الدين، فإن الدين محفوظ بحفظ الله ، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولكن يدخل ليدافع عن محارمه؛ لأن ما أصاب محارم غيرك لا بد أن يصل إلى محارمك؛ لأن هذا المجتمع كله سفينة واحدة تطفو على محيط متلاطم الأمواج، فإن تركنا هذه السفينة يعبث بها هؤلاء العابثون ويخرقوها ولو بحسن نية، فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، ولذلك حكم الله تعالى على هؤلاء قال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب:٦١]، في أي مكان وجدوا في أي زمن وجدوا هم ملعونون. ونحن هنا نطمئن على دين الله؛ لأن الله تعالى حكم عليهم باللعنة أي: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأيضاً بالفشل في مخططاتهم، فإنهم لا يستطيعون أن ينالوا من دين الله تعالى شيئاً، وإنما هو أذى، لكنهم ربما يتسلطون على هذه المرأة المسكينة في أيام غفلتها وهي تصدق هؤلاء العابثين فتخرج عن إطارها الذي رسمه الله ، أما هم فكما قال الله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١]، طردوا من رحمة الله، وهم سيقتلون، ولا يمكن أن يعدوا قدرهم؛ لأن الله تعالى رب هذا الدين، وللدين رب يحميه.

стр. 281

سنة دائمة في إزالة أهل النفاق والإرجاف ثم يذكر الله تعالى أن هذا الذي يحدث ليس خاصاً بفترة معينة وهي فترة نزول القرآن، لكنها فترة دائمة، وكلما وجد المفسدون في الأرض لا بد أن يوجد المصلحون في الأرض، وإذا لم يوجد المصلحون في الأرض فإن الله سوف يدافع عن هذا الدين، ولذلك يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨]، أي: ملعون كل من أراد أن يتعرض لهذا الدين من هذا الجانب أو من أي جانب آخر، وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً. إذاً: سنة الله غالبة وسائرة وماضية في هذه الحياة، وبمقدار ما يقدم هؤلاء الأوباش -المرجفون في المدينة والذين في قلوبهم مرض- من أذىً لهذه الأمة الإسلامية في محارمها التي هي أغلى ما تملك، فهم ملعونون، وهم مقتولون تقتيلاً: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢]، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 282

الأسئلة

стр. 283

خطر خروج الخادمات إلى السوق متبرجات السؤال إن من المسلمين من لا يكفيه أن يجلب الخادمة النصرانية ويجعلها بين أبنائه وبناته، وإنما لا يتقي الله حتى في أولاد المسلمين، فيسمح لها بالذهاب إلى السوق لوحدها يوم الجمعة أو يوم الخميس، كاشفة بكل عهر، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء، فو الله إن المسلم لا يخرج إلى السوق في كثير من الأحيان خشية من الوقوع في الحرام الذي قد عم وطم في هذه الأسواق؟ الجواب الحقيقة أن الحرام يجر بعضه بعضاً قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، ولذلك الرجل الذي لا يبالي في أن يدخل في بيته امرأة نصرانية تربي أولاده سواء كانت مربية أو خادمة فإنهم يتأثرون بمخالطتها، وربما يفسدون معها وتفسدهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧]. وهب أنها مسلمة فإنها مادامت ليست ذات محرم، وما دامت امرأة، ربما أنها بعيدة عن الإسلام، ولا تحمل الإسلام إلا هوية، فالأمر قصير جداً، لما وقع المسلمون داخل بيوتهم في هذا البلاء لم يعد غريباً أن يوزعوا الفساد على الناس؛ لأن الإنسان إذا فسد ذوقه، وفسدت فطرته، وانحرفت أخلاقه أو كاد لا بد أن يوزع هذا الفساد على الناس. فالذي يحدث هو أن هؤلاء لما أصيبوا بهذه المصيبة الكبيرة، وجاءوا بنساء ليس لهن محارم داخل البيوت، وخلا بها الرجل أو خلا بها ولده أو ما أشبه ذلك، تعدى هذا الفساد فخرج خارج البيت، ولذلك فإننا نقول: فتنة ومصيبة وبلية لا تقل عن الفتنة داخل البيت، لكن أظنها أيضاً حتى داخل البيت خطيرة؛ لأن هناك داخل البيت خلوة، وهناك نوماً، وهناك ليلاً طويلاً، وهناك ظلاماً، وهناك خروجاً، وهناك بقاء رجال بدون محارم مع هذه المرأة، فالأمر خطير سواء كان من هذا الجانب أو من جانب آخر، أي: حتى ولو كانت امرأة مسلمة ما دامت ليس معها زوج أو محرم يحميها ويحافظ عليها.

стр. 284

حكم خلوة السائق بامرأة أو مجموعة من النساء السؤال ما رأيك فيمن تركب في سيارات الأجرة، بل وتستأجرها طيلة الدراسة، يذهب بها ذلك السائق إلى المدرسة ويعود بها، ومحرمها يذهب إلى وظيفته؟ الجواب هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تذهب معه سفراً فهذا محرم في كل حال من الأحوال؛ لأنه (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم) ولا تظنوا أن السفر هو المشاوير الطويلة، السفر عند بعض العلماء ولو خرجت خارج المدينة يعتبر سفراً في نظر هؤلاء، فهذا لا شك أنه سفر بدون محرم. أما إذا كان داخل البلد وهي منفردة، فلا خلاف بين العلماء في التحريم؛ لأن الرسول ﷺ قال: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وقال: (إياكم والدخول على النساء)، وهذا شيء يتصور بالعقل، امرأة شابة عندها دوافع وشهوة كغيرها من النساء، ومع هذا ربما يكون السائق شاباً، أو هب أنه متزوج وهي معها رجل ربما يكون أجمل من زوجها، وتهواه أكثر من زوجها، والمسألة خطيرة مهما يكن، ولذلك الرسول قال: (رجل وامرأة) أياً كان هذا السائق، وأياً كانت هذه المرأة، أي: وحتى لو كانت امرأة عجوزاً، فمادامت المسألة خلوة فالتحريم موجود. بقينا في موضوع المجموعة داخل البلد: فهذا هو موضوع الخلاف، هذا الموضوع هو الذي لا نستطيع أن نقول: إنه محرم، حينما يكون داخل البلد وهي مجموعة نساء لا ينفرد بواحدة منهن، لكن الأمر أيضاً فيه شيء من الخطورة؛ لأنه ربما تنزل هذه البنات وتبقى واحدة مع هذا السائق فتأتي الخلوة فيكون خطراً. على كلٍ: التعليم والتعلم والعمل ليس فرض عين على البنات والنساء، حتى نقول: هذا أصبح أمراً ضرورياً، إن استطعت أن تذهب بابنتك أو بزوجتك إلى المدرسة، وإلا فالأمر ليس أمراً إجبارياً حتى تضطر إلى أن تذهب بها مع السائق، فالأمر خطير، وكذلك الذهاب للسوق، وكذلك العمل، فالأمر إذا استطعت يا أخي أن تذهب بها بنفسك فافعل، وإذا عجزت فلا يجوز لك، وكيف تقر عينك وكيف يلذ لك النوم في فراشك وابنتك مع سائق؟ كيف تذهب إلى وظيفتك وابنتك مع سائق يذهب بها ويأتي بها؟ هذه محارمك يا أخي، وهذا شرفك وعزتك وكرامتك، أظنك لو وقعت بنتك في محرم من المحرمات التي تخشاها لأصبحت تضرب يداً بيد وأنت لا تملك الخلاص، أنت الآن تملك الخلاص وعليك أن تتقي الله .

стр. 285

كيفية حماية المرأة من الهجمة الشرسة ضدها السؤال إن المرأة المسلمة تتعرض في هذه الأيام، بل وقبل هذه الأيام لحملة شرسة من أعداء الإسلام، لم تتعرض لمثل هذه من قبل، سواء من حيث البث المباشر أو من طريق الصحافة المستأجرة أو المجلات التي تنوعت أشكالها وتعددت أسماؤها كمجلات وغيرها حتى يحار المتتبع لها من كثرتها، وبروز أسماء جديدة بين فترة وأخرى توحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، أفلا من وسيلة وعملية يمكن بها محاربة هذا السيل العارم من الفساد؟ الجواب أولاً: لا تتعرض لها المرأة المسلمة، وإنما تتعرض لها المرأة المسلمة الضعيفة الإيمان، أما المرأة المسلمة القوية فعندها حصانة، لن تتعرض لهذه الفتن أبداً، فعندها حصانة وهي ألا ترفع رأساً بهذه الأمور كلها؛ لأن الله قد حفظها بحفظه، وكلأها بعين رعايته، لكن المجتمع في الحقيقة كله يتعرض لهذه الفتنة. وطريقة الخلاص هو أن نحصن بيوتنا نحن الرجال، ونحفظ أهلينا ومحارمنا من هذه الأشياء التي ذكرها الأخ السائل كلها، فلا نحتاج إلى بث مباشر، ولا نسمح لأهلينا باقتناء الآلات التي تجلب لنا البث المباشر؛ لأن الدولة لم تجبرنا على ذلك، وإن كان الأمر أصبح قريباً من الإجبار حينما أصبح موضة عصرية. وكذلك بالنسبة للمجلات والصور، وما أشار إليه الأخ السائل، فنحن في الحقيقة لسنا مجبرين على هذا الأمر؛ لكن الأمر يتطلب حزماً من الرجل المؤمن، الذي يخشى الله في هذه الأمانة، ثم يتطلب بعد ذلك حزماً آخر، وإيماناً بالله من تلك المرأة المسلمة، التي تخشى الله حتى لا تقع في هذه الأمور المحرمة. المهم أيها الإخوة! البث المباشر وما قبله وما بعده وغيره، كل ذلك لا يفتن به إلا من في قلبه مرض، أما الرجل المؤمن الصحيح فإنه يقف على باب بيته، يحول بين داره وبين هذه المحرمات كلها، وحينئذ لا يمسه سوء من هذه الأشياء كلها.
следующие страницы →