Полный текст (1 366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
سنة دائمة في إزالة أهل النفاق والإرجاف
ثم يذكر الله تعالى أن هذا الذي يحدث ليس خاصاً بفترة معينة وهي فترة نزول القرآن، لكنها فترة دائمة، وكلما وجد المفسدون في الأرض لا بد أن يوجد المصلحون في الأرض، وإذا لم يوجد المصلحون في الأرض فإن الله سوف يدافع عن هذا الدين، ولذلك يقول: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨]، أي: ملعون كل من أراد أن يتعرض لهذا الدين من هذا الجانب أو من أي جانب آخر، وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
إذاً: سنة الله غالبة وسائرة وماضية في هذه الحياة، وبمقدار ما يقدم هؤلاء الأوباش -المرجفون في المدينة والذين في قلوبهم مرض- من أذىً لهذه الأمة الإسلامية في محارمها التي هي أغلى ما تملك، فهم ملعونون، وهم مقتولون تقتيلاً: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢]، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 282
الأسئلة
стр. 283
خطر خروج الخادمات إلى السوق متبرجات
السؤال
إن من المسلمين من لا يكفيه أن يجلب الخادمة النصرانية ويجعلها بين أبنائه وبناته، وإنما لا يتقي الله حتى في أولاد المسلمين، فيسمح لها بالذهاب إلى السوق لوحدها يوم الجمعة أو يوم الخميس، كاشفة بكل عهر، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء، فو الله إن المسلم لا يخرج إلى السوق في كثير من الأحيان خشية من الوقوع في الحرام الذي قد عم وطم في هذه الأسواق؟
الجواب
الحقيقة أن الحرام يجر بعضه بعضاً قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]، ولذلك الرجل الذي لا يبالي في أن يدخل في بيته امرأة نصرانية تربي أولاده سواء كانت مربية أو خادمة فإنهم يتأثرون بمخالطتها، وربما يفسدون معها وتفسدهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧].
وهب أنها مسلمة فإنها مادامت ليست ذات محرم، وما دامت امرأة، ربما أنها بعيدة عن الإسلام، ولا تحمل الإسلام إلا هوية، فالأمر قصير جداً، لما وقع المسلمون داخل بيوتهم في هذا البلاء لم يعد غريباً أن يوزعوا الفساد على الناس؛ لأن الإنسان إذا فسد ذوقه، وفسدت فطرته، وانحرفت أخلاقه أو كاد لا بد أن يوزع هذا الفساد على الناس.
فالذي يحدث هو أن هؤلاء لما أصيبوا بهذه المصيبة الكبيرة، وجاءوا بنساء ليس لهن محارم داخل البيوت، وخلا بها الرجل أو خلا بها ولده أو ما أشبه ذلك، تعدى هذا الفساد فخرج خارج البيت، ولذلك فإننا نقول: فتنة ومصيبة وبلية لا تقل عن الفتنة داخل البيت، لكن أظنها أيضاً حتى داخل البيت خطيرة؛ لأن هناك داخل البيت خلوة، وهناك نوماً، وهناك ليلاً طويلاً، وهناك ظلاماً، وهناك خروجاً، وهناك بقاء رجال بدون محارم مع هذه المرأة، فالأمر خطير سواء كان من هذا الجانب أو من جانب آخر، أي: حتى ولو كانت امرأة مسلمة ما دامت ليس معها زوج أو محرم يحميها ويحافظ عليها.
стр. 284
حكم خلوة السائق بامرأة أو مجموعة من النساء
السؤال
ما رأيك فيمن تركب في سيارات الأجرة، بل وتستأجرها طيلة الدراسة، يذهب بها ذلك السائق إلى المدرسة ويعود بها، ومحرمها يذهب إلى وظيفته؟
الجواب
هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تذهب معه سفراً فهذا محرم في كل حال من الأحوال؛ لأنه (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها ذو محرم) ولا تظنوا أن السفر هو المشاوير الطويلة، السفر عند بعض العلماء ولو خرجت خارج المدينة يعتبر سفراً في نظر هؤلاء، فهذا لا شك أنه سفر بدون محرم.
أما إذا كان داخل البلد وهي منفردة، فلا خلاف بين العلماء في التحريم؛ لأن الرسول ﷺ قال: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وقال: (إياكم والدخول على النساء)، وهذا شيء يتصور بالعقل، امرأة شابة عندها دوافع وشهوة كغيرها من النساء، ومع هذا ربما يكون السائق شاباً، أو هب أنه متزوج وهي معها رجل ربما يكون أجمل من زوجها، وتهواه أكثر من زوجها، والمسألة خطيرة مهما يكن، ولذلك الرسول قال: (رجل وامرأة) أياً كان هذا السائق، وأياً كانت هذه المرأة، أي: وحتى لو كانت امرأة عجوزاً، فمادامت المسألة خلوة فالتحريم موجود.
بقينا في موضوع المجموعة داخل البلد: فهذا هو موضوع الخلاف، هذا الموضوع هو الذي لا نستطيع أن نقول: إنه محرم، حينما يكون داخل البلد وهي مجموعة نساء لا ينفرد بواحدة منهن، لكن الأمر أيضاً فيه شيء من الخطورة؛ لأنه ربما تنزل هذه البنات وتبقى واحدة مع هذا السائق فتأتي الخلوة فيكون خطراً.
على كلٍ: التعليم والتعلم والعمل ليس فرض عين على البنات والنساء، حتى نقول: هذا أصبح أمراً ضرورياً، إن استطعت أن تذهب بابنتك أو بزوجتك إلى المدرسة، وإلا فالأمر ليس أمراً إجبارياً حتى تضطر إلى أن تذهب بها مع السائق، فالأمر خطير، وكذلك الذهاب للسوق، وكذلك العمل، فالأمر إذا استطعت يا أخي أن تذهب بها بنفسك فافعل، وإذا عجزت فلا يجوز لك، وكيف تقر عينك وكيف يلذ لك النوم في فراشك وابنتك مع سائق؟ كيف تذهب إلى وظيفتك وابنتك مع سائق يذهب بها ويأتي بها؟ هذه محارمك يا أخي، وهذا شرفك وعزتك وكرامتك، أظنك لو وقعت بنتك في محرم من المحرمات التي تخشاها لأصبحت تضرب يداً بيد وأنت لا تملك الخلاص، أنت الآن تملك الخلاص وعليك أن تتقي الله .
стр. 285
كيفية حماية المرأة من الهجمة الشرسة ضدها
السؤال
إن المرأة المسلمة تتعرض في هذه الأيام، بل وقبل هذه الأيام لحملة شرسة من أعداء الإسلام، لم تتعرض لمثل هذه من قبل، سواء من حيث البث المباشر أو من طريق الصحافة المستأجرة أو المجلات التي تنوعت أشكالها وتعددت أسماؤها كمجلات وغيرها حتى يحار المتتبع لها من كثرتها، وبروز أسماء جديدة بين فترة وأخرى توحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، أفلا من وسيلة وعملية يمكن بها محاربة هذا السيل العارم من الفساد؟
الجواب
أولاً: لا تتعرض لها المرأة المسلمة، وإنما تتعرض لها المرأة المسلمة الضعيفة الإيمان، أما المرأة المسلمة القوية فعندها حصانة، لن تتعرض لهذه الفتن أبداً، فعندها حصانة وهي ألا ترفع رأساً بهذه الأمور كلها؛ لأن الله قد حفظها بحفظه، وكلأها بعين رعايته، لكن المجتمع في الحقيقة كله يتعرض لهذه الفتنة.
وطريقة الخلاص هو أن نحصن بيوتنا نحن الرجال، ونحفظ أهلينا ومحارمنا من هذه الأشياء التي ذكرها الأخ السائل كلها، فلا نحتاج إلى بث مباشر، ولا نسمح لأهلينا باقتناء الآلات التي تجلب لنا البث المباشر؛ لأن الدولة لم تجبرنا على ذلك، وإن كان الأمر أصبح قريباً من الإجبار حينما أصبح موضة عصرية.
وكذلك بالنسبة للمجلات والصور، وما أشار إليه الأخ السائل، فنحن في الحقيقة لسنا مجبرين على هذا الأمر؛ لكن الأمر يتطلب حزماً من الرجل المؤمن، الذي يخشى الله في هذه الأمانة، ثم يتطلب بعد ذلك حزماً آخر، وإيماناً بالله من تلك المرأة المسلمة، التي تخشى الله حتى لا تقع في هذه الأمور المحرمة.
المهم أيها الإخوة! البث المباشر وما قبله وما بعده وغيره، كل ذلك لا يفتن به إلا من في قلبه مرض، أما الرجل المؤمن الصحيح فإنه يقف على باب بيته، يحول بين داره وبين هذه المحرمات كلها، وحينئذ لا يمسه سوء من هذه الأشياء كلها.
стр. 286
بيان معنى الإرجاف
السؤال
بعض الشباب العابثين الذين يستدرجون النساء عن طريق الهاتف، هل هم من المرجفين في المدينة؛ لأنهم يستغلون ضعف المرأة ويستجرونها خطوة خطوة حتى يوقعوها في الفاحشة؟
الجواب
الحقيقة أن الإرجاف معناه إشاعة الفاحشة أياً كان نوع هذه الفاحشة، فإذا سمعوا خبراً أشاعوه، وإذا رأوا أي وسيلة من وسائل الفتنة أشاعوها حتى تنتشر في المجتمع، وكذلك الأخبار يروجونها من أجل أن يفسدوا المجتمع، وعلى هذا نقول: إن الذين يتعاطون التلاعب في أجهزة الهاتف، والذين يتصلون بالبيوت التي لا صلة لهم بها ولا حق لهم في هذه البيوت، هم أيضاً نوع من هؤلاء المرجفين في المدينة.
وعلى هذا نقول: إن الرجل المؤمن يستطيع أن يحصن بيته فيعلمهم كيف يتعاملون مع الهاتف، وكيف يتعاملون مع أجهزة التسجيل، وكيف يتعاملون مع كل شيء، وإذا استطاع أن يرسم الخطة السليمة لهذا البيت فإنه لا يبالي بعد ذلك بما يحدث في هذا البيت.
المهم أن تربى هذه المرأة تربية صالحة ابتداء من اختيار المرأة الصالحة.
стр. 287
من إحصان المرأة الزواج المبكر
السؤال
أليس من إحصان هذه المرأة أن يختار لها زوج صالح، وتزوج ولو كانت في السادسة عشرة من عمرها؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، والشباب يدخل فيه الذكور والإناث، والبلوغ هو سن الزواج، وعائشة ﵂ تزوجها وبنى بها وهي بنت تسع سنين.
إذاً: معنى ذلك أن الذين يغالون في أمر سن المرأة اليوم، ولا يريدون أن يزوجوها إلا في سن معينة هم يخطئون في هذا المجتمع، كما يخطئ الذين لا يزوجونها إلا بعد أن تكمل سن التعليم، لاسيما وأن سن المرأة محدود أكثر من الرجل.
كذلك أيضاً ندعو الشباب الذين يبلغون سن البلوغ إلى أن يتزوجوا، فإن هذا كله داخل في قوله ﷺ : (من استطاع منكم الباءة فليتزوج)، وإني أنصح كل امرأة أن تعتبرها فرصة من الفرص، حين أن يتقدم لها رجل صالح يتحمل مسئولية هذه الفتاة، وحتى يخرج الأب من المسئولية.
стр. 288
حكم عرض الملابس الداخلية للنساء
السؤال
مما لا شك فيه أن ما يحدث من بعض أصحاب المحلات من عرض الملابس الداخلية للنساء أمام الرجال أن في ذلك فتنة عظيمة، فما هي نصيحتكم لأصحاب هذه المحلات الذين يحتج أكثرهم بأن البضاعة لا تمشي إلا إذا وضعت بهذا الشكل؟
الجواب
الصحيح أن عرضه أمام الرجال وعرضه أيضاً أمام النساء فتنة، الملابس التي تكون داخل جسد المرأة، والتي تلبسها المرأة على جسدها داخل ثيابها، نشرها أمام الرجال والنساء فتنة، ولذلك نقول: عند الحاجة يخرجها الرجل، وأيضاً: عند بيعها لا يدخل ذلك في زيادة كلام أو مفاهمة في مقاس أو ما أشبه ذلك؛ لأن ذلك كله يعتبر نوعاً من الإثارة سواء كان للرجل أو المرأة.
إذاً: بيعها يعتبر من باب الضرورة والحاجة الملحة، وعلى الرجل ألا يبرزها أمام الرجال، ولا أمام النساء، ولكن عند الطلب يبرزها ويكون البيع بأدب في مثل هذه الأمور، لأنني أسمع أناساً يستغلون فرصة بيع الملابس الداخلية، بحيث يستطيع أن يعرف حجم جسدها الداخلي من خلال هذه الملابس الداخلية.
стр. 289
حكم ارتداء المرأة للنقاب
السؤال
لقد كثرت ظاهرة النقاب، وإنني أجد بعض الحضور يترك أهله يرتدون هذا النقاب، فلا تكاد تقف عند إشارة في سيارتك إلا وتشاهد المتنقبات سواء مع السائقين أو محارمهن، وحجتهم في ذلك بعض الفتاوى التي سمعوها، وقد يكونون لم يفقهوها واحتجوا بها، فما رأيكم يا فضيلة الشيخ، علماً أنها تظهر أكثر من نصف الوجه؟
الجواب
النقاب يخرج أجمل ما في المرأة وهي العيون، وأنتم تعرفون أن الشعراء القدامى كانوا يتغنون بعيني المرأة، فالعينان هما أجمل ما في المرأة، ولربما تكون المرأة دميمة، لكنها جميلة العينين، ولذلك فإن إخراج العينين مع تغطية بقية الوجه لا يقل خطراً عن السفور إن لم يكن أكثر خطراً من السفور في بعض الأحيان، وعلى هذا فإن الله أمر بإخفاء الزينة عموماً، فقال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، إذاً: العينان أعظم أنواع الزينة، فلا يجوز إبداؤهما لغير من أباح الله الإبداء لهم.
стр. 290
نصيحة للائي يكرهن التعدد من أزواجهن
السؤال
هل من كلمة للنساء اللاتي يكرهن أن يتزوج الزوج بزوجة ثانية، علماً أن المجتمع فيه كثير من العوانس والمطلقات، بل إن بعض النساء تقول: إذا أردت الزواج فطلقني، وبعضهن من الملتزمات، بل وبعضهن قد تتلفظ بألفاظ قد تخرجها من الإسلام، حينما تقول: أن تزني أحب ألي من أن تتزوج مرة أخرى؟
الجواب
إن هذا الموضوع طويل، ويحتاج إلى درس طويل، ويكفي أن الله هو الذي أباح التعدد قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، ومن كره أمراً من أوامر الله فعليه خطر من الردة عن الإسلام، ولذلك بعض الناس الآن ينكرون التعدد نعوذ بالله، فهؤلاء مرتدون بلا خلاف بين علماء المسلمين.
أما المرأة فبطبيعتها الفطرية لا تلام، لأنها ترغب بأن تستقل برجل منفرد دون أن تشاركها امرأة أخرى، هذه فطرة لا تلام المرأة عليها في الأصل، لكنها عليها أن تنظر إلى وضع المجتمع، وأن الله أباح التعدد لمصلحة وحكمة.
ثم لا تكون هي أنانية بحيث تشعر بحاجتها ورغبتها ومصلحتها، ولا تفكر في حاجة النساء الأخريات، الله تعالى الذي أباح التعدد إلى أربع نساء هو الذي خلق البشر ويعلم عددهم، ويعلم ما سيحدث في المستقبل، لو نظرنا عدد النساء بالنسبة لعدد الرجال، لوجدنا أن عدد النساء في كثير من بلاد العالم يساوي أضعاف عدد الرجال، والرجال يتعرضون لفتن وحروب ومصائب، كما أن النساء تتعرض لأمراض تعطلهن عن الاستفادة منهن، وعن التمتع، والتمتع مقصود بين الرجل والمرأة.
وعلى هذا فإننا نقول: على المرأة المسلمة إذا فكر زوجها بالزواج أن تحتسب الأجر من الله تعالى، وألا تمانع في هذا الأمر لأسباب أهمها أن هذا الزوج ما أقدم على هذا الأمر إلا من حاجة، ولربما تمنعه فينظر نظرات محرمة، وربما يفعل فعلات محرمة، ولربما يؤدي إلى طلاقها هي حينما لا ترتاح لتزوجه عليها؛ فيؤدي إلى هدم الأسرة وضياع الأولاد، وخير لها أن تعيش مع ربع زوج، أو ثلث زوج أو نصف زوج، من أن تعيش بدون زوج.
ولذلك فإن من حكمة الله أنه ذكر التعدد قبل أن يذكر الإفراد، حتى إن بعض العلماء يرى أن التعدد سنة وليس برخصة؛ لأن الله تعالى ذكره قبل الإفراد، فقال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، ثم لم يذكر الله الإفراد إلا في حال الخوف، والقاعدة الشرعية تقول: (كل شيء ينهى عنه في حال الخوف فضده أولى في حال الأمن) أي: عدم الخوف، ولذلك الرسول ﷺ اختار التعدد، بل كل المرسلين عليهم الصلاة والسلام اختار الله لهم التعدد، بل إن الله أباح شيئاً من الميل من الزوج لإحدى زوجاته مقابل التعدد، فقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء:١٢٩].
إذاً: بعض الميل مباح، مع أن الميل بطبيعته محرم مع الزوجات، لكن لما كانت المصلحة تفرض التعدد، والميل يفرض نفسه في بعض الأحيان؛ أباح الله تعالى شيئاً من الميل.
على كلٍ: من أنكر التعدد فهو كافر مرتد، ومن كره التعدد فهو على خطر، والمرأة معذورة أن تكره التعدد بفطرتها، لكن عليها أن تتقي الله ولتحبه باعتباره تشريعاً من تشريعات الله .
стр. 291
حكم لبس المرأة الملابس الضيقة عند النساء
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تلبس الملابس الضيقة أمام أخواتها من النساء، وإن كانت هذه الملابس الضيقة تبين معالم جسمها؟
الجواب
الله تعالى أباح أن تنظر المرأة إلى المرأة بشرط أن تكون الناظرة مسلمة، فقال تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، ويقول المفسرون: المراد بها المرأة المسلمة، فالشيء الذي يجوز للمحارم أن ينظروا إليه يجوز للمرأة الأخرى أن تنظر إليه من المرأة إذا كانت مسلمة، أما المرأة الكافرة فإنها لا يجوز أن تنظر إلى شيء من جمال المرأة المسلمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
وبهذه المناسبة ننصح المسئولين من وزارة الصحة في الدرجة الأولى، الذين جاءوا لنا بسيل كاسح من الممرضات الكافرات، والطبيبات الكافرات أن يتقوا الله تعالى، فإن هؤلاء الطبيبات ينظرن إلى أقصى عورات المسلمات وهن كافرات، نقول لمن في وزارة الصحة الذين لا يبالون بأن يأتوا بالكافرة أو المسلمة: اتقوا الله! بل لا أظن أن أحداً منهم يفكر أن يأتي بامرأة مسلمة، اللهم إلا إن جاءت بطريق التبع، وأخطر من ذلك ننصح الذين يأتون بالأطباء يعالجون النساء خصوصاً إذا كانوا كفاراً، وقد رأينا رجالاً كفاراً أطباء ينظرون إلى أقصى عورات المسلمات.
إذاً: الأمر خطير جداً يا إخوتي، إذا كانت المرأة الكافرة لا يجوز لها أن تنظر إلى زينة المرأة المسلمة فكيف أن تنظر إلى عورتها؟! فكيف ينظر إليها رجل وقد يكون هذا الرجل كافراً؟! إذاً نقول: نظر المرأة إلى ما يخرج غالباً من المرأة أمر مباح إذا كانت مسلمة، وأما إذا كانت كافرة فإن حكمها أنها لا تنظر من المرأة المسلمة إلا ما يخرج غالباً كالوجه وما أشبه ذلك، أما زينتها الداخلية فلا يجوز أن تنظر إليها امرأة كافرة.
والحمد لله رب العالمين!
стр. 292
صفات المؤمنين
لعباد الرحمن صفات ذكرها الله في كتابه، وبينها رسوله ﷺ في سنته، وما ذلك إلا لنعمل بها، فهم الذين أصلحوا ما بينهم وبين الله ، وأصلحوا ما بينهم وبين الخلق، فامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا محارمه، وتحلوا بمكارم الأخلاق، وجميل الخصال ومحاسن الفعال، واجتنبوا ضد ذلك من مساوئ الأخلاق وسفاسف الأمور، ولهذا مدحهم الله ، ورفع منزلتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 293
بين يدي آيات من سورة الفرقان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب عليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الآيات التي في آخر سورة الفرقان تتحدث عن صفات عباد الرحمن، وسورة الفرقان من أولها إلى هذا المقطع تتحدث عن الكافرين ومواقفهم ضد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان:٣٥]، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٧ - ٣٩].
ثم ذكر الله كثيراً من جرائمهم ثم قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
ثم ذكر الله أدلة قدرته وأدلة وحدانيته التي أصبح واقع هذه البشرية يخالفها، وكان المتوقع أن هذه البشرية تعرف ربها ، لكن أغلبها بخلاف ذلك، فذكر كثيراً من أدلة وحدانيته فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٦ - ٤٧]، إلى أن قال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢].
إذاً: الآيات التي سبقت هذه الآيات تتحدث عن الكافرين وعن مواقفهم من المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وعن نهايتهم التي جعلها الله نهاية كل مجرم وطاغوت، ثم إن الله بين الأدلة الواضحة التي وضعها في الآفاق وفي الأنفس وفي السماء وفي الأرض لتكون أدلة واضحة تهدي هؤلاء البشر إلى الله ، فذكر الآيات التي آخرها: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢].
وبالرغم من الكفر والعناد العظيمين اللذين خيما على الأرض طيلة هذه الحياة الطويلة فإن لله عباداً عرفوه حق المعرفة، أي: أن هذه الآيات التي في آخر السورة يختلف أصحابها اختلافاً كثيراً عن القوم الذين ذكر الله أخبارهم في أول سورة الفرقان، فهناك أقوام عرفوا الله من خلال الآيات في الآفاق والأنفس، فعرفوا الله، فأصبحوا عباداً لله لا عبيداً فقط؛ لأن هناك فرقاً بين (عبيد) و (عباد)، فلفظ العباد غالباً يطلق على المطيعين لله ، أما لفظ (عبيد) فهو من العبودية، فتطلق على كل مخلوق من مخلوقات الله استعبده الله ، فالناس كلهم عبيد لله رضي منهم من رضي بهذه العبودية وكره منهم من كره.
ومن هنا ندرك الفرق بين (عبيد) و (عباد): فلفظ (عباد) يُطلق غالباً على الملتزمين بأمر الله ، أما كلمة (عبيد) فإنها تطلق على عامة الخلق، ولذلك الله تعالى يقول عن هؤلاء الخلق يوم القيامة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وهذا في الآخرة، أما في الدنيا فالكل عبيد الله ساجدون لله رضوا أم أبوا، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرعد:١٥]، وقال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، حتى الكافر المعاند العاصي لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام هو ما زال عبداً لله مستعبداً لله، فالخلق كلهم عبيد، ولكن هناك خلاصة العبيد وهم العباد، أي: الذين عرفوا الله من خلال الآيات في الآفاق والأنفس، وأدركوا قدرته، وأدركوا وجوده، وأدركوا وحدانيته، فما عبدوا غير الله ، فأصبحوا عباداً لا عبيداً، وهذا هو الفرق بين (عبيد) و (عباد).
стр. 294
عباد الرحمن وأوصافهم
أما عباد الرحمن قد ذكر الله تعالى صفاتهم العظيمة وأثنى الله عليهم، فهم الذين نظروا إلى هذه الحياة الدنيا نظرة ازدراء واحتقار، وجعلوا ملء قلوبهم الحياة الآخرة وخشية الله ، ورفضوا زينة الحياة الدنيا الحرام مكتفين بالزينة الحلال وبما أباح الله لهم، فيقول الله تعالى عن عباده: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٤] إلى قوله تعالى في جزائهم: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، فـ (عباد): مبتدأ، وخبر المبتدأ (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا).
إذاً هذه هي صفات العباد، وعلى كل واحد من المسلمين أن يصيخ بأذنه، وأن يصغي بقلبه ليعرف صفات عباد الرحمن، لعلَّ الله أن يوفقه إليها أو إلى الكثير منها، فيكون عبداً لله يستحق العبودية بمعناها الصحيح التي تُعتبر شرفاً وكرامة؛ لأن العبودية لابد منها، ولكن إما أن تكون لله وإما أن تكون للمخلوق، فإذا كانت العبادة لله حررت الإنسان من العبودية لغير الله ، وإذا تحرر هذا الإنسان وحاول التجرد والتملص من العبودية لله يقع في عبادة المخلوقين، كما قال ربعي بن عامر ﵁ مندوب سعد بن أبي وقاص إلى الفرس حينما قال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال: إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
ولذلك تجد في القرآن عبيداً لغير الله كثيرين، عبيداً للمال، وعبيداً للهوى، وعبيداً للشهوة، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، وعبيداً للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠] فهناك عبيد للمال، كما قال ﵊: (تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، وهناك عبيد للشهوات، وعبيد للمراكز، وعبيد للخلق أيضاً، فالإنسان إذا تجرد من عبادة الله والعبودية لله يقع في العبودية لغير الله ، وإذا تعمق في العبودية لله تخلص من العبودية للمخلوقين، ولذلك تعتبر العبودية لله هي الشرف، كما قال الفضيل بن عياض: ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا يقول: لما قلت لي: (يا عبد) جعلني هذا اللقب اعتز حتى تطاولت كثيراً، وارتفعت حتى كدت أطأ الثريا بأقدامي؛ لأني دخلت تحت العبودية لله .
وعلى هذا نقول: من شاء أن يكون عبداً لله فليتحرر من العبودية للمخلوق كائناً من كان، ومن شاء أن يقع تحت وطأة العبودية لخلق الله فإنه هو الذي يتحرر عن العبودية لله وحده.
стр. 295
التواضع والخضوع لله
عباد الرحمن أولى صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
والآية (يمشون على الأرض هوناً) لها عدة معانٍ، وكل هذه المعاني تجتمع في معنىً واحد وهو الخضوع لله ، فالمتكبرون هم الذين يزعمون أنهم يطاولون الجبال أو يخرقون الأرض بأقدامهم، وإذا ساروا ساروا وهم يضربون الأرض ضرباً من شدة الخيلاء الذي أصابهم، وما مشوا على الأرض هوناً وإنما مشوا متكبرين متغطرسين مترفعين على الله وعلى خلق الله، وهم الذين يسعون بالفساد في الأرض، ويريدون أن يبذروا بذور الفساد في الناس، ويريدون أن ينشروا في المجتمع الجريمة، وضياع الأخلاق الكريمة، والمذاهب والأفكار المنحرفة التي تتنافى مع دين الله ومع المبادئ القويمة التي جاء بها دين الإسلام، وهم الذين يسيرون إلى معصية الله من معصية إلى معصية ومن فاحشة إلى فاحشة، ولا يسيرون على الأرض هوناً، ولا يمشون على الأرض هوناً، وإنما يسيرون مفسدين في الأرض معاجزين لله ، ولذلك فإن من صفات عباد الرحمن أنهم يمشون على الأرض هوناً.
وهناك فرق بين المشي والسعي، ولذلك نلاحظ أن كلمة (المشي) تأتي للسير لطلب الرزق الحلال، أما السعي فإنه يأتي لطلب الحسنات، ولذلك لا تجد في القرآن ولا في السنة الأمر بالسرعة للحياة الدنيا، وإنما تجد هذا المعنى بألفاظ متكررة متعددة لطلب الحياة الآخرة، فمثلاً: لما ذكر الله البحث عن الرزق قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، لكن حينما ذكر الله السعي للحياة الآخرة لا تجده بلفظ المشي وإنما بلفظ السرعة أو السعي أو الاستباق أو المسابقة، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١]، إلى غير ذلك من الأدلة.
إذاً نقول: القاعدة أن الإنسان في طلب الحياة الدنيا عليه أن يمشي مشياً في هذه الأرض بتؤدة وتأنٍ ويقين بالله وثقة برزقه، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من رزق الحياة الدنيا، وليس معنى ذلك أن الإنسان عليه أن ينام ليأتيه الرزق في قعر بيته، ولكن عليه أن يمشي مشياً في هذه الأرض يبتغي رزق الله الحلال؛ لأنه حينما يسعى سعياً وحينما يركض ركضاً للحياة الدنيا لن يصيب منها إلا ما كتب الله له، إضافة إلى أنه ربما يقع فيما حرم الله من المعاملات المحرمة من الربا ومن الأمور العظيمة التي يقع فيها كثير من الناس، ولذلك الله تكفل برزق كل كائن حي في هذه الحياة، حتى الحشرة وهي في جوف صخرة لابد من أن يصلها نصيبها من رزق الله ، كما قال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، فكم من حشرة صغيرة في صخرة في جوف البحر أو في قعر جبل لا ينقطع رزقها عنها أبداً! لأن الله تعالى تكفل بذلك! إذاً الإنسان ذو العقل الذي كرمه الله به هو أولى أن يدرك رزقه، فالله تعالى قد كرمه على كثير ممن خلق تفضيلاً، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
فالمشي المراد به السير بتواضع لا بخيلاء، المشي بتؤدة، المشي لطلب الرزق الحلال، وعدم مسابقة الزمن للبحث عن المال الحرام، وإنما البحث عن الرزق الحلال في مظانه، وترك الكسب الحرام، فلا تكبر ولا خيلاء، ولا سعي في معصية الله ، وهنا يكون الإنسان قد تقيد بأمر الله .
وقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] ليس معناه الذلة كما يتصوره بعض الناس؛ فالمسلم مطالب بأن لا يكون ذليلاً، وأن لا يحني رأسه لغير الله ، أن لا يطأطأ ظهره لغير الله ، فلا يركع ولا يسجد لغير الله ، فالهون معناه ليس من الهوان، وإنما هو من التأني، وليس معناه -أيضاً- التماوت في المشية كما نشاهده على طائفة من المتدينين اليوم، فإننا قد ابتلينا في زمننا الحاضر بقوم تدينوا على غير بصيرة، فتجدهم يعيشون حياة الذلة، وإذا مشى أحدهم تجده يمشي بذلة وباستكانة، وكأن هذا من التواضع، وهذا ليس من الدين في شيء؛ فقد كان رسول الله ﷺ إذا مشى كأنما ينصب من مكان مرتفع، وليس معنى ذلك أنه يذهب هيبة نفسه حينما يمشي ركضاً، وإنما عليه أن يكون وسطاً بين الذلة التي فهمها بعض الناس أنها تواضع ومسكنة لله وهي ليست من الدين في شيء وسط بين ذلك ورفع الرأس لغير الله والتطاول على خلق الله .
إذاً قوله تعالى: (عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) أي: بتؤدة وتأنٍ لا يصل إلى درجة الذلة والهوان.
فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣].
стр. 296
الإعراض عن السفهاء والجهلة
من صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
والجاهل هو الذي لا يتصور عواقب الأمور ولا يفكر.
وقوله: (قالوا سلاماً) يحتمل أمرين: يحتمل أنهم يسلمون على هذا الجاهل، ولنا ملحوظة على هذا المعنى؛ فإن السلام على غير المسلم لا يجوز، كما قال ﵊: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وذلك أيضاً لا يعني أن نؤذي غير المسلمين في بلاد الإسلام، ولكن ذلك يعني أن لا نرفع رءوسهم -أيضاً- في بلاد الإسلام، حتى لا يترفعوا على إخواننا المسلمين، فبدء اليهودي والنصراني والكافر أياً كان بالسلام لا يجوز، ولكن حينما يسلم ونتأكد من أنه يسلم السلام الحقيقي نرد عليه، وإذا كان عندنا شك في ذلك فنقول: (وعليكم) كما كان اليهود يقولون للرسول ﷺ وللصحابة: السام عليكم، والسام معناه الموت والهلاك.
وعلى هذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] يعني: يسلمون إذا كان الجاهل مسلماً.
أما إذا كان غير مسلم فلا يجوز، هذا المعنى.
ويمكن أن نحمل هذه الآية على معنىً آخر، وهو أنهم يقولون: (سلاماً)، أي: يقولون قولاً سلاماً.
أي: لا يردون على الجاهل بجهله، فإذا شتمه إنسان يدعو له، وإذا أساء إليه إنسان يحسن إليه، وإذا رأى منه جفاءً يريه من نفسه ألفةً ومحبة إذا كان مسلماً؛ لأن الله تعالى ذكر صفات المسلم فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]، وعلى هذا نقول: معنى (سلاماً) أي: قالوا قولاً سلاماً.
والقاعدة التي جاء بها الإسلام للقضاء على الأحقاد والأضغان في المجتمع هي رد السيئة بالحسنة، فإذا أساء إنسان إلى إنسان فعلى من أسيء إليه أن يقدم حسنة بدل هذه الإساءة، وهذه الحسنة التي يقدمها ذلك الإنسان الذي أسيئ إليه تعتبر علاجاً للأدواء الاجتماعية التي عجز علماء الاجتماع عن علاجها، فإنه حينما يشتمك وتدعو له وحينما يؤذيك جارك بأذى فتقدم له الإحسان سوف يخجل، وحينما تسمع كلمة نابية سيئة من إنسان مسلم وتقدم له كلمة حسنة تقابل فيها هذه الكلمة السيئة سوف تجد ذلك الإنسان الذي أساء إليك يندم على ما قدم من إساءة، ويحاول أن يتقرب إليك، وهذا العلاج هو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فالعدو لك إذا أحسنت إليه وقابلت العداوة بالصداقة وقابلت الأذى بالإحسان تتغير صفاته، وحينئذٍ يقدم لك الإحسان، فيصبح كما قال الله : ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، لكن تحمل هذا الأمر والإحسان إلى من أساء لا يطيقه إلا إنسان قوي الشكيمة صبور يريد أن يحبس نفسه على طاعة الله من أجل أن يكسب رضا الله تعالى، ثم بعد ذلك يكسب رضا الناس، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، وأنا متأكد من أن الجيران الذين تفسد علاقات بعضهم مع بعض والأصدقاء الذين تفسد علاقاتهم فيما بينهم -بل والأقارب والعشيرة الذين تفسد ذات بينهم- أكثرها بسبب أن أحدهم إذا أساء إلى إنسان منهم قدم إساءة أكبر أو مماثلة من أجل أن ينتقم، وحينئذٍ تستمر هذه العداوة.
فحينما يشتمك فتشتمه، ويسيء إليك فتقدم إليه إساءة أكبر، ويمكر بك فتمكر به حينئذ تستمر هذه النار تلتهم فتهلك الحرث والنسل، وتفسد العلاقات بين الناس لاسيما بين الأقارب، وهذا هو ما يحدث كثيراً في أيامنا الحاضرة.
وهناك سؤال يطرح نفسه في هذا الأمر، وهو أننا نجد أن الله في سورة الشورى مدح الذين ينتقمون إذا أسيء إليهم فقال في صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩]، وبعدها قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، فكيف نستطيع أن نجمع بين هاتين الآيتين؟ هل إذا أساء إليك إنسان تحسن إليه فتأخذ بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، أو تأخذ بالجزء الآخر من الآيات وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩]؟ يشكل هذا الأمر على كثير من الناس، ولكن نستطيع أن نقول: إن الأمر لا يخلو من إحدى حالتين: فإذا كانت الإساءة غير مقصودة من مسلم، وكانت هناك هفوة وكانت هناك زلة فكانت هناك كلمة إساءة إليك فعليك أن تتقبلها بصدر رحب، وأن تعفو عمن أساء إليك، قال النبي ﷺ : (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)، وهذا هو الذي أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠].
أما إذا جاءت الإساءة للحط من شأن مسلم من المسلمين، أو كانت إساءة إلى الأمة الإسلامية، فكانت مقصودة متعمدة من أجل الحط من إنسان مسلم وتحقيره وأذيته، لاسيما إذا جاءت من أعداء الإسلام، أو كان الهدف من ورائها الحط من الأمة الإسلامية ففي مثل هذه الحال لا يجوز العفو؛ لأن العفو يعني الذلة والمهانة من الأمة الإسلامية أو من المسلم حينما يستسلم لعدوه، ولذلك الله تعالى مدح الذين ينتقمون إذا أصابهم البغي، وكلمة (البغي) تعطينا المعنى الفارق بين العمد وغير العمد، بين من أراد أن يذل مسلماً أو يذل الأمة الإسلامية ومن هفا وأخطأ، فعلينا أن نتحمل هفوته وخطأه، فالله تعالى قال في باب المدح: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩]، فالانتصار للأمة الإسلامية ولدين الله أمر مطلوب، أما الانتصار للنفس فإن العفو أفضل منه.
стр. 297
قيام الليل
ويقول الله في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، ومعنى (يبيتون): يقضون الليل.
والسجود معناه وضع الوجه -وهو أعظم الأجزاء في الإنسان- على الأرض ذلة وخضوعاً لله ، ولذلك السجود يعتبر أفضل العبادات، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه ربيعة بن كعب ﵁، قال: (كنت كل ليلة آتي رسول الله ﷺ بوضوئه)، والوضوء -بفتح الواو- الماء الذي يتوضأ به، (فجئته بوضوئه ذات ليلة، فقال لي رسول الله ﷺ : سل يا ربيعة! فقال ربيعة: قلت: يا رسول الله.
أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أوغير ذلك يا ربيعة؟! قال: قلت: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فالسجود هو أعظم العبادات التي يتقرب بها الإنسان لله ، ولذلك أمر الرسول ﷺ بالإكثار من الدعاء في السجود فقال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن -أي: حري- أن يستجاب لكم).
إذاً هؤلاء المؤمنون عباد الرحمن يقضون الليل ساجدين وقائمين لله إذا أوى الناس إلى فرشهم وتمتعوا بالفرش الرقيقة وتمتعوا بالحسناوات من النساء ولذ النوم، وقد كان أحدهم يمسح بيده الفراش ويقول: والله إنك فراش لين رقيق، ولكن فراش الجنة ألين منك.
فيقوم راكعاً وساجداً بين يدي الله ، ودموعه تسيل على لحيته إلى الأرض من خشية الله .
والعجيب أنه في هذه اللحظات التي تجد فيها ذلك الإنسان -لاسيما في جوف الليل الآخر حينما ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ويقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) - تجد ذلك الإنسان فيها راكعاً وساجداً بين يدي الله تجد أقواماً ما زالوا مكبين على المعصية وعلى البعد عن الله ، حتى في جوف الليل الآخر الذي ينزل فيه ربنا إلى سماء الدنيا!! إذاً هناك فرق بعيد بين عباد الله وعباد الشهوات وعباد المعاصي والهوى والشيطان.
وهؤلاء الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ليس معناه أنهم يصلون الليل كله، فقد أرشد الرسول ﷺ إلى قيام جزء من الليل وقال: (أفضل الصلاة صلاة داود)؛ لأنه كان ينام ثم يصلي ثم ينام؛ ينام نصف الليل، ثم يصلي ثلثه، ثم يرقد سدسه، فيخبر الرسول ﷺ أن أفضل الصلاة هي صلاة داود ﵊.
ومعنى (يبيتون) أي: يقضون أكثر الليل.
وهؤلاء هم الذين يقول الله عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، ومعنى (تتجافى) أي: تتنحى.
فكان أحدهم إذا وضع جنبه على الفراش كأن الفراش يرفض هذا الجنب؛ لئلا ينام، ليقوم يقضي شيئاً من الليل ركوعاً وسجوداً وقياماً لله .
فما هو الفرق بين هؤلاء وبين أقوام يقضون الليل كله أو حتى الهجيع الأخير من الليل أمام الأفلام والمسلسلات والأغاني والمحرمات، وربما ما هو أكبر من ذلك، ثم إذا بأحدهم ينام ملء عينيه ولا يستيقظ إلا ضحىً، قد نام حتى عن صلاة الفجر، وهذا هو ما نخشاه على هذه الأمة في هذا الزمن الذي أرغد الله عليها العيش فيه، وأتم عليها النعمة، ولذلك نجد فرقاً بعيداً في حالنا اليوم وحالنا منذ سنوات، فقد كنا منذ زمن لا يجد أحدنا لقمة العيش إلا وهو يكد النهار كله، لكن ما كان أحدنا يتخلف عن صلاة الفجر أبداً، بل كان منا الراكع والساجد في الثلث الأخير من الليل، فلما أتم الله علينا نعمته، وأرغد لنا في العيش، وفجر لنا الخيرات من وراء آلاف الأقدام، وأصبحنا ملوك الدنيا في بلادنا وداخل بيوتنا، وأصبح العيش رغداً، إذا بنا لا نجد في صلاة الفجر إلا النزر القليل من عباد الله ، فهذه مصيبة، وهذه بلية، وكم هم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً من بين الذين يصلون الفجر مع المسلمين؟ وما علم هؤلاء عظمة صلاة الفجر وأهميتها، نسو أن الله تعالى أثنى على صلاة الفجر في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، وما قال: (وقرآنِ الفجر) بكسر (قرآن)، والقاعدة النحوية أن يقال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقرآنِ الفجر.
لأن الواو عاطفة، لكن يقول العلماء: إن الله قال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي أنه مقطوع عما قبله، أي: وأمدح قرآن الفجر.
أي: صلاة الفجر، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، ومعنى (مشهوداً) ما قاله الرسول ﷺ : (تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار)، فقد جعل الله لكل واحد ملكين في الليل وملكين في النهار يكتبون الحسنات والسيئات، ويجتمع الأربعة الملائكة في صلاة العصر وفي صلاة الفجر هبوطاً وصعوداً، فيصعد الذين كانوا فينا فيسألهم الله : (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون)، ولذلك نقول: إن صلاة الفجر هي أعظم الصلوات الخمس، فالله تعالى مدحها وسماها قرآناً فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)؛ لأنها تطول فيها القراءة، فالقراءة في صلاة الفجر أطول من أي قراءة في صلاة أخرى، فمدح الله صلاة الفجر، وأخبر الرسول ﷺ أن الملائكة تجتمع في صلاة الصبح وصلاة العصر.
إذاً: عار على مسلم أن يسهر أول الليل على معصية الله لينام في آخر الليل عن فريضة الله ، لينام في وقت ينزل الله فيه نزولاً يليق بجلاله وكبريائه وعظمته إلى السماء الدنيا ويقول: من يدعوني؟ من يسألني؟ من يستغفرني؟ والناس نيام، ثم إذا بهذا النوم يمتد إلى أن تطلع الشمس، أو بعد طلوع الشمس، فتضيع صلاة الفجر التي يقول الله عنها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
стр. 298
الدعاء بالسلامة والنجاة من عذاب جهنم
فقارن -يا أخي- بين هؤلاء وعباد الرحمن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً في الليل، فأحدهم يقوم فيقرأ السورة الطويلة، ويتململ بين يدي الله ويحني ظهره لله ، والدموع تتساقط على الأرض من خشية الله، ويسجد ويضع أشرف أعضائه على الأرض خشية وذلة لله ، والعجيب أن هؤلاء بالرغم من خوفهم من الله وعبادتهم الطويلة لله يهجرون المنام؛ لأنهم يخافون من الآخرة، فاسمع إلى قول الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان:٦٤ - ٦٥] أي أنهم يخافون من النار.
فما هو موقف الذين يبيتون أمام الأفلام والمحرمات وأمام الفواحش والزنا والخمور والمصائب العظيمة والمخدرات؟! فهؤلاء يبيتون لربهم سجداً وقياماً ويقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) وأولئك البعيدون يبيتون على ما حرم الله، ولا يقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ)، وكان المنطق أن يقول هذه المقالة الذين يبيتون عصاة لله ، لكن الحقيقة أن الذي يقولها هم الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً؛ لأن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً هم الذين عرفوا الله من خلال قيام الليل، ومن خلال الخلوات في ظلمة الليل، فإذا أسدل الليل جنحه وأرخى أستاره قاموا خاشعين لله ، فعرفوا الله ، وخافوا من عذابه، فإذا أنهوا عبادتهم قالوا: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) أما أولئك فكما قال الله عنهم: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فهم في غفلة وأحدهم نائم يغط في نوم عميق لا يستيقظ إلا حينما يأتي ملك الموت ليجلس عند رأسه ليقبض هذه الروح، وحينما يأتي ملك الموت ليقبض هذه الروح من ذلك الجسد يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]، فيقال له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
إذاً الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً هم الذين يقولون: (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ)، وهم الذين يخافون من جهنم، ويعتبرون جهنم أقسى عقوبة؛ لأنها غرامة لا تفارق الإنسان، كما لا يفارق الغريم غريمه، وإنما يطالبه حتى يأخذ حقه منه، فالنار تتابع هؤلاء حتى تأخذ حق الله منهم.
وفي سورة المؤمنون ذكر الله صفات عظيمة راقية للمؤمنين، ولما ذكرها قال عنهم بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠]، تقول عائشة ﵂: (قلت: يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] أهم الذين يزنون ويسرقون ويفعلون الفواحش ويخافون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، هم قوم يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل ذلك منهم).
إذاً هناك فرق بعيد بين عباد الرحمن وعباد الشهوات، فعباد الرحمن بالرغم من طاعتهم لله وبالرغم من هجرهم ألذ متع الحياة الذي هو النوم والمتاع الذي يكون على الفراش هم خائفون.
فيا أخي! أولى لي أنا وأنت حين فرطنا في كثير من أوامر الله أن نخاف، وأن نكثر من قولنا: (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)، وأولى بذلك البعيد الذي أمضى حياته كلها في معصية الله بعيداً عن طاعته يركب كل ما عن له وطاب ولذ من معاصي الله ولا يقف عند حد من حدود الله، أولى به أن يقول: (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً)، وذلك بعد أن يقدم الطاعة المطلقة لله ، والتوبة والإنابة قبل أن يحضر الأجل.
قال : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] أي: ساء من استقر بها، وساء من أقام بها، فهي مصيبة عظيمة لا تصيب إلا أعداء الله ، وهي أسوأ ما يعذب الله به عباده، فقد ساءت مستقراً وساءت مقاماً.
стр. 299
التوسط في الإنفاق
ثم يقول الله عن عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧].
الإسراف: هو تعدي الحدود في النفقة.
لاسيما إذا كان ذلك في معصية الله ، والقوام: الإنفاق في طاعة الله .
ولو أنفق الإنسان كل ماله فالإسراف أن ينفق ولو درهماً أو نصف درهم في معصية الله ، والقوام: أن ينفق ما ينفقه في طاعة الله .
إذاً عندنا نفقة في معصية الله -سواءٌ أكانت قليلة أم كثيرة- فهي تدخل في باب الإسراف، وفاعلها من الذين لا يحبهم الله ، وعندنا أمر آخر وهو النفقة فيما يرضي الله ، فهي طاعة لله ، ولا تدخل في باب الإسراف أبداً ولو أنفق الإنسان كل ماله، ولذلك جاء أبو بكر الصديق ﵁ بماله كله ذات يوم إلى رسول الله ﷺ فوضعه في حجر رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : (يا أبا بكر! ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله)، فدعا له الرسول ﷺ بخير، وكعب بن مالك ﵁ حينما أنزل الله توبته في قوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] جاء فقال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي شكراً لله، فقال له رسول الله ﷺ : (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)، يقول العلماء في هذين الخبرين الصحيحين: أما الأول فإن أبا بكر ﵁ يعرف عنه رسول الله ﷺ الجلد والصبر، فهو يتحمل شظف العيش، ويستطيع أن يتحمل كل شيء في ذات الله ، فقبل منه الرسول ﷺ كل ماله، أما بالنسبة لـ كعب بن مالك فقد عرف منه الرسول ﷺ أنه لا يتحمل شظف العيش، فأمره أن يحتفظ بشيء من ماله، ويكفي أن يقدم جزءاً من ماله لله شكراً لله .
أما الدرهم -ولو كان حقيراً تنفقه في معصية الله فإنه محرم، أما الإنفاق في المباحات فإذا وصل إلى درجة المبالغة فيدخل في قول الله تعالى: (يُسْرِفُوا)، أي أن الإسراف هو المبالغة ولو كان في بعض الأمور المباحة؛ لأن الله تعالى قد ذم قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]، فهذه صفة الكافرين يجب على المسلم أن يبتعد عنها حتى لا تكون صفة من صفاته.
إذاً: القوام -وهو قوام الحياة- يكون وسطاً بين الإسراف وبين التقتير، فالإسراف هو المبالغة في البذل، والتقتير هو البخل في البذل، فكما حرم الله وذم الإسراف والزيادة في البذل ولو كان ذلك في المباحات فقد ذم الله التقتير، والتقتير يشمل أموراً، منها: منع ما أوجب الله من النفقات والزكاة والصدقات الواجبة إلى غير ذلك، ومن التقتير: البخل على النفس وعلى الأهل، بحيث يصبح ذلك الإنسان لا يؤدي ما أوجب الله عليه تجاه نفسه وتجاه أهله وذويه الذين أمرهم الله بالإنفاق عليهم، قال : ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، إذاً التقتير محرم وممنوع، كما أن الإسراف أيضاً محرم وممنوع، فلا يجوز للإنسان أن يبخل بما أوجب الله عليه، أما إذا وصل الأمر إلى البخل بالأمور الواجبة العظيمة كالبخل بالزكاة -نعوذ بالله- أو البخل في النفقات الواجبة؛ فإن هذا من أعظم المحرمات عند الله ، لاسيما إذا كان في الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، قال : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، وقاتل أبو بكر الصديق ﵁ من منع الزكاة بعد وفاة رسول الله ﷺ وقال: (والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً -أو عناقاً- كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه).
إذاً معنى ذلك أن التقتير إذا وصل إلى البخل بما أوجب الله فهنا يكون الوعيد الشديد، نسأل الله العافية والسلامة.
فالله تعالى قد توعد الذين يبخلون بالزكاة بأنه يُحمى على هذا المال في نار جهنم، ثم يكوى به الجنب والجبين والظهر، وكلما برد أعيد فأحمى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة -وهو يوم القيامة- حتى يقضى بين العباد، ثم يرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥].
فعلى المسلم أن يحسب كل ماله على رأس كل سنة مالية بالنسبة له؛ ليدفع ربع عشر هذا المال بعد أن يحصيه إحصاءً كاملاً، وبعد أن يخصم منه ما عليه من ديون، ثم بعد ذلك عليه أن يؤدي ربع عشر هذا المال، وهذا الذي يقدمه هو الذي يقربه إلى الله يوم القيامة، ولذلك الرسول ﷺ يقول: (داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع).
стр. 300
اجتناب الشرك بالله ﷻ
ثم قال تعالى في صفات عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨].
أي نوع من أنواع الآلهة يُدعى من دون الله فهذا هو الشرك الأكبر، وهذه الآلهة كما نعرفها أنواع، ويظن بعض الناس أن الآلهة التي تُعبد من دون الله هي الأصنام، كالأصنام التي وضعها المشركون في الجاهلية، ونسوا أن عبادة الأصنام تتنوع في كل عصر وفترة، ففي أيامنا الحاضرة جاءت عبادة الأضرحة، وما يُسمى بالأولياء والصالحين، حتى بلغت عدد الأضرحة التي تُعبد في أيامنا الحاضرة ما يزيد على عشرين ألف ضريح! وكلها تعبد من دون الله تعالى، ويحج لها الناس من جميع بلاد العالم، ويتقربون إليها بالقرابين، ويذبحون حولها الذبائح، ويطوفون حولها، ويركعون ويسجدون ويخشعون ويتضرعون لها من دون الله ، وهذا نوع مما يعبد من دون الله.
وهناك آلهة أحياء تعبد من دون الله، وهذه لا تقل مصيبتها عن الآلهة السابقة، فكم من البشر من وضع نفسه إلهاً يشرع للناس، ويأتي بقوانين وأنظمة ليست من شرع الله بشيء، ثم يقسر هؤلاء الناس أو يدعوهم إلى إتباعها من دون شرع الله ، وهذا أيضاً أمر خطير، فالله يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، ولما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم ﵁: (والله -يا رسول الله- ما كنا نعبدهم، قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فتطيعونهم؟ قال: نعم، قال: فتلك إذاً عبادتهم)، فطاعة أولي الأمر في معصية الله وطاعة أصحاب القوانين والأنظمة التي تتنافى مع شرع الله تعتبر نوعاً من العبادة، وأصحاب هذه الأنظمة وتلك القوانين التي يشرعونها في المجتمعات ويطلبون من أصحاب المجتمعات أن يتبعوها من دون شرع الله أو يقسروا الناس عليها قسراً هم طواغيت، بل هم رءوس الطواغيت؛ لأن الله تعالى سماهم كذلك، بل إن الذين يتبعون هذه الأنظمة ويسلكون مسلكها من دون شرع الله وينقادون لها أيضاً هم عصاة مرتدون عن الإسلام، كما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، فالمسألة خطيرة.
إذاً عبادة الله هي توحيده بالطاعة، فلا يحني هذا الإنسان رأسه لغير الله ، ولا يخضع لأي أمر لا يتفق مع أوامر الله ، ولا يطوف بقبر ميت أو يتمسح بأعتاب حي من دون الله ، وعليه أن يثق بالله ، فبيده الخير، وهو الذي يرزق ويحيي ويميت، وبيده الآجال، قال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وحينما يصل الإنسان إلى هذه الدرجة يعرف الله حق المعرفة، وحينئذ يكون قد تخلص من عبادة غير الله .
стр. 301
اجتناب قتل النفس بغير حق
ثم قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨]، والنفس التي حرم الله هي النفس المؤمنة المطيعة لله التي لم تستوجب حداً يوجب القتل، كالردة عن الإسلام، أو كزنا المحصن، أو مفارقة الجماعة، وما أشبه ذلك، فإذا كانت هذه النفس بريئة طاهرة تقية فلا يجوز لأحد أن يتعدى عليها بقتل، ومن تعدى عليها بقتل فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣].
فقتل النفس أمر عظيم عند الله .
стр. 302
الابتعاد عن الزنا ووسائله
ثم قال تعالى: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]: والزنا هو الوطء في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً، ولذلك الله لما فتح طريق الحلال أمام هذا الإنسان فأعطاه أربع نسوة يتمتع بهن ويتمتعن به ووسع الله له في هذا الأمر جعل عقوبة الزنا شديدة في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول عن عقوبة الدنيا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور:٢]، وفي الآية المنسوخة تلاوة ذكر في عقوبة المحصن الرجم، أما بالنسبة لعقوبة الآخرة فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، فباب التوبة مفتوح، ولكن هذه الذنوب العظيمة التي أعظمها الشرك بالله وقتل النفس والزنا على المسلم أن يبتعد عنها، وأن يبادر بالتوبة إذا اُبتلي بشيء من ذلك.
وقد نزلت هذه الآية في قوم من المشركين عبدوا غير الله ، وأكثروا من القتل والزنا، فجاءوا تائبين بين يدي رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، ففتح الله باب التوبة أمام هذا الإنسان حتى لا يقنط من روح الله ، وهذه الجرائم العظيمة نستطيع أن نقول: إنها بدأت تنتشر في أيامنا الحاضرة في المجتمعات البشرية، وهذا الزنا -نسأل الله العافية والسلامة- من أخطر الأمور التي تفسد المجتمعات؛ حيث تختلط به الأنساب، ولا يعرف الرجل أبناءه، والأبناء لا يعرفون أباهم، فتفسد البيوت، كما أنه يؤدي إلى الطلاق ويؤدي إلى الريب، ويؤدي إلى المصائب، وبه تنتشر الأمراض في المجتمع، فكم نسمع عن الأمراض الحديثة التي جاءت مع هذه الفواحش -نسأل الله العافية والسلامة- ومع الزنا من الإيدز والهربس والسيلان والزهري وغير ذلك من الأمراض التي ما كان الإنسان يعرفها إلا بعد أن انتشرت هذه الجريمة، نسأل الله العافية والسلامة.
ولذلك يقول الرسول ﷺ : (لم تظهر الفاحشة -أي: فاحشة الزنا- في قوم قط إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم)، وبالرغم مما يقدمه الطب الحديث من وقاية وعلاج وعقاقير وغير ذلك فما زالت هذه الأمراض تنتشر في المجتمعات، سواء ما كان نتيجة حتمية لهذه الفاحشة العظيمة أو ما كان عقوبة من الله من الأمراض الأخرى التي ما كان الإنسان يعرفها، وتُسمى بأمراض الحضارة، وهي في الحقيقة ليست أمراض الحضارة، وإنما هي أمراض الفواحش والمحرمات.
فالزنا أمر خطير، ولا شك أن كلمة (زنا) منذ أن يسمعها الإنسان تصك أذنه فلا يفكر الإنسان فيها إلا من بعيد إذا لم يكن قد اُبتلي بهذه الفاحشة، نسأل الله العافية والسلامة، لكني أرى أن كثيراً من الذين تشمئز قلوبهم من هذه الكلمة فضلاً عن وجودها فيما بينهم -نسأل الله لنا ولهم الثبات- لا يبالون بوسائلها، وصحيح أن الزنا قد بذلت له في أيامنا الحاضرة كل الوسائل، ولم تبق وسيلة مقفلة أمام المجتمعات الإنسانية تدعو إلى الزنا إلا وقد انفتحت على مصراعين اثنين على مستوىً واحد، ولذلك لا يمكن أن تسأل عن وسيلة من هذه الوسائل إلا وتجدها قد انتشرت في المجتمع، إلا من حفظ الله ، فمثلاً: النظر الحرام فُتح له باب التبرج، وهذا التبرج الفظيع انتشر في أسواق المسلمين وفي كل حالاتهم، بل انتشر العراء والاختلاط الشديد، فنساء يأتين من وراء آلاف الأميال خادمات ومربيات وهن في سن الفتيات وذوات جمال، ويعشن داخل البيوت سنين طويلة بين العزاب وبين الرجل وزوجته، وربما تخرج زوجته ساعات أو تسافر أياماً ليبقى مع هذه الخادمة أو هذه المربية! وهكذا سائقون جيء بهم إلى قعر بيوت المسلمين، فأحدهم يحمل مفتاح البيت بجيبه، ويدخل متى شاء، ويخرج متى شاء، ويحمل الزوجة، ويحمل البنات إلى المدرسة وإلى الأسواق، وكأنه هو رب البيت! وهكذا تُوجد أفلام ومحرمات تتكرر في كل ليلة وفي كل ساعة على مشهد من الأطفال والنساء والآباء والأبناء.
إنها أمور خطيرة والله لا تتحملها حتى النفوس التقية فكيف بالنفوس المريضة؟! وكيف بالذين في قلوبهم مرض؟! لقد كنا نظن أن في جاهلية اليوم خيراً فإذا بنا نرى في جاهلية الأمس التي بعث فيها رسول الله ﷺ من إذا ركب على ظهر الفلك دعا الله مخلصاً له الدين، وإذا كان على ظهر الماء يخاف حينما تهب ريح شديدة أن تنقلب السفينة فيغرق، فيدعو الله ويوحد الله، أما اليوم فتشاهد أن من وراء عشرات آلاف الأقدام بين السماء والأرض في الطيران من يستمر ساعات طوال وهو مع النساء والتبرج والعراء والأفلام والمصائب ولا يخاف ولا يتأثر، وهذا مما يندى له جبين المسلم.
فالقلوب تشمئز حين تسمع كلمة (زنا)، لكن مَنْ مِنَ الناس قد استطاع أن يحصن نفسه أو مجتمعه؟ لا يوجد إلا من شاء الله، فالمجتمعات الإنسانية بصفة عامة والمجتمعات الإسلامية بصفة خاصة -حتى المجتمعات المحافظة- انتشر فيها هذا التبرج وهذه المحرمات والصور والأفلام! ولو عملنا إحصائية عن عدد ما في بيوت المسلمين اليوم من أفلام لما استطعنا إلا أن نخرج نسبة ضئيلة جداً تخلو من هذه الأشياء، أما البقية فقد غصت بهذه الأفلام، سواء ما يأتي عن طريق التلفاز أو الفيديو أو السينما أو الصور الثابتة والمجلات الفاتنة.
إذاً المصيبة كبيرة، وبالرغم من أن الناس يشمئزون من كلمة (الزنا) إلا أن القليل منهم هو الذي يتخذ الحيطة لنفسه ولأهله من هذا الأمر، ولذلك لا تستغرب حينما أقرن بين الزنا وبين هذه الأمور؛ فإن الله تعالى قرن بينها في سورة النور، فلما ذكر الله الزنا ذكر الأمور التي تؤدي إلى الزنا فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧]، إلى غير ذلك من الاحتياطات.
إذاًَ: هذه الاحتياطات يُطالب بها الناس اليوم ودائماً وأبداً حتى يقضوا على فاحشة الزنا، فما هي النتيجة حينما انفتح الباب على مصراعيه في بلاد المسلمين؟ هل تتصور أن نسبة كبيرة من شباب المسلمين يقضون أي إجازة ولو كانت قليلة في بلاد الغرب؟! بل سمعت أن بعضهم يقضي إجازة الأسبوع في بلاد الغرب أو في بلاد الفسق والمعاصي! هذا هو الذي يحدث، فما الذي دفع بهؤلاء إلى ذلك؟ حتى لقد رأينا كثيراً من شباب الأمة الإسلامية المحافظة ومن أبناء الصالحين من يستغلون الفرص، وكأن أحدهم يعيش كطير في قفص يريد أن يبحث عن فرصة ليفر من هذا المجتمع المحافظ؛ لأنه رأى ما يثير الشهوة ويحرك الغرائز في مجتمعه وداخل بيته، فهو لذلك يبحث عن الجريمة.
إذاً من هو الذي يُسأل عن هذا الإنسان يوم القيامة؟ يُسأل عن هذا الإنسان يوم القيامة كل من ساهم في تحريك هذه الغريزة فحركها تحريكاً منحرفاً، كالإعلام الذي يوصل هذه الأشياء إلى بيوت المسلمين، فيوصل الصحف والمجلات والأفلام والمسلسلات والأغاني وصور النساء، والآباء الذين يأتون بهذه الأشياء، وكل من ساهم في هذا الأمر لابد أن يتحمل نصيباً من المسئولية بين يدي الله .
ووالله! إن من يسافر إلى بلاد منفلتة لا تنضبط بأخلاق ولا بدين ولا بقيم ويرى أبناء المسلمين وأبناء المحافظين يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! هذه هي النكبة، وهذه هي المصيبة.
فعلينا أن نحافظ على هذه الناشئة، وأن نطهر بيوتنا مما حرم الله ، فما يوجد في بيوت المسلمين وفي بلاد المسلمين من هذه الأشياء هو أكبر دافع لوجود هذه الفاحشة في بلاد المسلمين وخارج بلاد المسلمين.
فالله تعالى يقول: ﴿وَلا يَزْنُونَ﴾، ثم لما ذكر الله هذه الصفات الثلاث وهي أخطر الصفات -الشرك بالله وقتل النفس والزنا- قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٦٩]، فـ (أثاماً) أي: عقاباً، وكيف يضاعف له العذاب يوم القيامة؟
الجواب
يزاد ويكرر فيعطى من العقوبة أكثر مما يعطاه إنسان آخر، ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ [الفرقان:٦٩] أي: في العذاب ﴿مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]، ومن نعمة الله أن باب التوبة ما زال مفتوحاً، وسيبقى باب التوبة مفتوحاً حتى تطلع الشمس من مغربها، وحتى تبلغ الروح الحلقوم، ولكن -يا أخي- هل تدري متى تبلغ الروح الحلقوم؟! أو متى تطلع الشمس من مغربها؟! أنا وأنت لا ندري، والعلم بيد الله ، فما على أي واحد منا إلا أن يبادر بالتوبة.
ثم قال : ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، وهذا دليل على أن التوبة إنما كررت هنا لأنها يجب أن تكون توبة صادقة، أما التوبة التي يتوب فيها الإنسان اليوم ليلعب بها غداً ولينقضها ويتوب بعد غد فهذه ليست توبة صادقة، فالتوبة الصادقة هي التي تستوفي الشروط المعروفة: الإقلاع عن الذنب، والندم، والعزم على أن لا يعود، ورد المظالم إذا كانت هناك مظالم بينه وبين خلق الله .
стр. 303
الابتعاد عن شهادة الزور وأماكن المعاصي
ثم قال تعالى في ذكر صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢].
والزور هو: كل محرم، مأخوذ من التزوير أو من الازورار، والازورار معناه الانحراف، والتزوير معناه: التزيين.
لأن أصحاب القول الحرام يزينون كلامهم ليكون مقبولاً في المجتمع، كما تشاهد في واقعنا اليوم، فعباد الرحمن لا يشهدون الزور، وهذه الآية تحتمل معنيين، ولربما كان المعنيان مرادين، فتشمل شهادة الزور، وتشمل حضور المجالس التي فيها ما حرم الله .
أما شهادة الزور فإنها من أعظم الذنوب عند الله ، ويدل على ذلك حديث أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: (ألا أنبئكم بأكبر ما أكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله.
قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.
وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور.
فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)، أي: لما ظهر من علامات الغضب على رسول الله ﷺ .
فشهادة الزور معناها الذي تعرفه، وهو أن يأتي إنسان ليشهد على إنسان بأن هذا المال لفلان.
وليس لفلان أو بأن هذا المال ليس لفلان وهو لفلان.
فهذه هي شهادة الزور عياذاً بالله، وهي ظلم عظيم تؤدي إلى أن تنتقل الأموال إلى غير أهلها بسبب هذه الشهادة الحرام الكاذبة، فشهود الزور هم الذين يذهبون إلى المحاكم وأمام القضاء وفي غير هذه الأمور ولا يدلون بالشهادة على حقيقتها، بل يقلبونها ضد صاحبها، نسأل الله العافية والسلامة، وهؤلاء يقترفون أكبر الكبائر، فعليهم أن يبادروا بالتوبة، فالله تعالى يقول: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢].
وكذلك لا يشهدون المجالس التي فيها الكلام المحرم، فكم من مجالس المسلمين اليوم يوجد فيها من الغيبة والنميمة والكذب والبهتان، بل والطعن في الدين -نعوذ بالله-، والضحك والسخرية بأبناء المسلمين وبالصالحين يوجد فيها من ذلك الشيء الكثير! وهذا يكثر، وتجد كثيراً من هذه المجالس تُعمر بهذه الأمور، ويسخرون من المؤمنين ويضحكون، وهذا من أعظم الزور، وكم يوجد من المجالس التي تُعمر بالموسيقى واللهو والغناء! ولذلك جاء أن عبد الله بن مسعود ﵁ مر ذات يوم بقوم يغنون، فلما استمع الغناء أسرع وهرب، فذُكر خبره لرسول الله ﷺ فقال: (إن ابن أم عبد كريم)، وفي هذا إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢]، فالزور هو كل كلام محرم، فإذا رأيت -يا أخي- من يتكلم كلاماً محرماً ومن يخوض في آيات الله فعليك أن تعظه وتذكره وتخوفه بالله ، فإن التزم وإلا فعليك أن تبتعد عنه كثيراً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، وعلى هذا نقول: إن قوله تعالى: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] يشمل الأمرين جميعاً، فاحذر أي كلام محرم وأي شهادة محرمة ليست على حقيقتها، ولا تشهد إلا على مثل الشمس، كما قال الرسول ﷺ : (على مثلها فاشهد أو دع)، أما الذين يشهدون الزور وينقلون الأموال من إنسان إلى إنسان بشهاداتهم فهؤلاء قد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
وأعظم من هؤلاء -والعياذ بالله- الذين يأخذون أموال الناس بالأيمان الكاذبة، فيحلف أحدهم على الحرام بأن هذا له وليس له، أو أن هذا لفلان وليس لفلان، وهذه هي اليمين الغموس التي يقول عنها الرسول ﷺ : (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ونعوذ بالله من ذلك، فالذي يحلف على ما ليس له ويقول: والله إن هذا لي.
أو: والله إن عندك لي كذا.
أو: والله إنه ليس عندي لك شيء، وهو عنده ويعلم ذلك فهذه هي اليمين الغموس، وسُميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في النار، وسُميت اليمين الصبر لأن صاحبها إذا أراد أن يحلف تجده يتردد ولو كان ضعيف الإيمان، بل لو فقد الإيمان وكان يريد أن يحلف فإنك تجده يتنازع الإيمان والمطامع أمام نفسه، فيقدم على هذه اليمين الكاذبة من أجل أن يأكل فيها أموال الناس، والعياذ بالله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] أي: إذا رأوا كلاماً حراماً غيبة أو نميمة أو كذباً أو مجالس سفهاء يضحكون ويسخرون من دين الله ومن المؤمنين فإنهم يهربون من هذه المجالس، ولا يجلسون فيها، لكن بعد أن يدافعوا عن أعراض إخوانهم المسلمين، فإن استطاعوا وإلا فعليهم أن يهربوا من هذه المجالس؛ حتى لا تنزل عليهم عقوبة الله مع هؤلاء.
стр. 304
الدعاء بصلاح الأزواج والذرية
ثم يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤].
قرة العين معناها: سكونها.
والعين بطبيعتها دائماً تتحرك وتلتفت يميناً وشمالاً تبحث عن الأفضل، لكن حينما تحصل العين على مطلوبها من زوجة صالحة أو من ولد صالح تقر هذه العين، أي: لا تلتفت إلى نساء الناس، ولا إلى أولاد الناس، فلا تكثر هذه العين الحركة، فهم يريدون أن يكون لهم أهل صالحون وأولاد صالحون وتقر عيونهم بهؤلاء الصالحين، ولهذا يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤].
لكن -يا أخي- هل تتصور أنهم يقولون هذه الكلمة دون أن يقدموا لها أسباباً؟ وهل أحدهم تجده يترك ولده يفسق ويفسد وتذهب أخلاقه ويخالط قرناء السوء، ويترك زوجته تذهب متى شاءت وترجع متى شاءت في محافل الزواج وفي الأسواق وغيرها ويقول: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤]؟! لا.
بل لابد أن يقدم الأسباب، وإذا قدم الأسباب فعليه أن يعتمد على الله ؛ لأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فبعد أن يقدم الأسباب يقول: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤].
стр. 305
الدعاء بالإمامة في التقوى
ثم أيضاً بعد ذلك يقولون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، فانظر -يا أخي- إلى الطموح، إنه طموح عظيم، فهم لا يريدون فقط أن يكونوا متقين، بل ولا يريدون أن يكونوا تبعاً للمتقين، وإنما يريدون أن يكون الناس يتبعونهم في تقوى الله ، وهذا هو الطموح الذي يجب أن يتنافس فيه الناس، فالناس عليهم أن يتنافسوا في مثل هذه الأمور، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فهم يريدون أن يكونوا هم قادة الفكر ودعاة الحق في هذا العالم، ويُقتدى بهم في تقواهم وطاعتهم لله ، أما أن يكونوا تبعاً فهذا طيب، لكن خير لهم أن يكونوا يُقتدى بهم، كما قال ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)، وهذا هو المعنى الصحيح، والله أعلم.
والمعنى الآخر في قوله سبحانه: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] أي: واجعلنا نقتدي بالمتقين، لكن المعنى الأول أقوى وأقرب إلى الصواب وإلى لفظ الآية، وليس معنى ذلك أنهم يريدون السلطة والكبرياء في الأرض، فهناك فرق بين من يريد أن يكون إماماً في تقوى الله وبين من يريد أن يكون صاحب سلطة، فقد نهى الرسول ﷺ أن يبحث الإنسان عن السلطة، اللهم إلا إذا كانت لمصلحة هذا الدين، وقد قال ﵊ لـ عبد الرحمن بن سمرة ﵁: (يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها).
ولذلك المسلم يجب عليه أن يكون طموحاً لأن يكون قدوة في الخير، أما أن ينافس الناس على المناصب الدنيوية العالية فهذه ليست صفة المؤمن، اللهم إلا إذا كان الأمر كما قال يوسف ﵊: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، وذلك إذا رأى فساداً في المجتمع، ورأى أنه باستطاعته أن يصلح في أوضاع هذا المجتمع، فيمكن أن يكون طموحاً إلى مثل هذا المركز، لا من أجل أن يتخذه وسيلة لأن يتخذ أمر المسلمين كالوسادة ليحقق مآربه، إلى غير أهله، ولا ليريد أن يطغى من خلال هذا المنصب أو يفرض قوة فوق قوة الله كما يعتقد، وإنما يريد فقط أن يصلح في هذا المجتمع، ففي مثل هذه الحال يطلب المنصب، كما قال يوسف ﵊: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
стр. 306
جزاء عباد الرحمن
جزاء أهل الصفات السابقة كلها يقول الله تعالى عنه: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، أتدري ما هي الغرفة؟ الغرفة هي أعلى درجات الجنة، والجنة درجات، كما قال النبي ﷺ : (الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض) يعني: يرتفع بعضها على بعض في الجنة.
فهؤلاء يخبر الله أنهم ما داموا في هذا المستوى من العبودية للرحمن فإن جزاءهم في الآخرة الغرفة، وهي أعلى درجات الجنة.
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥] أي أن هذه الأعمال كلها تحتاج إلى صبر، فمن يستطيع أن يقوم الليل في شدة البرد؟ ومن يستطيع أن يصوم النهار في الصيف إذا اشتد الحر؟ ومن يستطيع أن يحبس نفسه أمام هذه الشهوات؟ لكن الذين صبروا هم الذين يستطيعون ذلك.
ولذلك الله تعالى يعطيهم الغرفة في الآخرة بسبب صبرهم وتحملهم طاعة الله ، وصبرهم عن معصية الله ، وصبرهم على أقدار الله المؤلمة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 307
عقبات في طريق المسلم
المسلم في هذه الدنيا مبتلىً، وأمامه في سيره إلى الله تعالى عقبة كئود، وابتلاءات كبيرة، وهذه سنة الله في هذه الحياة الدنيا؛ ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، ويمحص ما في القلوب.
فعلى المسلم أن يعتصم بربه، وأن يتمسك بدينه، وأن يستلهم من الله العون والتوفيق، ثم ينطلق غير مكترث بهذه العقبات، ويتحلى بالصبر فإن الصبر مفتاح الفرج.
стр. 308
الصراع بين الحق والباطل سنة كونية
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، لا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، بيده القلوب ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، الذي أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته.
أما بعد: فإن من يتتبع تاريخ البشرية يجد أن الصراع بين الحق والباطل قديم قدم وجود البشر على وجه الأرض، فهو صراع لا ينتهي أبداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولد مع الإنسان في أول خلقه، كما قال : ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، وهذا هو الصراع بين الإيمان والإلحاد، وبين الإسلام والكفر، وتبقى معه فرقة ناجية حتى تأتي آخر لحظة من لحظات الحياة الدنيا وهي تكافح المنكرات، وتقدم النفس والمال في سبيل الله ، لا تتوانى أبداً ولو أظلم الجو أو اكفهر، فلابد من أن تبقى هذه الفرقة تصارع الباطل، ولربما تكون في بعض الأحيان الغلبة للباطل، لكنها ليست غلبة، وإنما هي زبد، وإنما هي الفتنة التي يقول الله عنها: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] يعني: أتتحملون هذه الفتنة؟ وهي الفتنة التي تُعِّرف بالرجال، وتميز المؤمن الصابر من غير الصابر، وطريق الجنة تعترض على كثير من العقبات، كما قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١٤] أي: الأمم السابقة، فلستم أنتم أول من ابتلي في طريق الجنة، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
فقوله: (زلزلوا) يعني: كأن الأرض تهتز، وكأن كل الأرض أصيبت بالزلزال من تحت أقدامهم، مع أن الأرض ما تزلزلت، وإنما هو الخوف الشديد الذي أصاب المؤمنين على أيدي أعدائهم الكافرين والمنافقين والمفسدين في الأرض، فأصبح أمراً شديداً حتى كأن الأرض أصحبت تهتز من تحت أقدامهم، وزلزلت إلى أي حد؟ ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
تصور الرسول الذي يوحي الله إليه مباشرة، والذي يأخذ من عند الله الوحي غضا طرياً، والذي تنزل عليه الكتب السماوية يقول: (متى نصر الله)؟ وتصورا كلمة (متى)، فإن أصلها في اللغة اسم استفهام، لكن هنا تحمل معنىً آخر غير الاستفهام، وهو الاستبطاء، أي: أبطأ نصر الله إلى أن يصل الشك إلى بعض ضعاف الإيمان الذين يعيشون مع المرسلين.
وفي مثل هذه الظروف يأتي نصر الله، وتأتي قبله البشرى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
стр. 309
وجود الأذى والمشقة والابتلاء في طريق الجنة
في طريق الجنة زلزلة، وبأساء، وضراء، وأمور مخيفة، وإزعاج، وأذىً للمؤمنين، وتقييد لحرية الدعاة وغير ذلك، إلى أن يصل الأمر إلى شيء من اليأس في نفوس بعض المؤمنين، وشيء من الاستبطاء في نفوس الصادقين من المؤمنين والأنبياء فيقولوا: (متى نصر الله)؟ وفي مثل هذه اللحظات يأتي نصر الله، ولكن بشرط أن لا يرجع المسلمون من منتصف الطريق، وهذا هو أخوف ما نخاف على المسلمين، لا سيما الذين ولدوا في حياة آمنة مطمئنة، ولا يعرفون في طريق الجنة هذه العقبات، ثم يفاجئون بهذه العقبات، ثم يصابون بشيء من الفتن، ثم يرجع بعضهم من منتصف الطريق، ويقول: أنا هربت من العذاب، فكيف أقع في العذاب؟ وهذه فكرة ناس من ضعاف الإيمان، ولذلك يقولون هذا.
ولذلك الله تعالى ذكر عن هؤلاء القوم أن منهم من يقول: (آمنا بالله) بلسانه، ثم يبتليه الله بشيء من هذه العقبات التي تعترض سبيل المؤمن في طريقه إلى الله والجنة والدار الآخرة، ثم لا يتحمل؛ لأن إيمانه ضعيف، ثم بعد ذلك يرجع من منتصف الطريق، وهؤلاء هم الذين يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] يعني: أصابته فتنة من فتن الحياة الدنيا ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: أذى الناس (كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: كأن يقول: أنا هربت من عذاب ووقعت في عذاب محقق أمامي أرآه بعيني وأعيشه ويؤذيني، فهل أتحمله من أجل خوف وهروب من عذاب منتظر ما رأيته حتى الآن؟ يقول بنفسه كذا؛ لأن الإيمان ضعيف، فيرجع وينكص على عقبيه، وهذا معنى قوله تعالى: (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) أي: في دين الله (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ) أي: أذى الناس (كَعَذَابِ اللَّهِ).
لكن إذا جاء النصر وجاء المال وجاءت النعمة والخيرات مع هذا الدين يأخذ هذا الدين؛ لأنه ليس فيه مشقة، فإذا ما أصابه الفضل من الله أخذ بهذا الدين، ولذا قال: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [العنكبوت:١٠] يعني: أصبح المسلمون في عزة ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في هذه الغنيمة ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]، فالذي يكابد هذه الشدائد والذي يريد أن يأخذ من هذا الإسلام ما لان عليه أن يعلم أن الله تعالى أعلم بما في صدور العالمين.
هذه هي الفتنة التي نسمع أخبارها في القرآن، وهذا هو الابتلاء الذي يقص الله تعالى علينا أخباره، وأن هناك من الناس من لا يتحمل هذه الشدائد لأنه يعبد الله على حرف، أي: على طرف بين الإيمان والكفر، بمعنى أنه لم يتمكن الإيمان من قلبه ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]، والعياذ بالله! ولذلك لا تعجب في أيام الفتن من أن ترى من الناس من يضطرب إيمانه، ومن يهتز يقينه بالله وخشيته من الله ، فيرجع دون أن يكمل المشوار إلى الله وإلى الدار الآخرة؛ لأنه كان يعبد الله على حرف، وعلى طرف بين الجاهلية والإسلام، فهذا لا يمكن أن يثبت على دينه إلا حينما يكون هناك خير وتكون سعادة ويكون رخاء وتكون غنائم ويكون المسلمون في راحة، وهذا هو الذي يتطلبه كثير من المسلمين في أيامنا الحاضرة، يريدون إسلاماً ليست فيه فتنة، وليس فيه ابتلاء، وليست فيه محن، فأحدهم يصوم ويصلي ويؤدي الزكاة إن كان عنده مال إلى آخر ذلك، لكن الجهاد ثقيل على النفوس، سواء أكان جهاداً بالحجة التي ربما تضع بعض العراقيل في طريق المسلم في سيره إلى الله ، أم بالمال الذي هو غالٍ عليه ونفيس، أم بالنفس التي يراق فيه الدم وتسلب فيه الروح.
стр. 310
طريق الجنة محفوف بالمكاره
ومن هنا نعرف أن الدين الإسلامي ليس ديناً ليس فيه عقبات، ونعرف أن الجنة التي هي سلعة الله غالية، وأنها لا تدرك إلا بمشقة طويلة وتعب وعناء، كما قال الرسول ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة).
ولذلك الله تعالى أثبت لنا في القرآن بيعة، هذه البيعة توافرت فيها كل أركان البيع الأربعة المعروفة عند الفقهاء، وهي: بائع، ومشتر، وثمن، وسلعة، ولكن الثمن لما كان كبيراً كانت السلعة غالية على هذا الإنسان، فالثمن هو الجنة، والسلعة هي النفس والمال، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] يقدمون النفس والمال من أجل الله وأجل دينه ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] هذا هو الثمن ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١].
إذاً البائع هو المسلم المؤمن، والمشتري هو الله ، ومن العجيب أن الله يشتري هذه السلعة وهي ملك له ، فالنفس والمال ملك لله ، لكن من أجل أن يرفع من قيمة هذا الإنسان.
ولما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن رواحة ﵁ ومن معه من المسلمين: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة.
فقال عبد الله بن رواحة ﵁: يا رسول الله! ربح البيع، والله لا نقيل ولا نستقيل).
فخرج المسلمون عن بكرة أبيهم للجهاد في سبيل الله، حتى لامهم الله وقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
إذاً طريق الجنة طريق مفروش بالتعب والمشقة لا بالورود والرياحين، وطريق النار هو الذي حف بالشهوات، ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى لما خلق الجنة قال لجبرائيل ﵊: (اذهب إليها فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها) فذهب جبريل فرأى هذا النعيم المقيم الخالد، والأنهار الجارية، والأشجار الباسقة، والذي لا يخطر على قلب بشر من الناس، فرجع إلى الله ، وقال: (وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)، فأمر الله بالجنة فحفت بالمكاره: جهاد في سبيل الله، وصلاة الفجر في وقت النوم والراحة واللذة، وترك ما حرم الله من الشهوات، والنفوس تميل بطبيعتها إلى ما حرم الله وإلى هذه الشهوات وغير ذلك من الأمور، فلما رآها جبريل جاء إلى الله وقال: (وعزتك وجلالك خشيت أن لا يدخلها أحد)، فخلق الله تعالى النار، ولما خلق النار قال لجبريل ﵊: (اذهب وانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها)، فلما جاءها جبرائيل ﵊ وجدها يأكل بعضها بعضاً، فرجع وقال: (وعزتك وجلالك لا يدخلها أحد سمع بها)، فأمر الله بها فحفت بالشهوات، أي: الشهوات المحرمة التي تجذب هذا الإنسان جذاباً مغناطيسياً إليها، والتي تميل إليها نفوس ضعيفة بفطرتها وبشهوتها، فلما رآها جبريل قال: (وعزتك وجلالك! خشيت أن لا ينجو منها أحد) أي: لما في طريقها من الشهوات.
ومن هنا نقول: لا تعجب حينما ترى هذه العقبات في طريق الجنة، فإن الجنة لا يدخلها إلا من يستحق الجنة، والذي يقتحم هذه العقبات -وهي صعبة شديدة على النفوس- هو الذي يستحق هذه الجنة.
стр. 311
أجر من يثبت أيام الفتن في آخر الزمن
في أي عصر وفي أي فترة لابد من أن تكون هناك عقبات في طريق الجنة، لكننا في أيامنا الحاضرة -وربما نكون في العصر الأخير وفي الفترة الأخيرة من فترات الحياة الدنيا- نرى عقبات عظمت في طريق الجنة، وليس ذلك غريباً؛ لأن المسلم في هذا العصر الذي يتمسك بدينه ويقتحم هذه العقبات له أجر خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ .
فتصور -يا أخي- واحداً له أجر خمسين من مثل أبي بكر وعمر ﵄ وسائر الصحابة الذين قدموا أنفسهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل الله، فالرسول ﷺ قال: (للعامل منهم أجر خمسين)، وهم الذين يأتون في آخر الزمان لا يجدون على الحق أعواناً، وربما تقف الدنيا كلها في وجوه هؤلاء، وربما يكذبهم أقرب الناس منهم، وربما تتحرك العواطف والمشاعر في نفوس أهلهم ثم يتغلبون على هذه العواطف، فلهم أجر خمسين، قالوا: (يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: أجر خمسين منكم).
فلابد من أن يكون في طريق هذا الأجر -كأجر خمسين من أصحاب رسول الله- عقبات وأمور خطيرة، ولا يستطيع أن يقتحم هذه العقبات إلا المؤمن الصادق، قال : ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١١ - ١٤] وهذا من العقبة أيضاً.
стр. 312
عقبات في طريق المسلم
стр. 313
وجود المنافقين
نعود إلى حديثنا ونقول: في طريق الجنة عقبات، وفي طريق الجنة وحوش، وفي طريق الجنة سجون، وفي طريق الجنة إراقة دماء، وفي طريق الجنة أذىً، وفي طريق الجنة مصائب ومشاكل، وليس معنى ذلك أن الله تعالى يريد أن يحرم هؤلاء الجنة، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧].
ولكن هذه العقبات بمقدار ما تزيد في فترة من فترات التاريخ يقتحمها المسلمون ويزيد إيمانهم ويقينهم بالله ، ولذلك الله تعالى يقول لنا في القرآن: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: الأحزاب التي تجمعت من جميع بلاد الكفر لتحيط بالمدينة.
وهي كالأحزاب الموجودة عندنا الآن، فكان هناك أحزاب من الداخل في المدينة، وكان المشركون والوثنيون ونصارى العرب يطوقون المدينة من الخارج، وكان المنافقون واليهود يهزون الأمور من الداخل، كما يوجد في أيامنا الحاضرة سواء بسواء، قال : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]، وما قالوا: سوف ننسحب من المعركة، فأعداء بالداخل وأعداء بالخارج كيف نستطيع لهم جميعاً؟ وهل سنتغلب على عدو يأتينا من الخارج وعدو من الداخل لا ندري أيهما نقدم وأيهما نحارب؟ بل الذي حصل أن المؤمنين لما رأوا هذه الواقعة قالوا: هذا ما كنا ننتظره، كنا ننتظر هذا اليوم، وجاء هذا اليوم، ولذلك فلا خيار لنا في هذا اليوم، قال عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]، ما الذي حدث؟ ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: إيماناً بوعد الله ، وتسليماً لقضاء الله وقدره.
ثم بعد ذلك انقسموا إلى قسمين: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] يعني: منهم من قتل في هذه المعركة ومنهم من ينتظر دوره في الشهادة في سبيل الله؛ لأن تواجد الأحزاب في الداخل والخارج -كما يوجد في أيامنا الحاضرة- هو الذي حرك همة المؤمنين إلى أن يقولوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] ثم أيضاً هو الذي حرك المؤمنين لأن يستميتوا في الجهاد في سبيل الله.
واليوم يعيد التاريخ نفسه، ويأتي يوم يشبه يوم الأحزاب إن لم يكن أشد، فهناك عدو من الخارج يطوق الجزيرة العربية، وهناك أعداء من الداخل يريدون أن يهزوا المسلمين داخل الجزيرة العربية ويستغلوا الفرص، وهذا هو منهجهم وديدنهم، فإذا رأوا العدو الخارجي تحرك فإنهم يتحركون، كما كان يتحرك المنافقون واليهود داخل المدينة يوم غزوة الأحزاب من أجل أن يهزوا المسلمين، حتى يتغلب العدو الخارجي، وهذا هو منهجهم.
ولذلك لا تعجب حينما ترى البلاد التي يطوقها العدو من الخارج يتحرك فيها الجرذان والمفسدون في الأرض من الداخل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية:١٩]، فالذين في الداخل أولياء الذين في الخارج، والكفر ملة واحدة، والردة عن الإسلام منهج واحد، وليس هناك طريق للجنة إلا طريق واحدة، ومن بحث عن طريق أخرى فإنه لن يجد ذلك، كما قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
إذاً هناك عقبات، وهذه العقبات تزيد في مثل أيامنا الحاضرة وربما نتعرض لذكر شيء منها حسب ما يتسع له المقام، ونسأل الله التوفيق.
стр. 314
غفلة دعاة الإصلاح
من العقبات التي تعترض سبيل المؤمنين غفلة دعاة الإصلاح، وحينما نقول: (غفلة)، لا نجرد جميع المسلمين؛ فهناك خير والحمد لله، لكن هناك من تأخر، إما أنه انشغل بمتاع الحياة الدنيا، أو لأنه خاف، أو لسبب من الأسباب، ودائماً لا تتحرك الجرذان إلا حينما يهدأ الجو، فالفئران التي تقرض في المتاع وتفسد في البيوت إذا كان هذا البيت خالياً تتحرك هذه الفئران وتقرض وتفسد في أسلاك الكهرباء وفي الأمتعة حتى تحطم هذا البيت إن استطاعت، ولكن حينما تكون هناك حركة من الداخل وأصوات تزعج هذه الفئران تعود هذه الفئران إلى أوكارها، والخفاش الذي يخرج إلا في الظلام إذا طلع عليه الفجر يختفي في وكره، ولذلك نقول: إن دعاة الحق صار يختفي كثير منهم في أيامنا الحاضرة، حتى أصبح الحمل ثقيلاً على طائفة من الناس، فنطالب هؤلاء بأن يشتغلوا بالدعوة إلى الله وأن يبينوا لهؤلاء الناس الطريق المثلى التي تهديهم إلى الله وأن يكشفوا المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام.
стр. 315
تحرك دعاة الباطل
وهناك أمر آخر، وهو بطبيعته ردة فعل للسابق، فإذا سكت دعاة الحق تحرك دعاة الباطل، وربما يستحوذون على كل وسائل الأعلام في بلد ما ينام فيها العقلاء والمصلحون، فيتحدثون ملء أفواههم، ويملئون الدنيا صراخاً وعويلاً، ويملئون الساحة ويشغلون ما يسمى بالفراغ بدعوة باطلة يقصدون من ورائها إضعاف الحق وإرهاق المؤمنين، أو الفصل بين دولة إسلامية وبين المؤمنين فيها، أو بين دولة إسلامية وبين العلماء والمصلحين فيها، وهذا معروف في تاريخ البشرية من أوله إلى آخره، فحينا يتخلى العلماء والمصلحون عن الدولة لابد من أن تنهار، وهذه سنة الله تعالى في هذه الحياة؛ لأن العلماء هم مصابيح الظلام، وإذا كانوا كذلك لا تفسد الشعوب، وربما يخيم الظلام على بلد ما لا يتحرك فيها العلماء، ثم ينشط بعد ذلك دعاة الباطل، ثم يكون الأمر خطيراً.
فدعاة الضلال ينشطون على المنابر -وأقصد بالمنابر الوسائل الإعلامية في العالم الإسلامي- حينما نام العلماء ولم يستيقظ منهم إلا العدد القليل، حتى أصبح الحمل ثقيلاً والعبء شاقاً على هذا العدد القليل، فصار أولئك يستضعفونهم ويسبونهم من منطلق القوة أو من منطلق القيادة أو من منطلق المسئولية.
وهذا الذي يحدث خطير جداً، لكن أخطر من هذا أن يكون هؤلاء الدعاة يشغلون من الداخل بفعل كفعل المنافقين يوم طوق الأحزاب المدينة، وأخطر من ذلك كله أن يكونوا من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وأخطر من ذلك كله أن يدبجوا ويزخرفوا أقوالهم بآيات من كتاب الله وأحاديث من سنة الرسول ﷺ ، وهذا هو الخطر الذي يخفي الرؤية الصحيحة حتى لا يكاد كثير من المسلمين أن يتبين الحق من الباطل ولذلك نقول: إن تواجد هؤلاء -وهم من أبناء جلدتنا لا شك- بطريقة كأنهم فيها مخلصون للدولة وللأمة وللدين، ولربما يستشهدون بآيات من كتاب الله ذلك هو الخطر، ويصبح الأمر ملتبساً والواقع مختلطاً حابله بنابله، ولا يتميز ذلك إلا حينما يتميز الحق من الباطل.
ولذلك الرسول ﷺ حذر من مثل هذه الفترة، وأخبر أنها آخر فترة من فترات تاريخ البشرية، وأنه إذا وجد هذا النوع من البشر الذين هم من أبناء المسلمين ويحسبون على الإسلام ويحملون في جيوبهم الهوية الإسلامية والاسم الإسلامي فذلك يعتبر بداية النهاية، وهذا أشد أنواع الخطر في حياة أي أمة من الأمم، كما في حديث حذيفة المعروف، ففي آخره قال حذيفة: (فقلت: يا رسول الله! وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم.
دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا.
قال: قوم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا).
فهذه مصيبة أنهم من أبناء جلدتنا، ففي الجاهلية كان أبو لهب وأبو جهل والأسماء المكشوفة هم الذين يحاربون الإسلام، وكان الخطر أقل منه اليوم، لكن اليوم أصبح أحمد ومحمد وعبد الله وعبد الرحمن وعز الدين وما أشبه ذلك هم الذين يحاربون الإسلام في أيامنا الحاضرة، وفي بلاد الإسلام، ويدبجون أقوالهم بكلمات رنانة إسلامية، كما قال الله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢] من أجل أن يغروا الناس.
ومن هنا يبرز الخطر، وهذه نعتبرها من أكبر العقبات، أن يكون دعاة الباطل من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولهم منابر مهمة جداً، وربما يكون لهم قيم وأوزان عند الناس، وربما تكون لهم سوابق خدمة قد أدهشت كثيراً من الناس وشعاعها ما زال يبهر عيون كثير من الناس، فلا يظنون بهم إلا خيراً.
إذاً المصيبة تأتي من هذه الناحية، ولذلك نقول: إن دعاة الباطل ونشاط دعاة الباطل وتواجدهم في بلاد المسلمين وكونهم من أبناء المسلمين يعتبر من أعظم أنواع الأخطار، فلننتبه لهذا الخطر، ولنعلم أن هؤلاء الدعاة لا يتحركون إلا حينما يسكت دعاة الحق، وأن دعاة الحق بمقدار ما يسكتون عن هذا الحق يتحرك دعاة الباطل، وبهذا يتحملون هذه المسئولية أمام الله حينما يقف الجميع بين يدي الله .
стр. 316
ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن هذه العقبات ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد من بلاد المسلمين فسدت فيها البيئة وتلوثت، وأصبح يشق على واحد من الناس أن يربي ولده في بيئة تعطل أو ضعف أو أُلغي فيها -كما يوجد في بعض بلاد المسلمين- جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتتلوث هذه البيئة، وأي إنسان يحاول أن يربي أولاده في مثل هذه البيئة أو يربي من يربيهم من أبناء المسلمين في مثل هذه البيئة يصعب عليه؛ لأن البيئة أصبحت ملوثة، وفيها كثير من المعاصي والآثام، ولذلك نقول: إن هذا يعتبر من العقبات التي تعترض سبيل المسلم بصفة عامة وسبيل الداعية والمصلح بصفة خاصة؛ لأنه تفسد هذه البيئة التي تعطل فيها جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر مما يصلح هذا المصلح.
ولذلك الله بين في القرآن أن خيرية هذه الأمة تبقى بمقدار ما يبقى لها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ليس لأنهم أبناء سام بن نوح، كما يعتز الجاهليون بأنهم من أبناء سام بن نوح، ولا لأنهم يعيشون في بلاد العرب أو بلاد القبلة أو بلاد الحرمين، ولا لأنهم من أمجاد وآباء لهم أنساب ضاربة في أعماق التاريخ، فهذه كلها لا وزن لها عند الله ، كما قال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولكن: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
ومن هنا نقول تكون الخيرية إذا قام جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد ما، ولذلك الله تعالى قال: (أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
حتى لا يظن المسلم أنه أخرج لنفسه ليخلص نفسه من النار، وإنما أخرج لغيره -أيضاً- حتى يخلص الناس من نار الله ، وهذه الخيرية تكون في جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولذلك الذين يريدون أن يعود الظلام إلى الأرض تجدهم يضعون العراقيل الكثيرة في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا عضو يُضرب، وهذا محل من محلات هيئة الأمر بالمعروف يُكسر، وهذا رجل يُتهم إلى آخره، حتى يلصقوا هذه التهم بهؤلاء فيزهد الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتلوث هذه البيئة، وإذا تلوثت البيئة بعد ذلك يبيضون ويفرخون في المجتمع الإسلامي، فلا بارك الله فيهم.
فلابد من أن نقيم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحن خير أمة أخرجت للناس إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وإلا فسوف نكون شر أمة أخرجت للناس؛ لأن الرسالة التي نزلت على نبينا محمد ﷺ هي خاتمة الرسالات، ومعنى ذلك أن الخير يتعطل في الأجيال اللاحقة إلى يوم القيامة حينما يتوانى أهل هذا الجيل وأهل هذا العصر عن حمل هذه الرسالة إلى من بعدهم، قال : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨].
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تظن أن معناه الدعوة فقط، فهناك فرق بين الدعوة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالدعوة كلمة لينة، كأن نقول للإنسان: اتق الله.
لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوة تملكها الدولة، وتُملِّكها لمن يكون كفئاً لذلك.
فالمهم أنه لابد من أن يقوم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواءٌ أكان من قبل الدولة أم من قبل المسلمين، ولذلك الله تعالى لما ذكر الموعظة والكتب السماوية والعدل في الأرض ذكر الحديد بعد ذلك مباشرة فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فذكر الحديد بجوار الكتب السماوية؛ لأن الحق بطبيعته قد يضيع بين الناس، ولأنه ليس كل الناس يتعظون بالموعظة.
إذاً لابد من أن تكون للمسلمين قوة، وهذه القوة تحمي جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن العقبات التي تعترض سبيل الداعية اليوم وسبيل المسلم تلوث البيئة، وفساد المجتمع، وانتشار المعاصي بسبب تعطيل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 317
فساد الإعلام العربي
ومن هذه العقبات فساد الإعلام في بلاد المسلمين، والله المستعان! فماذا نقول عن الإعلام الذي بخدمته التقنية الحديثة ما ترك بيت شعر ولا مدر إلا ووصل إليه بصحفه ومجلاته وتلفازه وإذاعته وأشرطته إلى غير ذلك؟ فإذا كان يوجه ضد هذا الدين فإن الداعية والمصلح يقف في حيرة، وإن كان مطالباً أن لا يقف، وقد يقف مندهشاً ماذا يفعل، ويقول كلمة وتأتي هذه الوسائل بكلمات كثيرة، ويقول حقاً فيقع كلامه موقعه في نفوس كثير من الناس، فإذا بهذا الإعلام كالمساحات يتابعه، فلا يستقر خير في قلوب الناس وفي عقول الناس إلا وتأتي هذه المساحات تمسحه بسرعة؛ لأن الهبوط أسرع من الصعود بطبيعته، ولأن الإفساد أسرع من الإصلاح.
فالإعلام لا نستطيع أن نقول عنه أكثر مما قاله كثير من إخواننا، فمن كان يتصور أن بيوت المسلمين بهذه السرعة الهائلة التي لا تتجاوز عشرين سنة تتحول من أعلى القمة إلى ما وصلت إليه اليوم؟ لقد كنا إذا وقفنا عند بيوت الصالحين والعلماء وأهل الخير لا نسمع إلا دوياً كدوي النحل في كتاب الله ، ولا تسمع في جوف الليل إلا نحيباً في صدور الصالحين الخاشعين بين يدي الله، لكن قف الآن عند أبواب كثير من الناس حتى العلماء وحتى الصالحين -إلا من شاء الله- فلن تسمع إلا اللهو والموسيقى والمسرحيات والمصائب والبلاء الذي ما ترك أمراً، بل إنه يقع بين السماء والأرض، ونعجب كثيراً حينما نركب طائرة ما ثم نرى الأفلام التي تزعج المسلم، ونقول: سبحان الله! المشركون الأولون الذين كانوا يعبدون الأصنام يخافون الله أكثر من هؤلاء الناس، فأولئك كانوا إذا ركبوا في الفلك وهم على سطح الماء دعوا الله مخلصين له الدين، وهؤلاء في الهواء على متن الطائرة وعلى بعد عشرات آلاف الأمتار من الأرض وتنشر فيهم الأفلام والمحرمات.
إنه أمر عجيب يحار فيه المسلم، ولكن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم! إنا نشهدك أن هذا منكر فلا تؤاخذنا بهؤلاء، ونخاف -والله! - أن تتحطم الطائرات بين السماء والأرض لولا أن الله يمسكها برحمته وكرمه، قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:٤٥].
فالإعلام لابد من أن يصلح من قبل الدولة، وإذا لم يصلح من قبل دولة إسلامية فلابد من أن تصلحه الشعوب، وأقصد بإصلاح الشعوب أن تبذل الجهد في سبيل مناصحة هؤلاء المسئولين، وإذا عجزوا فعليهم أن يحيطوا بيوتهم بسياج منيعة حتى لا تصل إليها هذه الأفلام، فإنهم يشوهون تاريخ الإسلام في كثير من الأحيان.
فمثلاً: يأتون برجل صالح من سلفنا الصالح وبجواره زوجته سافرة، وكأنه يقول لك: هذا هو الإسلام.
فهذه المرأة سافرة أمام هذا الرجل الصالح من سلفنا، وهذا هو الاختلاط.
إنها مصيبة وبلاء، فلابد من أن نصحح هذا المفهوم، وأنا أخشى أن تنشأ ناشئة في البيوت تظن أن هذا هو الإسلام وأن هذه هي حياة سلفنا الصالح ﵃ الذين سبقونا بالإيمان.
стр. 318
عدم الإنفاق في سبيل الله
وهناك أمر آخر أيضاً يعتبر من أكبر العقبات، وهو بخل كثير من الناس بأموالهم وجهدهم، فتعطل الجهاد في سبيل الله والدعوة، وخزنت أموال كثير من الناس كأرقام لا يستفيد منها إلا الكافرون في البنوك الدولية التي وضعت في كل بلد من بلاد المسلمين لها فرعاً لتمتص هذه الأرباح، وأصبح العدو هو الذي يستفيد، ولربما يقتلون المسلمين بأموال المسلمين، كما يفعل الهندوس الآن في الهند، وكما يفعل في الفلبين في مناطق كثيرة، لربما يكون هذا بأموال المسلمين.
لكن المصيبة الكبرى أن الإسلام أصبح لا يستفيد إلا نادراً من هذه الأموال، بينما نجد أنه في يوم واحد دعت الكنسية إلى البذل، فجمع في يوم واحد مليار دولار، وقد يتساءل شخص: لماذا خصصوا ملياراً؟ ولماذا ما قالوا: نريد أكثر من مليار أو نريد أقل منه؟
الجواب
لأن عدد المسلمين مليار، فقالوا: نريد كل دولار ينصر ويكفر واحداً من المسلمين.
فهذا هدفهم، وجُمع مليار دولار في يوم واحد.
ولنعلم أن كثيراً من المسلمين يرتدون عن الإسلام بسبب الفقر والمجاعة، فإذا كان الواحد منهم سيموت جوعاً ويأتيه رجل كافر يريد أن يقدم له الغذاء ويقدم له اللباس فإنه سيستجيب له، وقد يأخذه طفلاً فيربيه، وإن كانت الفطرة التي فطر الله الناس عليها موجودة في الأصل، لكن لربما يؤثرون أو يشوشون على هذه الفطرة.
وهناك مراكز إسلامية تفتقر إلى أموال المسلمين، وهناك من يصلي في العراء لا يجد مسجداً، وهناك من المسلمين من لا يجد لقمة العيش، فبخل المسلمين بالمال ثم بخلهم بعد ذلك بالجهد كان عقبة في طريق هذا الدين، وفي طريق المسلم وسيره إلى ربه .
ولذلك حينما نذهب إلى مناطق يضعف فيها المسلمون ويحتاجون إلى توجيه وتربية لا نجد إلا أبناء النصارى هم الذين يتكاثرون في تلك البلاد وفي تلك المواقع، ووالله لقد رأيت شابات وشباناً في سن العشرين أو ما يقرب من ذلك في مجاهل أفريقيا في مناطق يصعب على واحد من المسلمين أن يصل إليها، رأيتهم يربون أبناء المسلمين الفقراء، فقلت: كيف جاء هؤلاء من تلك البلاد المترفة المنعمة الباردة الجميلة الخضراء إلى هذه الصحاري وإلى هذه الغابات الموحشة؟! ثم قلت أيضاً: أين المسلمون؟! لماذا لا يربون هؤلاء الأبناء حتى لا ينشأ هؤلاء نشأة كافرة؟! فالمهم أنها بلية، وهذه تعتبر أيضاً عقبة من العقبات التي تعترض سبيل المؤمن في سيره إلى ربه ، ولو أن علماء المسلمين وطلبة العلم ساحوا في أرض الله ينشرون هذا الدين الذي سوف يسألهم الله قبل أن يسأل المرسلين عنه كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، لو أنهم ساحوا في هذه الأرض ينشرون دين الله لما كان هذا التكفير والتنصير الذي أصبح يقض على العقلاء مضاجعهم، ثم يخاف على هذه الأمة أن تترك دينها لولا أن الله تكفل بحفظ هذا الدين.
ثم هذه الأموال لماذا لا تصل إلى أولئك المسلمين إلا نادراً؟! أليس المال مال الله؟ والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فهذا أمر لابد أن ينتبه له المسلمون، ولابد أن تصل كثير من أموال المسلمين إلى هناك لترد الحق إلى نصابه.
стр. 319
الإزدواجية التي يعيشها الناس اليوم
وهناك أيضاً أمر من الأمور التي أصبحت تشوش على المسلم وتعيقه في طريقه إلى الله ، وهو الازدواجية التي يعيشها الناس اليوم، فهناك ازدواجية لا ندري أهي كفر أم إسلام أم ضعف في الدين، إنها ازدواجية أصبحنا نسميها علمانية في حياة طائفة من البشر، ولكن في الحقيقة أسميها جاهلية.
وفي حياة بعض المسلمين الصالحين الذين لم يفهموا هذا الإسلام فهماً كاملاً أصبحنا أيضاً نشاهد في حياتهم هذه الازدواجية، بل أصبحنا نشاهد هذه الازدواجية في وسائل الأعلام التي تنشر داخل البيوت، حيث يأتي القرآن، ثم تأتي بعده أغنية، ويأتي بعده موسيقى، ويأتي بعده حديث من أحاديث الرسول ﷺ ، ويحصل اختلاط بين الخير والشر، وهذه الازدواجية تقع كثيراً، سواءٌ أكانت في الإعلام أم في حياة الناس الذين ربما نراهم مصلين ثم نراهم بعد ذلك يطعنون في الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
وهذه الازدواجية أيضاً لها آثار سيئة في نفوس الناشئة، فلربما تنشأ ناشئة من هذا الجيل لا تعرف الفرق بين الحلال والحرام، وبين النافع والضار، وبين الإسلام والجاهلية.
стр. 320
الخوف من الموت
ومن هذه الأمور التي هي عقبة في طريق المسلم إلى ربه الخوف من الموت، وهذا الخوف هو فطرة بشرية، لكن هذه الفطرة البشرية عدلت في الكتب السماوية، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]، فكلمة (تفرون) دليل على أن هناك فراراً من الموت، وهو فطرة بشرية، لكن لا ننسى أن هذه الفطرة البشرية عدلت في الكتب السماوية، كما قال : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وإن الله إذا خلق الإنسان في بطن أمه يرسل إليه الملك بعد مائة وعشرين يوماً، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
إذاً معنى ذلك أنه أجل محدد من عند الله ، فهل يتغلب الخوف من الموت على العمل من أجل دين الله ، هذا هو الذي يوجد في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان، ففلان من الناس يخاف أن يتقدم أجله قبل أن يأتي الموعد؛ لأن يقينه بالله قد ضعف، ولأن إيمانه بقول الله : ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥] فيه شيء من اللين والضعف، فإذا به يهرب من الموت كما يزعم، ولو أدى ذلك إلى أن يترك الساحة التي يجب أن يعمل فيها العاملون ويتنافس فيها المتنافسون.
وهذا الخوف من الموت هو الذي أدى بكثير من الناس إلى أن يرجع من منتصف الطريق، فلماذا الخوف من الموت؟ لأن اليقين بالله ضعيف، ولذلك فإن الخوف من الموت هو الذي علم الناس الجبن، وهو الذي عطل جانب الجهاد في سبيل الله، وهو الذي أخرس ألسنة كثير من الناس أن يقولوا كلمة الحق، فلا يقولوا للظالم: أنت ظالم فاتق الله.
وهو الذي جعل كثيراً من الناس يضعف يقينه بربه ، فيحابي في دين الله، ونسي أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن أفضل الشهداء بعد حمزة ﵁ رجل جاء إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله، فهذا أفضل الشهداء بعد حمزة ﵁.
إذاً لا تترك كلمة الحق خوفاً من الموت، فإن الإنسان الذي يخاف من الموت هل لا يصدق وعد الله حينما قال: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]؟ فلابد من أن يعرف الإنسان أن له أجلاً عند الله ، وأن هؤلاء الناس الذين يخاف من سطوتهم حينما يقول كلمة الحق لا يملكون لأنفسهم -فضلاً أن يملكوا لغيرهم- نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأن كل شيء بيد الله ، وأنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف , وأن الناس لو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوا أحداً بشيء لم يكتبه الله له لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
هذه هي عقيدة المسلم التي يجب أن يولد عليها ويعيش عليها ويحيا ويشب ويشيب ويلقى الله وهو يعتقد هذه العقيدة، ولكنه لو غير في نفسه هذه العقيدة فإنه سوف يصبح جباناً أمام أعداء الله ، ولذلك نقول: هذه العقبة تعتبر من أكبر العقبات.
следующие страницы →