← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن هذه العقبات ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا ضعف جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد من بلاد المسلمين فسدت فيها البيئة وتلوثت، وأصبح يشق على واحد من الناس أن يربي ولده في بيئة تعطل أو ضعف أو أُلغي فيها -كما يوجد في بعض بلاد المسلمين- جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتتلوث هذه البيئة، وأي إنسان يحاول أن يربي أولاده في مثل هذه البيئة أو يربي من يربيهم من أبناء المسلمين في مثل هذه البيئة يصعب عليه؛ لأن البيئة أصبحت ملوثة، وفيها كثير من المعاصي والآثام، ولذلك نقول: إن هذا يعتبر من العقبات التي تعترض سبيل المسلم بصفة عامة وسبيل الداعية والمصلح بصفة خاصة؛ لأنه تفسد هذه البيئة التي تعطل فيها جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر مما يصلح هذا المصلح. ولذلك الله بين في القرآن أن خيرية هذه الأمة تبقى بمقدار ما يبقى لها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ليس لأنهم أبناء سام بن نوح، كما يعتز الجاهليون بأنهم من أبناء سام بن نوح، ولا لأنهم يعيشون في بلاد العرب أو بلاد القبلة أو بلاد الحرمين، ولا لأنهم من أمجاد وآباء لهم أنساب ضاربة في أعماق التاريخ، فهذه كلها لا وزن لها عند الله ، كما قال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولكن: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. ومن هنا نقول تكون الخيرية إذا قام جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلد ما، ولذلك الله تعالى قال: (أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). حتى لا يظن المسلم أنه أخرج لنفسه ليخلص نفسه من النار، وإنما أخرج لغيره -أيضاً- حتى يخلص الناس من نار الله ، وهذه الخيرية تكون في جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك الذين يريدون أن يعود الظلام إلى الأرض تجدهم يضعون العراقيل الكثيرة في طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا عضو يُضرب، وهذا محل من محلات هيئة الأمر بالمعروف يُكسر، وهذا رجل يُتهم إلى آخره، حتى يلصقوا هذه التهم بهؤلاء فيزهد الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتلوث هذه البيئة، وإذا تلوثت البيئة بعد ذلك يبيضون ويفرخون في المجتمع الإسلامي، فلا بارك الله فيهم. فلابد من أن نقيم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحن خير أمة أخرجت للناس إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وإلا فسوف نكون شر أمة أخرجت للناس؛ لأن الرسالة التي نزلت على نبينا محمد ﷺ هي خاتمة الرسالات، ومعنى ذلك أن الخير يتعطل في الأجيال اللاحقة إلى يوم القيامة حينما يتوانى أهل هذا الجيل وأهل هذا العصر عن حمل هذه الرسالة إلى من بعدهم، قال : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨]. ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تظن أن معناه الدعوة فقط، فهناك فرق بين الدعوة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالدعوة كلمة لينة، كأن نقول للإنسان: اتق الله. لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوة تملكها الدولة، وتُملِّكها لمن يكون كفئاً لذلك. فالمهم أنه لابد من أن يقوم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواءٌ أكان من قبل الدولة أم من قبل المسلمين، ولذلك الله تعالى لما ذكر الموعظة والكتب السماوية والعدل في الأرض ذكر الحديد بعد ذلك مباشرة فقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، فذكر الحديد بجوار الكتب السماوية؛ لأن الحق بطبيعته قد يضيع بين الناس، ولأنه ليس كل الناس يتعظون بالموعظة. إذاً لابد من أن تكون للمسلمين قوة، وهذه القوة تحمي جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن العقبات التي تعترض سبيل الداعية اليوم وسبيل المسلم تلوث البيئة، وفساد المجتمع، وانتشار المعاصي بسبب تعطيل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 317

فساد الإعلام العربي ومن هذه العقبات فساد الإعلام في بلاد المسلمين، والله المستعان! فماذا نقول عن الإعلام الذي بخدمته التقنية الحديثة ما ترك بيت شعر ولا مدر إلا ووصل إليه بصحفه ومجلاته وتلفازه وإذاعته وأشرطته إلى غير ذلك؟ فإذا كان يوجه ضد هذا الدين فإن الداعية والمصلح يقف في حيرة، وإن كان مطالباً أن لا يقف، وقد يقف مندهشاً ماذا يفعل، ويقول كلمة وتأتي هذه الوسائل بكلمات كثيرة، ويقول حقاً فيقع كلامه موقعه في نفوس كثير من الناس، فإذا بهذا الإعلام كالمساحات يتابعه، فلا يستقر خير في قلوب الناس وفي عقول الناس إلا وتأتي هذه المساحات تمسحه بسرعة؛ لأن الهبوط أسرع من الصعود بطبيعته، ولأن الإفساد أسرع من الإصلاح. فالإعلام لا نستطيع أن نقول عنه أكثر مما قاله كثير من إخواننا، فمن كان يتصور أن بيوت المسلمين بهذه السرعة الهائلة التي لا تتجاوز عشرين سنة تتحول من أعلى القمة إلى ما وصلت إليه اليوم؟ لقد كنا إذا وقفنا عند بيوت الصالحين والعلماء وأهل الخير لا نسمع إلا دوياً كدوي النحل في كتاب الله ، ولا تسمع في جوف الليل إلا نحيباً في صدور الصالحين الخاشعين بين يدي الله، لكن قف الآن عند أبواب كثير من الناس حتى العلماء وحتى الصالحين -إلا من شاء الله- فلن تسمع إلا اللهو والموسيقى والمسرحيات والمصائب والبلاء الذي ما ترك أمراً، بل إنه يقع بين السماء والأرض، ونعجب كثيراً حينما نركب طائرة ما ثم نرى الأفلام التي تزعج المسلم، ونقول: سبحان الله! المشركون الأولون الذين كانوا يعبدون الأصنام يخافون الله أكثر من هؤلاء الناس، فأولئك كانوا إذا ركبوا في الفلك وهم على سطح الماء دعوا الله مخلصين له الدين، وهؤلاء في الهواء على متن الطائرة وعلى بعد عشرات آلاف الأمتار من الأرض وتنشر فيهم الأفلام والمحرمات. إنه أمر عجيب يحار فيه المسلم، ولكن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم! إنا نشهدك أن هذا منكر فلا تؤاخذنا بهؤلاء، ونخاف -والله! - أن تتحطم الطائرات بين السماء والأرض لولا أن الله يمسكها برحمته وكرمه، قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:٤٥]. فالإعلام لابد من أن يصلح من قبل الدولة، وإذا لم يصلح من قبل دولة إسلامية فلابد من أن تصلحه الشعوب، وأقصد بإصلاح الشعوب أن تبذل الجهد في سبيل مناصحة هؤلاء المسئولين، وإذا عجزوا فعليهم أن يحيطوا بيوتهم بسياج منيعة حتى لا تصل إليها هذه الأفلام، فإنهم يشوهون تاريخ الإسلام في كثير من الأحيان. فمثلاً: يأتون برجل صالح من سلفنا الصالح وبجواره زوجته سافرة، وكأنه يقول لك: هذا هو الإسلام. فهذه المرأة سافرة أمام هذا الرجل الصالح من سلفنا، وهذا هو الاختلاط. إنها مصيبة وبلاء، فلابد من أن نصحح هذا المفهوم، وأنا أخشى أن تنشأ ناشئة في البيوت تظن أن هذا هو الإسلام وأن هذه هي حياة سلفنا الصالح ﵃ الذين سبقونا بالإيمان.

стр. 318

عدم الإنفاق في سبيل الله وهناك أمر آخر أيضاً يعتبر من أكبر العقبات، وهو بخل كثير من الناس بأموالهم وجهدهم، فتعطل الجهاد في سبيل الله والدعوة، وخزنت أموال كثير من الناس كأرقام لا يستفيد منها إلا الكافرون في البنوك الدولية التي وضعت في كل بلد من بلاد المسلمين لها فرعاً لتمتص هذه الأرباح، وأصبح العدو هو الذي يستفيد، ولربما يقتلون المسلمين بأموال المسلمين، كما يفعل الهندوس الآن في الهند، وكما يفعل في الفلبين في مناطق كثيرة، لربما يكون هذا بأموال المسلمين. لكن المصيبة الكبرى أن الإسلام أصبح لا يستفيد إلا نادراً من هذه الأموال، بينما نجد أنه في يوم واحد دعت الكنسية إلى البذل، فجمع في يوم واحد مليار دولار، وقد يتساءل شخص: لماذا خصصوا ملياراً؟ ولماذا ما قالوا: نريد أكثر من مليار أو نريد أقل منه؟ الجواب لأن عدد المسلمين مليار، فقالوا: نريد كل دولار ينصر ويكفر واحداً من المسلمين. فهذا هدفهم، وجُمع مليار دولار في يوم واحد. ولنعلم أن كثيراً من المسلمين يرتدون عن الإسلام بسبب الفقر والمجاعة، فإذا كان الواحد منهم سيموت جوعاً ويأتيه رجل كافر يريد أن يقدم له الغذاء ويقدم له اللباس فإنه سيستجيب له، وقد يأخذه طفلاً فيربيه، وإن كانت الفطرة التي فطر الله الناس عليها موجودة في الأصل، لكن لربما يؤثرون أو يشوشون على هذه الفطرة. وهناك مراكز إسلامية تفتقر إلى أموال المسلمين، وهناك من يصلي في العراء لا يجد مسجداً، وهناك من المسلمين من لا يجد لقمة العيش، فبخل المسلمين بالمال ثم بخلهم بعد ذلك بالجهد كان عقبة في طريق هذا الدين، وفي طريق المسلم وسيره إلى ربه . ولذلك حينما نذهب إلى مناطق يضعف فيها المسلمون ويحتاجون إلى توجيه وتربية لا نجد إلا أبناء النصارى هم الذين يتكاثرون في تلك البلاد وفي تلك المواقع، ووالله لقد رأيت شابات وشباناً في سن العشرين أو ما يقرب من ذلك في مجاهل أفريقيا في مناطق يصعب على واحد من المسلمين أن يصل إليها، رأيتهم يربون أبناء المسلمين الفقراء، فقلت: كيف جاء هؤلاء من تلك البلاد المترفة المنعمة الباردة الجميلة الخضراء إلى هذه الصحاري وإلى هذه الغابات الموحشة؟! ثم قلت أيضاً: أين المسلمون؟! لماذا لا يربون هؤلاء الأبناء حتى لا ينشأ هؤلاء نشأة كافرة؟! فالمهم أنها بلية، وهذه تعتبر أيضاً عقبة من العقبات التي تعترض سبيل المؤمن في سيره إلى ربه ، ولو أن علماء المسلمين وطلبة العلم ساحوا في أرض الله ينشرون هذا الدين الذي سوف يسألهم الله قبل أن يسأل المرسلين عنه كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦]، لو أنهم ساحوا في هذه الأرض ينشرون دين الله لما كان هذا التكفير والتنصير الذي أصبح يقض على العقلاء مضاجعهم، ثم يخاف على هذه الأمة أن تترك دينها لولا أن الله تكفل بحفظ هذا الدين. ثم هذه الأموال لماذا لا تصل إلى أولئك المسلمين إلا نادراً؟! أليس المال مال الله؟ والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فهذا أمر لابد أن ينتبه له المسلمون، ولابد أن تصل كثير من أموال المسلمين إلى هناك لترد الحق إلى نصابه.

стр. 319

الإزدواجية التي يعيشها الناس اليوم وهناك أيضاً أمر من الأمور التي أصبحت تشوش على المسلم وتعيقه في طريقه إلى الله ، وهو الازدواجية التي يعيشها الناس اليوم، فهناك ازدواجية لا ندري أهي كفر أم إسلام أم ضعف في الدين، إنها ازدواجية أصبحنا نسميها علمانية في حياة طائفة من البشر، ولكن في الحقيقة أسميها جاهلية. وفي حياة بعض المسلمين الصالحين الذين لم يفهموا هذا الإسلام فهماً كاملاً أصبحنا أيضاً نشاهد في حياتهم هذه الازدواجية، بل أصبحنا نشاهد هذه الازدواجية في وسائل الأعلام التي تنشر داخل البيوت، حيث يأتي القرآن، ثم تأتي بعده أغنية، ويأتي بعده موسيقى، ويأتي بعده حديث من أحاديث الرسول ﷺ ، ويحصل اختلاط بين الخير والشر، وهذه الازدواجية تقع كثيراً، سواءٌ أكانت في الإعلام أم في حياة الناس الذين ربما نراهم مصلين ثم نراهم بعد ذلك يطعنون في الإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وهذه الازدواجية أيضاً لها آثار سيئة في نفوس الناشئة، فلربما تنشأ ناشئة من هذا الجيل لا تعرف الفرق بين الحلال والحرام، وبين النافع والضار، وبين الإسلام والجاهلية.

стр. 320

الخوف من الموت ومن هذه الأمور التي هي عقبة في طريق المسلم إلى ربه الخوف من الموت، وهذا الخوف هو فطرة بشرية، لكن هذه الفطرة البشرية عدلت في الكتب السماوية، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]، فكلمة (تفرون) دليل على أن هناك فراراً من الموت، وهو فطرة بشرية، لكن لا ننسى أن هذه الفطرة البشرية عدلت في الكتب السماوية، كما قال : ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وإن الله إذا خلق الإنسان في بطن أمه يرسل إليه الملك بعد مائة وعشرين يوماً، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. إذاً معنى ذلك أنه أجل محدد من عند الله ، فهل يتغلب الخوف من الموت على العمل من أجل دين الله ، هذا هو الذي يوجد في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان، ففلان من الناس يخاف أن يتقدم أجله قبل أن يأتي الموعد؛ لأن يقينه بالله قد ضعف، ولأن إيمانه بقول الله : ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥] فيه شيء من اللين والضعف، فإذا به يهرب من الموت كما يزعم، ولو أدى ذلك إلى أن يترك الساحة التي يجب أن يعمل فيها العاملون ويتنافس فيها المتنافسون. وهذا الخوف من الموت هو الذي أدى بكثير من الناس إلى أن يرجع من منتصف الطريق، فلماذا الخوف من الموت؟ لأن اليقين بالله ضعيف، ولذلك فإن الخوف من الموت هو الذي علم الناس الجبن، وهو الذي عطل جانب الجهاد في سبيل الله، وهو الذي أخرس ألسنة كثير من الناس أن يقولوا كلمة الحق، فلا يقولوا للظالم: أنت ظالم فاتق الله. وهو الذي جعل كثيراً من الناس يضعف يقينه بربه ، فيحابي في دين الله، ونسي أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وأن أفضل الشهداء بعد حمزة ﵁ رجل جاء إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله، فهذا أفضل الشهداء بعد حمزة ﵁. إذاً لا تترك كلمة الحق خوفاً من الموت، فإن الإنسان الذي يخاف من الموت هل لا يصدق وعد الله حينما قال: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، وقال: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]؟ فلابد من أن يعرف الإنسان أن له أجلاً عند الله ، وأن هؤلاء الناس الذين يخاف من سطوتهم حينما يقول كلمة الحق لا يملكون لأنفسهم -فضلاً أن يملكوا لغيرهم- نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأن كل شيء بيد الله ، وأنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف , وأن الناس لو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوا أحداً بشيء لم يكتبه الله له لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف. هذه هي عقيدة المسلم التي يجب أن يولد عليها ويعيش عليها ويحيا ويشب ويشيب ويلقى الله وهو يعتقد هذه العقيدة، ولكنه لو غير في نفسه هذه العقيدة فإنه سوف يصبح جباناً أمام أعداء الله ، ولذلك نقول: هذه العقبة تعتبر من أكبر العقبات.

стр. 321

حب الرئاسة والمركز وهناك عقبة أخرى تشاركها، وهي حب الرئاسة والمركز، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، فكما أنه يحب المال هو أيضاً يحب الشرف بطبيعته وفطرته البشرية، ولذلك نقول: إذا كان حبه لهذا المركز يجعله يتنازل عن أساس من أسس دينه فويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة. ونقول عن هذا المسلم: له أن يبحث عن المركز في هذه الحياة، لكن ليس له أن يقدم هذا المركز على الجهاد في سبيل الله ، وقد يفتن هذا الإنسان في يوم من الأيام، فإما هذا المركز وتنازل عن كذا وكذا وإما أن تحفظ دينك، فلربما تضعف نفسه فيختار المادة والمركز وحب الشرف والمنصب.

стр. 322

الشهوة والجنس وهناك أمر آخر أيضاً، وهو الشهوة والجنس، فربما تتعرض لهذا الإنسان لتصرفه عن دينه وتفسد عليه دينه، فإما أن يكون ذلك الرجل قوياً متين الإيمان فيقول: معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي. وإما أن يضعف أمام هذه الشهوة. وأمام هذه الشهوات الثلاث تحضرني قصة لرجل عظيم الشخصية، هذا الرجل عرضت عليه هذه الشهوات الثلاث في وقت هو أحوج ما يكون إليها، لكنه رفضها خشية من الله وبحثاً عن سعادة أفضل وحياة أطول وأبقى. يروي لنا المؤرخون عن إحدى الغزوات في بلاد الروم في عهد عمر بن الخطاب ﵁ أن عدداً من المسلمين وقع في أسر الرومان، وكان من بينهم الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، فوقع في الأسر، ووصلت الأخبار إلى قيصر الروم أن في سجن الرومان رجلاً شهماً عجيباً في خلقه ورجولته وشجاعته وحميته. ففكر قيصر الروم في أن يسلب منه دينه بثمن بخس، فقال: علي به. فجيء بـ عبد الله بن حذافة ﵁، ووقف أمام ملك الروم وهو مكبل بالأغلال، والفرق بعيد بين واقعه وبين ما يعرض عليه، فقال له قيصر الروم: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي. فانظروا إلى هذه الفتنة. إنها فتنة المركز، فيصير ثاني اثنين في ملك بلاد الروم، فتنة يسيل لها لعاب أكثر الناس بطبيعتهم وفطرتهم البشرية، ولا يحمي النفس من هذا الموقف إلا الإيمان، فقال: والله لو كانت الدنيا لي بأسرها ما تركت شيئاً من ديني. فهذه فتنة وعقبة اجتازها عبد الله بن حذافة ﵁، وما كان أحد يظن -إلا المؤمنون- أن عبد الله بن حذافة سوف يرفض ملك بلاد الروم وهو رجل مكبل بالأغلال مسكين جيء به من بعد سجن طويل ليتحول دفعة واحدة إلى أن يكون مشاطراً لقيصر الروم في ملكه، لكن الإيمان أقوى من ذلك، فانتظار الجنة والسعادة الآخرة فوق هذا المستوى كله. فقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في عقوبته. فأعيد ﵁ إلى السجن، وزادوا في عقوبته. ثم فكر أخرى فوصل إلى محاولة إسقاطه عن طريق الجنس، الذي يعرض على الناس اليوم بشكل مرعب ومخيف، وحينما يعرض الجنس لا يراد به فقط مجرد زنا -نعوذ بالله- أو مجرد انحراف خلقي، بل المقصود انحراف العقيدة؛ لأن الإنسان إذا سقط فيما حرم الله اضطربت عقيدته، وبعد عن الله ؛ ولذلك فإن من مخططات الكفار أن يَدَّعوا حقوق المرأة وحرية المرأة، وهم يهدفون من وراء ذلك أن يسقط الناس فيما حرم الله من الزنا، ثم يسقطون من عين الله، ثم تنهار دولتهم وينهار ملكهم وينهار سلطانهم في هذه الأرض. فقال قيصر الروم: ائتوا لي بأجمل فتاة في بلادي. فاختاروا أجمل فتاة، وقالوا: هذه أجمل فتاة في بلادك. فقام وأغراها قاتله الله، وقال لها: إذا فتنت هذا الشاب فسوف أعطيك ما تريدين. وهذه كلها مؤامرات ضد رجل مسلم، لكنه مسلم عظيم الإسلام، فجيء بهذه الفتاة أمام هذا الشاب الذي قضى أشهراً طويلة بعيداً عن أهله، وكانوا يظنون أنه في الحال سوف يقع في الفاحشة، ثم بعد ذلك تسهل قيادته إلى ملك الروم، فتعرت هذه الفتاة ودخلت على عبد الله بن حذافة وهو منكب يقرأ القرآن، فلما رآها عرف أنها فتنة، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! هذه هي الفتنة. ولكن قال: معاذ الله! إنه مؤمن يريد سعادة في غير هذا المتاع، فهو يعرف أن هذا متاع ينتهي به إلى عذاب الله ، فأكب بوجهه على رجليه، وانصرف عنها إلى جهة أخرى، فصارت تتابعه، وكلما اتجه إلى جهة اتجهت معه إلى نفس الجهة، ثم ينصرف عنها هنا وهناك، حتى أيست منه، ورأت أن هذا الرجل ليس من النوع الذي من السهل فتنته، فقالت: أخرجوني. فلما أخرجوها قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر؟ والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر. وبهذا فشلت المؤامرة الثانية. إنه مسلم صعب المنال، لا يمكن تطويعه بسهولة أبداً؛ لأنه مسلم جاء من بلده يبحث عن الجنة، ويبحث عن الشهادة في سبيل الله، رجل باع حياة الدنيا بحياة الآخرة، ولا يمكن أن يتغلب عليه شيء ولو كان أقوى من قوة الحديد والنار، ثم فكر قيصر في حيلة أخرى فهدده بالموت، فقال: ائتوني بقدر يقول المؤرخون: فجيء بقدر عظيمة وملئت زيتاً، وأشعلت تحتها النار ساعات من الزمن حتى صار الزيت يغلي، ثم قال: ائتوني بـ عبد الله بن حذافة. فجيء بـ عبد الله وبرجلين من المسلمين ﵃ وعن المسلمين السابقين جميعاً، وأمر قيصر الروم بالأسيرين فألقيا في الزيت فخرجا عظاماً، وكان قيصر الروم يراقب عبد الله، فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله ﵁، فظن المجرم أن عبد الله بن حذافة سوف يرجع عن طريقه، فقال: يا عبد الله! خفت الموت؟ فقال: والله ما بكيت حينما رأيتني بكيت خوفاً من الموت، وإنما بكيت لأن لي نفساً واحدة تموت في سبيل الله، ولوددت لو أن لي بكل شعرة في جسمي نفساً تدخل هذا القدر وتموت في سبيل الله. فقال: يا عبد الله! أريد منك أن تقبل رأسي وأطلق سراحك. فقال: بل وأسرى المسلمين جميعاً. فقال: نعم. وانطلق عبد الله إلى المدينة بمن معه من المسلمين، فلما قص على عمر ﵁ قال: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله. وبدأ عمر فقبل رأسه. إنه رجل مؤمن تربى على مائدة الإسلام، فأصبح أقوى من قوة الحديد والنار، فماذا يفعل بهذا الرجل وهو الذي يريد الجنة ويريد الشهادة في سبيل الله؟ وماذا يريد هؤلاء؟ إنهم لا يستطيعون التغلب على هؤلاء المؤمنين، فهم أقوى من قوة الحديد والنار، وإذا أردنا دليلاً على ذلك فالسر في أرض أفغانستان، فأفغانستان ابتليت منذ سنين بعدو ملحد مجرم جاء ليفتن الناس عن دينهم، وجاء بكل قوى البشر، وبكل قوى الحديد والنار التي وصلت إليها التقنيات الحديثة، والمبيدات والأشياء التي منعت دولياً استعملت في أفغانستان، ومع ذلك رجع العدو خاسئاً؛ لأن قوة المسلمين أقوى من قوة الحديد والنار مهما كانت قوة الحديد والنار مرعبة ومخيفة.

стр. 323

أهمية تحمل المشاق والعقبات في السير إلى الله هذه العقبات ربما تعترض هي أو غيرها طريق واحد منا، فإما أن يكون هذا المؤمن صلب الإيمان يتصور دائما وأبداً ساعة الوقوف بين يدي الله والجنة والنار والحساب والآخرة فتهون هذه الفتن كلها في طريقه. وإما أن يكون ضعيفاً هزيل الإيمان، لا يقف إيمانه على قدميه، فيرجع من منتصف الطريق، فيخسر الدنيا والآخرة، كما أخبر الله . فمن ظن أن طريق الجنة طريق سهلة معبدة فعليه أن يراجع إيمانه، وعليه أن يقرأ القرآن بتفكير وتؤدة، قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦]، ونحو ذلك من الآيات. ويقول خباب صاحب رسول الله ﷺ : أتينا رسول الله ﷺ ذات يوم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فجلس الرسول ﷺ وقال: (لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار في مفرق رأسه، فيقسم إلى قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دين الله، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، وكانت هذه جرعة قوية أعطت المسلمين قوة. ولقد أتي بـ خبيب ﵁ فرفع ليصلب، فقيل له: أتحب أن محمد مكانك وأنت في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة وأنا على هذه الحال. ويؤتى بـ بلال الحبشي ﵁ ويبطح على حجارة مكة الحارة، وتزال ثيابه، وتوضع عليه الحجارة الحارة، ويعرضون عليه الكفر فيقول: أحد أحد. ويؤتى بـ عمار بن ياسر وأمه وأبيه تحت العذاب، ويمر بهم الرسول ﷺ فيقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). ونحن الآن ربما ندرك شيئاً من هذه الفتن، وهؤلاء الذين أصبحوا يحاربون المسلمين في دينهم من العلمانيين والمنحرفين هؤلاء هم نوع من الفتنة، فهل سنتحمل هذه الفتنة أو نضعف أمام هؤلاء؟ نسأل الله العافية والسلامة، فنحن لا نتمنى لقاء العدو، ولكن بعد أن رأينا العدو الآن له صولة وجولة فعلينا أن نستعين بالله، وأن نصبر، قال : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧].

стр. 324

الأسئلة

стр. 325

حكم وجود الكفار في جزيرة العرب، وحكم مشاركتهم في أعيادهم ومناسباتهم السؤال أقيمت بعض الأعياد التي هي مخالفة لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ من أعياد النصارى واليهود، وقد أحيت القوات الأمريكية والبريطانية أعياد الميلاد في جو يغضب الله تعالى، حيث المسكرات والزنا والحفلات الغنائية، فنرجوا كشف النقاب عن حكم بقاء هؤلاء في البلاد؟ الجواب هذا السؤال محرج، لكن لابد منه، وأرجو الله أن يعيننا على تحمل هذه المسئولية. فأقول: إن جزيرة العرب أرض مقدسة طاهرة، يقول عنها الرسول ﷺ : (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) ويقول: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، وهذه أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ . وما كنا نتصور أن جزيرة العرب يجتمع فيها أكثر من دين، لكن حصلت ظروف قاسية وأمور لا يعلمها إلا الله ، فكان لها أثر في تواجد ملل، حتى أصبحت جميع ملل العالم تجتمع في جزيرة العرب، حتى البوذيين وحتى اليهود وعباد الصليب، نسأل الله العافية والسلامة. وعلى كل فهؤلاء الكافرون ليس غريباً أن يقيموا أعيادهم؛ لأن هذه ملتهم، ولكن الغريب أن يقيموها في جزيرة العرب، وأغرب من هذا أن يشاركهم بعض المسلمين، كما سمعنا أن في بعض المستشفيات وبعض المراكز التي يختلط فيها المسلمون بغير المسلمين يجتمع بعض المسلمين مع هؤلاء الكافرين في أعيادهم، وهذا هو أخطر شيء في ذوبان الشخصية الإسلامية مع الشخصية الكافرة. ولذلك نقول: ليس غريباً أن يسكر هؤلاء أو يزنوا؛ لأن الكفر فوق ذلك، وليس بعد الكفر ذنب، لكن نقول: لماذا يكون ذلك في بلاد المسلمين؟! وأنا سمعت أن الدولة أصدرت أوامر أنه لا يسمح لهؤلاء أن يقيموها في بلادنا أبداً، لكن نطالب المسئولين بحماية هذه القرارات، فهل هناك من يحمي هذه القرارات، أم أنها حبر على ورق؟ لا ندري. ولكن ربما يوجد في الهيئات من يقوم بمثل هذا الدور، ونسأل الله أن يعينهم، وإن كانت الهيئات قد فقدت كثيراً من تأثيرها في أيامنا الحاضرة. أما بالنسبة لمشاركة المسلمين لهؤلاء الكافرين في أعيادهم فهذا خطر، وأخاف أن يكون ردة عن الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، ولما فكر الرسول ﷺ مرة من المرات أن يلين مع الكافرين ليناً بسيطاً من أجل الدعوة ومصلحة الدعوة قال الله تعالى له: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، يعني: ضاعفنا لك العذاب في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة لو ملت شيئاً قليلاً. وإذا كان الرسول ﵊ يريد أن يميل قليلاً من أجل مصلحة الدعوة، ولو فعل شيئاً من ذلك يذيقه الله تعالى ضعف الحياة وضعف الممات، فكيف بمصير واحد من المسلمين يريد أن يميل مع هؤلاء الكافرين لا لمصلحة الدعوة، وإنما لمصلحة الشهوة والحرام، ومع ذلك يميل ميلاً عظيماً كما يوجد في أيامنا الحاضرة؟! فأنا أحذر المسلمين من أن يشاركوا هؤلاء الكافرين في أعيادهم أو في مناسباتهم، وقد أفتى كثير من العلماء البارزين في أيامنا الحاضرة بأن مشاركتهم خطر على دين هذا الإنسان. وأنا أحذر كل الناس، وأخص بالذكر الذين يعملون في المستشفيات؛ لأن المستشفيات -مع الأسف- أصبح الآن فيها مئات الكافرات والكافرين من الممرضات والأطباء، فأنا أخاف على هؤلاء أن يذوبوا معهم، وأن يمتزجوا معهم في مثل هذه المناسبات. فأقول لهم: اتقوا الله؛ لأنه يصاب دينكم بخلل، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، ويقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، ويقول: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤]. إن هذه أمور عظيمة تتعلق بالعقيدة، ولا تدخل في باب المعاصي، فالولاء والبراء من أصول العقيدة التي يؤدي تركها والمخالفة فيها إلى النار، وتؤدي إلى الخلود في النار في بعض الأحيان. إذاً نحن نعتبر موالاة هؤلاء الكافرين ليست من باب المعاصي التي هي تحت مشيئة الله وإرادته، وإنما هي من باب العقيدة التي يقول الله عنها: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وباب الولاء والبراء يدخل في عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك، نسأل الله العافية والسلامة. ونسأل الله أن يعين الدولة ويهديها ويوفقها حتى لا يبقى في جزيرة العرب إلا دين الإسلام مرفوع الرأس، ولو سافرنا إلى بلادهم ما استطعنا أن نؤدي جزءاً بسيطاً مما يؤدونه، حتى الأذان يمنع في بلاد الكافرين، ونحن الآن في بلاد المسلمين نجدهم يعيشون مرفوعي الرءوس.

стр. 326

وجوب إقامة حدود الله في الأرض السؤال تمضي علينا فترات زمنية طويلة لا يعلن فيها عن إقامة أي حد من حدود الله، فما نحن فيه من فتنة وضيق أليس بسبب المحادة لله ورسوله، نرجو توضيح ذلك؟ الجواب لقد سمعت هذا الكلام أكثر من مرة، ولعله لم تكن هناك مخالفات، لكن لا أظن أن المخالفات تتوقف في أي وقت من الأوقات؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر:٦]، فالعدو موجود ومستمر، لكن الشيء الذي نسأل عنه: أين حد الردة؟ ولماذا لم نسمع عنه؟ فمنذ سنين طويلة ما أقيم حد الردة في هذه الأرض، والرسول ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه)، فكم من الناس من بدل دينه؟! وكم من الناس من قال كلمات كفرية كبيرة؟! فلماذا لا يقام حكم الردة في الأرض؟ والحدود كلها يجب أن تقام على حد سواء، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: (ولحد يقام في الأرض خير لهم من أن يمطروا أربعين خريفاً)، فالذين يهاجمون الإسلام ويطعنون في الدين، ويقول بعضهم: أنا لا أقول: إن تعدد الزوجات سنة، بل أقول: إنه فتنة. ونحو ذلك، فمثل هذا يريد أن يطعن في دين الله ، وينكر آيات من كتاب الله، فلماذا لا يسمى مرتداً في نظر المسلمين؟ ومن هو المرتد؟ المرتد هو الذي يبدل دينه، ونحن نرى الذين ربما يعترفون على أنفسهم أنهم لا يصلون، وكثيراً ما نفقد كثيراً من المسلمين في المسجد، ولا نراهم يصلون، وربما يعتذر بعضهم، فهؤلاء الذين يطعنون في دين الله مرتدون، وحكم الردة لا بد من أن يقام في الأرض، والمسلمون عليهم أن يطالبوا إقامة حد الردة كما يطالبون بحد شارب الخمر والقاذف والزاني إلى غير ذلك. فحد الردة لم نسمع عنه في هذه الأرض منذ زمن طويل، وأما تعطيل بقية الحدود فلا علم لي به، لكن أطالب بإقامة حد الردة؛ والمرتدون الآن ربما كشفوا النقاب عن أنفسهم، فنحن نطالب المسئولين أن يقيموا حد الردة على مثل هؤلاء، وأن يسألوهم: هل هم مسلمون أو مرتدون؟ فإذا كانوا مرتدين فإن الله قد أمر بقتل الذين يطعنون في هذا الدين، وسماهم الله أئمة الكفر، وما قال: هم كافرون فقط. بل قال: هم أئمة الكفر، وذلك في قوله : ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢]، وفي قراءة سبعية: (إنهم لا إيمان لهم). فالردة موجودة في كثير من بلاد المسلمين، والذين يطعنون في دين الإسلام كثيرون ومنكشفون في هذه الأيام، فنحن نطالب بكل هذه الحدود بما في ذلك حد الردة، وهذه الدولة هي الوحيدة في الأرض التي تقيم هذه الحدود، نسأل الله أن يوفقها أن تكمل هذا المشوار وترينا ما تفعل بهؤلاء المرتدين كما تفعل بشارب الخمر وغيره، والله المستعان.

стр. 327

أهل الحل والعقد هم أهل الشورى السؤال صدر في الآونة الأخيرة إنشاء مجلس الشورى، فلا ندري ماذا سيحدث في هذا المجلس من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى: هل هناك مقاعد للعلماء المسلمين والغيورين على دينهم، أم ستكون كل المقاعد للعلمانيين والمنافقين؟ الجواب الشورى أصل من أصول هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ولكن لا نصل إلى ما يسمونه في العصر الحديثة بالديمقراطية؛ فإنها هي الفوضى الضاربة في الأرض الآن، وهي ما يسمونه (حكم الشعب للشعب)، وهذه الشورى يجب أن تكون للعقلاء في كل أمة، والعاقل في نظرنا وفي نظر الإسلام هو الرجل المؤمن العالم الذي ينطلق من منطلق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وإذا كان هناك مجلس للشورى فلا أظن أنه لا يكون لأهل الحل والعقد من العلماء والصالحين، ولكن لو كان لغير هؤلاء فإن المصيبة والبلية تكمن وراء ذلك، ولكن -إن شاء الله- لنا أمل في هذه الدولة أن لا يكون في مجلس الشورى هذا إلا أصحاب الحل والعقد من العلماء والصالحين والذين لهم سابقة إصلاح في هذه الأمة، والذين شهد لهم القرآن وشهدت لهم السنة وشهد لهم التاريخ أنهم هم الذين يقودون سفينة حياة الناس إلى ساحل النجاة. أما لو كانت الشورى -نرجوا الله العافية والسلامة- وكان الذين سيتولون قيادة مجلس الشورى من غير هؤلاء الصالحين فالأمر خطير جداً، وأرجو أن لا يكون هؤلاء الذين بدءوا يبرزون الآن في أيامنا الحاضرة يؤهلون أنفسهم ليكونوا أعضاء لمجلس الشورى، فهم يلمعون أنفسهم الآن، ولا تمر صحيفة ولا أي وسيلة من الوسائل إلا ولهم مقال، فأخشى أن يكون مثل هؤلاء يؤهلون أنفسهم، ويريدون أن يلقوا الأضواء على أنفسهم ليكونوا أعضاء. فنحن نرفض هؤلاء، ونرفض كل مجرم ونرفض كل إنسان ليس من أصحاب العقل والدين أن يكون في مجلس الشورى، ونثق بالله ، ثم بحكومتنا التي فكرت في تأسيس مجلس الشورى أنها لا تضع فيه -إن شاء الله- إلا هذا النوع من الصالحين، ولن تضع فيه أحداً من هؤلاء الفسقة؛ لأن هؤلاء سوف يجرون سفينة الحياة إلى أن تتحطم، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 328

حكم قتال الكافرين السؤال هل يعد القتال مع القوات الأمريكية جهاداً في سبيل الله، حيث إن المشكلة تجمع بين الكافر والمسلم في مظلة واحدة، نرجو توضيح ذلك الأمر؟ الجواب إذا كان الأمر أمر دفاع فالمسلم عليه أن يدافع عن بلد الإسلام، وعن دينه وعقيدته ومقدساته مع من كان، لكن يا حبذا لو كان هذا الجيش صافي العقيدة، مؤمناً بالله ، ولكن: إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها فنقول لأي واحد من المسلمين: عليك أن تدافع عن هذا الدين وعن هذا الوطن الذي هو وطن الإسلام، وتدافع عن هذه المقدسات ضد من كان من هؤلاء الناس، ولا تتوقف، ولا تقل: سأتوقف لأن فلاناً كافر أو لأن هناك قيادة بأيدي غير المسلمين. فإن توقفك سوف يفتح ثغرة إلى أن تضيع بلاد المسلمين، نسأل الله العافية والسلامة. وهذا شيء مشاهد في تاريخ الرسول ﷺ ، فإنه لما هاجر إلى المدينة عقد صلحاً وحلفاً مع اليهود، مع أن اليهود أعداء ألداء للإسلام، وأنا لا أقول هذا الكلام مبرراً الموقف الذي حصل، وإنما أريد أن أعلم الناس كيف يدافعون عن هذه البلاد، ولذلك الرسول ﷺ اتفق مع اليهود أن يدافع اليهود والمسلمون في آنٍ واحد عن أي اعتداء على المدينة، حتى قويت شوكة المسلمين فقضى رسول الله ﷺ على اليهود، وأصبح الأمر كله بيد الله تعالى ثم بأيدي المسلمين. فأقول: لو هجم عدو على هذه البلاد فيلزم المسلمين جميعاً أن ينفروا خفافاً وثقالاً ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ليحموا هذا البلد الطاهر وهذه المقدسات، ولا يهمهم أن يكون هناك من الكافرين أو من شذاذ العالم من يشاركهم في هذه المهمة.

стр. 329

واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال متى يسمح بالتطوع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ونرجو المطالبة بذلك من قبل العلماء والمشايخ؟ الجواب التطوع مسموح به منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، فلا تنظر إلى أي عراقيل تقف في طريقه، قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، فهل تريد أوامر أعظم من هذه الأوامر؟! ليس هناك أوامر أعظم من هذه الأوامر، وهل تريد البشر أن يقولوا: مروا أو لا تأمروا؟! هذه أشياء لا تتوقف من أجلها، فمعك أوامر من الله ، فامض في هذا السبيل بناءً على أوامر الله . لكن لابد من أن يكون لهذا الأمر تنظيم، وأنا أوافق على وضع التنظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا أقصد بالتنظيم أن ننتظر حتى يقال لنا: مروا أو توقفوا. وإنما أقصد بالتنظيم أن لا يدخل في هذا الميدان إلا الذين يضبطون توازنهم والذين عندهم غيرة وعندهم علم يستطيعون من خلاله أن يعرفوا بأن هذا منكر وأن هذا معروف، وأن إنكار هذا المنكر لا يجر إلى منكر أكبر من ذلك، فهناك علم، وهناك حكمة، وأنا -أيضاً- لا أقصد بالحكمة اللين، وإنما أقصد بالحكمة وضع الأمور في مواضعها. فإذا توافرت هذه الشروط فلا تنتظر -يا أخي- من البشر أن يقولوا لك: مر أو لا تأمر. أو: انه ولا تنه. وإنما عليك أن تأخذ أمر الله (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)، فاللام هنا لام الأمر، وهي التي تحول الفعل المضارع إلى الأمر، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وقال : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨]، كل هذه أوامر لابد من أن تُنفذ وأن تطبق في حياة البشر.

стр. 330

أهمية مواجهة المنحرفين في وسائل الإعلام السؤال التلفزيون والإذاعة والصحافة جرت علينا ويلات، وظهرت فيها أصابع المكر والرذيلة، فلماذا تترك الحرية فيها للعلمانيين وكتاباتهم فيها، أما المسلمون الصالحون فلم نسمع لهم كلمة؟ الجواب أما عن كلمة (لماذا) فالجواب بأمور: الأمر الأول: أن كثيراً من المسلمين تأخر عن العمل في هذا الميدان، ومنهم من كره العمل فيه، وحق له أن يكره بعدما تبين الرشد من الغي، ولكن أقول: لو استطعت -يا أخي- أن تقدم فكرة أو كلمة صالحة لعل الله أن يشل بها حركة المفسدين فإنك مطالب بذلك. الأمر الثاني: أن هؤلاء العلمانيين سبقونا إلى هذه الأمور، فسيطروا على جزء منها أو على كثير منها، فأصبح الأمر ليس بأيدينا، ولو كان لنا الخيار ما كنا نسمح لهؤلاء أو نقبل بأن يعيثوا في هذه الأرض فساداً، ولكن نقول لهؤلاء الناس: احذروا هذه الوسائل بمقدار ما تشاهدون فيها من فتن وبلاء ومصائب، وردوا عليها، وإذا كان هؤلاء العلمانيون يسيطرون على كثير من وسائل الأعلام فعندنا منبر أعلى من هذه كلها، وهو منبر المسجد الجامع، فالحمد لله إذ المسلمون بخير الآن، ولا يتخلف عن صلاة الجمعة منهم إلا النزر القليل من الذين لا نصيب لهم في هذا الدين. فعلينا أن نستغل هذه المنابر من أجل أن نبطل مفعول هذه الدعايات المضللة التي ترد في وسائل الأعلام، ومن أجل أن نقول كلمة الحق. لكن لا تظن أني أدعو إلى تفجير الأمور تفجيراً، وإنما أدعو إلى الحكمة، والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها. وأقول: عندنا كلمة الحق، ولا يمكن أن نسكت أبداً، فإذا حرمنا من الصحافة أو حرمنا من الإذاعة أو من التلفاز فإننا نكون على الأقل قد استفدنا فائدة وهي أننا نزهنا كلام الله أن نضعه بجوار الأغاني والمسرحيات، وعندنا المنبر الذي يجب أن نقول من خلاله كلمة الحق، وأن نقول للناس: هذا حق وهذا باطل. وعندنا مراسلة المسئولين وكبار المسئولين في الدولة أو زيارتهم إن أمكن، ونقول لهم: اتقوا الله. ونقول لهم بلسان المقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]، فإن قبلوا هذه الكلمة فهم في خير، وإن ردوا هذه الكلمة وقالوا: السجون السجون -كما يحدث في بعض الأحيان- فنقول: إن الله يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ [البقرة:٢٠٦]. ولكن -يا أخي- إذا كنت تخاف من السجون ولا تخاف من الأذى في ذات الله فاعلم أن خير خلق الله عاشوا مدة من الزمن في السجون، فيوسف ﵊ لبث في السجن بضع سنين، وموسى يقول له عدو الله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩]، ونحن لا نتمنى لقاء العدو، ولا نرغب في الإهانة، لكن نرحب بها إذا كانت في ذات الله، وإذا لم يكن لنا سبيل إلا هذه العقبة التي تقف بيننا وبين كلمة الحق فنحن نرحب بها ولا نخاف منها أبداً، ونعتبرها خلوة مع الله ، حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

стр. 331

حكم إقراض الكفار السؤال سمعنا عن قرض قدم إلى أحدى الدول التي تحارب الإسلام وهي روسيا، بل هي في حرب الآن مع المسلمين، وهذا القرض يزيد عما قُدم للجهاد طوال السنوات الماضية، أليس هذا مما يحز في النفس، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب والله إن هذا يحز في النفس، وعجيب أن يُقدم القرض لدولة تحارب الإسلام في أفغانستان والشعب يقدم المساعدات للشعب الأفغاني الذي يجاهد في سبيل الله بأفغانستان! فهذا يُعتبر عدم تنسيق في الأمر، لكن ربما -إن شاء الله- يكون هذا القرض لإسكات فتنة أو لمصلحة أخرى، ولا أستطيع أن أذكر سبب هذا القرض؛ لأني أجهل هذا الأمر. فالمهم أنه لا يجوز أن يستفيد الكافرون من أموال المسلمين، فالمسلمون يذبحون في بلاد الهند بأموال المسلمين، سواء أكانت قروضاً أم كانت أجور عمال ممن نأتي بهم من البوذيين والسيخ والكفرة ونعطيهم الأموال، ونقول: هؤلاء خير من المسلمين. ثم يذبحون بها المسلمين في بلاد الهند وغيرها. فلابد من أن ينفق هذا المال فيما يرضي الله ، وإذا أنفق في غير ما يرضي الله فالأمر خطير، والرسول ﷺ يقول: (إن قوماً يتخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة)، فإذا أنفقت مالك -يا أخي- فعليك أن تنظر كيف تنفق هذا المال، سواء أكان على مستوى الدولة أم على مستوى الأفراد، قال ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره: فيما أفناه، وعن شبابه: فيما أبلاه، وعن ماله: من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به؟). فلعل الدولة -إن شاء الله- لها هدف طيب، لكن نقول: إن أعداء الإسلام يحاربوننا بأموالنا، فاتقوا الله ولا توصلوا إليهم هذه الأموال، واحذروا من سخط الله ؛ فإن الله يغار على دينه، أسأل الله تعالى أن يوفق القادة إلى أن ينتبهوا لهذا الأمر، لكن هم في الحقيقة ما أخذوا لنا رأياً في هذا، ولربما تكون لهم وجهة نظر، ووجهة النظر هذه لا ندري أهي مصيبة أم مخطئة، وربما تكون وجهة النظر في مثل هذه الأيام أن العالم كله قد تكهرب، فهم يريدون أن يهدءوا فتنة، فنحن لا ندري ما الهدف من وراء ذلك.

стр. 332

الموقف من البث التلفزيوني الكافر السؤال طالعتنا بعض الصحف بخبر، وهو وصول البث التلفزيوني الأمريكي وغيره إلى دول الخليج، فماذا عمل العلماء تجاه هذا الخطر الداهم على المسلمين؟ الجواب العلماء ما أظن أنه أخذ لهم رأي، بل أنا متأكد، ولا طلب من هيئة كبار العلماء ولا من هيئة الاستفتاء ولا من عامة العلماء أن يفتوا في جواز هذا أو عدم جوازه، وربما يقول المسئولون: إن هذا الشيء إجباري لا نستطيع أن نسيطر عليه؛ لأنه من خلال الأقمار الصناعية. ولكن نقول: تستطيعون أن تشوشوا عليه كما يُشوش على أي إذاعة تريد أن تمسنا بسوء، فما يمس أخلاقنا أهم مما يمسنا في أي شيء آخر. فنقول: لابد أن يوضع سياج وأجهزة تحول بيننا وبين هذه الأشياء المحرمة، لكني لا أدري هل سيحدث أكثر مما يوجد الآن، فما دام أنَّه الآن يوجد رقص وأغانٍ ومسرحيات في التلفاز الموجود في دول الخليج فأنا لا أتوقع أنه سوف يوجد شيء جديد أو أكثر مما يوجد، اللهم إلا شيء نادر، فلعل المسئولين -إن شاء الله- يضعوا بيننا وبينها السياج المنيع، لكن الحل الذي تملكه أنت وأملكه أنا ويملكه كل مسلم أننا لسنا مجبرين على هذه الوسائل الموجودة داخل البيوت، فلماذا -يا أخي- يوجد التلفاز في بيتك؟! أنت لست مجبراً، بل أنت حينما تفعل ذلك تخاطر بأسرتك بمجموعها أمام هذه الفتن. فهل تدخلها في بيتك وتقول: لماذا يأتي هذا الشيء بهذا الشكل؟ أنت تملك بيتك وتسيطر على بيتك، ولا أحد يجبرك على التصرف داخل بيتك، فإذا لم تستطع أن تطوق المنطقة كلها فطوق بيتك بحماية منيعة، وعسى الله أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً.

стр. 333

ذكر بعض أحوال المسلمين في أفريقيا يقول السائل: عرف عنكم -وفقكم الله- الدعوة إلى الله في أفريقيا، فنريد أن نقف على شيء من أحوال المسلمين هناك؟ الجواب لا أريد أن أتشاءم، فالأحوال سيئة هناك، فهناك الفقر والمجاعة والفتن والتنصير، ففي دولة إسلامية يوجد أكثر من ألف مركز للتنصير، وفي دولة إسلامية أخرى ليست في أفريقيا تنصر فيها في السنوات الأخيرة اثنا عشر مليون مسلم بسبب الفقر والمجاعة والدعايات المضللة، وهناك دولة من الدول الإسلامية فيها أكثر من ثمانين مطاراً للتنصير وأكثر من مائة طائرة للتنصير، فماذا قدم المسلمون لهداية المسلمين؟! لم يقدموا إلا الشيء القليل، ونحن لا نجردهم من ذلك. أما بالنسبة لأفريقيا فهي بلاد فيها أكثر من مائتين وخمسين مليون إنسان تهددهم المجاعة، وأكثرهم من المسلمين، والتنصير استغل هذه الفرصة فجاء بالأطعمة وبالخيام وبالخيرات، والمسلمون نيام، وأسأل الله أن يحفظ هذا الدين، بل إن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين، لكني أخاف على المسلمين ولا أخاف على الدين؛ فإن هذا الدين محفوظ، فأخاف على هؤلاء المسلمين أن يبخلوا بهذا المال وبالجهد وبالدعوة، ولكن يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].

стр. 334

أهمية تولي الصالحين للإعلام السؤال إذا كان كثير من القائمين على الأعلام -وأخص الصحافة- لا ينشرون مقالات الدعوة والمقالات الإرشادية، فما رأيكم لو قام العلماء والدعاة بإنشاء صحيفة أو مجلة إسلامية قوية تظهر الحق وتقف بالمرصاد لدعوة الباطل؟ الجواب هذا شيء طيب، لكن أفضل من ذلك لو أن الصحافة كلها صارت بأيدي أناس صالحين وبأيد أمينة، وتصير -على الأقل- تفتح مجال الصراع بين الحق والباطل، وتنشر كلمة الحق كما تُنشَر كلمة الباطل، وأذكر أنه في مرة من المرات كتب أستاذ في الجامعة في إحدى صحفنا البارزة هنا، وقال: النصارى إخواننا، ومن جهلنا أن نكفر النصارى إلى آخر ذلك الكلام الذي لا يقوله أجهل خلق الله، فحاولت أن أرد على هذا الكاتب، ولا أقول: (الأخ) لأني أشك في إيمانه ما دام أنه يقول هذا الكلام؛ لأن هذه ردة، فهو بهذا أنكر القرآن الذي يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، وأنكر القرآن الذي يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢]، وهو يقول: هم إخواننا؛ لأنهم أصحاب كتاب سماوي. فقال لي رئيس التحرير: أنا لا أستطيع أن أنال من أستاذ في الجامعة. فقلت: سبحان الله! تستطيع أن تنال من دين الله ، وتشكك الناس في دين النصارى الذي هو كفر بالله ، ولا تستطيع أن تنال من أستاذ في الجامعة! فمثل هذا قد سقطت قيمته؛ لأنه أصبح يجهل، وهذا من الأمثلة ومن الدروس التي تمر بنا. وعلى كل يجب أن نزاحم هؤلاء إن استطعنا، وإذا لم نستطع فعلينا أن نستغل المنبر؛ لأن المنبر نملكه، وهو وسيلة إعلامية -والحمد لله- من أفضل الوسائل، لكن أقول أيضاً: باتزان وبانضباط، فالرسول ﷺ كان يعرف كيف يتكلم، فكان يقول: (ما بال أقوام؟) والناس يفهمون حينما يتحدث عن صفات الرجال، ويعرفون أولئك الرجال، لكن حينما لا يكون هناك بد من أن نرد على شخص من الأشخاص الذين اشتهرت أسماؤهم في الأرض فلابد من أن نقول كلمة الحق، وأن نذكر هذا الإنسان باسمه عند الضرورة.

стр. 335

أهمية الوقوف أمام المنافقين الموجودين في الصف السؤال هناك بعض المسئولين لهم تحركات مشبوهة، فلماذا لا يُشهر بهم حتى يعرفوا لدى الناس والمجتمع؟ الجواب هذا صحيح، إلا أن الرسول ﷺ كان يقول: (ما بال رجال؟)، ويجب أن نقول: ما بال رجال؟ لكن الله قال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، فلما انكشف المنافقون في عصر الرسول ﷺ أصبح الرسول ﷺ يقول: يقوم فلان، ويقوم فلان- ويسميهم بأسمائهم- من المجلس؛ لأن الله تعالى قد وصفهم، واتضح له الأمر. فحينما لا يكون بد من التصريح باسم رجل اشتهر بالإفساد في الأرض، الذي يقول: العلماء نرجوا بركتهم ودعاءهم ولا نستفيد منهم! فهؤلاء العلمانيون حقيقة هم لا يرجون حتى بركتهم، وأظنهم لا يرجون بركة أبداً، ولا يفكرون في هذه البركة. فأقول: إذا انكشف الأمر ووصل إلى هذا الحد فلابد من أن تكون للمسلمين قوة، ولابد من أن يكون للمؤمنين كيان، فنناشد الدولة بالله -وهي دولة إسلامية تنطلق من منطلق إسلامي- ونقول: هناك زحف من الشباب الذي أصبحنا أمامه كوابح، وهم يأتوننا بكرة وعشية، ويقولون: أعطونا فتوى نفعل ونفعل. ونقول لهم: اتقوا الله وحافظوا على الأمن، فالملك عبد العزيز ﵀ ظل خمسين سنة يرسي القواعد الأمنية، فلا تفسدوا علينا أمننا في لحظات، واضبطوا توازنكم. فنقول: إذا لم توقفوا مثل هؤلاء الذين ينالون من دين الله جهاراً نهاراً فلن نستطيع أن نوقف هذه القوة التي أصبحنا الآن كوابح أمامها حتى لا تفسد الحرث والنسل. فنقول للمسئولين: اتقوا الله، أنتم في عافية، فبأي شيء تعتذرون بين يدي الله لو وقفتم بين يديه وسألكم: لماذا أعطيتم فلاناً الأهلية ووليتموه السلطة؟ أتوالون أعداء الله؟ فاتقوا الله ، واعلموا أنكم حينما تولون فلاناً وفلاناً في مناصب الدولة وفي الأمور المهمة وهو يحارب الله فإنكم ساعدتموه في حرب الله حينما تولونه منصباً، أو حينما تعطونه أهلية، أو حينا تفتحون له صفحات الصحف والمجلات، نقول ذلك لهؤلاء المسئولين، وأظنهم -إن شاء الله- لن يتأخروا؛ لأنهم يبحثون عن الحق، وسوف يغيرون إن شاء الله، أما إذا لم يغيروا فالأمر كما قيل: إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها فربما تنطلق المجموعات من الشباب الثائر الغاضب لدين الله ، فيحدث خلل في هذا الأمن الذي أسأل الله أن يحفظه لنا، فالعالم كله يعيش في خلل واضطراب إلا بلادنا والحمد لله، فقد حماها الله بتطبيق شرع الله، فأصبحت تعيش آمنة مطمئنة، وجعل الله لها حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولها. وأنا أقول للمسئولين: اتقوا الله وأوقفوا هؤلاء المفسدين في الأرض عند حدودهم، وإلا فأخاف أن يحدث أمر لا نملكه نحن ولا أنتم، والشاعر يقول: أرى خلل الرماد وميض نار ويوشك أن يكون لها ضرام وإن لم يحمها عقلاء قومي يكون وقودها جثث وهام فأنا أخشى أن تنطلق هذه المسيرة كما انطلقت في بلاد مجاورة، فلا يستطيع أحد أن يضبطها؛ لأنها تغضب لله ، والإنسان إذا غضب لله لا أحد يستطيع أن يقف في وجهه أبداً في أي من الأحوال. فنقول: إن لم تسكتوا أولئك فأخاف أن لا نستطيع نحن أن نضبط الأمور، فالشباب من ورائنا يطلبون منا الفتوى ليشيعوا الفوضى في الأرض، وأنتم لا تستطيعون ضبطهم؛ لأنهم أناس تحركوا لدين الله ، وكل إنسان نستطيع أن نجبره أو نوقفه عند حده إلا إنساناً غضب لدين الله، فأخشى أن لا نستطيع إيقافه عند حده، أقول هذا وأنا واثق كل الثقة بأن الدولة تبحث عن الحق إن شاء الله، ففيها خير كثير.

стр. 336

موقف العلماء من تولي المنافقين مناصب في الدولة السؤال لماذا يسكت العلماء والدعاة عندما يُولى أصحاب الاتجاهات الخبيثة مناصب في الدولة؟ الجواب العلماء ما سكتوا، بل هم ينكرون بمقدار ما يستطيعون، والحمد لله، فالمنابر الآن تهز الأرض، والعلماء بمقدار ما يعطون من الضوء الأخضر يقولون، لكن حينما يسرج النور الأحمر فأكثر الناس يخاف منه؛ لأنه علامة الخطر، ونحن نقول للأخ السائل: أعطنا الضوء الأخضر ونستطيع أن نقول كلمة الحق أكثر من ذلك، وحكامنا -والحمد لله- هم أول من يقبل كلمة الحق، فهم فتحوا أبوابهم، ونحن نزورهم بين فترة وأخرى ونذكر لهم الحلول، ونذكر لهم تاريخ البشرية، وماذا حدث في تاريخ البشرية من الخلل بسبب وجود مفسدين في الأرض، وسوف نذكر لهم هذه الأشياء، وهم -إن شاء الله- لا يتركون هذا الأمر يستمر أكثر مما هو عليه الآن. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 337

طريق الجنة الجنة هي سلعة الله الغالية، وقد جعلها الله تعالى هدفاً يتسابق إليه المتسابقون، ويسارع إليه المسارعون، وجعل لها طرقاً وسبلاً من سار عليها وصل إليها بإذن الله تعالى، وهناك عقبات كثيرة على تلك السبل قد تحول دون دخول الجنة، فيجب على المؤمن أن يسلك الطرق الموصلة إلى الجنة، وأن يتجنب تلك العقبات، وأن يتسلح بالعلم النافع والعمل الصالح.

стр. 338

وجوب المسارعة إلى الجنة الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ﷺ وبارك، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة! الموضوع: في طريق الجنة نسأل الله أن يبلغنا وإياكم ووالدينا وإخواننا المسلمين هذه الجنة، التي طالما تاقت لها نفوس المؤمنين، وقدموا في سبيل الحصول عليها والبحث عن طريقها كل ما يملكون، وفوق ما يستطيعون، نسأل الله ذلك. الموضوع يدور حول قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦]. جاءت هذه الآيات التي ترغب بالجنة وبطريقها بعد آيات تحذر من النار قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٠ - ١٣٣]. هذا هو الطريق الموصل إلى الجنة، والله تعالى هنا يقول: (وَسَارِعُوا)، ولذلك فإنه يلاحظ على كل الأفعال الخيرية التي يؤمر المسلم بأن يجد في السير إليها، أن يكون ذلك إما بطريق المسارعة دائماً أو بطريق المسابقة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة:٤٨]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠]، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] دائماً وأبداً بالنسبة لسعي الحياة الآخرة. وبالنسبة للسير في البحث عن الرزق في الحياة الدنيا: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]. ومن هنا فإن المسلم مطالب بأن يستبق الخيرات، وأن يبذل الجهد في سبيل الحصول على هذه السعادة وعلى هذه الدار.

стр. 339

الجنة كانت هي السكن الأول للإنسان هذه الجنة هي التي كانت مسكن الإنسان في يوم من الأيام، ما كان هناك تكليف، ولا كانت هناك واجبات، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة:٣٥] ولكن اقتضت حكمة الله أن يكون لهذا الإنسان عدو، وأن يكون الصراع بين هذا الإنسان وبين عدوه حتى يكون للجنة ثمن، وحتى لا يدخل الجنة إلا من يستحقها، قال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة:٣٨]. والفطرة التي فطر الله الإنسان عليها سليمة لا شك فيها، فهي فطرة التوحيد والعقيدة والإيمان، قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، وفي الحديث القدسي يقول الله : (خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) وهذه الفطرة وذلك العهد هو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] هذه هي الفطرة التي عليها خلق الإنسان وفطر. لكن حينما تسلطت شياطين الإنس والجن على هذا الإنسان كان هناك فريق في الجنة وفريق في السعير، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣] أي: على ملة واحدة، أي: فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. ومن هنا افترقت الناس إلى قسمين، وبدأ الصراع بين الحق والباطل منذ تلك اللحظة، قال تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه:١٢٣]، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، قال ﷺ : (ولا تزال طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله أو حتى تقوم الساعة).

стр. 340

ثمن الجنة وصفات أهلها ومن هنا نعرف أن للجنة ثمناً، وهذا الثمن هو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، فأول شرط من شروط هذه الجنة وأول ثمن من أثمانها هو تقوى الله ، والمراد بتقوى الله: امتثال أوامره واجتناب نواهيه، العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه، والحذر من سخط الله على نور من الله خشية عقابه. وهذه التقوى لا يوفق الله إليها إلا من يستحقها ومن هم أهل للجنة، ومن أجلها بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، ولذلك فإن كل الأنبياء يدعون الأمم: ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وعلى هذا فإن هذه هي القيمة الأولى والثمن الأول للجنة.

стр. 341

الإنفاق في السراء والضراء قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، والمراد بالسراء أي: في حال السعة والطمأنينة، والضراء، أي: في حال الضيق والشدة والعجز، وإنفاقهم في حال السراء شكراً لله ، وإنفاقهم لأموالهم في حال الضراء صبراً وعلامة قوية من علامات الإيمان، ولذلك فإن المؤمن هو الذي يبذل ماله، ويعرف أن هذا المال ليس له وإنما هو ملك الله، وأنه مستخلف في هذا المال، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، وأن الله تعالى هو الذي يورث هذا المال في آخر الأمر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠]؛ ولذلك فإن المسلم يستخلفه الله في هذا المال ليمتحن بذله وصبره وسخاءه أو بخله.

стр. 342

كظم الغيظ والعفو عن الناس يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤] والكظم معناه: الحبس، والغيظ معناه: أشد أنواع الغضب، وحينما يغضب هذا الإنسان لا لله فعليه أن يكتم هذا الغيظ وهذا الغضب، ولكن حينما يكون هذا الغضب لله ومن أجل دينه فلا يجوز أن يقف هذا الغضب عند حد العاطفة، وإنما ينتهي حتى تقام حدود الله ؛ ولذلك ما غضب الرسول ﷺ غضباً إلا أن تنتهك حرمة الله ، ولا أظهر شدة إلا حينما يتعدى على حدود الله ، والمسلم مطالب أن يكظم الغيظ؛ بل مطالب أن يكون غيظه وغضبه لله ومن أجل دين الله، وإذا كان يغضب لأمر من أمور الدنيا فإن عليه أن يغضب لله أكثر من ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]، والعفو صفة من صفات المؤمنين لاسيما في ساعة القدرة، وضعف المعفو عنه، فإن العفو أمر مطلوب؛ ولذلك حث الله تعالى على العفو والإحسان فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]. ومن هنا تعالج مشاكل الناس بعضهم مع بعض، فالعفو عند المقدرة، والتجاوز والصفح عن الإساءة أكبر سبب وأكبر وسيلة يستطيع من خلالها المسلم أن يملك قلوب الناس، قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، ولكن هذا العفو عند المقدرة لا يستطيعه إلا الصابرون، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: العفو عند المقدرة ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. وهذا العفو على نوعين: فقد حث الله على العفو في القرآن، وحذر من العفو في مكان آخر، بل في موقعين متجاورين قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]، وقال قبلها: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩]. فنستطيع من خلال هاتين الآيتين المتجاورتين أن نجمع بينهما إذا كان حق للإنسان فالعفو أفضل، بشرط ألا يراد بهذه الإساءة استذلال أحد من المسلمين، أما إذا أريد بالإساءة إذلال مسلم من المسلمين، أو كان هذا الحق ليس للإنسان وإنما هو لله ، وكان غضباً لدين الله، فالله تعالى أمر بالانتقام فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩]. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، وهو إتقان العمل، ومراقبة الله في الغيب والشهادة.

стр. 343

المبادرة بالتوبة والاستغفار من الذنوب والمعاصي ثم بين آخر عنصر من عناصر طريق الجنة فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، والفاحشة: هي ما عظمت من الذنوب، وظلم النفس معناه: مطلق المعاصي. وعلى هذا: فإن المسلم عليه أن يكون بعيداً عن هذه الأمور التي تحول بينه وبين ربه ، لكن لما فطر الإنسان بطبيعته وجبلته على الميل إلى ملاذ الحياة الدنيا، ولربما تكون مما حرم الله؛ فقد أمر الله بسرعة المبادرة بالتوبة والإنابة، وبين الله في مكان آخر أن هذا الإنسان لو ملأ الأرض ذنوباً وبلغت ذنوبه عنان السماء، ثم تاب وأناب إلى ربه؛ فإن الله تعالى يقبل التوبة عنه، ويعفو عن سيئاته، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، بشرط: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤]. والإنسان بطبيعته وفطرته البشرية قد يميل إلى أمور قد تكون محرمة، وقد يغفل الإيمان ساعة من الزمن فيقع في شيء مما حرم الله، فهذه فطرة البشرية لا يسلم منها إلا من عصمه الله ، وعلاجها سرعة التوبة والإنابة إلى الله ، وهنا يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) و (إذا) للمفاجأة والسرعة، (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي: ما دون الفاحشة، (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي: ذكروا ساعة الوقوف بين يدي الله ، وساعة الحساب، وذكروا ظلمة القبر، ويوم يقفون أمام الميزان الذي توزن فيه الحسنات والسيئات، إذا هموا بظلم مخلوق من المخلوقين أو بظلم النفس أو التعدي على أمر مما حرمه الله أو ما أشبه ذلك؛ فإنهم يبادرون بالتوبة والإنابة، وقد وعد الله مثل هؤلاء أن يبدل لهم السيئات إلى حسنات، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، ويقول جمهور المفسرين: كل سيئة يقترفها هذا الإنسان تتحول إلى حسنة في سجل أعماله، وليس معنى ذلك التشجيع على فعل السيئات ثم تركها، ولكن معنى ذلك: سرعة المبادرة بالتوبة والإنابة إلى الله ، وهو ما أشار الله تعالى إليه في آخر سورة الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. وعلى هذا: فإن المسلم عليه إذا فعل سيئة أن يغلب جانب الخوف، وإذا فعل طاعة أن يغلب جانب الرجاء، وعليه أن يجمع بين الرجاء والخوف في آن واحد، كما ذكر ابن غزوان من أصحاب رسول الله ﷺ لما قال: (ولقد ذكر لنا أن الحجر يرمى من شفير جهنم ما يبلغ لها قعراً، والله لتملأن! والله لتملأن! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصارع الجنة كما بين مكة وهجر -أي: عرض الجزيرة العربية- وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) أي: من كثرة الداخلين. هنا يجمع الإنسان بين الخوف والرجاء، وفي ساعة الاحتضار يغلب الإنسان جانب الرجاء بالله تعالى فلا يموت إلا وهو يحسن الظن بالله . المهم أيها الإخوة! هذه الآية تجعل من صفات المؤمنين أهل الجنة أنهم يبادرون بالتوبة، فلا يفرطون ولا تغرهم الحياة الدنيا، ولا يغرهم الشباب والقوة والفتوة، ولا تغرهم الصحة والعافية، بل هم دائماً على خوف واستعداد للموت قبل نزوله، ولذلك فإن الله حدد أجلين للتوبة: الأجل الأول: هو الغرغرة وبلوغ الروح الحلقوم، وهو ما أشار إليه الرسول ﷺ بقوله: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، أول ما تبلغ الروح الحلقوم، وهذا أجل بعيد بالأصل ولكنه قريب؛ لأن الإنسان لا يدري متى يقع الأجل. الأجل الآخر: طلوع الشمس من مغربها بالنسبة لعامة الناس، وهو ما أشار الله إليه بقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، ويقول الله عن الأول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧] فأبشروا أيها الإخوة! فإن معنى (جهالة) أي: في غفلة، وليس معناها في جهل؛ لأن الجاهل لا يؤاخذ على أي سيئة من سيئاته، ثم حدد الأجل وقال: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)، وأبشروا أيضاً أيها الإخوة؛ فإن القريب ليس معناه: في الحال، ولكن معناه: ما قبل الموت، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]. المهم أيها الإخوة! أن يكون هذا الإنسان دائماً وهو يقترف الذنب -إذا قدر له أن يقترف ذنباً في غفلة عن دينه- أن يقترف هذا الذنب وهو خائف، أما أن يفعل هذا الذنب وهو يضحك، فإن المثل يقول: (من فعل الذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي). ولذلك فإن المؤمن إذا فعل ذنباً ولو كان صغيراً أصبح على رأسه كجبل، والآخر البعيد -نعوذ بالله من حاله- إذا فعل الذنب رآه كما أخبر الرسول ﷺ : (كذباب وقع على وجهه فقال به هكذا) أي: تساهله من بهذا الذنب، والتساهل بالذنب يعتبر ذنباً. وهذه الذنوب تختلف بحجمها وفي أصلها وفي أهلها، فهناك ذنوب بين العباد مع الله لا تصل إلى درجة الشرك، لا يعبأ الله بها يوم القيامة، وهناك ذنوب الشرك -نعوذ بالله- لا يغفر الله منها شيئاً يوم القيامة، وهناك غير هذين الاثنين، وهي المظالم والتعدي على حرمات الناس وأموالهم وأعراضهم ودمائهم وحريتهم، وهذا هو الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً يوم القيامة، وهذا هو الذي يقتص له يوم القيامة بالحسنات والسيئات، وصاحبه هو المفلس الذي يأتي يوم القيامة مفلساً، كما قال ﵊: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام فيأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار). فهذه هي حياة الإنسان، وهذا هو طريق الجنة، فعلى المسلم أن يبادر في سلوك طريق الجنة.

стр. 344

وسائل دخول الجنة أيها الإخوة! هناك أمور هي التي توصل الإنسان إلى الجنة، وهناك أمور تعتبر سبيلاً من سبل الوصول إلى الجنة ووسيلة من وسائل دخول الجنة، وأهم هذه الوسائل بل الأصل هو رحمة الله ، وقد حكم الله بأن رحمته وسعت كل شيء، كما أن كلمة (رحمة) تطلق على الجنة قال تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٧]، وتطلق على كرمه بحيث يشمل أقواماً برحمته، لكن هذه الرحمة التي لا يدخل الجنة أحد إلا بها لها أسباب، وأقول: لا يدخل الجنة أحد إلا بها؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الحديث الصحيح: (لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

стр. 345

من وسائل دخول الجنة العمل الصالح لذلك فإن الوسيلة التي نلجأ إليها ونتذرع بها لدخول الجنة هي رحمة الله ، وهي التي وسعت كل شيء، ولكن لها أسباب، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف:١٥٦] وهم أيضاً: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وهذه الرحمة أسبابها ووسائلها الأعمال الصالحات التي يقدمها هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولذلك فإن المسلم مطالب بأن يتعرض لرحمة الله بالأعمال الصالحات، في التوحيد بالعقيدة السليمة بالحب لهذا الدين بالولاء لهذا الدين بالدفاع عن هذا الدين بالاستماتة دفاعاً عن دين الله وعن عقيدته، هذه هي رحمة الله، وهذه أهم الأسباب التي يحصل بها الإنسان على رحمة الله .

стр. 346

الموت على ملة الإسلام أيضاً من أهم هذه الوسائل: الموت على الملة، قد يحيا الإنسان حياة طويلة على طاعة الله، لكن الله تعالى قد كتب له سوء الخاتمة نسأل الله العافية والسلامة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ووصية نبي الله يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، فالعبرة هي بما يموت عليه الإنسان، لا بما يحيا عليه، فقد يعيش حياة طويلة في أعمال صالحة، ظاهرها أنها تورده الجنة، لكن الله تعالى قد ختم له بالشقاوة نسأل الله العافية والسلامة! كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة). ولذلك فإن الرسول ﷺ -وهو رسول الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والذي يدخل أقوام كثر الجنة بسببه- كان كثيراً ما يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فتقول له عائشة: أو تخاف على نفسك يا رسول الله؟! قال: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن؟!). إذاً: نكثر من هذه الكلمة لعل الله أن يختم لنا بالصالحات، ولا نغتر بالعمل ولو كان كثيراً، فإن العمل الكثير إذا لم يتقبله الله يكون ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، ويكون ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] نسأل الله العافية والسلامة. ولذلك فإن المسلم مطالب أن يبحث عن حسن الخاتمة أكثر من بحثه عن العمل الصالح.

стр. 347

قوة اليقين بالله والخشية له سبحانه أيضاً من هذه الوسائل التي يتقرب بها الإنسان إلى الجنة: قوة اليقين بالله ، والخشية لله، فلا يصرف شيئاً من دينه لغير الله : ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠] ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥]، والخوف والخشية جانبان عظيمان من جوانب التوحيد لا تكون إلا لله ، والخشية: هي الخوف مع الإجلال، ولذلك فإن من وقع في نفسه خوف البشر من دون الله فقد اختل في قلبه جانب التوحيد، وأصبح على خطر من أن يحبط العمل، وأن يكون من المشركين، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، فالخشية والخوف يجب أن يكونا لله .

стр. 348

من وسائل دخول الجنة الجهاد في سبيل الله

стр. 349

الجهاد في سبيل الله يوصل إلى الدرجات العلى في الجنة هناك طرق للجنة، وهناك طرق توصل الإنسان إلى الدرجات العلى في الجنة، وأفضل سبيل يوصل إلى أعلى درجة في الجنة: هو الجهاد في سبيل الله، الجهاد الذي عقده المسلم يوم أن كان مؤمناً بالله كصفقة رابحة بينه وبين الله ، وحينما نتكلم عن الجهاد لا نكتفي بالجهاد الذي هو حمل السلاح في وجوه الكافرين، ولكنه أياً كان هذا الجهاد؛ ابتداء من جهاد النفس، إلى الجهاد بكلمة الحق إذا كانت عند سلطان جائر، وهذا يعتبر أفضل الشهداء عند الله ، رجل قام عند سلطان جائر فأمره ونهاه فأراق دمه أو فقتله، وهذا أفضل الشهداء عند الله ، فهو يوم القيامة مع حمزة الذي هو أفضل الشهداء ﵁. كذلك الجهاد أيضاً بالدعوة إلى الله ، ولذلك أخبر الله تعالى بأن الدعوة هي الجهاد الكبير، فقال عن القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٢] أي: القرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، فهو أعظم أنواع الجهاد، وهو الدعوة إلى الله ، وهذه هي التي قال الله عنها: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت:٣٣]، فالدعوة إلى الله هي أحسن قول، والجهاد بالدعوة إلى الله وكلمة الحق وإعلانها في الناس والصبر على الأذى فيها تعتبر أفضل وأعظم أنواع الجهاد: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] فهو جهاد كبير أكبر من الجهاد المعروف إذا دعت الضرورة إلى هذا النوع من الجهاد، فهو أكبر من الجهاد بالسلاح وإراقة الدماء؛ لا سيما حينما يضعف الناس عن هذا الجانب من جوانب الجهاد، فإن الله تعالى قد سماه جهاداً كبيراً. ثم يأتي الجهاد بالنفس والمال والدم والروح، ومن خلال هذا الجهاد تتحقق البيعة التي أبرمها المؤمن مع ربه يوم كان مؤمناً بطريقة تلقائية مباشرة دون أن تحتاج إلى كتابة عقد، فإن هذا العقد مبرم منذ أن اعتنق هذا المؤمن هذا الإيمان، وهذا العقد مصدق في كل الكتب السماوية في التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا العقد قد استوفى كل أركان المعاملات المعروفة عند الفقهاء: بائع ومشترٍ، وثمن وسلعة، وهو ما أشار الله إليه في سورة التوبة فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. ولما نزلت هذه الآية قام عبد الله بن رواحة ﵁ فقال: (يا رسول الله! ما لنا إن قتلنا في سبيل الله؟ قال: الجنة، قال: يا رسول الله! ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) أي: لا نقبل أحداً ينقض هذه البيعة، ونحن لا نطلب نقض هذه البيعة، ما دام الثمن هو الجنة، وما دام الموت كتاباً مؤجلاً على هذا الإنسان لا يتقدم الإنسان ساعة ولا لحظة ولا يتأخر، فخير له أن تكون هذه الميتة في سبيل الله؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (من سأل الله الشهادة بحق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه). هذه البيعة يا إخوان! بيعة عظيمة جداً، نقرؤها في القرآن، ولربما نغفل عن تجديدها مع الله ، ومن خلال هذه الغفلة يضعف الإنسان أمام الإنسان، ويضعف الإنسان أمام المخاوف والدماء التي تراق، أما حينما نقرؤها بعقل وتفكير فهذه بيعة فيها بائع وهو المؤمن، وفيها المشتري وهو الله ، مع أنه يملك روح هذا الإنسان وماله، لكن من كرمه أن اشترى هذين الأمرين بثمن وهو الجنة، وسلعة وهي النفس والمال، وثمن وهو الجنة، وهذه أركان البيع الأربعة المعروفة عند الفقهاء، ثم صدقت هذه المعاملة وهذه البيعة في التوراة والإنجيل والقرآن. لما نزلت هذه الآية خرج المسلمون عن بكرة أبيهم للجهاد في سبيل الله، حتى نزلت آية أخرى تلوم المسلمين كيف يخرجون للجهاد ويتركون المدينة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، إذاً: تبقى فرقة في حراسة المدينة، ولطلب العلم عند الرسول ﷺ ، وتخرج طائفة للجهاد، وإذا رجعت هذه الفرقة تبقى هذه وتخرج تلك. ما الذي دفع المسلمين إلى الخروج جميعاً إلى الجهاد في سبيل الله؟ هو البحث عن هذه الجنة، وتحقيق هذه البيعة إلى أن لامهم الله ، والدليل على ما سبق أنه أفضل طريق يوصل إلى أعلى درجات الجنة قول الرسول ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله). درجات الجنة المائة التي كل واحدة كما بين السماء والأرض، هذه المسافة الطويلة، هذه للمجاهدين؛ لتفاوت درجات المجاهدين، ولتفاوت أهدافهم ونياتهم، ونوع البلاء الذي قدموه في سبيل الله .

стр. 350

الصبر والثبات عند الفتن يوصل المسلم إلى أعلى درجات الجنة العنصر الثاني الذي يكفل للمسلم أعلى درجات الجنة: فهو الصبر على الأذى، والابتلاء في دين الله ، وهذه درجة عالية وهي درجة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد أوذوا في سبيل الله، ثم بعد ذلك صبروا، ثم كانوا في أعلى درجات الجنة. ويلحق بهؤلاء الأنبياء في الدرجة الثانية المصلحون، الذين قدموا أنفسهم لهذا الدين، وصبروا على هذا الأذى، وتفانوا في الدفاع عن دين الله ، وقدموا على الله غير مغيرين ولا مبدلين، ولا مستكينين لغير الله . الدرجة الثالثة العليا: الذين يثبت إيمانهم عند الفتن، وهذه المرحلة لا يطيقها إلا القلة من الناس؛ لأن هناك من الناس ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج:١١] إذا رأى أن الناس معه، وأن الخير معه، وأنه لا يؤذى في ذات الله؛ فإنه يثبت على هذا الطريق؛ لأنها أصبحت طريقاً سهلة ممهدة، لكن حينما يصيبه الأذى في دينه يرجع على عقبيه، وينكص ويعود من منتصف الطريق، ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]. هذه الفتن جعلها الله في طريق الجنة لتمحص المؤمنين، ولتيمز الصادقين من غير الصادقين؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، إذا أصابه أذى في دينه قال: لقد هربت من الأذى فكيف أقع في الأذى؟! لقد هربت من عقوبة الآخرة والآن أقع في عقوبة الدنيا! إذاً: أتحمل العقوبة المتوقعة وأسلم من عقوبة حاضرة، هكذا يتفلسف ويظن أن العقوبتين متساويتان! والحقيقة أن هناك الفرق الكبير الشاسع بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠]، هؤلاء الذين يرجعون من منتصف الطريق هم الذين لا يصلحون الحياة، لا سيما الحياة الحاضرة؛ بل إن الحياة كلها جعل الله هؤلاء الناس بعضهم لبعض فتنة فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان:٢٠] أي: أتتحملون هذه الفتنة؟ ومن أجل ذلك فإن الذين يثبتون على هذا الطريق، ولا يتراجعون حينما تصيبهم فتنة هم الذين يستحقون الدرجات العلى في الجنة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، وهذه الآية نزلت في آخر سورة آل عمران من أجل أن تبين أن ما حدث في غزوة أحد -التي تكلمت عليها سورة آل عمران- من أذى أصاب المسلمين، فقتل منهم سبعون، وجرح خير البرية محمد ﷺ ، أن هذا له فائدة، حتى المصائب لها فائدة، ما هي الفائدة؟ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]. إذاً: معنى ذلك: أن الأحداث والمصائب والفتن التي تحل بأمة من الأمم لمصلحة هذه الأمة، من أجل أن يخرج ذلك الداعية ممحصاً، ومن أجل أن يخرج ذلك المؤمن قوي الشكيمة، شديد العزيمة، مؤمناً حقاً، يستطيع أن يتحمل أعباء الحياة وتكاليفها، لكن حينما تكون الحياة كلها رخاء وسهولة، ورقة وليناً ودعة، فباستطاعة كل الناس أن يقولوا: إنهم مؤمنون، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، و (حسب) هنا استفهام إنكاري، أي: من ظن أنه إذا قال: آمنت ولا يفتن فعليه أن يراجع حسابه، فالاستفهام إنكاري معناه: أنه ليس من المعقول وليس حقيقة أن يترك الناس على كلمة (مؤمن) دون أن يفتنوا، والفتنة معناها في اللغة: وضع الذهب في النار حتى تظهر الجودة من الرداءة, وحينما يوضع الذهب في النار يتميز الذهب من الأخلاط الرديئة ويبقى الذهب، وتزول هذه الأخلاط الرديئة، هذه هي الفتنة في اللغة العربية، والفتنة في مفهوم الشرع الإسلامي: هي ما يصيب الإنسان من آفات وأحداث من أجل أن يتميز المؤمن الصادق من غير الصادق.

стр. 351

عقبات في طريق الجنة أيها الإخوة! إن في طريق الجنة عقبات، وليست الجنة قد فرش طريقها بالورود والرياحين، ليس طريقاً ممهداً مسفلتاً؛ لكنه طريق وعر، وهذه الطريق الوعرة ليس الهدف من ورائها أن يصرف المؤمنون عن الجنة، ولكن من هدفها ألا يدخل الجنة إلا من يستحق الجنة، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). وعلى هذا نفهم معنى قول الله تعالى في صفة العقبات الشديدة التي تعترض سبيل المؤمن في طريقه إلى الله وإلى الجنة من قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ثم يقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. إذاً: نصر الله لا يأتي حتى يقول الناس: متى نصر الله؟! أي: إن نصر الله يتأخر حتى يظن طائفة من الناس بالله سوءاً، ونصر الله يتأخر حتى ترتج الأرض بالمؤمنين وتتزلزل، (أم أحسبتم أن تدخلوا الجنة)؟! استفهام إنكاري هنا، (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)، والمراد بالبأساء: الحروب المهلكة، والضراء: الفقر والمسغبة والأذى، والفتن في طريق الجنة، (وزلزلوا) أصبحت الأرض كأنها تتحرك من تحت أقدامهم؛ من شدة الخوف والذعر الذي أصاب المؤمنين، فهذه الزلزلة وصلت إلى درجة أن يقول الرسول -وهو الرسول الذي أرسل من عند الله-: متى نصر الله؟! تصوروا يا إخوان! شدة الفتنة في طريق الجنة! الرسول يقول: متى نصر الله؟! وكلمة (متى) هنا ليس معناها الاستفهام، وإن كانت (متى) في الأصل هي للاستفهام، ولكن معناها هنا: الاستبطاء، أي: أبطأ نصر الله. والمؤمنون الذين يعيشون مع المرسلين عليهم الصلاة والسلام من شدة الخوف الذي أصابهم، والشدة التي أصابتهم في طريق الجنة يقولون: متى نصر الله؟ إذا كان هذا بالنسبة للمرسلين وأتباعهم، فما هو موقف عامة الناس في طريقهم إلى الجنة وهم يفتنون في دينهم ويبتلون في طريق الجنة؟! إذاً: الطريق وعرة يا إخوان! قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦] أي: ما يلجئون إلى غير المؤمنين، وليس معناه أن تلجأ للمؤمنين من دون الله، أي: يعتمدون على الله ، ويستعينون بالله ثم بالمؤمنين لا بالكافرين، إلى غير ذلك من العقبات التي تعترض طريق المسلم إلى ربه وهي الدار الآخرة. يقول خباب بن الأرت ﵁: (شكونا إلى رسول الله ﷺ ذات ليلة ما نلقاه من المشركين في مكة، فأتينا إلى رسول الله ﷺ وقد توسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول ﷺ وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيوضع المنشار على مفرق رأسه إلى قدميه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دين الله، ولكنكم قوم تستعجلون، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه). ففي طريق الجنة عقبات في طريق الجنة قتل مرسلون في طريق الجنة أخرج المرسلون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، أخرجوا وقال لهم الكفرة من أتباعهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤]. إذاً: هذه هي العاقبة للمتقين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. في طريق الجنة قطعت أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وكانوا قبل لحظات يحلفون بعزة فرعون ويقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، ما ولدوا في الإسلام وفي الملة كما يولد الناس المؤمنون اليوم، ولكنهم ولدوا على الكفر وعاشوا في الكفر والسحر، لكن عندما دخل الإيمان في قلوبهم في لحظة واحدة من الزمن ويهددون وينفذ فيهم هذا التهديد: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] رأوا الجنة بأعينهم، ماذا قال أولئك؟ ﴿(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] ما قالوا: بعزة فرعون كما كانوا يقولون قبل لحظات، قالوا: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، استهانة بالحياة الدنيا، لكن الحياة الآخرة لا أحد يستطيع أن يفعل بها شيئاً، فهي بيد الله ، وحتى الحياة الدنيا بيد الله؛ لأنه لا يقضي ما هو قاض إلا بالأجل الذي حدده الله ، ولذلك استطاع الإيمان أن يتغلب على ما في قلوبهم من الكفر والسحر في لحظة واحدة، فكيف بأبناء الملة والفطرة الذين ولدوا على الفطرة، وفي بيوت الفطرة والملة، واختلطت هذه الفطرة وهذا الخير بدمائهم وعظامهم ولحومهم؟! إذاً هم أولى أن يكون ذلك موقفهم. في طريق الجنة خدت الأخاديد وأشعلت فيها النيران، وقيل: كل من آمن بالله لا بد أن يقتحم هذه النار أو يراجع حسابه في الإيمان بالله ، فيقتحمون هذه النار في الأخاديد، قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥]، وهم جالسون على حافة النار يضحكون على المؤمنين، ولحومهم تحترق بهذه النار وعظامهم، لكنه حلم الله ، والامتحان والفتنة التي وضعها الله في طريق الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، والله تعالى بيده القدرة. في طريق الجنة يقتحم إبراهيم ﵊ النار التي يقول المفسرون عنها: إنها نار كانت تحرق الطير في جو السماء، ويستسلم لأمر الله ، ويقول الله بعد ذلك: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. وفي طريق الجنة يصلب خبيب بن عدي ﵁ في مكة، ويقول له القوم الكافرون: هل تريد أن يكون محمد في مكانك؟ فيقول: والله ما أود أن تصيب محمداً شوكة وأنا على هذه الحال. في طريق الجنة قتل كثير من المؤمنين وصعدوا أعواد المشانق، وقالوا لأعدائهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] إذاً: طريق طريق، وعرة ونستطيع أن نقول: إن هناك عقبات نستطيع أن نلخصها في أمور عشرة:

стр. 352

فساد العقيدة الأمر الأول: من العقبات التي تعترض سبيل هذا الإنسان في طريقه إلى الله : فساد العقيدة، وعشق المبادئ التي قد زينت لهؤلاء الناس، فوجد من يرتد عن الإسلام، ويكفر بدينه، ويستجيب لدواعي الكافرين ولدعاياتهم وضلالاتهم، فيخسر الدنيا والآخرة.

стр. 353

ضعف اليقين بالله ومنها أيضاً: ضعف اليقين بالله ، وعدم تصور عظمة الموقف، ويكون ذلك حينما يكون هذا الإيمان تقليدياً وراثياً، وهذا هو أخوف ما نخاف على المؤمن الذي يأخذ دينه وعقيدته بالوراثة أو من البيئة يجد أباه يصلي فيصلي دون أن يتصور حقيقة هذا الدين يجد أمه تصوم فيصوم، أخذ الدين عن طريق الوراثة فربما يرجع من منتصف الطريق دون أن يكمل المشوار إلى ربه . لكن تصوروا يا إخوان! إبراهيم ﵊ الذي يلقى في النار فيصبر، ويؤمر بذبح ولده فيحتسب، ويؤمر بترك ولده بوادي غير ذي زرع فيستجيب لأمر الله ؛ لأن إبراهيم عرف الله من خلال آياته في هذا الكون، فهذه الآيات الآفاقية والكونية هي التي تهدي هذا الإنسان إلى إيمان أفضل، ولذلك يقول الله تعالى عن قصة إبراهيم وهو يبحث عن إله يعبده, وما كان يشك في الله، ولكنه كان يريد أن يعلم القوم، فهي حجة الله وحجة إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام:٨٣] إبراهيم ينظر إلى الكوكب فيقول: هذا ربي، ثم يغيب الكوكب فيقول: لا أحب الآفلين، ثم ينظر إلى القمر فيقول: هذا ربي، ثم يقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]، ثم ينظر إلى الشمس فيقول: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]. من هنا يبرز الإيمان القوي، أما ضعف اليقين بالله والإيمان الذي يقول صاحبه: إن كان ما جاء به المرسلون حقاً فلا ضير أن أكون قد اتبعتهم، وإن كان غير حق فأنا ما أتعبت نفسي! هذا الإيمان لا يدخل الإنسان الجنة، ولكنه اليقين الذي يتخطى به المسلم تلك العقبات، ويقتحم العقبة الكئود بحيث يصل إلى دار السلام آمناً مطمئناً.

стр. 354

حب السيطرة والطغيان الأمر الرابع من هذه العقبات: حب السيطرة والطغيان، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، لا يريدون علواً فليس عندهم علو بل يرفضون العلو، ولا يريدون أن يكون هناك علو إلا لله ، ولا يريدون الفساد في الأرض، فهم لا يقترفون الفساد، وهم يحاربون الفساد بقدر ما أوتوا من قوة، فهؤلاء هم الذين لهم الدار الآخرة التي هي الجنة، فإن من أكبر الأمور التي تصرف هؤلاء الناس عن دين الله هي حب السيطرة والطغيان في الأرض، وهذه هي التي يقول الله عنها: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، فهؤلاء الذين ينافسون الله في سلطانه بالكبرياء الذي هو رداؤه، والعظمة التي هي إزاره يقول تعالى في الحديث القدسي: (من نازعني شيئاً من ذلك عذبته).

стр. 355

الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها الأمر الرابع: الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس:٧]، هم أناس في غفلة عن الحياة الآخرة، أناس أشربت قلوبهم بحب الحياة الدنيا، وزينتها ومتاعها، ومن خلال هذا الإشراب وهذه الغفلة نسوا الله ؛ فأنساهم أنفسهم، ثم هم لا يفكرون ساعة من الزمن في أن يعودوا إلى الله ، ولذلك فإن الله تعالى قد يأخذهم على غرة، ثم يخسرون الدنيا والآخرة.
следующие страницы →