Полный текст (1 366 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عقبات في طريق الجنة
أيها الإخوة! إن في طريق الجنة عقبات، وليست الجنة قد فرش طريقها بالورود والرياحين، ليس طريقاً ممهداً مسفلتاً؛ لكنه طريق وعر، وهذه الطريق الوعرة ليس الهدف من ورائها أن يصرف المؤمنون عن الجنة، ولكن من هدفها ألا يدخل الجنة إلا من يستحق الجنة، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
وعلى هذا نفهم معنى قول الله تعالى في صفة العقبات الشديدة التي تعترض سبيل المؤمن في طريقه إلى الله وإلى الجنة من قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، ثم يقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
إذاً: نصر الله لا يأتي حتى يقول الناس: متى نصر الله؟! أي: إن نصر الله يتأخر حتى يظن طائفة من الناس بالله سوءاً، ونصر الله يتأخر حتى ترتج الأرض بالمؤمنين وتتزلزل، (أم أحسبتم أن تدخلوا الجنة)؟! استفهام إنكاري هنا، (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ)، والمراد بالبأساء: الحروب المهلكة، والضراء: الفقر والمسغبة والأذى، والفتن في طريق الجنة، (وزلزلوا) أصبحت الأرض كأنها تتحرك من تحت أقدامهم؛ من شدة الخوف والذعر الذي أصاب المؤمنين، فهذه الزلزلة وصلت إلى درجة أن يقول الرسول -وهو الرسول الذي أرسل من عند الله-: متى نصر الله؟! تصوروا يا إخوان! شدة الفتنة في طريق الجنة! الرسول يقول: متى نصر الله؟! وكلمة (متى) هنا ليس معناها الاستفهام، وإن كانت (متى) في الأصل هي للاستفهام، ولكن معناها هنا: الاستبطاء، أي: أبطأ نصر الله.
والمؤمنون الذين يعيشون مع المرسلين عليهم الصلاة والسلام من شدة الخوف الذي أصابهم، والشدة التي أصابتهم في طريق الجنة يقولون: متى نصر الله؟ إذا كان هذا بالنسبة للمرسلين وأتباعهم، فما هو موقف عامة الناس في طريقهم إلى الجنة وهم يفتنون في دينهم ويبتلون في طريق الجنة؟! إذاً: الطريق وعرة يا إخوان! قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:١٦] أي: ما يلجئون إلى غير المؤمنين، وليس معناه أن تلجأ للمؤمنين من دون الله، أي: يعتمدون على الله ، ويستعينون بالله ثم بالمؤمنين لا بالكافرين، إلى غير ذلك من العقبات التي تعترض طريق المسلم إلى ربه وهي الدار الآخرة.
يقول خباب بن الأرت ﵁: (شكونا إلى رسول الله ﷺ ذات ليلة ما نلقاه من المشركين في مكة، فأتينا إلى رسول الله ﷺ وقد توسد رداءه في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقعد الرسول ﷺ وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيوضع المنشار على مفرق رأسه إلى قدميه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دين الله، ولكنكم قوم تستعجلون، ووالله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه).
ففي طريق الجنة عقبات في طريق الجنة قتل مرسلون في طريق الجنة أخرج المرسلون من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، أخرجوا وقال لهم الكفرة من أتباعهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم:١٣ - ١٤].
إذاً: هذه هي العاقبة للمتقين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
في طريق الجنة قطعت أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وكانوا قبل لحظات يحلفون بعزة فرعون ويقولون: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]، ما ولدوا في الإسلام وفي الملة كما يولد الناس المؤمنون اليوم، ولكنهم ولدوا على الكفر وعاشوا في الكفر والسحر، لكن عندما دخل الإيمان في قلوبهم في لحظة واحدة من الزمن ويهددون وينفذ فيهم هذا التهديد: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] رأوا الجنة بأعينهم، ماذا قال أولئك؟ ﴿(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ [طه:٧٢] ما قالوا: بعزة فرعون كما كانوا يقولون قبل لحظات، قالوا: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، استهانة بالحياة الدنيا، لكن الحياة الآخرة لا أحد يستطيع أن يفعل بها شيئاً، فهي بيد الله ، وحتى الحياة الدنيا بيد الله؛ لأنه لا يقضي ما هو قاض إلا بالأجل الذي حدده الله ، ولذلك استطاع الإيمان أن يتغلب على ما في قلوبهم من الكفر والسحر في لحظة واحدة، فكيف بأبناء الملة والفطرة الذين ولدوا على الفطرة، وفي بيوت الفطرة والملة، واختلطت هذه الفطرة وهذا الخير بدمائهم وعظامهم ولحومهم؟! إذاً هم أولى أن يكون ذلك موقفهم.
في طريق الجنة خدت الأخاديد وأشعلت فيها النيران، وقيل: كل من آمن بالله لا بد أن يقتحم هذه النار أو يراجع حسابه في الإيمان بالله ، فيقتحمون هذه النار في الأخاديد، قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥]، وهم جالسون على حافة النار يضحكون على المؤمنين، ولحومهم تحترق بهذه النار وعظامهم، لكنه حلم الله ، والامتحان والفتنة التي وضعها الله في طريق الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]، والله تعالى بيده القدرة.
في طريق الجنة يقتحم إبراهيم ﵊ النار التي يقول المفسرون عنها: إنها نار كانت تحرق الطير في جو السماء، ويستسلم لأمر الله ، ويقول الله بعد ذلك: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
وفي طريق الجنة يصلب خبيب بن عدي ﵁ في مكة، ويقول له القوم الكافرون: هل تريد أن يكون محمد في مكانك؟ فيقول: والله ما أود أن تصيب محمداً شوكة وأنا على هذه الحال.
في طريق الجنة قتل كثير من المؤمنين وصعدوا أعواد المشانق، وقالوا لأعدائهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] إذاً: طريق طريق، وعرة ونستطيع أن نقول: إن هناك عقبات نستطيع أن نلخصها في أمور عشرة:
стр. 352
فساد العقيدة
الأمر الأول: من العقبات التي تعترض سبيل هذا الإنسان في طريقه إلى الله : فساد العقيدة، وعشق المبادئ التي قد زينت لهؤلاء الناس، فوجد من يرتد عن الإسلام، ويكفر بدينه، ويستجيب لدواعي الكافرين ولدعاياتهم وضلالاتهم، فيخسر الدنيا والآخرة.
стр. 353
ضعف اليقين بالله
ومنها أيضاً: ضعف اليقين بالله ، وعدم تصور عظمة الموقف، ويكون ذلك حينما يكون هذا الإيمان تقليدياً وراثياً، وهذا هو أخوف ما نخاف على المؤمن الذي يأخذ دينه وعقيدته بالوراثة أو من البيئة يجد أباه يصلي فيصلي دون أن يتصور حقيقة هذا الدين يجد أمه تصوم فيصوم، أخذ الدين عن طريق الوراثة فربما يرجع من منتصف الطريق دون أن يكمل المشوار إلى ربه .
لكن تصوروا يا إخوان! إبراهيم ﵊ الذي يلقى في النار فيصبر، ويؤمر بذبح ولده فيحتسب، ويؤمر بترك ولده بوادي غير ذي زرع فيستجيب لأمر الله ؛ لأن إبراهيم عرف الله من خلال آياته في هذا الكون، فهذه الآيات الآفاقية والكونية هي التي تهدي هذا الإنسان إلى إيمان أفضل، ولذلك يقول الله تعالى عن قصة إبراهيم وهو يبحث عن إله يعبده, وما كان يشك في الله، ولكنه كان يريد أن يعلم القوم، فهي حجة الله وحجة إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام:٨٣] إبراهيم ينظر إلى الكوكب فيقول: هذا ربي، ثم يغيب الكوكب فيقول: لا أحب الآفلين، ثم ينظر إلى القمر فيقول: هذا ربي، ثم يقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]، ثم ينظر إلى الشمس فيقول: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩].
من هنا يبرز الإيمان القوي، أما ضعف اليقين بالله والإيمان الذي يقول صاحبه: إن كان ما جاء به المرسلون حقاً فلا ضير أن أكون قد اتبعتهم، وإن كان غير حق فأنا ما أتعبت نفسي! هذا الإيمان لا يدخل الإنسان الجنة، ولكنه اليقين الذي يتخطى به المسلم تلك العقبات، ويقتحم العقبة الكئود بحيث يصل إلى دار السلام آمناً مطمئناً.
стр. 354
حب السيطرة والطغيان
الأمر الرابع من هذه العقبات: حب السيطرة والطغيان، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]، لا يريدون علواً فليس عندهم علو بل يرفضون العلو، ولا يريدون أن يكون هناك علو إلا لله ، ولا يريدون الفساد في الأرض، فهم لا يقترفون الفساد، وهم يحاربون الفساد بقدر ما أوتوا من قوة، فهؤلاء هم الذين لهم الدار الآخرة التي هي الجنة، فإن من أكبر الأمور التي تصرف هؤلاء الناس عن دين الله هي حب السيطرة والطغيان في الأرض، وهذه هي التي يقول الله عنها: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، فهؤلاء الذين ينافسون الله في سلطانه بالكبرياء الذي هو رداؤه، والعظمة التي هي إزاره يقول تعالى في الحديث القدسي: (من نازعني شيئاً من ذلك عذبته).
стр. 355
الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها
الأمر الرابع: الرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس:٧]، هم أناس في غفلة عن الحياة الآخرة، أناس أشربت قلوبهم بحب الحياة الدنيا، وزينتها ومتاعها، ومن خلال هذا الإشراب وهذه الغفلة نسوا الله ؛ فأنساهم أنفسهم، ثم هم لا يفكرون ساعة من الزمن في أن يعودوا إلى الله ، ولذلك فإن الله تعالى قد يأخذهم على غرة، ثم يخسرون الدنيا والآخرة.
стр. 356
سوء الخاتمة
الأمر الخامس: سوء الخاتمة، وهو أن يختم لهذا الإنسان بخاتمة الشقاوة، نسأل الله العافية والسلامة! وسوء الخاتمة سبيل يعاقب الله به من يشاء من عباده، ولذلك فإن المسلم مطالب أن يبحث عن حسن الخاتمة، وحسن الخاتمة يكون بالصالحات والمداومة عليها، والمبادرة إلى التوبة والإنابة.
стр. 357
صحبة الأشرار
من الأمور التي تعوق الإنسان دون الجنة: صحبة الأشرار، فقد يتخذ المسلم بطانة من دون المؤمنين، يتخذ بطانة كافرة تكون سبباً في شقائه وحرمانه وإبعاده عن الله ، وصحبة الأشرار ربما يكون سببها الإعراض عن دين الله، وعن شرع الله، وعن كتاب الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف:٣٦] أي: عن القرآن ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف:٣٦]، باسم صديق أو صاحب أو جليس أو مستشار أو سكرتير أو ما أشبه ذلك، هذا الشيطان يتسلط على ذلك الإنسان، فيحوله إلى شيطان آخر، وهذا الشيطان إذا تسلط على هذا الإنسان لا يتركه حتى يوقعه في قعر النار، ولذلك الله تعالى أمرنا بمجالسة الصالحين فقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [الممتحنة:١٣]، ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥١]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
ويتسلط قرين السوء على هذا الإنسان الذي كتب الله عليه الشقاوة بسبب إعراض الثاني عن كتاب الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، ثم لا يدعه هذا الشيطان -سواء كان من شياطين الإنس وهم أخطر على الإنسان، أو من شياطين الجن وهم يأتون في المرتبة الثانية- حتى يرميه في قعر جهنم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩].
هذا القرين -نعوذ بالله- الذي ربما يسيء كثير من الناس -وبصفة خاصة بعض ولاة الأمر- في اختيار الجليس أو البطانة أو السكرتير، أو الذي يتولى الأمر أياً كان هذا الأمر، أو المربي؛ فيصرفه عن دين الله ، ويرميه في قعر جهنم، هذا إنما هو بسبب إعراض المتولي عن شرع الله ، وعن دين الله، ومن عقوبة الله تعالى أن يقيض له هذا الشيطان فلا يتركه حتى يرميه مع نفسه في نار جهنم، ولذلك أخبر الله تعالى بأن هناك من يعيش من الناس في صحبة الأشرار، ثم يقيض الله رحمة من رحماته لهذا الإنسان فينقذه من هذا الفاسد ومن هذا الجليس ومن هذا السكرتير؛ لأن الله تعالى أراد له خيراً، فإذا جاء يوم القيامة ودخل ذلك التقي الجنة الذي أنقذه الله من صحبة هذا الشرير فيسأل الملائكة: أين فلان من الناس، والله لقد كاد في يوم من الأيام أن يضلني وأن يدخلني النار؟! فيقال له: هل تريد أن تنظر إليه؟ إنه في النار.
فيقول: نعم.
فتفتح له فرجة إلى النار فيرى صاحبه يتقلب في نار جهنم، فيطل عليه من شرفات الجنة بعد أن أنقذه الله من شره فيقول: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧]، ثم يفرح بهذا النعيم فيقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦١].
هذه هي الحياة السعيدة التي يجب أن نبحث عنها، وأن ننقذ من وقع في شيء من هذه الورطات على أيدي هؤلاء الشريرين، أو جلساء السوء، ننقذهم من النار بقدر ما نستطيع، ولذلك فإن صحبة الأشرار تعتبر عقبة العقبات الكئود التي تعترض سبيل هذا الإنسان إلى الجنة.
ذات يوم من الأيام صنع أبي بن خلف -لعنه الله- طعاماً دعا فيه كبار أهل مكة، إذاً لا بد أن يدعو محمداً ﷺ ، فجاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا محمد! مائدة سيحضرها صناديد قريش وأنت في مقدمتهم، فقال رسول الله ﷺ : يا أبي! والله لا أحضر طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
فقام الرجل بدافع الكرم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وحضر رسول الله ﷺ مائدته مع كبار القوم، فاستغرب القوم: كيف حضر محمد طعامك يا أبي؟! قال: شهدت أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله.
تصوروا يا إخوان موقف الجلساء الفاسدين! قالوا: والله يا أبي! لا نكلمك حتى تذهب وتبصق في وجه محمد، وتعلن ردتك عن الإسلام؛ فذهب الشقي البعيد فبصق في وجه رسول الله ﷺ ، فرد الله بصاقه إلى وجهه فأصبح علامة في وجهه حتى مات، وأعلن ردته عن الإسلام، وندم الرسول ﷺ أن خسر رجلاً من كبار أهل مكة، ونزلت الآيات في سورة الفرقان تعزي نبينا محمداً ﷺ ، وتنهاه أن يغضب مثل هذا الغضب لردة واحد من خلق الله، يقول الله عن هذا الموقف: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩] بعد إذ هداه الله أضله هؤلاء القوم، يقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٩]، ويعزي الله رسوله ﷺ فيقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١]، ثم يبين الله أن الهداية بيده وليست بيد الخلق: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١].
إذاً: أيها الإخوة! جلساء السوء هم الذين يفسدون على الناس دينهم، وقصة أبي طالب لا تخفى عليكم، حينما كاد أن يدخل الجنة لولا جلساء السوء الذين حالوا بينه وبين الجنة، فقد حضر رسول الله صلى الله عليه عمه أبا طالب في ساعة الاحتضار، وكان أبو طالب ذا يد على رسول الله ﷺ لا تنكر، فهو الذي رباه، وهو الذي دافع عنه، بالرغم من أنه يكفر بدينه، فأراد الرسول ﷺ أن يرد له هذه اليد في ساعة الاحتضار، ودخل عليه وقال: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
فالتفت الشقي إلى جلسائه، وكأنه يريد أن يأخذ رأيهم.
قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! قال: هو على ملة عبد المطلب -نعوذ بالله- فخرجت روحه وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب، فأنزل الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وأنزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤])، هكذا أيها الإخوة يضر الجلساء بالجليس.
стр. 358
طول الأمل واستطالة العمر
الأمر السابع: طول الأمد واستطالة العمر، فقد يطول الأمد بواحد من الناس وهو على طريق مستقيمة، ثم يمل -نسأل الله العافية والسلامة- ثم ينحرف؛ لأنه سئم هذه الطريق، ولأن هذه العبادة أصبحت تتكرر عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، صيام شهر في كل سنة، عبادات لا يطيقها إلا المؤمنون، ولربما يطالب بالجهاد الذي سيقدم فيه نفسه وماله؛ فيطول عليه الأمد؛ فيكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الحديد:١٦]، ولذلك فإن المسلم عليه ألا يستطيل العمر، وألا يستبطئ الموت، وعليه أن يبادر بالصالحات.
стр. 359
نشاط دعاة الباطل وضعف دعاة الحق
الأمر الثامن: نشاط دعاة الباطل وضعف دعاة الحق، واسمحوا لي أن أقول: إن هذه من أكبر العقبات التي تعترض سبيل المؤمنين إلى الله وإلى الدار الآخرة، ولا ينشط دعاة الباطل إلا حينما ينام دعاة الحق، ولا ينام دعاة الحق إلا حينما يخافون على أرزاقهم أو على حياتهم من غير الله ، ولذلك فإن دعاة الباطل هم كالخفافيش التي لا تنتشر إلا حينما يخيم الظلام، وهم كالفئران التي لا تنطلق في الأرض إلا حينما يسكن الجو وتفقد الحركة، ولكن حينما تكون هناك حركة -أي: دعوة- فإن هذه الفئران ترجع إلى مواقعها خاسئة ذليلة.
إذا نشط دعاة الباطل، وسكت دعاة الحق أو أسكتوا؛ أصبح الأمر خطيراً تفسد الحياة، ويلتبس الأمر على الناس، ويختلط الحابل بالنابل، ثم تنزل عقوبة الله على هؤلاء البشر وهم يخوضون كما تخوض البهائم في هذه الحياة.
ولذلك فإن المرسلين عليهم الصلاة والسلام ختمت رسالاتهم بمحمد ﷺ ، وانتهت الرسالات بمحمد ﷺ ، وتحمل الأمانة كل عالم من علماء المسلمين ولو علم آية واحدة من كتاب الله ، وأصبح العبء يتحمله كل واحد من المؤمنين أتباع محمد ﷺ ، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، لستم كالأمم السابقة أخرجت لأنفسها، ولكنكم أخرجتم للناس.
إذاً: الدعوة إلى الله أمر مطلوب لا بد أن تنتشر في هذه الأرض، وإذا سكتت أو أسكتت فإن دعاة الباطل سوف يتحركون، وإذا تحرك دعاة الباطل حينئذ يهلك الحرث والنسل، وتفسد الحياة، وتسوء الأمور، وتنزل عقوبة الله ، ولا يتخلص بعد ذلك من هذه العقوبة إلا الذين ينهون عن السوء.
إن الدعوة إلى الله هي السبيل المثلى؛ بل هي السبيل الوحيد للوصول إلى الجنة ولإيصال الناس إلى الجنة، تصوروا يا إخوان! الدعوة إلى الله تدخل حتى الكافرين الجنة، كيف تدخل الكافرين الجنة؟ لأنها تسعى لهداية هؤلاء الناس، فيدخل حتى الكفار إضافة إلى المسلمين الجنة إذا التزموا بالمبدأ الذي دعا إليه المصلحون، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠]، ولم يقل: لا نضيع أجر الصالحين، ففرق بين الصالح وبين المصلح، ولذلك أخبر الله تعالى بأنهم هم الذين يمسكون بالكتاب: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠].
أيها الإخوة! دعاة الحق لا بد أن ينشطوا في كل عصر، ولا يجوز إسكات دعاة الحق، وإذا أسكت دعاة الحق فإن هذه الحياة لا تخلو من حركة، ولا تخلو من عمل، فسوف يتحرك دعاة الباطل، وهم الذين يكرهون الدولة، ويكرهون الإسلام، ويكرهون حكم الله، ويكرهون شرع الله، وأول أمنية وأكبر أمنية لهم أن ينتشر الفساد في الأرض، وأن يكون الدين لغير الله .
إذاًَ: أخطر طريق تعترض طريق المؤمنين أن توقف الدعوات، أو أن تناقش وتحاسب، أو ألا يفسح لها المجال في الأرض، هذا دين الله يا إخوان! والله لا بد أن يسير في الأرض ولو كره الناس كلهم أجمعون، لا بد أن يسير في الأرض، ولكن ننصح كل إنسان يريد الخير والسعادة؛ سواء كان على مستوى المسئولية أو على مستوى الأفراد، أن ينضم إلى هذا الصف، وإلى هذه المجموعة، ولذلك فإن هذا الدين لا يضيره أن يقف العالم كله في وجهه، ولكن يلزم كل من أراد السلامة والسعادة النفسية في الدنيا والآخرة أن يسير في هذا الخط وفي هذا الصف.
أيها الإخوة! إذا نشط دعاة الباطل -وأخطر دعاة الباطل حينما يكونون من أبناء جلدتنا- فعلى الأمن والطمأنينة السلام، ودعاة الباطل إذا كانوا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا فالخطورة أشد وأعنف.
стр. 360
فساد البيئة بالمعاصي والآثام
كذلك من العقبات: فساد البيئة، ونقصد بفساد البيئة: تلوثها بالمعاصي سواء كان فساداً في الإعلان، أو فساداً في الاقتصاد، أو فساداً في التربية، أو أي نوع من هذه الأنواع، وهذه تعتبر من أكبر العقبات التي توجه الناس وجهة منحرفة، لا سيما في وقت يغيب فيه دعاة الحق، أو لا يسمح لهم بكلمة الحق، فالبيئة الإسلامية يجب أن تكون طاهرة نقية، ومن هنا يكون جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً مطلوباً لا بد منه.
стр. 361
حب المركز وسوء الظن بالله
الأمر الأخير من هذه الأمور: حب المركز وسوء الظن بالله بأن الأجل بيد غير الله أو أن الرزق بيد غير الله ، وهذه من أكبر البلايا التي ربما تصرف الإنسان عن ربه إلى المخلوقين، مع أن الله تعالى أخبر بأن هناك كتاباً مؤجلاً فقال: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]، ولا يستطيع أحد أن يزيد في عمر الإنسان أو ينقص منه لحظة؛ لأنه مقدر من عند الله ، وحتى لو أصيب من قبل المخلوقين فهذا أجله الذي كتبه الله عليه، ففيم يكون الخوف؟! أما الرزق فإن الله تعالى قد التزم لكل واحد من المخلوقين برزق أياً كان هذا المخلوق، حتى لو كان حشرة في جوف صخرة في قعر البحر، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦]، وحب المركز والمحافظة عليه قد يؤدي بهذا الإنسان إلى أن يتراجع عن دينه، أو أن يغفل عن ربه ؛ حرصاً على هذا الأمر؛ لذلك فإني أختم حديثي هذا بقصة رجل من التابعين ﵁، عرضت عليه هذه المغريات لتصرفه عن الجنة وعن الله فرفضها جميعاً، وقال بلسان الحال والمقال: أنا مسلم أبغي الحياة وسيلة للغاية الكبرى وللميعاد هذا الرجل الذي يحدثنا عنه التاريخ هو عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، نختصر قصته في كلمات يسيرة: عبد الله بن حذافة كان من القادة الذين اشتركوا في قتال الروم في عهد عمر بن الخطاب ﵁، وكان رجلاً شجاعاً ذكياً، توجد فيه كل صفات الرجولة، وقع في أسر الرومان، فجيء إلى قيصر الروم وقيل له: أيها الملك! إن في سجنك رجلاً لو كسبته لكان مكسباً عظيماً.
فقال: جيئوني به، فلما مثل أمام قيصر قال له: يا عبد الله! لو تنصرت لشاطرتك ملكي! الآن يتنصر الكثير من المسلمين بأسباب تافهة، اثنا عشر مليوناً تنصروا في إندونيسيا وحدها في مدة ثلاثين أو خمس وعشرين سنة، والدعايات التنصيرية الآن تسير في الأرض، ولربما يخدمها من أبناء جلدتنا.
لو تنصرت -انظروا يا إخوان كيف الإغراء- شاطرتك ملكي! يعني: تكون شريكاً لي في حكم بلاد الروم.
فقال: اخسأ يا عدو الله! والله لو كانت لي الدنيا كلها بأسرها ما تركت شيئاً من ديني.
إذاً: هذه مؤامرة، مؤامرة المركز عرضت على هذا الرجل المؤمن، فرفض هذا المركز لأنه سيكون على حساب دينه، بخلاف الذين يتنازلون عن كل دينهم مقابل مركز أصغر من ذلك بكثير.
فقال: ردوه إلى السجن، وزيدوا في الثقل عليه، ثم استشار الخبراء والجلساء ماذا يفعل بـ عبد الله بن حذافة؟ فقالوا: الشهوة، فإنه شاب حدث قوي الجسم، له شهور عن أهله، لو عرضت عليه الجنس الذي يعرض الآن على كثير من الناس في وسائل الإعلام وفي الأفلام، حتى في الطيران بين السماء والأرض يعرض الآن.
قالوا: الجنس لو عرضته على هذا الرجل فربما تكسبه.
قال: جيئوني بأجمل فتاة في بلادنا.
فجيء بها فأغريت بكل المغريات لو استطاعت أن تفتن هذا الرجل المؤمن.
يقول المؤرخون: فتجردت عن كل ملابسها، ودخلت على عبد الله وهو يتلو القرآن، وهو مكبل بالأغلال، فوقعت في أحضانه، فقال: معاذ الله! إنه ربي، فهرب منها وصارت تلاحقه، وكلما اتجه إلى جهة ببصره لحقته، فانحرف ببصره عنها، ولم تستطع أن تنال منه نظرة واحدة؛ لأن الرجل قد امتلأ قلبه بخشية الله ، قالت: أخرجوني، فقابلها الصحفيون عند الباب: ماذا فعلت؟ قالت: والله لا أدري أعلى بشر أدخلتموني أم على حجر! والله لا يدري أأنثى أنا أم ذكر! فتحير قيصر الروم الآن، يريد أن يستعيد ماء وجهه مع هذا الرجل الغلام الذي استطاع أن يسقطه أمام قومه، فقالوا له: الموت، وكل الناس يخافون من الموت، فجيء بقدر عظيم وأشعلت تحته النار حتى تحول هذا القدر إلى قطعة من نار فقال: جيئوني بـ عبد الله بن حذافة ورجل من الذين كان يأنس بهم كثيراً، فجيء بـ عبد الله بن حذافة ورجل من الصالحين معه، فأوقف الاثنان على حافة القدر، فأمر قيصر أن يؤخذ الرجل -أي: صديق عبد الله بن حذافة - ويرمى في القدر، فرمي في القدر فطار دخانه، وكان يراقب عيني عبد الله؛ فسالت دمعة صغيرة من عين عبد الله ﵁ وهو ينظر إلى صديقه المؤمن وقد احترق لحمه وعظامه، فظن أنه كسبه، فقال: يا عبد الله! خفت من الموت؟! أنت ستكون بعده، قال: اخسأ يا عدو الله! والله ما بكيت خوفاً من الموت، وما جئت إلى بلادك إلا أبحث عن الشهادة فكانت أمنيتي، ولكن دمعتي التي رأيتها حينما سبقني صاحبي هذا إلى الجنة وإلى الدار الآخرة، والله لقد كنت أسابقه إلى الجنة وكنت أتمنى أن أسبقه إلى الله ، فكان إذا صلى ركعتين في الليل صليت أربع ركعات في جوف الليل المظلم، وكان إذا صام يوماً في الهاجرة صمت يومين، وكنت أتمنى أن أسبقه، فالآن بكيت حينما رأيتني بكيت لأن صاحبي سبقني إلى الجنة.
فتحير الرجل وعرف أنه لا يستطيع أن ينال من هذا الرجل منالاً إلى آخر القصة.
أيها الإخوة! حينما نتحدث عن الوعورة في طريق الجنة لا نقنط الناس من رحمة الله ، ولكن نريد أن يفهم الناس أن في طريق الجنة عقبات، وأنه لا يقتحم هذه العقبة إلا ذو عقل عظيم، وذو رأي سديد، إلا من وفقه الله لسعادة الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأسأل الله أن ييسر لي ولكم طريق الجنة والسعادة، وأن يهدي قادة هذه الأمة وفي مقدمتهم ولاة أمر هذه البلاد، أن يكونوا عوناً للناس إلى طريق الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 362
سبعة يظلهم الله في ظله
لقد وعد الله تعالى أن يظل في ظله أناساً قاموا بأعمال جليلة، وهذه الأعمال لا يتحمل مشقتها، ويجاهد نفسه عليها إلا من كان عالي الهمة، عميق الإيمان، وإنه لينبغي للمرء المسلم أن يعلمها، وأن يسعى في تحقيقها؛ لعله يكون من أهل ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 363
الإمام العادل من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] والشكر لله الذي يجمع القلوب على طاعته: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ولم يخش في الله لومة لائم، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد جاء في الأخبار أن الله يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وفي ذلك الموقف تدنو الشمس من الناس قدر ميل، فيشتد الحر في أرض المحشر، ويأخذهم العرق حتى يلجم بعض الناس إلجاماً على قدر أعمالهم، وفي ذلك الحر الشديد والموقف الرهيب يستظل أقوامٌ في ظل عرش الرحمن، وما هي إلا سويعات ثم يصيرون إلى منازلهم في الجنة قبل منتصف النهار من أيام الدنيا، كما قال الله عن هؤلاء: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٤].
في ذلك الموقف يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وقد صح في الحديث عن رسول الله ﵇ أن من بين هؤلاء الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة سبعة قال ﵇: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجل دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
نسأل الله أن يجعلنا ووالدينا وذرياتنا وجميع المسلمين من هؤلاء الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة.
وسنتكلم في هذه الرسالة الموجزة عن كل واحد من هؤلاء السبعة.
نسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق.
стр. 364
من هو الإمام العادل
العدل في مفهوم اللغة العربية هو: الإنصاف وعدم الميل والشطط، والتعامل مع الناس على حد سواء، دون أن تكون هناك فوارق أو محسوبيات، ودون أن تكون هناك أمورٌ لا يقرها الشرع ولا العقل.
فالإمام العادل هو الذي يحكم بين الناس بحكم الله ، ولذلك يقول الله تعالى لداود ﵊: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، هذا هو العدل! ولذلك أرسل الله المرسلين بالكتب السماوية من أجل أن يعدلوا بين البشر، بحيث لا يكون للمحسوبيات ولا للآباء ولا للأمجاد ولا للمراكز أي أثر في إقامة العدل بين عامة الناس، فالناس سواسية كأسنان المشط.
إذاً: الإمام العادل هو الذي يحكم بشرع الله ، فإن حكم بأحكام الطواغيت، وآراء الرجال، وأعرض عن شرع الله؛ فهو الكافر المرتد الذي يقول الله عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وهو الظالم لنفسه وللأمة الذي يقول الله عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وهو الفاسق الخارج عن طاعة الله، وليست له طاعةٌ على الناس؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].
والأمة التي تتحاكم إلى هذا الجائر الحاكم بغير ما أنزل الله أمةٌ ضالة منحرفة عن النهج القويم والصراط المستقيم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠]، ويقول الله مخاطباً نبيه الكريم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥]، ولم يقل: برأيك؛ لأنه حتى النبي ﵇ ليس له أن يحكم برأيه، فضلاً عن أن يأتي رجل كافر أو حتى مسلم ليضع قانوناً للبشرية غير شرع الله ، ولذلك فإن البشرية لا يجوز لها أن تخضع لنظام غير نظام الله أو لشرع غير شرعه.
الإمام العادل: هو الذي يقول الله فيه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:٤١]، أي: أعطيناهم سلطة، ونفوذاً، وتصرفاً، وأمراً ونهياً ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١].
هذا هو الإمام العادل يقيم الصلاة في نفسه ويقيمها في الأمة ويؤتي الزكاة المفروضة، ويفرضها على الأمة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أما لو وقف هذا الإمام ضد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليس بعادل، ولم يؤدِ الأمانة والمسئولية التي أناطها الله بعنقه، وسيسأل عن هذه الأمانة يوم القيامة: أحفظ أم ضيع؟ الإمام العادل: هو الذي لا يقدم نفسه على غيره، ولا يرى لنفسه حقاً على غيره، بل ويترفع عن حظوظ نفسه مقابل إقامة العدل في مجتمعه، ولا يتميز إلا بما ميزه الله ، أما هو فإنه يساوي بين حاشيته وبين نفسه وبين غيره.
стр. 365
العدل أساس قيام الدول
حينما نتتبع سير سلفنا الصالح، نرى أنهم لا يحكمون الناس إلا بالعدل؛ ولأجل ذلك ولدت دولة الإسلام في المدينة، وبعد مدة وجيزة بسطت نفوذها على أكثر الكرة الأرضية، حتى كان أحد خلفائها يرفع رأسه إلى السماء ليقول لسحابةٍ مرت وهو في بغداد: (أمطري أنى شئت، فسيأتيني خراجك ولو بعد حين).
وفي ظل هذه الدولة الإسلامية العادلة كان الراكب يسير من بلاد الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً في دولة واحدة، وتحت رايةٍ واحدة، ليست هناك حدودٌ ولا حواجز تستوقفه لتقول له: من أنت؟ ولو قيل له: من أنت؟ لقال: أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! في ظل العدل قامت هذه الدولة في مدةٍ وجيزة، لا تبلغ نصف قرنٍ من الزمان.
وفي ظل الجور الذي يعيشه العالم اليوم تمزقت الدولة الإسلامية، فأصبحت عشرات الدول.
فالعدل هو الذي يقيم الأمم كما أن الجور هو سبب دمار الشعوب والأمم، وشتان بين العادل والجائر؛ قال ﵇: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وأما القاسطون -وهم الجائرون- فيقول الله عنهم: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن:١٥].
стр. 366
العدل عند رسول الله ﷺ
إن لنا في سلفنا الصالح قدوةً في العدل والإنصاف، ابتداءً من رسول البرية ﵇، الذي ما كان يعرفه الأعرابي حين يقدم عليه إلى المدينة، فكان يدخل المسجد ويقول: أيكم محمد رسول الله؟! فلم يكن ﵇ ليتميز حتى في مجلسه، أو في هيئته، أو في أي أمرٍ من الأمور.
كان ﵊ في غزوة بدر يرص الصفوف للقاء العدو، وكان يمسح بيده الكريمة بطون القوم؛ ليتأكد من استقامة الصف، فيمر على أعرابي يدعى سواد بن غزية، فيمسح على بطنه، فيقول: (يا رسول الله أوجعتني!)، أتظنون أنه قال: خذوه إلى السجن؟! لا بل كشف الرسول ﵇ عن بطنه وقال: (خذ حقك مني)، فيأتي هذا الصحابي ويقبل بطن رسول الله ﵇، فيسأل عن السر في ذلك، فيقول: (والله إنها لساعة أرجو أن تكون آخر عمري من الدنيا، وأريد أن يكون آخر عهدي بالدنيا تقبيل رسول الله ﵇، أو تقبيلي لبطن رسول الله ﵇.
وذات يوم اختصم بلال وأبو ذر ﵄ في أمرٍ من الأمور، فقال أبو ذر لـ بلال: (اذهب يا ابن السوداء!، فغضب بلال وذهب إلى الرسول ﵇ فأخبره، فغضب رسول الله ﵇ وقال: أعيرته بأمه؟ ليس لابن سوداء على ابن بيضاء فضل إلا بالتقوى)، فمعيار التفاضل فيما بين الخلق هو التقوى، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، فما كان من أبي ذر ﵁ -وهو الرجل العربي الأصيل- إلا أن وضع خده على الأرض ليطأه بلال! هكذا يقر الإسلام قواعد العدل في الأمة، وحينئذ فليس في منظور الإسلام شريف ولا وضيع: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وكذلك المرأة المخزومية التي كانت تأخذ المتاع وتجحده، وأراد النبي ﵇ أن يقطع يدها، فأراد أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع لها عند رسول الله؛ لئلا تلحق العار ببني مخزوم، وهم من أشراف قريش، فقال الرسول ﵇: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
стр. 367
العدالة عند أبي بكر وعمر
أما أبو بكر الصديق ﵁: فهو الذي يستهل خلافته بقوله: (أما بعد فإني وليت عليكم ولست بخيركم)، وقد كان الخلفاء الراشدون يعتبرون ولاية أمر المسلمين تكليفاً لا تشريفاً، لا كما يعتبره كثيرٌ من ولاة المسلمين اليوم.
ويقول أبو بكر ﵁ في خطبته: (القوي فيكم عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له إن شاء الله، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، هكذا يعلم ولاة أمر المسلمين كيف يتعاملون مع الله ومع الناس.
أما عمر بن الخطاب ﵁: فقد أراد ذات يوم أن يقنن المهور لعل ذلك يكون حلاً للأزمة فقال ذات يومٍ وهو على المنبر: إن المهور باهظة فيجب أن تكون كذا وكذا فتقوم امرأة وتقول له: أخطأت يا عمر! إن الله تعالى يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً﴾ [النساء:٢٠]، فقال: أخطأ عمر وأصابت المرأة.
ويقول ذات يوم: إذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوموني، فيقوم سلمان الفارسي ويهز سيفه وسط المسجد ويقول: يا عمر! والله لو رأينا منك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا هذه، فيقول: الحمد لله الذي جعل في قوم عمر من يقومه بسيفه لو اعوج.
لم يقل: خذوه إلى السجن، أو إلى التحقيق؛ لأنه يريد أن يحكم هذه الأمة بالعدل، ولذلك فليس غريباً أن ينام عمر بن الخطاب ﵁ ويتوسد رداءه -وهو خليفة المسلمين- ليقول له شاهد عيان: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
وفي ذات يوم أسلم رجل من نصارى العرب في بلاد الشام يدعى جبلة بن الأيهم، وكان رجلاً مرموقاً في قومه، ففرح عمر بن الخطاب ﵁ حيث أسلم هذا الرجل القيادي العظيم، وأسلم معه خلقٌ كثير، وطلب جبلة بن الأيهم من عمر بن الخطاب أن يأذن له ليعتمر، مع أنه لم يكن الطريق إلى العمرة مقفلاً، لكنه يريد أن يكون له موكبٌ خاص، فأذن له عمر بن الخطاب ﵁، فذهب جبلة إلى مكة، وهو حديث عهدٍ بجاهلية، وبينما هو يطوف ويجر رداءه في المطاف، كان وراءه رجل من فقراء المسلمين من فزارة، فوطئ على رداء جبلة بن الأيهم دون أن يشعر، فسقط الرداء، فالتفت جبلة فلطم الفزاري حتى انهدم حاجبه، فذهب الفزاري إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقال: يا أمير المؤمنين! هذا ما فعل بي جبلة بن الأيهم.
وكان في موكبٍ عظيم يطوفون حول الكعبة، فقال عمر: ائتوني بـ جبلة إن الدعوة إلى الإسلام لا تكون على حساب الميل والجور، وإنما: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، فجيء بـ جبلة ذليلاً أمام عمر، فقال له: يا جبلة! أأنت الذي هدمت حاجبه؟ قال: نعم.
إنه وطئ ردائي.
فقال الفزاري: والله ما علمت به يا أمير المؤمنين! فقال عمر: كتاب الله القصاص يا جبلة! يكسر حاجبك، فقال: كيف يا أمير المؤمنين؟! هو سوقة وأنا رجل من عظماء العرب، قال: ليس في ديننا سوقةٌ وعظيم، الكل في حكم الله سواء، فقال: إذاً أتنصر يا أمير المؤمنين! قال: لو تنصرت لقتلتك حد الردة.
قال: أعطني مهلة ثلاثة أيام، فأعطاه مهلة ثلاثة أيام، فهرب الرجل في ليلةٍ مظلمة ومن معه إلى ملك الروم وارتدوا عن الإسلام.
فلم يندم عمر بن الخطاب ﵁ أن ارتدوا عن الإسلام مقابل أن يقر قواعد العدل والإنصاف في الأمة الإسلامية.
وحينما اختلف ابن لـ عمرو بن العاص مع رجل من أقباط مصر، حينما سابقه فسبقه القبطي فضربه ابن عمرو بن العاص، فأرسل عمر إلى عمرو يقول له: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!)، وأمر أن يُوقف ابن الأمير ليضربه الرجل القبطي وإن كان على غير ملة الإسلام.
стр. 368
العدل مع غير المسلمين
أما علي بن أبي طالب ﵁: فقد فَقَد درعه ذات يومٍ في معركة صفين، فذكر له أن الدرع عند يهودي، فأخذ اليهودي إلى القاضي شريح، وقال للقاضي: هذا اليهودي أخذ درعي، فقال شريح لليهودي: أأخذت درعه؟ فقال: لا.
فيلتفت إلى أمير المؤمنين علي -وهو الخليفة- ويقول: ألك بينة يا أبا الحسن؟ فيقول: والله ما عندي بينة! فقال: إذاً الدرع لليهودي! فلما ولى اليهودي رجع مؤمناً؛ لأن هذه الأخلاق تدعو إلى الإسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن هذه أحكام أنبياء، الدرع لك يا أمير المؤمنين، تبعتك يوم صفين فسقط منك فأخذته.
انظر يا أخي ماذا فعل العدل!! رد الدرع والحق إلى صاحبه، ودخل رجل يهوديٌ في الإسلام وحسن إسلامه، وانتهت القضية بالعدل، الذي لا يُحكم الناس إلا به.
إن ديننا الإسلامي دين عدل حتى مع غير المسلمين، فلابد أن ينصفَ الكافرُ من المسلم إذا كان المسلم ظالماً، فهذا طعمة بن أبيرق كان رجلاً يدعي الإسلام، وفي ذات يوم سرق سرقة وأراد أن يلصقها برجل يهودي، وارتفع الأمر إلى الرسول ﵇، وجاء ناس من قوم طعمة يشهدون أن السارق هو اليهودي، حتى كاد النبي ﵇ أن يعاقب اليهودي، لولا أن الله تعالى أنزل قرآناً يبرئه، ويأمر الرسول بالعدل والتحري، ويحذر المسلمين من أن يشهدوا ولو مع رجل مسلم ضد رجل كافر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:١٠٥ - ١٠٧]، ولو كان مسلماً وذاك يهودي ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ [النساء:١٠٧ - ١٠٩]، ثم أخبر الله أن الإنسان إذا عمل سوءاً فعليه أن يستغفر الله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء:١١٠ - ١١٢]، ولو كان يهودياً، ثم يقول الله تعالى لرسوله الله ﵇: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:١١٣].
إذاً: هذا هو العدل الذي قامت عليه دولة الإسلام، ولو فتشنا عن أسباب سقوط الأمم؛ لوجدنا أن السبب الرئيس هو عدم العدل بين الرعية، فإن الأمم لا تقوم إلا على العدل ولا تستقر إلا بالعدل، ولذلك فإن العدل هو أفضل طريق إلى الجنة، ولرضا الله ، ولاستقرار الأمور وهدوئها.
стр. 369
فضل العدالة في إقامة الأمر بالمعروف والدعوة إلى الله
إن الإمام العادل هو الذي يقود سفينة الحياة إلى طريق أفضل، هو الذي يخلصها من الأمواج المتضاربة، والأزمات المدلهمة إن العدل هو الذي يفرض على من يتولى أمراً من أمور المسلمين أن لا يولي على أمورهم إلا كفؤاً.
والعدل هو الذي يفرض على الإمام الذي يحكم بشرع الله أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن الأمة التي لا ترسخ فيها قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يفسح فيها الطريق للدعوة إلى الله ؛ أمةٌ في خطر؛ لأنها تكون قد فقدت أكبر وأعظم مقوم من مقومات البقاء والوجود في هذه الأرض، ويخشى عليها من عقاب الله .
إنه قد تأتي فترةٌ من الفترات، في زمن من الأزمنة، في مكان من الأمكنة ينشط دعاة الباطل، ويتكلمون ملء أفواههم، ويسكت دعاة الحق عن الدعوة إليه، وحينئذٍ يضطر دعاة الحق إلى أن يطالبوا بالعدل؛ فضلاً عن أن يطالبوا بأن تكون الكلمة للمصلحين لا للفسقة والمجرمين، هذا هو الذي يحدث في كثيرٍ من الأحيان في أيامنا الحاضرة في جل العالم الإسلامي.
ولذلك فليس من العدل أن يتحرك دعاة الباطل ويسكت دعاة الحق؛ لأنه إذا تحرك دعاة الباطل وسكت دعاة الحق فإن المصيبة لن تكون في الجور وعدم العدل فقط، ولكنها مصيبة الفساد العريض الذي سيصيب الأمة، ولذلك نقول لمن ولي أمراً من أمور المسلمين: اتق الله! واترك المجال للدعوة إلى الله ، فإن دعاة الباطل وإن ابتسموا في وجوه الناس، أو في وجوه ولاة الأمر، فهم الذين يحملون الحقد الدفين على هذه الأمة، وعلى أي حكومةٍ شرعية تقوم على منهج الكتاب والسنة، أما دعاة الحق فهم الذين يشعرون دائماً بالعهد والميثاق الذي أبرموه بينهم وبين الله من جانب، وبينهم وبين السلطة الشرعية من جانب آخر، وهم الذين يحرصون كل الحرص أن تكون على ما يرضي الله ، وأن تكون الأمور على ما يرضي الحاكم بشرع الله .
إن مفهوم الإمام العادل ليس مقصوراً على من تولى الإمامة الكبرى فحسب، وإن كان هذا أول ما يتبادر إلى الذهن، لكن كل من ولي أمر المسلمين فإنه سيسأل بين يدي الله يوم القيامة عن هذه المسئولية، وعن هذه الأمانة التي تحملها، وهي الأمانة التي يقول الله عنها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].
إن الإمام العادل الذي يحكم الناس بشرع الله، ويطبق فيهم أوامر الله ، ويفسح الطريق للدعوة إلى الله من أجل أن تسير الأمور إلى الأفضل، هو أول السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة.
أما الإمام الجائر الذي يسير بالأمة في طرق منحرفة معوجة، ويرى أن الحق له دائماً وليس هناك حق عليه الذي يحاسب الناس على كل صغيرة وكبيرة، ولا يفكر أنه سوف يحاسب بين يدي الله يوم القيامة، ذلك الحساب الذي ينشر له فيه كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويقال له في ذلك الموقف: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤]؛ فإنه على خطر عظيم، وعليه أن يتوب إلى الله قبل فوات الأوان.
стр. 370
بطانة السوء وانحراف الحكام
إنه قد يقع ممن ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين انحراف وزيغ وميل وجور، وحينما نبحث عن الأسباب التي أدت به إلى هذا الانحراف؛ مع أنه يحكم بشرع الله، وهو مستخلف من قبل الله في الأرض: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، حينما نبحث عن الأسباب نجد أن هناك أسباباً كثيرة لعل من أهمها: بطانة السوء التي تحيط بالرجل فتضيق عليه الخناق، وتزين له ما حرم الله ، وقد ربما تغريه بالمؤمنين؛ لأن هذه البطانة منحرفة، فتريد أن ينحرف معها هذا المسئول؛ ومن هنا تختل قواعد الأمن والعدل في هذه الحياة، وحينما تختل قواعد العدل تفسد الحياة كلها.
وإنما تسلطت هذه البطانة على هذا الحاكم؛ لأنه أعرض عن دين الله وعن كتاب الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، وليس الشياطين شياطين الجن فقط، بل إن شياطين الإنس أكثر وأشد، وقد يفسدون في حياة البشر أكثر مما يفسده شياطين الجن.
إن شيطان الجن يهرب منك إن استعذت بالله منه، لكن هذا الشيطان -شيطان الإنس- يدنو منك ويقترب مع أنك تستعيذ بالله منه ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، لا يفارقه أبداً حتى في حال نومه، فهو دائماً معه يقول له: افعل كذا لا تفعل كذا حتى يفسد عليه دينه، وفي يوم القيامة يوم القدوم على الله ، يندم ذلك الذي انجرَّ وراء هذا الشيطان من شياطين البشر، ولكن ولات ساعة مندم ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٨].
لكن هذا لا ينفعه في ذلك اليوم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، فهو وشيطانه الذي كان سبباً في ضلاله في عذاب أليم.
إنه من فضل الله على هذا الإمام العادل أنه يكون في مقدمة السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، فحري بمن ولي أمراً من أمور المسلمين أن يكون عادلاً؛ حتى ينال هذه المكرمة العظيمة، وإنه لمن الخسارة بمكان أن يفرط في هذا الأمر العظيم، فيخسر خسارة لا ينفع معها مال ولا بنون ولا سلطان ولاجاه.
стр. 371
الشاب الذي ينشأ في عبادة الله يظله الله في ظله يوم القيامة
الثاني من هؤلاء السبعة: قال رسول الله ﵇: (وشاب نشأ في عبادة الله .
стр. 372
الاستبشار بشباب الصحوة
كيف نشأ في عبادة الله؟ لقد تربى هذا الشاب في بيئة صالحة، رعته أبوة وأمومة تعطف عليه، وليست العاطفة هي السهر لمرضه، والبحث عن علاجه وعن قوته فحسب؛ لكنها العاطفة التي ترتبط بروحه، وتربيه تربية صالحة في بيئة طاهرة، ينشأ فيها هذا الشاب ليست ملوثةً بالأغاني، واللهو، واللعب، والعبث، والمحرمات إنه الشاب الذي ليست له صبوة، كما قال الرسول ﵇: (إن الله يعجب من شابٍ ليست له صبوة!).
إننا حينما ننظر إلى شباب الصحوة اليوم نتذكر هذا العنصر من عناصر هذا الحديث الصحيح.
لقد مرت الأمة بظروف حرجة حتى كان يقول القائل: سينتهي الإسلام حينما يموت فلان وفلان من الناس، فإذا بها تخيب كل توقعاتهم، وتفسد كل حساباتهم، ويخر عليهم السقف من فوقهم، ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، في فترة كانوا يظنون أن الإسلام وأن الخير سوف يودع هذه الأمة بعد فترة وجيزة، فإذا بالأمور تنقلب رأساً على عقب: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
إن كثيراً من شباب الصحوة الإسلامية لم ينشأ حتى في بيت محافظ، ففي بيوتهم كثيرٌ من المحرمات، ولربما يكون سلوك الأب غير سلوك الابن لقد كان منذُ مدةٍ ليست بالقريبة يشتكي الآباء من الأبناء، وفي أيامنا الحاضرة نجد أن الأبناء هم الذين يشتكون من الآباء؛ إن هؤلاء الشباب الذين ولدوا على الفطرة هم الآن يعودون إلى الفطرة والحمد لله.
إن هذا الشاب الذي نشأ في عبادة الله لم يتربَّ في المسارح، ولا أمام الأفلام، ولا أمام الغانيات والراقصات، ولا أمام المسرحيات والمسلسلات هذه الوسائل المفسدة التي قد غزت جميع بيوت المسلمين؛ فلم تدع بيت شعر ولا مدر -إلا ما شاء الله- إلا ودخلته.
هؤلاء الشباب الذين تربوا على طاعة الله ، قد أغمضوا أعينهم عن كل هذه الوسائل، وإن كانت تغزوهم في عقر دارهم، وتتابعهم آناء الليل وآناء النهار، ولكن بالرغم من هذا يأبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يظهر هذا النور على الدين كله، وأن يظهر هذا الخير في فترةٍ كانت الحسابات تقول غير ذلك.
стр. 373
نماذج من السلف للشباب الصالح
هناك نماذج مشرقة من سلفنا الصالح ﵃، تبين كيف كان شبابهم، وما هي همومهم وطموحهم نعرضها سريعاً: فهذا أسامة بن زيد ﵁، يقود جيشاً إلى بلاد الشام وهو في الثامنة عشرة من عمره، وكان في مقدمة هذا الجيش أكابر المهاجرين والأنصار.
لقد كان عبد الله بن عمرو ﵁ شاباً في مستهل حياته، اشتكته زوجته إلى رسول الله ﵇ وقالت: (يا رسول الله! إن عبد الله لم يطأ لنا فراشاً!! لأنه كان يقوم الليل ويصوم النهار، فنهاه النبي ﵇، وقال له: إن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً).
إلى هؤلاء الشباب الذين يسابقون الفتيات اليوم على الموضات، والذين نستطيع أن نقول: إنهم أنصاف أو أرباع أو أشباه رجال، وأنهم أقرب إلى النساء في كثيرٍ من الأحيان منهم إلى الرجال! نقول لهم: إن محمد بن القاسم قاد جيشاً ليفتح لنا شبه القارة الهندية وعمره لا يتجاوز سبع عشرة سنة! لقد كان الشباب في عهد النبي ﵇، يقف أحدهم على رءوس أقدامه؛ ليراهم النبي ﵇ كبار الأجسام حتى لا يعفيهم من القتال في سبيل الله!! كم هو الفرق بين أولئك الشباب وبين شبابنا اليوم؟! إن الفرق كبير والبون شاسع، ولكن لنا أمل في شباب الصحوة الإسلامية المباركة، أن يعز الله بهم الإسلام والمسلمين.
وفي غزوة بدر يأتي الشابان الصغيران، اللذان لم يبلغا الحلم بعد، وهما معاذ ومعوذ ابنا عفراء، فيطلبان أبا جهل، ويبحثان عنه أشد البحث يا ترى لماذا هذا كله؟! من أجل أن يقتلا فرعون هذه الأمة؛ لأنه كان يسب رسول الله ﵇ فوجداه بعد بحث طويل، وعناء كبير، فتسابقا على قتله، حتى قتلاه وأراحا هذه الأمة منه.
أين شبابنا الذين أصبح هم أحدهم كيف يشبع شهوة بطنه وفرجه من أولئك الشباب؟! إن الشاب الذي ينشأ في عبادة الله -إضافةً إلى كونه عضواً فاعلاً ونافعاً في مجتمعه- هو في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 374
تعلق القلب بالمساجد من أسباب دخول المرء فيمن يظلهم الله يوم القيامة
ثالث هؤلاء السبعة: قال ﵇: (ورجل قلبه معلق بالمساجد).
стр. 375
العلاقة بين الرجولة وتعلق القلب بالمسجد
كيف يكون القلب معلقاً بالمساجد؟ إن هذا الرجل قد أحب المسجد وألفه حتى اختلط حب المسجد بدمه ولحمه وعظمه، فصار المسجد أحب إليه حتى من بيته، وصار إخوانه الذين يرتادون المساجد أحب إليه من أصدقائه، وأقرب إليه من أهله وذويه.
إن القلوب إذا تعلقت بالمساجد ازدادت إيماناً وهدىً وتقوى، وهناك في المساجد يتربى الرجال، لا في المسارح وأمام الأفلام والملهيات فالمساجد مصانع الرجال، ومن المساجد تنطلق وتنهض الأجيال، وإن المؤمنين لا تتعلق قلوبهم إلا بالمساجد، ولذلك يقول الله تعالى عن المساجد: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، ليسوا ذكوراً فحسب، ولكنهم رجال؛ لأن كلمة (رجل) تحمل معنيين: الأول: ذكر، والثاني: رجل مكتمل الرجولة، ولذلك لا تأتي كلمة (رجال) في القرآن ولا في السنة إلا وتعني رجالاً عظاماً، قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ [النور:٣٧]، وقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً﴾ [الأنبياء:٧]، وهكذا كلما تتبعنا كلمة (رجال) وجدناها تحمل هذا المعنى، أي: أنهم اكتملت الرجولة عندهم.
ولذلك فإن أصحاب المساجد هم الرجال حقيقة، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وقد جاءت هذه الآية بعد آية تتحدث عن نور الإيمان الذي يكون في القلب، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥]، أي: مثل الإيمان الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، وليس المعنى: أن النور اسم من أسماء الله؛ لأنه لو كان اسماً من أسماء الله لما جاز تشبيهه بغيره، ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]، ثم يقول الله بعد ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
قال المفسرون: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) متعلقة بقوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)، وكأن سائلاً سأل: أين يوجد هذا الإيمان الذي هو كالمشكاة، وهي الكوة غير النافذة، وفي هذه الكوة سراج، وهذا السراج عليه زجاجة، والكوة تعكس الضوء إلى الأمام، والزجاجة تزيد هذا الضوء، وهذا السراج يوقد من شجرة الزيتون التي تصيبها الشمس في وقت الشروق ووقت الغروب؟ هذا ضوء عجيب! فيقول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦].
فإذا أردت -يا أخي- أن تبحث عن هذه القلوب النيرة المضيئة فلن تجدها في المسارح، ولا أمام الأفلام، ولا أمام اللهو والموسيقى، والمسرحيات والمسلسلات التي ابتلي بها كثير من المسلمين اليوم، وانتشرت في بيوت المسلمين انتشار النار في الهشيم، وحلت محل ذكر الله وتلاوة كتابه المبين، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن هذه القلوب لم تترب في تلك الأماكن، وإنما تربت في المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، أي: أن هذا الإيمان ولد وتربى ونشأ في هذه البيوت، ومن هنا يذكر الرسول ﵇ من هؤلاء السبعة: (ورجل قلبه معلقٌ بالمساجد).
стр. 376
استنهاض الهمم للتعلق بالمساجد
والتعلق هنا ليس حقيقة فإن قلوب الناس لا تعلق بالمساجد، وإنما هو كناية عن ارتباط هذا القلب بالمسجد، حتى أصبح المسجد هو مقره الرئيس، فهو عندما يخرج إلى بيته، أو إلى سوقه، أو إلى شغله، أو إلى أمرٍ من أموره، يخرج ويترك قلبه في المسجد، فإذا صلَّى الظهر عد الدقائق واللحظات حتى يأتي وقت العصر، فإذا صلَّى العصر فهو كذلك حتى يحين وقت المغرب وهكذا؛ فهو يرقب الساعة وقلبه معلقٌ بالمسجد، وجل همه وفكره هو الصلاة في المسجد، بل إن جميع شئون حياته، وكل تصرفاته، وبيعه وشرائه، وجميع أحواله يجعلها بعد الصلاة، أي أن الصلاة تتقدم على كل حياته؛ لأن قلبه معلق بالمسجد.
كم هو الفرق بين هؤلاء الرجال، وبين رجال قلوبهم معلقة بزينة الحياة الدنيا ومتاعها؟! حتى إن أحدهم إذا دخل إلى المسجد تجده يصلي وهو يخطط كيف يكسب في هذه التجارة، وكيف يتعامل، وكيف يبيع ويشتري، وكيف يبني ويهدم؟! وأشد من ذلك قوم قلوبهم معلقةٌ بالمحرمات، ينتظرون العطل والإجازات؛ ليفروا من المجتمع المحافظ كما يفر الطير من القفص، إلى بلاد الكفر والفسوق والعصيان؛ ليشبع رغباته وشهواته، وليفسد على نفسه وعلى أمته دينها وأخلاقها.
لقد كان الرسول ﵇ لا يقدم على الصلاة شغلاً، بل حتى في ساعة المعركة أمره الله أن يقيم الصلاة جماعة، والرءوس تتطاير، والدماء تراق، والأنفس تزهق، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢].
هذا هو منهج المسلم، عليه أن يجعل الصلاة أهم أعماله، لا أن يضعها على هامش الحياة كما هو حال كثير من الناس، بل حتى في المعركة، وقد حمي الوطيس، لابد أن تقام الصلاة جماعة، ولو أدى ذلك إلى تغيير شيء من حركات الصلاة وهيئاتها، فيسجد صف ويبقى صف يحرس المسلمين في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية يسجد الصف الثاني ويبقى الصف الأول يحرس المسلمين وهو يصلي.
كم هو الفرق بين هذا الأمر وبين الواقع الذي يعيشه كثير من الناس؟! إذا طال عليهم الليل تخلفوا عن صلاة الفجر؛ لأن البرد شديد، وإذا قصر الليل تركوا صلاة الفجر؛ لأن الليل قصير، وما هذا إلا لأن الإيمان ضعيف في نفوس كثير من هؤلاء الناس، حتى أصبح إيمانهم لا يرشدهم إلى المسجد، فضلاً عن أن يدفعهم إلى الجهاد، وإلى إراقة الدماء في سبيل الله.
إن الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد تحت ظل عرش الرحمن يوم القيامة، ولا يؤذيهم العرق، ولا يزعجهم الحساب: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
стр. 377
المتحابان في الله يظلهم الله في ظله يوم القيامة
رابع هؤلاء السبعة: قال ﵇: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).
إن هذين الرجلين ليست بينهما صلة نسب ولا قرابة، ولا مال، ولا شركة، ولا مصالح، وإنما هي محبة في الله من أجل دين الله، من أجل هذا الحق الذي جاء به محمد ﵇ من عند الله تعالى، كانت هذه المحبة والعلاقة بين رجلين أو بين امرأتين؛ لأن ذكر الرجل هنا ليس خاصاً بالرجال، بل إن النساء يدخلن في مثل هذا الحكم.
إن المحبة في الله هي أوثق عرى الإيمان، والمتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة.
وإن شرط المحبة أن تكون خالصة لله، قال ﵇: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، إن هذه الصفات إذا وجدت عند العبد المؤمن فإنه سيجد حلاوة الإيمان، والتي منها: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.
إن هناك علاقات كثيرة قائمة على معصية الله، وقائمة على أمور الدنيا، وعلى الفساد في الأرض، وعلى المباحات في كثير من الأحيان، لكنها لا تدوم أبداً.
ولذلك أخبر الله ﵎ بأن كل العلاقات التي هي قائمة بين البشر في الحياة الدنيا على غير طاعة الله وتقواه -أنها منتهية؛ بل تتحول يوم القيامة إلى عداوة محضة، قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وقد تتحول العلاقات التي تبنى على غير طاعة الله إلى خصومة ونزاع في الحياة الدنيا، وهذا يحدث كثيراً؛ لأنها لم تقم على أساس صحيح، وإن لم تفسد هذه العلاقات في الحياة الدنيا فسوف تفسد في الحياة الآخرة، بل إن المتحابين على غير طاعة الله يلعن بعضهم بعضاً، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]، وقال تعالى عن الكفار إذا ألقوا في النار: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]، هكذا هم في الآخرة، لكنه في الدنيا كان يفديه بالروح وبالدم، وربما أظهر له الولاء الكامل وهو كاذب.
стр. 378
اختيار الجليس الصالح
إنه لابد على المؤمن أن ينظر من يصاحب (لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي).
احذر مصاحبة الأشقياء، فإن مصاحبتك لهم كالجلوس عند نافخ الكير، فلابد أن ينالك منه شيء من الأذى إما أن يحرق ثيابك، أو -على الأقل- تجد منه رائحةً خبيثة، وعليك بمرافقة الصالحين، وابحث لأولادك عن صحبة صالحة، فإن الجليس الصالح كبائع المسك، إما أن تبتاع منه، وإما أن يحذيك، وإما أن تجد منه -على الأقل- رائحة طيبة.
وأكثر من ضل عن الطريق إنما كان بسبب قرناء السوء، وجلساء الباطل، والبطانة الفاسدة التي تزين لهم السوء، وتبعدهم عن طاعة الله ، وقد يوقعون بين المؤمنين، ويؤججون بينهم العداوة.
يروى أن أحد خلفاء بني أمية كان جالساً في مجلسه وفي كبريائه، فمر عبد الله بن المبارك ﵁ وكان رجلاً صالحاً، وقد كان عند الخليفة جليس صالح وجليس فاسق، فقال الجليس الفاسق للخليفة: يا أمير المؤمنين! هل تعرف هذا؟ قال: لا.
قال هذا الذي يقول: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها فقال: ائتوني به، وأراد أن يفتك به.
فقال له الجليس الصالح: يا أمير المؤمنين! وهو الذي يقول أيضاً: لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهباً لأقوانا فقال: أطلقوه! إذاً: هذا هو الفرق بين الجليسين، ولذلك فإن على المرء المسلم أن لا يتخذ جليساً سيئاً، ولا يخالطه، بل ولا يجعله له سكرتيراً، ولا مدير مكتب، ولا بطانة؛ لأنه سوف يسخر أمامه بالمؤمنين، ويضحك منهم، ويتتبع هفواتهم، بل عليه أن يبحث عن الرجال الصالحين، الذين يدلونه على الخير، فإذا فعل خيراً شجعوه، وإذا نسي خيراً ذكروه، وإذا غفل نبهوه هكذا تكون البطانة الصالحة، وهكذا يكون الجلساء الصالحون.
إن المتحابين بجلال الله تحت ظل عرش الرحمن يوم القيامة، وهم بعد ذلك على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء، وهم الذين يعيشون حياةً سعيدة في هذه الحياة الدنيا حياة مشتملة على طاعة الله ومرضاته، خالية من معصية الله وما يغضبه.
стр. 379
الولاء والبراء من جنس المحبة
إن المسلم مطالبٌ أن يكون ولاؤه للمؤمنين، وهذه هي المحبة في الله، وهي التي يقول الله عنها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
أما الذين يوالون الفسقة، وربما يوالون الكفرة، فإنهم على أمر خطير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ [المجادلة:١٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].
إذاً: الولاء لغير الله، ولغير أولياء الله، ولغير الصالحين؛ معصية عظيمة، وجريمة منكرة، سوف يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة.
стр. 380
صدقة السر سبب لدخول المرء فيمن يظلهم الله في ظله
خامس هؤلاء السبعة: قال ﵇: (ورجل تصدق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
لقد مدح الله صدقة السر فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، ولكن قد تكون صدقة العلانية أفضل من صدقة السر؛ وذلك إذا كان هناك حاجة إلى إعلان الصدقة، كالرجل الذي جاء بصرة وقدمها إلى النبي ﵇، فجعل الناس يقتدون بهذا الرجل ويقدمون صدقاتهم.
لكن الأصل أن الصدقة تكون سراً؛ لأن الصدقة إنما سميت صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها؛ لأنه إذا أخرجها سراً فإن هذا دليل على أنه لا يريد ثناءً من الناس؛ فإن هذا الثناء قد يجر إلى الرياء والسمعة.
وقال ﵇ مادحاً صدقة السر: (صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء)، وهذا الرجل قد تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وذلك كناية عن شدة إخفائه عند إخراج الصدقة.
إذاً: أفضل أنواع الصدقة هي صدقة السر.
لذلك على المسلم أن يحرص كل الحرص على أن لا يترك صدقة السر، ولو بشيء يسير، فقد كان بعض السلف يتصدق كل يوم، فإذا لم يجد أحياناً تصدق ببصلة يقدمها إلى فقير.
إن أصحاب صدقة السر هم في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 381
الخوف من الله سبب لدخول المرء فيمن يظلهم الله
سادس هؤلاء السبعة: قال ﵇: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).
من يستطيع أن يفعل مثل هذا الموقف؟! شاب شهوته متأججة مشتعلة، والفتن والمغريات كثيرة أفلام، ومسلسلات، ونساء، واختلاط، وعشق وغرام، وموسيقى وأغان تملأ الأسواق والبيوت أمور كثيرة تؤجج الشهوة وتشعلها، وقد تكون المهور غالية فلا يستطيع أن يتزوج، ثم تعرض له شهوة من شهوات الحياة الدنيا، وليس هناك أحد يطلع عليه إلا الله قد أسدل الأستار، وأخفى أمره في ظلام الليل، ثم تدعوه امرأة ذات منصب -أي: مكانة عالية- وجمال، وتقول له: تعال للفاحشة! فهل سيترك هذا الشاب تلك الفاحشة بعد تلك المغريات، وبعد تلك الأمور التي شحذت شهوته وأشعلتها في قلبه؟! نعم إنه يستطيع أن يتركها إن كان من الأتقياء الصالحين؛ لأنه يعرف أن هذه الشهوة سوف تحرمه شهوةً خالدة ونعيماً لا يزول، فيقول كما قال يوسف ﵊: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣].
هكذا يجب أن تكون الخشية لله ، وإن هذه الخشية التي تنتهي بدمعة حارة تنزل على الخد، وقد غاب هذا الإنسان عن أعين الناس، لا يمكن أن تلين لأجل مخلوق من المخلوقين.
إن هذه الخشية هي التي نريد أن نتحلى بها جميعاً؛ بل إننا أشد حاجة إليها من حاجتنا إلى الطعام والشراب والهواء في أيامنا الحاضرة؛ لأن الفتن قد كثرت وانتشرت، واعترضت طريق المؤمن إلى ربه ، وأصبح كثير من الناس يخوَّف بغير الله : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]، لقد خاف كثير من الناس من غير الله في هذا السبيل، فحصل خلل لا في جانب العمل والسلوك فحسب، بل في جانب العقيدة والتوحيد.
إن الخشية من دون الله ليست معصية فحسب، ولكنها نوع من الشرك لماذا تكون الخشية لغير الله ؟ أليست قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟! أليس الرزق والحياة والموت والنشور كله بيد الله ؟! أليس البشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟ أليست الأرزاق مقسومة ومقدرة من لدن حكيم خبير؟ أليست الأعمار مقدرة في كتابٍ مؤجل لا يستأخر عنه الإنسان ساعة ولا يستقدم؟ إذاً: فلم الخشية من غير الله ؟
стр. 382
من الذين يظلهم الله رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
سابع هؤلاء السبعة: قال ﵇: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
لقد ذكر الله تعالى في مكان لا يطلع عليه أحد، ولا يراه إلا الله ، فعظم الله تعالى في قلبه، وتصور كبرياءه وجبروته، وأنه مالك الملك لا إله إلا هو خالق السماء ورافعها، وباسط الأرض وداحيها، الذي بيده مقادير الأمور، يعلم كل صغيرة وكبيرة تذكر هذا كله فدمعت عيناه خشية من الله، وخوفاً منه سبحانه، وتعظيماً له، وإقراراً بجبروته وملكوته.
لقد قلَّب فكره في ماضي أيامه، فمرت أمام عينيه صفحة سوداء من ذنوبه وآثامه، ومعاصيه وجرائمه؛ تذكر هذا كله وتذكر أن له رباً يغفر السيئات، ويتجاوز عن المعاصي والمهلكات، ويدعو عبده ليستغفر من الذنوب والزلات فنزلت على خده دمعة حارة صادقة من قلب خاشع قانت، معترف بذنوبه وآثامه، نادم على تفريطه وإجرامه دمعة يرجو بها من الله أن يغفر له ما مضى، وأن يتجاز له عما سلف.
إن هذا الرجل قد بكى من خشية الله وهو في خلوة لا يراه فيها أحد، وقلبه خالٍ من التعلق بالدنيا، وهذا يدل على صدق إخلاصه لله رب العالمين، وتجرده عن الرياء والسمعة، أو مدح الناس وثنائهم، بل إنه يرجو الثواب من الله وكفى، فلما كانت هذه حاله لم يعد يهمه نظر الناس إليه ما دام أن رب الناس ينظر إليه.
إن هذا الرجل لما كان كذلك استحق أن يكون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.
وقد ورد في البكاء من خشية الله أحاديث عن النبي ﵇، منها حديث أبي ريحانه رفعه: (صرفت النار عن عين بكت من خشية الله).
وحديث أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله).
رواه الترمذي والحاكم وصححه.
لقد دمعت عين هذا الرجل خشية لله ، وخوفاً منه سبحانه، وإن هذا السلوك لمن صفات عباد الله المتقين وأوليائه الصالحين، الذين يراقبونه في جميع تحركاتهم وتصرفاتهم، ويعلمون أنه سبحانه مطلع عليهم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يغيب عنه شيء وإن كان مثقال ذرة أتى بها وحاسب عليها.
إنه لما استقر هذا الأمر في قلب هذا العبد المؤمن، وعرف أن الله تعالى مطلع عليه دمعت عيناه خشية من ربه ومولاه.
إن الخشية يجب أن تكون لله وحده، ومن هنا سوف تنزل هذه الدمعة الصادقة، التي لو كانت كرأس الذباب -كما أخبر الرسول ﵇ فإنها سوف يكون لها وزنٌ في ميزان العبد يوم القيامة أكثر من كل أعماله التي يقدم بها على ربه .
وفي الأخير نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 383
إقامة صلاة الجماعة
لقد أثنى الله تعالى على الذين يعمرون مساجد الله وشهد لهم بالإيمان وعمارتها تكون بالعمارة الحسية وهي بناؤها، وبالعمارة المعنوية وهي عمارتها بالذكر والطاعة والعبادة، ومن ذلك إقامة الصلاة فيها مع المسلمين؛ فإنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فيجب على المسلم أن يحافظ عليها في جماعة إلا من عذر.
стр. 384
مثل نور الله في قلب المؤمن
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! اتقوا الله تعالى، يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٥ - ٣٨].
أيها الإخوان! هكذا يضرب الله مثلاً لنوره الذي يقذفه في قلب المؤمن بمشكاة فيها مصباح، هذا المصباح في زجاجة، هذه الزجاجة كأنها كوكب دري إنه نور الإيمان، إنه نور العقيدة الذي يقذفه الله في قلب من قلوب عباده المؤمنين، وكأن سائلاً سأل: أين توجد هذه القلوب؟ وأين ينمو هذا النور؟ فقال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
إنها المساجد، إنها بيوت الله ، وهي أحب البقاع إليه سبحانه، وأحب عباده إليه أكثرهم زيارة إلى بيوته.
стр. 385
دور المساجد في الإسلام
هذه المساجد هي التي يقول عنها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، فأمر وأوجب وشرع أنه لابد أن ترفع وتقام، ولابد أن تبنى حسياً وتطهر وتنظف من أجل أن تقام فيها أفضل فريضة، ومن أجل أن يؤدي فيها المسلمون أعظم شعيرة، ولذلك فقد وضع ﷺ الحجر الأساسي لهذه المساجد يوم أسس أول مسجد أسس على التقوى من أول يوم، ذلكم المسجد هو مسجد قباء الذي أسسه النبي ﷺ في أول لحظة شرف فيها رسول الله ﷺ المدينة المنورة، ثم بنى مسجده -المسجد النبوي- ليكون مركزاً لإشعاع الحضارة في الدنيا كلها.
وهكذا كانت المساجد تؤدي هذا الدور منذ تلك الفترة، وستبقى هذه مهمتها إلى يوم القيامة، فقد كان مسجد رسول الله ﷺ منطلقاً للخير كله، وكانت الجيوش تدرب فيه، وفيه كان المسلمون يتلقون العلم في مجالس العلم على يدي رسول الله ﷺ ، ثم على يدي السلف الصالح من بعده، وكانت المساجد قطب رحى الحياة، وقد أدرك المسلمون أهميتها، فانطلقوا من مسجد رسول الله ﷺ إلى العالم أجمع؛ يبشرونهم بهذا الدين، وينشرون تعاليمه، وبقيت المساجد تؤدي هذه المهمة إلى أن فصل عدونا بين ديننا وبين حياتنا، فأصبحت المساجد في نظر طائفة من الناس لا تؤدي هذه المهمة، وأصبحت زاوية من زوايا الحياة المهجورة في كثير من بلاد الإسلام، بل في أعمها؛ إذ لا يأوي إليها في كثير من الأحيان إلا الشيوخ والعجزة، أما طائفة كبيرة من الشباب، وأما أصحاب المراكز، وأما أصحاب المادة فكثير منهم مشغول عنها، ومن هنا هبطت رسالة المسجد في رأي طائفة من الناس، وأصبح كثير من شبابنا لا يعرفون الطريق الموصلة إليه، فلا يعرفونه أبداً، وربما يعرفون الطريق في يوم الجمعة، ولربما يؤدون الصلاة في المسجد في رمضان، وإن كان طائفة منهم لم يعرف المسجد ولم يدخله إلا حينما يقدم لتصلى عليه صلاة الجنازة.
ومن هنا فقد المسلمون رسالة المسجد، وفقدت حلق العلم ومجالس الذكر فيه؛ بل أصبحت المساجد تشكو في بلادنا هذه أنها لا تفتح إلا حينما يحين موعد الصلاة، وكأنها تشبه كنائس النصارى أو معابد اليهود! وهذه الرسالة لابد أن يعود المسلمون إليها؛ لينطلق المسلمون انطلاقتهم الثانية من المسجد.
فالمسجد كما أخبر الرسول ﷺ هو المدرسة، هذه المدرسة هي التي يمكن أن ينطلق منها المسلمون بعد أن يتربوا في أحضانها منذ سن السابعة وحتى سن العاشرة، وإلى أن يكونوا رجالاً يدركون الواجب المقدس في أعناقهم.
стр. 386
الأمر ببناء المساجد
معشر المسلمين! أمر الإسلام ببناء المساجد وتشييدها وتنظيفها وتطهيرها، فقال : ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، أي: أن تبنى وتشاد.
وحث الرسول ﷺ على بنائها فقال ﵊: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وروى البيهقي بسند حسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يتبع المرء من عمله وحسناته بعد موته: علم علمه ونشره، أو بيت لابن السبيل بناه، أو مسجد بناه، أو نهر أجراه، أو مصحف ورثه، أو ولد صالح تركه، أو صدقة أجراها في حياته تتبعه بعد موته)، ولذلك يقول : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
فحينما نبني هذه المساجد ابتغاء مرضاة الله وننفق أموالنا رجاء ما عنده؛ فإننا نكون قد أعددنا لأنفسنا بيوتاً في الجنة.
وإن أخوف ما أخافه على هؤلاء الأثرياء الذين من الله عليهم بالمال ألا يبذلوا شيئاً لخدمة هذه المساجد وبنائها، حتى إذا شعروا بالموت قد دنا بدءوا يوزعون المال هنا وهناك، وربما يوزعونه في طرق الخير حينما يكونون على فراش الموت، ونسوا أن الرسول ﷺ قال: (إن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا).
معشر المسلمين! لابد أن ننفق هذا المال في وجوه الخير، فقد من الله علينا بأموال كثيرة، وبلادنا تشهد توسعاً عريضاً، والعالم الإسلامي مفتقر لإقامة المساجد والمراكز الإسلامية في أنحاء العالم، ويفقد هذا المال الذي من الله به علينا.
وإني أدعوكم -بعد أن أدعو نفسي- لإنفاق شيء منه في هذا الأمر؛ فذلك خير من أن نقف أموالنا بعد الموت كلها في طرق الخير، فعلينا أن نقدمها ونحن نأمل الغنى ونخشى الفقر.
وهذه العمارة لابد أن يقدمها المسلمون؛ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، وإذن الله بمعنى الوجوب والفرض، فلابد من ذلك، والمسلمون الذين يملكون هذه الأموال يأثمون حينما تكون هناك قطعة في الأرض يستطيعون أن يقيموا فيها مسجداً ولا يقيمونه.
معشر المسلمين! لو أهملنا هذه المساجد ولم نعطها ما تستحق من عناية، فإن أعداء الإسلام يعملون على قدم وساق في سبيل حرف أبناء هذه الأمة، ولكن هذه المساجد تعتبر مركز إشعاع وخير للعالم كله؛ حيث ينطلق منها المسلمون إلى أمانيهم، لذا فإن علينا أن نحقق هذا الأمر، وأن نبذل هذا المال، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، ثم يبين أن هذا المال سيعود إليه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 387
وجوب العمارة المعنوية لبيوت الله
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إذا كانت العمارة الحسية للمساجد يطالب بها طائفة من المسلمين وهم الذين يملكون المال ومن الله عليهم بنعمته، فإن عمارتها المعنوية يطالب بها كل مسلم قادر على الذهاب إليها، ولذلك يقول عن هذا النوع من العمارة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
إنهم يحسبون ليوم القيامة حسابه، فإذا عنت لهم راحة تذكروا يوم القيامة، وإذا أراد الشيطان أن يغويهم ليصرفهم عن الصلاة فإنهم يتذكرون يوم القيامة، يتذكرون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فتقفز القلوب عن أماكنها إلى الحناجر، وتقفز الأبصار إلى أعلى الرءوس من شدة الذعر والخوف، وهؤلاء جزاؤهم: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
стр. 388
جزاء الذين يعمرون مساجد الله
أما أولئك الذين يعمرون المساجد بالطاعة والعبادة، والتسبيح والتهليل، وإقامة حلق الذكر وتلاوة كتاب الله وتدبره، وإقامة الصلاة مع الجماعة فإن أجرهم عظيم، كما روت أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى منادٍ بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فيقومون يومئذ، وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلق).
إنها فرصة يجب أن يستغلها المؤمن في حياته، ومن هنا على المسلم أن يؤدي الصلاة جماعة في المسجد؛ لأنها واجبة من واجبات الدين، ولأن الله أمر أن ترفع، وأن يسبح له فيها بالغدو والآصال.
ثم مدح الله الذين يعمرن المساجد بأنهم رجال، رجال لا كالرجال؛ لأن هممهم عالية، فهم وإن كانت لهم دكاكين وتجارة، وأموال وبيعات؛ لكنها لم تلههم لحظة من لحظات الزمن عن ذكر الله تعالى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
стр. 389
وجوب صلاة الجماعة والوعيد لمن تخلف عنها
كان رسول الله ﷺ يؤتى به إلى المسجد في أيام مرضه الشديد، فكان يغمى عليه في طريقه إلى الصف عدة مرات، لا يمنعه ذلك من أن يقيمها مع المسلمين جماعة.
أما صحابته ﵃ فلقد كان الواحد منهم يندم أشد الندم لو فاتته تكبيرة الإحرام، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يزور بستانه، ثم تفوته صلاة العصر، ثم يتصدق ببستانه كله؛ حيث كان سبباً في فوات صلاة العصر! أما عبد الله بن عمر فإنه كان يبكي إذا فاتته تكبيرة الإحرام، ويعتبرها مصيبة، ويقدم بين يدي توبته رقبة يعتقها في سبيل الله.
ولذلك فقد وصفهم الله في القرآن الكريم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩].
وقد أمرهم الله سبحانه أن يقيموا الصلاة جماعة حتى في ساعة المعركة، فلم يعذرهم، ولو غيروا شيئاً من معالم الصلاة، فقال لهم: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢].
ثم إن رسول الله ﷺ توعد الذين يتخلفون عن الصلاة معه في المسجد بأن يحرق عليهم بيوتهم بالنار، فقال ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر بحطب فيحتطب، ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون المسجد فأحرق عليهم بيوتهم).
وقد أتاه رجل كفيف البصر شاسع الدار فقال: (يا رسول الله! أتأذن لي أن أصلي في بيتي؟ فأذن له، حتى إذا ولى ناداه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: فأجب؛ فإني لا أجد لك من عذر).
فليعلم هؤلاء المتخلفون هذا الخطأ الكبير الذي يقترفونه حينما يتخلفون عن الصلاة في المساجد، حتى لقد أصبح لا يحضر المسجد من الناس إلا النزر القليل.
فانتبهوا لهذا الأمر يا معشر المسلمين! وحاسبوا أنفسكم، واعلموا أن الصلاة بدون جماعة تفريط وتضييع لكثير من الأجر، فإن الصلاة في البيت لا تساوي إلا درجة واحدة، أما الصلاة في المسجد فيقول ﵊: (صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الفرد بسبع وعشرين أو بخمس وعشرين درجة)، بل قال طائفة من العلماء: إن الصلاة جماعة شرط من شروط الصلاة، وإن الصلاة في المسجد شرط من شروط الصلاة؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، وهو من يسمع النداء.
معشر المسلمين! إن هذا هو واجبكم، وإن هذه المساجد هي بيوت الله، فأدوا الصلاة فيها جماعة مع المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣].
واحذروا التخلف؛ فإن الرسول ﵊ يقول: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية، فإياكم والشعاب! وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد).
ويقول ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
أيها الإخوة المؤمنون! إن الرسول ﷺ بين أن الرجل الذي يتعلق قلبه في المسجد يظله الله يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
فاحترموا هذه المساجد، واعمروها بذكر الله، وتلاوة كتابه، وتدبر معانيه، وتفهموه، واعلموا دورها في هذه الحياة، وشيدوها وابنوها، وابذلوا أموالكم في سبيل بنائها؛ فإن ذلك عمل خالد تجدونه يوم تقفون بين يدي الله ؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢].
إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة.
يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الإسلام من المفسدين والمخربين.
اللهم رد المسلمين إليك رداً جميلاً، اللهم وفقهم للأخذ بأسباب النصر، اللهم وأيدهم على عدوهم، ولا تكلهم إلينا ولا إلى أنفسهم ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.
اللهم وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم اللهم وأسقط عليهم كسفاً من السماء، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الكافرين.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 390
خطر النصرانية
لاشك أن المسلم بفطرته يحب الله ورسوله ودين الإسلام، وهذا الحب يقتضي بغض ومعاداة كل من خالف هذا الدين وعاداه من اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر، فإن الكفر ملة واحدة، والكفار بعضهم أولياء بعض، ولا يجوز للمسلم أن يتجاهل خطرهم، أو أن يتغافل عن كيدهم، وخاصة النصارى الذين كثر شرهم وكيدهم في بلاد الإسلام، فلا يجوز إدخالهم إلى جزيرة العرب، ولا التعامل معهم بأي شكل من أشكال التعامل، ومن ينكر ذلك بحجة أنهم ليسوا كفاراً، أو نحو ذلك؛ فقد ضل ضلالاً بعيداً.
следующие страницы →