Полный текст (1 366 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الأمر ببناء المساجد
معشر المسلمين! أمر الإسلام ببناء المساجد وتشييدها وتنظيفها وتطهيرها، فقال : ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، أي: أن تبنى وتشاد.
وحث الرسول ﷺ على بنائها فقال ﵊: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).
وروى البيهقي بسند حسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يتبع المرء من عمله وحسناته بعد موته: علم علمه ونشره، أو بيت لابن السبيل بناه، أو مسجد بناه، أو نهر أجراه، أو مصحف ورثه، أو ولد صالح تركه، أو صدقة أجراها في حياته تتبعه بعد موته)، ولذلك يقول : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
فحينما نبني هذه المساجد ابتغاء مرضاة الله وننفق أموالنا رجاء ما عنده؛ فإننا نكون قد أعددنا لأنفسنا بيوتاً في الجنة.
وإن أخوف ما أخافه على هؤلاء الأثرياء الذين من الله عليهم بالمال ألا يبذلوا شيئاً لخدمة هذه المساجد وبنائها، حتى إذا شعروا بالموت قد دنا بدءوا يوزعون المال هنا وهناك، وربما يوزعونه في طرق الخير حينما يكونون على فراش الموت، ونسوا أن الرسول ﷺ قال: (إن أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تهمل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا).
معشر المسلمين! لابد أن ننفق هذا المال في وجوه الخير، فقد من الله علينا بأموال كثيرة، وبلادنا تشهد توسعاً عريضاً، والعالم الإسلامي مفتقر لإقامة المساجد والمراكز الإسلامية في أنحاء العالم، ويفقد هذا المال الذي من الله به علينا.
وإني أدعوكم -بعد أن أدعو نفسي- لإنفاق شيء منه في هذا الأمر؛ فذلك خير من أن نقف أموالنا بعد الموت كلها في طرق الخير، فعلينا أن نقدمها ونحن نأمل الغنى ونخشى الفقر.
وهذه العمارة لابد أن يقدمها المسلمون؛ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، وإذن الله بمعنى الوجوب والفرض، فلابد من ذلك، والمسلمون الذين يملكون هذه الأموال يأثمون حينما تكون هناك قطعة في الأرض يستطيعون أن يقيموا فيها مسجداً ولا يقيمونه.
معشر المسلمين! لو أهملنا هذه المساجد ولم نعطها ما تستحق من عناية، فإن أعداء الإسلام يعملون على قدم وساق في سبيل حرف أبناء هذه الأمة، ولكن هذه المساجد تعتبر مركز إشعاع وخير للعالم كله؛ حيث ينطلق منها المسلمون إلى أمانيهم، لذا فإن علينا أن نحقق هذا الأمر، وأن نبذل هذا المال، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، ثم يبين أن هذا المال سيعود إليه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 387
وجوب العمارة المعنوية لبيوت الله
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إذا كانت العمارة الحسية للمساجد يطالب بها طائفة من المسلمين وهم الذين يملكون المال ومن الله عليهم بنعمته، فإن عمارتها المعنوية يطالب بها كل مسلم قادر على الذهاب إليها، ولذلك يقول عن هذا النوع من العمارة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
إنهم يحسبون ليوم القيامة حسابه، فإذا عنت لهم راحة تذكروا يوم القيامة، وإذا أراد الشيطان أن يغويهم ليصرفهم عن الصلاة فإنهم يتذكرون يوم القيامة، يتذكرون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فتقفز القلوب عن أماكنها إلى الحناجر، وتقفز الأبصار إلى أعلى الرءوس من شدة الذعر والخوف، وهؤلاء جزاؤهم: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
стр. 388
جزاء الذين يعمرون مساجد الله
أما أولئك الذين يعمرون المساجد بالطاعة والعبادة، والتسبيح والتهليل، وإقامة حلق الذكر وتلاوة كتاب الله وتدبره، وإقامة الصلاة مع الجماعة فإن أجرهم عظيم، كما روت أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى منادٍ بصوت يسمع الخلائق كلهم: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فيقومون يومئذ، وهم قليل، ثم يحاسب سائر الخلق).
إنها فرصة يجب أن يستغلها المؤمن في حياته، ومن هنا على المسلم أن يؤدي الصلاة جماعة في المسجد؛ لأنها واجبة من واجبات الدين، ولأن الله أمر أن ترفع، وأن يسبح له فيها بالغدو والآصال.
ثم مدح الله الذين يعمرن المساجد بأنهم رجال، رجال لا كالرجال؛ لأن هممهم عالية، فهم وإن كانت لهم دكاكين وتجارة، وأموال وبيعات؛ لكنها لم تلههم لحظة من لحظات الزمن عن ذكر الله تعالى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
стр. 389
وجوب صلاة الجماعة والوعيد لمن تخلف عنها
كان رسول الله ﷺ يؤتى به إلى المسجد في أيام مرضه الشديد، فكان يغمى عليه في طريقه إلى الصف عدة مرات، لا يمنعه ذلك من أن يقيمها مع المسلمين جماعة.
أما صحابته ﵃ فلقد كان الواحد منهم يندم أشد الندم لو فاتته تكبيرة الإحرام، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يزور بستانه، ثم تفوته صلاة العصر، ثم يتصدق ببستانه كله؛ حيث كان سبباً في فوات صلاة العصر! أما عبد الله بن عمر فإنه كان يبكي إذا فاتته تكبيرة الإحرام، ويعتبرها مصيبة، ويقدم بين يدي توبته رقبة يعتقها في سبيل الله.
ولذلك فقد وصفهم الله في القرآن الكريم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩].
وقد أمرهم الله سبحانه أن يقيموا الصلاة جماعة حتى في ساعة المعركة، فلم يعذرهم، ولو غيروا شيئاً من معالم الصلاة، فقال لهم: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢].
ثم إن رسول الله ﷺ توعد الذين يتخلفون عن الصلاة معه في المسجد بأن يحرق عليهم بيوتهم بالنار، فقال ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر بحطب فيحتطب، ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون المسجد فأحرق عليهم بيوتهم).
وقد أتاه رجل كفيف البصر شاسع الدار فقال: (يا رسول الله! أتأذن لي أن أصلي في بيتي؟ فأذن له، حتى إذا ولى ناداه فقال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: فأجب؛ فإني لا أجد لك من عذر).
فليعلم هؤلاء المتخلفون هذا الخطأ الكبير الذي يقترفونه حينما يتخلفون عن الصلاة في المساجد، حتى لقد أصبح لا يحضر المسجد من الناس إلا النزر القليل.
فانتبهوا لهذا الأمر يا معشر المسلمين! وحاسبوا أنفسكم، واعلموا أن الصلاة بدون جماعة تفريط وتضييع لكثير من الأجر، فإن الصلاة في البيت لا تساوي إلا درجة واحدة، أما الصلاة في المسجد فيقول ﵊: (صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الفرد بسبع وعشرين أو بخمس وعشرين درجة)، بل قال طائفة من العلماء: إن الصلاة جماعة شرط من شروط الصلاة، وإن الصلاة في المسجد شرط من شروط الصلاة؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، وهو من يسمع النداء.
معشر المسلمين! إن هذا هو واجبكم، وإن هذه المساجد هي بيوت الله، فأدوا الصلاة فيها جماعة مع المسلمين، والله تعالى يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣].
واحذروا التخلف؛ فإن الرسول ﵊ يقول: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية، فإياكم والشعاب! وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد).
ويقول ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
أيها الإخوة المؤمنون! إن الرسول ﷺ بين أن الرجل الذي يتعلق قلبه في المسجد يظله الله يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
فاحترموا هذه المساجد، واعمروها بذكر الله، وتلاوة كتابه، وتدبر معانيه، وتفهموه، واعلموا دورها في هذه الحياة، وشيدوها وابنوها، وابذلوا أموالكم في سبيل بنائها؛ فإن ذلك عمل خالد تجدونه يوم تقفون بين يدي الله ؛ لأنه سبحانه يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢].
إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة.
يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الإسلام من المفسدين والمخربين.
اللهم رد المسلمين إليك رداً جميلاً، اللهم وفقهم للأخذ بأسباب النصر، اللهم وأيدهم على عدوهم، ولا تكلهم إلينا ولا إلى أنفسهم ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.
اللهم وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم اللهم وأسقط عليهم كسفاً من السماء، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الكافرين.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 390
خطر النصرانية
لاشك أن المسلم بفطرته يحب الله ورسوله ودين الإسلام، وهذا الحب يقتضي بغض ومعاداة كل من خالف هذا الدين وعاداه من اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر، فإن الكفر ملة واحدة، والكفار بعضهم أولياء بعض، ولا يجوز للمسلم أن يتجاهل خطرهم، أو أن يتغافل عن كيدهم، وخاصة النصارى الذين كثر شرهم وكيدهم في بلاد الإسلام، فلا يجوز إدخالهم إلى جزيرة العرب، ولا التعامل معهم بأي شكل من أشكال التعامل، ومن ينكر ذلك بحجة أنهم ليسوا كفاراً، أو نحو ذلك؛ فقد ضل ضلالاً بعيداً.
стр. 391
وجوب معاداة الكافرين والبراءة منهم
الحمد لله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق العصيان وجعلنا من الراشدين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
اللهم صلَّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته وسلّم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الأخوة في الله! اتقوا الله تعالى، واشكروه على نعمه التي أهمّها: أن هدانا للإسلام وأضلّ عنه خلقاً كثيراً.
أيها الإخوة! لقد حدد الإسلام الرابطة بين المسلمين وأعدائهم فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
أيها الإخوة! إن أوثق عرى الإيمان وأهمها: الحب في الله، والبغض في الله.
والحب في الله يقتضي محبة أوليائه، والعطف عليهم وإيثارهم، ولقد مدح الله المؤمنين في قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وقال سبحانه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
وإن من أبرز قواعد الإيمان وأسسه: بغض أعداء الله وحربهم، وحمل العداء الدائم لهم.
إن مبدأ المؤمنين هو قول الله تعالى: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
ومن هذا المنطلق فلقد جاء الإسلام يحثّ المؤمنين على حمل العداء لأعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر، والذين يحملون لهم الحقد الدفين، ومهما أظهروا من العطف فإن قلوبهم تأبى ذلك: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٨].
معشر المسلمين! ومن هذا المنطلق أمر الله المؤمنين أن يعادوا الكافرين، وألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء؛ فالكفر كله بأشكاله وملله ونحله ملّة واحدة، يتحد في الكفر وفي حرب الإسلام، وهو صف على المسلمين، وكل هذه الطرق في نار جهنم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
ولما نزلت هذه الآية قال طائفة من المنافقين: نريد أن نؤلف اليهود معنا؛ لأننا نخشى أن تصيبنا دائرة، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
стр. 392
عداء اليهود والنصارى للمسلمين
لقد أدرك العالم كله اليوم عداء اليهود، واليهود تستحق كل هذا العداء، بل فوق ذلك، ولكن المسلمين اليوم يجهلون عدواً آخر لا تقل عداوته عن اليهود، وهم النصارى الذين قرن الله بينهم وبين اليهود، وبينّ أنهم أولياء لهم في قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، والنصارى لهم مواقف تشبه مواقف اليهود أو تزيد، ولقد كان النصارى يقفون في وجه الإسلام كلما سنحت لهم الفرصة.
لقد بقي النصارى في الحروب الصليبية ما يزيد على مائة وسبعين عاماً ينهلون من دماء المسلمين، ويسومونهم سوء العذاب، ونصارى العرب والنصارى الوافدون هم الذين فتحوا لهم الباب عن طريق لبنان؛ فساموا المسلمين سوء العذاب، وبالرغم من ذلك كله فإن الله تعالى يحذرنا من موالاة الكافرين بجميع أشكالهم، فيقول لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥٥].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤].
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المجادلة:٢٢].
معشر المسلمين! يبين الله لنا أن هذه الفئات الكافرة كلها تسعى لهدم الإسلام وتقويض بنيانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
ثم يقول : ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:٢ - ٣].
وهكذا تبين لنا الآيات عداء اليهود والنصارى جميعاً في آن واحد، فهم يتجمعون حيث يتفرق المسلمون، ولقد كانت أول معركة تجمعت فيها كل قوى الكفر والضلال ضد الإسلام: يوم الأحزاب، يوم وقف الرسول ﷺ يحيط به أعداؤه من كل جانب، ثم تكتلوا يوم جاءوا باسم الحروب الصليبية، وهاهم في كل فترة يتكتلون لحرب الإسلام، ويعذبون المسلمين، لتعيش الأقليات الإسلامية تحت مطارق الكافرين.
стр. 393
ضلال من يقول بعدم كفر النصارى
بالرغم من هذا العداء كله، وبالرغم من هذا الحقد الدفين كله؛ يجهل طائفة من الناس ما يقوم به النصارى اليوم من دور في حرب الإسلام، فتقوم طوائف في الأرض تدعو إلى التقارب مع النصارى، أو مع الفئات الكافرة ضد الشيوعية، وما علم أولئك أن الكفر كله ملة واحدة، وأنه وإن تفرق في الظاهر لكنه يتحد في ضرب الإسلام، وهذه دعوة ضالة لا تقبلها النفوس المؤمنة، وسأحدثكم حديثاً تحفظونه فاحفظوه: إذا كانت هذه دعوة غير مقبولة، ففي صحفنا وفي صحيفة تنشر في بلادنا يكتب فيها فاسق من أبناء جلدتنا؛ بل ممن يحملون شهادة عملاقة، بل ممن يقومون بدور التدريس في إحدى جامعاتنا، ويربون شبابنا، ليقول لنا بالحرف الواحد: إن المسيحيين ليسوا كفرة! وإن تكفير المسيحيين جاء من جهل هذه الأمة! فإن المسيحيين قد ذكرهم الله في القرآن، ودينهم دين سماوي!! هكذا يقول من يحمل شهادة الدكتوراه، ولا أدري أهي شهادة الدكتوراه في الجهل أم في هدم الإسلام!! النصارى يقول الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، وأكد كفرهم بلام القَسَم، وبـ (قد) التي تفيد التحقيق.
وقال في موضع آخر ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣].
وقد قرنهم الله مع اليهود في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٠ - ٣٢].
وبالرغم من هذا النداء، وبالرغم من هذا الخبر، تقوم صحيفة من صحفنا على يد هذا الكاتب لتشكك المسلمين في تكفير النصارى! وإذا كان في العالم الإسلامي من يدعو إلى التقارب مع النصارى؛ فإن في بلادنا هذه الأرض المقدسة من يشكك المسلمين في تكفير النصارى! أي كفر يبقى إذا لم يكن النصارى كفرة؟! أولئك الأعداء الحاقدون على الإسلام، الذين لا تكاد تحين لهم فرصة من الفرص إلا ويصبّوا جام غضبهم على العالم الإسلامي.
معشر المسلمين! ولقد كنا نظن أن الإعلام هنا يسعى فقط لهدم الأخلاق، فإذا هو يشكك المسلمين في أصول دينهم، وفي أمر جاء بنص القرآن الكريم، وأجمعت عليه الأمة، ونحن نقول لهؤلاء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 394
التحذير من التعامل مع النصارى وإدخالهم جزيرة العرب
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، واعرفوا خطورة الكفرة على الإسلام، واحذروا أن تتخذوا منهم بطانة من دون المؤمنين؛ فإنهم: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٨].
إنهم يحرصون كل الحرص أن يعيشوا في بلاد الإسلام، ليتجمعوا حينما تسنح لهم الفرصة، وعلى هذا فإن أخطر ما بليت به بلادنا في أيامنا المعاصرة أن يعيش أولئك النصارى بين المسلمين، بالرغم من أن الرسول ﵊ نهى أن يجتمع في جزيرة العرب دينان، وعلى هذا فإني أدعو الدولة التي جاء كثير من المسئولين فيها بكثير من النصارى حتى كادوا اليوم أن يشكلوا أكثرية جاءوا أطباء، وجاءوا ممرضين، ولربما جيء بهم مدرسين، وجيء بهم حتى للحرف التافهة مثل تنظيف الأسواق، والله أمرنا بأن نحذر هؤلاء الكفرة، ثم هذه الأموال التي نغدقها على هؤلاء النصارى حينما نستخدمهم في هذه الأعمال، ربما تعود إلى هناك لتعود إلينا مرة أخرى ضربة قاسية، ولعلنا قد نسينا ما حدث في الأندلس يوم تجمع النصارى فأخرجوا المسلمين من بلادهم.
معشر المسلمين! أدعو أصحاب المؤسسات أن يتقوا الله، وألا يستوفدوا النصارى إلى هذه البلدة الطاهرة، التي لم تدنسها أقدام الاستعمار، والتي ما زال الكثير منها على صبغة الإسلام الصحيحة.
هذه الأموال يجب أن تذهب إلى المستضعفين من المسلمين، الذين يعيشون تحت مطارق الكافرين، ولعلك حينما تناقش أصحاب المؤسسات وتقول لهم: لماذا لا تأتون بالمسلمين؟! فيتهمون الإسلام والمسلمين بالضعف والخيانة، ويزعمون أن هؤلاء النصارى يقومون بدور أكبر من الدور الذي يقوم به المسلمون! وإذا كانت هذه خطورة، فأخطر من ذلك أن صار النصارى اليوم يعيشون في قعر بيوت المسلمين، في سبيل الخدمة، وتربية الأطفال، أو قيادة السيارات، يسلم المسلمون لهم أغلى ما يملكون، وينظرون إلى أقصى أسرارهم ويتمعنونها! إن الله نهانا أن نركن إلى الكافرين فقال: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣].
стр. 395
كفر النصارى والرد على من ينكر ذلك
إن اليهود والنصارى فئة واحدة، وهناك من المسلمين من يتذرع ببعض النصوص التي لم يفهم حقيقتها ومعناها، حيث يقولون: إن الله تعالى يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:٨٢].
ونحن نقول لهم: اقرءوا آخر الآيات، فإن الله بين أن هذه الآيات نزلت في قوم من النصارى قد اعتنقوا دين الإسلام، فإن الله يقول في الآية التي بعدها: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، فقد نزلت في النجاشي الذي اعتنق الإسلام، وحتى لو كانت هذه الآية عامة فإنها لا تدل على أن النصارى إخوان وأصدقاء وأحباء للمسلمين، ولكنها تعني أن نسبة كفرهم أقل بقليل من نسبة كفر اليهود، أما الكفر فإنهم يشتركون فيه؛ لأن الله يقول: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١].
ويستدل هؤلاء أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، وهذه الآية تحمل مبدأ البراءة من الكافرين بنصها، فكلٌ له دين، وكلٌ يحاسب يوم القيامة عما يعمل.
ويستدلون بقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨].
ونحن نقول: إن ذلك حق ثابت، فنحسن إليهم لو كانوا فقراء يعيشون مسالمين للمسلمين، وإذا تحاكموا مع المسلمين فعلينا أن نعدل بينهم وبين المسلمين، أما أن نتخذهم بطانة أما أن نسلّم لهم مقاليد الأمور، ونعطيهم فرص العمل أما أن نسلّم لهم فلذات أكبادنا لتقوم هذه المربيات بإعداد أولادنا وتنشئتهم تنشئة كافرة أما أن نسلّم لهم محارمنا ليقوموا بدور قيادة السيارات في غفلة منا! فهذا هو الخطر، وهذه هي المصيبة، وهذا هو الذي يخالف أمر الله، ويعرض المسلمين عامة إلى خطر كبير.
والقول بأن النصارى ليسوا كَفَرة هو الكفر الصريح.
ألا وصلّوا وسلّموا على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عّنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر كثرة النصارى في بلاد الإسلام، وفي جزيرة العرب التي أمر الرسول ﷺ بأن تطّهر منهم، اللهم لا حول لا لنا ولا قوة إلا بك، ولا نملك أكثر من ذلك، فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 396
فضل الصيام
جعل الله الصيام ركناً من أركان دينه، ورتب عليه الثمرات الجليلة، والحكم العظيمة، فمنها ما عرفناه، ومنها ما غيّب عنا، فهو يعوّد الإنسان على الصبر، ويكسبه التقوى، وهو طريق من الطرق الموصلة إلى الجنة، وللصيام فوائد جليلة ينبغي على المسلم أن يحسّن صيامه، وأن يخلصه مما يكدر صفوه؛ حتى ينال تلك الفوائد والثمرات.
стр. 397
الصيام والصبر
الحمد لله، الحمد لله الذي جعل شهر رمضان شاهداً لنا أو علينا، لما نقدمه فيه من عمل صالح أو غيره، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الإخوة في الله! اتقوا الله تعالى، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥].
معشر المسلمين! إن الأمم الحية الواعية منذ القدم وهي تختبر قوتها وإمكانياتها، تختبر قوتها أمام شهواتها ونفوسها، قبل أن تخوض معترك الحياة.
وإذا كانت الأمم القديمة قبل الإسلام تفرض الصيام على جيوشها، بل وعلى شعوبها لتعودهم الصبر، فإن الإسلام جاء بالصيام ليكون عبادة، وليكون امتحاناً واختباراً للنفس البشرية، وحينئذٍ فلا يصح لهذا الإنسان أن يخوض معترك الحياة قبل أن يختبر نفسه بنفسه، وقبل أن يمنعها من شهواتها، وحينئذ يخرج بدليل واضح إذا كان قد تغلب على نفسه، وعلى شهواته، فإنه رجل الحياة الذي يستطيع أن يتغلب على مشاكلها، ويخوض غمارها، ولكنه حينما يغلب أمام شهواته وحينما ينهزم أمام نفسه فإنه عاجز عن أن يخوض هذه الحياة، ويتغلب على صعابها، من أجل ذلك شرع الله الصيام، وجعله ركناً من أركان الإسلام.
стр. 398
الحكمة من الصيام
إن التقوى مطلب عظيم لابد أن يتحلى به المسلم طول حياته، والصيام يعود الناس على التقوى والطاعة لله ، ولذلك يقول سبحانه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
ثم أيضاً لابد لهذا الإنسان أن يكون أميناً على شهواته؛ ليكون بعد ذلك أميناً على قيادة الحياة كلها، وعلى عمارتها، ولكنه حينما يكون خائناً لربه، خائناً لنفسه، حينما يخلو بشهوته في وقت لا يطلع عليه إلا الله ، حينما يخون هذه الأمانة، فإنه خائن للحياة كلها، ولا يصلح أن يتولى أمراً من أمورها صغيراً كان أو كبيراً، لذلك كان من أكبر أهداف الصوم: تعليم الإنسان الأمانة على الحق، فحينما يخلو بشهوته، وحينما ينفرد في قعر بيته، قد أسدل الأستار بينه وبين الناس في لحظة لا يطلع عليه فيها إلا الله ، ثم يدع هذه الشهوة من أجل الله وحده، فإنه حينئذ هو الرجل الأمين الذي يصلح للحياة، ولذلك جاء في الحديث القدسي فيما رواه لنا رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، يقول ﵊: (فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وحده، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألونه الجنة، وتعوذون به من النار).
ويقول ﵊: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، فلا يغلق منها باب، وغلقت أبواب النار، فلا يفتح منها باب، وصفدت مردة الشياطين).
ويقول ﵊: (إن في الجنة باباً يقال له الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا منه أغلق فلا يدخل منه أحد غيرهم).
معشر المسلمين! هذه هي حقيقة الصيام، وهذا هو الصوم الحق، فليس الهدف منه إيلام النفوس وإيذاءها، إنما الهدف ترويضها وتربيتها على طاعة الله , فليس من الصدف أن يفرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، وتكون أول معركة للجهاد في سبيل الله يرتفع فيها علم الإسلام في السنة الثانية من الهجرة؛ إذ لم تمض إلا أيام قلائل تعد بالأصابع بعدما فرض الصيام إلا وكانت معركة بدر الكبرى؛ حيث تغلب الناس على شهواتهم، وأصبحوا أقدر على عدوهم من عدوهم عليهم.
стр. 399
أصناف الناس في رمضان
معشر المسلمين! أما الناس في أيامنا الحاضرة فإنهم يختلفون في إدراك حقيقة رمضان والصيام، وينقسمون إلى صنوف شتى: فمنهم من لم يرفع برمضان رأساً، ولم يقم له وزناً، فهو مكب على لهوه وشهواته ومعصيته، مفطر في رمضان حسبما تحيط به من ظروف، سواء أعلن فطره أم أخفاه عن أعين الناس، وهؤلاء لا يفسرون رمضان إلا إيذاءً للنفس وحرماناً لها من شهواتها، فأولئك هم الذين عناهم الله بقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣]، وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]، ولذلك يقول ﵊: (من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يكفره صيام الدهر كله وإن صامه).
وهناك نوع آخر مكب على المعصية، يركب المحرمات، ويترك الواجبات، ولا يبالي بذلك أبداً، حتى إذا قرب موعد شهر رمضان سلك مسلك الصالحين، فلا توبة ولا إنابة، ولكنها عادة ألفها، فعرف حينئذ الطريق الموصلة إلى المسجد، ولربما صام رمضان، وترك كثيراً من المحرمات، حتى إذا ودع شهر رمضان ودع العبادة كلها، وإن أخوف ما أخاف أن يكون هذا النوع الذي بدأت تغص به المساجد اليوم من هذا الصنف، وأعيذكم بالله من شر ذلك! فهؤلاء لم يزيدهم رمضان من الله إلا بعداً، إلا إذا استقبلوه بتوبة نصوح، وعاهدوا الله على العمل المتواصل، وهؤلاء يشبهون الذين قال الله فيهم: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٧ - ١٩].
فهؤلاء يرون الحق فترة من الزمن، ثم يخفضون أعينهم عن الحق، فيزيد ظلامهم ظلاماً.
وهناك نوع ثالث ركب المحرمات، وترك كثيراً من الواجبات، فاشتد شوقاً إلى موسم تزداد فيه التوبة، وتضاعف فيه الحسنات؛ لعله يستعتب بين يدي الله ، حتى إذا أقبل عليه شهر رمضان أبرم عقداً وثيقاً بينه وبين ربه ، وعض أصابع الندم وقرع سناً على ما سلف من أمره، ثم يسلك مسلك الصالحين، ويسير مسيرتهم؛ حتى يلقى الله .
وهؤلاء هم الذين يقول الله لهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٦].
وهناك نوع رابع قد أبرم العهد مع الله، وصار ذا عبادة، فهو على العهد والميثاق، لم يتخلف لحظة من لحظات الزمن عن طاعة ربه، ولم يفعل شيئاً من المحرمات، حتى إذا أهل عليه هلال شهر رمضان طارت نفسه شوقاً إلى منزل من مواطن العبادة تضاعف فيه الحسنة، وتحط فيه السيئة، فهو لا يترك العبادة، ولا يفعل شيئاً من الحرام طول عمره، فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] يعني: في ساعة الموت، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، وقال فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].
стр. 400
رمضان فرصة للتوبة والإنابة
معشر المسلمين! إن في رمضان فرصة للتوبة والإنابة، ولذلك فإن الرسول ﵊ صعد المنبر فقال: (آمين ثلاث مرات، ثم نزل، فقيل له في ذلك، فقال: إن جبريل أتاني فقال: يا محمد! من أدرك رمضان من أمتك فلم يغفر له فمات فأبعده الله فدخل النار، قل: آمين، فقلت: آمين).
والحسنة في رمضان مضاعفة، كما في الحديث القدسي: (إذا تقرب العبد فيه بنافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه).
стр. 401
استغلال شهر رمضان في الطاعة والعبادة
أيها الإخوة المؤمنون! إن المحروم هو الذي تمر به مثل هذه الفرص الثمينة ثم يفوتها، وتنصرف أيام رمضان دون أن يستعتب أو يتوب أو يرجع، فما يدريك يا أخي! لعل هذا الشهر آخر فرصة من فرص حياتك، وربما لا تدرك رمضان آخر! أما علمت أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمة يقلبها كيف يشاء؟ أما علمت أن الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وأن النار مثل ذلك؟ فاتقوا الله يا معشر المسلمين! وأكرموا هذا الشهر بالعبادة، وأقيموا أيامه بالصيام، وأقيموا لياليه بالعبادة والتهجد، وعليكم بصلاة التراويح؛ فإنها سنة نبينا محمد ﷺ ، وعليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلنا، واعلموا أن الله ينزل حينما يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا فيقول: (من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وذلك كل ليلة).
قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 402
حقيقة الصيام
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، واعلموا أن للصيام حقيقة وصورة، أما الصورة فتلك الأفعال التي يفعلها الناس؛ حيث يدعون الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما حقيقته: فهي ترك الحرام كله؛ ابتغاء مرضاة الله، وخوفاً من ساعة الوقوف بين يديه.
أيها الإخوان! إن أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وإن أشده ترك المحرمات، فالتزموا بالصيام على الوجه المطلوب، وافهموا معنى قول رسول الله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
وحينئذٍ فإن على الصائم أن يحفظ جميع جوارحه من الحرام، فيحفظ البصر؛ فلا ينظر إلى ما حرم الله عليه، ويحفظ اللسان؛ فلا ينطق إلا بما أباح الله له، ويسخر هذا اللسان في تلاوة كتاب الله؛ ففي هذا الشأن أنزل ليكون هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
أما سلفنا الصالح رحمة الله عليهم فكانوا يتركون كل شيء حينما يدخل رمضان، ويقبلون على تلاوة كتاب الله حفظاً وتفهماً وتدبراً، ويتركون مجالس الفقه والعلم.
أما نحن فإننا نطالب المسلمين اليوم أن يهجروا المحرمات، وإذا كان الإعلام الذي قد انخرط في بلادنا لم يتورع عن الحرام حتى في ليالي رمضان، فإني أحذركم معشر المسلمين! أن تتابعوا هذه البرامج فتفسدوا عباداتكم، وتمسحوا حسناتكم، وإذا لم تدعوا هذه المعصية طول العمر وأنتم مطالبون بذلك، فإنكم مطالبون بأن تتركوها ولو في هذه الأيام الفاضلة التي تضاعف فيها السيئة كما تضاعف فيها الحسنة.
معشر المسلمين! أدوا زكاة أموالكم، وجودوا بالنفقة، واحذروا الإسراف في الأكل والشرب، وأحسنوا إلى الفقراء، فلقد كان من مقاصد رمضان أن يذيقكم طعم الجوع؛ لتعرفوا قدر نعمة الله عليكم طول العمر، ثم تحسنوا إلى الفقراء.
هذا وإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة.
قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأزواجه، وأصحابه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك، اللهم لا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وبصفاتك العليا أن تجمع شمل المسلمين على طاعتك، وأن تؤلف بين قلوبهم، وتصلح ذات بينهم، وأن تجعل قيادتهم وأمرهم في عبادك الصالحين.
اللهم أيد المسلمين المجاهدين بنصر منك، اللهم لا تكلهم إلى أنفسهم ولا إلينا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين.
اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم؛ إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المسلمين في أفغانستان على الشيوعية، وأيد المجاهدين في سوريا على حزب البعث، وأيد المسلمين في الأرض كلها على اليهود والنصارى والمتمردين.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
والحمد لله رب العالمين.
стр. 403
الزكاة
الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، ولا يتم إسلام المرء ولا يكتمل إلا بها، فمن جحد وجوبها أو أنكرها فقد كفر، وهي أجل العبادات المالية، وهي قرينة الصلاة في أكثر من ثمانين موضعاً في القرآن الكريم، وقد قاتل الصديق الأكبر ﵁ أهل الردة من أجلها، وهي سبب البركة، ودوام الخير، والزيادة في الرزق، ودفع البلاء.
стр. 404
وجوب الزكاة وفرضيتها
الحمد لله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وكل شيء عنده بمقدار، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يبتلي الناس بالفقر كما يبتليهم بالمال، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٧ - ٢٦٨].
أيها الإخوان! بني الإسلام على خمس، ومن أبرز أسسه وأهم دعائمه: الزكاة، التي هي رأس العبادات المالية، والتي تكرها مقرون بالشرك في قول الله : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧].
فالزكاة ركن من أركان الإسلام، من تركها جحوداً لها فقد كفر، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥].
وقد شرح الله صدر أبي بكر الصديق ﵁ لقتال مانعي الزكاة وقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقاً -أو عقالاً- كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه).
ومن هنا أجمع المسلمون عامة والصحابة خاصة على قتال كل من منع الزكاة جاحداً لوجوبها، أما من منعها بخلاً وتهاوناً فقد ركب إثماً عظيماً، وعرض نفسه لسخط الله .
ولقد توعد الله : ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [التوبة:٣٤]، والمراد بالكنز هنا: منع الحقوق الواجبة من زكاة وغيرها، توعدهم الله بنار جهنم يوم القيامة، فقال عز من قائل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥].
وفي هذا المعنى يقول ﵊: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى مصيره إما إلى الجنة أو إلى النار).
ويقول ﵊: (من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان، فيأخذ بلهزمتيه -يعني: شدقيه- فيطوّقه، فيقول: أنا كنزك أنا مالك، ثم قرأ ﵊ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]).
стр. 405
فوائد أداء الزكاة
معشر المسلمين! إن الزكاة تطهر المال وتنميه وتزيده، ويمحقه منع الصدقة منه؛ ففي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما هلك مال في بر أو بحر إلا بسبب منع الصدقة)، وفي حديث آخر: (داووا مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع).
إنها تنمي المال وتطهره، كما أنها تطهر صاحب المال من الشحّ تطهر قلبه، وتطهر جسمه من الحرام، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
إنها تطهر المجتمعات من الفساد؛ ذلك أن المجتمع الذي لا يتوازن فيه الاقتصاد حسب ما يريده الله ليعيش الفقراء آمنين من الفقر بسبب ما فرض الله لهم من أموال الأغنياء، حينما لا يكون ذلك سينتشر النهب والسلب والسرقة والفوضى، وهناك تباع الأعراض، ويتسلط الفقراء على الأغنياء، ويرفع الله يده عن الأغنياء.
стр. 406
التحذير من منع الزكاة
معشر المسلمين! ما حلت الشيوعية في بلد من البلاد إلا بسبب فسادها الاقتصادي، حينما يكون هناك بذخ وإسراف لدى طبقة من الناس، ويعيش بجوارهم فقراء لا يجدون قوت يوم وليلة.
وما ينقم أهل هذا البلد لو بخلوا بحق الله الذي جعله حقاً واجباً في أموالهم، ما ينقمون إلا أن كانوا فقراء، فقدر الله لنا ثروات الأرض من تحت آلاف الأمتار، ولقد كنا عالة فأغنانا الله ، وكنا أذلة فأعزنا الله بهذا الدين، وكنا خائفين فأمَّنَنا وطمأنَنَا، ويتخطف الناس من حولنا، ولو بخلنا بالزكاة فإنه يوشك أن يولي الله علينا حكاماً ظلمة، يسلبون أموالنا بدون حق، ويسوموننا سوء العذاب، وهذا الواقع المرير موجود، حيث تعيش مئات الملايين من البشر من المسلمين تحت مطارق الكافرين، مثل الحكم الشيوعي الذي كان رد فعل لما يقترفه المسلمون أولئك في يوم من الأيام من الإثم والمعصية والبخل بحق الله.
معشر المسلمين! إن أخوف ما نخافه أن يكون لدى طائفة منّا أموال ضخمة ولا يؤدون زكاتها، ويوجد في هذه الأيام من لديهم أموال كادت الأرقام أن تعجز عن إحصائها، وكادت البنوك أن تعجز عن حفظها، ثم يحسب هؤلاء زكاة أموالهم فيجدونها تبلغ عشرات الآلاف أو مئات الآلاف، ثم تزل بهم القدم فيبخلون بهذا المال حينما يستكثرونها بالزكاة.
ولقد حدثنا القرآن الكريم عن رجل كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وحكى بعض المفسرين أنه ثعلبة بن أبي حاطب، كان رجلاً فقيراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
فقال له ﵊: يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير لك من كثير لا تطيقه.
ثم جاء مرة أخرى وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟! فوالذي نفسي بيده لو أردت أن تسير معي جبال الدنيا ذهباً لسارت.
ثم جاء المرة الثالثة وقال: يا رسول الله! والله لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأوتين كل ذي حق حقه -أبرم العهد مع الله- فقال ﵊: اللهم ارزق ثعلبة مالاً.
فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها المدينة، ثم ذهب بعيداً، وتخلف عن بعض صلوات الجماعة مع رسول الله ﷺ ، ثم زادت، فتخلف عن الجماعة مطلقاً، ثم زادت، فذهب بعيداً عن المدينة فترك الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يسأل عن خبر ثعلبة، حتى إذا أخبر بخبره قال: يا ويح ثعلبة! ثم أرسل الرسول ﵊ رجلين على الصدقة، حتى إذا عرضا كتاب رسول الله عليه، وقرأه وعرف المقدار الضخم الذي يلزمه حينما تضخم ماله، قال: والله ما هذه إلا جزية، والله ما هي إلا أخت الجزية! ثم رفض أن يدفع الزكاة، حتى أنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٨].
فما كاد ثعلبة يقرأ هذه الآيات حينما سمعها من الركبان حتى جاء يحثو التراب على وجهه بين يدي رسول الله ﷺ ، ويعرض ما يريد من المال، فرفض ذلك رسول الله ﷺ ؛ لأن الله سبحانه قد حكم عليه بالنفاق إلى يوم القيامة: (إلى يوم يلقونه).
وكم في كتاب الله من الدروس، وكم في سنة رسول الله ﷺ من المواعظ! فليحذر هؤلاء الذين منّ الله عليهم بالمال امتحاناً وفتنة واختباراً، ليحذر هؤلاء أن يبخلوا بحق الله الذي جعله حقاً واجباً معلوماً للسائل والمحروم، حتى إذا حانت ساعة الموت قرعوا سنّ الندم، وعضوا الأصابع، ولات ساعة مندم! يقول الله : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١٠ - ١١].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 407
وجوب إخراج الزكاة لمن يستحقها
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم وارض عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأن أمرها خطير، ولذلك يقول ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله).
معشر المسلمين! ويل للذين يبخلون بما أوجب الله عليهم من الصدقة؛ فإن الله استخلفهم في هذا المال ليختبرهم، وأمرهم بالإنفاق مما جعلهم مستخلفين فيه فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧].
ثم هذا المال سيصير لله يوم يرث الأرض ومن عليها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠].
وحينئذ يجب على المسلم أن يخاف الله ، وأن يحافظ على هذا الواجب الذي فرض الله، وأن يحسب ماله وما عليه في رأس كل عام، وفي يوم يحدده ليخرج زكاة هذه الأموال من نقد أو عروض تجارة، ويصرف هذه الزكاة للذين يستحقونها، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠].
أيها الإخوان! لا يجوز أن ندفع الزكاة مجاملة أو محاباة أو صيانة لأموالنا؛ بل يجب أن ندفعها كما أمر الله ، فهو الذي تولى حفظها بنفسه وتوزيعها.
معشر المسلمين! إن هناك ظروفاً تتطلب من المسلم أن يبادر بإخراج زكاته طيبة بها نفسه، هناك عزاب لا يجدون مئونة الزواج، فيجب أن نبذل من أموالنا ما نزوجهم به من أجل أن نحصن أموالنا، ونحصن المجتمع من شر العزوبة، وعَلَم الجهاد اليوم قائم في سبيل الله في أرجاء الأرض، والمجاهدون يفقدون المال، وهناك الأُسر التي أرملتها الحروب على أيدي أولئك الظلمة، كل هؤلاء يجب أن نبذل أموالنا لهم، ولو خرجنا عن هذه الحدود الإقليمية فإن الله يقول: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢]، والرسول ﵊ يقول: (إنما المؤمنون إخوة).
إن علينا أن نؤدي هذا الحق المقدس، ومن هنا ندرك الفرق الواضح بين نظام الإسلام في الصدقات والزكوات، وبين الأحكام الجائرة التي تسود أكثر العالم الإسلامي اليوم، فإن الزكاة في الإسلام يؤديها الناس ركن من أركان دينهم، طيبة بها أنفسهم، يبتغون الأجر والمثوبة من الله، أما تلك الضرائب فإنها لا تؤخذ إلا تحت قسوة القوانين الجائرة، والزكاة في الإسلام كما قال ﵊: (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، أما تلك فإنها تؤخذ من الأغنياء والمتوسطين والفقراء، ولا ترد على الفقراء ولكنها تنفق لتثبيت عروش تعتز بأهلها بسبب ما كسبت أيديهم.
انتبهوا لهذا الأمر، واحذروا البخل؛ فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
أيها الإخوان! حاسبوا أنفسكم قبل أن نقف يوم القيامة بين يدي أسرع الحاسبين، ليحاسبنا على هذه الأموال صغيرها وكبيرها، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
اللهم إنا نتوجّه إليك في هذه الساعة المباركة من هذا اليوم المبارك، من هذا الشهر المبارك أن تهدي ضال المسلمين إلى الحق، وأن ترد المسلمين إليك رداً جميلاً، وأن ترزقهم حكاماً صالحين يقودونهم إلى طريق الجنة والسعادة في الدنيا والآخرة.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الإسلام من المفسدين والمخربين، اللهم طهر المجتمعات الإسلامية من الشح والبخل، والفساد والضلال، والمعصية والشرك، والشك والنفاق.
اللهم وأيد المسلمين المجاهدين في سبيلك، اللهم خذ بأيديهم إلى ما فيه سعادة الأمة بأجمعها، اللهم لا تكلهم إلينا فنعجز عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، اللهم وعليك بأعدائهم، اللهم وعليك بأعدائهم من جميع الكفرة والملحدين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم وأسقط عليهم كِسْفاً من السماء، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، واجعل فيهم آية وعظة للمتعظين والمعتبرين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 408
الحج
إن الله قد أتم علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، وارتضى لنا الإسلام ديناً، وجعل لهذا الدين أركاناً يقوم عليها، من ترك ركناً منها فقد هدم دينه، وعصى ربه جل وعلا، ومن هذه الأركان حج البيت الحرام الذي جعله الله للناس قياماً، فيجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق، ويلبون دعوة ربهم فتتنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده؛ بل ويباهي بهم ملائكته، وأكثر ما يعتق الله من النار في يوم عرفة، فطوبى لمن وفقه الله، فحج حجاً مبروراً يرجع بعده طاهراً من الذنوب كيوم ولدته أمه.
стр. 409
فضل فريضة الحج وما فيها من المنافع
الحمد لله الذي دعا عباده المؤمنين إلى حج بيته الحرام؛ ليشهدوا منافع لهم، وليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله، ومن دعا بدعوته، وعمل بسنته، ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! يقول الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٩].
أيها الإخوان! إن الله جاء بدين الإسلام من أجل أن يقرر قواعد لا بد منها، ولعل من أبرز هذه القواعد وأهمها: قضية التوحيد لله ، والإخلاص له في العبادة، وإقامة قواعد دينه على هذا الأساس، وتحطيم كل ما يعبد من دون الله من حي أو ميت، من أجل ذلك بوّأ الله لسيدنا إبراهيم الخليل ﵊ مكان البيت، ثم أمره بأن يطهر البيت من الأصنام والأوثان، ثم أمره بأن ينادي بالحج من أجل أن يحضر المسلمون من كل صوب وحدب؛ ليشهدوا هذه المنافع؛ وذلك من أجل إقامة مآرب التوحيد.
ولقد استجاب نبينا إبراهيم الخليل ﵊ لهذا النداء، فبنى البيت كما أمره الله، ثم صعد على جبل أبي قبيس، وقال: أيها الناس! إن الله بنى لكم بيتاً فحجوا، فسمعه كل مخلوق كان أو لم يكن على وجه الأرض، حتى من كانوا في أصلاب آبائهم، فنادى الجميع بصوت واحد: لبيك اللهم لبيك.
ومنذ ذلك الحين والعالم يحج هذا البيت الذي وضعه الله ليكون أول بيت وضع للناس في الأرض.
أما المنافع التي أرشدنا الله إليها فهي كثيرة، والدليل على كثرتها: التنكير، فإن الله قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]، وحينئذٍ فإنها منافع عظيمة، يجب أن يبحث عنها المسلمون في كل فقرة من فقرات الحج، وفي كل زاوية من زوايا الأرض المقدسة.
هذه المنافع تبرز منذ تلك اللحظة التي يغادر فيها المرء أهله وعشيرته معتمداً على الله ، قد ولى وجهه شطر بيت الله الحرام، قد ودع الأهل والعشيرة، وانقطع من كل شيء سوى الله ، ثم يأتي سر التجرد مما يملك، بحيث ينزع كل ما يملك عن بدنه، حتى ثيابه الرقيقة؛ ليرتدي ثياباً خشنة تشبه الأكفان، وكأنه يريد أن يتذكر ساعة الموت والفراق، يوم يلف بهذه اللفائف، وحينئذ يحضر ذلكم الاجتماع الكبير الذي يحكي لنا موقف يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويُسمعهم الداعي، يحضرون من كل فج عميق ليبحثوا عن هذه المنافع.
стр. 410
تحقيق التلبية للتوحيد
أيها الإخوان! أما حينما يردد المسلمون هذه التلبية، فإنهم يحققون التوحيد بمعناه الكامل، فهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، أي: نجيب دعوتك مرة بعد مرة، لبيك لا شريك لك لبيك، قد ألغوا كل ما يعبد من دون الله ، أو كل ما يخاف منه البشر من حي أو ميت، وحينئذٍ يتحقق التوحيد الكامل الذي ينشد دين الإسلام وجوده في هذه الأرض، بحيث لا يعبد إلا الله، ولا يخاف غيره، ولا يستعان بأحد سواه.
стр. 411
مواقف في الحج تؤخذ منها العظة والعبرة
معشر المسلمين! وهناك في تلك المواقف في بطحاء مكة، وحول جبل النور وغار حراء وغار ثور، يتذكر الإنسان المسلم تلك المعالم التي وقفها رسولنا ﷺ يوم أعلن دعوة الإسلام وحيداً، قد جفاه الأهل والعشيرة، وحينئذٍ يتذكر الجهاد في سبيل الله، وتلك الحجارة تنطق بكفاح نبينا محمد ﷺ ، وفيها قطرات من دمه الشريف يوم آذاه وضربه قومه، وأخرجوه بغير حق إلا أن يقول ربي الله.
معشر المسلمين! وفي الحج نتعلم الخضوع الكامل لله ، يوم ندور حول هذا البيت خاضعين أذلاء، تأخذنا السكينة والخشوع لله ، ثم نمد أيدينا لنستلم الحجر الأسود، ونحن في الحقيقة نمدها لنبرم عهداً وتوبة بيننا وبين الله ، في ذلكم الموقف الرهيب الذي وقف فيه ﷺ وبكى، ثم التفت فإذا عمر بن الخطاب ﵁ يبكي بجواره، فيقول له: (يا عمر! هاهنا تسكب العبرات).
وإذا كان العالم يعيش اليوم في ذعر وخوف وقلق؛ لأنه تجرد عن العقيدة الصحيحة؛ فإنه يذهب هناك ليذوق طعم الأمن؛ لأن الله يقول عن ذلكم البيت: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧].
ذلكم المكان الذي يعلمنا كيف نجاهد في الله حق جهاده، وحينما ننطلق بين منى وعرفات والمزدلفة إذا بنا نتعلم الطاعة المطلقة لله ؛ فإن الحجاج هناك لا يكادون ينزلون منزلاً إلا ويفارقونه بعد مدة وجيزة، دون أن يعرفوا الدوافع من أجل هذا النزول أو ذاك الرحيل، ولكنها طاعة لله واتباع لنبينا محمد ﷺ ، وهذه هي الطاعة المطلقة التي لا تفكر في الحكمة ولا في الهدف، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
هناك في ذلك الصعيد يلتقي المسلمون بإخوتهم من جميع بقاع العالم؛ ليحلوا مشاكلهم؛ وليرى بعضهم بعضاً عن كثب.
هناك تعالج مشاكل المسلمين، وليس ذلك بدعاً في تاريخ الحج، فإن أول لبنة لدولة الإسلام في المدينة قد وضعت في أيام الحج بجوار جمرة العقبة.
أيها الإخوة المؤمنون! وإذا كانت هذه القوميات المعاصرة تتصارع اليوم على القضاء على الإسلام؛ فإن في الحج لنا خلاصاً، وإن في الحج لنا منعة، إن هذه القوميات لا تستطيع أن تلتهم المسلمين، ولا أن تحطم هذا الدين؛ لأن هذه الشرائع تتكرر من حين لآخر؛ من أجل أن تؤلف بين المسلمين وتربط بعضهم ببعض.
هناك الصلوات الخمس التي يكسوها اجتماع أكبر منها يوم الجمعة؛ ليكون هناك اجتماع ثالث أكبر وأوسع في أيام العيدين، ولكن هذه الاجتماعات المصغرة لا بد أن تتحد كلها وبأجمعها في اجتماع يلم كل هذه الاجتماعات، ومن أجل ذلك شرع الله الحج، وكانت شريعة الحج آخر شرائع الإسلام.
стр. 412
وجوب فريضة الحج
الحج ركن من أركان الإسلام، حكم الله بكفر من تركه فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، ويقول ﵊: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)، ويقول ﵊: (من كان له جدة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً).
ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (لقد هممت أن أبعث إلى هذه الأمصار فأنظر إلى من كان له جدة فلم يحج فأضرب عليه الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين).
ويقول علي ﵁: من كان له زاد وراحلة يبلغانه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].
معشر المسلمين! تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والنحاس والذهب، وقد (سئل الرسول ﷺ عن أفضل الأعمال، فقال: إيمان بالله ورسوله.
قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
قيل ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: حج مبرور، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ومن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
стр. 413
شروط الحج المبرور
الحج المبرور: هو ما توافرت فيه شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون النفقة حلالاً طاهرة، أما النفقة الحرام التي تكسب من الربا أو المعاملات الربوية التي وضع عليها غطاء شفاف، أو الذي يكسب بالغش والخداع، أو بالغصب أو بالنهب، أو باللصوصية؛ فإنه لا يقبل؛ لأن في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الحاج إذا وضع رجله في الغرز -أي ركب دابته- فقال: لبيك اللهم لبيك، وكانت نفقته حراماً، نادى منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، نفقتك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور.
وإذا كانت النفقة حلالاً فقال: لبيك اللهم لبيك، نادى منادٍ: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور).
الشرط الثاني: أن يكون هذا الحج خالصاً لله، أما إذا كان للمفاخرة والمباهاة، أو أرقام يحصيها الإنسان لنفسه كم حجة حجها؟ فإن ذلك لن يزيده من الله إلا بعداً؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
الشرط الثالث: أن يكون صواباً، ولذلك يقول ﵊ في حجته التي حجها فكانت نموذجاً للحجاج إلى يوم القيامة، (خذوا عني مناسككم)، فالله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧].
стр. 414
تحذير الحجاج من الأعمال الشركية عند قبر النبي ﷺ
معشر الحجاج! هناك طائفة يؤدون هذه الفريضة ولكنهم يبطلونها بالشرك، فحينما ينهون أعمال الحج يعرجون على مدينة رسول الله ﷺ ، وهذا عمل طيب، ولكنهم يشركون بالله غيره؛ فيتجهون إلى قبر رسول الله ﷺ يسألونه من دون الله! والله يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
لذلك لا يجوز أن يسأل في هذه الأرض أحد غير الله ؛ فهو الذي يستطيع أن يكشف الضر، ويجلب الخير.
أما غيره من رسول مقرب أو أي إنسان فإنه لا يملك لنفسه بعد موته ضراً ولا نفعاً، فأخلصوا لله، واحذروا البدع؛ فإن الرسول ﷺ يقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
واحذروا الشرك؛ فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 415
فضل عشر ذي الحجة وبعض أحكامها
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، واقدروا للأشهر الحرم قدرها، واقدروا لعشر ذي الحجة قدرها؛ فإن الله يقول: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، قال طائفة من المفسرين: هذه الليال العشر هي عشر ذي الحجة.
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشرة -يعني عشرة ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء).
إنه فضل عظيم يرشدنا إليه رسول الله ﷺ ، فقد سن صيام هذه الأيام العشرة، وأمر بالاجتهاد بالأعمال الصالحة فيها، ومن أهم هذه الأعمال: إحياء سنة من سنن رسول الله ﷺ غفل عنها الكثير من الناس، فكان الرسول والصحابة معه إذا دخلت أول ليلة من عشر ذي الحجة يرفعون أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
يرددون هذه الكلمات، وفي غمرة هذه الحضارة التي نعيشها اليوم غفل كثير من الناس عن هذا التكبير، فكانت سنة من سنن رسول الله ﷺ تكاد اليوم أن تنسى، وإن من أحياها فإن له أجراً عظيماً؛ لأنه دل الناس على هدى النبي ﷺ .
إن علينا أن نحيي هذه السنة، وأن نرفع أصواتنا بها في الأسواق، وفي مجامع الناس، وفي المساجد، في كل ساعة من الساعات نكرر هذا التكبير بقدر ما أوتينا من وسع.
أيها الإخوان! ولقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى أن من أراد أن يضحي فإنه لا يجوز له أن يمس شعره أو بشرته منذ أول ليلة من ليالي هذه العشر إلى أن يذبح أضحيته.
إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأزواجه، اللهم وعنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم إنا نتوجه إليك في هذه الأيام المباركة، ونسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا وتوحيدك أن تؤيد المسلمين بنصر منك.
اللهم رد المسلمين إليك رداً جميلا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم أيد المجاهدين في كل شبر من أرضك الواسعة، اللهم وعليك بأعدائهم الذين يحاربون هذا الدين، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأسقط عليهم كسفاً من السماء، واجعل لنا فيهم آية وعظة وعبرة.
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، واجعل ولايتنا وجميع أمورنا وأمور عبادك المسلمين في عبادك الصالحين، الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون.
اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر كل معصية لا نستطيع أن نغيرها، فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 416
الثبات على الأعمال
الناس أقسام وطرائق، فمنهم من يعمل للدنيا فقط، ومنهم من يعمل للآخرة فقط، ومنهم من يعمل للآخرة ولكنه لا يترك العمل للدنيا، ومنهم من يتخذ الدين ليتوصل به إلى متاع دنيوي زائل والله تعالى قد ذكر هذه الأنواع للناس في كتابه، وبعد ذكره لها أمر الناس أن يدخلوا في الإسلام كافة، وأن يأخذوا به من جميع جوانبه، لا أن يأخذوا منه ما يوافق أهواءهم، ويدعون ما يخالف ذلك، فإن هذه صفة من صفات المنافقين، والمارقين من الدين.
стр. 417
أقسام الناس في تحصيل العمل الدنيوي والأخروي
إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٠ - ٢٠٨].
جاءت هذه الآيات لتقسم الناس إلى أقسام أربعة:
стр. 418
من يريد الحياة الدنيا فقط
القسم الأول: نوع يسعى إلى الحياة الدنيا جهده، فهو لا يريد إلا الحياة الدنيا، يعمر بها مجالسه، ويسعى فيها طول عمره في غفلة عن الحياة الآخرة، وإذا قدم عملاً من الأعمال التي يرجى بها وجه الله فإنه يحبط هذه النية التي بها يكسب الأجر، فهذا ليس له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لا يريد إلا الحياة الدنيا، ولا يريد الحياة الآخرة، ولكن الله يعطيه من الدنيا التي يسعى إليها نصيباً كما يريد الله لا كما يريد هو، يقول : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]، وقال سبحانه: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠].
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وقد قال المفسرون في معنى الآية الأخيرة: إن العبد ليعمل العمل يشبه عمل المؤمنين كأنه يقربه إلى الآخرة، ولكنه لا يريد بعمله هذا إلا الدنيا يقدم المال للفقراء باسم الإنسانية، ويبذل جهده في خدمة الوطن باسم الوطنية، لكنه يفقد النية الصالحة التي يتقرب بها إلى الله ، فيعطيه جزاء ذلك في الدنيا من صحة وقوة في السمع وفي البصر ومن مال وولد، فيعجل له جزاءه وافياً كاملاً غير منقوص؛ لأن الله لا يظلم أحداً حقاً من حقوقه.
وهذا النوع أيضاً إذا رفعوا أكف الضراعة إلى الله لا يسألونه إلا الدنيا؛ لأنها ملكت قلوبهم، وسيطرت على أفئدتهم، فهم يقولون دائماً: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠].
стр. 419
من يعمل للآخرة ولا يترك الدنيا
أما القسم الثاني: فهو نوع وضع الدنيا في كفه ووضع الحياة الآخرة في قلبه، يسعى إلى الدنيا ليعمرها باعتبارها سبيلاً إلى الحياة الآخرة؛ لأن الحياة الآخرة هي الغاية التي يجب أن يسعى إليها الناس أجمعون، وإذا رفعوا أكف الضراعة إلى الله يسألونه سعادة الدنيا والآخرة فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، ثم يقول الله لهؤلاء: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠٢].
حينما نحث الناس على السعي إلى الحياة الآخرة لا يعني ذلك أن تعطل الحياة الدنيا، ولكن يجب أن يعمل المؤمن للدنيا ويسعى إلى الآخرة، فيمشي إلى الدنيا مشياً: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، ويسعى إلى الآخرة سعياً حثيثاً: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩].
ومن هنا ندرك أن دين الإسلام وسط بين طرفي نقيض، فإذا كانت الشيوعية الملحدة تقدس البدن والمادة وتلغي الروح، والصوفية تقدس الروح وتلغي البدن، فإن دين الله الخالص يحترم الروح والبدن جميعاً، ويعطي كلاً منهما حقه.
стр. 420
من تخالف أقوالهم أفعالهم
أما القسم الثالث: فهم أناس يعجبك قولهم في الحياة الدنيا، فألسنتهم أحلى من العسل، ولكن قلوبهم قلوب الذئاب، فهم يحقدون على هذا الدين، رغم أنهم يصوغون الخطب الرنانة ويعتلون المنابر يخدعون الأمم بخطبهم، ولكنهم أخطر شيء على دين الله وعلى الناس ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]، حيث يجر على أمته من المشاكل والمصائب ومن عقوبات الله وسخطه، ما لا يعيش معه حرث ولا نسل، ثم إنهم يتصفون بالكبرياء والأنفة والعصبية الجاهلية، فإذا قيل لأحدهم: اتق الله، أخذته العزة بالإثم، لماذا يقال له اتق الله وهو فوق هذا المستوى، وفوق هذه الأمم التي تعيش حوله؟! إن هذا لا يذيبه إلا حر نار جهنم، يقول عنه: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
وإن كان قد فقد النفاق الذي كان أيام رسول الله ﷺ ؛ فإن في دنيا العالم اليوم من أنواع النفاق ما لا يحصيه إلا الله، ولعل من أبرز أنواع النفاق هذه الهويات التي أصبح يحملها ما يزيد على ألف مليون، ثم حينما نفتش في واقع هؤلاء المسلمين فإن الكثير لا نجد فيهم من يطبق الإسلام إلا النزر القليل.
من هؤلاء المنافقين من يتقلدون المناصب، ويمتطون الإسلام مطية إلى أغراضهم، حتى إذا انتهى بهم المطاف إلى السيطرة على السلطة وإذا بهم يعلنون الحقد الدفين على هذه الأمة.
وهناك من يدعي الإسلام، وهو في الحقيقة إنما يأخذ من الإسلام ما يتناسب مع مطالبه، أما حينما يتنافى الإسلام مع أهدافه أو يصطدم مع مخططاته فإنه يضرب بهذا الدين -دين الله- عرض الحائط غير مبال به، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.
هناك من يتغنى بالإسلام، ويملأ الدنيا صراخاً وعويلاً: الإسلام الإسلام الدين الدين وهو أبعد الناس عن دين الله ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.
стр. 421
من باع نفسه لله
هناك نوع رابع جعل حياته كلها لله ، وهو صفوة هذه الأقسام الأربعة، فهو نوع باع نفسه لله وقبض الثمن الذي لابد منه وهو الجنة، وسلم المثمن وهو نفسه، فهو ينتظر الجزاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
لا يحني رأسه لغير الله، ولا يسأل إلا الله، لا يعرف في هذا الكون من يستحق أن يعبد أو يخشى إلا الله، قد رفض الدنيا كلها في سبيل شراء عقيدته والاحتفاظ بها.
كان صهيب الرومي ﵁ يريد أن يلحق برسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً، وكان رجلاً ثرياً، فيلحقه أهل مكة فيقولون له: يا صهيب! والله لا تغادرنا وقد جئت رجلاً فقيراً، ثم أنت اليوم ترتحل من أثرى الناس، فيقول: يا قوم! إن كنتم تريدون مالي فإن مكانه في كذا وكذا في مكة، وإن كنتم تريدون أن تصرفوني عن اللحاق بمحمد ﷺ فإني والله من أرمى العرب، ووالله لا أترك سهماً في كنانتي حتى أصيب به واحداً منكم أو تتركوني وتخلوا بيني وبين نبي الله محمد ﷺ ، فيقولون: دلنا على مالك، فيدلهم على جميع ماله، ويخرج بنفسه لاحقاً برسول الله ﷺ ، فلا يكاد يصل المدينة حتى تتلى هذه الآية في حقه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].
стр. 422
أمر الله تعالى لعباده بالدخول في الإسلام كافة
وبعد أن ختم الله هذه الأقسام الأربعة أمر الناس عامة بجميع مللهم وأشكالهم وأنواعهم أن يدخلوا في دين الله جملة واحدة، بحيث لا يتخلف أحد عن هذا الدين؛ لأن الله لا يقبل منهجاً سواه، ولا عقيدة غيره، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
أي: لا تتركوا منه صغيرة ولا كبيرة؛ حيث إن دين الله ملة واحدة، وإن أي مذهب من هذه المذاهب يذهب بهؤلاء الناس عن الدين الصحيح فإنه مرفوض وغير مقبول.
أما الذين يريدون أن يأخذوا من هذا الدين بطرف ليتركوا طرفاً آخر، فإن الله لا يقبل أنصاف ولا أثلاث ولا أرباع المسلمين، فهذا الدين إنما يؤخذ كاملاً أو يترك كاملاً، وحينما يأخذونه كاملاً يكونون مسلمين حقاً، أما حينما يرفضون الإسلام فأولئك هم الكافرون حقاً.
الإسلام منهج حياة متكامل، وليس عبادة فحسب، ولكنه عبادة ومنهج حكم ومنهج حياة اقتصاد وسياسة واجتماع، وأي واحد يريد أن ينحي الإسلام عن هذه النواحي فإن الله سبحانه وتعال له بالمرصاد يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 423
الأخذ ببعض الدين وترك بعضه الآخر
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، وخذوا بهذا الدين كاملاً، واحذروا تلك العبادة المؤقتة التي يتجه إليها الناس فترة من الفترات لينصرفوا بعد فترة أخرى، إن الإسلام كتلة واحدة يجب على المسلمين أن يأخذوا به جميعاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
أما هؤلاء الذين يتكيفون ويغيرون ويبدلون في دين الله فيأخذون ما يروق لهم، فيحجون لأن الحج فيه لقاء، ولكنهم لا يدفعون زكاة المال لأن فيها غرامة كما يظنون، أو يصلون لأن الصلاة لا تكلفهم جهداً، ولكنهم لا يصومون لأن الصيام يحرمهم شهواتهم، أو يصومون ويحجون، ولكنهم لا يحافظون على الصلاة لأنها تتكرر عليهم في اليوم خمس مرات، هذا ليس هو منهج المسلم، إن المسلم مطالب بأن يأخذ بهذا الدين كاملاً غير منقوص؛ لأنه عبارة عن أركان أوجبها الله على كل واحد من المسلمين.
معشر المسلمين! كثير من الحجاج لا يحافظون على الصلوات الخمس في المساجد، وهي فرض عين على كل واحد من المسلمين، لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.
احذروا معصية الله، وحافظوا على هذا العهد الذي أبرمتموه بينكم وبين الله ، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، فاحذروا البدع فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم واجمعنا بهم في مستقر رحمتك.
اللهم اكتب النصر لعبادك المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوهم ولا تخذلهم، اللهم وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، اللهم وأتبع الظالمين بالظالمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بأعدائك الذين يعذبون المسلمين في سوريا، اللهم أتبعهم بالظالمين، اللهم طهر الأرض من الفجرة والكفرة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم طهر أرض المسلمين من هؤلاء أجمعين، وأتبع بعضهم ببعض، وارفع راية الإسلام برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإسلام، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، اللهم خلص إخواننا في سوريا وخلص إخواننا في مصر الذين يعيشون في غياهب السجون، واجعل ولايتنا وأمر المسلمين عامة في عبادك الصالحين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 424
غزوة بدر
كانت معركة بدر الكبرى في اليوم السابع عشر من رمضان، وكانت معركة حاسمة غيرت مجرى التاريخ، وقد سمى الله تعالى ذلك اليوم بيوم الفرقان؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وقد جعل الله تعالى فيها من العبر والدروس ما يجب على المسلمين أن يستفيدوا منها في واقع حياتهم، ولا يجعلوها ذكرى عابرة للاحتفال، والإكثار في المجالس من القيل والقال، بل علينا أن نستفيد منها في الأعمال والفعال.
стр. 425
سبب معركة بدر ووقتها وبدايتها
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قوته لا تقهر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وسيروا على النهج القويم تدركوا النصر.
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٨].
معشر المسلمين! إن شهر رمضان ميدان للجهاد في سبيل الله، وليس للنوم واللهو واللعب كما يتصوره طائفة من البشر، إنه ميدان للجهاد المقدس الذي رفع شأن المسلمين وأقام دولة الإسلام الشامخة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ففي مثل هذه الأيام بل في مثل يوم غد وقف الإسلام والكفر وجهاً لوجه، فكان النصر فيه للمسلمين الذين عاهدوا الله على الجهاد في سبيله، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم في سبيل الله.
لقد وقف الإسلام والكفر، فانتصر الإسلام نصراً خارقاً، وحينئذ بالرغم من قلة العدد وكثرة العدو فلقد تعطلت كل نواميس الحياة، واختلت المقاييس المادية حينما وقف الإيمان بحق في وجه الكفر، لقد كانت موقعة بدر في مثل هذه الأيام، وانطلق موكب صغير في حجمه، عظيم في قدره، يريد أن يأخذ عيراً لقريش؛ ليسترد شيئاً من أمواله التي خلفها هناك في مكة على غير استعداد ولا إرادة قتال، وحينئذ أصبح لا مناص من القتال حينما أقبلت قريش بخيلها وخيلائها: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
следующие страницы →