← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

من باع نفسه لله هناك نوع رابع جعل حياته كلها لله ، وهو صفوة هذه الأقسام الأربعة، فهو نوع باع نفسه لله وقبض الثمن الذي لابد منه وهو الجنة، وسلم المثمن وهو نفسه، فهو ينتظر الجزاء: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. لا يحني رأسه لغير الله، ولا يسأل إلا الله، لا يعرف في هذا الكون من يستحق أن يعبد أو يخشى إلا الله، قد رفض الدنيا كلها في سبيل شراء عقيدته والاحتفاظ بها. كان صهيب الرومي ﵁ يريد أن يلحق برسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجراً، وكان رجلاً ثرياً، فيلحقه أهل مكة فيقولون له: يا صهيب! والله لا تغادرنا وقد جئت رجلاً فقيراً، ثم أنت اليوم ترتحل من أثرى الناس، فيقول: يا قوم! إن كنتم تريدون مالي فإن مكانه في كذا وكذا في مكة، وإن كنتم تريدون أن تصرفوني عن اللحاق بمحمد ﷺ فإني والله من أرمى العرب، ووالله لا أترك سهماً في كنانتي حتى أصيب به واحداً منكم أو تتركوني وتخلوا بيني وبين نبي الله محمد ﷺ ، فيقولون: دلنا على مالك، فيدلهم على جميع ماله، ويخرج بنفسه لاحقاً برسول الله ﷺ ، فلا يكاد يصل المدينة حتى تتلى هذه الآية في حقه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].

стр. 422

أمر الله تعالى لعباده بالدخول في الإسلام كافة وبعد أن ختم الله هذه الأقسام الأربعة أمر الناس عامة بجميع مللهم وأشكالهم وأنواعهم أن يدخلوا في دين الله جملة واحدة، بحيث لا يتخلف أحد عن هذا الدين؛ لأن الله لا يقبل منهجاً سواه، ولا عقيدة غيره، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]. أي: لا تتركوا منه صغيرة ولا كبيرة؛ حيث إن دين الله ملة واحدة، وإن أي مذهب من هذه المذاهب يذهب بهؤلاء الناس عن الدين الصحيح فإنه مرفوض وغير مقبول. أما الذين يريدون أن يأخذوا من هذا الدين بطرف ليتركوا طرفاً آخر، فإن الله لا يقبل أنصاف ولا أثلاث ولا أرباع المسلمين، فهذا الدين إنما يؤخذ كاملاً أو يترك كاملاً، وحينما يأخذونه كاملاً يكونون مسلمين حقاً، أما حينما يرفضون الإسلام فأولئك هم الكافرون حقاً. الإسلام منهج حياة متكامل، وليس عبادة فحسب، ولكنه عبادة ومنهج حكم ومنهج حياة اقتصاد وسياسة واجتماع، وأي واحد يريد أن ينحي الإسلام عن هذه النواحي فإن الله سبحانه وتعال له بالمرصاد يأخذه أخذ عزيز مقتدر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 423

الأخذ ببعض الدين وترك بعضه الآخر الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى، وخذوا بهذا الدين كاملاً، واحذروا تلك العبادة المؤقتة التي يتجه إليها الناس فترة من الفترات لينصرفوا بعد فترة أخرى، إن الإسلام كتلة واحدة يجب على المسلمين أن يأخذوا به جميعاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]. أما هؤلاء الذين يتكيفون ويغيرون ويبدلون في دين الله فيأخذون ما يروق لهم، فيحجون لأن الحج فيه لقاء، ولكنهم لا يدفعون زكاة المال لأن فيها غرامة كما يظنون، أو يصلون لأن الصلاة لا تكلفهم جهداً، ولكنهم لا يصومون لأن الصيام يحرمهم شهواتهم، أو يصومون ويحجون، ولكنهم لا يحافظون على الصلاة لأنها تتكرر عليهم في اليوم خمس مرات، هذا ليس هو منهج المسلم، إن المسلم مطالب بأن يأخذ بهذا الدين كاملاً غير منقوص؛ لأنه عبارة عن أركان أوجبها الله على كل واحد من المسلمين. معشر المسلمين! كثير من الحجاج لا يحافظون على الصلوات الخمس في المساجد، وهي فرض عين على كل واحد من المسلمين، لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. احذروا معصية الله، وحافظوا على هذا العهد الذي أبرمتموه بينكم وبين الله ، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة، فاحذروا البدع فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم واجمعنا بهم في مستقر رحمتك. اللهم اكتب النصر لعبادك المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوهم ولا تخذلهم، اللهم وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم، اللهم وأتبع الظالمين بالظالمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بأعدائك الذين يعذبون المسلمين في سوريا، اللهم أتبعهم بالظالمين، اللهم طهر الأرض من الفجرة والكفرة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، اللهم طهر أرض المسلمين من هؤلاء أجمعين، وأتبع بعضهم ببعض، وارفع راية الإسلام برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإسلام، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم، اللهم خلص إخواننا في سوريا وخلص إخواننا في مصر الذين يعيشون في غياهب السجون، واجعل ولايتنا وأمر المسلمين عامة في عبادك الصالحين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 424

غزوة بدر كانت معركة بدر الكبرى في اليوم السابع عشر من رمضان، وكانت معركة حاسمة غيرت مجرى التاريخ، وقد سمى الله تعالى ذلك اليوم بيوم الفرقان؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وبين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وقد جعل الله تعالى فيها من العبر والدروس ما يجب على المسلمين أن يستفيدوا منها في واقع حياتهم، ولا يجعلوها ذكرى عابرة للاحتفال، والإكثار في المجالس من القيل والقال، بل علينا أن نستفيد منها في الأعمال والفعال.

стр. 425

سبب معركة بدر ووقتها وبدايتها إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قوته لا تقهر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وسيروا على النهج القويم تدركوا النصر. يقول الله : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣ - ١٢٨]. معشر المسلمين! إن شهر رمضان ميدان للجهاد في سبيل الله، وليس للنوم واللهو واللعب كما يتصوره طائفة من البشر، إنه ميدان للجهاد المقدس الذي رفع شأن المسلمين وأقام دولة الإسلام الشامخة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ففي مثل هذه الأيام بل في مثل يوم غد وقف الإسلام والكفر وجهاً لوجه، فكان النصر فيه للمسلمين الذين عاهدوا الله على الجهاد في سبيله، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم في سبيل الله. لقد وقف الإسلام والكفر، فانتصر الإسلام نصراً خارقاً، وحينئذ بالرغم من قلة العدد وكثرة العدو فلقد تعطلت كل نواميس الحياة، واختلت المقاييس المادية حينما وقف الإيمان بحق في وجه الكفر، لقد كانت موقعة بدر في مثل هذه الأيام، وانطلق موكب صغير في حجمه، عظيم في قدره، يريد أن يأخذ عيراً لقريش؛ ليسترد شيئاً من أمواله التي خلفها هناك في مكة على غير استعداد ولا إرادة قتال، وحينئذ أصبح لا مناص من القتال حينما أقبلت قريش بخيلها وخيلائها: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].

стр. 426

استشارة النبي ﷺ لأصحابه وبدء المعركة وحينئذ وقف ﵊ يستشير قومه أصحاب العدد القليل في القتال، فيحبذ المؤمنون القتال، ويقوم زعيم المهاجرين المقداد بن الأسود ﵁ فيقول: يا رسول الله! والله لقد آمنا بك وصدقناك، فلو خضت بنا برك الغماد لخضناها معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، ولكن: اذهب فقاتل فإنا معك مقاتلون. فسر رسول الله ﷺ ، ثم قال مرة أخرى: (أشيروا علي معشر القوم -وكأنه يريد أن يأخذ رأي الأنصار- فقام سعد بن معاذ ﵁ وقال: يا رسول الله! لعلك تعنينا، والله لقد آمنا بك وصدقناك، وعلمنا أن ما جئت به هو الحق، والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه وراءك -يشير إلى البحر الأحمر- ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، وإنا لنرجو أن يريك الله منا ما تقر به عينك). فسر رسول الله ﷺ ، وقضى ليلة سبعة عشر من رمضان -أي مثل هذه الليلة- ما بين ساجد وراكع لله ، يمد أكف الضراعة ويستدر رحمة الله ، ويقول لربه: (اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصبة لا تعبد في الأرض). وهكذا يكرر رسول الله ﷺ تلك الليلة توسله بين يدي الله، حتى إذا كان الصباح وبدأت المعركة، كانت قد أعطت لوناً جديداً من الجهاد لم يعرفه تاريخ الإنسان منذ القدم، لقد وقف هذا العدد القليل أمام ذلكم الحشد المسلح، ثم ينتصر المسلمون في المعركة! ولقد وصفها لنا أحد أصحاب رسول الله ﵊ وهو يقول: والله إننا لنرى الرأس يطير، ونرى اليد تقطع، ولا نرى من الذي يفعل ذلك! لأن الله يقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:١٢ - ١٣].

стр. 427

انتصار المسلمين في المعركة انتهت المعركة، وانتصر الإسلام، وكان نصراً حاسماً، وقامت هناك دولة الإسلام آمنة مطمئنة، عزيزة الجانب، وحينئذ كانت آية، كما قال : ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣].

стр. 428

أخذ العبر والدروس من معركة بدر إن هذه الآية تتجدد بعد كل فترة، فإذا ضعف المسلمون وتأخروا عن دينهم برزت تلك الآية، ولعل هذه الآية تبرز اليوم كثيراً ونحن نسمع مئات الملايين من المسلمين؛ بل نسمع عشرات الملايين من العرب يغلبون أمام عدد قليل؛ لأنهم تركوا الجهاد في سبيل الله بحق؛ لأنهم عصوا الله في أيام الأمن والرخاء، فيرفع الله يده عنهم أيام الشدة، إنها آية عظيمة، هذه الآية حينما نرى المسلمين اليوم يعيشون معذبين تحت مطارق الكافرين، بالرغم من تلكم الإحصائيات الضخمة أمام أعدائهم، وما عرف المسلمون الهزيمة في تاريخهم الطويل، اللهم إلا إذا تأخروا عن دينهم وركبوا المعاصي والآثام، أو تهاونوا بالواجبات. إن المسلمين اليوم يستحقون النصر لو كان لهم قائد أعلى مثل محمد ﷺ ، يقضي ليلة المعركة ما بين ساجد وراكع لله، بعد أن يطهر مجتمعه من الفساد والانحراف والمعصية إنهم يستحقون نزول الملائكة اليوم لو كان فيهم قادة أمثال سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، لا يبالون بأن يركبوا الماء بدون سفينة في سبيل الله إنهم يستحقون هذا النصر لو كان فيهم جنود مثل عمير بن الحباب ﵁، الذي ما كاد يسمع قول رسول الله ﷺ : (لا يقاتلهم اليوم مؤمن صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا وجبت له الجنة)، وكان يحمل تمرات في قرنه فيقذفها على الأرض ويقول: والله إنها لحياة طويلة إن أكلت هذه التمرات قبل أن ألقى الله ! أما اليوم وقد ركب الناس هذه المعاصي والآثام، وتدربت كثير من جيوش المسلمين في بلاد الكفر وركبوا هناك كثيراً من المعاصي، وتدرب الناس عامة أو أكثرهم على موائد التلفاز والفيديو، وعلى الأفلام الخليعة التي غيرت مجرى حياتهم؛ فرفع الله النصر عنهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 429

حكم إحياء ليلة سبعة عشر من رمضان الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إن معارك الإسلام ومواقفه المشرفة لا يجوز أن تتحول إلى ذكريات بعد أن كانت حقائق رفعت شأن الإسلام والمسلمين، وإذا كان هناك طائفة ممن يشعرون بالهزيمة اليوم في أيامهم أمام هذه الجيوش التي رفع الله يده عنها، يريدون أن نكتفي من موقعة بدر بذكريات نقيمها ليلة سبعة عشر من رمضان! إن هذه بدعة لم ينزل الله بها من سلطان، فما أحيا رسول الله ﷺ هذه الليلة أبداً في غير تلك المعركة، وما فعل ذلك أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . إن هذه الذكرى يجب ألا تمر مر الكرام في أذهان المسلمين، يجب أن يفتشوا في أنفسهم، وينظروا في واقعهم المرير وهم يعيشون مستضعفين تحت مطارق الكافرين، وحينئذ عليهم أن يعاهدوا الله على التوبة، وعلى العمل الصالح: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]. ونحن في هذه الذكرى وهي تمر بنا في هذه الأيام، ونحن نرى العالم الإسلامي كله محاطاً بأعدائه، محاطاً بالشيوعية وأعوانهم من كل جانب، وباليهودية من جوانب أخرى، هذه الذكرى يجب ألا تمر عابرة، ويجب على كل مسلم أن يفتش عن نفسه، وأن يسعى في إصلاح مجتمعه؛ لتعود لهذا المجتمع عزته وكرامته وقتئذ؛ فإن نصر الله قريب، وإن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. حينما نكون من جند الله، وحينما نبرم العهد مع الله ؛ فإن نصر الله قريب، وإن رحمة الله قريب من المحسنين.

стр. 430

فضل العشر الأواخر من رمضان معشر المسلمين! إننا نستقبل أياماً فاضلة، أيام العشر الأواخر من رمضان، التي فيها ليلة القدر التي يقول الله فيها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]، ويقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]. فانتبهوا لهذا الأمر، وعاهدوا الله على العمل، وجددوا التوبة مع الله، واجتهدوا في مثل هذه الأيام الفاضلة، وأكثروا من الركوع والسجود والتضرع بين يدي الله، فإننا نعيش فتنة عمياء، ومصيبة لم يمر مثلها في تاريخ الإنسان الطويل، فأكثروا من السجود والركوع والتضرع بين يدي الله ، واسألوه مخلصين له الدين أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يعيد للأمة الإسلامية مجدها وعزتها وكرامتها. عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في دين الله بدعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن آله وأصحابه وأتباعه وأزواجه، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم إنا نتوجه إليك في هذه الساعة الشريفة من هذا اليوم المبارك ونحن نستقبل ليلة بدر ويومها أن تعيد للأمة الإسلامية عزها ومجدها، اللهم أيد المجاهدين في سبيلك، اللهم قوّ جانبهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحب وترضى، اللهم قوّ إخواننا المجاهدين في أفغانستان، وفي إرتيريا، وفي فلسطين، وفي سوريا، وفي كل مكان من الأرض يعذب الكافرون فيه المؤمنين. اللهم رد المسلمين إليك رداً جميلاً، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 431

خواطر شهر محرم الأيام تمر، والسنون تنقضي، وإذا مر عام فلا بد من الذكرى والاعتبار، فإن رأس مال الإنسان هو عمره، فإذا حافظ عليه، واستغله في طاعة ربه جل وعلا فقد أفلح وأنجح، وإذا فرط فيه واستخدمه في معصية الله فقد خاب وخسر، ولهذا يجب على كل إنسان أن يحاسب نفسه، وأن يستغل وقته في طاعة ربه، وأن يحذر كل الحذر من الذنوب والمعاصي والآثام.

стр. 432

أنواع القلوب الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة في الله! إن القلوب ثلاثة: قلوب منيرة، وهي قلوب المؤمنين، وهي التي تتربى في المساجد، ولا تتربى في المسارح، ولا تتربى في دور الدعارة، وإنما تتربى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وعلى خلاف ذلك قلوب أخبر الله عنها أن أعمالها كسراب بقيعة؛ لأن أعمالها ظاهرها الخير، وباطنها السوء. القلوب الثالثة: قلوب مظلمة، نعوذ بالله منها! ظاهرها وباطنها كله ظلام، كما قال : ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠]. والناس في هذه الحياة الدنيا إما أن يتربوا في المساجد؛ فتكون قلوبهم ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥]، أو يتربوا في خلاف المساجد؛ فتكون قلوبهم مظلمة، أو أن أعمالهم ظاهرها الخير وباطنها السوء، ولعل المجال يفسح لنا في وقت لاحق إن شاء الله حتى يكون حديثنا عن هؤلاء الأجناس الثلاثة.

стр. 433

أهمية محاسبة الإنسان لنفسه إن الحديث عن شهر الله المحرم حديث ذو شجون؛ لأنه حديث عن فرصة تحقق فرصة أخرى، هذه الفرصة تفتح فيها صفحة جديدة من صفحات التاريخ في حياة الإنسانية جمعاء، وستنتهي هذه الصفحة لتفتح بعدها صفحات وصفحات إن طال بنا الزمان. أيها الإخوان! أما نحن وذكرياتنا في شهر الله المحرم فيجب أن تكون لنا مواقف، هذه المواقف يجب ألا نغفل عنها. إخوتي في الله! إن الرجل التاجر الذي يعمل ليلاً ونهاراً طيلة العام في بيعه وشرائه، يأخذ من فلان ويبيع على فلان ويشتري من فلان، ويعطي ويستعطي لابد وأن تكون له ساعة يقف فيها أمام دفاتر تجارته؛ لينظر ما له وما عليه، وماذا كسب وماذا خسر؟ وماذا عليه أن يعمل؟ وكيف يجب أن يتصرف ليزيد في أرباحه وتجارته؟ وهذا أمر بدهي، ندركه في حياتنا التجارية، وإذا كان المسافر يسير في طريق طويلة فإنه لابد أن يقف أمام لوحات الطريق، ولابد أن يقف أمام معارج الطرق وأمام المنعطفات؛ لينظر كم قطع من الطريق؟ وماذا بقي له في هذا الطريق؟ وكم ميلاً قطعه؟ وكم ميلاً بقي؟ ثم يعود مرة أخرى لينظر في زاده ماذا بقي؟ وكيف يجب أن يتزود؟ هذه فطرة بشرية ندركها جميعاً ونحن اليوم نعيش أمام مفرق من مفارق الطرق، وأمام لوحة من لوحات الطريق؛ لأنا نسير جميعاً إلى الله وإلى الدار الآخرة. ونحن أيضاً في تجارة مع الله ، لكنها تجارة تنجينا من عذاب أليم تجارة هي أعظم تجارة. إذاً: أولاً: جدير بنا وأحق بنا أن نقف اليوم كما يقف التاجر أمام دفاتر تجارته، وكما يقف المسافر أمام لوحات الطريق، وأمام مفارق الطريق ومنعطفاته؛ لننظر كيف الطريق؟ وهل نحن في صحة من مسيرتنا أو يجب أن نغير الطريق مرة أخرى لنصل إلى الهدف الذي ننشده إن شاء الله؟ هكذا نحن أيها الإخوة المؤمنون نتصور أنفسنا ونحن نضع أقدامنا في شهر الله المحرم، وهو أول شهر في العام؛ ولذلك سمي الشهر المحرم؛ لأنه أحد الأشهر الأربعة الحرم التي يقول الله عنها: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، بل هو أعظم الأشهر الحرم؛ لأنه وضع بداية لتاريخ الإنسانية جمعاء، وذلك حينما استشار عمر بن الخطاب ﵁ المسلمين في عصره بأي شيء يبدأ السنة: أيبدؤها بميلاد رسول الله ﷺ أم بهجرته أم بوفاته أم بماذا يبدؤها؟ فرأى المسلمون أن يبدأها من الهجرة، وأن يكون شهر الله المحرم هو أول السنة؛ لأنه يعود فيه الحجاج إلى مواطنهم، ولأنه تستأنف فيه أنشطة كثيرة. إخوتي في الله! ومن هذا المنطلق يجب أن نقف نفكر ونستعرض صفحات العمل، ونستعرض سجلات العمل التي أودعناها في العام المنصرم، ونصحح المسيرة إن كنا قد أخطأنا، أو نثبت على المسيرة إن كنا قد أحسنا. خطب رسول الله ﷺ في مثل هذه المناسبة فقال: (أيها الناس! إن لكم معالم فانتبهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتبهوا إلى نهايتكم؛ إن العبد المؤمن بين مخافتين: أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، ألا فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن شبيبته لهرمه، ومن دنياه لآخرته). ويقول أبو بكر الصديق ﵁ في مثل هذه المناسبة: (أيها الناس! إنكم تغدون وتروحون إلى أجل قد غاب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تعملوا صالحاً فاعملوا).

стр. 434

مواقف يجب أن يقف الإنسان عندها هكذا أيها الإخوان! يجب أن نتصور مثل هذه المواقف، ولذلك فإن الله برحمته بهذا الإنسان وضع مراحل له في طريقه إلى الله ، ووضع أموراً يجب أن تستوقف المرء المسلم العاقل؛ لينظر في مسيرته، هذه المعالم نجدها تتكرر ونجدها تتعدد. ومن أبرزها ومن أهمها: مرور الأيام والسنين، ومن أهمها أيضاً: بلوغ أربعين سنة، ولذلك يقول الله عن هذه المرحلة: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف:١٥ - ١٦]. ومن هذه المعالم أيضاً: بلوغ الستين، ولعلها تكون نهاية المعالم وآخر الإنذارات التي يجب أن ينتبه لها المسلم، فلا يضيع الفرصة بعد ذلك، ولذلك ورد في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أعذر الله إلى رجل أخر أجله حتى بلغ الستين)، ومعنى (أعذر) أي: لم يترك له عذراً بعد ذلك، فإذا أراد أن يستعتب ويعتذر إذا نزل به الموت فإن الاستعتاب والاعتذار لا يقبل بعد ذلك؛ لأنها آخر مرحلة من مراحل الاستعتاب والاعتذار. ثم هذا الشيب وتغير لون الشعر أيضاً معلم من هذه المعالم، وإنذار من تلك الإنذارات التي تعترض مسيرة المرء المسلم في حياته، ولذلك يقول الله تعالى للناس الذين فرطوا في العمر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]، قال طائفة من العلماء: إن المراد بالنذير هنا هو الشيب وابيضاض الشعر. أيها الإخوة المؤمنون! هذه الإنذارات لا تمر بالرجل العاقل إلا وتستوقفه ويستوقفها، ولا تمر بالرجل الجاهل إلا مر الكرام، فلا يدري ماذا مضى وماذا بقي؛ لأنه في غمرته غافل؛ كما قال : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣]، فلهو القلوب هو الذي أضل كثيراً من الناس؛ فإن كانت القلوب متعلقة بالله فإنه يرجى لهذه القلوب خير؛ لكن إذا لها القلب فإن المصيبة لا تساويها مصيبة.

стр. 435

وجوب استغلال العمر في طاعة الله إخوتي في الله! يجب أن نقف ونفكر: ماذا فعلنا؟ وماذا تركنا؟ وماذا يجب أن نفعل؟ وماذا يجب أن نترك؟ وإلا فإننا قد غفلت ولهت قلوبنا. أيها الإخوان! علينا أن نستعرض صفحات ما مضى من السنة الماضية، وماذا تركنا من الواجبات؟ فكثير من الواجبات تركه الناس، وكم فرطنا في كثير من الأوامر! وكم مرت بنا ليالٍ طوال وأيام لا تحصى ونحن في هذه الغفلة! والليل والنهار كما ورد في الأثر: (والليل والنهار خزانتان فانظروا ماذا تودعون فيهما)، بل يقول الله قبل ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] ومعنى (خلفة): أي: يخلف بعضها بعضاً. فإذا مضت عليك فرصة لا تتعبد فيها لله بالنوافل فأمامك النهار؛ لأن الله تعالى لما ذكر قيام الليل قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:٧] وإذا مضى عليك النهار ولم تستفد منه فإن أمامك الليل الذي هو مطية الصالحين الذين يسيرون فيه إلى الله ، والذين يقول الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، وقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]. كنا نقول هذا لأنفسنا منذ زمن، وكنا نخاطب الناس بمثل هذا المنطق، لكننا أصبحنا اليوم نتنازل مع الواقع المرير، فنقول للناس: صلوا صلاة الفجر مع المسلمين، بدلاً من أن نقول لهم: إن الله قال عن المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، وأصبحنا نتمنى من المسلمين أن يصلوا صلاة الفجر! وصلاة الفجر لها ميزان عظيم عند الله ؛ لأن الله تعالى يقول عنها: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، ويقول الرسول ﷺ عنها: (ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله). إذاً: يجب أن ينتبه المسلم! فكم ضيعنا أيها الإخوة المؤمنون من الصلوات! وكم ضيع المسلمون من هذا الجانب! فهناك سواد عظيم لا يقيمون للصلاة وزناً، يجب أن يقفوا أمام سجلاتهم من العام الماضي لينظروا فيها؛ فهل ترك الصلاة أمر سهل أو أمر عظيم؟ إنه والله من أعظم الكبائر! بل إنه الردة عن الإسلام؛ لأن الله يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، ولعله قد ارتبطت إضاعة الصلاة باتباع الشهوات لأن من عصى الله قيض له شيطاناً فهو له قرين، فأصبحت هذه الشهوات ألذ شيء له في حياته، ولذا قال عنه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]، فباب التوبة مفتوح، وباب التوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، وبالنسبة لعامة الناس وبالنسبة لكل فرد من الأفراد فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أو ما لم تبلغ الروح الحلقوم، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٧]. وأبشركم يا إخوان! بمعنىً لهذه الآية أجمع عليه المفسرون، وهو: أن قوله: (بِجَهَالَةٍ) ليس معناه في حالة جهلهم للمعصية، بل معناه: في أيام الجهل وأيام الغفلة. ثم أبشركم أيضاً بأن قوله: (مِنْ قَرِيبٍ) ليس معناه أن يتوب مباشرة وإلا فلا تقبل منه التوبة، ولكن معناه: أن ذلك القريب هو ما قبل الموت؛ بدليل الآية الأخرى بعدها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٨]. وعلى هذا فكل ما عصينا الله به فهو بجهالة؛ لأن الإنسان لا يعصي الله إلا في فترة جهالة، وأيضاً القرب ما زال أمامنا؛ لأن الروح ما زالت في الجسد -والحمد لله- فهي فرصة، ولذا يجب أن نستعتب، ويجب أن نتوب؛ فوالله ما بعد الموت من مستعتب.

стр. 436

إضاعة الصلاة سبب في الوقوع في الشهوات إخوتي في الله! إذا كان قوم قد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات؛ فإن إضاعتهم للصلاة هي التي أوقعتهم في كثير من الشهوات، هذه الشهوات التي انفتحت على الأمة الإسلامية تدركونها دون أن أتناولها بكثير من التفصيل، ولكني سأتناولها بشيء من ذلك. إخوتي في الله! أين يذهب كثير من شباب المسلمين في عطل الصيف؟! أولئك الذين يرقبون ورقة التقويم ينظرون فرص الإجازات وفرص الصيف، كثير منهم نجدهم يذهبون إلى بلاد الكفر وإلى بلاد المعصية يذهبون إلى بلاد التحلل، يقتلون الأخلاق، ويذيبون الأموال، ويفسدون الحرث والنسل! هذه الشهوات جاءت مرتبطة بترك الصلاة؛ لأن الصلاة كما أخبر الله عنها أنها: (تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. أيها الإخوة المؤمنون! كثير من الفساد غزا قلوب كثير من الناس، بل وغزا بيوتهم؛ فأصبح في قعر بيوت المسلمين أفلام ترقص وتغني حتى الهزيع الأخير من الليل!

стр. 437

آثار الشهوات على الأخلاق والسلوك هؤلاء الذين اتبعوا الشهوات كان لهذه الشهوات آثار في قلوبهم، وآثار في أخلاقهم، وآثار في سلوكهم؛ فصار هؤلاء يتطلعون إلى المعصية ليلاً ونهاراً. لقد أصيب كثير من المسلمين بهذه المشكلة، فكان ذلك جزاءً وفاقاً، ولكن على هؤلاء المسلمين أن ينتبهوا ما دام في الأمر متسع وفسحة، فكثير من المسلمين وقع في كثير من المحرمات.

стр. 438

بيان ضرر الربا وخطره هذا الربا يا إخوتي! قد أعلن الحرب على الله جهراً في وضح النهار، وفتح أبوابه علناً في بلاد المسلمين؛ يعطي الدرهم بدرهمين إنها معصية عظيمة لله توعد الله فاعلها بالخلود في نار جهنم والعياذ بالله! فقال : ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. والمرابي أعلن الحرب بينه وبين الله وبين رسوله ﷺ ، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]. هذا الربا صار ينقسم في حياتنا اليوم إلى قسمين: قسم قد أعلن الربا علناً، وفتحت البنوك أبوابها أمام المسلمين: ادفع ريالاً وخذ ريالين ادفع درهماً وخذ درهمين، وبعد فترة من الزمن فتح أبوابه مغطى وملفوفاً بلفائف مكشوفة لدى كثير من التجار الذين أصبحوا يتحايلون على الربا، ويستحلون محارم الله بأدنى الحيل، الذين يقول أحدهم: تعال إلي واشتر هذا المال شراءً صورياً، ثم بعه علي أو بعه على فلان، ثم بعد ذلك اخرج في دقائق ومعك شيء من المال بزيادة، وكل ذلك من الربا الذي يكاد أن يحل بنا سخط الله ، بل قد أخذ الربا في أيامنا الحاضرة أضعافاً مضاعفة، وهو آخر ما وصلت إليه جاهلية الأمس، وهو في الذروة بالنسبة لواقعنا اليوم، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٠]، فنجد أن البنوك اليوم إذا حل الدين بالساعة وبالدقيقة تسجل زيادة على هذا الرجل المدين حتى يؤدي هذا المال الذي عليه. فهذا هو الربا الأضعاف المضاعفة الذي هو أعظم ما فعلته جاهلية الأمس بعد الشرك بالله ، وهو الآن موجود لدى كثير من التجار. إذاً: يجب على هؤلاء التجار، ويجب على هؤلاء المسئولين عن البنوك؛ بل يجب على السلطة التي تشرف على هذه البنوك أن تستعيد صفحات حياتها، وأن تتقي الله ؛ لأن هذا من الأمور العظام التي يقول عنها الرسول ﷺ : (الربا بضع وسبعون شعبة، أدناها -أي: أخفها- كأن ينكح الرجل أمه). فتصور يا أخي! من يستطيع أن ينكح أمه؟! لكنه يستطيع أن يكسب ملايين الأموال بسبب هذه البنوك وهو لا يتصور عظم هذه الجريمة. وأضف إلى ذلك ما وقع من المعاملات المحرمة، ثم أضف إلى ذلك ما وقع من السلوك المنحرف الذي مني به كثير من الناس، نسأل الله العافية!

стр. 439

خطر التشبه بالكفار ولعل جاهلية الأمس التي بعث فيها محمد ﷺ لم تترك شاردة ولا واردة في عصرنا الحاضر إلا وفرضته عليه. ومن هنا يجب أن ينتبه المسلمون لهذا؛ فإن هذا سلوك يشبه سلوك الكافرين سواءً بسواء، مصداقاً لقول رسول الله ﷺ : (لتتعبن سنن -أي: طريقة- من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة -أي: كالسهم يتبع السهم- قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟). ونحن نكره اليهود في حقيقتنا وفي واقعنا وفي ألسنتنا، لكن أخلاقهم وسلوكهم قد وقع فيها كثير من المسلمين، نسأل الله العافية! بل إذا قيل لأحدهم: اتق الله! قال: هذه هي الحضارة، وهذا هو التقدم! فسموا الأشياء بغير أسمائها، وغيروا المسميات كما غيروا الأسماء؛ فسموا الربا اقتصاداً، وسموا الرقص والغناء فناً وفنوناً، والفنون جنون، وسموا الخمر مشروبات روحية، وسموا النفاق مجاملة، وسموا الكذب دبلوماسية!! وسموا وسموا وكل هذه الأشياء حقائقها ما زالت باقية، لكن أسماءها قد غيرت، يريدون أن يموهوا على الناس وهي على حقيقتها لا تتغير؛ فالحقائق لا تتغير. أيها الإخوان! حينما ننظر في سلوك كثير من المسلمين الذين ابتلوا بتقليد أعدائهم، والذين حكى عنهم الرسول ﷺ وأخبر بقوله: (لتتعبن سنن من كان قبلكم)؛ نجد أنهم أصبحوا صورة طبق الأصل لأعدائهم الذين هم يظهرون العداء لهم في الظاهر.

стр. 440

خطر تبرج المرأة وتقليدها للكافرات لقد تبرجت المرأة الكافرة، وخرجت سافرة، وكشفت عن مفاتنها، وتجولت في الأسواق، وصارت تغدو وتروح، وذهب كثير من شبابنا وكثير من رجالنا إلى تلك البلاد، فعشقوا تلك الأزياء وذلك السلوك، فجاءوا وفرضوه على كثير من البلاد الإسلامية الآمنة المطمئنة، وقالوا: إن هذه هي الحضارة! ثم أيضاً رأوا أن النساء هن أكبر وسيلة للقضاء على الأخلاق والفضائل، وذلك حينما تخرج متبرجة عارية أو شبه عارية، وقالوا: إن هذه هي الحضارة! ثم بعد ذلك أرادوا أن يحرفوا أبناء المسلمين من خلال هذه التوصية التي كان سادتهم يوصونهم بها: إنه لا أحد أقدر على جر المجتمعات إلى الدمار من هذه المرأة، فاتخذوا من هذه المرأة وسيلة للدمار، ووسيلة للفناء، ووسيلة للانحراف، ولذلك فإن أحدهم يقول قولاً معسولاً وحاله كما قال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥].

стр. 441

حرمة تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال أيضاً نرى أن كثيراً من الشباب -وهذا أعجب مما سبقه- بدءوا يعشقون عادات هي غريبة كل الغربة عن أخلاق الإسلام، بل عن الرجولة وعن أخلاق العرب! فنجد أن كثيراً من الشباب قد سقط عن رجولته، وتنازل عن الدرجة التي ميزه الله بها عن المرأة، الدرجة التي يقول الله عنها: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، ويقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤]. فتنازلوا عن هذه الدرجة، فرأينا في أيامنا الحاضرة أن كثيراً من الشباب بدأ يتنازل عن رجولته، ويتشبه بالمرأة، وينافسها في شكلها، وفي صوتها، وربما في شيء من لباسها، فربما يلبسون الذهب، والملابس الرقيقة والضيقة، ولربما يرققون أصواتهم، وهذا أمر عجيب أعجب من الأول! ولذلك يقول الشاعر: فلا عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الشباب عجيب لأن الرجل حينما ينزل إلى مستوى المرأة إنما تنازل عن حق من حقوقه، وحينما تتطلع المرأة إلى صفة من صفات الرجال إنما تطالب بدرجة هي أعلى من درجتها التي وضعت لها. وعلى هذا فإن هذه من الأمور التي وقع فيها طائفة من شبابنا الذين ضلوا الطريق على أيدي أعدائنا، فيجب أن نتنبه لهذا الأمر. بعد ذلك نرى أن هذه الموضات وهذه الفتن وهذه المعاصي ظهرت في فترة قلّ فيها جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأصبح كل إنسان لا يفكر إلا في نفسه إلا ما شاء الله؛ بل ربما أن طائفة من هؤلاء الناس أصبحت ترهبهم قوة البشر أكثر من قوة خالق البشر ، فتنازلوا عن هذا الواجب أو تركوا هذا الواجب الذي أناطه الله في أعناقهم، فخلا الجو لهؤلاء ولأولئك، فباضوا وفرخوا في هذا المجتمع الذي فقد كثيراً من جوانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 442

وجوب قيام كل صاحب مسئولية بمسئوليته أيها الإخوان! كل هذه الأمور مسجلة في صفحات هذا الجيل في أيامه الماضية، وكل هذه الأمور سيسأل عنها، وسنسأل عنها بصفة عامة، وسيسأل عنها الولاة والذين استرعاهم الله على هذا العالم الإسلامي بصفة خاصة، خصوصاً الآباء الذين قال الله عنهم: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، والولاة الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، كل هؤلاء سيسألون وسيوقفون بين يدي أحكم الحاكمين .

стр. 443

وجوب المبادرة إلى التوبة لكن حينما نستعرض شيئاً من صفحات ما مضى ونحن نقف اليوم على هذا المفرق من مفارق الطريق في حياة الإنسانية، يجب أن نبادر إلى التوبة؛ لأني أرى أن كثيراً من الشباب الذين يتمتعون بالفتوة والقوة وأجسادهم مفتولة، أرى أن كثيراً من هؤلاء يسوفون في التوبة، ويقولون: نتمتع في هذه الحياة، وأمامنا متسع، وباب التوبة مفتوح، وقد سمعنا أن باب التوبة مفتوح إلى أن يموت هذا الإنسان أو إلى أن يقارب أجله. ونحن نقول: كم من الناس من حيل بينه وبين ما يريد! قال : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]. فكم من الشباب في أيامنا الحاضرة من تختطف أرواحهم أكثر من الشيوخ! ولو ذهبنا إلى المرور لنسجل الوفيات التي حصلت -مثلاً- في منطقة القصيم لمدة سنة، ثم حصرنا الذين ماتوا على فرشهم؛ لوجدنا أن الذين يموتون على فرشهم لكبر سن أو لمرض لا يساوون عشرة بالمائة بالنسبة للذين يموتون في حوادث المرور، أو في موت الفجأة أو ما أشبه ذلك. وهؤلاء كلهم في الغالب من الشباب الذين كانت عندهم آمال، وكانت عندهم طموحات؛ ولذلك فإن الرسول ﷺ رسم على الأرض خطاً طويلاً وقال: (هذا الإنسان، وهذا أمله، ورسم خطاً أقصر منه بكثير وقال: هذا الأجل). إذاً: الأجل أقرب من الأمل يا إخوة! فلا نخطط لسنين، فعندنا من الشجاعة النفسية والأمل الطويل العريض ما يجعلنا نخطط لسنين. فعلينا يا إخوتي! أن نتقي الله ، وعلينا أن نبادر بالتوبة. وأرى كثيراً من الأصحاء يسوفون أيضاً في التوبة، ويقولون: نحن أصحاء في أجسامنا، فلنا أن نتمتع وننهل من لذات هذه الحياة إلى أن يكبر بنا السن أو إلى أن نضعف! وكل هذه من الآمال التي لا تتناسب مع عقلية المؤمن، ومع الفطرة التي فطر الله المسلمين عليها. إذاً: علينا أن نبادر بالتوبة، وألا تفوتنا هذه الفرصة، وهي خاطرة من خواطر شهر الله المحرم الذي نعيشه اليوم.

стр. 444

قيام الدولة الإسلامية في شهر الله المحرم ولعلنا نعرج قليلاً على الخاطرة الثانية، وهي أيضاً من ذكريات شهر محرم: شهر محرم شهر له أثر في قيام الدولة الإسلامية بكاملها؛ لأن في شهر محرم ذكرى لهجرة رسول الله ﷺ ، وما أدراك ما هي هذه الهجرة! إنها الركب الذي انتقل من مكة إلى المدينة في حجم صغير، لكنه في معنى كبير هذا الركب الصغير في حجمه العظيم في قدره هو الذي وضع الحجر الأساسي في مثل هذه المناسبة لقيام الدولة الإسلامية، وذلك يوم وقف الكفر مسلحاً أمام بيت رسول الله ﷺ ، وبعد أن قرر في دار الندوة ذلكم القرار المشئوم؛ بل هو قرار كان له أثره في الهجرة، فهو قرار خير في آخر أمره، وذلك حينما انتقل المسلمون بعد ذلك القرار الذي كشفه الله في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. ومن هنا أقام الرسول ﷺ دولة الإسلام، وكانت هذه الدولة وارفة الظل، سامقة الأصول؛ لأننا ما زلنا ولا يزال المسلمون يتفيئون ظلالها إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فعلينا يا إخوتي! ألا تمر بنا هذه الذكرى إلا ونحن قد وعينا الدرس الحقيقي منها، فهناك قامت دولة الإسلام، وهناك شرع الجهاد في سبيل الله، ونزلت أول آية تنفس عن المسلمين، وتأذن لهم بالجهاد في سبيل الله، ألا وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠].

стр. 445

ذكرى عاشوراء، وبيان الأحداث التي وقعت فيه هناك أيضاً ذكرى ثالثة وخاطرة ثالثة نمر بها أيضاً مر الكرام، ألا وهي ذكرى عاشوراء، الذي صامه رسول الله ﷺ وأمر المسلمين بصيامه، وقال: (خالفوا اليهود، لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع، صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده). ولهذا اليوم ذكرى عطرة لا في تاريخ المسلمين فحسب بل في تاريخ الإنسانية؛ لأنه يوم نجى الله فيه موسى ومن معه من المؤمنين، وأهلك الله فيه فرعون ومن معه من الكافرين المتمردين؛ وذلك حينما جاء ذلكم الطاغية الذي تحدى كل القيم وتحدى كل المعتقدات، وقال للناس: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وأنكر ألوهية الخالق ، أنكرها بلسانه، لكنه آمن بها في حقيقته وفي قرارة قلبه، وقد كشف الله تعالى هذا الإيمان، وكشف هذا السر فقال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] لماذا جحدوا بها؟ ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، أي: جحدوا بها ظلماً وعلواً واستيقنتها أنفسهم. وقال الله عنه على لسان موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢]. ولذلك نجد أن هذا الطاغية إنما أنكر الخالق من أجل أن يستعبد الأمة، وهكذا في كل فترة من فترات التاريخ، أي فرد يريد أن يستذل أمة أو يستعبد شعباً فلابد أن يحول بينه وبين الإيمان بالخالق ، ابتداءً من الفرس في معتقدهم الأول، وإلى فرعون عليه لعنة الله حينما أنكر الخالق، ومروراً بالشيوعية التي تكتسح كثيراً من العالم اليوم، والتي لم تجد سبيلاً إلى السيطرة على العالم إلا أن تنكر الخالق . قال : ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤]، فيجيئون بها وفق منهج اقتصادي في الظاهر، ولكنه في الحقيقة ينتهي إلى إنكار الخالق ، وإنكار القيم، وإنكار الرسل والكتب السماوية والحياة الآخرة، وإنكار كل المبادئ؛ ليقولوا لهذا الإنسان: إنه حيوان ينتهي من حيث يبتدي! ولذلك يزعمون أن هذا الإنسان يوجد نتيجة التفاعل الكيماوي والحيوي، كما تقول الشيوعية، أي: أنه يتعفن في هذا الكون كما يتعفن الطعام، فتولد منه هذه الدودة، ثم هذه الدودة تطورت في نظر الشيوعية حتى صارت جسداً ثم صارت إنساناً!! هذه هي نظرية التفاعل الكيماوي والحيوي في نظر الشيوعية، وهذه بداية الإنسان! وأما نهاية الإنسان في نظر الشيوعية فيجب أن يباد كما تباد هذه الحشرات؛ لأنه تولد من التعفن في نظرهم كما تتولد الحشرات. ولذلك يا إخوان! لو نظرنا نظرة فاحصة إلى ما يفعله الشيوعيون في أفغانستان وفي غيرها -نسأل الله السلامة، ونسأل الله أن يعز الأمة الإسلامية- لوجدنا أن النهاية تطابق البداية بالنسبة لنظرة الشيوعية. يباد إخواننا المسلمون هناك بالبلاد الأفغانية كما تباد الحشرات، والله لقد زرت مستشفيات لو كان الذين فيها كلاب لوجب أن نعطف عليهم، وقد قطعت أيديهم، وقطعت أرجلهم بسبب القنابل والمواد السامة، وشوهت وجوههم!! إلى غير ذلك. مستشفيات يحصى من فيها بعشرات الآلاف بل بمئات الآلاف من البشر! إضافة إلى من يقتل ويباد هناك، ونحن في غفلة نسمع أخبار السلفادور وأخبار العالم كله، ولا نتابع أخبار إخواننا الأفغان أبداً إلا ما شاء الله، وإذا تابعنا نجده في زاوية مهجورة من صحفنا لا تتعدى ثلاثة سنتيمترات في ثلاثة. فإخواننا هناك يبادون على أيدي الشيوعية؛ لأن الشيوعية تقول: إن الإنسان ولد نتيجة التعفن، فيجب أن نعامله كما تعامل الحشرات، ولذا يبيدونه بالمواد السامة. ولذلك فإن فرعون عليه لعنة الله ما استعبد بني إسرائيل وما أراد أن يستعبد المصريين إلا من هذا المنطلق، حيث أنكر الخالق، والشيوعية وهي تريد أن تستولي على هذا العالم لا تستطيع أن تستولي على هذا العالم كما تتصور إلا إذا أنكرت الخالق؛ لأن العالم الذي لا ينكر الخالق سيقف كما يقف الأفغان في أيامنا الحاضرة الذين يقاتلون الروس ولو بالحجارة، في الوقت الذي غفل عنهم إخوانهم المسلمون، ولم يمدوهم حتى بالمال. فالشيوعيون لا يريدون الإيمان بالخالق؛ حتى لا يتسابق الناس إلى الشهادة؛ وإنما يريدون أن يقول الإنسان كما قال الدهري الأول: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. المهم أن فرعون ذلكم الطاغية ولد في بيته طفل تولى الله تربيته على عينه، كما قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، تولاه الله ، وتحدى به فرعون، فإذا كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل فإن هذا الطفل سيتربى في بيت فرعون، كما قال سبحانه: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]. وانظروا أيها الإخوان! إلى ألطاف الله ، وانظروا إلى تعطل نواميس الحياة إذا أراد الله أن تتعطل يقتل الأطفال من بني إسرائيل، لكن موسى يعيش في بيت فرعون ولا يقتله! ثم بعد ذلك يكون سبباً في هلاكه، وذلك حينما أمره الله في يوم عاشوراء من شهر الله المحرم أن يخرج ببني إسرائيل صوب البحر، فلحقه فرعون بجنوده، حتى قيل: إن بني إسرائيل كانوا يحصون في ذلك الوقت بأكثر من ستمائة ألف، أي: الذين عبروا البحر الأحمر بهذه المعجزة الخارقة للعادة. وكان بنو إسرائيل إيمانهم ضعيفاً، فلما رأوا موسى يريد أن يتجه بهم إلى البحر والبحر أمامهم وفرعون من خلفهم قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، وهذه فطرة بشرية لا يلامون عليها؛ لكن الرجل المؤمن موسى ﵇ قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. هكذا الإيمان إذا حل في القلوب؛ حيث تهون كل الدنيا في وجه الرجل المؤمن؛ ولذا قال: (كَلَّا) و (كلا) للردع، (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ). ولما علم الله إيمانه أمره أن يضرب البحر ضربة واحدة بعصا صغيرة، فتحول هذا البحر إلى اثنتي عشرة طريق، كل طريق يعبر منها سبط من أسباط بني إسرائيل إنها آية عجيبة! فمن كان يظن أن البحر سيتجمد ليعبر الناس عليه بالأقدام؟! إنها قدرة الله . فيعبر المؤمنون مع موسى ﵇، ثم يدخل فرعون وجنوده من ورائهم، ثم يأمر الله البحر أن يطبق على الأقباط مع فرعون ويغرقهم أجمعين، ثم يجعل الله فتنة فرعون آية باقية إلى يوم القيامة، ولعل الذين يذهبون إلى مصر ويدخلون المتحف الوطني يرون هذه الآية ما زالت باقية، يقول الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]. فمن أراد أن يتكبر، أو ينكر الخالق، أو يشك في الخالق ، أو يطغى على خلق الله، أو يتجبر في هذه الأرض أو يظلم؛ فإن عليه أن ينظر إلى تلك الآية التي مضى عليها اليوم ما يزيد على خمسة آلاف سنة، وهي آية ما زالت باقية يمر بها السواح، ولكن كثيراً منهم لا يشعرون.

стр. 446

كيف نستفيد من ذكرى شهر المحرم ؟ أيها الإخوة المؤمنون! إن علينا أن نعتبر شهر الله المحرم شهراً عظيماً له ذكريات، وهذه الذكريات يجب علينا أن نقف عندها، وأن تستوقفنا، وأن نأخذ منها عظة وعبرة، فنأخذ منها العظة الأولى بأن علينا أن ننظر في صفحات أعمالنا، وفي سجلات حسناتنا وسيئاتنا قبل أن ينشر لنا الكتاب يوم القيامة، ويقال لأي واحد منا: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. ثم علينا أيضاً أن نستعيد ذكرى الهجرة مرة أخرى؛ لنشكر الله أن قامت دولة الإسلام، ويجب أن نحافظ على دولة الإسلام التي كتب الله لها الخلود إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم أيضاً علينا ونحن نرى الطغيان اليوم ينتفخ ويتشدق ويتطاول على الجبال، ويملأ السجون والمعتقلات بالمؤمنين، ويستذل المؤمنين علينا أن ننتظر الفرج من الله ، وأن نعرف أن هذا كله زبد، وأن الزبد كما قال الله : ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. ومن هنا أيها الإخوان! لا نيأس من روح الله، قال : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. وعلينا أيضاً أن نمد أكف الضراعة إلى الله أن يؤيد المسلمين بنصر منه، وأن يخلص إخواننا المعتقلين والمضطهدين تحت مطارق الكافرين والظلمة والطغاة، ولكن علينا بجوار هذا الدعاء أن نقوم بجانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣].

стр. 447

أهمية نعمة الأمن والرزق ووجوب المحافظة عليها إذا كنا نعيش في هذا الوطن الآمن المطمئن قد أرخى الأمن علينا سدوله، وقد هيأ الله لنا تحكيم شرع الله فكان سبباً في أمننا وطمأنينتنا؛ فإن علينا أن نتقي الله، وأن نحافظ على هذه النعمة، وأن نتجه إلى المسئولين ونقول لهم: اتقوا الله ! وعلى المسئولين ألا يغضبوا حينما يقال لهم: اتقوا الله! ونقول لهم: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩]. وعلينا أن نحارب المعاصي والإلحاد، وأن نحارب كفر النعم الذي أصبح اليوم ظاهراً في كثير من البلاد التي فجر الله لها ينابيع الخيرات وقد كانت بالأمس تعيش في فقر ومسغبة، وهو ابتلاء من الله ، بل هو آخر مرحلة من مراحل الابتلاء؛ لأن الله قد أخبرنا عن ذلك في القرآن فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤]. ونحن هنا في نجد كنا في بأساء، وكنا في ضراء، وكنا في خوف، وكنا في جوع، وكنا في مسبغة، فأرسل الله لنا هذه الخيرات ابتلاءً وامتحاناً، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٥]، فقد أصبحنا نسكن في القصور الفارهة، ونركب السيارات المترفة، ونملك الأموال الطائلة، ونعيش في أمن، ويتخطف الناس من حولنا، لكن ما هي النتيجة؟ كثير من الناس إذا قيل له: اتق الله يا أخي! أنت كنت فقيراً فأغناك الله، وأنت كنت أعزب فجعل الله لك هؤلاء الأولاد الشهود، وأنت كنت تعيش في خوف وذلة فأصبحت الآن مرفوع الرأس والحمد لله، لكنه يقول: هذا أمر قد انتهى ضده! وقد مرت بنا فترات الخوف والجوع، والله تعالى يقول لنا عن هذا الموقف: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥] أي: زاد المال وزاد الأولاد ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف:٩٥]، أي: انتهى الضد، ولن يعود الضد مرة أخرى، ولكن الأمور في تقلب، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥]. فعلينا أن ننتبه يا إخوان! فنحن هنا يتخطف الناس من حولنا، وتحيط بنا دائرة حمراء من الدماء، ونقط حمراء من الدماء، ونحن نعيش في منطقة -والحمد لله- آمنين مطمئنين، قد جعل الله لنا حرماً آمناً، ويتخطف الناس من حولنا. لكن هل تظنوا أيها الإخوان! أننا نستحق ذلك دائماً؟ الجواب لا والله، إلا إذا حافظنا على هذه النعمة، وشكرنا المنعم ، وقمنا بحقه، وحاربنا المعاصي؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود:١١٦]، ويقول : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من النعيم ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤]. إذاً: أيها الإخوان! علينا أن نخشى الله ، ووالله ليس بيننا وبين الله عهد ولا ميثاق، والله تعالى يقول: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد:٣١]، ونحن نرى أنه يحل قريباً من دارنا كثير من الكوارث؛ واسمعوا أخبار لبنان وأخبار إيران وأخبار العراق وأخبار أفريقيا، والأماكن التي فيها مجاعة، وأنا رأيتهم بعيني يموتون أمامنا من الجوع! ونحن -والحمد لله- عندنا هذه الأموال؛ بل كثير من الناس أصبح لا يستطيع أن يحصيها؛ حتى الأرقام عجزت أن تحصي أموال كثير من الناس، ومع هذا لم تفكر طائفة منهم في أن يوصلوا قليلاً من هذا المال لإخوانهم الفقراء. ويخشى في يوم من الأيام أن يسلط الله على هؤلاء أصحاب الأموال أمة لا يرعون فيهم إلاً ولا ذمة، فيأخذون الأموال ويبتزونها، ويريقون الدماء ويسفكونها، ويتلاعبون بهذا الأمن الذي من الله علينا به. فهذه أمم كثيرة كانت تعيش في رخاء وفي نعمة أكثر مما نعيش اليوم، وكان الناس يذهبون من هنا إلى أفريقيا الخضراء، وكان الناس يذهبون إلى لبنان الناعمة الآمنة المطمئنة، وكان أناس يذهبون إلى الهند، فأصبح كل هذا العالم يأتي يبحث عن لقمة العيش في بلادنا والحمد لله. إذاً: أيها الإخوة! هذه نعمة لابد أن نشكرها، وإذا لم نشكرها فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فهذا عذاب الله نسمع جزءاً منه تعيشه كثير من الأمم المجاورة؛ فخذوا حذركم، واعتبروا بمن حولكم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 448

الأسئلة

стр. 449

دور النوادي في إصلاح الشباب السؤال لدى بعض الإخوان -وخاصة أولياء الأمور- مفهوم قاصر عن أهمية الأندية الرياضية، والحقيقة أنها تخالف ذلك، وهي تدعوكم دائماً وأبداً، وفيها تفاؤل إلى التوجيه؛ فما هي كلمتكم تجاه ذلك؟ الجواب الحقيقة أنني كنت ممن يتحرز من هذه الزيارة؛ لأن هناك حواجز منيعة بيننا وبين هذه النوادي؛ لأننا لا ندري ما وراء هذه النوادي، لكننا -والحمد لله- صرنا لا نشك في أنها اتجهت اتجاهاً طيباً؛ لأن الصحوة الإسلامية التي يتمتع بها الناس أجمعون أخذت النوادي الرياضية بنصيب وافر منها. وعلى كل فإننا مطمئنون -والحمد لله- في أيامنا الحاضرة على هذه النوادي، وليس كل الاطمئنان، ولكن أكثر اطمئناناً، وليس في كل النوادي الرياضية، ولكن في أكثرها؛ فنحن مطمئنون -والحمد لله- على أن المسئولين عنها رجال صالحون، أقصد رؤساء النوادي وأعضاء الأندية الرياضية. وعلى كل فنحن مستبشرون بهذا الواقع الطيب، ونرجو لهم مزيداً من الاستقامة، ولكن نقول: النوادي الرياضية مسئولة عن أمانة كبيرة؛ فولدي وولد فلان وفلان من الناس نسلمهم إلى هذه الأندية الرياضية مدة من الزمن، ثم بعد ذلك لا ندري ماذا يحدث وراء الكواليس! لكننا مطمئنون إلى هؤلاء الذين هم الآن أصبحوا يقومون بإدارة الأندية الرياضية؛ ولذلك فإننا نحملهم أمانة كبيرة. إن الأمة تقاس بشبابها، والشباب لا يقاس بقوة جسده فقط، فحينما تقدم الأندية الرياضية تقوية الأجساد فقط لا يكفي؛ لأن الإنسان لا يتميز بقوة جسده، فالإنسان مهما بلغ من القوة لا يبلغ درجة الجمل أو درجة الأسد أو درجة النمر في قوة جسده، ولكنه بقوة روحه إضافة إلى قوة جسده، وإذا تمتع هذا الشاب بقوة الروح مع قوة الجسد فإنه يصبح إنساناً يرجى من ورائه نفع. ولذلك فإن الأمم الحية ما كانت فقط تعتمد في تربية شبابها على قوة أجسادهم، وإنما تعتمد كل الاعتماد على تربية عقولهم. ونحن نطالب أصحاب الأندية الرياضية أن يربوا وينموا العقول تربية طيبة، فإذا كانت الأمم الشيوعية تربي أبناءها على الإلحاد؛ فالأمم المؤمنة المسلمة يجب أن تربي أولادها وتربي أبناءها على الإيمان الحقيقي الذي به يصلون إلى درجة لا يصل إليها أحد من الناس. ولذلك فإني أدعو القادة والمسئولين على الأندية الرياضية -وأقصد بالقادة رؤساء مجلس الإدارة ومدير ورئيس النادي، أما القادة الكبار فنسأل الله لهم الهداية أيضاً- فنقول: عليكم أن تتقوا الله في هذه الأمانة؛ لأنكم أصبحتم أمناء على أبناء المسلمين، ولأنكم ستسألون في الآخرة عما يصل إليه مستوى هؤلاء الأبناء الذين ينتسبون إلى الأندية التي أنتم قائمون عليها، فإن خرج هذا الشباب مؤمناً تقياً عاملاً جاداً في عمله مصلحاً في هذه الحياة، فأنتم أول من يجني هذه الثمرة، وإن خرج هذا الشباب تافهاً منحرفاً ضالاً سفيهاً، فأنتم من يسألكم التاريخ ويسألكم الناس؛ بل ويسألكم الله يوم القيامة عن هذه الأمانة.

стр. 450

حكم مخالطة أصحاب المعاصي السؤال هناك شاب يحب الخير، وله أصدقاء يحافظون على الصلاة، ولكن يعملون بعض المعاصي، وأنا أحب أن أكون مثل بعض الشباب الطيب في هذه البلدة، فماذا أفعل؟ أفتوني وجزاكم الله خيراً. الجواب الله تعالى يقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، فإذا كان هؤلاء الأصدقاء الذين أشار إليهم الأخ يعملون الكبائر فحرام عليك أن تعيش معهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. وعلى هذا فإذا كان هؤلاء يعملون الكبائر أو الأوبئة المعدية التي يتعاطاها طائفة من الشباب كالتدخين، فأنا أنصح بألا تعيش مع هؤلاء؛ لأن التدخين يعتبر من الأمراض التي تنتقل بسرعة عن طريق المخالطة. وأما إذا كان هؤلاء فقط يعملون شيئاً من المزاح أو الهزل الذي لا يصل لدرجة المعاصي الكبيرة؛ فهؤلاء لا بأس بمجالستهم، بل من الأفضل أن تعيش مع هؤلاء، خصوصاً إذا كانت حياتك معهم ستنقلهم من الهزل إلى الجد، وتستغل فيها الفرص من أجل أن تقدم لهم أشياء لعلها تكون سبباً في استقامتهم والتزامهم. وعلى كل: فإن الرجل المؤمن عليه أن يستعمل عقله في مثل هذه الأمور؛ فإذا كان يتأثر في مثل هذه المجالس فحرام عليه أن يجلس مع هؤلاء، والمسألة لا تصل إلى درجة الكبائر فيتسامح في ذلك.

стр. 451

مذاهب العلماء في أحاديث نفي الإيمان ونحوه السؤال تمر أحاديث نبوية عن النبي ﷺ فيها نفي، فنود من فضيلتكم تفسير هذا النفي هل هو على إطلاقه أم لا؟ منها: (من مس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)، ومنها: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، ومنها: (لا يدخل الجنة رجل في قلبه ذرة من كبر)؟ الجواب هذه الأحاديث صحيحة، لكن العلماء اختلفوا في تأويلها؛ لأن بعضها ينفي الإيمان، وبعضها ينفي الجمعة، وبعضها ينفي أشياء أخرى، فبعض العلماء له تأويل في هذه الأحاديث؛ لأنها أحاديث صحيحة لا شك في صحتها. فقول الرسول ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، بعض العلماء أخذه على ظاهره، كالإمام ابن تيمية رحمة الله عليه، وقال: كل إنسان يستطيع أن يصل إلى المسجد ويصلي منفرداً فصلاته غير صحيحة. ويعتبر الصلاة في المسجد شرطاً من شروط الصلاة؛ كالوضوء، واستقبال القبلة، وستر العورة، وما أشبه ذلك، وجمهور العلماء يؤولون مثل هذا، ويرون أن قوله: (لا صلاة)، أي: لا صلاة كاملة؛ لأن صلاة الجماعة ليست بشرط، وإنما هي واجبة وفريضة، فإذا صلى المرء في بيته فصلاته صحيحة، لكنه قد عمل محرماً إذا لم يكن له عذر في تركه الصلاة مع الجماعة. وقوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، قال بعض العلماء: هذه جرت مجرى الوعيد، وآيات الوعيد وأحاديث الوعيد أيضاً كثيرة، ولعل ذلك فيمن استحل الكبر؛ لأن الكبر من أكبر الذنوب المحرمة، واستحلاله يعتبر ردة عن الإسلام؛ لأنه محرم بالإجماع، وكل محرم بالإجماع فإن استحلاله كفر وردة عن الإسلام، فلعل هذا فيمن استحل الكبر، أو أن هذا جرى مجرى الوعيد. وعلى هذا فكل ما ورد بلفظ: (لا يؤمن)، (لا يدخل) (لا جمعة له) ونحو ذلك، كل هذا لعله يؤول، كقوله ﷺ : (ومن لغا فلا جمعة له)، فبعض العلماء قال: هو على حقيقته، فمن عبث بالحصى، والإمام يخطب، فإنه تفسد جمعته، وكأنه لم يصل الجمعة، ولعله يكتب له أجر الظهر، وبعضهم رأى أن هذا جرى مجرى الوعيد، كما ورد أيضاً: (إذا قلت لأخيك: أنصت أو اسكت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت، أو لا جمعة لك)، كل هذا يجرونه مجرى الوعيد، وبعضهم يجريه على ظاهره، فيقول: معنى (لا جمعة له) أي: سقط منه أجر الجمعة، لكن برئت ذمته من صلاة الجمعة. والله أعلم.

стр. 452

حكم قراءة التوراة والإنجيل وبيان أنها محرفة السؤال ما حكم قراءة التوراة والإنجيل؟ وهل ما يوجد منها الآن صحيح؟ الجواب أما بالنسبة لقراءتها للرد على أمور -مثلاً- وصلت إلى أيدي المسلمين، ونحن نريد أن نبين للمسلمين خطأ ما فيها؛ فلعل ذلك يتسامح فيه. أما قراءتها للعلم فإن هذا لا يجوز؛ ولذلك فإن الرسول ﷺ لما رأى قطعة من التوراة مع عمر ﵁ غضب ﷺ ، وظهر الغضب في وجهه وقال: (لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي). وكذلك الإنجيل وكل الكتب السماوية التي يزعم أصحابها أنها من الكتب السماوية؛ لأنها منسوخة بالقرآن، فكما نسخت التوراة والإنجيل فإن القرآن قد نسخ التوراة والإنجيل، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. وهذه الدعوة يجب أن نوصلها إلى كل هؤلاء الذين يعيشون مع المسلمين من غير المسلمين. أما بالنسبة للكتب السماوية المزعومة الموجودة في أيامنا الحاضرة فهي كلها محرفة، وليست كتباً حقيقية؛ لأن الله تعالى قد أخبرنا بأن اليهود قد حرفوا كتابهم، وكذلك النصارى. وعلى هذا فإن ما في أيدي اليهود وما في أيدي النصارى اليوم كله محرف، وليست هي الكتب السماوية التي نزلت من السماء. وحتى على فرض أنها كتب سماوية فنحن نؤمن بأصلها، لكنها غير معتبرة في أيامنا الحاضرة؛ لأنها منسوخة بالقرآن.

стр. 453

أنواع الذنوب وضررها على صاحبها السؤال إذا كان الإنسان يصلي ويصوم، ويتصدق ويزكي، ويحب الخير، وقد يعمل بعض المعاصي مع علمه بحرمتها، فهل هذا يؤثر على عمله الصالح أم لا؟ وهل تتأثر الحسنات مع وجود السيئات؟ الجواب أما كونه يؤدي أركان الإسلام ويفعل الواجبات لكنه يفعل شيئاً من المحرمات، فهذا نسأل الله لنا وله الهداية والتوفيق. لكن فعله للسيئات لا يطعن في إيمانه، ولا يطعن في إسلامه، فهو ما زال مسلماً ما دامت هذه السيئات لا تصل إلى درجة الردة، فإذا وصلت إلى درجة الردة فإنه يكفر، ويحبط عمله نهائياً، لكن فعل السيئات أيضاً يختلف؛ فهناك كبائر، وهناك صغائر؛ فإذا وصل إلى درجة الكبائر فإن هذه الكبائر تذهب الحسنات التي كسبها، كما أن الحسنات يذهبن السيئات، فكذلك السيئات قد تستهلك الحسنات. ولذلك الله تعالى أخبرنا بأن الوزن يومئذٍ الحق، وأن الله تعالى يزن أعمال الإنسان الحسنات والسيئات، يزنها يوم القيامة، فتوضع الحسنات في كفة، وتوضع السيئات في كفة، فإن رجحت الحسنات فقد سعد، وإن رجحت السيئات فقد شقي. ولكن المسلم الذي يعمل هذه السيئات عليه أن يبادر بالتوبة؛ لأنه إذا بادر بالتوبة فإن الله يغفر له مهما بلغ من الذنوب، كما قال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤]، أي: بهذا الشرط. وإذا لقي الله بهذه السيئات التي لا تصل إلى درجة الكفر فإنه تحت مشيئة الله وإرادته، إن شاء الله تعالى غفر له، وإن شاء عذبه، لكنه لا يخلد في النار. فمن فعل الكبائر مهما كانت الكبائر، ما دامت لا تصل إلى درجة الكفر وإلى درجة الشرك فإنها لا تخلده في النار؛ فقد يغفرها الله له ولا يحاسبه عليها، وقد يحاسبه عليها، ثم يكون مصيره إلى الجنة ما دام قد مات على عقيدة الإيمان والتوحيد والإسلام. ولكن يا أخي! اعلم أن هذه مخاطرة؛ فهذه الحسنات التي تتعب فيها احذر أن تستهلكها بالسيئات، ونقول: اتق الله! ودع هذه السيئات، إلا أن أكبر سيئة أحذر الناس منها هي: الشرك بالله ، ولذلك يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة). والشرك بالله قد انتشر في أيامنا الحاضرة؛ فلا نظن أيها الإخوان! أن الشرك قد انتهى إلى الأبد، صحيح أن اللات والعزى ومناة وإساف ونائلة وهبل قد فقدت وانتهت، لكن لا زالت هناك أوثان كثيرة في أيامنا الحاضرة؛ وإن شئت فاذهب إلى البلاد الإسلامية المجاورة فستجد أناساً يطوفون حول القبور، ويتمسحون بالقبور، ويخشعون أمام القبور، وينذرون لها النذور، ويتقربون إليها بأنواع القرب، وهذا هو الشرك الأكبر؛ لأن هؤلاء يقولون: نحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة، وهذا كما قال الأولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. ففي كل بلاد المسلمين آلهة، فالدنيا تعبد من دون الله في أيامنا الحاضرة، وهذا نوع من الشرك، والزعماء يعبدون من دون الله في أيامنا الحاضرة في كثير من البلاد الإسلامية؛ لأنهم يشرعون ويطيعهم البشر، ويرفضون أحكام الله، ولو صدر أمر من أحد هؤلاء المسئولين وأجبر الناس عليه لوجدت الناس ينجبرون وراء هذا الأمر؛ خوفاً من سياط القوة المادية، ويغفلون عن عذاب الله ، وهذا نوع من الشرك، فالخوف من البشر أكثر من الخوف من الخالق نوع من الشرك. والذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعضهم تركوه خوفاً من أن ينالهم أذى، وهذا يخشى أن يصل بهم إلى درجة الشرك؛ لقوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، أي: أنه يساوي بين هذا وهذا. المهم أن الشرك موجود، وهو من الذنوب التي لا يغفرها الله ، وصاحبه مخلد في نار جهنم، أما المعاصي فإنها تحت مشيئة الله وإرادته. ولذلك فإني أدعو أخي الذي يقيم أركان الإسلام وتعاليم الإسلام ويؤدي الواجبات إلى أن يخشى الله في هذه المحرمات؛ لأنها ستستهلك حسناته في يوم من الأيام.

стр. 454

شروط التوبة السؤال ما هي شروط التوبة؟ الجواب شروط التوبة: أن يقلع الإنسان عن الذنب، وأن يندم على ما مضى، وأن يعزم على ألا يعود، وأن يرد المظالم إذا كانت المعصية في مظلمة بينه وبين الخلق، فإن كان قد سب إنساناً يعتذر منه، وإن كان قد أخذه ماله يرد إليه هذا المال، وإن كان قد آذاه بأي أذىً يطلب منه المعذرة. هذه هي شروط التوبة، وجماعها كلها: صدق القلب وعزمه على الإقلاع من فعل الذنب.

стр. 455

حكم من يقول بجواز الإسبال والغناء السؤال ماذا تقولون فيمن قال: إن إسبال الثوب إذا كان في غير بطر جائز، ومن قال: إن استماع الأغاني جائز؟ الجواب أما من قال: إن إسبال الثوب بغير بطر جائز، فنقول: أنت أخطأت، ولا نقول: إنك تعديت، بل نقول: أخطأت؛ لأن بعض العلماء يرى أن الإسبال بغير نية البطر جائز، لكن أنا أرى أن هذا الرأي لا مكان له؛ لأن عندنا وعيدين من الرسول ﷺ : الوعيد الأول: قوله ﵊: (من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فهذه عقوبة من فعله خيلاء. والوعيد الثاني: قول الرسول ﷺ : (وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار)، فهذا ليس له صلة بذلك، فمن فعله بنية الكبرياء فهو أخطر، وعقوبته أنه لا ينظر الله إليه، وهذا من أعظم الوعيد، ومن فعله لكنه لا يريد الكبرياء فنقول: عليه عقوبة، لكنها لا تصل إلى درجة ألا ينظر الله إليه يوم القيامة. وبعض العلماء قال: إن هذا يحمل على هذا، فيحمل على البطر، واستدل بقصة أبي بكر ﵁: (إن إزاري يسترخي إلا أن اتعاهده) الحديث، لكن هذا لا يصلح دليلاً؛ لأن معنى يسترخي: ينزل، ثم يرفعه، ونحن نقول لمن نزل ثوبه: ارفع ثوبك، وتخرج من المشكلة. وعلى كل فإن الوعيد موجود لمن فعله بطراً ولمن فعله بغير بطر. أما من ادعى حل الغناء فنقول أيضاً: أنت على خطر يا أخي! ولو استمعت الغناء لكان أمرك أسهل، لكن ما دمت قد قلت: إن الغناء جائز، فإنك على خطر؛ لأن الغناء يكاد أن يجمع علماء المسلمين على تحريمه، وما دام أنه يكاد أن يجمع علماء المسلمين على تحريمه فنقول: أخطأت في هذا، ولو كان الغناء من الأمور المجمع على تحريمها عند جميع العلماء لكان من يقول بهذا الرأي مرتداً؛ لكن ما دام أن هناك من يشك في تحريم الغناء فإن الأمر لا يصل إلى درجة الردة. وعلى هذا نقول: يا أخي! عليك أن تصحح مفهومك، وأن تقرأ ما كتب عن الغناء، بل تقرأ ما ورد في الأدلة الشرعية عن الغناء، كقوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]، وقول الله : ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤]. واقرأ ما قاله المفسرون في هذا الأمر، واقرأ آراء العلماء والفقهاء في الغناء، ولعل مثل هذا يقتنع فلا يقول بعد ذلك: إنه جائز.

стр. 456

حد عورة الرجل وحكم كشفها السؤال فضيلة شيخ! ما حكم كشف العورة؟ وما حد عورة الرجل؟ وهل في ذلك خلاف بين العلماء؟ الجواب أما عورة الرجل فإن له عورة في الصلاة وخارج الصلاة؛ ففي الصلاة ما بين السرة إلى الركبة، فهذا لا يجوز أن يكشف في الصلاة، وأحد العاتقين يلحقه العلماء؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، أي: لابد أن يغطى أحد الكتفين، ولذلك الإخوان الذين يلبسون فنايل علاقية نقول لهم: هذه لا تصلح في الصلاة، بل لابد أن يغطى واحد من الكتفين. أما في غير الصلاة فقد اختلف العلماء في تحديد العورة، فجمهور العلماء يرون أنها إلى الركبة، ومنهم من يرى أنها فوق الركبة، واختلف في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة؟ لكن الاحتياط أن يغطى الفخذ. ولذلك فإني أدعو أصحاب النوادي الرياضية إلى أن يوجهوا الشباب الذين كثيراً ما يستعملون ألبسة تكون فوق الركبة إلى أن ينزلوها إلى الركبة، خصوصاً وأن كثيراً من الذين يلعبون هذه الألعاب من الشباب الأحداث الذين يخشى عليهم ومنهم الفتنة. وعلى هذا فإني أقول: هذا موضع خلاف، لكن الاحتياط أن يغطى الفخذ؛ هذا بالنسبة لغير الصلاة، أما بالنسبة للصلاة فلابد أن يغطى إلى الركبة. وكذلك أدعو الشباب الذين يلبسون ملابس شفافة وعليهم سراويل لا تصل إلى الركبة، أدعوهم إلى أن يغطوا إلى الركبة في الصلاة؛ لأنه كثيراً ما نصلي بجوار كثير من هؤلاء الشباب وعليهم ملابس شفافة رقيقة من خلالها نرى لون البشرة بيضاء أو سوداء أو حمراء، وهذا من الخطأ؛ لأن الصلاة من شروطها: ستر العورة؛ والله تعالى يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، أي: استروا عوراتكم، وعلى هذا نقول: إن الذين يلبسون سراويل قصيرة وثياباً شفافة قد أخطئوا، وصلاتهم ترد عليهم، فعليهم أن يستروا إلى الركبة. أما بالنسبة لخارج الصلاة فالاحتياط أن نستر إلى الركبة أيضاً.

стр. 457

تعريف ذوي الأرحام وبيان حكم قطيعة الرحم السؤال من هم ذوو الأرحام الذين يجب على الإنسان زيارتهم؟ ومن هو قاطع الرحم؟ الجواب ذوو الأرحام لها مفهوم في الفرائض ومفهوم في عامة الشرع: أما ذوو الأرحام في عامة الشرع: فهم الذين تجب صلتهم، وهم الذين خرجوا من رحم واحدة، فهذه النسبة نسبة إلى الرحم، والرحم: هو رحم المرأة، أي: أنه تجمعهم أم واحدة وأب واحد، كأعمامك، وأبناء عمك، وإخوتك، وأبناء إخوتك، وأعمام أبيك، وأعمام أمك، وأخوالك، كل هؤلاء يجمعهم رحم واحدة، وهؤلاء هم ذوو الأرحام الذين تجب صلتهم، وتحرم قطيعتهم. أما صلة ذوي الأرحام فإنها واجبة، وقد توعد الله الذين يقطعون الرحم، ووعد الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل بالجنة. وقطيعة الرحم من الأمور التي تحدث بسبب خلاف الناس على متاع الحياة الدنيا، وعلى هذا فلا يجوز للناس أن يتقاطعوا في أرحامهم لأي سبب من أسباب الحياة الدنيا، اللهم إلا إذا وصل الأمر إلى درجة المعصية التي تلزم المسلم بالهجر؛ فإن عليك أن تهجره، ويلزمك حينئذٍ أن تقطع هذه الرحم إذا عجزت عن إصلاحها، لكن هذه القطيعة لا تصل إلى درجة الجفاء الذي يفعله كثير من الناس. فقد أمر الله بصلة الوالدين الكافرين اللذين يلزمان ولدهما بالكفر، فقال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والمراد بالصحبة بالمعروف هنا: ألا تقسو عليهما، وأن تنفق عليهما في حال الحاجة، وما أشبه ذلك. كذلك رحمك الذين لا يخشون الله عليك أن تحسن إليهم عند الحاجة والضرورة؛ لأن هذا الإحسان قد افترضه الله تعالى في كل أمر من الأمور.

стр. 458

أفضل الكتب بعد كتاب الله السؤال ما هي أفضل الكتب التي يمكن شراؤها بعد كتاب الله التي تفيد المسلم في دينه وخلقه؟ الجواب الكتب الآن كثيرة، ولا نستطيع أن نحصرها، لكن يمكن أن نعطي نماذج في كل فن من الفنون، فمثلاً: التفسير هو أول العلوم التي يجب أن يكون لها نصيب؛ لأنه يفهمنا كتاب الله ، فياحبذا لو كان للإنسان كتابان من كتب التفسير: أحدهما يهتم بالأحكام والألفاظ اللغوية، والثاني يهتم بالنكت البلاغية والأسرار القرآنية؛ حتى يصل الإنسان إلى شيء من هذه الأسرار. وفي الحديث أيضاً يكون للإنسان كتاب يلجأ إليه في بعض الأحيان، ويقرؤه إذا كان من الطموحين، ككتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، أو كان أقل من ذلك من الكتب الصغيرة التي تهتم بشرح بعض معاني الحديث. وكذلك بالنسبة للكتب الثقافية، نحن أيضاً بحاجة إليها أكثر من حاجتنا إلى أشياء كثيرة، ففي أيامنا الحاضرة يتصارع الخير والشر أمامنا، ويكاد أن يلتبس الخير بالشر أمام كثير من العقول التي أصبحت قد اختلط عليها الأمر، فعلينا أن نقرأ الكتب التي ترد على هذه الأفكار الوافدة، والتي تعلمنا ما هي الشيوعية وأخطار الشيوعية، وأخطار الرأسمالية في مفهومها الحاضر، وتعلمنا أخطار الاشتراكية، وأخطار هذه الأفكار والمذاهب القديمة والجديدة. ومن هذه الكتب الطيبة الكتب التي نثق في مؤلفيها كـ سيد قطب ومحمد قطب وحسن البنا والمودودي رحمة الله عليهم، ونحوهم من هؤلاء المثقفين الذين عايشوا هذه الفتن وهذه الأفكار، فكانت لهم ردود عليها بينوا فيها السبيل.

стр. 459

حكم الصلاة في الملعب إذا كان المسجد يبعد كيلو متراً السؤال هناك جماعة من الشباب يصلون صلاة المغرب داخل أحد الملاعب الرياضية، علماً أن المسجد لا يبعد عنهم سوى كيلو متر، فما حكم هذه الصلاة؟ الجواب الكيلو متر بعيد، وهمم الناس الآن أصبحت تجعل الكيلو متراً بعيداً، وعلى كل يا أخي! الصلاة في المسجد أفضل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. لكن إذا كانت صلاتك في النادي لها أثر في المصلين، فلعلها تكون أفضل من الصلاة في المسجد من هذا الجانب؛ فإذا كنت إذا صليت في النادي تجمع إخوانك وتلقن المتخلف وتنصح المثابر وهكذا، فلعل صلاتك في النادي تكون أفضل في مثل هذه الحالة. فعليك أن تنظر المصلحة، فإذا كان لك وزن في صلاتك في النادي فصلاتك في النادي أفضل، وإذا لم يكن لك وزن فصلاتك في المسجد أفضل، لكن صلاتك في النادي أيضاً كافية. وبعد كيلو متر مسافة تعتبر كبيرة، وأنت لا تطالب بأن تركب السيارة إلى المسجد، وما دمت قد وجدت أناساً يقيمون الجماعة فلا بأس أن تصلي معهم ولو كان المسجد قريباً منك.

стр. 460

وجوب عبادة الله على بصيرة السؤال كيف يعبد الإنسان ربه في عموم أحواله، حيث قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]؟ الجواب هذا السؤال غامض! فالمسلم يعبد الله في كل أحواله، ولابد أن يكون على بصيرة، ولعله يقصد: ما هي الطريقة إلى عبادة الله عبادة صحيحة؟ والجواب: أن يكون على بصيرة، والبصيرة: هي العلم، والعلم يجب على المسلم في حدود ما يعرف به الله ، وما يعرف به قدرة الله ، وما يعرف به كيف يؤدي الفرائض، وكيف يجتنب المناهي. فعبادة الله تعالى على بصيرة واجبة، ويكون ذلك عن طريق العلم، ولذلك فإن الله أمر الناس بأن يتعلموا فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. ومدح العلم والعلماء، واعتبرهم ورثة الأنبياء، وجعل حتى الحيتان في البحر تستغفر لهم، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، كل ذلك من أجل أن يعرف الإنسان ربه معرفة حقيقية، وأن يعبد الله عبادة توافق المنهج الذي جاء به نبينا محمد ﷺ . فهذه هي الطريقة التي يجب أن يعبد الإنسان فيها ربه، وذلك بأن يكون على بصيرة، وأن يكون على هدىً من الله، وأن يكون متابعاً لرسوله ﷺ . ولذلك يا إخواني! لو نظرنا في كثير من عبادات الناس في العالم الإسلامي لوجدناها على غير بصيرة، نسأل الله العافية. وكثير من الناس أحدثوا في دين الله أموراً لم يشرعها الله، وتركوا واجبات فرضها الله عليهم، وهذا هو الخطأ، وهذا يتنافى مع شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأن معنى (أشهد أن محمداً رسول الله): طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، وألا نعبد الله إلا بما شرعه. ولذلك فإن أصحاب البدع والخرافات الذين أحدثوا في دين الله ما لم يأذن به الله، هم الآن يعبدون الله على غير بصيرة، ويقلدون الآباء والأجداد والمشايخ ولو كانوا على غير بصيرة، ويتركون الهدى الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله تعالى. وهذه هي المشكلة التي يعيشها كثير من العالم الإسلامي، فأصبحت البدعة لدى طائفة منهم سنة، وأصبحت السنة لدى طائفة منهم بدعة، وكثرت المعاصي عقوبة على هذه البدع، وجاء الشيطان قوماً عن طريق البدع، كما جاء آخرين عن طريق المعصية.
следующие страницы →