← Джавами‘

Джавами‘ · id 7744

دروس للشيخ عبد الله الجلالي

عبد الله الجلالي

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حد عورة الرجل وحكم كشفها السؤال فضيلة شيخ! ما حكم كشف العورة؟ وما حد عورة الرجل؟ وهل في ذلك خلاف بين العلماء؟ الجواب أما عورة الرجل فإن له عورة في الصلاة وخارج الصلاة؛ ففي الصلاة ما بين السرة إلى الركبة، فهذا لا يجوز أن يكشف في الصلاة، وأحد العاتقين يلحقه العلماء؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، أي: لابد أن يغطى أحد الكتفين، ولذلك الإخوان الذين يلبسون فنايل علاقية نقول لهم: هذه لا تصلح في الصلاة، بل لابد أن يغطى واحد من الكتفين. أما في غير الصلاة فقد اختلف العلماء في تحديد العورة، فجمهور العلماء يرون أنها إلى الركبة، ومنهم من يرى أنها فوق الركبة، واختلف في الفخذ هل هو عورة أو ليس بعورة؟ لكن الاحتياط أن يغطى الفخذ. ولذلك فإني أدعو أصحاب النوادي الرياضية إلى أن يوجهوا الشباب الذين كثيراً ما يستعملون ألبسة تكون فوق الركبة إلى أن ينزلوها إلى الركبة، خصوصاً وأن كثيراً من الذين يلعبون هذه الألعاب من الشباب الأحداث الذين يخشى عليهم ومنهم الفتنة. وعلى هذا فإني أقول: هذا موضع خلاف، لكن الاحتياط أن يغطى الفخذ؛ هذا بالنسبة لغير الصلاة، أما بالنسبة للصلاة فلابد أن يغطى إلى الركبة. وكذلك أدعو الشباب الذين يلبسون ملابس شفافة وعليهم سراويل لا تصل إلى الركبة، أدعوهم إلى أن يغطوا إلى الركبة في الصلاة؛ لأنه كثيراً ما نصلي بجوار كثير من هؤلاء الشباب وعليهم ملابس شفافة رقيقة من خلالها نرى لون البشرة بيضاء أو سوداء أو حمراء، وهذا من الخطأ؛ لأن الصلاة من شروطها: ستر العورة؛ والله تعالى يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، أي: استروا عوراتكم، وعلى هذا نقول: إن الذين يلبسون سراويل قصيرة وثياباً شفافة قد أخطئوا، وصلاتهم ترد عليهم، فعليهم أن يستروا إلى الركبة. أما بالنسبة لخارج الصلاة فالاحتياط أن نستر إلى الركبة أيضاً.

стр. 457

تعريف ذوي الأرحام وبيان حكم قطيعة الرحم السؤال من هم ذوو الأرحام الذين يجب على الإنسان زيارتهم؟ ومن هو قاطع الرحم؟ الجواب ذوو الأرحام لها مفهوم في الفرائض ومفهوم في عامة الشرع: أما ذوو الأرحام في عامة الشرع: فهم الذين تجب صلتهم، وهم الذين خرجوا من رحم واحدة، فهذه النسبة نسبة إلى الرحم، والرحم: هو رحم المرأة، أي: أنه تجمعهم أم واحدة وأب واحد، كأعمامك، وأبناء عمك، وإخوتك، وأبناء إخوتك، وأعمام أبيك، وأعمام أمك، وأخوالك، كل هؤلاء يجمعهم رحم واحدة، وهؤلاء هم ذوو الأرحام الذين تجب صلتهم، وتحرم قطيعتهم. أما صلة ذوي الأرحام فإنها واجبة، وقد توعد الله الذين يقطعون الرحم، ووعد الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل بالجنة. وقطيعة الرحم من الأمور التي تحدث بسبب خلاف الناس على متاع الحياة الدنيا، وعلى هذا فلا يجوز للناس أن يتقاطعوا في أرحامهم لأي سبب من أسباب الحياة الدنيا، اللهم إلا إذا وصل الأمر إلى درجة المعصية التي تلزم المسلم بالهجر؛ فإن عليك أن تهجره، ويلزمك حينئذٍ أن تقطع هذه الرحم إذا عجزت عن إصلاحها، لكن هذه القطيعة لا تصل إلى درجة الجفاء الذي يفعله كثير من الناس. فقد أمر الله بصلة الوالدين الكافرين اللذين يلزمان ولدهما بالكفر، فقال : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، والمراد بالصحبة بالمعروف هنا: ألا تقسو عليهما، وأن تنفق عليهما في حال الحاجة، وما أشبه ذلك. كذلك رحمك الذين لا يخشون الله عليك أن تحسن إليهم عند الحاجة والضرورة؛ لأن هذا الإحسان قد افترضه الله تعالى في كل أمر من الأمور.

стр. 458

أفضل الكتب بعد كتاب الله السؤال ما هي أفضل الكتب التي يمكن شراؤها بعد كتاب الله التي تفيد المسلم في دينه وخلقه؟ الجواب الكتب الآن كثيرة، ولا نستطيع أن نحصرها، لكن يمكن أن نعطي نماذج في كل فن من الفنون، فمثلاً: التفسير هو أول العلوم التي يجب أن يكون لها نصيب؛ لأنه يفهمنا كتاب الله ، فياحبذا لو كان للإنسان كتابان من كتب التفسير: أحدهما يهتم بالأحكام والألفاظ اللغوية، والثاني يهتم بالنكت البلاغية والأسرار القرآنية؛ حتى يصل الإنسان إلى شيء من هذه الأسرار. وفي الحديث أيضاً يكون للإنسان كتاب يلجأ إليه في بعض الأحيان، ويقرؤه إذا كان من الطموحين، ككتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، أو كان أقل من ذلك من الكتب الصغيرة التي تهتم بشرح بعض معاني الحديث. وكذلك بالنسبة للكتب الثقافية، نحن أيضاً بحاجة إليها أكثر من حاجتنا إلى أشياء كثيرة، ففي أيامنا الحاضرة يتصارع الخير والشر أمامنا، ويكاد أن يلتبس الخير بالشر أمام كثير من العقول التي أصبحت قد اختلط عليها الأمر، فعلينا أن نقرأ الكتب التي ترد على هذه الأفكار الوافدة، والتي تعلمنا ما هي الشيوعية وأخطار الشيوعية، وأخطار الرأسمالية في مفهومها الحاضر، وتعلمنا أخطار الاشتراكية، وأخطار هذه الأفكار والمذاهب القديمة والجديدة. ومن هذه الكتب الطيبة الكتب التي نثق في مؤلفيها كـ سيد قطب ومحمد قطب وحسن البنا والمودودي رحمة الله عليهم، ونحوهم من هؤلاء المثقفين الذين عايشوا هذه الفتن وهذه الأفكار، فكانت لهم ردود عليها بينوا فيها السبيل.

стр. 459

حكم الصلاة في الملعب إذا كان المسجد يبعد كيلو متراً السؤال هناك جماعة من الشباب يصلون صلاة المغرب داخل أحد الملاعب الرياضية، علماً أن المسجد لا يبعد عنهم سوى كيلو متر، فما حكم هذه الصلاة؟ الجواب الكيلو متر بعيد، وهمم الناس الآن أصبحت تجعل الكيلو متراً بعيداً، وعلى كل يا أخي! الصلاة في المسجد أفضل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]. لكن إذا كانت صلاتك في النادي لها أثر في المصلين، فلعلها تكون أفضل من الصلاة في المسجد من هذا الجانب؛ فإذا كنت إذا صليت في النادي تجمع إخوانك وتلقن المتخلف وتنصح المثابر وهكذا، فلعل صلاتك في النادي تكون أفضل في مثل هذه الحالة. فعليك أن تنظر المصلحة، فإذا كان لك وزن في صلاتك في النادي فصلاتك في النادي أفضل، وإذا لم يكن لك وزن فصلاتك في المسجد أفضل، لكن صلاتك في النادي أيضاً كافية. وبعد كيلو متر مسافة تعتبر كبيرة، وأنت لا تطالب بأن تركب السيارة إلى المسجد، وما دمت قد وجدت أناساً يقيمون الجماعة فلا بأس أن تصلي معهم ولو كان المسجد قريباً منك.

стр. 460

وجوب عبادة الله على بصيرة السؤال كيف يعبد الإنسان ربه في عموم أحواله، حيث قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]؟ الجواب هذا السؤال غامض! فالمسلم يعبد الله في كل أحواله، ولابد أن يكون على بصيرة، ولعله يقصد: ما هي الطريقة إلى عبادة الله عبادة صحيحة؟ والجواب: أن يكون على بصيرة، والبصيرة: هي العلم، والعلم يجب على المسلم في حدود ما يعرف به الله ، وما يعرف به قدرة الله ، وما يعرف به كيف يؤدي الفرائض، وكيف يجتنب المناهي. فعبادة الله تعالى على بصيرة واجبة، ويكون ذلك عن طريق العلم، ولذلك فإن الله أمر الناس بأن يتعلموا فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. ومدح العلم والعلماء، واعتبرهم ورثة الأنبياء، وجعل حتى الحيتان في البحر تستغفر لهم، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، كل ذلك من أجل أن يعرف الإنسان ربه معرفة حقيقية، وأن يعبد الله عبادة توافق المنهج الذي جاء به نبينا محمد ﷺ . فهذه هي الطريقة التي يجب أن يعبد الإنسان فيها ربه، وذلك بأن يكون على بصيرة، وأن يكون على هدىً من الله، وأن يكون متابعاً لرسوله ﷺ . ولذلك يا إخواني! لو نظرنا في كثير من عبادات الناس في العالم الإسلامي لوجدناها على غير بصيرة، نسأل الله العافية. وكثير من الناس أحدثوا في دين الله أموراً لم يشرعها الله، وتركوا واجبات فرضها الله عليهم، وهذا هو الخطأ، وهذا يتنافى مع شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأن معنى (أشهد أن محمداً رسول الله): طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، وألا نعبد الله إلا بما شرعه. ولذلك فإن أصحاب البدع والخرافات الذين أحدثوا في دين الله ما لم يأذن به الله، هم الآن يعبدون الله على غير بصيرة، ويقلدون الآباء والأجداد والمشايخ ولو كانوا على غير بصيرة، ويتركون الهدى الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله تعالى. وهذه هي المشكلة التي يعيشها كثير من العالم الإسلامي، فأصبحت البدعة لدى طائفة منهم سنة، وأصبحت السنة لدى طائفة منهم بدعة، وكثرت المعاصي عقوبة على هذه البدع، وجاء الشيطان قوماً عن طريق البدع، كما جاء آخرين عن طريق المعصية.

стр. 461

بيان الأشهر الحرم وسبب تسميتها بذلك السؤال ما هي الأشهر الحرم؟ ولماذا سميت بالأشهر الحرم؟ وما مناسبة تلك التسمية؟ الجواب الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذه أشهر متوالية، ورجب، وهو المنفرد. هذه هي الأربعة الأشهر الحرم، وقد ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]. وهذه الأشهر الحرم سميت حرماً لأن الله تعالى حرم القتال فيها، وحتى المشركون الأولون كانوا يقاتلون طوال السنة؛ فإذا دخل شهر من الأشهر الحرم وهم في وسط المعركة يقفون؛ لأنهم يحرمون الأشهر الحرم. والمعاصي قد حرمت دائماً، وهي في الأشهر الحرم أكثر منها في غيرها بإجماع العلماء. والأمر الذي اختلف فيه العلماء هو: هل تحريم القتال في الأشهر الحرم ما زال باقياً أو أنه منسوخ؟ فمن قائل: إنه نسخ، وأصبح القتال في سبيل الله مباحاً دائماً على مدار السنة، ومنهم من قال: إن الأشهر الحرم لا يجوز فيها القتال ابتداءً، وإنما يجوز دفاعاً عن النفس؛ فإذا هجم العدو على المسلمين فإنهم يدافعون عن أنفسهم ولو كان في الأشهر الحرم، لكن لا يبتدئون القتال في الأشهر الحرم. هذا بالنسبة للقتال. أما بالنسبة لتعظيمها وتشديد المعصية فيها، وأن المعصية فيها أعظم من المعصية في بقية الأشهر الثمانية، فإن ذلك ما زال باقياً، وسيبقى إلى يوم القيامة. ومناسبة تسميتها بالحرم من التحريم، أي: أنه حرم القتال فيها، فأصبحت حرماً، أي: لها حرمة أكثر من غيرها.

стр. 462

تكرار التوبة إذا تكرر الذنب السؤال إذا كان الإنسان يتوب ثم يرجع وهكذا، فهل لهذا توبة؟ وهل يجوز أن ينذر طاعة حتى لا يعود إلى المعصية، كأن يقول: إن فعلت هذه المعصية فعلي أن أصوم يوماً أو يومين أو أن أصلي عشر ركعات؟ فهل مثل هذا جائز؟ وما الحكم إذا ترك الإنسان المعصية من أجل هذه الدوافع لا من حيث إنها محرمة أو محظورة؟ الجواب بالنسبة للذي يعصي ويتوب ويعصي ويتوب، هذا باب التوبة مفتوح أمامه، ولا نقول: إنه إذا عصى وتاب وعصى وتاب فلا توبة له، بل باب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، أو إلى أن تبلغ الروح الحلقوم. لكن أنا أخاف على ذلك الذي يعصي ويتوب ويعصي ويتوب أن يعصي الله تعالى ولا يتوب بعد ذلك، وذلك أنه إما أن يعاقب بسوء الخاتمة، نسأل الله العافية! وإما أن يطبع الله على قلبه فلا يتوب بعد ذلك، وإما أن يحصل له شيء آخر يحول بينه وبين التوبة في أي أمر من الأمور. لكن باب التوبة مفتوح له، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، فربما يقيض الله له شيطاناً من شياطين الإنس أو شياطين الجن فيحول بينه وبين التوبة. وعلى كل فنحن نقول له: اتق الله يا أخي! وإذا عصيت وتبت فحافظ على هذه التوبة؛ لأن التوبة باب ولجت فيه إلى الله ، وخرجت به من معصيته إلى طاعته، فحافظ على هذه التوبة. ولكن إذا عصيت مع ذلك أيضاً فتب، ولو عصيت ثالثة فتب، وكن دائماً إذا عصيت تتوب، ولا نقول: اعص، وإنما نقول: تب إذا عصيت. أما بالنسبة لأن يلزم الإنسان نفسه بعبادة من العبادات من أجل أن يمتنع فيها عن المعصية، فأنا لا أرى أن يلزم الإنسان نفسه بذلك؛ فإن الرسول ﷺ نهى عن النذر وقال: (إن النذر لا يأتي بخير)؛ لأنه عبادة يلزم الإنسان بها نفسه. فإذا كان هذا الإنسان ينذر بأنه إذا عصى يصوم أو يصلي أو نحو ذلك؛ فنقول: لا تفعل؛ لأن النذر منهي عنه، لكن لو نذرت فإنه يلزمك أن تفي به، لكن لا خير في النذر؛ لأنه لا يأتي بخير، كما قال الرسول ﷺ . ولربما تكون هذه الطاعة قد ألزمت بها نفسك فلا تستطيع أن تؤديها في يوم من الأيام، لكن لو ألزمت نفسك بها بنذر فإن عليك أن تفي به. وهذا لا يكون في الحقيقة علاجاً لمن يعصي ويتوب ويعصي ويتوب، وإنما العلاج الصحيح لمن يعصي ويتوب ويعصي ويتوب أن يتصور معنى التوبة، وأن الله تعالى قد فتح بابه له، وبسط يده له، وأنه قد أنعم الله عليه بهذه التوبة، فكيف يترك نعمة بعدما حصل عليها؟! فهذه التصورات تغني عن هذه العبادات التي يلزم الإنسان بها نفسه. لكن لو ألزم الإنسان بها نفسه وليس على طريق النذر فلعل ذلك لا بأس به، لكن الأولى له ألا يلزم نفسه بشيء من ذلك؛ اللهم إلا إذا كان قد تاب فإنه يكون من أسباب هذه التوبة أن يتقرب إلى الله بعبادات؛ لعل الحسنات يذهبن السيئات، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وكما قال كعب بن مالك ﵁ لما قبل الله تعالى توبته: (يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي شكراً لله تعالى. فقال له الرسول ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). وعلى كلٍ فالإلزام بالطاعة ليس بالشيء الجيد، لكن أنا لا أستطيع أن أجزم بأن أقول: إنه منهي عنه أو غير منهي عنه، والأقرب أنه مباح، لكن لا يلزم الإنسان نفسه؛ لأنه قد يعجز عن أداء هذا المباح فيصبح مطالباً بذلك.

стр. 463

حكم أخذ الفوائد الربوية من البنوك السؤال ما رأيك في شخص أخذ فائدة من البنك وحسن بها وضع أسرته الفقيرة، بدلاً من أن يأخذ ذلك البنك وينمي به رأس ماله؟ الجواب أما ربا البنوك فنحن لا نشك بأنه من ربا النسيئة المحرم الذي لا شك فيه، والله تعالى علمنا كيف نعمل بالفائدة المحرمة في حال التوبة فقال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]. ولذلك أنا أخالف الذين يقولون: إننا لا نترك الفائدة؛ لأن هذه البنوك يتقوى بها الكفر على الإسلام؛ فالكفر قوي بأموال كثيرة غير هذه الأموال، والاجتهاد في موضع النص لا يجوز، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]. هذا بالنسبة لمن تاب، فكيف بالذي لم يتب؟ فالذي تاب لا نقول له: أنت مسامح في الماضي الأول، وإنما نقول: خذ رأس مالك ورد الزيادة على أصحابها. ولذلك فإن الذين يأخذون الزيادة والفائدة من البنوك ويقولون: ندفعها في طرق الخير، نقول لهم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وإذا كنت تريد أن تبذل في وجوه الخير فابذل من مالك الحلال؛ أما من الربا فإن الخير لا يقوم على الربا وعلى الأموال المحرمة. وقد قال لي كثير من الذين يتعاطون الفوائد الربوية: لو تدفعونها إلى المجاهدين في أفغانستان، وأقول: لعل هذا العمل هو السبب في عدم نجاح المجاهدين في أفغانستان في جهادهم؛ لأن الجهاد في سبيل الله لا يقوم على الربا، والمسلمون لا يقدمون للجهاد في سبيل الله إلا أفضل أموالهم. فالذي يقدم فائدة البنوك للإصلاح وللأسرة، أو لمساعدة فقير أو منكوب، أو للجهاد في سبيل الله، نقول له: قد أخطأت، وعليك أن ترد هذه الفائدة إلى البنك ولو تقوى به؛ فإن ذلك لا يهمنا؛ لأنه لا يجوز لك أن تأخذها حتى ولو كنت سوف تحرقها؛ لأنك إذا أحرقتها قد تملكتها ثم أحرقتها. فنقول: ردوها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، ولك رأس مالك، وتنفق في وجوه الخير ما شئت من رأس مالك، لكن لا تنفق من هذه الفائدة المحرمة. هذا هو ما أعتقده وأدين الله تعالى به.

стр. 464

تأجير البيوت لغير المسلمين السؤال أجرت بيتي من شركة وإذا بها تسكن أفراداً غير مسلمين، وبعضهم مسلمون لا يؤدون الصلاة جماعة، فما حكم هذا التأجير؟ الجواب أعتقد أن التأجير لا بأس به، فمعاملة غير المسلمين لا بأس بها، والرسول ﷺ كان يبيع ويشتري من اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي؛ فلا مانع أن تسكِّن فيها غير مسلم؛ بشرط ألا يكون هؤلاء غير المسلمين في حي يضايقون المسلمين؛ وإنما يكونون في منطقة بعيدة معزولة. الشرط الثاني: ألا تعمل فيها المحرمات علناً، كأن تعلق فيها الصور والرموز التي ترمز للديانات المسيحية، أو يشرب فيها الخمر علناً، أو ما أشبه ذلك. أما أن تتعامل مع غير مسلمين فذلك لا بأس به؛ لأن الله قال: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]، فأباح البر والإقساط إليهم، وألا نضايقهم، وألا نؤذيهم أيضاً. وعلى هذا فلا مانع من أن يؤجر المسلم على غير مسلم بيتاً، بشرط ألا يكون هناك مضايقة للمسلمين، وألا يكون فيه أذية، وألا تظهر فيه شعائر غير شعائر الإسلام.

стр. 465

انتشار الصحوة الإسلامية في هذه الأزمنة السؤال فضيلة الشيخ! دائماً بعض المحاضرين يتكلمون عن الشباب وما يظهر فيهم من المعاصي والانحراف، ولم يتكلموا عن هذه الصحوة التي حصلت بين الشباب اليوم من صلاح ورجوع إلى الله، نرجو منكم بيان ذلك؟ الجواب أحسنت يا أخي! أنا كنت أريد أن أتكلم عن هذه المسألة ونسيتها، والحقيقة أنه بالرغم من وجود إرهاصات مخيفة في المجتمعات الإنسانية، فهناك -والحمد لله- الآن بوادر خير في كل العالم والشعوب. فلو ذهبت إلى أمريكا لوجدت أنه يوجد فيها شباب متدين متمسك، مع أن الشهوات تحيط بهم من كل جانب؛ بل جميع أنواع الشهوات مبذولة وميسرة، ولكنهم فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وهكذا لو ذهبت إلى أوروبا أو ذهبت إلى الشرق والغرب، لقد رأيناهم -والحمد لله- بأعداد هائلة. وهكذا يعيش معنا -والحمد لله- كثير من هؤلاء الشباب الذين تحدوا جميع أنواع الغزو والأفكار التي وفدت إلى البلاد الإسلامية، وأعلنوا إيمانهم الحقيقي، وظهر هذا الإيمان وبرز في وجوههم وفي كل شئون الحياة. فهذه الصحوة الإسلامية لم تأت صدفة، وإنما جاءت نتيجة دعوات وعمل جاد قدمه إخواننا المسلمون هذا أمر. الأمر الثاني: سنة الله تعالى في الحياة أن الله تعالى قد تكفل ببقاء هذا الدين إلى يوم القيامة، وبمقدار ما يخاف طائفة من الناس على هذا الدين يطمئنون وهم يشاهدون هذه الصحوة الإسلامية. ثم أيضاً قد أخبر الرسول ﷺ بأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله أو حتى تقوم الساعة. وعليك يا أخي! وعليَّ وعلى كل واحد منا أن ينضم إلى هذه المجموعة؛ ليحقق هذه الفئة التي أخبر الله عنها وأخبر عنها الرسول ﷺ ، فقد أخبر الله تعالى بأن هذا الخير باقٍ إلى يوم القيامة، كما قال : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١]، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، ومن غلبة الرسل أن يبقى دين محمد ﷺ الذي هو خاتم الرسل إلى يوم القيامة. فهذه الصحوة يا إخوان! علينا أن ندعو الله أن يثبتها، كما أن علينا أن نشجعها؛ لأني أرى أن طائفة من الآباء بدءوا يسخرون من أبنائهم، ويقولون: إنهم موسوسون، فعلوا كذا، وفعلوا كذا! والحقيقة أن هذا الكلام الذي يقوله الآباء خطر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، ويقول تعالى وهو يخاطب الكافرين وهم في النار: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١١]. ولذلك فإني أدعو الآباء أن يشجعوا هؤلاء الأبناء، وأخشى عليهم أن يقعوا في ردة عن الإسلام حين يقولون: فلان دخل في الدين، وكأن الوساوس التي يخافون منها يسمونها بالدين، أو يعتبرون الدين شيئاً كالجنون يدخل فيه طائفة من الشباب. وعلى هذا نقول: هذه سنة الله تعالى في الحياة، وهذا الخير يتحدى الله به كل قوى الشر المعاصرة في أيامنا الحاضرة، ففي أيامنا التنصير والتبشير والتكفير والعلمنة، وكثير من الأفكار التي جاء بها أناس، وكانوا يخططون بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً من الناس إذا انتهوا انتهى دور الدين من هذه الحياة، فإذا بهم يخر عليهم السقف من فوقهم ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون. فتأتي هذه الصحوة الإسلامية في أحلك فترة من فترات التاريخ، وفي أشد ساعة من ساعات الزمن، وفي أيام كان هؤلاء يظنون أنهم كادوا أن يقضوا على الدين، فإذا بهذا الدين يعلن نفسه في كل أرجاء الأرض، ولو سرت إلى أي بلد من بلاد الله لوجدت هذه الصحوة الإسلامية -والحمد لله- تقوم على أشدها. ومن العجب أن الجامعات العصرية التي تدرس العلوم العصرية صارت تتمتع بهذه الصحوة أكثر من كلية الشريعة وكلية أصول الدين! أسأل الله أن يثبت الأقدام، وأن يأخذ بالنواصي إلى ما فيه صلاح الأمة، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يوفق القادة والمسئولين عن هذا الدين، كما أسأله أن يوفق رواد الأندية الرياضية والمسئولين عنها والرئاسة العامة إلى أن يقودوا هذا الشباب إلى ما فيه عز الدين والدنيا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 466

شرح حديث حذيفة فيما يستقبل من الزمان إن من سنن الله جل وعلا أن جعل الصراع بين الخير والشر طويلاً وممتداً على مر العصور، وجعل العاقبة للمتقين، فلابد للمسلم من معرفة أسباب النجاة، ومعرفة أسباب الهلاك؛ حتى يعمل بهذه، ويجتنب تلك، ويجب على المسلم أن يحذر الدعاة الذين على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، فعلى المسلم أن يأخذ بأسباب الثبات على دين الله، وأن يكون على بصيرة من دينه، وصلة بربه، حتى يلقى الله مسلماً مؤمناً صادقاً.

стр. 467

ظهور فتنة الدعاة على أبواب جهنم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فسيكون الكلام حول موضوع خطير؛ لأن له مساساً بواقعنا، وله صلة بما يجري في مجتمعنا اليوم، وهذا الموضوع معجزة، كان حديثاً فأصبح حدثاً! كان حديثاً من أحاديث الرسول ﷺ فأصبح واقعاً ملموساً. هذا الحديث رواه لنا حذيفة بن اليمان ﵁ فقال: (كان الناس يسألون الرسول ﵊ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: يا رسول الله! وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه يا رسول الله؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: يا رسول الله! وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا). كل هذه مقدمة ثم يأتي بيان ما يجب على المسلم تجاه هذه الفتن، قال: (قلت: يا رسول الله! فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: يا رسول الله! وإن لم يكن يومئذٍ للمسلمين جماعة ولا إمام؟ قال: فاهرب بدينك ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). عُرف عن حذيفة أنه دائماً يسأل عما سيحدث من الشر قبل أن يحدث؛ مخافة أن يدركه هذا الشر على غير علم، وفي هذا الحديث بين الرسول ﷺ أن ذلك الخير الذي جاء به، وتلك الحياة السعيدة في ظل الإسلام سيعقبها شر، ولقد حدث في تاريخ العالم الإسلامي في أوله شيء من ذلك الشر، مما يدلنا على صحة هذا الحديث، ثم جاء الخير وكان فيه دخن، ثم جاءت هذه الفتنة العمياء التي تمثل المرحلة الرابعة من مراحل هذا الحديث الصحيح، وهي شر يتمثل في: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)، ثم هم أيضاً: (من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا!!) وفي الواقع أن هذه المرحلة ربما نعيشها اليوم بحذافيرها. وأما المرحلة الرابعة فقد تحققت برمّتها في واقعنا اليوم، فأصبحنا نعيش هذه المرحلة، والدليل على ذلك أن هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم الآن يتسلمون مناصب كبيرة في كثير من نواحي الحياة، ثم هم أيضاً بقدر ما يتيسر لهم من إمكانات يزاولون هذه المهنة وهذه المصيبة التي حدثنا عنها الرسول ﷺ بأنهم يزاولوها. فإذا كانوا من ذوي السلطة والمكانة فإنهم يقودون الناس إلى أبواب جهنم بالسلاسل، ويقودونهم بالقوة ليفتنوهم عن دينهم وليصرفوهم عنه، ثم يقودونهم إلى أبواب جهنم ليقذفوهم فيها!! أما إذا كانوا أقل من ذلك فإنهم دعاة الباطل الذين مكنتهم الحياة الراهنة من أن تكون لهم مكانة، ومن أن تكون لهم أفكار وأقلام وألسنة يقودون بها الناس إلى الهاوية وهم كما في الحديث: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، وما أكثرهم اليوم!! وقول الرسول ﷺ : (من أجابهم إليها)، دليل على أن العاقل لا يلتفت إلى هؤلاء ولا ينخدع بهم؛ لأن علامة النفاق واضحة عليهم وإن كانت ألسنتهم معسولة حلوة، ولقد جاء وصفهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة:٢٠٤] بأنه صادق ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، أي: أخبثهم، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة:٢٠٥]، أي: إذا تمكن واستطاع أن يخدع الناس فاستلم زمام الأمور فإنه سيفسد في الأرض فساداً عريضاً: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٥]؛ لأن الفساد في الأرض يؤدي إلى فساد في الطبيعة، وفساد في مخلوقات الله تعالى، وفساد في الاقتصاد، وفساد في المال والثمرات والأنفس، وفي كل شيء كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]. وعلى أيدي هؤلاء المفسدين يحدث كل ما يحدث من شر وفتنة، لكن الله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، وهؤلاء يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٥] أي: أنه حينما ينشر الفساد يتسبب في وقوع العقوبة من الله فيهلك الحرث والنسل، وهذا نتيجة معصيته وإجرامه، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. وهؤلاء لهم عزة وأنفة في غير وجهها الصحيح كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦]، وهؤلاء لا يذيب قسوة قلوبهم إلا نار جهنم، يقول الله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].

стр. 468

لزوم جماعة المسلمين خير وسيلة للوقاية من شر هؤلاء الدعاة السبيل للخلاص من هذا الغزو بينه الرسول ﷺ في آخر هذا الحديث، فقال: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم)، فإذا كان للمسلمين إمام ولهم جماعة فما عليك إلا أن تنضم إلى هذه المجموعة لتصبح عضواً في هذا الجسم السليم الذي نبذ كل هذه الأوبئة وهذه الأمراض. وقوله: (الزم جماعة المسلمين) دليل على أن الدعوة الفردية لا تحل مشكلة، ولا تقضي حاجة؛ إذ إن أي فرد من المسلمين يريد أن يتخلص من هذا الغزو الذي يحمل أعباءه دعاة من أبناء جلدتنا، فلا بد أن ينضم إلى مجموعة خيرة صالحة يتعاون معهم؛ ليحمي نفسه من هذا الغزو؛ وليتخذ لنفسه حصانة؛ لأن الذئب إنما يأكل من الغنم القاصية، ومن الناحية الأخرى: ليشكل قوة تحمي الإسلام، وتحمي أبناء المسلمين، وتقوم بالدعوة إلى الله تعالى، والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من أجل أن تحتمي الأمة الإسلامية من أعدائها؛ ولذلك فإن العمل الجماعي في سبيل الدفاع عن الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله هو السبيل التي أرشدنا إليه الرسول ﷺ حينما قال: (الزم جماعة المسلمين وإمامهم). أما لو فُقدت هذه الجماعة، وأصبح الشر مستطيلاً في الأرض، وأصبح الأمر بحيث لا يجد المرء فيه ملجئاً وملاذاً في مجتمع إسلامي يعبد الله، ويقيم تعاليم هذا الدين، ويحميه من أعدائه، ولم يكن للمسلمين حينئذٍ إمام؛ فما على المسلم إلا أن يلجأ إلى أصل شجرة فيعض عليها، أي: يلتزم مكاناً نائياً عن هذه المجتمعات الفاسدة، وعن هذه البيئة المتلوثة؛ من أجل أن يفر بدينه، وفي الحديث: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شعف الجبال؛ يفر بدينه من الفتن). وهذه العزلة لا يلجأ إليها المسلم إلا في حال الضرورة إذا لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام، أما إذا كان لهم جماعة وإمام فإن هذا يعتبر هو العجز والكسل، وهو الجبن والخور، حينما يفر بدينه ويترك الميدان، ويترك الحياة يعبث بها الجرذان، وهو قد عض على أصل شجرة، مع أنه يستطيع أن يغير أو يبدل أو يأمر وينهى. إن المسلمين الآن -والحمد لله- لهم جماعة وإمام، فكل واحد من المسلمين مطالب أن ينضم إلى هذه المجموعة؛ من أجل أن يشكل جماعة تدافع عن هذا الدين، وليس معنى ذلك أن تخرج على السلطة! ولكن لتكون قاعدة للإسلام وبيئة إسلامية سليمة يأوي إليها من يريد الفرار بدينه. أما أن نفر بديننا ونترك هذه المجموعة تعمل وحدها في ميدان الدعوة والإصلاح، ونريد أن نفضل الراحة أو أن نعكف على العبادة فإن ذلك لا يجوز. ولقد فهم طائفة من الناس في الزمن الأول في عهد أبي بكر ﵁ هذا الفهم، ففضلوا أن يعيشوا بعيداً عن مشاكل الناس، ويتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأولوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم﴾ [المائدة:١٠٥]، فسارع أبو بكر الصديق ﵁ فصعد المنبر وقال: أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه). وعلى هذا فليس معنى الآية: الزموا أنفسكم، وأصلحوا أنفسكم فحسب، ولا يضركم من ضل إذا اهتديتم بأن تعكفوا على العبادة. ولكن معنى ذلك: إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وأديتم الفرائض كالجهاد في سبيل الله، ثم لم يستجب لكم الناس، فحينئذ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، أما أن نتذرع بهذه الآية أو بغيرها لنعطل هذا الجانب المهم، فإن ذلك ما لا يرضاه الله . أيها الإخوان! إن علينا أن نتفهم هذا الحديث، وأن ننظر إلى واقعنا لنرى هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تعتبر معجزات لرسول الله ﷺ وقعت عياناً، ثم علينا أن نسلك الطريق التي أرشدنا إليها الرسول ﷺ ؛ لنلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وحينئذ فلن تضرنا هذه الفتن، ولن يضرنا أولئك الدعاة وإن كان لهم نصيب من البلاغة والفصاحة، وإن كانوا يتسلمون كثيراً من المراكز العالية فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 469

هؤلاء الدعاة هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أيها الإخوان! وحينما نتأمل في أولئك القوم الذين وصفهم لنا رسول الله ﷺ نرى أن تلك المواصفات كلها قد انطبقت في هؤلاء، فهم قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ولم يأتوا من الشرق أو من الغرب، وأعداء الإسلام قد مهدوا لهم السبيل، وسلموهم مقاليد الأمور، فأصبحوا يخدمونهم بكل طلاقة وبكل حرية، ويؤدون الدور الذي تعلموه على أيدي الكفار حينما عاشوا بينهم وتربوا على أيديهم، أو حينما أخذوهم إلى بلد هناك ليعيشوا بينهم، وليفرض عليهم نوع من الحياة؛ ليعودوا فيخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الكافرين، وكما قال الشاعر طرفة في معلقته: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند وحينما كان الإسلام يحاربه أعداؤه من الكفرة، فإن ذلك أمر واضح يدركه الناس عياناً، فيقيمون الحصون بينهم وبين أعدائهم، ولكن الأمر أخطر حينما يكاد للإسلام من أهله، ويحاول، أن تقطع شجرته بغصن من أغصانه، فيحاربوه بأحمد ومحمد وعبد الله من المحسوبين على الإسلام، فأصبح الأمر من الخطورة بمكان؛ لأنهم قوم من أبناء جلدتنا، فهم ينتسبون إلى العرب وينتسبون إلى الإسلام سواءً كان في الهوية أو في الاسم أو في الأصل والأمجاد، ولكن الإسلام منهم براء؛ لأنهم قد أعلنوا الحرب على الله وعلى دينه، فهم بالرغم من أنهم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، لكنهم (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها). أما كيف نستطيع أن نضع الوسام على هؤلاء لنكشفهم أمام الناس، فإن ذلك لا يحتاج إلى أمر عظيم، فما عليك إلا أن تطالع كثيراً من صحف العالم الإسلامي التي تصدر في البلاد الإسلامية، أو كثيراً من مؤلفاتهم ومجلاتهم، أو كثيراً من إعلامهم؛ وستجد أن هؤلاء الدعاة الذين هم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا، يبرزون أمام الناس عياناً فلا يحتاجون إلى وصف يوضحهم أكثر من ذلك الوصف، نعرفهم بسيماهم، ونعرفهم في لحن القول، ونعرفهم بنطقهم، ولربما نعرفهم بكفرهم وإلحادهم حينما يتسنى لهم في بعض الأحيان أو في بعض الأماكن، فقد يعلنوا كفرهم وإلحادهم، أو خروجهم على المبادئ الإسلامية، وعلى القيم الحسنة والأخلاق والفضائل، وكل ذلك لا يحتاج إلى دليل، فهو واقع مشاهد. أيها الإخوان! إننا نقرأ كثيراً من صحف العالم الإسلامي مما يكثر انتشاره حتى في بلادنا هذه، فنشم رائحة هؤلاء، ونراهم بأمهات أعيننا في وضح النهار، وهم من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بألسنتنا، ولكنهم: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها). فمرة يحاربون الحجاب، ويدعون أن الإسلام لم يفرض هذا الحجاب، وإنما هو من مخلفات القرون الوسطى!! ومرة يقولون: إن هذا التستر وهذا الحجاب تقوقع!! ومرة يقولون: إنه رجعية وتخلف!! ومرة يصفون الحدود والأحكام الشرعية بأنها وحشية وقسوة!! وهكذا لا يدعون جانباً من جوانب هذا الدين إلا ويصيبوه بسهم من سهامهم، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. وذلك يعني أن المسلمين كلهم محاربون بهذا الغزو، ولقد أصيب بهذا الداء كثير من أبناء المسلمين من ضعاف العقول، إما ممن لم نربهم التربية الصحيحة المكتملة، أو ممن سلمناهم لهؤلاء يوجهونهم كيف يريدون، فأصبح طائفة من هؤلاء يزمرون ويصفقون وراء هؤلاء القوم، وأصبحت الفتنة قد أصابتهم بشيء من ذلك. والحديث عن هذا الموضوع واضح؛ لأنه واقع نشاهده ونقرؤه ونعايشه، فكم نرى ونقرأ في صحف تصدر في قلب البلاد الإسلامية وهي تحمل هذه المبادئ الخطيرة، وتحمل هذا السم الزعاف؟ كم نسمع ونقرأ ونشاهد ومع ذلك فإن المسلمين لم يتحرك منهم إلا النزر القليل!

стр. 470

الأسئلة

стр. 471

حكم البعثات إلى بلاد الكفر لدراسة اللغات السؤال فضيلة الشيخ! ما رأيكم حول الرحلات والبعثات التي تقوم بها بعض المؤسسات التجارية لدراسة اللغات، سواء في أمريكا أو في بريطانيا، سواء كان بإمكان الشخص أن يقوم بأداء العبادة هناك على وجهها الصحيح أم لا، وشكراً؟ الجواب الصحيح أن هذه الدورات سواء كان يقوم بها التجار أو تقوم بها الدولة من إرسال الطلبة والبعثات في الحقيقة أننا في غنى عنها، ونستطيع أن نعمل دورات في بلادنا، ونأتي بالمعلمين ليعلمونا اللغة أو أي مادة، والمال هو الذي يحقق كل شيء في هذه الأيام، وماذا علينا لو اكتفينا بكل شيء في بلادنا، ولم نحتج إلى إرسال بعثات إلى بلاد الكفر، فإن ذلك من أكبر الأسباب التي شكلت الخطورة في وقتنا الحالي. أما الذين يعيشون في تلك البلاد، فإن كانوا يستطيعون أن يقيموا شعائر الدين فنحن لا نقول شيئاً إلا أنهم على خطر في دينهم، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإن الرسول ﵊ يقول: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين) وفسرها العلماء: بأنه الذي لم يستطع أن يقيم شعائر دينه. وعموماً: البعثات الخارجية من أخطر ما أصيبت به بلادنا التي تمتاز عن جميع أرض الله كلها بأنها لم تدنسها أقدام الاستعمار، والآن بدأت تتأثر على أيدي هؤلاء الذين ذهبوا يدرسون هناك، ليعودوا إلى هذه البلاد وقد تغيرت أفكارهم، وقد حملوا شيئاً من السم الذي ذاقوا طعمه هناك في تلك البلاد، ونسأل الله أن يوفق المسئولين حتى يحولوا بين شبابنا وبين هذه البعثات، وهو المستعان.

стр. 472

حكم استقدام الخدم والسائقين السؤال ما حكم استعمال الأسر لكثير من الأجانب، وخاصة غير المسلمين في حياتهم الخاصة كالخدم والسائقين، لا سيما ونحن نعيش في هذه الأيام بجانب هذه الأسر؟ الجواب الحقيقة أن هذا يشكل حلقة من سلسلة هدم الأخلاق والفضيلة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ويقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]، وهذا مخطط طويل عريض، وإذا لم نذهب إلى هناك فإن أولئك سيأتون إلينا ليعيشوا معنا في قعر بيوتنا، ونأتي بالخادمة من البلاد الكافرة أو حتى من البلاد المسلمة لنخلطها بأبنائنا؛ ويحدث الاختلاط داخل قعر البيوت إذا لم يتحقق الاختلاط في المدارس والجامعات؛ لأن بلدنا هذه -والحمد لله- لم تسمح بأن يكون هناك اختلاط، لكن هذا الاختلاط سيتحقق داخل البيوت؛ لتكون خطوة أولى فيصبح بعد ذلك من السهل أن نخلط هؤلاء بهؤلاء في المدارس وفي كل مكان آخر. فهذا الاختلاط يشكل خطورة عظيمة، وفي اعتقادي أن من أخطر ما أصبنا به في هذا البلد هو هذا الترف المادي الذي يعتبره كثير من الناس هو كل شيء!! ولكنه قد فتح علينا أبواب خطيرة لعل من أبرزها: أن ذهب بنا هذا الترف وهذا البذل وحب الاستعلاء إلى أن نأتي بهؤلاء الخادمات وهؤلاء المربيات لتفسد البيوت وتفسد الأخلاق، ثم نأتي بهؤلاء الذين يقودون السيارات لنسلم لهم أغلى ما نملك: أخلاقنا وفضائلنا وبناتنا ونساءنا؛ وحينئذٍ ننتظر -لو دام الأمر على هذا الوضع- فتنة أخطر من الفتنة التي نعيشها اليوم والعياذ بالله!

стр. 473

معنى المستشرقين السؤال من هم المستشرقون معنى وتفصيلاً؟ الجواب الحقيقة أني لم أطلع على شيء حول هؤلاء، ولكن المعروف أنهم أناس جاءوا من بلاد الغرب إلى بلاد الشرق الإسلامية، وعاشوا مع المسلمين، ودرسوا الإسلام دراسة شبه كاملة، وبدءوا ينقدون الإسلام، ويطعنون فيه من حيث عرفوه، ولربما يكون بعضهم أعرف بالإسلام من أبناء المسلمين، فطعنوا في الإسلام من هذه الناحية، وشككوا أبناء المسلمين في دينهم، وبعضهم قد اعتنق الإسلام حينما اقتنع وتجرد من أهوائه وشهواته، وعرف أن الإسلام هو دين الحق، أما أكثرهم فهم الذين خططوا لهدم الإسلام، وذلك بعد دراسة عن كثب، وبعد مدة عاشوها طويلاً في البلاد الإسلامية؛ عرفوا فيها الإسلام، وعرفوا كيف يغزى الإسلام، فكان من نتائج هؤلاء المستشرقين هذه المخططات التي غزي بها العالم الإسلامي.

стр. 474

الشخصية الازدواجية السؤال ما رأيك في الإنسان ازدواجي الشخصية؟ وما تعليقك على هذه الخاصية القديمة؟ الجواب الازدواجية كلمة مصرية، وكانت تسمى في القديم: النفاق، والنفاق أصبحت له الآن مسميات كثيرة، فمرة يسمى (ازدواجية)، ومرة يسمى (مجاملة)، وما أشبه ذلك. وهذا النفاق أو هذه الازدواجية إذا كانت في الاعتقاد فإن الله يقول: ﴿إن المنافقين فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾ [النساء:١٤٥]، أما إذا كانت ازدواجية ونفاقاً في العمل فإنها معصية، وعلى الإنسان أن يبتعد عنها، وعليه أن يكون صريحاً، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ [البقرة:٢٠٤]، وفي اعتقادي أن هذه الازدواجية التي تعيش معنا اليوم ونعيش معها أخطر شيء، فهناك ازدواجية في كل شيء، حتى وسائل الإعلام التي نشاهدها ونقرؤها ونراها بأعيننا تمثل هذه الازدواجية، فلا يكاد قارئ ينتهي من قراءة آيات من كتاب الله حتى تأتي أغنية! ولا تكاد تنتهي هذه الأغنية حتى يأتي حديث! وهكذا، فأصبحت هذه الازدواجية تمثل وتشكل عقداً في نفوس الأطفال والشباب، ولربما يأتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه هذا الشاب أو هذا الطفل الذي ألِفَ هذه المناظر والمظاهر أن يفرق بين الخير والشر، ثم يصبح الخير كله شراً أو الشر كله خيراً في ذهنه.

стр. 475

حكم شراء المجلات الفاسدة السؤال حبذا لو تنصح الشباب بقراءة الكتب بدلاً من هذه المجلات الفاسدة، وأن ثمنها يحاسب الإنسان عليه؛ لأنه دفعه في غير ما يرضي الله. الجواب ليس هناك شيء أعظم من كتاب الله ، وأنا أدعو نفسي وأدعو الشباب إلى أن نجعل في كل يوم شيئاً من كتاب الله نقرؤه، ونلزم أنفسنا به، ويا حبذا لو كنا نحفظ ذلك حفظاً، ثم أيضاً هناك مجلات وكتب إسلامية كثيرة تملأ البلاد، وتغص بها المكتبات والحمد لله، وأي واحد منا يستطيع أن يختار أحسن هذه الكتب، وعليه أن يتخير من أنواع هذه الكتب، فهناك الكتب العلمية، وهناك الكتب الثقافية، وما أشبه ذلك، وهناك مجلات تعتني بالتربية الإسلامية، فيا حبذا لو كان الشباب يقتنونها ويكثرون من قراءتها.

стр. 476

الغرض من تكرار قصص الأنبياء في القرآن السؤال رأيت قصة موسى ﵇ مكررة في كثير من المواضع في القرآن الكريم، الأمر الذي يثير تساؤلاً عند كثير من الناس، بل كان ذلك من المطاعن التي يطعن بها أعداء الإسلام، فما هي الحكمة من ذلك التكرار، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الحقيقة أن أعداء الإسلام لو أردنا أن نرضيهم أو أن نسعى لدحض شبهاتهم فلن نستطيع؛ لأن الله يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ [آل عمران:٧]، وهؤلاء لسنا مسئولين عن إرضائهم، ولكننا مسئولون عن أن نوضح لهم الحق إن أرادوا الحق. أما تكرار القصص في القرآن: فالحقيقة أن هذا يعطي القرآن الروعة الصحيحة، فقصة موسى هي أكثر قصة تكررت في كتاب الله، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يأتي بقصتين من قصص القرآن تحدثت عن قصة موسى ﵇ وإحداهما تشبه الأخرى؛ فإن كل واحدة تأتي بأسلوب جديد غير ما أتت به القصة الأخرى. وعلى هذا: فإن قصة موسى أو أي قصة جاءت في القرآن الكريم لها أهداف، وهذه الأهداف كما قال الله تعالى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢]، والرسول ﷺ -وهو يعيش في المحنة الهوجاء التي كان يقاسيها ويعانيها من ذوي قرباه ومن أهل بلده- لا بد أن يُسلى لتخفف المحنة عنه؛ فيخبره الله تعالى بما حدث للمرسلين من قبله، وما فعلت الأمم برسلهم؛ حتى يكون الرسول ﷺ مطمئن القلب؛ ليعرف أنه ليس وحده هو الذي سار في هذا الطريق الشائك. وأكثر القرآن من قصة موسى ﵇ دون غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى هم أقرب الأمم إلى الأمة الإسلامية، فاليهود آخر أمة بعث فيها رسول، ولربما يقول قائل: إن النصارى جاءوا بعدهم! فنقول: النصارى فرع من اليهود، فاليهود الذين بعث فيهم موسى ﵇ لما طال عليهم الأمد، بُعث فيهم عيسى ﵇، فانتصر النصارى على اليهود وآمنوا بعيسى. والقرآن كله جاء من أجل تسلية الرسول ﷺ ، وإخباره بما فعلت الأمم السابقة بأنبيائها، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، وهذه القصص كلها تحتوي على الصدق الكامل؛ لأنها من كلام الله .

стр. 477

حكم من لم يستطع إخراج التلفاز من البيت السؤال ما هو الواجب عليّ إذا لم أستطع إخراج التلفاز أو الدش؟ الجواب إذا كان هناك هذا الشيء وتستطيع أن تحاربه فعليك أن تحاربه، ولكن حينما لا تستطيع أن تبعده عن بيتك فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، فعليك أن تجتنب المكان الذي وجد فيه هذا الشيء وتستعين الله على ذلك.

стр. 478

حكم مشاهدة التلفاز السؤال ما حكم جهاز التلفزيون، وما هو الواجب علينا إذا كان في البيت تلفزيون ولم أستطع إخراجه من البيت؟ الجواب الحقيقة أن التلفزيون لو كان قبل هذا الزمن الذي نعيشه لما استطعنا أن نقول عنه أي شيء؛ لأنه آله، أما وقد استخدم اليوم وسيلة لهدم الأخلاق فلا أحد يشك أن أمره خطير، وأن على أي مسلم أن يحاربه بقدر ما أوتي من قوة؛ فهو الذي يفرض الاختلاط، ويعلم الناس الاختلاط، حتى المسرحيات الإسلامية التي نشاهدها أصبحنا نتعلم فيها أن سلفنا الصالح كان يختلط رجالهم بنسائهم! هذا هو ما تحمله تلك المسرحيات التي يسمونها بالمسرحيات الإسلامية! أضف إلى ذلك المسلسلات الفاسدة التي علّمت الناس الفساد والخلاعة، أضف إلى ذلك الأغاني وغيرها، فكل هذه أمور خطيرة تفرض علينا أن نحاربه بقدر ما أوتينا من قوة.

стр. 479

حكم التفسير بالإعجاز العلمي والتفسير بالكمبيوتر السؤال ما حكم التفسير بطريقة الإعجاز العلمي للقرآن، مثال ذلك: الحكم على نظريات جديدة بإشارة آيات من القرآن لها، ثم تأتي نظرية أخرى فيشار لها بنفس الآية؟ وما حكم استعمال الكمبيوتر في تفسير آيات الكتاب العزيز؟ الجواب بالنسبة للسؤال الأول: فالحقيقة أن هذا وضع خطير لجأ إليه طائفة من المفسرين العقليين وباعتقادي أن مصطفى محمود من هذا النوع، والحقيقة أن هذا إقحام للقرآن الكريم في أشياء لا تهمنا ولا تهم المجتمع، وهل جميع النظريات العلمية التي يقولها العلماء نحن مسئولون بأن نؤيدها بالقرآن؟! إن هذا باب خطير لربما نؤيد هذه القضية العلمية، ثم يأتي العلم -وهو غير ثابت على حقيقة واحدة- لينقض هذه النظرية في يوم من الأيام، وحينئذٍ نكون قد عرّضنا كتاب الله لأن يصبح ألعوبة، ويكذب به المكذبون. القرآن فوق مستوى هذه النظريات العلمية، القرآن جاء لتربية المرء المسلم، وما علينا إلا أن نسكت عن هذه النظريات، فإذا تعارضت مع القرآن الكريم تعارضاً واحداً فإن علينا أن نضرب بها عرض الحائط، أما إذا لم يظهر لنا التعارض بينها وبين القرآن الكريم فإن علينا أن نرجئها حتى تتعارض وحينئذ فإن علينا أن نرفضها. أما أن نفسر هذه النظريات العلمية بآيات من كتاب الله ، فإن كتاب الله فوق هذا المستوى، وكأن الذين يريدون أن يعملوا هذا العمل كما يقول سيد قطب ﵀: يريدون أن يلتقوا مع الجاهلية في منتصف الطريق، يقولون: ندنوا قريباً إليكم، وتدنون منا قريباً، وحينئذ نلتقي معهم في منتصف الطريق. ولربما يؤدي بنا هذا إلى أن نتنازل عن شيء من ديننا، أو أن نفسر كتاب الله على غير حقيقته!! وضربت لكم مثلاً بـ مصطفى محمود، وأنا لست من الراضين عنه، فأنا أخالف هؤلاء الذين يقولون: إن مصطفى محمود قد رجع عن إلحاده، ولكني أقول: إنه قد لجأ إلى نوع من الإلحاد، وضرب الإسلام بطريقة أخرى غير الطريقة التي كان يسلكها قبل ذلك. أما بالنسبة إلى تفسير القرآن بالكمبيوتر: فنحن لسنا بحاجة إليه، والعلماء الأولون قد خدموا كتاب الله خدمة كافية، وما علينا إلا أن نقرأ ما كتبوه، وحينئذٍ سنجد فيه ما يكفي ويشفي، وإذا كان هناك أشياء فسرها لنا العلم الحديث ولم يفسرها لنا العلماء القدامى الذين لم يدركوا هذا التطور الصناعي الجديد، ولكن العلم الحديث قد فسر لنا هذه الآية تفسيراً جديداً، ولكنه لا يخرج بالقرآن عن إطاره؛ فإننا نقبل ذلك. وعلى سبيل المثال: قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، في بعض الكتب القديمة أنه قد أنزلت المطرقة والمنشار وما أشبه ذلك من السماء، ولكن بعد أن رأينا هذه العجائب من هذا العلم الحديث عرفنا معنى قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)، وليس معنى ذلك أن القرآن أصبح خاضعاً لهذه النظريات العلمية، ولكن هذه النظريات أصبحت مفسرة للقرآن لا مؤيدة له.

стр. 480

دخول الجامعات الخاضعة للنظم الغربية السؤال سماحة الشيخ! ما رأيكم في دخول الكليات التي تخضع للنظم الغربية أو الأمريكية؟ الجواب يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وإذا كانت هذه الكليات أو هذه الجامعات التي تخضع للأنظمة الكافرة تسعى لهدف خبيث؛ من أجل اقتناص أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، فإنه لا يجوز الدراسة فيها؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يركن إلى هؤلاء الكافرين. أما إذا كان هذا الإنسان يأتي إليها لهدف الإصلاح وهو مطمئن على نفسه بأنه لن يتأثر، فإن هذا نوع من المخاطرة -ولربما تكون هذه المخاطرة فيها شيء من الفائدة لكنها ربما تضر هذا الإنسان- وما دام في المجتمعات الإسلامية -والحمد لله- كليات ومعاهد ومدارس بعيدة كل البعد عن مخططات الكافرين فإن علينا أن نفضلها على غيرها.

стр. 481

أهمية التربية الصحيحة للأبناء السؤال هناك إهمال شديد من قبل الآباء والأمهات نحو أبنائهم، وإهمال للتربية الصحيحة، وكأن الغيرة قد ماتت، فما توجيهكم؟ الجواب ينبغي ألا نقول: ماتت الغيرة؛ فالعالم الإسلامي فيه خير كثير، وهناك أمهات وآباء فيهم صلاح، وما زالوا يربون أولادهم تربية إسلامية، وإن ما يحدث اليوم من هذا الضعف سببه: إما انشغال كثير من الآباء بالمادة، أو وجود كثير من المغريات التي كان لها الأثر الخطير في سبيل انحراف هؤلاء الشباب، وواجب هؤلاء الآباء وهؤلاء الأمهات أن يخافوا الله تعالى، وأن يحاسبوا أنفسهم، وأن يعلموا أنها أمانة، وأنهم مسئولون عن هذه الأمانة يوم يقفون بين يدي الله ليحاسبهم وليحاكمهم، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]، فإن على هؤلاء الآباء والأمهات واجب عظيم في سبيل التربية، ولكن التربية لها وقتها المناسب، لا تتقدم ولا تتأخر عليه، والسن السابعة هي التي أرشدنا الرسول ﷺ إلى أنها بداية السن التي يمكن أن يبدأ الآباء والأمهات فيها بتربية أبنائهم.

стр. 482

مواجهة دعاة الشر السؤال كيف يقابل المسلم دعاة الشر؟ هل بالرد عليهم أو فضحهم أمام الناس أو تركهم ومخالفتهم؟ الجواب تختلف المناسبة التي يستطيع أن يرد فيها المسلم على دعاة الباطل والشر الذين هم من أبناء جلدتنا، وهم ممن يندسون في مجتمعاتنا، ويعيشون بين ظهرانينا، فعلى المسلم أن يجند كل القوى والطاقات في سبيل الدفاع عن دينه، وفي سبيل دحض حجج هؤلاء المبطلين، وإزالة ما يقذفونه في المجتمع من شبهات ومن شهوات. فالمسلم عليه أن يستغل كل ما يمكنه استغلاله من الوسائل، فيرد على هؤلاء، ويؤلف، ويتكلم، ويخطب، ويفعل كل ما في وسعه، وكل ما في طاقته في سبيل توجيه الناس، وفي سبيل إبطال شبه هؤلاء الأعداء، وحينئذ يكون قد أدى الدور الذي أنيط به حينما كان على ثغر من ثغور الإسلام.

стр. 483

مفهوم المسلم الحق السؤال أريد تحديد مفهوم الشاب المسلم حقاً؟ الجواب المسلم الحق هو: الذي يقيم تعاليم الإسلام المسلم الحق هو الذي يعرف أنه لا أحد في هذا الكون يستحق أن يُعبد أو يُخاف أو يُخضع له أو يُستغاث به أو يُستعان به إلا الله المسلم الحق هو: الذي يطبق كل تعاليم الإسلام من أوامر وأركان وواجبات حسب استطاعته بصدق، وهو الذي يجتنب المحرمات التي ما من ذنب يرتكب منها إلا ويعود على هذا المرء وعلى مجتمعه بالفساد والمصيبة والدمار. الحق هو: الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه يشعر باللوعة والألم وهو يرى العالم الإسلامي ويرى أمته قد انتشرت فيها المنكرات والمعاصي والموبقات، وهو يستطيع أن يغير فلم يغير، إذا كان يشعر بهذا الشعور، ويحاول التغيير، فإنه حينئذ يكون مسلماً حقاً.

стр. 484

أهمية استغلال الشباب والفراغ والمال فيما ينفع السؤال إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة فكيف يستطيع الشاب المسلم -وخاصة في العطلة الصيفية- أن يقضي فراغه؟ الجواب هذه الجوانب الثلاث التي قالها الشاعر: بشار بن برد صحيحة، وهي أخطر شيء على الإنسان: الشباب والفتوة والقوة، والفراغ حينما لا يكون هناك شغل، وتوفر المال دون أن تكون هناك عقلية تستطيع أن توجه هذا المال وجهة صحيحة، هذا أخطر شيء على الإنسان؛ لذلك يقول: مفسدة للمرء أي مفسدة، أي: مفسدة عظيمة، ولكن المرء العاقل يستغل هذه الجوانب الثلاث في أشياء إيجابية تعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع العظيم. فالشباب قوة هائلة لو استغلها الشاب لاستطاع أن يستفيد منها في الدنيا والآخرة، ولاستفادت أمته أيضاً منها، ولكنه حينما يستغل هذه الطاقة وهذه القوة والفتوة في معصية الله فإنها تمكنه مما يريد من هذه المعصية ومن هذا الإثم. كذلك الفراغ، والفراغ يُحسد عليه المرء، وعلى الإنسان أن يستغل هذا الفراغ فيما يعود عليه بالنفع: بالقراءة، وبمجالسة الصالحين، وبالاجتماع على الخير، أو بالحضور إلى هذه المراكز الصيفية التي أسست من أجل أن تستغل هذا الفراغ، لا من أجل أن تقضي على هذا الفراغ، وإنما من أجل أن تستغله في المصلحة؛ لأنه لا يهمنا أن نقضي الفراغ، وإنما يهمنا أن نستغله في المصلحة. وهكذا المال أيضاً: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته بالحق). وعلى هذا: فإن المال والفراغ والشباب كلها أسلحة ذو حدين، فإما أن يستغلها المرء فيما ينفعه، وإما أن يوجهها فيما يضره، وهي إلى الضرر أقرب إذا لم تجد عقلية تفكر وتستطيع استغلالها فيما ينفع.

стр. 485

حقيقة التخلف والرجعية السؤال يعتقد الكثير من الناس -وخاصة الشباب- أن الالتزام بالإسلام معناه الرجوع والتخلف، فكيف نرد على ذلك؟ الجواب الصحيح أن ترك الإسلام هو الرجوع وهو التخلف، والله يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]، ومما لا شك فيه أن المراد بالتقدم هو: الأخذ بالإسلام، والتأخر: هو رفض الإسلام، أو رفض شيء من تعاليمه. والدليل على أن التخلف هو رفض الإسلام أن الأمة الإسلامية حينما كانت متمسكة بدينها وعقيدتها وأخلاقها وسلوكها وفضائلها، كانت أمة مثالية، وكانت تنهار أمام جيوشها الحصون قبل أن تصل إليها!! ولو قدر لها أن تتمسك بدينها مدة أطول، لاستطاعت أن تغزو العالم كله، وأن ينتشر الإسلام في جميع أرض الله الواسعة، وإن كل ما حدث من التخلف إنما هو بسبب ترك الكثير من المسلمين لتعاليم دينهم. وعلى هذا فإننا نقول: إنكم أنتم المتخلفون ونحن المتقدمون؛ لأننا نسعى إلى حياة أفضل من هذه الحياة، وأنا لا أشك أن عقلية الرجل الذي يؤمن بالحياة الآخرة أكبر من عقلية الرجل الذي اخترع المركبة الفضائية وما يسمى بالعقل الالكتروني وما أشبه ذلك؛ لأن هذا قد اكتسب أشياء يراها بحواسه، أما ذلك الذي آمن بالغيب فإن عقليته قد اخترقت الحجب فعلمت بأشياء لم تدركها حواسه، فهؤلاء هم المتقدمون، وأولئك هم المتخلفون.

стр. 486

الفرق بين الغرور والثقة بالنفس السؤال ما الفرق بين الغرور والثقة بالنفس؟ الجواب الثقة بالنفس هو الاطمئنان إليها، وإعطاؤها ما تستحق من قيمة، لكن حينما تتعدى الحدود من هذه الناحية فإنها تصل إلى الغرور، والرسول ﷺ مدح الثقة بالنفس، ونهى عن الغرور، فقال لما سئل عن الإيمان: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك خطيئتك، فهذه علامة الإيمان)، لكن السرور بالحسنة لا يصل إلى درجة اغترارها بالحسنة والامتنان بها على الله، فإن ذلك هو الغرور.

стр. 487

خطر فتنة النساء والتبرج والاختلاط السؤال سماحة الشيخ! ما رأيك في المظاهر الماجنة التي تحدث في الأسواق ولا سيما في سوق الجمعة، حيث تخرج النساء بكثرة ويختلطن بالرجال، والله المستعان؟ الجواب علينا أن نعلم أن أعداء الإسلام غزونا من ناحيتين: الشهوات، والشبهات. فإن لم ينجحوا في الشبهات فإنهم يغزوننا بالشهوات، والشبهات قد لا تجد رواجاً مثل الشهوات؛ لأن الشهوات تميل إليها النفوس، أما والناس على بصيرة من دينهم فإنهم لا يعترفون بهذه الشبهات التي تطلق في مجتمعاتهم الإسلامية؛ لأنهم على ثقة من دينهم، لكن غزو الشهوات هو أخطر شيء أصيب به المجتمع الإسلامي اليوم؛ لأن الإنسان -بطبيعته البشرية- لديه ميل إليها. ولقد استخدم أعداء الإسلام المرأة وسيلة لانحراف المجتمعات الإسلامية، وهذا مخطط رهيب من قِبَل أعداء الإسلام؛ من أجل أن يفسدوا على هذه الأمة دينها، ويقذفوا بهذا الشباب في هاوية سحيقة، فاستخدموا المرأة في كثير من الأماكن والأعمال المختلفة كالسكرتارية وغيرها من الوظائف، وخلطوا بين الشباب والشابات في كثير من المدارس والجامعات في البلاد الإسلامية، وحتى في الخدمات الجوية استخدموا المرأة أيضاً! وكل ذلك من أجل أن يفسدوا المجتمعات الإسلامية. وإن ما يحدث في مجتمعاتنا من اختلاط في الأسواق، أو من تبرج، لهو نتيجة تلك المخططات، سواء ما تنشره الصحف أو ما تنشره وسائل الإعلام المرئية، وكل ذلك له آثاره السيئة، فكان ذلك سبباً في هذا الاختلاط في الأسواق، أو في هذا التبرج الذي نهى الله عنه، ولا سبيل إلى الخلاص من ذلك إلا بأن يعود المسلمون إلى دينهم، وأن ينشط دعاة الإسلام، وأن يوفق الله المسئولين عن أخلاق هذا البلد فيحولوا بين المسلمين وبين هذا الفساد، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥]، ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠].

стр. 488

حكم قطع النافلة بعد الشروع فيها السؤال فضيلة الشيخ! إذا صام الإنسان تطوعاً ثم أفطر خلال هذا اليوم عمداً فهل يجب عليه قضاؤه أم لا، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب بالنسبة للعبادات لا يجب الاستمرار فيها إلا الحج؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، فالحج -سواءً كان فرضاً أو نفلاً- لا بد من إتمامه، أما سائر العبادات فإن الإنسان غير ملزم بأن يتمها، فلو صام وأفطر أثناء النهار فليس ملزماً بقضاء هذا اليوم، وهكذا أي نافلة لو بدأ بها ثم قطعها فليس ملزماً أن يأتي بنافلة أخرى إلا الحج والعمرة فإنه مطالب بإتمامها ولو كانت نفلاً، فإذا شرع فيهما فلا بد أن يتمها، وإذا أحل فعليه أن يأتي بحج أو بعمرة بدل هذا الحج أو العمرة.

стр. 489

شكر النعمة لقد أسبغ الله جل وعلا علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهي لكثرتها لا تعد ولا تحصى، وقد أمرنا الله سبحانه بالشكر، ووعدنا بالزيادة، فهو الكريم العظيم، وكلما شكر العبد ربه زاده من فضله، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وشكر النعم هو القيام بما أوجبه الله تعالى تجاهها، وصرفها في مرضاته وطاعته ، وكفر النعم هو ضد ذلك، وهو سبب لزوالها وانقلابها نقمة وعذاباً.

стр. 490

نعمة المال والأكل من رزق الله تعالى في الأرض الحمد لله، الحمد لله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وكل شيء عنده بمقدار، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته ونصح لأمته وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة في الله! أيها الأحبة في العقيدة! افهموا فوائد المال وحقيقته، واسمعوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٨ - ١٦٩]. في هذه الآية الكريمة يبين الله أن كل ما في أيدي الناس جميعاً من نعمته، فيأمر الناس عامة: برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، بأن يأكلوا من رزقه، فإن الله لطيف بعباده: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢]، يعطي الدنيا المؤمنين وغير المؤمنين، ولكن هذه الدنيا إنما هي للمؤمنين، وما فيها من المتاع والنعيم إنما هو لهم، مع أنهم يشاركهم فيها غير المؤمنين، ولكنها خالصة لهم يوم القيامة، يقول : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. وفي آية أخرى يدعو الله المؤمنين إلى الأكل من رزقه، ويبين أنه خلقه من أجلهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. والفرق بين هاتين الآيتين: أن الآية الأولى أمرت الناس عامة أن يأكلوا من رزق الله وما في الأرض. أما الآية الثانية فإنها أمرت المؤمنين وأباحت لهم أن يأكلوا من رزقهم الذي خلقه الله من أجلهم.

стр. 491

شروط الأكل من رزق الله حينما نعود إلى الآية الأولى نجد أن الأكل من رزق الله، والأكل مما في الأرض لا بد أن يتوافر فيه شرطان: الشرط الأول: أن يكون حلالاً طيباً، فعلى المؤمنين خاصة أن يجتنبوا الحرام، سواء في ذلك الحرام لذاته، وهو ما حرم من أجل ذاته؛ كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما حرم من أجل غيره من أموال الناس، ومما يحصل عليه من الكسب الحرام. الشرط الثاني: ألا يتبعوا حينما يأكلون رزق الله في الأرض خطوات الشيطان، ولا يسيروا على آثاره ويتبعوا نهجه، سواء في ذلك شياطين الإنس أم شياطين الجن، ثم بين النهي عن اتباع خطوات الشيطان والأمر بالسير على أوامر الله فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠].

стр. 492

ابتلاء الله لعباده بالعطاء والحرمان من النعمة معشر المسلمين! إن سنة الله في هذه الحياة أن يذيق هذا الإنسان رحمته، والمراد بالرحمة هنا: نعمة المال ولذته، حتى إذا عض على هذه النعمة بالنواجذ نزعها الله من الكافر والباغي نزعاً، حتى إذا أبدله النعمة إثماً وأبدله المال فقراً، وأبدله الصحة مرضاً والأمن خوفاً؛ نسي ما كان بالأمس، وظن أن نعمة الله لن تعود إليه أبداً منذ تلك اللحظة التي يفارقها. يقول الله عن هذا الأمر: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ [هود:٩]، (نزعناها) أي: أخذناها بقوة وبشدة وبسرعة إذا لم يكن أهلاً لهذه النعمة: ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود:٩ - ١١]. معشر المسلمين! إن سنة الله في الحياة أن يرد الناس إليه طوعاً أو كرهاً، وحينما ينحرف الناس عن دين الله، وحينما يتنكبون عن طريقه المستقيم، يبتليهم في بادئ الأمر بالفقر والمسغبة والخوف والجوع والأمراض والأسقام، فإما أن يتراجعوا ويعودوا إلى الله ، وإما يتمادوا في غيهم، فإن الله يمتحنهم في المرحلة الثانية بالنعيم، يمتحنهم بالنعم والأمن والأرزاق تأتيهم رغداً، ثم بعد ذلك إذا لم يعرفوا قدر نعمة الله عليهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر. تجدون هذه المعاني كلها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ * أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ١٠٠]. معشر المسلمين! وهكذا يمتحن الله الناس عامة بالفقر والمسغبة، ثم يمتحنهم بعد ذلك بالمتاع والنعيم، فإذا لم يؤثر فيهم هذا وذاك فإن أخذه إليم شديد.

стр. 493

استدراج الله تعالى للعاصي بالنعم معشر المسلمين! ولربما يغتر طائفة من الناس بهذا النعيم، ويظنون أنه مقياس السعادة، وأنه علامة من علامات الرضا، وإذا ناقشت هؤلاء قالوا: الناس في خير! الناس في نعمة! هؤلاء الكافرون منذ القدم يرفلون في نعم الله ولم يأخذهم، ونسوا عند طرحهم لهذه الشبهة أن الله يقول: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]. أما هؤلاء الكافرون الذين يرفلون منذ القدم في نعم الله فإن الله يقول عنهم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. معشر المسلمين! إياكم واستعمال المقاييس! وإياكم أن تخدعكم هذه النعمة! وأنا حينما أخاف لا أخاف على أولئك المخضرمين الذين عاشوا فترة الجوع والمسغبة والخوف والجوع؛ فإن هؤلاء يدركون نعمة الله عليهم اليوم في كثير من الأحيان -وإن كان كثير منهم قد غير وبدل- ولكني أخشى على هذه الناشئة الجديدة التي ولدت وكما يقول المثل: وفي أفواهها ملاعق من ذهب، لا تسمع إلا عن مئات المليارات من ميزانية الدولة، ثم يظنون أن هذا النعيم كان قديماً، وأنه سيبقى لهم إلى الأبد! معشر المسلمين! احذروا هذا الفهم الخاطئ، واعلموا أن الله يقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]، أي: ندنيهم من العذاب درجة بعد درجة، بطريق لا يدركون أنه من العذاب، وأقرب ما يكون ذلك حينما تكون العقوبة نوعاً من النعيم في ظاهر الأمر. أيها المؤمنون! استجيبوا لأمر الله، واستقيموا على دينه، واعلموا أن النعمة قد تصيب القوم مع طاعة الله، وقد تكون علامة من علامات الرضا، أو نوعاً من الجزاء العاجل يعجله الله للمؤمنين، يقول سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٩٦].

стр. 494

أخذ الله تعالى لمن كفر نعمته ولم يشكره عليها إن علينا أن نشكر هذه النعمة، فلا نستعملها في معصية الله، ولا نقابلها بكفر المنعم ، فلسنا بحاجة إلى معاهد للموسيقى، أو ننفق أموال الله في مثل هذا السبيل؛ فإن الرسول ﷺ يقول: (إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، لهم النار يوم القيامة). إن الجهاد في سبيل الله الذي يفتح اليوم ذراعيه للمؤمنين أفضل طريق يجب أن ننفق فيه أموالنا وأموال المسلمين. فاستقيموا واحذروا سخط الله، وإياكم أن تغركم هذه النعمة، فلقد قص الله علينا أخبار كثير من الأمم كانوا في نعيم أكبر من هذا النعيم، وكان هذا النعيم فتنة، كما في قصة عاد الذين تجبروا في الأرض، وآتاهم الله من النعيم أكثر مما آتى غيرهم من الأمم فقالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٥ - ١٦]. أما قارون فقد قال الله عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، وقد قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٦ - ٧٨]، فيقول الله له: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. وكان قد اغتر بهذا النعيم طائفة من قومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، ولكن العقلاء والمؤمنين يقولون لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * َأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٢]، ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. أما بعضهم فلقد يسر الله له كل وسائل المتاع فاغتر وانخدع وتكبر على الله وعلى عباده، فانتقم الله منه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٥ - ٥٦]. ولعلكم تقرءون قصة سبأ، أولئك الذين آتاهم الله من المتاع حتى كان يسير السائر من اليمن إلى الشام في قرى متواصلة تظله الأشجار، فلما كفروا نعمة الله أوقع بهم العقوبة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٥ - ١٧]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 495

شكر النعم سبب لدوامها الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وكلوا من فضله ونعمته، واشكروا له إن كنتم إياه تعبدون. لقد أمر الله المؤمنين بأن يتمتعوا بما في الحياة الدنيا من المتاع، وبين أنه خلق ذلك من أجلهم، بل خلق الحياة الدنيا والآخرة كل ذلك من أجلهم، يقول : ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]. المؤمنون هم مطالبون بأن يقابلوا حق الله بالشكر: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠]، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١]، ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]. أما الذين يستغلون نعمة الله ويخونونها، ويستخدمونها في معصيته، فأولئك شر الخلق في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله بأن نقوم بالشكر شكراً عملياً لا قولياً: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وإذا كانت هناك نماذج في الأرض كثيرة استغلت نعمة الله في معصيته فقد أخذها أخذ عزيز مقتدر، كما قص الله علينا قصة سليمان الذي آتاه الله الملك والحكمة، ولكنه أدرك نعمة الله عليه وقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. معشر المسلمين! إن الذين يستغلون نعم الله في معصيته إنما يعذبون أنفسهم بعقوبة الله في الدنيا قبل الآخرة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]. أما نحن اليوم فإننا نرفل في هذا المتاع العريض، والأمن قد أرخى سدوله في بلادنا؛ بسبب تحكيم شريعة الله ، ويتخطف الناس من حولنا، فلم نؤد في الحقيقة شكر هذه النعمة. حينما كنا فقراء كنا أطوع لله وأتقى له منا اليوم، أما اليوم فإن أقل ما نتحدث عنه بالنسبة لما حصل في بلادنا التي بليت بهذا النعيم -ولا أقول منحت هذا النعيم- أن اعتمدنا على غيرنا في تربية أولادنا اتخذنا الخادمات الكافرات أو المتمسلمات أو -على أحسن الفروض- المسلمات، واختلطن بنا واختلطنا بهن اتخذنا الصحافة في كثير من الأحيان وسيلة لهدم الأخلاق والفضائل. حينما كنا في فقر ومسغبة كنا أتقى وأطوع لله ، ونسينا أنه هو الذي يقول لنا: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:١٣٢ - ١٣٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عنا معهم، اللهم ارض عنا معهم، وارزقنا حبهم، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك. اللهم اجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك، وأتمها علينا بفضلك ورحمتك. اللهم إنا نشهدك ونشهد ملائكتك وعبادك الصالحين أننا ننكر على كل من استعمل نعمتك في معصيتك، فلا تؤاخذنا بما كسبت أيدينا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]. عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. ﴿اتْلُ مَاْ أُوْحِيَ إِلِيْكَ مِنَ الْكِتَاْبِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
следующие страницы →